Полный текст (1 716 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ورأيت في فهرس مخطوطات خزانة القرويين (١) كتاب "عيون المجالس" للقاضي عبد الوهاب أبو محمَّد بن نصر البغدادي تحت رقم (١١٤٣)، لعله يكون هو أو يكون كتابا آخر له.
٩ - اختصار عيون المجالس (٢):
وأظنه اختصار للكتاب السابق.
١٠ - اختصار عيون الأدلة:
وهو اختصار لكتاب عيون الأدلة للقاضي ابن القصار، ولدى صورة للجزء الأخير من هذا الكتاب أوله كتاب "الظهار"، وينتهي بكتاب "الوصايا".
مصور من خزانة القرويين ورقمه (٨٠/ ٢٩١).
قال القاضي عبد الوهاب في آخر الكتاب: "وقد نقلت لفظ القاضي ﵀ حرفًا وحرفًا إلا في بعض المسائل فاختصرت في نقلها بعض الاختصار، وفي بعض المسائل قدمت وأخرت ولم نغير المعنى وهو قليل، وقد تركت فصولًا ومسائل لوقوع الاختلاف فيها، وعدد هذه المسائل ألف وأربعمائة وأربعون مسألة والحمد لله رب العالمين … " (٣).
١١ - النظائر في الفقه:
وهو في خزانة القرويين (٤) تحت رقم (٢/ ٣٨٢)، ولم أجد في ترجمة القاضي عبد الوهاب نسبة ذلك الكتاب إليه، وإن ثبتت نسبته إليه، فإنه يعتبر من أول ما ألف عند المالكية في هذا الفن.
_________
(١) فهرس مخطوطات خزانة القرويين: ٣/ ٢٤٩.
(٢) الأعلام: ٤/ ١٨٤.
(٣) اختصار عيون الأدلة: ١٣٨/ أ.
(٤) فهرس خزانة القرويين: ١/ ٣٧٦.
стр. 37
١٢ - الأدلة في مسائل الخلاف (١):
وينقل القرافي كثيرًا عن هذا الكتاب في كتابه "الذخيرة" (٢).
١٣ - الإشراف على مسائل الخلاف (٣):
وهو كتاب في الفقه الموازن، مطبوع طبعة قديمة بمكتبة الإرادة بتونس في جزءين كبيرين.
١٤ - أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء المِلَّة (٤):
وهو في الفقه المقارن أيضًا.
١٥ - غرر المحاضرة ورؤوس مسائل المناظرة (٥):
وتوجد نسخة من هذا الكتاب مخطوطة في دار الكتب الوطنية بمدريد في أسبانيا تحت رقم (٦٠) (٦) ..
١٦ - شرح فصول الأحكام وبيان ما مضى به العمل عند الفقهاء والحكام (٧):
وهو في خزانة القرويين تحت رقم (١/ ٣٨٢).
وتوجد نسخة منه أيضًا بمكتبة الملك عبد العزيز بجدة - تحت رقم ١١٠ فقه مالكي، وللباجي كتاب مطبوع بهذا الاسم.
_________
(١) انظر: شجرة النور الزكية ص ١٠٤، فوات الوفيات: ٢/ ٤٢٠.
(٢) انظر: مقدمة الجزء الأول، المحقق ص ٢١ من كتاب "الذخيرة".
(٣) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢، تاريخ قضاة الأندلس ص ٤١.
(٤) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢، تاريخ قضاة الأندلس/ ص ٤١، شجرة النور الزكية ص ١٠٤.
(٥) انظر: الأعلام: ٤/ ١٨٤.
(٦) ذكر ذلك بروكلمان في ملحق (١/ ٦٦٠).
(٧) انظر: الأعلام: ٤/ ١٨٤، فهرس خزانة القرويين: ١/ ٣٧٥.
стр. 38
١٧ - الرد على المزني (١):
وقد ذكره ونقل عنه شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه "منهاج السُّنَّة النبوية" (٢).
١٨ - الجوهرة في المذاهب العشرة (٣).
١٩ - البروق في مسائل الفقه:
ولعله الفروق في مسائل الفقه كما ذكر ذلك ابن فرحون في ديباجه (٤)، ويعد هذا أول كتاب مالكي يؤلف في فن الفروق الفقهية، حيث لا يعلم ولم يصلنا من ألف من هذا الفن قبل القاضي عبد الوهاب (٥) من المالكية.
٢٠ - الإفادة (٦):
وهو في أصول الفقه يكثر ذكره القرافي في كتابه شرح تنقيح الفصول.
٢١ - التلخيص في أصول الفقه أيضًا (٧):
ويطلق عليه أيضًا "الملخص"، ويكثر النقل عنه القرافي والزركشي في كتابيهما، شرح تنقيح الفصول والبحر المحيط.
٢٢ - المفاخر (٨):
وهو في أصول الفقه كذلك، ولعله نفسه كتاب" الأجوبة الفاخرة في أصول الفقه" الذي اعتمده الزركشي في تأليف كتابه "البحر المحيط" (٩).
_________
(١) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢.
(٢) منهاج السُّنَّة النبوية: ٥/ ٢١٦.
(٣) انظر: هدية العارفين: ١/ ٦٣٧.
(٤) انظر: الديباج المذهب: ٢/ ٢٨، شجرة النور الزكية ص ١٠٤.
(٥) انظر: مقدمة تحقيق كتاب "الفروق" - للونشريسي ص ٥٢، (تحقيق حمزة أبو فارس).
(٦) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢، الديباج المذهب: ٢/ ٢٨.
(٧) انظر المصادر السابقة.
(٨) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢.
(٩) البحر المحيط: ١/ ٨.
стр. 39
٢٣ - المقدمات في أصول الفقه:
ولم أجد من ذكره ضمن ترجمة القاضي عبد الوهاب، وإنما نقل عنه وذكره كثيرًا السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، ولعله يكون مقدمة لكتاب من كتبه الفقهية؟!
فمما نقله "مقدمة هذا الكتاب"، حيث قال القاضي عبد الوهاب في أول كتابه "المقدمات في أصول الفقه":
الحمد لله الذي شرع وكلف، وبين ووقف، وفرض وألزم، وأوجب وحتم، وحلل وحرم، وندب وأرشد، ووعد وأوعد، ونهى وأمر، وأباح وحظر، وأعذر وأنذر، ونصب لنا الأدلة والإعلام على ما شرع لنا من أحكام وفصل الحلال من الحرام والقرب من الآثام، وحض على النظر فيها والتفكر والاعتبار والتدبر، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١)، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٦).
والتفقه من التفهم والتبين ولا يكون ذلك إلا بالنظر في الأدلة واستيفاء الحُجَّة دون التقليد، فإنه لا يثمر علمًا ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء، واتباع السادة والكبراء تاركًا بذلك ما ألزمه من
_________
(١) سورة الحشر، الآية: ٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ٨٢.
(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣.
(٤) سورة ص، الآية: ٢٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ٨٣.
(٦) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.
стр. 40
النظر والاستدلال وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (١).
وقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢) في نظائر من الآيات تنبيه على خطر التقليد (٣).
٢٤ - وله تقييد على الأحكام الخمسة:
"ضمن مجموع من ص ٢٤٦ إلى ٣٤٨ في خزانة تطوان برقم ٨٢٦" (٤).
٢٥ - المروزي في الأصول (٥):
٢٦ - وله مؤلف في العقيدة:
ذكره السكوني في كتابه "عيون المناظرات" حيث قال: " .. وقد ذكر القاضي عبد الوهاب في عقيدته أن مالكًا ﵀ صنف عقيدة وأعطاها لابن وهب فكانت عنده" (٦).
ولعله يكون مقدمة عقدية لكتاب من كتبه على طريقة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه "الرسالة".
…
_________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٠.
(٢) سورة الزخرف، الآية: ٢٢.
(٣) انظر: كتاب "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ) ص ١٠٧ - ١٠٩.
