← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

باب: [في النفقة على الولد الصغير] تلزم الرجل نفقة ولده الصغير إذا كان فقيرًا (١) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٤) وقوله ﷺ : "تقول امرأتك: انفق عليَّ أو طلقني، ويقول عبدك: أنفق عليَّ أو بعني، ويقول ولدك: إلى من تكلني" (٥)، فبيَّن أن النفقة تلزم لكل واحد ممن ذكر (٦)، وأنه يحتج بما ذكره، ولا خلاف في ذلك (٧). وإنما شرطنا الصغر لعجزهم عن التكسيب والتحيل لقوتهم. وشرطنا الفقر للاتفاق على أنه إن كان لهم مال لم يلزم أحد أن ينفق عليهم، فإذا بلغوا نظر، فإن كان سليمًا صحيحًا سقطت النفقة عن الغلام وإن بلغ مجنونًا أو زمنًا فالنفقة لازمة للأب عليه لأن ذلك يمنع التكسب ويحول دون التطلب فإن صح الزمن واستغنى الفقير سقطت نفقته ثم لا تعود إن عاد ذلك به لأن نفقته تجب باستصحاب الوجوب بالصغر دون الابتداء.

стр. 912

فصل [١ - النفقة على البنت]: وأما البنت فالنفقة تلزم الأب عليها إلى أن تبلغ ويدخل بها زوجها خلافًا للشافعي في قوله: أن النفقة تسقط عنهن ببلوغهن (١) لأن أمرهن آكد من الذكور لأنهن لا يقدرن على التكسب إلا إذا تزوجن، فإذا تزوجت الابنة ولزم الزوج نفقتها ثم عادت إلى الأب لا يلزمه الإنفاق بعد سقوطه عنه. فصل [٢ - عدم إلزام المرأة بالنفقة على ولدها]: ولا يلزم الأم النفقة على ولدها لا في حياة الأب ولا بعد موته لا في يسره ولا في عسره (٢) خلافًا للشافعي (٣)؛ لأن كل من لا يلزمها إرضاعه في بعض الأحوال إلا بعوض لم يلزمها الإنفاق عليه كالأجنبية، ولأن الإنفاق إذا وجب على شخص لم ينتقل إلى غيره، وكذلك إذا حال دونه حائل لا ترجع النفقة عليه ونفقة هذا الولد كانت لازمة للأب، فإذا فقد الأب أو أعسر لم يلزم غيره كما لا يلزم سائر الأقارب. فصل [٣ - في نفقة الولد الموسر على أبويه المعسرين]: يجب على الولد الموسر النفقة على أبويه المعسرين (٤) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٥)، وقوله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٦) ويلزمه النفقة على الفقير منهما، وإن كان صحيحًا خلافًا للشافعي (٧) اعتبارًا بالزمانة، ولأن أمرهما آكد من أمر الولد، والمسلم والكافر في ذلك سواء.

стр. 913

فصل [٤ - عدم وجوب النفقة على ولد الولد ولا على الجد]: والجد لا تلزمه النفقة على ولد الولد ولا يلزم ولد الولد الإنفاق على جدهم (١) خلافًا للشافعي (٢)، لأن النفقة على الأقارب لا تجب انتقالًا، وإنما تجب ابتداء، ونفقة الجد لازمة للأب فلا تنتقل إلى ولده وكذلك نفقة الولد لازمة لأبيهم فلا تنتقل إلى جدهم. فصل [٥ - عدم وجوب النفقة على الأخوة والأعمام وولد الأخوة وغيرهم .. ]: لا تجب النفقة على من سوى هؤلاء من الأقارب كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات وولد الأخوة وغيرهم (٣) خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه النفقة على كل ذي رحم محرم (٤)، ولأن كل قرابة تعرف عن ولادة مباشرة لم يستحق بها نفقة كبني العمومة. …

стр. 914

باب: [في الحضانة (١)] إذا طلق الرجل امرأته فالحضانة لأمهم (٢) لقوله ﷺ للأم: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٣)، ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره والأم أقوم (٤) بذلك من الأب ومن كل أحد. فصل [١ - الحضانة حق للأم أو للولد]: واختلف عنه هل هي حق للأم أو للولد عليها (٥)، فإذا قلنا: إنها حق للأم فلقوله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٦)، ولأنها (٧) يلحقها ضرر بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحن عليه وأرفق به. وإذا قلنا: إنها حق للولد فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته دون مراعات أمر الأم، ألا تري أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه وكذلك إذا غاب الأب غيبة استقرار.

