وقال القرافي في موضع آخر:
من الثامثة: القهقهة لا توجب الوضوء خلافًا لأبي حنيفة لأنها لا توجبه خارج الصلاة فلا توجبه داخلها قياسًا على العطاس والسعال، أو نقول لو أوجبته داخل الصلاة لأوجبته خارج الصلاح قياسًا على الريح.
وأما ما يروى عنه ﷺ أنه كان يصلي بأصحابه فدخل رجل في بصره سوء فتردى في حفيرة كانت في المسجد فضحك طوائف منهم، فلما قضى ﵊ أمر كل من كان منهم ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة.
فقال عبد الحق: لا يصح من أحاديث هذا الباب شيء ولو سلمنا صحتها فهي قضية عين يحتمل أن بعضهم خرج منه ريح فأراد ﵊ ستره بذلك (انتهى من الصفحة ٢٣٠ من كتاب الذخيرة).
وأما في المعونة فقد قال القاضي عبد الوهاب:
فصل: [الوضوء من القهقهة]:
ولا وضوء من القهقهة في صلاة ولا غيرها خلافًا لأبي حنيفة لأن كل ما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن حدثًا في أصل الصلاة كالكلام، ولأنها صلاة شرعية فلم تنتقض بالقهقهة أصله صلاة الجنازة.
فمن خلال هذه المقارنة السريعة نلاحظ أن كتاب الذخيرة يمتاز بتفصيل أكثر المراد في المذهب في بعض الأحكام وزيادة أدلة ومناقشة لأقوال وآراء المخالفين، وهذا شأن المتأخرين الذين استفادوا مما خلفه المتقدمين وزادوا عليه ونقحوه.
***
стр. 72
المبحث الثاني
(أ) القواعد والمسائل الأصولية المذكورة في كتاب "المعونة":
* إجماع أهل المدينة لا يعارض بأحاديث الآحاد، وهو أولى من خبر الآحاد.
* النهي يدل على فساد المنهي عنه.
* الشرط لا يتأخر عن المشروط.
* الأمر يدل على الوجوب.
*الظاهر لاستغراق الجنس.
* الألفاظ إذا أطلقت ولها معهود في الشرع حملت عليه.
* الطريق الذي به تعلم العلل وهو: وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها.
* إذا اجتمع الحظر والإباحة في شخص غلب عليه حكم الحظر.
* الحديث إذا ورد فيه زيادة تردها الأصول كانت الأصول أولى.
* إطلاق الأمر يدل على الفور.
* في صحة القياس وثبوت التعليل.
* العِلَّة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها.
* ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
* الاجتهاد مع وجود النص لا فائدة منه.
* إطلاق الكلام محمول على المتعارف.
* والإطلاق في العقود محمول على العرف.
* الأمر إذا صدر بعد الحظر حمل على الإباحة دون الوجوب.
стр. 73
* الإطلاق يقتضي العموم.
* إذا اجتمع المانع والمبيح غلب المنع.
* أصول مالك تدل على أن أقل الجمع ثلاثة.
* معنى الوجوب.
* معنى الندب.
* معنى الحظر.
* معنى الكراهة.
* معنى الصحة.
* معنى الرخصة.
…
(ب) القواعد الفقهية المذكورة في كتاب "المعونة":
* المغسولات نقلًا لما انفردت عن المغسولات فرضًا، فكذلك الممسوحات نفلًا يجب أن تنفرد عن الممسوحات فرضًا.
* نية الأضعف لا تنوب عن نية الأقوى.
* ظهور المبدل يبطل حكم البدل.
* الرخص لا تتعدى بها مواضعها.
* كل أمر فرق بين قليله وكثيره، واحتيج إلى فاصل بينهما لم يرد الشرع به، فالمرجوع فيه إلى العرف: كالعمل في الصلاة وغيرها.
* كل كل من لم تجز إمامته لم يعتد بإذنه.
* كل من لم يجز أن يكون حاكمًا لنفسه لم يكن إمامًا في الصلاة: كالمجنون.
стр. 74
* كل من صحت صلاته خلف الصف إذا كان معه غيره صحت صلاته إذا انفرد أصله المرأة.
* الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة: كخطبة العيدين والجمعة.
* أن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء إلا بشرع.
* حقوق الله مقدمة لا يجوز تركها ولا التراضي بإسقاطها.
* العين إذا تعلق بها حقان: أحدهما بعوض، والآخر بدون عوض كان ما يتعلق بالعوض مقدمًا على الآخر: كالدين والزكاة والوصية.
* كل زكاة لزمت الكبير لزمت الصغير.
* كل حق تعلق بما نقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول فلا يجوز الانتقال إليه مع وجوده.
* كل حق تعلق بغير مال فإن الوجوب يتعلق على مالكه اعتبارًا بسائر الأصول.
* الحكم الذي يثبت في البدن لا يقبل في الشهادة عليه واحد أصله النكاح.
* كل ما لا يكون الصائم صائمًا إلا بوجوده، فلا يصح الصوم بعد مضي جزء من اليوم عريًا منه أصله الإمساك والنية.
* كل يوم لا يصلي فيه صلاة العيد فإن صومه يصح أصله سائر الأيام.