(٤) أفادني بهذه المعلومة الأستاذ عبد الرحمن الشعلان الذي أطلع عليها في زيارته للمغرب.
(٥) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢.
(٦) عيون المناظرات- للسكوني ص ٢٠٤.
стр. 41
• شعره:
للقاضي عبد الوهاب شعر يروق العيون ويفوق المنثور والموزون، فهو صاحب البيتين المشهورين (١):
بغداد دار لأهل المال واسعة … وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيها مهانًا أمشي في أزقتها … كأنني مصحف في بيت زنديق
ومما ينسب إليه (٢):
وقائله لو كان ودك صادقًا … لبغداد لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم … وترمى النوي بالمقترين المراميا
وما هجروا أوطانهم عن ملالة … ولا كن حذارا من شمات الأعاديا
وقال (٣).
متى يصل العطاش إلى ارتواء … إذا سقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد … وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يوما … على الرفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي … فقد طابت منادمة المنايا
ومن شعره أيضًا (٤):
طلبت المستقر بكل أرض … فلم أر لي بأرض مستقرًا
ونلت من الزمان ونال مني … فكان مناله حلوًا ومرًّا
أطعت مطامعي فاستعبدتني … فلو أني قنعت لكنت حرًّا
_________
(١) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢، الديباج المذهب: ٢/ ٢٨، الوفيات ص ٢٢٢.
(٢) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢، تاريخ قضاة الأندلس ص ٤١، الوفيات ص ٢٢٠.
(٣) انظر: الوفيات ص ٢٢١، شجرة النور الزكية ص ١٠٣.
(٤) انظر: الديباج المذهب: ٢/ ٢٨.
стр. 42
وأنشد في المسكرات أبياتًا يرد فيها على ما أشيع أنها تزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش فقال (١):
زعم المدامة شاربوها أنها … تنفي الهموم وتصرف الغما
صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا … أن السرور لهم بها تما
سلبتهم أديانهم وعقولهم … أرأيت عادم ذين مغتما
ولما نظم المعري البيت الذي شكك به على الشريعة في الفرق بين الدية والقطع في السرقة وهو:
يد خمس مئين بمسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار
أجاب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵁ بقوله:
وقايه النفس أغلاها، وأرخصها … وقاية المال فافهم حكمة الباري
وهو جواب بديع معناه أن اليد لو كانت تودي بما تقطع فيه أو بما يقاربه لكثرت الجنايات على الأطراف لسهولة الغرامة فغلظ ذلك حفظًا لها .. " (٢).
أقول: وأيضًا لو لم تقطع الأيدي في ربع دينار أو ثلاثة دراهم، بل قطعت في قيمة ديتها وهو خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم لكثرت الجنايات على الأموال دون هذا القدر، فسبحان الحليم الخبير.
…
• عقيدته:
كان القاضي عبد الوهاب من أهل السُّنَّة، ولقد شهد بذلك ابن القيم وأستاذه شيخ الإِسلام ابن تيمية، فقد قال عنه ابن القيم: "قول القاضي عبد الوهاب
_________
(١) ذكر هذه الأبيات القرافي في كتابه "الفروق"- الفرق الأربعون: ١/ ٢١٧.
(٢) من كتاب "القواعد" لأبي بكر بن محمَّد بن عبد المؤمن المعروف بتقي الدين الحضي (ت ٨٢٩ هـ)، مخطوط، الورقة ١٩، وقد حققه الأستاذ عبد الرحمن الشعلان بجامعة الإِمام بن سعود الإِسلامية عام ١٤٠٤ هـ- ١٤٠٥ هـ.
стр. 43
إمام المالكية بالعراق من كبار أهل السُّنَّة -رحمهم الله تعالى- صرح بأن الله سبحانه استوى على عرشه بذاته نقله شيخ الإِسلام عنه في غير موضع من كتبه ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى" (١).
وقال ابن تيمية في ذلك: " .. قال أبو بكر محمَّد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له الرسالة التي سماها برسالة "الإيماء إلى مسألة الاستواء" لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء، وذكر أقوالاً متعددة قول الطبري أبي جعفر محمَّد بن جرير صاحب التفسير، وأبي محمَّد بن زيد، والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه، قال وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن -يعني الأشعري- نصًّا وهو أنه مستو على عرشه بذاته، قال: وأطلقوا القول في بعض الأماكن "فوق" عرشه، قال أبو بكر الحضرمي وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكانه ولا يكون فيه ولا مماسة … " اهـ (٢).
…
• وفاته:
إقامة القاضي عبد الوهاب بمصر لم تطل، فقد مات بعد مقدمة إليها بقليل.
وكان ذلك سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (٤٢٢ هـ)، وأكثر المؤرخين على أنه مات في شهر شعبان (٣)، وقيل: إن وفاته كانت ليلة الاثنين الرابع عشر من صفر (٤).
_________
(١) اجتماع الجيوش الإِسلامية على غزو المعطلة والجهمية- لابن قيم الجوزية ص ٥٨.
(٢) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية -أو نقص تأسيس الجهمية- لأبي العباس شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية: ٢/ ٣٣٣.
(٣) تاريخ بغداد: ١١/ ٣٢، ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٦، تاريخ قضاة الأندلس ص ٤٢ شجرة النور الزكية ص ١٠٤.
(٤) شذرات الذهب: ٣/ ٢٢٤، مرآة الجنان: ٣/ ٤١، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٤٢٩.
стр. 44
وسبب وفاته أنه مرض من أكلة اشتهاها فذكر أنه كان يتقلب ويقول: لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا (١).
ودفن بالقرافة وقبره قريب من قبر الإِمام الشافعي وابن القاسم وأشهب (٢)، وقيل: إن سنه كان حين مات ثلاثًا وسبعين سنة (٣)، والراجح أنه مات وعمره ستون عامًا (٤).
وقد قال عند احتضاره للأمير الذي أعانه على مطالبه: " … جزاؤك عندي أن أشكرك عند ربي بعد موتي" (٥).
…
_________
(١) ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٧.
(٢) شذرات الذهب: ٣/ ٢٢٤، شجرة النور الزكية ص ١٠٤.
(٣) ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٧.
(٤) انظر: تاريخ بغداد: ١١/ ٣٢، تاريخ قضاة الأندلس ص ٤٢، ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٦، شذرات الذهب: ٣/ ٢٢٤، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٤٢٩، انظر الوفيات - لابن قنفد ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٥) الوفيات- لابن قنفد القسنطيني ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
стр. 45
الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة
стр. 46
الفصل الثاني
دراسة عن كتاب "المعونة"، ويشتمل على مقدمة ومبحثين:
• مقدمة:
لمحة موجزة عن تاريخ المذهب المالكي في العراق- مميزات مدرسة المالكية بالعراق.
المبحث الأول:
كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
أولًا: توثيق كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة.
ثانيًا: سبب تأليف الكتاب.
ثالثًا: قيمة كتاب "المعونة" العلمية.
رابعًا: مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
خامسًا: مصادر كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
سادسًا: محتويات كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
سابعًا: أسلوب ومنهج كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
ثامنًا: منهجه في الاستدلال على الفروع الفقهية.
تاسعًا: شروح كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
عاشرًا: نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
***
стр. 47
المبحث الثاني:
القواعد الأصولية، والفقهية، والمسائل المستدل فيها بعمل أهل المدينة من خلال كتاب "المعونة".
أولًا: القواعد الأصولية التي احتواها كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
ثانيًا: القواعد الفقهية التي احتواها كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة".
ثالثًا: المسائل الفقهية التي استدل فيها القاضي عبد الوهاب بعمل أهل المدينة.
стр. 48
مقدمة
• لمحة عن تاريخ المذهب المالكي في العراق:
أسس المذهب المالكي الإِمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الذي ولد بالمدينة المنورة عام ٩٣ هـ، وعاش بها، أخذ العلم عن ربيعة الرأي (ت ١٣٦ هـ)، والزهري (١٢٤ هـ)، ونافع (ت ١١٧ هـ)، وابن هرمز (ت ١٤٨ هـ)، وغيرهم.