стр. 915

فصل [٢ - انقطاع حضانة الأم بزواجها]: إذا تزوجت الأم، فما لم يدخل بها فهي أحق به، فإن دخل بها انقطعت حضانتها (١) لقوله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢)، ولأن الصبي يلحقه ضرر ويتكره الزوج له وتضجره به، ولأن الأم تدعوها الضرورة إلى التقصير في تعهده طلبًا لمرضاة الزوج، وكان ذلك الأب يضر بالصبي، فلذلك زال حقها من الحضانة فإن طلقها أو مات عنها كان لها أخذه لزوال المانع. فصل [٣ - متى تنقطع الحضانة]: يحضن الغلام إلى أن يبلغ والجارية إلى أن تنكح ويدخل بها زوجها (٣) خلافًا للشافعي في قوله: أن حضانتها تسقط ببلوغها (٤)، لقوله ﷺ : "ما لم تنكحي" (٥) فأطلق، ولأن الابنة تحتاج إلى الحفظ والمراعات إلى أكثر مما يحتاج إليه الابن وبلوغها لا يزيل ذلك لأنها معرضة للأزواج وبنفس بلوغها لا تعرف مصالح نفسها والأزواج يرغبون فيمن يكنفها أبوها وأمها ومن لم تخرج عن حضانتهما ومراعاتهما أكثر من رغبتهم في المتخلية بنفسها، فكانت المصلحة لها في تبقية حق الحضانة عليها. فصل [٤ - الأب يخرج إلى بلد آخر ويريد أخذ الطفل معه]: إذا أراد الأب الخروج إلى بلد آخر وأراد أخذ الطفل معه، فإن كان لحاجة أو تجارة فليس له أخذه معه (٦) لأن كونه مع أمه أصلح وأحوط عليه، وإن كان لنقلةٍ

стр. 916

عنه وإقامةٍ بغيره فله أخذه والانتقال به (١)، ولا مقال للأم لأن كونه مع أبيه على هذا الوجه أحفظ له. فصل [٥ - انتقال الحضانة من الأم إلى أمها]: إذا انتقلت الحضانة عن الأم بموتها أو بتزويجها أو بعجزها فإنها تنتقل إلى أمها وهي جدة الطفل (٢) إن كانت غير ذات زوج إلا أن يكون الزوج جد الصبي فلا يسقط حق الجدة من الحضانة لأن جده لا يضجر به ولا يؤدي كونه معها إلى تقصير في حق الطفل، والأجنبي بخلاف ذلك ثم من بعد أم الأم إلى الخالة، فإن لم يكن من جهة الأم أحد انتقلت إلى جهة الأب، فكانت أم الأب وأخته وهي عمة الصبي، وكذلك أخوات الصبي يثبت لهن حق الحضانة لإشفاقهن عليه وقُدِّم قرابة الأم على قرابات الأب كما قدمت الأم على الأب وقدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة وكذلك قدمت (٣) أم الأب على العمة لأنها والدة. فصل [٦ - في ترتيب حق الحضانة]: واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أولى الأب أو قراباته، فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون فالأصل أولى، وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن وإن كن يدلين به فهن أرفق بالصبي وألطف تأتيًا له في مصالحه وتعهده، ولأن الأب لا يمكن أن يحفظه بنفسه لأن ذلك لا يليه الرجال بنفوسهم وإنما يستنيبون غيرهم من النساء فكان النساء أولى (٤).

стр. 917

فصل [٧ - في انتقال الحضانة إلى عصبة الطفل]: فإن لم يكن أحد (١) من قرابات الأم ولا الأب كان حق الحضانة منتقلًا إلى عصبة الطفل لأن إضاعته غير جائزة، وقد لزمهم بحكم القرابة حفظه ومراعاته كما يثبت لهم حق في ميراثه وعليهم في العقل عنه. …

стр. 918

باب [في استبراء الأَمَة] ومن ملك أمَة يوطأ مثلها حاملًا من غيره بأي وجه ملكها فلا يجوز له وطؤها ولا التلذذ بشيء (١) منها حتى تضع، وإن كانت حائلًا حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض وإن ارتفعت حيضتها وارتاب لذلك فتسعة أشهر، وليس عليه استبراء من لا يوطأ مثلها ولا من يعلم براءة رحمها بأن كانت في حيازته فحاضت عنده (٢). وإنما قلنا ذلك لقوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" (٣)، وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره" (٤). وإنما قلنا: إنه لا يتلذذ بشيء منها لأن كل معنى يمنع استباحة الوطء منع التلذذ بما دونه إذا كان لحق الغير أصله الأجنبية. وإنما قلنا: إن حيضة واحدة تكفي لأنها تدل على براءة الرحم في الغالب ولا يتعلق بها عبادة كالعدة.

стр. 919

وإنما قلنا: إن كانت لا تحيض فثلاثة أشهر خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (١) في قولهما أنها تستبرأ بشهر لأن كل من عدم منها الحيض وخيف من جهتها الحمل فلا يجوز وطؤها قبل ثلاثة أشهر أصله المعتدة، ولأن بالشهر الواحد لا يتبين أمارة الحمل لأن أقل ما يتبين فيه ثلاثة أشهر. وإنما قلنا: إذا ارتابت بارتفاع الحيض جلست تسعة أشهر لأنها الغالب من مدة الحمل والبراءة تقع بها في الغالب. وإنما قلنا: إن من لا يوطأ مثلها للصغر أو للهرم فلا يلزم استبراؤها خلافًا للشافعي (٢) لأن العلم البت (٣) حاصل ببراءة رحمها فلم يحتج إلى استبراء كوضع الحمل. وإنما قلنا: إن من هي في حيازته لا استبراء عليه لأنه عالم ببراءة رحمها قبل انتقال الملك فلا حاجة به إلى تجديده. فصل [١ - استبراء الأمَة قبل بيعها]: ولا يجوز لمن وطيء أمَة أن يبيعها قبل استبرائها لأنه لا يأمن أن يكون رحمها مشغولًا بمائه فيكون بائعًا لولده ولأم ولده، ولا يجوز للمشتري أن يطأها حتى يستبريها لما ذكرناه، فإن اتفقا على استبراء واحد جاز لأن الغرض الذي له يراد يحصل وهو العلم ببراءة الرحم (٤). فصل [٢ - حرمة الوطء والتلذذ بالأمَة في عدتها من طلاق أو وفاة]: ولا يجوز لمبتاع أمَة في عدة من طلاق أو وفاة أن يطأها أو يقبلها أو يتلذذ بشيء منها حتى تخرج من عدتها لأنه لما لم يجز نكاحها في هذه الحال لم يجز وطؤها بالملك كما لو كانت تحت زوج (٥).