* الضرورة لا تعتبر بالاختيار.
* الإمساك أحد ركني الصوم فكان تركه سهوًا في إفساده كتركه عمدًا أصله النية.
* كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره كالمضمضة، وإن أول النهار مساوٍ لآخره في شروط الصحة، فكذلك في الندب والإباحة.
стр. 75
* إن الكفارة متعلقة بالهتك وانتفاء العذر.
* كل فعل يفسد الصوم ويوجب القضاء يتعلق به الكفارة، وكل ما لا يوجب القضاء لا يتعلق به الكفارة كالرِّدَّة.
* أداء العبادة أفضل من تأخيرها.
* القربة لا بد لها من نية.
* كل عبادة شرط فيها رمان فأقله ما يستغرقه وقته كالصلاة.
* الفرق بين أن يعقد النكاح في اعتكافه وبين الإحرام أن الطيب ممنوع في الإحرام، وليس كذلك الاعتكاف "فروق فقهية".
* ما ضاد العبادة أفسدها.
* كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم.
* كل فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه: كالمبيت بمزدلفة.
* كل عبادة كان لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام: كالصلاة.
* من مُنع فعل شيء منع من المعونة عليه.
* كل عبادتين لا تتداخلان فالجمع بينهما غير جائز.
* العبادة التي لا نقض فيها ولا تحتاج إلى جبران أفضل مما خالفها.
* ترك السُّنَّة مع العذر جائز.
* إذا فات المتبوع سقطت توابعه.
* ليس في الأصول عبادة تفتح تطوعًا ثم تنقلب فرضًا.
* مراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين.
стр. 76
* الكلام إنما يتعلق به حكم إذا كان مقصودًا.
* النية والنطق طريقان لمعرفة المراد وثبوت أحكام الخطاب.
* الضرورات تسقط معها أحكام الاختيار.
* ترك السنن ناسيًا لا يبطل العبادة.
* كل جنس جاز نكاح نسائهم جاز أكل ذبائحهم، وكل ما لا ينكح نسائهم فلا يؤكل ذبائحهم.
* كل أمر احتيج فيه إلى اختبار وتعرف ولم يرد توقيف بتحديد أمده وجب الرجوع فيه إلى العرف.
* كل ذكر كان عصبه في الميراث كان عصبه في عقد النكاح.
* كل نقص منع وجوب صلاة الجمعة وتقلد الحكم منع ولاية عقد النكاح.
* إجازة ما تقدم بطلانه لا يصح.
* كل عدد جاز للحر أن يجمع بينه جاز للعبد.
* المعقود به إذا كان فاسدًا وجب فساد العقد.
* لما كان النكاح طريقه المواصلة والمكارمة دون المعاتبة والمكايسة جاز فيه من التسامح ما لم يجز في البيوع.
* اليمين في الأصل متوجهة على أقوى المتداعبين سببًا.
* إن الدعوتين إذا تعارضتا وإحداهما يقتضي رفع العقد أو إثبات خيار فيه، فالقول قول مدعي الصحة والاستقرار.
* للبائع أن يمنع إقباض السلعة حتى يقبض الثمن.
* كل نكاح غير جائز فيجب فسخه.
* الدخول لا يصحح العقد الفاسد.
стр. 77
* السبب إذا منع الخطبة في بعض الأحوال جاز أن يؤثر في إيجاب الفرقة.
* من استعجل الشيء قبل وقته عوقب بحرمانه.
* ملك استباحة البضع لا يقع فيه اشتراك.
* كل جنس تؤكل ذبائحهم جازت مناكحتهم.
* كل جنس جاز نكاح حرائرهم جاز وطيء إمائهم بالملك.
* كل عقد لو وقع في الإِسلام لكان باطلًا كذلك إذا وقع في الكفر.
* كل تحريم تعلق بالوطيء الحلال تعلق بالوطيء الحرام.
* كمال الملك ونقصانه معتبر بالملك لا بغيره.
* لا يجوز لشخص أن يملك نكاحًا لا يملك الطلاق فيه.
* كل من يحد إذا وجد لفظ القذف منه فإنه إذا طلق نفذ طلاقه.
* إذا وجد سبيل إلى اليقين كان أولى من الظن والعمل على ظاهره لا يعرف صدقه.
* كل زمان يمنع الوطء لإيقاع عباده فيه، فإن ذلك الوطء يوجب استئنافه.
* الشيء الواحد إذا كان علمًا على حكم لم يجز أن يكون علمًا على ضده.
* كل طعام ابتيع فلم يقبض، فلا يجوز أن يقع عليه عقدًا آخر حتى يقبض سواء كان ذلك من مبتاعه أو ممن صار إليه غير مبتاعه.
* إن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده.
* أن كل سلعة جاز أن تباع مشاهده وتحصرها الصفة إذا غابت عن العين، فإن السلم فيها جائز.
* كل ما جاز أن يكون في الذِّمَّة ثمنًا جاز أن يكون مثمونًا.
* الأصول موضوعة على الغالب على أن القليل تابع للكثير.
стр. 78
* المعروف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره.
* كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يباع مع أحد الجنسين غيره أو معهما جميعها، وسواء كان الغير مما فيه الربا أو ما لا ربا فيه.
* أن يسير الغرر لا يمنع صحة البيع، وأن ما تدعو الحاجة إليه منه معفو عنه، وأن الذي يمنع ما زاد على ذلك.
* كل من جاز سلمه جاز بيعه للأعيان.
* كل من صح أن يؤكل في البيع صح أن يليه بنفسه.
* من ورث شيئًا ورثه بحقوقه.
* كل ما يتعذر معه الرد فإنه إتلاف.
* الخراج بالضمان.
* كل حكم لزم في رقبة الأم فإن الولد يتبعها فيه.
* الاتفاق لا مزيه له على الاختلاف في الحكم بفساد العقد ما لم يفارق الاختلاف حكم حاكم.
* حكم الأكثر في حكم الجميع وإن القليل لا حكم له.
* الأعواض في المنافع يقوم العرف فيها مقام الشرط.
* كل منفعة ملك إباحتها للعين بغير عوض وملك منفعة إياها فإن المعاوضة عليها جائزة.
* أن شبهة كل أصل مردودة إلى صحيحه.
* الربح تابع للأصل.
* الأصول موضوعة على أن القول قول الغارم مع يمينه.
* أن الضررين إذا تقابلا، فالأول أولى بالمراعاة لفضل السبق.
* أن سائر المتلفات تُقوَّم حال الإتلاف في المواضع التي يتعلق به الضمان.
стр. 79
* البينات مترتبة في الأصول على حسب الأشياء المشهود فيها، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.
* من وهب ما لا يملك لم تصح هبته.
* الحد يدرأ بالشبهة.
* إن كل حكم تعلق على الذهب والورق اعتبر فيه نصاب من الذهب، وجب أن يعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة.
* الجنايات التي تستحق بها تناول الأعضاء يجب على الجماعة إذا اشتركوا فيها ما يجب على المنفرد.
* إن حرز كل شيء على ما جرت العادة.
* الكفار لا يؤخذون بحقوق الله تعالى.
* إن الإنسان يملك من إسقاط حق نفسه بألا يتعدى إلى إسقاط حق غيره.
* كل من استنيب في شيء يتأتى منه فعل ذلك الشيء، فإنه يصح إنابته فيه إلا أن يقوم دليل من جهة الشرع يمنعه.
* كل من ردت شهادته لفسق قُبلت عند زوال فسقه.
* الأصول موضوعة على أنه لا يحكم للمدعي على سبب واحد: وإنما يحكم بسببين كالشاهدين والشاهد واليمين.
* كل جنس قبلت منه شهادة في شيء على انفراد كفى منه شخصان أصله الرجال.
* كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها غير مقبولة.
* بدل الشيء يقوم مقامه.
* كل ما جاز بيعه جازت هبته.
* إن كل عدد زاد على الواحدة ممن فرضها النصف ففرضه الثلثان: كالبنات والابنتين.
стр. 80
* إن أصول الفرائض مبنية على أنه لا يجوز أن يرث الأبعد من الولد ويسقط الأقرب.
* كل حجب انحصر بعدد استوى فيه الاثنان والثلاثة أصله حجب الأم عن الثلث إلى السدس.
* الأصل في المواريث أن العصبة أولى بما يبقى.
…
(جـ) المسائل التي استدل لها القاضي عبد الوهاب بعمل أهل المدينة (١):
* صفة الآذان.
* عدد ركعات التراويح.
* مقدار الصاع.
* الزكاة في الفواكه والبقول والخضروات.
* متى تقطع التلبية.
* استثناء كيل معلوم في بيع الجزاف.
* عهدة الرقيق.
* العمل بالقافة.
* دية المرأة.
* الوقوف والأحباس.
…
_________
(١) يعد القاضي عبد الوهاب من أوائل العلماء الذين تكلموا عن أصل: عمل أهل المدينة، وتقسيمه وكونه حُجَّة، كما سوف يأتي في كتاب "الجامع"، وأن الذين جاءوا من بعده كلهم عالة على ما قاله في ذلك، مثل القاضي عياض، والباجي وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم.
стр. 81
القسم الثاني التحقيق
стр. 82
وصف نسخ المخطوط
لقد حصلت على أربع نسخ مخطوطة لكتاب "المعونة لمذهب عالم المدينة": نسختان كاملتان تقريبًا، وثالثة إلى كتاب الزكاة -أي وكأنها تحتوي على سفر واحد من خمسة أسفار، والرابعة بها سقط كبير رقم أنها كاملة.
١ - نسخة خزانة القرويين بفاس ورقمها (٧٧٧):
وهو جزء ضخم بخط أندلسي جيِّد مكتوب بالسواك، متلاش، بأوراقه الأولى تمزق وتنقيع، من تحبيس السلطان سيد محمَّد بن عبد الله بتاريخ جمادي الثانية عام ١١٧٥ هـ (١).
وهذه النسخة كاملة ليس بها سقط داخل المخطوط، لكن عيبها أن بها تمزقًا وطمسًا في الصفحات الثلاث الأولى، والصفحة الأخيرة.
