← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

باب: صلاة الاستسقاء صلاة الاستسقاء (١) سُنَّة (٢)، فإذا تأخر المطر واحتيج إليه خرج الإِمام بالناس إلى المصلى متواضعين متخشعين، فيصلي بهم صلاة الاستسقاء، وهي ركعتان كسائر الصلوات يكبر فيها تكبيرة واحدة للإحرام، ثم يقرأ بأم القرآن وسورة مثل الأعلى والليل ونحوهما جهرًا، فإذا سلم صعد على المنبر متوكئًا على قوس أو عصى كالجمعة والعيدين، ويجلس إذا أخذ الناس مجالسهم قام وخطب وأكثر من الاستغفار في خطبته، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فإذا فرغ استقبل القِبْلة وحول رداءه، فجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه، وليس عليه تنكيسه، ثم يستسقي الله تعالى ويدعوه بما تيسر له والناس جلوس فإذا تم (٣) ينزل وينصرف (٤). وقال أصبغ: إذا شرف على فراغه من الخطبة الآخرة حول وجهه إلى القِبْلة على غير ما وصفناه، فإذا فرغ من الدعاء عاد بوجهه إلى الناس فأتم بهم الخطبة ثم نزل ولا يكبر فيها سوى تكبيرة الإحرام وتكبير الخفض والرفع المعتاد في سائر الصلوات، ولا أذان فيها ولا إقامة ولا بأس بتكرار الخروج (٥) إذا احتيج إليه.

стр. 317

ولا يمنع المتجالات من النساء (١) الخروج وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء ولا يمنع من أراد ذلك. فصل [١ - دليل سنية الاستسقاء]: وإنما قلنا صلاة الاستسقاء سُنَّة، خلافًا لما يحكى عن أبي حنيفة أنها بدعة (٢) لما روي معمر (٣) عن الزهرى (٤) عن عباد بن تميم (٥) عن عمِّه: "أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيها وحول رداءة فدعى واستسسقى واستقبل القِبْلة" (٦)، ورواه ابن عباس (٧)، وأبو هريرة (٨)، وأنس (٩)،

стр. 318

وجابر (١)، ولأن الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة كخطبة العيدين والجمعة. فصل [٢ - الدليل على خروجهم متواضعين متخشعين]: وإنما قلنا: إنهم يخرجون متواضعين متخشعين لما رواه ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ خرج في الاستسقاء متواضعًا متخشعًا متضرعًا متبذلًا وصلى ركعتين" (٢)، ولأنها صلاة تفعل عند المحل والجدب طلبًا للفرج وزوال الشدة وسؤالًا للغيث والرحمة، فيجب أن يكون ذلك بتضرع وخشوع وتواضع وخضوع، لأن ذلك شأن الداعي السائل والراغب الطالب، وتفارق صلاة العيد لأن الغرض بها إظهار الشرع والإبانة على جماله والفخر به على المشركين. فصل [٣ - الدليل على أن لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء]: وإنما قلنا: أنه لا أذان فيها ولا إقامة لأنه لم ينقل أنه أُذِّن فيها للنبي ﷺ ولا أقيم، ولأنها صلاة مسنونة كالعيدين والخسوف. فصل [٤ - دليل التكبير في الاستسقاء]: وإنما قلنا: أنه يكبر فيها تكبيرة الإحرام فقط، ولا يزيد على تكبير سائر الصلوات خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية (٣)، لما روي: أنه ﷺ استسقى فصلى ركعتين وكبر واحدة (٤)، وهذا نص، ولأنها صلاة في غير عيد فلم يزد في تكبيرها كسائر الصلوات، ولأنها صلاة لم توضع لأجل نسك كالجمعة.

стр. 319

فصل [٥ - دليل الجهر بالقراءة فيها]: وإنما قلنا: أنه يجهر بالقراءة فيها لأن النبي ﷺ -كذلك فعل (١)، ولأنها صلاة ذات خطبة لنفسها كالجمعة والعيدين. فصل [٦ - دليل تقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء]: وإنما قلنا: أنه يقدم الصلاة على الخطبة، خلافًا لما يحكي عن ابن الزبير (٢) إن صح (٣)، لأن ذلك هو المنقول عن (النبي ﷺ ) (٤)، ولأنها صلاة مسنونة بخطبة فكانت الخطبة بعدها كالعيدين. فصل [٧ - الدليل على أن الإِمام يخطب متوكئًا على قوس أو عصي]: وإنما قلنا: إن الإِمام يخطب متوكئًا على قوس أو عصى لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الجمعة والعيدين (٥)، والمعنى فيه أن الإِمام يطول قيامه فيحتاج إلى استراحة واعتماد، أو خوف من أن يأخذه الدوار وما لا يؤمن معه سقوط وبالاعتماد يأمن ذلك. فصل [٨ - دليل تحويل رداء الإِمام]: وإنما قلنا: إن الإِمام يُحوِّل رداءه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن ذلك ليس من

стр. 320

السنة (١)، لأنه ﷺ حوَّل رداءه فجعل يمينه على شماله وما على شماله على يمينه (٢)، وقيل: إنما فعل ذلك تفاؤلًا ورجاء لانقلاب حالهم عن الشدة إلى الرخاء وعن الجدب (٣) إلى الخصب فثبت كون ذلك سنة لفعله له. فصل [٩ - الدليل على أن التنكيس ليس سُنَّة]: وإنما قلنا: إن التنكيس ليس بسنة، لأنه لم يرو من فعله، والقدر الذي روي تحويل الرداء فلا يقاس عليه غيره. فصل [١٠ - الدليل في تحويل وجه الإِمام إلى القِبْلة]: وإنما قلنا: إنه يُحوِّل وجهه إلى القِبْلة بعد الفراغ فيدعوا، لأن النبي ﷺ كذلك فعل (٤)، ووجه قول مالك إنه يفعل ذلك بعد الفراغ من الخطبة الثانية هو أنه لا يجوز له قطع الخطبة شيء يتشاغل به عن أمور تلك العبادة سواها اعتبارًا بالعيدين والجمعة، لأنه ليس له قطعها لصلاة ولا أذان ولا لغير ذلك بل من سنتها الاتصال والانتظام، ولأنها إحدى خطبتي الاستسقاء، فوجب ألا تقطع لما سواها كالأولى. ووجه قول أصبغ هو أن السُّنَّة في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء بعدهما كان ذلك زيادة على الخطبتين لأن الدعاء حينئذ منفرد له حكم نفسه، فإذا أتى به في تضاعيفهما لم يكن له حكم نفسه، بل كان نقصًا (٥) لهما والله أعلم.