стр. 920

باب: في الرضاع (١) الأصل في التحريم بالرضاع (٢) في الأعيان المحرمات قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣)، وقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" (٤)، وقوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" (٥) ولإجماع (٦) الأمَة على ذلك (٧). فصل [١ - القدر المحرِّم من الرضاع وشرطه]: وإذا وصل إلى جوف الرضيع شيء من لبن المرأة برضاع أو وجور (٨) أو ما يعلم وصوله إلى الجوف من سعوط (٩) أو حقنة في مدة الحولين فقط دون زيادة عليهما (١٠) في رواية ذكرها محمَّد بن عبد الحكم أو زيادة يسيرة في رواية أبيه (١١)

стр. 921

أو بزيادة الشهر ونحوه في رواية عبد الملك أو الشهرين في رواية ابن القاسم من ذات لبن من ولادة من حلال أو حرام أو من درور من غير الولادة من صغيرة أو يائسة أو حية أو ميتة منفردًا بنفسه أو مختلطًا بما لم يستهلك فيه، فإنه يحرم ويصير به المرضع ابنًا للمرضعة يحرم به نكاحها ولا عدة (١) عليها، وتنتشر به الحرمة بينه وبين من له اللبن، ولا يجوز له إن كانت أنثى نكاحها ولا نكاح من لو كان ابنها من النسب (٢) لحرم عليه (٣). فصل [٢ - وجه تحريم الرضاع بالقليل من اللبن]: وإنما قلنا: إن تحريم الرضاع يقع بالقليل من اللبن من غير حد خلافًا للشافعي في قوله: لا يحرم إلا خمس رضعات (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٥) فأطلق، وقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٦)، وقوله: "إنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم" (٧)، وهذا يحصل للقليل بقسطه كما يحصل للكثير بقسطه، وقوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" (٨)، وقد ثبت أن التحريم بالنسب لا يفتقر إلى عدد (٩) من الولادة، وكذلك الرضاع، ولأن كل معنى أوجب حرمة مؤبدة

стр. 922

فالمعتبر وجوده من غير عدد كالعقد والوطء واعتبارًا بالخمس بقلة الارتضاع من أدمية في مدة الحولين قبل الاستغناء بالطعام. فصل [٣ - في أن الوجور يحرم]: وإنما قلنا: إن الوجور يحرم خلافًا لداود (١) لأن الرضاع عبارة عن وصول اللبن إلى جوف الطفل على وجه التغذية وأحوال الأطفال تختلف، فمنهم من يلتقم الثدي، ومنهم من لم يلتقمه فيوجر بالمسعطة، ومنهم من يوجر بالثدي نفسه، وكل ذلك رضاع واعتبارًا بوصوله إلى جوفه بالتقام الثدي. فصل [٤ - التحريم بالسعوط]: فأما السعوط قال ابن القاسم: إن وصل إلى الجوف حرم وأطلق ابن حبيب أنه يحرم وهو قول الشافعي (٢)، وقال غيره: أنه لا يحرم، وليس يقول لأحد من أصحابنا: إنه إن علم وصوله إلى الجوف لم يحرم لأن وصول اللبن إلى الجوف في مدة الحولين والحاجة إلى التغذية به يوجب (٣) التحريم كالارتضاع، وقول ابن القاسم أصح من اعتبار الإطلاق، ولأن الاعتبار في الرضاع بما يقع الاغتذاء به، ولأن اللبن إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه على ظاهر (٤) البدن. فصل [٥ - التحريم بالحقنة]: فأما الحقنة فأطلق ابن حبيب التحريم بها وعلق ابن القاسم الجواب فيها بالعلم بوصول اللبن إلى الجوف وهذا هو الصحيح إن أمكن ذلك ويبعد أن يصل إلى موضع يحصل به الغذاء والله أعلم.

стр. 923

فصل [٦ - الرضاعة المحرمة التي تكون في الحولين]: وإنما شرطنا أن يكون في الحولين خلافًا لمن قال: إن رضاعة الكبير تحرم (١)، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٣) وقوله: "لا رضاع إلا بما فتق الأمعاء" (٤)، وقوله: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم" (٥)، وكل ذلك منتف عن رضاعة الكبير. فصل [٧ - في عدم مراعاة ما زاد على الحولين]: ووجه قوله: إنه لا يراعى زيادة على الحولين بوجه قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٦)، فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة المعتبرة، ولأنه رضاع بعد حولين أصله بعد ستة أشهر، ولأن ذلك حسم للباب: وإن لا لم يكن بعض المدة الزائدة بأولى من بعض. فصل [٨ - في وجه تجويز الزيادة اليسيرة]: ووجه تجوز الزيادة اليسيرة أن ذلك في حكم الحولين لأن المرضع قد لا يستغنى بالطعام لضعف قوته عن الاغتذاء بغيره، فكان ما قاربها في حكمها لهذا المعنى وليس لما قدر بشهر أو شهرين دليل يتحرز.