وهي تتألف من اثنتين وستين ومائة ورقة (١٦٢)، ومسطرتها من ثلاثين إلى اثنين وثلاثين سطرًا.
وقد كتب في بداية هذه النسخة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة"؟ تصنيف القاضي أبي محمَّد بن علي ابن نصر المالكي، وقد رمزت لها بحرف (ق).
…
٢ - نسخة المدينة المنورة:
وهي موجودة بمكتبة الملك عبد العزيز ضمن وقف سيدنا عثمان ﵁ برقم (١٥٨).
_________
(١) انظر فهرس مخطوطات القرويين: ٢/ ٤١٣ - ٤١٤.
стр. 83
وهي نسخة مكتوبة بخط مغربي واضح لكنها ليست كاملة، فلقد وجدت بها سقطًا كبيرًا فيما بين الصفحات.
كما أن من بداية النسخة يبدأ ترقيم صفحاتها من الورقة الثانية عشرة (١٢).
وهي تتألف من اثنتين وسبعين ومائة ورقة (١٧٢)، ومسطرتها ثلاثة وثلاثون سطرًا.
وقد كتب في أول النسخة كتاب "المعونة على مذهب عالِم المدينة، للإمام القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي ﵀ رحمة واسعة".
وقد رمزت لها بحرف (م).
…
٣ - نسخة الأسكوريال:
وهي موجودة بمكتبة الأسكوريال في مدريد بأسبانيا تحت رقم (١١٩٦).
وهي نسخة مكتوبة بخط أندلسي واضح، لكن يوجد منها سفر واحد فقط عدد أوراقه ثمانية وعشرون ومائة ورقة (١٢٨)، ومسطرتها خمسة عشر (١٥) سطرًا فقط.
وقد كتب في صفحاتها الأولى ما يلي:
كتاب المعونة لعبد الوهاب القاضي.
السفر الأول من كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة، تصنيف القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب بن عليّ بن نصر بن أحمد البغدادي، وهذا السفر ينتهي إلى آخر باب الزكاة.
ولقد استفدت من هذه النسخة -والتي سافرت من أجلها أكثر من مرة إلى أسبانيا- في إكمال النقص الموجود في أول النسختين السابقتين.
وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أنني استفدت من النسخ الثلاث في إخراج النص على
стр. 84
النحو التالي، لهذا فلم اعتبر نسخة هي الأصل دون غيرها، وإنما اعتمدت طريقة النص المختار حتى أصل -قدر المستطاع- إلى نص المؤلف، وذلك لأنني لم أقف على تاريخ نسخ الكتاب علي أي من النسخ الثلاث.
وقد رمزت لها بحرف (س).
…
٤ - نسخة الخزانة العامة بالرباط:
وهي نسخة تحصلت عليها عن طريق الباحث "عبد المحسن الريس" الذي يحضر رسالة الدكتوراة عن آراء القاضي عبد الوهاب الأصولية، وكنت على وشك الانتهاء من التحقيق، لكن رغم ذلك فلقد قابلت هذه النسخة من المخطوط مع باقي النسخ، وأثبت فروق النسخ في التحقيق، علمًا بأنه يوجد سقط كبير في هذه النسخة من بدايتها وفي وسطها أيضًا.
وقد رمزت لها بحرف (ر).
وهي تقع في ١٣٨ ورقة، ومسطرتها ٣٠، تبدأ بصلاة الخوف وما قبلها كلها ساقط وعلى آخره تاريخ نسخها ٢٠ شوال سنة ١٢٨٧ هـ.
…
منهجي في تحقيق الكتاب
١ - نسخ الكتاب وإخراج نصه سليمة بالرسم الإملائي العصري، وتحقيق النص تحقيقًا يجعله قريبًا من الصورة التي وضعه عليها المؤلف ﵀.
٢ - إثبات فروق النسخ المختلفة بالهامش.
٣ - ترقيم الآيات القرآنية وبيان مكانها من سور القرآن الكريم.
٤ - تخريج الأحاديث والآثار، ولقد اتبعت الطريقة التالية في التخريج: إذا
стр. 85
وجدت الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بهما ولا أتبعه في كتب السنن والمسانيد الأخرى.
أما إذا كان الحديث في السنن أو المسانيد فإني أخرجه منها مع الإشارة إلى أقوال علماء الحديث في درجة الحديث ما أمكن ذلك.
ولقد كان تخريجي لهذه الأحاديث بأن أذكر الكتاب، ثم الباب المترجم له، ثم أعقبها بذكر الجزء والصفحة من الكتاب.
٥ - توثيق المنقول والمسائل الفقهية الموجودة بالنص من مصادرها، وفيما يلي ذكر للكتب التي اعتمدت عليها في كل مذهب مع ملاحظة أن الاعتماد كان على أمهات الكتب المؤلفة قبل عصر القاضي عبد الوهاب أو المعاصرة له، وفي أحيان قليلة جدًّا اضطر إلى الاستشهاد ببعض الكتب المتأخرة.
ففي المذهب المالكي اعتمدت على:
١ - المدوّنة- برواية سحنون.
٢ - الموطأ- للإمام مالك (١٧٥ هـ).