اشتهر بالورع والتقوى، كما اشتهر بالضبط والعدالة، قال الشافعي: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن عليّ في علم الله من مالك بن أنس" (١)، حاز الإمامة في الفقه والحديث، وقد خدم العلم خدمة عظيمة بتأليفه كتاب "الموطأ".
ولقد بُنِيَ مذهبه على أصول هي:
القرآن والسُّنَّة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة، وسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف (٢).
_________
(١) انظر في ترجمة الإمام مالك: الانتقاء -لابن عبد البر ص ٨، الديباج المذهب: ١/ ١١، ترتيب المدارك: ١/ ١٠٢، شجرة النور الزكية ص ٥٢، شذرات الذهب: ٢/ ١٢ - ١٥، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٨.
(٢) في أصوله مذهب مالك راجع المصادر التالية:
شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٥.
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإِسلامي ١/ ٣٨٣، ٣٨٥، مالك- لأبي زهرة ص ٣٧٦.
الفتح المبين في طبقات الأصوليين: ١/ ١١٧.
تاريخ التشريع الإِسلامي- للخضري ص ١٤٨، ترتيب المدارك: ١/ ٨٩.
стр. 49
وكان له عدد كبير من التلاميذ والأصحاب انتشروا في شتى بلاد العالَم الإِسلامي في مصر وإفريقيا والأندلس والعراق.
ففي مصر كابن القاسم (١٩١ هـ)، وأشهب (٢٠٤ هـ)، وفي إفريقيا أسد بن الفرات (٢١٤ هـ)، وفي الأندلس يحيى بن يحيى الليثي (٢٢٤ هـ).
أما في العراق فقد نشر مذهبه من أتباعه:
١ - عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري (١٨٦ هـ).
٢ - عبد الله بن مسلمة بن قعنب التميمي الحارثي (٢٢٠ هـ).
فعن هؤلاء العلماء بدأ انتشار المذهب المالكي في العراق وتفقه عليهم جماعة من كبار المالكية مثل: أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم، وهو من أصحاب ابن الماجشون (٢١٤ هـ)، ومحمد بن مسلمة (٢١٦ هـ)، وعنه أخذ أولاد بني حماد، وبنو حماد أسرة علم وغنى، أصلها من فارس تحولت إلى بغداد، وكانت قريبة إلى الخليفة المأمون، وكانت هذه العلاقة سببًا لزيادة انتشار المذهب المالكي في بغداد، وأشهر علماء هذه الأسرة هو القاضي إسماعيل بن حماد (٢٨٢ هـ)، صاحب كتاب "المبسوطة" الذي ذاع صيته في العراق وخارجها تولى القضاء، وكان هو المؤسس الحقيقي لمدرسة المالكية ببغداد، فقد ساهم بالقسط الأوفر في انتشار وازدهار المذهب هناك (١).
ثم جاء بعده إبراهيم بن حماد بن إسحاق (٣٢٣ هـ)، والقاضي عمرو أبو الفرج الليثي البغدادي (٣٣٠ هـ)، صاحب كتاب "اللمع في أصول الفقه"، وهما من أساتذة أبي بكر الأبهري (٣٩٥ هـ)، الذي بذل كل ما في وسعه لتدريس ونشر المذهب المالكي ومواصلة الطريق الذي ابتدأه العلماء السابقون له، فلقد كان للأبهري ولابن الجلاب (٣٧٨ هـ)، وابن القصار (٣٩٨ هـ)، والباقلاني (٤٠٣ هـ)، وآخرهم شيخنا القاضي عبد الوهاب الذي تتلمذ وأخذ
_________
(١) انظر ترجمته في: الديباج المذهب: ١/ ٢٨٢، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٤٠، شذرات الذهب: ٢/ ١٧٨.
стр. 50
المذهب عنهم فلقد كان لهم الفضل في تقويم وتثبيت وتأصيل أركان المذهب المالكي في العراق، كما ساهموا وغيرهم من العلماء في الحجاز ومصر وإفريقيا والمغرب والأندلس في حمل راية المذهب وتعزيزه بعلمهم وبمؤلفاتهم حتى قيل: " .. لولا الشيخان والمحمدان والقاضيان لذهب المذهب المالكي، فالشيخان ابن أبي زيد وأبو بكر الأبهري، والمحمدان محمَّد بن سحنون ومحمد بن المواز والقاضيان أبو محمَّد عبد الوهاب وأبو الحسن بن القصار البغداديان" (١) والأخوان: ابن الماجشون ومطرف والقرينان: أشهب، وابن نافع.
لكن ما حل القرن الخامس حتى استفحل النزاع بين المذاهب الفقهية: ولما قويت شوكة الشافعية في العراق شنوا حربًا على كل المذاهب الأخرى فتقربوا إلى الخليفة بواسطة رئيسهم أبي حامد الإسفراييني (٤٠٦ هـ) لإزاحة المالكية من المناصب العامة (٢).
ولعل هذا من الأسباب التي جعلت آخر علماء المالكية الكبار ببغداد وهو شيخنا القاضي عبد الوهاب يضطر إلى الهجرة من بغداد إلى مصر وهو ما لقيه من الشافعية من عنت وحرج (٣).
ومن هنا بدأ المذهب المالكي يضعف في العراق ولم يظهر بها إلا نادرا بعد أن انتقلت الريادة إلى الشافعية والحنابلة والحنفية (٤).
…
_________
(١) انظر: ترتيب المدارك: ١/ ٥٣، الفكر السامي، محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإِسلامي ص ٢٠ - ٢١، الديباج المذهب: ١/ ٦٥ - ٨١.
(٢) شذرات الذهب: ٣/ ١٧٨، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٩٥.
(٣) انظر: ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢.
(٤) ترتيب المدارك: ١/ ٥٣، ومحاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإِسلامي ص ٢١.
стр. 51
• مميزات مدرسة المالكية بالعراق (١):
امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق عن غيرهم من المغاربة والمصريين بسعة الاطلاع على علماء ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى والاقتباس من طرقها وأساليبها، كما أنهم أشاعوا قواعد المذهب على غرار الأصوليين الأحناف والشافعية، وكانوا بذلك هم السباقون، ودرسوا المذهب المالكي بالمقارنة مع المذاهب الأخرى ويتضح هذا مما خلفوه من تراث فقهي مثل كتاب "عيون الأدلة" لابن القصار، والممهد والنصرة والإشراف -وهي ثلاثة كتب للقاضي عبد الوهاب- كما اعتمدت مدرسة العراق في دراسة الفقه على الفقه الفرضي والتقديري، وتوسعوا في العمل بالرأي والقياس في تقرير الأحكام، ولقد اختلف هذا عن منهج المغاربة الذي كان يعتمد على نقل النصوص والتحقق من نسبتها إلى السابقين، كما ازدهر فن القواعد الفقهية في العراق على أيدي الأحناف والشافعية والمالكية، ومنهم القاضي عبد الوهاب -كما سوف نلحظ ذلك من خلال حصرنا لمجموع القواعد المذكورة في هذا الكتاب- ولم يعتن المغاربة والمصريون من المالكية به إلا بعد عصر القاضي عبد الوهاب.
وتميزت طريقتهم في دراسة المدونة السحنونية عن طريقة نظرائهم من فقهاء إفريقية المالكيين، وقد تحدث المقري (٧٥٨ هـ) عن الطريقتين وسماهما الاصطلاحين وقال (٢): " … أهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير "الدلائل" على رسم الجدلين وأهل النظر من الأصوليين، وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه
_________
(١) انظر: مقدمة تحقيق كتاب "التفريع" (١/ ٩٥ - ٩٦) للتحقيق حسين الدهماني.