стр. 924

فصل [٩ - إذا فصل في الحولين واستغنى عن اللبن بالطعام]: إذا فصل في الحولين واستغنى عن اللبن (١) بالطعام لم يحرم ما ارتضع في الحولين (٢) بعد ذلك (٣) خلافًا للشافعي (٤) وابن حبيب لقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٥)، وسائر الأخبار، ولأنه مستغنى بالطعام أصله بعد الحولين. فصل [١٠ - التسوية بين اللبن إذا كان حادثًا عن وطء حلال أو حرام]: وإنما سوينا في ذلك بين أن يكون اللبن حادثًا عن وطء حلال أو حرام لعموم الظواهر والأخبار، ولأن الاعتبار بوقوع الغذاء به وذلك يستويان فيه. فصل [١١ - التسوية بين درور اللبن من الموطوءة وغيرها]: وإنما سوينا بين درور اللبن ممن لم توطأ وبين الموطوءة واليائسة والحادث عن وطء لما ذكرناه من العموم، وللمعنى المعتبر وهو حصول الغذاء به. فصل [١٢ - التسوية بين لبن الحية ولبن الميتة]: وإنما سوينا بين لبن الحية والميتة خلافًا للشافعي (٦)، لعموم الظواهر والأخبار، ولأنه مؤثر في التحريم وصل إلى جوف المرضع في مدة الرضاع وحاجته إلى الاغتذاء به، فوجب أن ينشر الحرمة أصله اللبن الذي يؤخذ (٧) منها حال الحياة.

стр. 925

فصل [١٣ - إذا اختلط اللبن بما لم يستهلك فيه]: وإنما قلنا: إنه يحرم وإن اختلط بما لم يستهلك فيه لأن الغلبة للبن، ولأن الغذاء يحصل به، فأما إذا استهلك فيما خالطه من ماء أو مائع أو دواء أو طعام، فعند ابن القاسم أن التحريم لا يقع به وهو قول أبي حنيفة (١)، وعند ابن حبيب وذكره عن جماعة من أصحابنا أنه يحرم وهو قول الشافعي (٢). فوجه قول ابن القاسم أن استهلاكه يبطل حكمه بدليل أن الحالف لا يشرب لبنًا لا يحنث لشربه، ولأن تعليق التحريم باللبن كتعليق وجوب الحد بشرب الخمر ثم قد ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء بأنه لا يتعلق بشربه حد فكذلك اللبن. ووجه قول ابن حبيب أن اختلاط اللبن بغيره لا ينفى حكمه كما لو لم يستهلك فيه، ولأن الغذاء يحصل للطفل بالمختلط كله. فصل [١٤ - تحريم تزوج المرضعة بمن أرضعته]: وإنما قلنا: إنه يحرم على المرضعة التزوج بمن أرضعته وعلى من له اللبن أن يتزوج الأنثى التي أرضعت (٣) من لبنه لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٥)، وقوله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" (٦)، فإذا أرضعت المرأة صبيًّا حرمت هي عليه وكل من ولدته قبل الذي ارتضع من لبنها أو بعده لأنهن أخواته، وتحرم عليه أخت المرضعة لأنها خالته، وأخت الزوج الذي

стр. 926

له اللبن لأنها عمته، وبناته لأنهن إخوانه من أبيه، وقس على هذا كل ما يرد عليك من التحريم على ما يحرم من النسب، ولا يحرم على أخي المرتضع بنات المرضعة لأنهن لسن بأخوات له، وإنما هن أخوات أخيه. فصل [١٥ - لبن الفحل]: ولبن الفحل يحرم ويتصور مع افتراق الأمَيْن: كرجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيًّا والأخرى صبية فيحرم أحدهما على الآخر لأنهما أخوان للأب (١) ومن الناس من ذهب إلى أن لبن الفحل لا يحرم (٢)، ودليلنا قوله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" (٣)، وحديث عائشة ﵂ لما أبت أن تأذن (٤) لعمها من الرضاعة وقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال ﷺ : "إنه عمك فليلج عليك" (٥)، ولأنهما يشتركان في اللبن، ولأنه أحد الأبوين فلم يعتبر اجتماعهما فيه، ولأنه تحريم يثبت بالنسب فثبت بالرضاع كتحريم الأمومة. فصل [١٦ - سفر المرضعة مع من أرضعته]: وتسافر المرضعة مع من أرضعته لأنه ذو (٦) محرم لها كالابن من الولادة (٧).