٣ - الرسالة- لابن أبي زيد (٣٨٥ هـ).
٤ - التفريع- لابن الجلاب (٣٧٨ هـ).
٥ - الكافي- لابن عبد البر (٤٦٣ هـ).
٦ - المقدمات- لابن رشد (٥٢٠ هـ).
والذخيرة في بعض الأحيان من الجزء المطبوع منها، وهي للقرافي (٦٨٤ هـ) ومواهب الجليل- للحطاب (٩٥٤ هـ)، ومعه "التاج والإكليل" للمواق، والفواكه الدواني- للنفراوي (١١٢٥ هـ)، حاشية الدسوقي- مع الشرح الكبير.
وعند الحنفية:
١ - مختصر الطحاوي- لأبي جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي (٣٢١ هـ).
стр. 86
٢ - مختصر القدوري- لأبي الحسين أحمد بن محمَّد القدوري (٤٢٨ هـ).
مع ملاحظة أنني اعتمدت النسخة التي هي مع شرح الهداية المسمى باللباب للميداني (١٢٩٨ هـ).
وفي بعض الأحيان النادرة جدًّا أرجع إلى المبسوط للسرخسي (ت ٤٩٠ هـ)، وتحفة الفقهاء- للسمرقندي (٥٣٩ هـ)، وبدائع الصنائع- للكاساني (٥٨٧ هـ)، وفتح القدير- للكمال ابن الهمام (٨٦١ هـ)، وحاشية ابن عابدين (١٢٥٢ هـ).
وعند الشافعية:
- الأم: للإمام محمَّد بن إدريس الشافعي (٢٠٤ هـ).
- مختصر المزني: لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (٢٦٤ هـ).
- الإقناع- للماوردي (٤٥٠ هـ).
- المهذب- للشيرازي (٤٧٦ هـ).
- روضة الطالبين- للنووي (٦٧٦ هـ).
وعند الحنابلة اعتمدت على:
- مسائل الإِمام أحمد- برواية ابنه عبد الله.
- مسائل الإِمام أحمد- برواية ابنه صالح.
- ومختصر الخرقي (٣٣٤ هـ).
- والمغني لابن قدامة (٦٢٠ هـ)، في بعض الأحيان.
أما المسائل الظاهرية: فقد اعتمدت فيها على محلي ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ).
وعلى الكتب التي تذكر آراء الإِمام داود كالمغني والمجموع.
стр. 87
وأخيرًا فإن مسائل الإجماع والمسائل التي لا خلاف فيها، فقد اعتمدت في توثيقها على الكتب التالية:
١ - الإجماع- لابن المنذر (٣١٨ هـ).
٢ - مراتب الإجماع- لابن حزم (٤٥٦ هـ).
٣ - المحلي- لابن حزم (٤٥٦ هـ).
٤ - بداية المجتهد- لابن رشد (٥٩٥ هـ).
٥ - المجموع- للنووي (٦٧٦ هـ).
٦ - شرح مسلم- للنووي أيضًا (٦٧٦ هـ).
٧ - المغني- لابن قدامة (٦٢٠ هـ).
٨ - فتح الباري- لابن حجر (٨٥٢ هـ).
٩ - نيل الأوطار- للشوكاني (١١٥٠ هـ).
…
٦ - شرح الألفاظ الغريبة والمصطلحات الفقهية من الكتب التالية:
* حدود- ابن عرفة (٨٠٣ هـ) مع شرح الرصاع عليها المطبوعة معًا، فإن كان تعريفي من حدود ابن عرفة أشرت إلى حدود ابن عرفه، وإن كان من شرح الرصاع، فإني أذكر شرح الرصاع مع ذكر الصفحة والجزء.
* غرر المقالة في شرح غريب الرسالة - لأبي عبد الله محمَّد بن منصور المغراوي (هـ).
* الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي القيرواني - لأحمد بن غنيم النفراوي (١١٢٥ هـ).
* المصباح المنير- للفيومي (٧٧٠ هـ).
* معجم مقاييس اللغة- لأحمد بن فارس بن زكريا (٣٩٥ هـ).
* الصحاح- للجوهري.
* المغرب- للمطرزي (٦١٦ هـ).
стр. 88
وحاولت -قدر استطاعتي- أن تكون التعاريف مختصرة أبدأها بالتعريف اللغوي، ثم أثني بالتعريف الاصطلاحي في عبارات- موجزة ومختصرة.
٧ - التعليق على بعض المسائل الفقهية التي تحتاج إلى ذلك، مثل أن يذكر مخالفته لقوم فأذكرهم، أو أنه يرجع ويعتمد رأيًا ضعيفًا في المذهب، فأذكره في اختصار شديد.
٨ - التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في نص الكتاب تعريفًا موجزًا ومختصرًا مع الإحالة إلى المصادر ليرجع إليها من أراد التفصيل، ولم أترجم للمشاهير من الأعلام كالخلفاء الأربعة وكبار الصحابة والأئمة الأربعة ..
ولقد حاولت قدر المستطاع عدم إثقال الهوامش بالتعليق على الأمور الواضحة سواء كانت لغوية أو فقهية أو في تخريج الأحاديث أو غيرها.