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإِسلامي: ٢/ ١٠٢.
(٢) مقدمة تحقيق كتاب "الفروق الفقهية" -لأبي الفضل الدمشتي ص ٢٣.
стр. 52
بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها (١).
…
• علاقة المالكية بالعراق بنظرائهم في المغرب والأندلس (٢):
لكن بعد ظهور طريقة العراق ومدرسته، بدأ العلماء في المغرب في تطوير منهجهم، وذلك بمزج أسلوبهم مع أسلوب أهل العراق في تفريع المسائل بالفرض والتقدير.
وكان هذا طبيعيًّا للعلاقة الوطيدة التي نشأت بين أعلام المدرسة المالكية بالعراق وبين أعلام المدارس المالكية الأخرى.
فهم يتبادلون الأجازات العلمية والكتب العلمية الفقهية، ويجرون الحوارات في المسائل والنوازل، ويثيرون النقاش تارة بصفة مباشرة، وتارة بواسطة المكاتبة أو التأليف، ومن ذلك الحوار العلمي الذي دار في قضية إثبات الكرامات، ومناقشة ابن أبي زيد في موضوعها، وقد أسهم فيه أبو بكر الباقلاني بتأليف (٣).
وقد وجد تلاميذ من المغرب والأندلس للعراقيين أمثال الأبهري والقاضيان: عبد الوهاب، وابن القصار.
كما اهتم العراقيون بشرح مؤلفات المغاربة كما رأينا شروح القاضي عبد الوهاب لمؤلفات الشيخ ابن أبي زيد القيرواني.
…
_________
(١) أزهار الرياض: ٣/ ٢٢.
(٢) انظر: مقدمة تحقيق الفروق الفقهية -للمحققان: أبو الأجفان وأبو فارس ص ٢٣ - ٢٥.
(٣) ترتيب المدارك: ٦/ ٢١٩.
стр. 53
المبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة
• توثيق كتاب "المعونة":
إن جل المترجمين للقاضي عبد الوهاب والذين تعرضوا لكتاب "المعونة" إنما ينسبونه للقاضي عبد الوهاب ولم ينسبه أحد إلى غيره، فالإجماع إذًا حاصل على نسبة كتاب "المعونة" إلى مؤلفه القاضي عبد الوهاب (١).
كما أن كثرة النقول عن "المعونة" توثق لنا الكتاب ونسبته إلى مؤلفه، فكبار فقهاء المالكية يكثرون النَّقل عنه كابن رشد وابن فرحون والقرافي والحطاب والونشريسي وغيرهم من أئمة المالكية، ودائمًا تكون هذه النقول مصدرة في كتب المذهب بقول مؤلفيها، كما قال القاضي عبد الوهاب في المعونة، وأحيانًا يجعلون ما ينقلونه سببًا للترجيح في المسائل الخلافية (٢).
أما اسم الكتاب فكذلك أجمع المترجمون على أن اسمه: "المعونة على مذهب عالم المدينة".
وهذا ما وجدته مكتوبًا على أول صفحات نسخ المخطوط الثلاث.
_________
(١) انظر الكتب التالية التي ذكرت كتاب "المعونة":
ترتيب المدارك ٧/ ٢٢٢، الفهرست - لابن النديم ص ()، الديباج المذهب: ٢/ ٢٧، الوفيات: ٣/ ٢١٩، تاريخ قضاه الأندلس ص ٤١، شجرة النور الزكية ص ١٠٤، الوفيات- لابن قنفدة القسنطيني ص ٢٣٣، الفكر السامي في تاريخ الققه الإِسلامي: ٢/ ٢٠٤.
(٢) راجع فصل مكانة كتاب "المعونة"، حيث ذكرنا فيه نماذج لبعض الكتب التي نقلت عنه.
стр. 54
وقال القاضي عياض: "كتاب المعونة لدرس مذهب عالم المدينة" (١).
وبعضهم يطلق عليه: "المعونة" فقط.
وهناك من أخطأ وقال: "المعونة في شرح الرسالة" (٢)، والصحيح أن "المعونة" كتاب مستقل، وشرح الرسالة كتاب آخر مستقل أيضًا، فلعل واو العطف انقلبت إلى حرف الجر "في"، فبدلًا من أن تُقرأ "المعونة وشرح الرسالة" صارت "المعونة في شرح الرسالة". والله أعلم.
…
• سبب تأليفه الكتاب:
من مقدمة الكتاب نستطيع معرفة السبب الذي جعل القاضي عبد الوهاب يؤلف كتابه "المعونة".
فهو قد ألف كتابين قبله هما:
الأول: شرح لرسالة الإِمام أبو محمَّد بن أبي زيد القيرواني، والثاني: كتابه "الممهد"، وهو شرح لمختصر المدونة وهو من تأليف الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد القيرواني أيضًا، والكتابان يحتويان على بسط الأدلة والحجاج وعلى إشباع الكلام في مسائل الخلاف، وكثرة المسائل والتفريعات واختلاف الوجوه والروايات.
فذكر أحد طلابه تعذر حفظ وضبط ذلك على المبتديء، فطلب من شيخه القاضي عبد الوهاب عمل مختصر يكون سهل المحمل قريب المأخذ والحفظ، يقتصر فيه على رؤوس المسائل، فأجابه القاضي إلى ذلك، وكذلك ليكون كتاب "المعونة" مدخلًا إلى ذينك الكتابين: "شرح الرسالة"، و "الممهد".
_________
(١) ترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٢.
(٢) كما قال ذلك صاحب كشف الظنون: ٢/ ٧٤٣، وصاحب هدية العارفين: ١/ ٦٣٧، وفي معجم المؤلفين: ٦/ ٢٢٧.
стр. 55
ويضاف إلى ما ذكره المصنف في المقدمة، فإن الكتاب يعتبر دعامة للفقه المالكي من حيث التدليل والتوجيه والتعليل، وهذا المعنى يستنبط من تسميته "المعونة على مذهب عالم المدينة"، ومن مادته التي اشتمل عليها الكتاب.
…
• قيمة كتاب "المعونة" العلمية:
لهذا الكتاب قيمة علمية كبيرة: فهو يعد مرجعًا مهمًّا في الفقه المالكي المدلل لأنه يمتاز بشموله على معظم المسائل والأحكام الفقهية في عبارة موجزة سهلة واحتواؤه الاستدلالات على فروع ومسائل المذهب المالكي -فقد شق على طلبة العلم البحث على أدلة لمسائل وفروع المذهب المالكي.
فالكتاب يحتوي على ألفين وسبعمائة وسبعة وستين (٢٧٦٧) فصل، ومعظم الفصول يحتوي كل منها على عدد كبير من المسائل ولكل مسألة دليلها.
والاعتماد في الاستدلال على الكتاب والسُّنَّة وأخبار السَلَف والقياس والإجماع، وهذا يدل على براعة القاضي عبد الوهاب الفائقة، وعلى ملكته الفقهية الشاملة، وإحاطته بكتاب الله وسُنَّة نبيه ﷺ حفظًا وفهمًا.
احتواء الكتاب على أزيد من ألف حديث وأثر، ومعظم هذه الأحاديث صحيح كما سوف يأتي بيان ذلك.
احتواء الكتاب على أقوال مالك ﵀ وأقوال كبار علماء المذهب المالكي، وعلاوة على جمعه لأراء وأقوال المذهب المالكي، فإنه يشير إلى مذهب المخالفين من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم من الفقهاء مثل: داود وطاووس والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة والأوزاعي ومجاهد وربيعة وعثمان البتي والطبري وسفيان بن عيينة …
احتواء الكتاب على عدد كبير من القواعد الأصولية والفقهية والتي سوف يأتي ذكرها وحصرها، ولذلك يكون القاضي عبد الوهاب أول المشاركين في تأسيس قواعد فقهية للمذهب المالكي كما سبق الإشارة إلى ذلك.