стр. 927

فصل [١٧ - حكم إرضاع المطلقة بعد دخولها بزوج ثان من اللبن الأول]: وإذا أرضعت المرأة صبيًّا بعد أن طلقت وتزوجت فوطئها الزوج الثاني واللبن متصل غير منقطع كان ابنًا للزوجين لأن اللبن لهما، فإن انقطع اللبن الأول ثم حدث لبن ثان كانت الحرمة للثاني دون الأول لانفراده باللبن (١)، والله أعلم. (آخر كتاب النكاح والحمد لله كثيرًا) (٢). …

стр. 928

كتاب البيوع (١) الربا (٢) في المبيعات يكون من وجهين وهما التفاضل والنساء (٣). فأما التفاضل فالذي ورد النص به وانعقد الإجماع عليه (٤): هو في الجنس الواحد من الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح والأصل فيه قوله ﷺ : "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" (٥)، وقوله: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" (٦)، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا (٧) بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض" (٨)، وقال ابن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم (٩)، وما روي عن ابن عباس في ذلك فقد ثبت رجوعه عنه (١٠).

стр. 929

فصل [١ - منع بيع كل جنس بشيء من جنسه]: وموضوع كل جنس عن ذلك لا يجوز بيعه بشيء من جنسه إلا مثلًا بمثل (١) خلافًا لمن أجاز أن يستفضل بينهما قيمة الصياغة (٢)، للظواهر التي ذكرناها، وروي في هذا: أن صائغًا سأل ابن عمر فقال: أصوغ الذهب ثم أبيعه بأكثر من وزنه واستفضل فيه قدر عمل يدي، فنهاه ابن عمر عن ذلك، وقال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم (٣)، ونحو هذا ما جرى بين أبي الدرداء (٤) ومعاوية في سقاية الذهب أو الورق (٥)، وكتاب عمر ﵁ إلى معاوية ﵀: لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل وزنًا بوزن (٦)، ولأنه ذهب بذهب فأشبه المضروب والمصُوغ بالمصوغ. فصل [٢ - تحريم التفاضل في المسميات]: وأما الأربعة المسميات فالأصل فيه (٧) حديث عبادة (٨) وغيره أنه ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر

стр. 930

ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (١)، (ولا خلاف (٢) في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات) (٣)، وفي طريق آخر: "البر بالبر مدًّا بمد والشعير بالشعير مدًّا بمد والملح بالملح مدًّا بمد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (٤) ولا خلاف في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات (٥). فصل [٣ - في كون التحريم متعلق بمعاني هذه المسميات دون أسمائها]: التحريم متعلق بمعاني (٦) هذه المسميات دون أسمائها (٧) خلافًا لداود ونفاة القياس في قصرهم ذلك عليها دون تعديه إلى الفروع (٨)، فيتصور الخلاف معهم في الأرز والذرة والدخن والزبيب وغير ذلك مما لم يتناوله النص باسمه: فعندنا فيه الربا وعندهم لا ربا فيه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٩)، والربا الزيادة في اللغة (١٠)، ونهيه ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل (١١) فعم، وقوله: "إذا اختلف الجنسان

стр. 931

فبيعوا كيف شئتم" (١)، فدل أن اتفاقهما مانع من التفاضل، وفي حديث عبادة أنه ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب .. إلى أن قال: حتى الملح بالملح" (٢)، فجعل غاية لما ابتدأ به وهو الذهب والفضة والبر، فدل على أن ما بينهما في حكمها، ولأن ذلك مبني على صحة القياس وثبوت التعليل. فصل [٤ - ثبوت تعليل هذه المسميات وحصر هذه العِلَّة]: إذا ثبت أن هذه المسميات معللة وأن التحريم يتعلق بمعانيها، فالعِلَّة فيها (٣) عندنا: أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا هذا حصر أوصاف العلة، ومن أصحابنا من يعبر عنها بالقوت وما يصلحه والمعنى واحد (٤)، وقال أبو حنيفة العلة الكيل والوزن مع الجنس (٥)، وقال الشافعي: العلة كونه مطعومًا جنسًا (٦). فدلينا: أنه قد ثبت أن نصه ﷺ على البر وما ذكر معه ليفيد به معنى لا يعلم مع عدمه ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الأكل على ما يقوله الشافعي لاكتفى بالنص على واحد منها (٧)، إذ الأكل متساو في جميعها وليس يختلف عنده، فكان يذكر أصنافه لينبه (٨) على صنف بما ينص عليه منه، وكذلك لو أراد الكيل بمجرده لكان يكتفي أن ينص على واحد منها (٩) إذ الكيل متساو في جميعها، وعلى قولنا: لا يعرى نصه على كل واحد منها من فائدة فنصه على البر لينبه به على كل مقتات تعم الحاجة إليه وتقوم الأبدان بتناوله،