стр. 321

فصل [١١ - الدليل على تكرار الخروج للاستسقاء]: وإنما قلنا: لا بأس بتكرار الخروج لأن الخروج إنما احتيج إليه لتأخر المطر والحاجة إليه والرجاء من الله تعالى إجابة الدعاء بالغياث، وما دامت الحاجة قائمة، فالمعنى موجود، وقد روي: "أن الله يحب الملحين في الدعاء" (١).٣٣٣٥٩٤٦٨ فصل [١٢ - الدليل على [عدم] منع النساء المتجالات من الخروج للاستسقاء]: وإنما قلنا: إنه لا يمنع النساء المتجالات من الخروج لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٢)، وليس ذلك بمقصور على المساجد وحدها بل أراد الصلاة في مواضعها، ولأن بهن حاجة إلى ذلك كالرجال، ولأن الدعاء يشترك فيه الناس كلهم والكل مندوبون إليه، وبخلاف ذلك المرأة الشابة والمخوف عليها أو منها الفتنة للجمال فكانت صيانتها في منع الخروج أولى. فصل [١٣ - الصيام قبل الاستسقاء]: فأما الصيام قبل الاستسقاء، فلم يرد شرع به، فإن فعل كان ذلك جائزًا لأنه قربة وفعل خير، وكل ما زاد الإنسان في فعل القرب فأكثر منها كان أقرب له إلى الإجابة وأدى إلى إجابة طلبه والله أعلم. تم كتاب الصلاة والحمد لله رب العالمين …

стр. 322

كتاب الجنائز باب: صفة غسل الميت (١) صفة غسل الميت كصفة غسل الجنابة (٢)، والغرض به التنظيف وإزالة الأذى عنه على الميسور، ويستحب أن يكون وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر، على ما يحتاج إليه في اجتهاد الغاسل، بماء وسدر (٣) وأن يكون في الآخرة كافورًا (٤) ويستر عورته وينزع ثيابه، ولا يفضي بيده إلى عورته إلا وعليها خرقة إلا أن يكون هناك مما يحتاج إلى مباشرته بيده، ويعصر بطنه عصرًا رقيقًا إن احتيج إلى ذلك، ولا يقلم له ظفر ولا يحلق له شعر. فصل [١ - ] فصل غسل الميت ومواراته والصلاة عليه (٥): وإنما قلنا: إن الغرض به التنظيف من غير حد سوى أن المستحب فيه الوتر لقوله ﷺ في حديث ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" (٦)، فوكله إلى اجتهادهن وإلى ما يرين من الحاجة إلى التنظيف.

стр. 323

وإنما قلنا: يكون بستر عورته لأنه لما وجب سترها وهو حي فكذلك بعد الموت، لأن حرمته باقية كهي في حال الحياة، وروي أن محمَّد بن سيرين (١) غسل أنس بن مالك، فلما بلغ إلى عورته قال لأهله: أنتم أحق دونكم فاغسلوها (٢)، فجعل الذي غسلها على يده خرقة وجعل على عورته ثوبًا ثم غسل عورته من تحت الثياب. وإنما قلنا: ينزع ثيابه خلافًا للشافعي (٣) في قوله: إنه يغسل في القميص، لأن ذلك أمكن في غسله وأبلغ في تنظيفه وأعون لغاسله على ما يريده من ذلك. وإنما قلنا: إنه إن احتاج إلى مباشرة عورته بيده فعل، فلأن تلك حال ضرورة، والضرورات تنقل الأصول عن بابها، وتغير موجباتها للحاجة إلى إزالة ما تدعو الضرورة إلى إزالته. وإنما قلنا: إنه يعصر بطنه عصرًا رقيقًا، فلأنه لا يؤمن أن يخرج منه شيء فيلطخ أكفانه وتنتهك بذلك صيانته ويزول المعنى المطلوب بتكرار غسله من المبالغة في تنظيفه، وقد روي ذلك عن السلف. وإنما قلنا: لا يقلم له ظفر ولا يحلق له شعر خلافًا للشافعي في استحبابه لذلك (٤)، ولأحمد بن حنبل في قوله: بحلق عانته وتقليم أظفاره (٥)، لأن الأصل ألا يفعل في الميت شيء إلا بشرع، ولم يرد شرع بذلك، ولأنه إزالة شيء متصل به خلقة بدنة فأشبه الختان.

стр. 324

فصل [٢ - جواز أن يغسل كل من الزوجين صاحبه]: ويغسل كل واحد من الزوج صاحبه، فأما غسل المرأة زوجها فلا خلاف فيه (١)، والأصل فيه: "أن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس" (٢)، "وغسلت أبا موسى الأشعري امرأته" (٣)، وقالت عائشة ﵂: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه" (٤)، ولم ينكر عليها أحد ذلك، ولأن الغسل لما كان فيه اطلاع على العورة والبدن والمغايب (٥) لم يكن بذلك أحد أولى من الزوجة. فصل [٣ - الرجل يغسل زوجته]: إنما قلنا: إن للرجل أن يغسل زوجته خلافًا لأبي حنيفة (٦)، لأن عليًّا غسل فاطمة ﵄ (٧)، ولم ينكر لذلك أحد، ولأن زوال الزوجية بالموت لا يمنع أن يغسل الحي منهما الميت أصله إذا مات الزوج، ولأن كل معنى لم يحرم نظر الزوجة إلى الزوج لم يحرم نظره إليها اعتبارًا بالأصول كلها كالمرض (٨)، وغيره.

стр. 325

فصل [٤ - الرجل يغسل أَمته]: ويغسل الرجل أَمته ومدبرته وأم ولده وكل من يستبيحه إلى حين الموت (١) فهي بمنزلة الزوجة، والعِلَّة ما ذكرناه من جواز الاطلاع على العورة حين الموت. فصل [٥ - نهي الرجل أن يغسل مبتوتته]: ولا يجوز أن يُغَسِّل الرجل مبتوتته منه وإن ماتت في عدتها، ولا تغسله هي إن مات (٢)، لأن العصمة منقطعة بينهما في الحياة كالأجانب، ولأنه لما لم يجز لأحدهما الاطلاع على عورة الآخر في الحياة فكذلك بعد الموت، لأن عِلَّة جواز ذلك في الموت هو استدامة جوازه حال الحياة إلى الموت. فصل [٦ - غسل الرجل مطلقته الرجعية]: وعنه في المطلقة الرجعية روايتان (٣): إحداهما أن أحدهما يغسل الآخر إذا مات في العدة، والأخرى أنه لا يغسله، فوجه الجواز أن أحكام الزوجية باقية بينهما إلى الموت بدليل لحوق الإيلاء والظهار والنفقة وثبوت التوارث فكانت كالمرتجعة، ووجه المنع فلأن الاستمتاع بها والنظر إليها كان محرمًا في الحياة، فكذلك بعد الموت لأن عِلَّة جواز ذلك في الموت استدامة جوازه في حال الحياة ولم يحصل ما يزيل المنع من الارتجاع فأشبه المبتوتة. فصل [٧ - غسل ذوي المحارم والأجانب]: ويجوز أن تغسل المرأة ذوي محارمها من الرجال من وراء ثوب إذا لم يكن معهم من يغسلهم من الرجال، وكذلك الرجل يغسل ذوات محارمه من النساء إذا لم يحضر من النساء من يغسلهن (٤)، لأن نظر بعضهم إلى أبدان بعض جائز، ألا ترى أن السفر جائز معهم، فأما الأجنبية إذا ماتت في سفر ولم