стр. 56
وكذلك كون هذا الكتاب مدخلًا لمن أراد الوقوف على شرحي المؤلف لمتني "الرسالة" و"المختصر" لابن أبي زيد كما صرح بذلك القاضي عبد الوهاب في مقدمة هذا الكتاب.
وإن كل هذه المميزات جعلت لكتاب "المعونة" قيمة علمية كبيرة، فكانت الحاجة ماسة لتحقيقه وإخراجه إلى النور ليستفاد منه وليقف طلبة العلم على هذا الكنز العظيم من تراثنا الفقهي.
…
• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة":
لقد كانت "للمعونة" مكانة عظيمة بين كتب المذهب المالكي: وتظهر هذه المكانة في تأثيره فيمن جاء بعده، فلا يخلو كتاب من مؤلفات المتأخرين إلا ويذكره وينقل عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم هذا الكتاب وفوائده الجمة وعلى قيمته العلمية التي سبق الإشارة إليها.
وفيما يلي ذكر ونماذج لبعض الكتب التي اعتمدت كتاب "المعونة" في النقل عنه، وأما الكتب التي نقلت آراء القاضي عبد الوهاب جملة، فهي كثيرة جدًّا لا يسعنا حصرها ولا داعي لذكرها:
١ - فتاوي ابن رشد:
لأبي الوليد محمَّد بن أحمد بن أحمد بن رشد -الجد- القرطبي المالكي (ت ٥٢٠ هـ)، فمما جاء في الجزء الأول قوله: " .. قال عبد الوهاب في المعونة: إن ذلك لبقائها على النجاسة وذلك بعيد، إلا أن يريد ببقائها على حكم النجاسة في الأكل خاصة، فيكون لذلك وجه وهو القياس على رفع النجاسة من الثوب بما عدا الماء من المائعات لزوال العين وبقاء الحكم في الصلاة خاصة" (١).
_________
(١) فتاوي ابن رشد: ١/ ٤٣٤.
стр. 57
٢ - المقدمات الممهدات:
لابن رشد -الجد- كذلك. فقد نقل عن المعونة قوله: "وقد ذكر عن النبي ﷺ في كتاب الجامع من المعونة أنه قال: الحمام بيت لا يستر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر … " (١).
وجاء في موضع آخر له: " … وروي عنه أنه مرّ به حمار قد كوي في وجهه فعاب ذلك، حكى ذلك عبد الوهاب في المعونة" (٢).
٣ - البيان والتحصيل:
لابن رشد -الجد- أيضًا. ذكر المعونة في الأجزاء والصفحات التالية:
(٤/ ٣٦٦، ١٢/ ١٩٩، ٢٠١، ١٤/ ١٧، ١٤٨، ٣٠١، ٣٨٤، ١٥/ ٤٣٦، ١٦/ ٢٩٠، ٢٩١).
٤ - الفروق:
لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ).
قال القرافي: " .. وعن التاسع أنه يحكم فيه بالعلم نفيًا للتسلسل لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالجرح أو التعديل وتحتاج البينة بينة أخرى إلا أن يقبل بعلمه بخلاف صورة النزاع مع أن القاضي قال في المعونة: قد قيل هذا ليس حكمًا وإلا يتمكن غيره من نقضه بل لغيره ترك شهادته وتفسيقه، وإذا لم يكن حكمًا لا يقاس عليها .. " (٣).
وفي موضع آخر من الكتاب نفسه (٣/ ١٥٢).
٥ - تبصرة الحكام:
لأبي إسحاق إبراهيم عليّ بن فرحون (ت ٧٩٩ هـ).
_________
(١) المقدمات: ٤٣٦٣.
(٢) المصدر السابق: ٣/ ٤٧٢.
(٣) الفروق: ٤/ ٤٧.
стр. 58
قال ابن فرحون: " .. ورجح القاضي عبد الوهاب قول أشهب في المعونة بأن الراهن رضي بأمانته" (١).
وقال في موضع آخر: "وفي المعونة للقاضي عبد الوهاب إذا كان لرجل على رجل من بينه فطالب المدعي كان للمدعي عليه أن يمنعه حتى يحضر الوثيقة وتسقط شهادة الشهود منها" (٢).
٦ - إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب:
لمؤلفه محمَّد بن أحمد بن علي بن غازي (ت ٩١٩ هـ).
فلقد جاء فيه: " .. ولا خلاف عند أهل المذهب أنه لا فرق بين الأموال والفروج، ولذلك أطلق القاضي عبد الوهاب في المعونة .. " (٣).
٧ - مواهب الجليل:
لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب (ت ٩٥٤ هـ) المعونة أحد الكتب التي اعتمد عليها الحطاب في شرحه لمختصر خليل فلقد جاء في مقدمة الكتاب: " .. وقد عد القاضي عياض في المدارك بالترجيح مذهب مالك وبيان الحُجَّة في وجوب تقليده، ورجح ذلك من طريق النقل والعقل والاعتبار فلينظر ذلك فيه، وذكر القاضي عبد الوهاب في آخر المعونة شيئًا من ذلك .. " (٤).
وقال أيضًا في موضع آخر: " .. وصرح القاضي في المعونة بأنه إذا فقد شرط منها لا يسمى متمتعًا قال: لأن أصل التمتع الجمع بين العُمْرة والحج في سفر واحد .. " (٥).
_________
(١) تبصرة الحكام: ٢/ ٦٠.
(٢) نفس المصدر: ٢/ ٢٢٤.
(٣) إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب ص ٢٣.
(٤) مواهب الجليل: ١/ ٢٦.
(٥) المصدر نفسه: ٣/ ٥٩.
стр. 59
والمواضع التي نقل فيها عن المعونة كثيرة جدًّا ولا يمكن ذكرها كلها في هذا المختصر.
٨ - التاج والإكليل:
ذكر المعونة في أكثر من موضع نذكر منها: ٥/ ٢٢٨، ٢٢٩.
* وممن نقلوا عن المعونة - أيضًا -:
٩ - أبو الوليد الباجي (٤٧٤ هـ) في كتابه "المنتقي" (١/ ٤١، ٤/ ٢٢، ١٤٠، ٥/ ٢٠٣، ٤٧٩).
١٠ - العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي (٨٣٧ هـ) في شرحه للرسالة.
انظر الأجزاء والصفحات التالية: ٢/ ١٢٥، ٢/ ٢٠٢، ٢/ ٣٧٦ وغيرها.
١١ - والعلامة أحمد بن محمَّد البرنسي الفاسي المعروف بزروق (٨٩٩ هـ) في شرحه للرسالة. انظر على سبيل المثال: ٢/ ٣٧٥.
١٢ - وأبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) في كتابه "المعيار المعرب" في الأجزاء والصفحات التالية: ١/ ٢٤٨، ١٧١، ٢/ ٦٠، ١٠٩، ٥/ ٥، ٣٧٦.
١٣ - وأبو عليّ الحسن بن رحال المعداني (ت ١١٤٠ هـ) في كتابه "كشف القناع عن تضمين الصناع" في الصفحة ٧٦.
…
• مصادر الكتاب:
لم يذكر القاضي عبد الوهاب في كتابه "المعونة" سوى ثلاث كتب هي:
١ - الموطأ- للإمام مالك.
٢ - المدونة.
٣ - والمختصر الكبير- لمحمد بن عبد الحكم وهو من الكتب المعتمدة عن
стр. 60
فقهاء المالكية بالعراق، فقد قال الأبهري: " .. قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة .. " (١).
ولقد اعتمد القاضي عبد الوهاب في كتابه على إمام المذهب بالدرجة الأولى، فجعل أقواله هي أساس نقله، ثم على أكبر أصحابه وتلاميذه ومن جاء بعدهم، وفيما يلي ذكر لأهم الأعلام الذين نقل عنهم القاضي عبد الوهاب في كتابه "المعونة":
- ابن القاسم (١٩١ هـ).