стр. 932

ونصه على الشعير ليبين مشاركته للبر في ذلك، وإن انفرد بصفة بكونه علفًا وإنه يكون قوتًا حال الاضطرار فنبه على الذرة والدخن وغيرهما، ونصه على التمر (١) لينبه به على كل حلاوة مدخرة غالبًا لأصل المعاش كالعسل والزبيب والسكر وما في معناه، ونصه على الملح تنبيهًا (٢) على أن ما يصلح المقتات من المأكولات في حكمها كالأبازير (٣) وما في معناها فبان صحة ما اخترناه، لأن تنبيهه ﷺ على العلل من أقوى ما يستدل به عليها، ولأنه قال: "حتى الملح"، فجعله غاية بينه وبين ما نص عليه، وإنما هو غاية لأدناه وليس يضاف بالدناءة إلى الأقوات فقط، ولأن الطعم مراعى عندنا (وغير مراعي عندهم، وقد قال النبي ﷺ : "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (٤) فوجب اعتبار الطعام ولأن التفاضل يحرم) (٥) عندنا في قليل المنصوص عليه وكثيره وعندهم لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله فيجوز عندهم الكف من الحنطة بالكفين والعموم يمنعه، وربما سلك في ذلك طريق القياس فقيل: لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، ولأن علتهم فاسدة لأنها ترفع الأصل الذي انتزعت منه وهو عموم الخبر في معنى التفاضل، والعلة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها، ولأن الشيء الواحد إذا كان علمًا على حكم لم يجز أن يكون علمًا على ضده والكيل علم (٦) على التحليل فلم يكن علة للتحريم، ولأن علتنا أرجح لأن الربا إنما حرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فكان في أغلى المكيلات كما كان في أغلى الموزونات وهو الذهب والفضة.

стр. 933

فصل [٥ - في علة الذهب والفضة]: فأما علة الذهب والفضة فكونهما أصول الأثمان وقيم المتلفات، وهذه العلة عندنا مقصورة والتعليل بها سائغ؛ لأن قصد التعدي في العلة ليس فيه أكثر من تعذر القياس وذلك لأن يخرجها عن أن تكون علة كما لو نص على كونها علة وعلى منع القياس، ولأن قصرها لا يفيد منع الحمل للفرع عليها، وذلك مستفاد بالتعليل كالتعدي، ولأنه ﷺ لما نص على الذهب والفضة ولم ينص على ما سواهما دل على أنهما مختصان بذلك؛ لأنه ليس مشارك لهما في وضعهما الأخص، ونفرض الكلام في أن الرصاص والنحاس لا ربا فيه فتقول: كل جنس جاز (١) التفاضل بين مهمله ومعموله، فلا ربا فيه أصله التراب والقصب. فصل [٦ - ما شارك في علة هذه المسميات يأخذ حكمها]: إذا ثبت أن العلة في المسميات الأربعة ما ذكرناه، فكل ما شاركها في علتها مشارك لها في حكمهما كالأرز والذرة والدخن والقطنية (٢) واللحوم والألبان والخلول الأباير وسائر الفواكه المدخرة للقوت والتمر والزبيب والزيتون وسائر ما في معناها، وكذلك العسل والسكر، ولا ربا في تفاح ولا في بطيخ ولا خيار ولا قثاء ولا ما لا يدخر (٣). فصل [٧ - تحريم التفاضل في الجنس الواحد دون الجنسين]: والتفاضل يحرم في الجنس دون الجنسين لقوله ﷺ : "البر

стр. 934

بالبر والشعير بالشعير (١) والتمر بالتمر والملح بالملح" (٢)، فقصر التحريم على الجنس بجنسه، وقال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (٣) وهذا نص. فصل [٨ - الربا في الجنس الواحد]: والحنطة والشعير والسلت في حكم الواحد لا يجوز التفاضل في بيع بعضها ببعض (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنها أجناس (٥)، لقوله: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (٦)، ولأنهما متقاربة في المنبت والمحصد وأن أحدهما لا يكاد ينفك، فكان كالعلس (٧) مع الحنطة. فصل [٩ - ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد]: وكل ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد في البيوع، فالتمر وألوانه صنف، وكذلك الزبيب وأنواعه، والقشمش وأنواعه، وقد بينا الاختلاف في القطنية في الزكاة، وأما الأرز والدخن والذرة فكل واحد صنف على حدته. فصل [١٠ - الربا في اللحم]: اللحم منه الربا لأنه مقتات، واللحوم على ثلاثة أنواع فلحوم الأنعام

стр. 935

والوحش صنف، ولحوم الطير صنف وحشيّه وإنسيّه، ولحوم دواب الماء صنف، وقال بعض أصحابنا: والجراد صنف رابع (١)، وقال أبو حنيفة: هي أجناس مختلفة باختلاف الحيوان (٢)، وقال الشافعي في بعض أقاويله: إنها صنف واحد (٣)، فالخلاف مع أبي حنيفة في بيع لحم البقر بلحم الغنم متفاضلًا فمنعناه وجوزه. ودليلنا قوله ﷺ : "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (٤)، ولأنه لحم حيوان من بهيمة الأنعام، فلم يجز بيعه بلحم شيء من الحيوان المشارك له في هذا الوصف متفاضلًا أصله إذا كان من نوعه لحم الغنم بلحم الغنم متفاضلًا، ولأن الأغراض متقاربة فيهما وتؤكل على حد متقارب غير متباين. فصل [١١ - وجه جواز التفاضل بين لحم البقر ولحم الطير والسمك]: والخلاف مع الشافعي في جواز لحم البقر بلحم الطير والسمك متفاضلًا فجوزناه ومنعه (٥)، ودليلنا قوله ﷺ : "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (٦)، والجنسية ها هنا المراد بها الأغراض والمنافع وقد ثبت أن لحم السمك ليس من جنس لحم الإبل؛ لأنهما لا يتفقان في منفعة ولا في غرض ولا يؤكل كل واحد منهما (٧) على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، ولأن السمك طعام لا يحتاج إلى ذكاة، فجاز بيعه بلحم الطير متفاضلًا أصله اللبن.