وأخيرًا، وحتى يستكمل التحقيق جوانبه الفنية لحقت الكتاب فهارس تشمل على:
١ - فهرس للآيات القرآنية الكريمة.
٢ - فهرس للأحاديث.
٣ - فهرس للآثار.
٤ - فهرس للأعلام.
٥ - فهرس للكتب.
٦ - فهرس للأشعار.
٧ - فهرس للمصطلحات الفقهية وغيرها.
٨ - فهرس للأماكن والبلدان.
٩ - فهرس تفصيلي للمسائل الفقهية.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل ..
المحقق
***
стр. 89
رموز ومصطلحات
ق: نسخة المخطوط من خزانة القرويين.
م: نسخة المخطوط من مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة.
س: نسخة المخطوط مكتبة الأسكوريال.
ر: نسخة الخزانة العامة بالرباط.
[]: ما بين معقوفتين تدل على كل ما أضفته من عندي:
من سقط أو عناوين الفصول والأبواب، وترقيم لوحات المخطوط الموجود بالجانب الأيسر من صفحات هذه الرسالة.
***
стр. 90
صور المخطوط
стр. 91
الورقة الأولى من نسخة القرويين بفاس
стр. 92
الورقة الثانية من نسخة القرويين بفاس
стр. 93
الورقة الأخيرة من نسخة القرويين بفاس
стр. 94
الورقة الأولى من نسخة المدينة المنورة
стр. 95
الورقة الثانية من نسخة المدينة المنورة
стр. 96
الورقة الأولى من نسخة الأسكوريال
стр. 97
الورقة الأولى من نسخة الأمانة العامة بالرباط
стр. 98
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي ﵀: اللَّهم إنا نحمدك بجميع محامدك ونثني عليك بجلالك وكرمك، نسألك العصمة والسلامة من كل ضلالة وبدعة وحيرة وشبهة، ونرغب إليك في كل ما أزلف لديك وقرب من رضوانك وبعد من سخطك وأنت السميع القريب اللطيف المجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلواته على محمَّد خاتم النبيين وآله الطيبين وصحابته [وأزواجه وذريته] (١) وسلامه وتشريفه وإكرامه.
أما بعد: يا أخي حفظك الله وحفظ عليك دينك وأمانتك وخواتيم عملك وجعلك ممن يقصدون بعلمهم رحمته وطلب ما عنده، فإنك ذكرتنا وقوفك على شرحنا كتاب "الرسالة" لأبي محمَّد عبد الله بن أبي زيد رحمة الله عليه، وما رأيته منطويًا عليه من [بسط] (٢) الأدلة والحجاج وإشباع الكلام في مسائل الخلاف، وعلى الكتاب المترجم "بالممهد" (٣)، وما حواه من المسائل والتفريعات واختلاف الوجوه والروايات، وذكرت بعد حفظ ذلك على الشادي (٤)، وتعذر ضبطه على المبتدئ، وسألتنا تجديد نية في عمل مختصر لك [سهل] (٥) المحل قريب المأخذ يقتصر فيه على ما لا [بد منه] (٦)، ولا
стр. 99
عناء عنه ليسهل على المتلقن مأخذه ويقرب على المبتدئ [تفقهه] (١) وحفظه، وليكون إلى ذينك الكتابين (٢) مدخلًا، والتي يحفظ ما أودعناه فيهما وموصلًا، فأجبتك إلى مسألتك وأسعفتك لطلبك مستخيرًا الله سبحانه في ذلك راغبًا إليه في النفع به والمعونة عليه، وهو جل اسمه ولي الإجابة ومبلغ الطلبة ثمنه وعونه وهو حسبي ونعم الوكيل.
…
стр. 100
كتاب (١) الطهارة (٢)
[١ - الوضوء من الحدث]:
الوضوء (٣) من الحدث فريضة (٤) واجبة لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (٥) الآية، وقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور (٦)، ولا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى" (٧)، وقوله ﵇ لما توضأ
стр. 101
مرة مرة: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١)، ولا خلاف في ذلك (٢).
فصل (٣) [٢ - حكم السواك]:
والسواك (٤) مندوب (٥) إليه لقوله ﷺ : "ما لكم تدخلون عليّ قلحًا استاكوا" (٦)، وقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٧)، ولأنه من النظافة وهي مندوب إليها.
فصل [٣ - الرد على من قال بالوجوب]:
وليس بواجب (٨) خلافًا لمن حكي عنه (٩) وجوبه لقوله ﷺ :
стр. 102
"ثلاثة كتبت عليّ ولم تكتب عليكم: فذكر السواك" (١)، ولأن المقصود منه إزالة الرائحة عن الفم فأشبه غسل الفم من الغمر.
مسألة [٤ - حكم النية في الطهارة من الأحداث]:
والنية (٢) شرط (٣) في طهارات الأحداث كلها خلافًا لأبي حنيفة (٤) إذ يزعم أنها غير واجبة في الوضوء والغسل، ودليلنا قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ (٥)، فهو من الصلاة، وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامريء ما نوى" (٦)، ولأنها طهارة عن حدث كالتيمم، ولأنها عبادة متقرب بها كالصلاة والصيام.