- ابن نافع (١٨٦ هـ).
- ابن وهب (١٩٧ هـ).
- المغيرة (١٨٨ هـ).
- أشهب (٢٠٤ هـ).
- عبد الملك بن الماجسون (٢١٤ هـ).
- محمد بن مسلمة (٢١٦ هـ).
- مطرف (٢٢٠ هـ).
- ابن حبيب (٢٣٨ هـ).
- سحنون (٢٤٠ هـ).
- ابن عبد الحكم (٢٦٨ هـ).
- ابن المواز (٢٦٩ هـ).
- إسماعيل بن إسحق (٢٨٢ هـ).
- ابن بكير (٣٠٥ هـ).
_________
(١) ترتيب المدارك: ٦/
стр. 61
- أبو الفرج (٣٣١ هـ).
- الأبهري (٣٧٥ هـ).
- ابن الجلاب (٣٧٨ هـ).
…
• محتويات كتاب "المعونة":
"المعونة" كتاب جامع لفروع ومسائل الفقه المالكي من عبادات ومعاملات وجنايات وأقضية مع ذكر الأدلة لكل هذه الفروع والمسائل، كما أنه يشير إلى رأي المخالفين مجردًا عن دليلهم:
وقد احتوى "المعونة" على (٢٧٦٧) فصل، وكل فصل يحتوي على عدد كبير من الفروع والمسائل، وفيما يلي ذكر لأسماء الكتب التي وردت في النسخة المعتمدة:
١ - كتاب الطهارة.
٢ - كتاب الصلاة.
٣ - كتاب الزكاة.
٤ - كتاب الصيام.
٥ - كتاب الاعتكاف.
٦ - كتاب المناسك.
٧ - كتاب الجهاد.
٨ - كتاب الأيمان والنذور.
٩ - كتاب الأضاحي.
١٠ - كتاب الذبائح.
١١ - كتاب النكاح.
стр. 62
١٢ - كتاب البيوع.
١٣ - كتاب الإجارات.
١٤ - كتاب القراض.
١٥ - كتاب المساقاة وكراء الأرض والمزارعة.
١٦ - كتاب الشركة.
١٧ - كتاب الرهون.
١٨ - كتاب الحجر.
١٩ - كتاب الصلح.
٢٠ - كتاب الحوالة.
٢١ - كتاب الوكالة.
٢٢ - كتاب الإقرار.
٢٣ - كتاب اللقطة.
٢٤ - كتاب الشفعة.
٢٥ - كتاب القسمة.
٢٦ - كتاب الجراح.
٢٧ - كتاب الحدود.
٢٨ - كتاب القطع.
٢٩ - كتاب العتق.
٣٠ - كتاب المكاتب.
٣١ - كتاب المدبر.
стр. 63
٣٢ - كتاب الأقضية والشهادات والدعاوي والبينات وما يتعلق بذلك.
٣٣ - كتاب الحبس والوقف والصدقة والعمرى والرقبى.
٣٤ - كتاب الوصية.
٣٥ - كتاب المواريث.
٣٦ - كتاب الجامع.
…
• أسلوب ومنهج كتاب "المعونة":
سلك القاضي عبد الوهاب طريقة مثلى في تأليف كتاب "المعونة"، فقد استوعب معظم أبواب ومسائل الفقه، وشمل الكتاب الأقوال الصحيحة المشهورة في المذهب المالكي، وكان ذلك في تبويب وترتيب بديع، وبعبارة رصينة وأسلوب علمي سهل، بإيجاز غير مخل دقيق ومضبوط يعين القاريء على الفهم دون غموض أو تردد.
والكتاب وإن كان مختصرًا كما صرح بذلك القاضي عبد الوهاب في مقدمة الكتاب وفي مواضع أخرى منه، إلا أنه يعطي تنبيهات وقواعد يحصر بها الفروع الكثيرة فيغني ذلك عن الإسهاب والتطوير، فقد قال في أكثر من موضع:
" .. وفي قدر ما ذكرناه تنبيه على تفريع هذا الباب" (ص ٦٦٣).
ويقول أيضًا: " … وعلى هذا تجري مسائل الباب .. ".
ويقول: " … وحصر هذا الباب: أن كل سلعة جاز أن تباع مشاهدة وتحصرها الصفة إذا غابت عن العين، فإن السلم فيها جائز".
وقال أيضًا: " .. وقد نبهنا بقدر ما ذكرناه على ما أهملناه".
وفي كتاب الفرائض قال في أصول المسائل بعد أن أجمل أحكامها: " … ولا يحتمل المختصر بسط هذا الباب".
стр. 64
كما أنه يجمل الأحكام في قواعد يسهل حفظها والوقوف على فروع الباب كلها، فمما قاله: " .. وقاعدة هذا الباب: أن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده، وذلك كالحنطة والشعير والثمر والزبيب والجوز واللوز وسائر الفواكه والبقول، فما هذه سبيله يجوز بيعه جزافًا .. ".
ويقول القاضي عبد الوهاب: "وعقد هذا الباب: أنه إن تغير به فهو نجس قليلًا أو كثيرًا … " (ص ١٧٩).
وجملة القواعد الفقهية التي سنذكرها مجملة تدل على هذا المعنى، كما أن للقاضي عبد الوهاب طريقة خاصة في استنباط الأحكام والفوائد من الأحاديث التي يستدل بها، فبعد أن يذكر نص الحديث يبدأ في ذكر مسائل يذكر فيها الأحكام والفوائد المنتقاه من الحديث، ومثال ذلك:
فمما جاء في باب التصرية قوله: " .. ودليلنا على أنها عيب قوله ﷺ : "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر".
ففيه أدلة:
أحدها: أنه نهى عنه، فدل على أنها تدليس.
والثاني: أنه أثبت للمبتاع الخيار.
والثالث: أنه أوجب عليه إذا ردها صاعًا من تمر. وفيه دليل على أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن .. وهكذا طريقته في استنباط الأحكام من الآيات والأحاديث التي يستدل بها.
أما منهجه في عرض المسائل فهو يأتي بجملة أحكام الباب مختصرة وموجزة، ثم يعقد فصولًا تفصيلية مستقلة لفروع ومسائل ذلك الباب، يدلل لها ويذكر شروطها وما يتعلق بها من أحكام وتدليل وتفريع ..
فمثلًا يذكر في كتاب القطع شروط قطع يد السارق وشروط وأوصاف السارق
стр. 65
التي يستوجب بها القطع، ومقدار نصاب السرقة، وبيان الحرز، وغيرها … ، فإذا انتهى من عرض هذه الأحكام العامة المجملة، بدأ يبسطها في فصول:
فيعقد فصلًا لدليل القطع من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس.
ثم يذكر فصلًا في وجوب القطع.
ثم فصلًا آخر في دليل شروط النصاب.
ثم فصلًا في الدليل على مقدار النصاب.
ثم فصلًا في تعليل هذا المقدار من النصاب في الذهب والفضة.
ثم فصلًا في تقويم العروض بالذهب والفضة.
ثم فصلًا في تعليل اشتراط الحرز.
ثم فصلًا في تعليل تسوية أحكام السرقة بين الرجل والمرأة.
وهكذا على هذا المنوال يسير في عرض المسائل الفقهية في جميع أبواب الكتاب. وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن للقاضي مصطلح في نسبة القول أو الأقوال الإمام مالك حيث يقول: وعنه في ذلك روايتان مثلًا، فالمراد "بعنه" الإِمام مالك ﵀.
…
• منهجه في الاستدلال:
لقد اتبع القاضي عبد الوهاب طريقة حسنة في تدليله على الأحكام، فهو بعد أن يذكر الحكم في المسألة يبدأ في التدليل عليها أولًا من الكتاب، فيذكر الآيات ووجه الاستدلال منها، ثم الأحاديث النبوية والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ويشير إلى الإجماع إذا لم يكن هناك خلاف في المسألة، ثم يستدل بالقياس، ويستعمل أحيانا بعض الأدلة الشرعية الأخرى كإجماع أهل المدينة، أو سد الذرائع أو المصالح وغيرها.