стр. 936

فصل [١٢ - في بيع الشحم والكبد والفؤاد والطحال وغيرها بشيء من اللحم]: والشحم والكبد والفؤاد والطحال والحلقوم والخصي وما جرى مجرى ذلك له حكم اللحم فلا يجوز بيع شيء منه بلحم متفاضل (١) خلافًا لمن أجازه في بعض ذلك وفي جميعه (٢) لأنه نوع مأكول من جسد الشاة كاللحم، ولأن جميع جسد الشاة قد أجري مجرى واحدًا ولم يخرجه اختلاف أسمائه وأحواله من كونه لحمًا لاتفاقهم على منع التفاضل بين الكرش والكبد واللحم، فكذلك الشحم وغيره. فصل [١٣ - في بيع الماء بالطعام]: والماء لا ربا فيه على ظاهر المذهب، وروى ابن نافع عن مالك: منع بيعه الطعام إلى أجل، قال أصحابنا: يجيء على هذا أن يحرم بيعه قبل قبضه، وإنما (٣) يحرم التفاضل في جنسه (٤)، فوجه نفي الربا عنه أن التفاضل إنما يحرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فلذلك قضي على ما تمس الحاجة إليه من المأكولات دون غيره والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافيًا لموضوع المقصود بالربا، ووجه إثباته أنه في معنى القوت لأن الحاجة إليه أمس منها إلى الخبز إذ غير الخبز يقوم مقامه والماء لا يقوم غيره مقامه، فكان تحريم التفاضل فيه أولى. …

стр. 937

باب: [في بيع المزانبة] بيع المزابنة (١) ممنوع (٢) لنهيه ﷺ عن بيع المزابنة (٣)، وحصر هذا الباب (٤): بيع معلوم بمجهول من جنسه أو مجهول بمجهول من جنسه، فمن المعلوم بالمجهول من جنسه بيع التمر بالرطب والزبيب بالعنب واللحم بالحي المأكول من جنسه لا يصلح إلا للحم كالمعلوف والكسير والمشوي بالطري النيئ، والمالح والقديد بالطري من الحيتان وغيرها، الجنس بجنسه والحنطة المبلولة باليابسة وبالمبلولة إلا أن يكون البلل واحدًا، ومنع بيع الدقيق بالعجين والحنطة بالعجين، ولا بأس الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب (٥) متماثلًا عند مالك ومنعه عبد الملك وكذلك التمر العتيق بالحديث، واختلفه في الحنطة بالدقيق ولا بأس بالحنطة بالسويق والدقيق بالخبز متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك التمر والرطب (٦) بخلهما ولا بأس: اللبن باللبن حال رطوبتهما (٧).

стр. 938

فصل [١ - دليل منع بيع الرطب بالتمر]: وإنما منعنا بيع الرطب بالتمر خلافًا لأبي حنيفة (١) لقوله ﷺ وسئل عن ذلك فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم، قال: "فلا إذا" (٢)، وروي: "فنهى عنه"، وروي: "لا تبايعوا الرطب بالرطب" (٣) وروي ابن عمر: أن رسول الله ﷺ : "نهى عن المزابنة" (٤)، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ولأنه جنس فيه الربا بيع منه مجهول بمعلوم فلم يجز أصله بيع الشيرج (٥) بالسمسم والزيتون بالزيت، ولأن المماثلة شرط في هذا الموضع وهي معدومة لأن التمر والرطب غير متناه، وذلك يمنع التماثل وإذا ثبت المنع من ذلك فكل ما ذكرنا من بابه، فحكمه في المنع مثله (٦) من الحي بالميت والمشوي بالطري والمبلول باليابس وسائر ما في بابه. فصل [٢ - في بيع الرطب بالرطب]: وأما الرطب بالرطب فإنما أجزناه خلافًا للشافعي (٧) وعبد الملك لقوله ﷺ : "لا تبايعوا التمر بالتمر حتى يبدوا صلاحها" (٨) وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال يتساويان فيها، فجاز في ذلك أصله التمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافها جاز حال رطوبتها كاللبن باللبن.

стр. 939

فصل [٣ - في بيع الحنطة بالدقيق]: فأما الحنطة بالدقيق، فاختلف أصحابنا في تخريجه على المذهب: فمنهم من يقول: إن المسألة على روايتين، ومنهم من يقول: ليس بخلاف قول، وإنما هو اختلاف حالين، فإن كان كيلًا بكيل فلا يجوز وإن كان وزنًا بوزن جاز (١)، فوجه الجواز أنه ليس في طحن الحنطة أكثر من تفريق أجزائها، وذلك لا يمنع الكيل ولا ينافي (٢) المماثلة، ووجه المنع أن المماثلة ممتنعة فيها (٣) لأنه إن كان كيلًا بكيل أدى إلى التفاضل وإن الحب إذا طحن تفرقت أجزاؤه ولم تجتمع بعد ذلك اجتماع الحب بخلقته في الأصل فيجيء من صاع بر أكثر من صاع الدقيق، وإن كان وزنًا بوزن امتنع لأن طريق التماثل في ذلك الكيل فلا يجوز غيره. فصل [٤ - بيع الدقيق بالدقيق]: وإنما أجزنا بيع الدقيق بالدقيق متماثلًا خلافًا للشافعي (٤) لأن التساوي فيه موجود في الحال كالحنطة بالحنطة. فصل [٥ - جواز بيع الحنطة والدقيق متفاضلًا]: فأما تجويزنا التفاضل بين الحنطة والدقيق بخبزهما وسويقهما خلافًا للشافعي (٥) فالنكتة فيه وفي جواز اللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا والرطب والتمر (٦) بخلهما واحدة في جميع هذا الباب وهي: أن الصنعة تغير ما تدخله من الجنس حتى تجعله في حكم الجنس المفرد لأنه لا يصلح لما كان يصلح له أولًا، وتختلف الأغراض فيه إذ لا يقول أحد أن منفعة التمر تقارب منفعة الخل، وكذلك الحنطة والسويق والخبر والدقيق لأن تأثير النار في الطبخ والخبز من تباين المنافع وتغيير