стр. 326

يحضرها إلا رجال أجانب، فإن من حضرها من الرجال ييممها يمسح وجهها وكفيها، والرجل إذا مات ولم يحضره إلا نساء أجانب يممنه: فمسحن وجهه ويديه إلى المرفقين (١)، لأن ما زاد على كف المرأة إلى الذراع عورة فليس للأجنبي الاطلاع عليه، وبدن الرجل ليس بعورة فجاز أن يبلغن بالتيمم غايته، وإنما قلنا: أن كل واحد من هؤلاء يُيَّمم لأن التيمم قد جعل في الشرع بدلًا من الغسل عند تعذره، فلما تعذر الغُسل في هذا الموضع لتحريم النظر إلى بدن الأجنبي قام التيمم مقامه. فصل [٨ - استحباب الاغتسال لمن غسل ميتًا]: ويستحب لمن غسل ميِّتًا أن يغتسل لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "من غسل ميتًا فليغتسل" (٢)، ولأنه ﷺ أمر عليًّا أن يغتسل لما غسل أباه (٣)، والمعنى في ذلك أن الغاسل ربما خاف أن ينتضح عليه من الماء الذي يصيب بدن الميت فقطعه ذلك عن الانبساط والمبالغة فيه، فإذا علم أنه يغتسل زال عنه ذلك. فصل [٩ - الكافر لا يغسل]: ومن مات له نسيب كافر أب أو غيره فلا يغسله ولا يلي شيئًا من أمره (٤) إلا أن لا يكون من أهل دينه من يكفيه ذلك فيواريه، لأن الغُسل تابع للصلاة فلما لم يصل عليه لقطع (٥) الولاية بينهما لم يغسله، ولأن غسل الميت تطهير له والكافر ليس من أهل التطهير.

стр. 327

باب: كفن الميت وحنوطه ومؤونة الدفن (١) والكفن والحنوط (٢) ومؤنة الدفن من رأس المال (٣) لأن ستر الميت وكفنه وصيانته حق لله تعالى، وحقوق الله مقدمة لا يجوز تركها ولا التراض بإسقاطها، ألا ترى أن الميت لو وصى بألا يكفن وأن يدفن عريانًا لم يكن له ذلك، فإنه لو لم يخلف كفنا لوجب على المسلمين تكفينه، ولأن حرمته كحرمة الحي، فلما لم يجز أن ينزع من الحي كسوته التي لا بد منها فكذلك من الميت، ولأن الميت مالك لقدر الكفن والحنوط من ماله بدليل أنه لا يجوز له منعه منه، ولأن ما يتعلق بحاجته بعد موته كحاجته في حياته، فلما كان في حاجته أولى الناس بماله فيما يحتاج إليه فكذلك بعد موته. فصل [١ - إذا كان الكفن مرتهنًا]: فإن كان الكفن مرهونًا فالمرتهن أولى لأنه بحيازته إياه قد صار حقه سابقًا لحال الميت لتعلق العوض به (٤)، والعين إذا تعلق بها حقان: أحدهما بعوض، والآخر بغير عوض كان ما يتعلق بالعوض مقدمًا على الآخر، كالدين والزكاة والوصية. فصل [٢ - القدر المطلوب من الثياب للكفن]: وليس في الكفن حد لأن الغرض به ستر الميت وصيانته، ويستحب الوتر (٥)

стр. 328

لأن رسول الله ﷺ كفن في وتر وهو ثلاثة أثواب (١)، وكفن ابن عمر ابنًا له في خمسة أثواب (٢). فصل [٣ - جواز الكفن اللبيس]: ويجوز في الكفن اللبِّيس (٣)، لأن أبا بكر ﵁ أمر أن يكفن في ثوب من ثيابه التي يلبسها وقال: الحي أحق بالجديد، وإنما هو للمهنة والصديد (٤)، ولأن الغرض ستر الميت وصيانته دون المفاخرة والزينة. فصل [٤ - البياض في الكفن]: البياض في الكفن أحب إلينا من غيره (٥)، لقوله ﷺ : "خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم" (٦)، ولأنه لما كان هو المستحب من اللباس في الدنيا، فكذلك بعد الموت. فصل [٥ - تحنيط الميت بالمسك والعنبر]: ويحنط بالمسك والعنبر، وكل طيب يجوز التطيب به للحي، فيجوز أن يحنط به الميت (٧)، وذلك: "أن رسول الله ﷺ حنط بالمسك" (٨)، وحنط عمر

стр. 329

رضي الله عنه بالكافور (١)، ووصى عليّ ﵁ أن يجعل في حنوطه مسك وقال: وهو فضل حنوط النبي ﷺ (٢)، ويستحب أن يجعل الحنوط في مفارقه ومفاصله ومواضع سجوده، لأن هذه المواضع أشرف ما في جسده، وقد قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٤). …

стр. 330

باب: وقت الصلاة على الجنائز (١) والصلاة على الجنائز جائز في كل وقت إلا عند طلوع الشمس، وعند غروبها (٢)، لأنها لما لم يكن لها وقت راتب كأوقات الفرائض المرتبة جازت في جميع الأوقات، وكرهت عند طلوع الشمس وغروبها لنهي النبي ﷺ عنها في هذين الوقتين بنهيه عن الصلوات فيهما عمومًا (٣)، ويجوز أن يصلي عليها بعد العصر ما لم تصفر الشمس لأنها آكد من النفل لكونها من خير الفروض، وإن لم تكن على الأعيان، وهذا إذا أمن تغيرها، فإن خيف ذلك صلى عليها أي وقت كان، لأن النهي مضمَّن بالسلامة والأمن من هتك الحرمة، فإذا لم يؤمن ذلك زال المنع، ولأنه لو منع ذلك مع الخوف لم يخل من أحد أمرين: إما أن يدفن بغير صلاة وذلك ممنوع، أو أن ينتظر به ذهاب هذه الأوقات فيؤدي إلى هتك الحرمة، وذلك ممنوع أيضًا فلم يبق إلا ما قلناه. فصل [١ - حكم الصلاة على الجنائز]: والصلاة على الجنائز من فروض الكفايات (٤)، خلافًا لأصبغ وغيره في قوله: أنها سُنَّة (٥)، لقوله ﷺ : "صلوا على موتاكم" (٦) وقوله:

стр. 331

"صلوا على من قال: لا إله إلا الله" (١)، وقوله: "حق المسلم على المسلم ثلاث فذكر: ويصلي عليه إذا مات" (٢)، ولأن ذلك متعلق بالموالاة وحرمة (٣) الدين. فصل [٢ - التكبير في صلاة الجنازة]: والتكبير فيها أربع (٤)، "لأن النبي ﷺ صلَّى على النجاشي فكبر أربعًا" (٥) وروي: "أنه صلى على قبر مسكينة فكبر أربعًا" (٦)، وصلى عليّ ﵁ على يزيد بن المكلف فكبر أربعًا (٧)، ولأن التكبير في صلاة الجنازة أقيم مقام الركعات في الصلوات، فجعل عدده كأكثر أعداد الركعات وهو أربع. فصل [٣ - إحرام وتحليل صلاة الجنازة]: ولها إحرام وتحليل، فالإحرام هو التكبيرة الأولى والتحليل هو السلام (٨)،

стр. 332

والأصل فيه أن كل صلاة افتتحت بالتكبير افتتاح تحريم ختمت بالتسليم، كالفرائض والنوافل، والسلام فيها واحدة، لأنه سلام تحليل كسائر الصلوات إلا أن المأموم لا يزيد على واحدة لأنه ليس فيها رد بخلاف الصلوات هو تحليل فقط، ويستحب إخفاءه لأن ذلك هو المنقول عن السلف. فصل [٤ - قراءة القرآن في صلاة الجنازة]: لا يقرأ فيها شيء من القرآن (١)، خلافًا للشافعي في قوله: إنه لا بد أن يقرأ فيها بأُم القرآن (٢)، لأن كل صلاة لا ركوع فيها لم يكن من سنتها قراءة أصله الطواف، ولأنه ركن من أركان الصلاة منفرد فلم يكن فيه قراءة أصله سجود التلاوة. فصل [٥ - عدم ترك الصلاة على الميت]: ولا تترك الصلاة على أحد ممن يصلي إلى القِبْلة (٣)، لقوله ﷺ : "صلوا على موتاكم" (٤)، وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" (٥)، ولأن الصلاة متعلقة بحرمة الدين، وذلك يستوي فيه جميع أهل الملة. فصل [٦ - الصلاة على العدل والفاسق والباغي وصاحب الكبيرة وغيرهم]: إذا ثبت ذلك فلا فرق بين العدل والفاسق والباغي وصاحب الكبيرة والمقتولين في حد وقود، إلا أنه يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا على البغاة وأهل البدع، وللإمام خاصة ألا يصلي على من قتله في حد (٦)، لأن الله تعالى نهى

стр. 333

نبيه ﷺ عن الصلاة على المناققين (١) تأديبًا لهم وردعًا، فكان ذلك أصلًا في كل من كان على غير الطريق من فساد الاعتقاد، فإن الإِمام وأهل الفضل يجب ألا يصلوا عليه، ويصلي عليه سائر الناس. فأما من قتله الإِمام في حد فلأنه ﷺ لم يصل على ماعز (٢)، والغامدية (٢) لما رجمهما، وكذلك الأئمة بعده لم يصلوا على من أقاموا عليهم الحدود بل تركوهم مع أهليهم، ويصلي عليهم سائر الناس، ولأنا قد بيَّنا أن في ذلك ردعًا لهم وإبانة عن نقصهم ليكون ذلك زجرًا لغيرهم ممن سلك طرائقهم. فصل [٧]: ومن جلده الإِمام في حد فمات من الضرب فإنه يُصلَّى عليه بخلاف المرجوم (٣) لأنه قصد قتل المرجوم ولم يقصد قتل المجلود، وإنما مات من مرض وهو الوجع من الضرب. فصل [٨ - الصلاة على السقط إذا استهل صارخًا]: ولا يصلي على سقط (٤) إلا أن يستهل صارخًا، تحرك أو لم يتحرك (٥)،

стр. 334

خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (١)، لأن الصلاة إنما هي على من علمت حياته قبل موته، وأمارة الحياة هي الصياح أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طالت به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيًّا لم يبق إليها، ولا معتبر بالحركة لأنها لا تدل على الحياة، لأن المقتول يتحرك وليس بحي، ولأنه قد كان متحركًا قبل وضعه ولم يحكم بحياته، وروي: "إذا استهل المولود صارخًا غسل وصلى عليه ووجبت ديته وميراثه" (٢). فصل [٩ - عدم الصلاة على الشهداء]: والشهيد المقتول في سبيل الله لا يغسل ولا يصلي عليه، ويدفن بثيابه إذا مات أو انفذت مقاتله في المعترك (٣)، خلافًا لأبي حنيفة (٤)، لما روى جابر أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم" (٥)، وروي: "أنه لم يصل على أحد من الشهداء إلا حمزة" (٦)

стр. 335

ولأن الغُسل متعلق بالصلاة فإذا كان الشهيد لا يغسل ثبت أنه لا يصلي عليه، ولأنه مستغن بفضل الشهادة عن الصلاة بقوله: أنا شهيد على هؤلاء. فصل [١٠ - الصلاة على من جرح في المعركة ثم عاش بعدها]: فأما إن حمل من المعترك جريحًا فبقي زمانًا أو أيامًا، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه (١)، لأن الخبر ورد فيمن قتل في المعترك، ولأنه إذا حمل وعاش أمكن أن يكون مات من سبب طرأ عليه فلم يكن حكمه حكم من مات في المعترك، ولأن الذي فاضت نفسه في المعترك له منزلة لا يدانيه فيها غيره لأنه فارق الدنيا على نصرة الدين (٢) والتوحيد، وذلك أشرف المقامات فلم يحتج إلى شفاعة المصلين، وهذا هو الفرق بين الشهيد في سبيل الله وبين سائر الشهداء من الغريق والطعين والهديم (٣) والحامل ومن قتل دون ماله ومن ذكر معهم (٤). فصل [١١ - السبي يموت قبل أن يتلفظ بالشهادتين]: ومن مات من السبي (٥) قبل أن يتلفظ بالشهادتين فلا يغسل ولا يصلى عليه (٦) لأنه مات على أصل الكفر، لأنه لم يثبت له الإسلام لا من جهة الاعتقاد ولا الحكم، لأنه لم يكن سوى سبيه، والسبي لا يزول عنه حكم الكفر، وإن قالها ابتداء غسل وكفن وصلى عليه، وكذلك إن قالها عن تلقين إذا كان طوعًا من غير

стр. 336

إكراه، لأن الظاهر إجابته إلى الإسلام وتدينه به، وقد قال ﷺ : "صلوا على من قال لا إله إلا الله" (١)، فعم ولم يفرق. فصل [١٢ - فيمن يصلي على الميت]: والإمام أولى بالصلاة على الميت من عصبته (٢)، لأن طريقها الولاية وقد قال ﷺ : "لا يؤم الرجل في سلطانه ولا بيته إلا بإذنه" (٣)، ولأن الحسين (٤) رضوان الله عليه قدم سعيد بن العاص (٥)، وكان الأمير فصلى على الحسن (٦) ﵁ وقال: أنت الأمير ولولا السنة ما قدمتك (٧)، ولأنها صلاة تفعل في الاجتماع فكانت إلى الأئمة كالجمعة والعيدين، ولسان السلطان لما كان مقدمًا على صاحب الدار كان مقدمًا على الولي. وإذا كان بموضع لا سلطان فيه فالحق للأولياء، فأولاهم بذلك أقواهم تعصيبًا وأحقهم الابن ثم ابن الابن ثم الأب ثم ولده، وهم الأخوة ثم ولد ولده وهم بنو الإخوة، ثم الجد ثم ولده وهم العمومة، ثم ولدهم وهم بنو العمومة، فإنما قدمنا الإخوة وبنيهم على الجد، لأن الولاية يطلب فيها محض التعصيب وتعصيب الإخوة أمحض تعصيب، لا يشوبه ولادة ولا يأخذون بالفرض بحال.