стр. 66
وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
فصل:
وأما وجوب الوضوء من النوم فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، قيل فيه: إذا قمتم من المضاجع، وقوله ﷺ : "العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ"، وقوله: "لكن من بول أو غائط أو نوم"، ولأن الغالب منه أن الاستثقال فيه يؤدي إلى خروج الحدث، فأجرى غالبه مجرى يقينه، ولذلك علله ﷺ حين قال: "فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله"، ولأن النائم يخرج منه الريح غالبًا، ثم هو حال انتباهه لا يدري ما كان منه فنحن متى سوغنا له الصلاة بوضوء قبل النوم مع كوننا على غير ثقة من بقاء طهارته تلك كنا قد سوغنا له الصلاة محدثًا، فكان الاحتياط أن يلزمه الوضوء ليصلي على ثقة من طهارته وارتفاع الحدث.
* ومثال آخر:
فصل:
إذا ثبت أن الكفارة تجب بالعود فهي ثلاثة أنواع: إعتاق وصيام وإطعام، وهي على الترتيب دون التخيير، والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، وكذلك في حديث أوس بن الصلت وسلمة بن صخر، ولا خلاف فيه.
* ومثال أخير:
فصل:
وإنما قلنا: إن حد المحصن الرجم لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقال ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"، وقوله صلى
стр. 67
الله عليه وسلم: "واغدو يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، وما روي من رجمه ﷺ ماعزًا والغامدية، وفي حديث ﵁ لولا أن يقال عمر زاد في كتاب الله لكتبت: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وروي الرجم عن عمر وعثمان وعليّ رضوان الله عليهم قولًا وفعلًا، ولا خلاف فيه ولا يلتفت إلى ما يحكي من الخوارج من نفيه.
…
• شروح كتاب المعونة:
لم أقف على شرح لكتاب "المعونة"، لكني وقفت في ترجمة: مجد الدين البليسي (٧٧٩ هـ) على أنه ألف حاشية على المعونة.
فمما قاله ابن العماد: " … وفيها مجد الدين محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم البليسي الإسكندراني الأصل موقع الحكم سمع من الواني والمزي وغيرهما، وتفقه بالمجد الزنكلوني وأخذ عن ابن هشام، وعني بالحساب، فكان رأسًا فيه وفي الشروط، وإليه انتهت معرفة السجلات وكان يوقع عن المالكية وينوب عن الحنفية، ومن مصنفاته حاشية على المعونة وشرحه للوسيلة، عاش ستين عامًا" (١).
…
• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة":
إن هذا الكتاب يعتبر نموذجًا فريدًا في التأليف الفقهي عند المالكية، لكن لم يمنع ذلك من وجود ما يدعو إلى الملاحظات -القليلة- التي جمعتها -حول هذا المؤلف العظيم، وفيما يلي ذكر لهذه الملاحظات مع ضرب الأمثلة لها:
_________
(١) شذرات الذهب: ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٣.
стр. 68
١ - وأولى هذه الملاحظات: الاحتجاج بالحديث الضعيف:
فقد جاء في قواعد المقري ما يلي:
"قاعدة ١٢١:
حذر الناصحون من أحاديث الفقهاء وتحميلات الشيوخ وتخريجات المتفقهين وإجماعات المحدثين، وقال بعضهم: احذر أحاديث عبد الوهاب والغزالي وإجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، واحتمالات الباجي واختلافات اللخمي ..
وقال لي العلامة أبو موسى بن الإِمام: قال لي جلال الدين القزويني: ما أحسن فقه قاضيكم لولا ما يحتاج به من الحديث الضعيف.
فقلت: شيخكم أكثر احتجاجًا به .. يعنيان أبا محمَّد وأبا حامد" (١).
والذي ثبت لي من خلال تخريجي لأحاديث الكتاب: أن نسبة الضعيف فيها قليلة جدًّا إذا ما قورنت بالأحاديث الصحيحة المستشهد بها من الصحيحين أو السنن الصحيحة.
٢ - استدلاله ببعض الأحاديث في غير موضعها:
ومثاله: في استدلاله على نهي عن حلق الشارب لقوله: " … وأما حلقه فمنهي عنه، هذا مذهب أكثر أهل العلم، وعلماء المدينة، ومروي عن جمهور الصحابة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى استحبابه، وإنما قلنا ذلك لقوله ﷺ : "ليس منا من حلق".
والاستدلال بهذا الخبر في هذه المسألة في غير ما ورد فيه، وذلك لأنه وارد في النياحة كما نبه إليه الحافظ ابن حجر (٢).
_________
(١) القواعد- للمقري: ١/ ٣٤٩ - ٣٥١ (تحقيق الدكتور أحمد بن عبد الله بن حميد).
(٢) فتح الباري: ١٠/ ٣٤٨.
стр. 69
٣ - كثرة ذكره للأحاديث بالمعنى وتغييره للألفاظ، مما أرهقنا في تخريجها:
ومثاله: ذكره حديث: "خير الأضحية الكبش" والحديث في الترمذي بلفظ: "نعمة الأضحية الكبش".
وذكره حديث: "حق المسلم على المسلم ثلاث"، والحديث في الصحيحين بلفظ: "حق المسلم على المسلم ست".
٤ - ذكره لفصل "جواز الشرب قائمًا"، وكرره ثانية مع تغيير طفيف في الاستدلال وفي التعبير.
٥ - توسعه في بعض الأبواب والفصول واختصار بعضها الآخر، فقد توسع كثيرًا في باب الشهادات مثلًا -واختصر أبواب كتاب النكاح والطلاق والبيوع ..
٦ - التعريفات الأصولية التي ذكرها في كتاب "الجامع" وهو آخر كتب "المعونة"، وقد كان في حق التصنيف أن يكون الابتداء أولى له من الخاتمة، ولكن عذره فيه لما صرح به: هو أن تجدد هذا الرأي بعد خروج نسخ من الكتاب فكره إفسادها بالاختلاف.
…
مقارنة بين كتاب "المعونة" وكتاب "الذخيرة"
الفصل الثاني: في حكمها:
في الجواهر، قال القاضيان ابن القصار وعبد الوهاب: المذهب كله على وجوب الإزالة، وإنما الخلاف في إعادة من صلى بها بناء على كونها شرطًا في الصلاة أم لا.
وقال المازري: وقع الاتفاق على تأثيم المصلي بها، ومعنى قول بعض العلماء: إنها سُنَّة أن حكمها علم بالسُّنَّة، وقال القاضي أيضًا في شرح الرسالة وجماعة: هي سُنَّة والخلاف في إعادة من صلى بها مبني على الخلاف فيمن ترك السنن متعمدًا.
стр. 70
واللخمي وغيره من المتأخرين المغاربة يقولون: في المذهب ثلاثة أقوال:
الوجوب: وهو رواية ابن وهب لإلزامه الإعادة بعد الوقت ناسيًا أو عامدًا.
والاستحباب لأشهب لاستحبابه الإعادة في الوقت عامدًا أو ناسيًا.
والوجوب مع الذكر والقدرة دون النسيان والعجز وهو ظاهر الكتاب لإيجابه الإعادة على غير المعذور بعد الوقت وأمر المعذور بالإعادة في الوقت (انتهى من الصفحة ١٨٦ من كتاب الذخيرة).
أما في "المعونة"، فقد قال القاضي عبد الوهاب في نفس الموضوع:
فصل: [حكم إزالة النجاسة]:
اختلف أصحابنا في إزالة النجاسة هل في واجبة وجوب السنن المؤكدة أو وجوب الفرائض: وفائدة ذلك تتصور في منع تعمد الصلاة بها مع القدرة على إزالتها، وإذا قيل: إنها سُنَّة مؤكدة فلأن الاتفاق حاصل على جواز الصلاة مع اليسير من جنسها كدم البراغيث وغيره.