فصل [٥ - محل النية وصفتها]:
ومحل النية: القلب، وصفتها: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله وليس عليه نطق بلسانه، ويلزم المتوضيء أن ينوي بوضوئه الطهر من الحدث، ومعنى ذلك استباحة كل فعل كان الحدث مانعًا منه، فإن نوى استباحة فعل بعينه فالأفعال على ضربين: منها ما يجوز فعله مع الحدث، ومنها ما لا يجوز إلا مع ارتفاع
стр. 103
حكمه، فالأول مثل القراءة ظاهرًا (١)، ودخول المسجد وكتابة العلم ودرسه، كل هذا يجوز مع الحدث الأصغر، فإن نواه بوضوئه فلا يجزئه [للصلاة] (٢) ولا غيرها، مما لا يجوز إلا بطهارة وحكم حدثه باق، والثاني مثل الصلوات على اختلاف أنواعها من فرض ونفل، ومثل مس المصحف والطواف، فإن كان نوى بوضوئه استباحة بعض هذه الأفعال جاز له فعل سائرها، وكان حكم حدثه زائلًا.
فصل [٦ - حكم التسمية على الوضوء]:
التسمية على الوضوء غير واجبة (٣)، خلافًا لأحمد بن حنبل (٤) لقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ (٥)، ولم يذكر التسمية، وكذلك الأخبار التي رويناها، ولأنه قول باللسان فلم يجب في الوضوء كالتسبيح، ولأنها طهارة شرعية كالتيمم وغسل الميت.
فصل [٧ - استحباب غسل يد المتوضيء وغيره قبل إدخالها في الإناء]:
ويستحب (٦) لكل مريد الوضوء طاهر اليدين بائل أو متغوط أو جنب أو حائض أو قياس لذكره أو ملامس لزوجته أو قائم من نومه: أن يغسل يده قبل إدخالها في إناء وضوئه، لقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يده
стр. 104
منه" (١)، وهذا المعنى قائم في سائر من ذكرناه، لأنه كما أن النائم لا يسلم ما يمس بيده من أعراق البدن وأوساخه وكذلك المتيقظ (٢)، لا يمكنه الاحتراز من إدخالها في أنفه أو حكه بدنه، وإنما نص على النائم وإن المعنى فيه أوجد منه في غيره.
فصل [٨ - نفي وجوبه ودليله]:
وليس بواجب (٣) أيضًا خلافًا لأحمد (٤) وداود (٥)، حين أوجباه على القائم من نومه، للظاهر والخبر، والمقصود بهما بيان ما يلزم القائم إلى الصلاة فعله مع خلوه مما تنازعناه، ولأنها طهارة شرعية كالغسل، ولأنه عضو من البدن كغيرء من الأعضاء، ولأن النوم إن كان حدثًا فهو كالبول، وإن كان سببًا للحدث فهو كاللمس، وكذلك لا يوجب غسل اليد قبل إدخالها الإناء وكذلك النوم، ولأنهم يفرقون بين نوم الليل والنهار فيوجبونه من نوم الليل دون نوم النهار، وذلك خلاف الأصول.
стр. 105
مسألة [٩ - حكم المضمضمة والاستنشاق في الوضوء]:
المضمضة (١)، والاستنشاق (٢) سنتان (٣)، لأمره ﷺ بهما وفعله لهما، وليستا بواجبتين (٤) في الوضوء خلافًا لأحمد (٥) وغيره، لقوله جل وعز: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (٦)، والاسم لا ينطلق على الباطن، ولقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (٧)، ولأنها طهارة من حدث كالغسل، ولأنه باطن في أصل الخلقة كذا داخل العينين والصماخين (٨).
فصل [١٠ - حكم المضمضة والاستنتشاق في الغُسل]:
وكذلك فليستا بواجبتين في الغسل (٩) خلافًا لأبي حنيفة (١٠) لما ذكرناه، ولأنه غسل واجب فلم يلزم فيه إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت، ولأنها طهارة عن حدث كالوضوء.
стр. 106
فصل [١١ - حكم ترك المضمضة والاستنشاق في الطهارة]:
وإذا ثبت أنهما سنتان فتركهما غير مفسد للطهارة لا سهوًا ولا عمدًا (١)، لأن حكم الحدث يرتفع مع عدمها إلا أنه لا ينبغي تعمد تركهما، فمتى تركهما ناسيًا أتى بهما ما لم يصل ليؤدي الصلاة على الوجه الأفضل، وإن صلى لم يعد لأن وقتها قد مضى بانقضاء الصلاة، والسنن لا تعاد إذا انقضت أوقاتها (٢).
فصل [١٢ - غسل الوجهين واليدين في الوضوء]:
غُسل الوجه واليدين إلى المرفقين من فرائض الوضوء (٣) للظاهر والخبر والإجماع (٤).
فصل [١٣ - غسل المرفقين مع اليدين]:
وغسل المرفقين مع اليدين واجب (٥) خلافًا لمن نفى وجوبه (٦)؛ لأنه ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (٧)، ولأنه حد لعضو مغسول كالكعبين.