стр. 337

فصل [١٣ - ولاية الزوج في الصلاة على الميت]: ولا ولاية للزوج لأنه ليس من قرابتها (١)، إلا أن يكون ابن عمها فيصلي بالتعصيب لا بالزوجية، ولأن العصمة منقطعة بينه وبينها فكان كالأجنبي، ويفارق الغسل لأنه يتعلق بمسها والنظر إلى بدنها وللزوج من التخصيص بذلك والاطلاع عليه ما ليس للأولياء فكان أولى منهم. فصل [١٤ - ترتيب الجنائز]: وإذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء قرب إلى الإمام جنائز الرجال ثم بعدها جنائز النساء، فإن كان معهما جنائز صبيان جعلت بعد جنائز الرجال وبعدها جنائز النساء، وإن كان معهم خناثًا جعلت جنائزهم بعد الصبيان ثم النساء بعد الجميع (٢). وإنما قلنا ذلك لأن من يلي الإمام يجب أن يكون مقدمًا أو مؤخرًا حسب حرمته، وذلك أن المصلين خلف الإمام يترتبون على هذه السبيل: فيكون صفوف الرجال أقرب إلى الإمام ثم صفوف النساء بعده، فكذلك في هذا الموضوع يجب أن يكون الأفضل من يلي الإمام، والأصل فيه قوله ﷺ : "ليلني منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (٣)، فجعل الرتبة في القرب منه والبعد بحسب الحرمة والجنس. وإذا ثبت ذلك جعلت جنائز الرجال ما يلي الإمام لأنهم أعلى حرمة (٤) من النساء، ثم الصبيان لأنهم من جنس المذكور، والتذكير في الجملة أفضل من التأنيث، ثم النساء بعد الصبيان.

стр. 338

وإن كانت معهم خناثًا جعلت جنائزهم بعد الصبيان ثم النساء بعد الكل لأنه لما أشكل أمرهم كانوا أقرب إلى الرجال من الإناث المقطوع بأنوثتهن. فصل [١٥ - المسبوق في صلاة الجنائز]: ومن فاته بعض التكبير قضى ما فاته، ودعا بين التكبيرات (١)، إن لم يخف رفع الجنازة قبل فراغه، وإن خاف أن ترفع عن سرعة قضاه قضاء نسقًا (٢)، لأنه إذا خاف ذلك لم يمكنه أن يدعوا، لأنه إن تشاغل بالدعاء حصل منه أن يكون مصليًا عليها بعد رفعها وذلك غير جائز، وإذا أمن ذلك دعي بين التكبيرات كما كان لو أدركها من أولها لزوال الضرورة. فصل [١٦ - تكبيرة المسبوق لوقته أو مع الإمام]: وإذا سبقه الإمام بتكبيرة أو تكبيرتين وجاء والإمام يدعوا ففيها روايتان (٣): إحداهما أنه يكبر لوقته، والأخرى أنه لا يكبر وينتظر تكبيرة الإمام ثم يكبر هو لإحرامه، فوجه الأولى اعتبارًا بسائر الصلوات أنه إذا فاتة بعض الصلاة أحرم حين يدخل ولم ينتظر فعل الإمام، ووجه الثانية أن التكبيرات كالركعات، فلما كان لفوات بعضها تشاغل بما أدرك دون قضاء ما فات كذلك هاهنا. فصل [١٧ - إعادة الصلاة على الميت]: لا تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن ولا بعده (٤) خلافًا للشافعي (٥)، لأن الفرض قد سقط بالصلاة الأولى، فما زاد عليه تنفل، وذلك غير جائز على الميت، ولأنه حكم وجب فيه بالموت، فإذا سقط الفرض فيه لم يعد كالغُسل.

стр. 339

فصل [١٨ - الصلاة على القبر]: ولا يصلي على قبر إلا أن يكون دفن قبل أن يصلي عليه (١)، لأنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به ذلك رسول الله ﷺ ، لفضله ورجاء البركة بالصلاة عليه، ولأن الدفن لو لم يمنع إعادة الصلاة لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها. فأما إذا دفن (٢) بغير صلاة فتلك حال ضرورة لأن الفرض لم يسقط فيه، وكذلك فعل رسول الله ﷺ بالمسكينة لما (٣) دفنت من غير أن يعلم من دفنها. فصل [١٩ - الصلاة على بعض الجسد]: إذا وجد أكثر الجسد صلى عليه (٤)، لان حكم الأكثر حكم الكل، ولا يصلي على العضو كاليد والرِجل خلافًا للشافعي (٥)، اعتبارًا بالسن والشعر، ولأن الصلاة على الميت لا تعاد ويمكن أن يوجد أكثر البدن فتعاد الصلاة. وأظن أن من أصحابنا من يقول يصلي عليه (٦)، ويُنْوِي به الميت وهو قول عبد العزيز بن الماجشون (٧)، ووجه اعتباره بالكثير بعلة أن تعذر الجملة لا يمنع ذلك في البعض.

стр. 340

فصل [٢٠ - في دفن الميت]: ويجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن القِبْلة (١) لقوله: "أشرف المجالس ما استقبل به القِبْلة" (٢)، "ولأنها حال يحتاج فيها من القربة إلى نهاية الممكن، وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم، ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيجب أن يوجه إليها بعد وفاته، فإن لم يقدر على ذلك جعلت رجلاه في القِبْلة واستقبلها بوجهه كالمريض يوجه للصلاة، وقيل: في المريض إذا لم يتمكن من توجيهه على الجانب الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يقدر جعلت رجلاه في القِبْلة فيجب أن يكون كذلك في الدفن. فصل [٢١]: وليس لمن ينزل القبر لتولي الدفن عدد معلوم (٣)، وإنما هو على حسب الحاجة، فقد يكون الميت عظيم الجثة ثقيلها فيحتاج إلى جماعة يتناولونه من النعش إلى اللحد، وقد يكون خفيفًا يكفيه الواحد، وفي الجملة فلا ينبغي أن يزاد على قدر الحاجة كما لا ينبغي أن ينقص عنها. فصل [٢٢ - اللحد والشق]: واللحد (٤) أفضل من الشق إلا لضرورة (٥) لقوله ﷺ :

стр. 341

"اللحد لنا والشق لغيرنا" (١)، "وأُلْحِدَ له ﷺ (٢)، وكذلك السلف بعده وعليه عمل الأمة. فصل [٢٣ - النهي عن تجصيص القبر]: وينهى عن تجصيص القبور وبنيانها (٣)، "لنهيه ﷺ عن تقصيص (٤) القبور" (٥). والقصة الجص، ولأن ذلك من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إليه والله أعلم. …

стр. 342

كتاب الزكاة الزكاة (١) واجبة في الجملة (٢) لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ (٣)، وقوله: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (٤)، وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (٥)، وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (٦)، وقول النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: فذكر، وإيتاء الزكاة" (٧)، وقوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم" (٨)، وحديث أبي بكر رضوان الله عليه مع أهل الرِّدَّة وقتاله إياهم على منع الزكاة وقوله: "لو منعوني عقالًا مما كانوا يدفعونه إلى النبي ﷺ لجاهدتهم عليه" (٩). ولا خلاف في وجوبها في الجملة (١٠).