وعند أبي حنيفة بقدر الدرهم من سائر النجاسات، ولو كانت فرضًا لم تجز الصلاة مع الشيء منها كالطهارة من الحدث، وإذا قيل: إنها فريضة فللإجماع على منع تعمد الصلاة بها، وذلك يفيد كونها فرضًا كالطهارة من الحدث، فإذا ثبت هذا فعلى القول بأنها سُنَّة يأثم ولا إعادة عليه، وعلى القول الآخر بأنها فريضة لا يجزيه وعليه الإعادة.
فصل:
وعلى كلا الوجهين إن صلى بها ناسيًا أو ذاكرًا، ولكن لا يقدر على إزالتها فصلاتها جائزة لما روي أن رسول الله ﷺ خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فلم فرغ قال لهم: "لما خلعتم نعالكم" فقالوا: رأيناك خلعتها، فقال: "إن جبريل أخبرني أن فيها قذرًا وروي نجسًا"، ولم يعد الصلاة ولا أمرهم بإعادتها ولا قطعها، بل مضى عليها.
стр. 71
وقال القرافي في موضع آخر:
من الثامثة: القهقهة لا توجب الوضوء خلافًا لأبي حنيفة لأنها لا توجبه خارج الصلاة فلا توجبه داخلها قياسًا على العطاس والسعال، أو نقول لو أوجبته داخل الصلاة لأوجبته خارج الصلاح قياسًا على الريح.
وأما ما يروى عنه ﷺ أنه كان يصلي بأصحابه فدخل رجل في بصره سوء فتردى في حفيرة كانت في المسجد فضحك طوائف منهم، فلما قضى ﵊ أمر كل من كان منهم ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة.
فقال عبد الحق: لا يصح من أحاديث هذا الباب شيء ولو سلمنا صحتها فهي قضية عين يحتمل أن بعضهم خرج منه ريح فأراد ﵊ ستره بذلك (انتهى من الصفحة ٢٣٠ من كتاب الذخيرة).
وأما في المعونة فقد قال القاضي عبد الوهاب:
فصل: [الوضوء من القهقهة]:
ولا وضوء من القهقهة في صلاة ولا غيرها خلافًا لأبي حنيفة لأن كل ما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن حدثًا في أصل الصلاة كالكلام، ولأنها صلاة شرعية فلم تنتقض بالقهقهة أصله صلاة الجنازة.
فمن خلال هذه المقارنة السريعة نلاحظ أن كتاب الذخيرة يمتاز بتفصيل أكثر المراد في المذهب في بعض الأحكام وزيادة أدلة ومناقشة لأقوال وآراء المخالفين، وهذا شأن المتأخرين الذين استفادوا مما خلفه المتقدمين وزادوا عليه ونقحوه.
***
стр. 72
المبحث الثاني
(أ) القواعد والمسائل الأصولية المذكورة في كتاب "المعونة":
* إجماع أهل المدينة لا يعارض بأحاديث الآحاد، وهو أولى من خبر الآحاد.
* النهي يدل على فساد المنهي عنه.
* الشرط لا يتأخر عن المشروط.
* الأمر يدل على الوجوب.
*الظاهر لاستغراق الجنس.
* الألفاظ إذا أطلقت ولها معهود في الشرع حملت عليه.
* الطريق الذي به تعلم العلل وهو: وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها.
* إذا اجتمع الحظر والإباحة في شخص غلب عليه حكم الحظر.
* الحديث إذا ورد فيه زيادة تردها الأصول كانت الأصول أولى.
* إطلاق الأمر يدل على الفور.
* في صحة القياس وثبوت التعليل.
* العِلَّة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها.
* ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
* الاجتهاد مع وجود النص لا فائدة منه.
* إطلاق الكلام محمول على المتعارف.
* والإطلاق في العقود محمول على العرف.
* الأمر إذا صدر بعد الحظر حمل على الإباحة دون الوجوب.
стр. 73
* الإطلاق يقتضي العموم.
* إذا اجتمع المانع والمبيح غلب المنع.
* أصول مالك تدل على أن أقل الجمع ثلاثة.
* معنى الوجوب.
* معنى الندب.
* معنى الحظر.
* معنى الكراهة.
* معنى الصحة.
* معنى الرخصة.
…
(ب) القواعد الفقهية المذكورة في كتاب "المعونة":
* المغسولات نقلًا لما انفردت عن المغسولات فرضًا، فكذلك الممسوحات نفلًا يجب أن تنفرد عن الممسوحات فرضًا.
* نية الأضعف لا تنوب عن نية الأقوى.
* ظهور المبدل يبطل حكم البدل.
* الرخص لا تتعدى بها مواضعها.
* كل أمر فرق بين قليله وكثيره، واحتيج إلى فاصل بينهما لم يرد الشرع به، فالمرجوع فيه إلى العرف: كالعمل في الصلاة وغيرها.
* كل كل من لم تجز إمامته لم يعتد بإذنه.
* كل من لم يجز أن يكون حاكمًا لنفسه لم يكن إمامًا في الصلاة: كالمجنون.
стр. 74
* كل من صحت صلاته خلف الصف إذا كان معه غيره صحت صلاته إذا انفرد أصله المرأة.
* الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة: كخطبة العيدين والجمعة.
* أن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء إلا بشرع.
* حقوق الله مقدمة لا يجوز تركها ولا التراضي بإسقاطها.
* العين إذا تعلق بها حقان: أحدهما بعوض، والآخر بدون عوض كان ما يتعلق بالعوض مقدمًا على الآخر: كالدين والزكاة والوصية.
* كل زكاة لزمت الكبير لزمت الصغير.
* كل حق تعلق بما نقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول فلا يجوز الانتقال إليه مع وجوده.
* كل حق تعلق بغير مال فإن الوجوب يتعلق على مالكه اعتبارًا بسائر الأصول.
* الحكم الذي يثبت في البدن لا يقبل في الشهادة عليه واحد أصله النكاح.
* كل ما لا يكون الصائم صائمًا إلا بوجوده، فلا يصح الصوم بعد مضي جزء من اليوم عريًا منه أصله الإمساك والنية.
* كل يوم لا يصلي فيه صلاة العيد فإن صومه يصح أصله سائر الأيام.
* الضرورة لا تعتبر بالاختيار.
* الإمساك أحد ركني الصوم فكان تركه سهوًا في إفساده كتركه عمدًا أصله النية.
* كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره كالمضمضة، وإن أول النهار مساوٍ لآخره في شروط الصحة، فكذلك في الندب والإباحة.
стр. 75
* إن الكفارة متعلقة بالهتك وانتفاء العذر.
* كل فعل يفسد الصوم ويوجب القضاء يتعلق به الكفارة، وكل ما لا يوجب القضاء لا يتعلق به الكفارة كالرِّدَّة.
* أداء العبادة أفضل من تأخيرها.
* القربة لا بد لها من نية.
* كل عبادة شرط فيها رمان فأقله ما يستغرقه وقته كالصلاة.
* الفرق بين أن يعقد النكاح في اعتكافه وبين الإحرام أن الطيب ممنوع في الإحرام، وليس كذلك الاعتكاف "فروق فقهية".
* ما ضاد العبادة أفسدها.
* كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم.
* كل فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه: كالمبيت بمزدلفة.
* كل عبادة كان لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام: كالصلاة.
* من مُنع فعل شيء منع من المعونة عليه.
* كل عبادتين لا تتداخلان فالجمع بينهما غير جائز.
* العبادة التي لا نقض فيها ولا تحتاج إلى جبران أفضل مما خالفها.
* ترك السُّنَّة مع العذر جائز.
* إذا فات المتبوع سقطت توابعه.
* ليس في الأصول عبادة تفتح تطوعًا ثم تنقلب فرضًا.
* مراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين.
следующие страницы →