стр. 107
فصل [١٤ - مسح جميع الرأس]:
ومسح جميع الرأس واجب (١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٢) لقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٣)، والاسم للجملة فيجب استيفاؤها، ولأنه ﷺ مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر (٤)، وأفعاله على الوجوب، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء، فلم يجز الاقتصار من تطهيره علي أقل ما يقع عليه الاسم أو فلم يتحدد بالربع كسائر الأعضاء، ولأنه عضو أطلق النص فيه فوجب إيعابه كالوجوه.
فصل [١٥ - كيفية إيعاب مسح الرأس]:
وكيف ما أوعبه (٥) أجزأه إلا أن اختياره فيه: أن يأخذ الماء بيديه ثم يرسله أو بأحدهما ثم يضعه في الأخرى ثم يبدأ بمقدمة رأسه إلى مؤخره ثم يردهما إلى حيث بدأ؛ لأن ذلك صفة فعله ﷺ (٦)، والمرأة والرجل يستويان في ذلك لعموم الظاهر، واعتبارًا بتساويهما في سائر الأعضاء.
فصل [١٦ - مسح الأذنين]:
ويمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لأنه ﷺ فعل ذلك (٧)،
стр. 108
ويستحب له تجديد الماء لهما (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢) للخبر (٣) الذي روي في ذلك، ولأن المغسولات نفلًا لما انفردت عن المغسولات فرضًا، فكذلك الممسوحات نفلًا يجب أن تنفرد عن الممسوحات فرضًا.
فصل [١٧ - المسح على العمامة والخمار]:
ولا يجوز المسح على عمامة ولا خمار (٤) بدلًا عن الرأس خلافًا لأحمد (٥) وداود (٦)، لقوله جل وعز: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٧)، وهذا يوجب مباشرة العضو، ولأنه عضو غير منصوص على حده فأشبه الوجه، ولأن فرض البدل لا يكون كفرض المبدل.
مسألة [١٨ - غسل الرجلين]:
وفرض الرجلين الغُسل (٨) خلافًا لمن ذهب إلى أنه المسح (٩) لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ (١٠) بالنصب وهو عطف على الغسل، وقوله صلى الله عليه
стр. 109
وسلم: "فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من أظفار رجليه" (١)، وذلك يفيد أن فرضهما الغسل، ولأنه عضو منصوص على حده كاليدين.
فصل [١٩ - حكم أقطع الرجلين في الوضوء]:
ويغسل أقطع الرجلين موضع القطع لبقائه محل الغرض، ولا يلزم أقطع اليدين من المرفقين (٢) غسل موضع القطع؛ لأن المرفقين يدخلان في القطع فلا يبقى شيء من محل الغرض والقطع في الرجلين من تحت الكعبين (٣)، فبعض محل الغرض باق فلزمه غسله، فإن اتفق أن يكون بقي شيء من المرفقين غسل موضع القطع (٤).
مسألة [٢٠ - ترتيب الوضوء]:
وترتيب الوضوء مستحب غير مستحق (٥) خلافًا للشافعي (٦) حين يوجبه لقوله جل وعز: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم .... ﴾ (٧) الآية وموضوع الواو الاشتراك دون الترتيب، واسم الغسل ينتظم (٨) من رتب ومن لم يرتب، ولأنها طهارة شرعية كالغسل، ولأنه تقديم وتأخير في الوضوء فلم يمنع صحته كتقديم اليسرى على اليمنى، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء فصحت الطهارة [مع التبدئة به] (٩) كالوجه.
стр. 110
فصل [٢١ - دليل استحباب ترتيب الوضوء]:
إذا ثبت أنه ليس بفرض فإنما استحببناه لفعل رسول ﷺ له (١)، ومداومته عليه وعمل السلف من بعده به، ولأن الأُمة مجمعة (٢) على أنه مطلوب في الوضوء وأن فعله أفضل وأولى من تركه، واختلافهم في مباح الطهارة بتركه لا يخرجه عن تعلق الفضيلة به.
فصل [٢٢ - صفة الوضوء]:
والاختيار في صفته: أن يبدأ بعد النية بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثم بالمضمضة والاستنشاق، ثم بغسل الوجه، ثم بيمنى يديه ثم يسراهما، ثم بالمسح بالرأس، ثم بالأذنين، ثم يغسل يمنى رجليه ثم يسرهما، وإنما اخترنا ذلك على هذه الصفة أنها الصفة التي نقلت الصحابة رضوان الله عليهم أنها كانت صفة وضوئه ﷺ (٣) وإنما خلصنا بذلك تقديم النية، وإن كان تقديمها فرضًا لئلا يظن ظان أنها من حيث كانت من فروض الوضوء جاز أن تقدم وتؤخر كسائر الأعضاء المفروضة، فبينا أنها بخلاف غيرها، وأن تقديمها فرض، وإنما لا تتناول الماضي المنقضي، وإنما قلنا إنه يقدم غسل يده لأن الخبر بذلك ورد بقوله ﷺ : "فلا يغمس يده حتى يغسلها" (٤) وكذلك روى من وصف وضوئه ﷺ (٥) رواية وحكاية وباقيه قد ذكرناه.