стр. 343

فصل [١ - أنواع زكاة الأموال]: والزكاة الواجبة في الأموال على ضربين: زكاة عين وزكاة قيمة (١)، فأما زكاة العين فهي من ثلاثة أنواع، وهي: العين: الذهب والفضة. والحرث: وهو ما أنبتت الأرض من الزرع والثمار من المقتات. والماشية: وهي الإبل والبقر والغنم. ولا تجب زكاة عين فيما عدا ذلك من الأنواع الثلاثة. فصل [٢ - شروط زكاة العين]: فأما زكاة العين فمن شروطها النصاب (٢) والحول (٣) إلا أن يكون من معدن (٤)، فلا يعتبر فيه الحول على ما نذكره، وأما النصاب فهو في الذهب عشرون دينارًا لا تجب الزكاة في أقل منها إلا أن يكون نقصانًا يسيرًا تجوز فيه جواز التامة (٥) فلا يمنع الوجوب. فإذا بلغت عشرين ففيها ربع العشر وهو نصف دينار، وهو في الفضه. مائتا درهم، لا تجب في أقل منها إلا أن يكون نقصانًا يسيرًا على ما ذكرناه، فإذا كانت مائتين فقيها ربع العشر وهو خمسة دراهم (٦)، والدليل على هذه الجملة قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق (٧) من الورق صدقة" (٨)، وقوله: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما وليس عليك شيء

стр. 344

حتى يكون لك مائتا درهم، فإذا كان لك مائتا درهم ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء حتى تكون لك عشرون دينارًا ففيها نصف دينار" (١). فصل [٣ - زكاة ما زاد على النصاب]: ما زاد على النصاب ففيه بحسابه قل أم كثر (٢) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا شيء في الزائد حتى يكون أربعين درهمًا فيكون منها درهم ولا فيما زاد على العشرين حتى يكون أربعة دنانير (٣) لقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" (٤) فعم، وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" (٥) فمفهومه وجوب الزكاة فيها وفيما زاد عليها ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق يمكن إخراج ربع عشرها، دليلها الأربعون درهما والأربعة دنانير، ولأن الأربعة دنانير زيادة على النصاب فلم يجز أن يكون حدًّا وما دونها عفوًا، أصله الستة ولأنه نوع مال يجب على متلفه مثله فلم يكن فيه عفو بعد الوجوب كالحبوب. فصل [٤ - دليل اعتبار الحول]: فأما اعتبار الحول (٦) فلقوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٧)، وروي عن أبي بكر (٨)، وابن عمر (٩)، وبه عملت الأمة والسلف، ولا خلاف فيه (١٠).

стр. 345

فصل [٥ - لا أثر في فروق جنس الذهب وجنس الفضة]: ولا فرق بين أنواع الجنس من ذلك من كونه جيدًا أو رديئًا (١)، أو كون الذهب أحمر أو أصفر، ولا بين أنواع صفاته من التبر (٢) والنقار (٣)، والمضروب (٤)، والصحاح (٥)، والغلة (٦)، والمصوغ (٧)، والمكسور (٨)، إلا أن يكون حليًّا للبس على الوجه المباح على ما سنذكره (٩). والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (١٠)، يعني يؤدون زكاتها، وقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" (١١)، فقيل: أن الرقة اسم للورق خاصة، وقيل: الذهب والورق، وقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" (١٢)، ولا خلاف في ذلك (١٣). فصل [٦ - الجمع بين الذهب والفضة في الزكاة]: ويجمع بين الذهب والفضة في الزكاة، فإذا كان معه من كل واحد منهما دون

стр. 346

النصاب، وأحدهما إذا ضم عدل بالآخر، كان في معنى من معه نصاب كامل من أحدهما فعليه الزكاة (١)، وقال الشافعي: لا يجمع بينهما (٢)، ودليلنا قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" (٣) فعم، ولأنهما متفقان في المقصود منهما في كونهما أصولًا للأثمان وقيمًا للمتلفات، فكان المالك لأحدهما كالمالك للآخر، ولأنه لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة درهم لضمه إلى المائة وزكى الجميع إذا كان مديرًا (٤)، وأدنى أحوال الذهب أن يكون كالعرض، ولأنه مال يجب فيه ربع عشره، فلزم ضمه إلى ما معه أصله إذا كان من جنسه. فصل [٧ - تقويم الذهب بالفضة أو بالعكس]: ووجه التعديل بينهما أن يقام المثقال بإزاء عشرة دراهم، فإذا حصل من الجميع ما يكون به في معنى المالك المئتين أو للعشرين دينارًا لزمته الزكاة (٥)، مثاله: أن يكون معه مائة درهم وعشرة دنانير، أو خمسة عشر دينارًا وخمسون درهمًا، فإن قومت المائة بالذهب كان في معنى المالك لعشرين دينارًا، وإن قومت العشرة الدنانير بالدراهم كانت في معنى مئة درهم، فأما إذا ضمها إلى المائة كان المالك للمائتين، ولو كان معه مائة درهم وتسعة دنانير وتسعة دنانير تساوي مائة درهم لم يضمها إليها لأن ذلك أكثر من المثقال بعشرة دراهم. فصل [٨ - وجه إخراج الزكاة عن النوعين المجموعين]: ويخرج عن كل واحد من النوعين منه، فإن أراد أن يخرج عن أحدهما من

стр. 347

االآخر جاز له ذلك ولا يكون ذلك فيه قيمة، وإنما يكون بدلًا أن أحدهما في معنى الآخر فيما له إيراد يقوم مقامه وينوب منابه. فصل [٩ - كيفية إخراج الزكاة من المضمونين]: واختلف أصحابنا في كيفية الإخراج على ثلاثة أوجه (١): فقيل بالقيمة: قلت أم كثرت وهذا قول ابن المواز. وقيل: ما لم ينقص عن المثقال بعشرة دراهم فإن نقص لم ينقص منه وإن زاد أخرج الزائد لأن الغرض بذلك الاحتياط. وقيل: بالتعديل على حساب المثقال بعشرة دراهم ذكره الشيخ أبو بكر (٢) عن بعض أصحابنا. فوجه الأول فلأنه معاوضة في حق الغير، فكانت بالقيمة أصله سائر المعاوضات. ووجه الثاني أن الأصل إخراج النوع من نوعه، وإنما سومح في أن يخرج عن أحدهما من الآخر، فيجب أن تكون المسامحة على وجه لا يدخل الضرر على المساكين، فإذا عاد بنقصانه عن القيمة الشرعية لم ينقص ورجع به إلى أصله وإن زاد لزم إخراج الزائد. ووجه الثالث: هو أن الإخراج في هذا الموضع فرع لأصل الضم وإيجاب الجميع، فإذا كان أصل الجميع هو بالتعديل، فكلذلك الإخراج والله أعلم.

стр. 348

فصل [١٠ - النقصان اليسير في النصاب]: إذا كان النصاب ناقصًا نقصانًا يسيرًا لا يؤثر ويجري مجرى الوازن (١) في العادة والعرف جازت المسامحة به ووجبت فيه الزكاة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٢) لقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" (٣)، ولأن ذلك إذا كان غير مؤثر في العادة كان حكمه كحكم ما لم ينقص، ولأن ما هذه سبيله لا اعتبار به في باب تعلق الأحكام بل يكون عفوًا كاختلاف المكاييل ونقصان العشر حبات والعشرين حبَّة في الأوسق مما لا ينضبط في الكيل (٤). فصل [١١ - إذا أضيف إلى المال مال يكمل به النصاب فالحول من كمال النصاب]: وإذا كان معه مال يقصر عن النصاب فأفاد إليه فائدة تم بها نصابًا ضم الأول إلى الثانية وزكى الجميع لحول الثانية (٥)، هذا إذا كانت الفائدة من غير ربح الأول وذلك لأن الحول لا يثبت للمال إلا بأن يكون نصابًا أو مسندًا إلى نصاب وهذا معدوم في مسألتنا، فوجب استئناف الحول من يوم أفاد الآخرة لأن من ذلك الوقت ثبت للمال حكم الحول بكمال النصاب. فصل [١٢ - إذا كان الأول نصابًا والثاني دون النصاب]: فإن كانت الأولى نصابًا والثانية دون النصاب زكى الأولى لحولها ولم يضم الثانية إليها بخلاف ما نقوله في الماشية (٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يضم

стр. 349

الفائدة إلى الأصل إذا كان نصابًا كما يفعل ذلك في الماشية (١) لقوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢)، ولأنها فائدة من غير أصل المال الذي عنده فيما زكاته ربع عشره، فلم يضم إلى الأولى أصله إذا كان الأول دون النصاب وبذلك فارق الماشية. فصل [١٣ - الربح يضم إلى الأصل ويزكى بحول الأصل]: وربح المال مضموم إلى أصله معتبر بحوله كان الأصل نصابًا أو دونه إذا تم نصابًا بربحه أو بنتاجه إن كان ماشية لأنه ربح مال تجب في عينه الزكاة، فكان حكمه في الحول حكم أصله كما لو كان الأصل نصابًا (٣). فصل [١٤ - إخراج الزكاة قبل وجوبها]: ولا يجوز إخراج الزكاة قبل وجوبها (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) لقوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٦)، لأنه تقديم الزكاة على يعض شروط وجوبها كما لو قدمها على النصاب، ولأنه تقديم الزكاة على وقت وجوبها كما لو قدمها لحولين أو ثلاثة، ولأنها أحد الأركان التي بني الإسلام عليها فتقديمها على وقت وجوبها لا يسقط الفرض، أصله الصوم والحج. فصل [١٥ - هلاك الزكاة بعد إخراجها وقبل إيصالها إلى الفقراء]: إذا أخرج الزكاة حين وجبت عليه من غير تفريط فهلكت قبل أن يوصلها إلى الفقراء لم يضمن، وكذلك إن وجبت عليه، فهلك المال قبل إمكان الإخراج لم

стр. 350

يضمن (١) خلافًا لمن ضمنه في الوجه الأول (٢) لأن الزكاة متعلقة بالعين دون الذِّمَّة، ولا تنتقل إلى الذمة إلا بتفريط، ولأن إخراجها موكول إلى أمانته فهو مؤتمن عليها، فكان كالساعي تتلف الزكاة بيده لأن يده يد أمانة ولأنا قد اتفقنا على أن المال لو هلك بعد حلول الحول، وقبل إمكان الأداء لم يلزمه شيء فكان تلف الزكاة بعد إفرادها من المال وقبل وصولها إلى الفقراء إذا لم يكن بتفريط كتلفها مع جملة المال. فصل [١٦ - تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها]: إذا أخر إخراج الزكاة عن وقت وجوبها قادرًا على إخراجها تعلقت بذمته ولم تسقط عنه بتلف ماله (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا يضمنها (٤) لأنه حبس الزكاة بعد وجوبها وقدرته على أدائها فوجب أن يضمنها، أصله إذا طالبه فلم يفعل، ولأنه عاص بتأخيرها، لأنها واجبة على الفور فإذا أخرها ضمنها وتعلقت بذمته. فصل [١٧ - من ابتاع نصابًا حال عليه الحول بسلعة فباعها بربح]: إذا حال الحول على نصاب عنده فلم يخرج زكاته حتى ابتاع به سلعة فباعها بربح فإنه يزكي المال الأول ولا يزكي الربح، لأن الربح لم يحل عليه الحول ولا يكون تابعًا لأصله (٥) لأنه إنما يبيعه قبل تقرر الوجوب في الأصل، فلم يصح أن يتبعه ربح معدوم في ذلك الوقت ووجد في ثاني حال، وإذا ثبت ذلك وجب

стр. 351

أن يزكي المال الأول ثم يزكيه للعام الثاني مع ربحه سواء ما أخرج عنه الزكاة للعام الأول، لأن الحول قد حال عليهما فصادفهما الوجوب. فصل [١٨ - زكاة الدين]: الدين مسقط للزكاة عن مقدار ما قابله من العين دون الحرث والماشية، ثم ينظر فيما زاد على ذلك، فإن كان نصابًا زكاة، فإن قصر عن النصاب فلا زكاة فيه، مثاله: أن يكون معه ثلثمائة درهم ولا دين عليه فيكون عليها زكاتها سبعة دراهم ونصف، فإذا كان عليه دين مائة درهم أقام بإزائه من الثلثمائة مائة ثم زكى عن مائتين، وإن كان أصل ما معه مائتين أقام منها بإزاء الدين مائة ثم لا زكاة عليه في الباقي، وكذلك لو كان عليه خمسة دراهم لم يترك الباقي لأنه يقصر عن النصاب، وسواء كان الدين من جنس العين أو من غير جنسها (١)، وكل هذا خلافًا للشافعي في قوله: أن الدين لا تأثير له في إسقاط الزكاة عن العين (٢)، لما روى أصحابنا عن عمير بن عمران (٣) عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه" (٤) ولأن الدين قد أخذ عوضه والزكاة لم يؤخذ عوضها فكان الدين مقدمًا على الزكاة كما قدم على الميراث. فصل [١٩ - الفرق بين العين والماشية والحرث في تأثير الدين في إسقاط الزكاة]: والفرق بين العين والماشية والحرث من وجهين: أحدهما أن زكاة الحرث

стр. 352

والماشية إلى الإمام، فلو قبل قول أربابها أن عليهم ديونًا لأدى ذلك إلى ترك إخراج الزكاة فحُسم الباب بمنعه، وليس كذلك الذهب والفضة لأن زكاتها موكولة إلى أربابها، والثاني: أن الحرث والماشية، أموال ظاهرة وليس كذلك الذهب والفضة لأنها تخفى وتبطن. فصل [٢٠ - الجمع بين أداء الزكاة والدين]: وإن كان عنده من العروض ما فيه وفاء بدينه جعل الدين في العروض وزكى ما في يديه من العين إن كان نصابًا، وإن كان دينه أكثر من عروضه أقام من العروض بإزاء قيمتها من الدين ثم ضم إلى ذلك مما في يديه من العين ما يقوم بتمام دينه ثم زكى الباقي إن كان نصابًا (١)، وكل هذا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن الدين يجعل في العين ولا يجعل في العروض ويسقط الزكاة (٢)، ودليلنا إذا جعلنا الدين بإزاء العروض أمكن الجمع بين أداء الزكاة والدين فكان أولى من إسقاط أحدهما بالآخر أصله إذا كان معه من العين ما يفي بدينه ويفضل معه نصاب، ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يفعل في الدين أصله العين (٣). فصل [٢١ - العروض المقومة بإزاء الدين]: والعروض التي يقيمها بإزاء الدين هي ما يستغنى عنه غالبًا ويباع عليه في دينه دون ما لا مندوحة له عنه من ثيابه التي تستر عورته وما لا بد له (٤) منه من لباس وحصير وغطاء (٥) وما جرى مجرى ذلك، وكذلك كسوة جمعته التي لا يبلغ

стр. 353

ثمنها ذلك المبلغ، وكذلك منزله إذا كان قريبًا للثمن وكان ذا عيال (١) ولم يكن له خطر وبال، فهذا لا يحسب في دينه ويحسب ما عداه (٢). فصل [٢٢ - جعل الدين في كتابة المكاتب]: وإذا كان عليه دين وله مكاتب جعل الدين في كتابته وأدى الزكاة عن عينه (٣) لأن الكتابة في معنى المال لأنه يبيعها إذا أراد ويؤدي الدين منها، وإن كان له مدبر فاختلف أصحابنا فمنهم من قال: يجعل الدين في قيمة رقبته (٤) لأنه لو قتل لوجبت قيمته قيمة (٥) عبد، ومنهم من قال: في قيمة خدمته لأن السيد لا يملك منه إلا الخدمة، وإن كان له دين على ثقة مليء غير منكر جعل دينه فيه وأخرج الزكاة من عينه. فصل [٢٣ - زكاة مال الدائن]: الدين لا تجب فيه الزكاة وإن أقام سنين حتى يقبض (٦) خلافًا للشافعي (٧) لأن الله أوجب زكاة المال منه لا من غيره عنه ولا سبيل إلى ذلك إلا بقبضه، ولأن الدية ومال الكتابة لا زكاة فيهما، وإن أقاما سنين وكذلك الدين على معسر لأن ذلك في الذمة، فكذلك سائر الديون. فصل [٢٤ - أقسام الديون]: الديون على ثلاثة أضرب (٨):

стр. 354

منها ما كان أصله في يده عينًا ثم يصير دينًا، وذلك مثل أن يكون مع رجل ألف درهم فيقرضها من رجل أو يبتاع بها عرضًا ويبيعه من رجل بدين فيقيم ذلك في ذمة المقترض أو المشتري سنة أو سنين عدة، فهذا إذا قبضه زكاة ساعة قبضه لسنة واحدة. ومنها ما يكون ابتداؤه فائدة إما بميراث أو هبة أو صدقة أو أرش جناية أو دية أو مهر أو ثمن سلعة كانت لقنية (١)، فهذا إذا قبض استقبل له الحول. ودين المدين، وهذا له حكم نذكره فيما بعد. والفرق بين القسم الأول والثاني أن الأول كان قد حصل معه عينًا في طرفي الحول ولا اعتبار بكونه دينًا في تضاعيفه، وفي الثاني لم يحصل له عينًا إلا دفعة واحدة فلم يجر حكم الزكاة فيه. فصل [٢٥ - أقسام العروض وما يجب الزكاة فيها]: والعروض (٢) على ضربين (٣): منها ما لا تجب الزكاة فيه بوجه وهو ما أريد للقنية ولم يرد للتجارة، وذلك كالثياب للبس والخيل للركوب والرقيق للخدمة، وكل ما عدا الذهب والفضة والحرث والماشية، ولا خلاف في هذا (٤)، ومنها ما يراد به التجارة، فتجب الزكاة في قيمته (٥) خلافًا لداود (٦)، لما رواه

стр. 355

أبو ذر (١) أن رسول الله ﷺ قال له: "أد زكاة البر" (٢)، ولأن في إسقاط الزكاة عنه ذريعة إلى سقوط الزكاة في أكثر الأموال لأن كل من خاف أن يؤدي الزكاة ابتاع بالعين عرضًا فتسقط الزكاة عنه. فصل [٢٦ - الزكاة في العروض التي هي للتجارة]: وإذا اشترى العروض بنية التجارة ثبت الحكم فيه. فإذا باعه بعد حول أو أحوال زكاة لسنة واحدة إن كان أصله عينًا، وإن كان ملكها عروضًا بميراث أو هبة أو غير ذلك، فمكثت عنده حولًا أو أحوالًا، ثم باعها، فإنه يستأنف الحول من يوم باعها، وحكمها حكم الدين، وهذا الذي ذكرناه، هو لمن يعرف حول ما يبيعه. فأما المدير فإنه يزكي في كل سنة، وصفة المدير مثل سائر التجارة الذين يديرون البيع والشراء والتجارة، فلا ينضبط لهم حول ما يبيعونه أو يشترونه. فالوجه فيمن هذه صفته أن يجعل لنفسه شهرًا معلومًا من السنة لزكاته، فينظر ما معه من العين وما عنده من العروض فيقومه ويضمه إلى عينه، وكذلك ما له من دين، فإذا عرف جميع ذلك، نظر فإن كان عليه دين أسقط بمقداره من الجملة وزكى الباقي إن كان نصابًا، وإن لم يكن عليه دين زكى ما معه. والدليل على هذه الجملة أنا لو لم نفعل ذلك لكان لا بد من أحد أمرين: إما
следующие страницы →