стр. 940

الصنعة ما ينفى التقارب ويوجب التفاوت والتباين، وإذا ثبت ذلك جاز التفاضل فيه بمثل ما له جاز في الجنسين المتباينين، وأما جواز بيع التين بالتين (١) رطبين متماثلين فللتساوي في المنافع (٢) والحال، فقد سلما من الربا والمزابنة. فصل [٦ - في بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة]: وما ذكرنا من أن بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة، فإنما ذلك في الجنس لأن التفاضل في الجنسين غير ممنوع، فيجوز بيع التمر بالعنب والرطب بالزبيب وجميع ما في هذا المعنى، وهذا فيما يحرم التفاضل في جنسه إذا بيع بعضه ببعض، فأما ما لا ربا فيه كالخوخ والمشمش وغيرهما فيجوز بيع الرطب باليابس إذا تحقق التفاضل ويمنع مع الاحتمال والشك ليخرج عن المخاطرة. فصل [٧ - في بيع المجهول بالمجهول]: وأما بيع المجهول بالمجهول من جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه فغير جائز، وهو من باب المزابنة وذلك كالصبرة بالصبرة وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى؛ لأن عدم التماثل يقوم في المنع مقام تحقق (٣) التفاضل لأن التماثل إذا لم يوجد فشرط جواز البيع غير حاصل. فصل [٨ - في قسمة وبيع اللحم على التحري]: يجوز قسمة اللحم على التحري وكذلك بيعه، ومن أصحابنا من يطلق ذلك ومنهم من يشترط (٤) فيه تعذر الموازين، وكذلك البيض بالبيض والخبز بالخبز والرطب بالرطب واليابس باليابس (٥)، وعند أبي حنيفة والشافعي أن ذلك غير جائز (٦).

стр. 941

وإنما قلنا ذلك للعمل المستفيض من الصحابة في الأسفار أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري، والقسمة بيع كل واحد من المقتسمين حظه بحظ صاحبه، ولأن الحذر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع فيما شرط فيه الكيل والوزن، وسببًا لمعرفة المقدار فيما يعرفان به عند (١) تعذرهما، ألا ترى أنا نجيز ذلك في الزكاة والعرايا، فجاز أن يكون التحري في مسألتنا طريقًا إلى معرفة التماثل للضرورة، ووجهها أن الموازين في الأسفار قد تعدم وتتعذر فلو قلنا: أنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق ذلك (٢)، وأدى إلى ضياعه وفوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة قسمه وبيعه. فصل [٩ - في بيع الطعام بالطعام]: لا يجوز بيع طعام بطعام إلا نقدًا ولا يجوز فيه تأخير بوجه كان من جنسه أو من غير جنسه كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه بيع متفاضلًا أو متماثلًا، ومن شرطه التقابض في المجلس (٣)، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يفترقا من غير قبض إلا أن يكون المبيع جزءًا مشاعًا (٤)، ودليلنا قوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" (٥)، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا التمر بالتمر ولا الشعير بالشعير … إلى أن قال: إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد" (٦)، ولأن كل شيئين لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر مع جواز السلم فيه فلا يجوز بيعه به إلا يدًا بيد أصله الذهب والفضة أو الذهب في الحلي، ولأنه بيع عين بعين يفسده دخول الأجل، فكان التقابض شرطًا فيه أصله إذا باع جزءًا مشاعًا من صبرة.

стр. 942

باب: [في بيع الطعام قبل قبضه] المبيعات على ضربين: طعام وغير طعام، فالطعام يباع على وجهين: أحدهما على وجه يلزم فيه حق التوفية، وذلك بأن يكون على كيل أو وزن أو عدد، والآخر جزافًا مصبرًا، فالقسم الأول لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان معينًا (١) أو في الذِّمَّة (٢)، والأصل نهيه ﷺ بقوله: "من ابتاع طعامًا فليس يجوز له (٣) أن يبيعه قبل قبضه" (٤)، وروي: "قبل أن يستوفيه"، وإذا ثبت ذلك، فكل أنواع الطعام داخله في المنع من الإدام والقوت والفواكه مما يدخر وما لا يدخر ما فيه الربا وما لا ربا فيه وكذلك الأشربة، وذكر ابن وهب عن مالك أن (٥) ما لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه لأنه أخفض رتبة من المقتات (٦) بدليل إباحة التفاضل فيه وسقوط الزكاة منه (٧)، والأولى أصح للعموم، ولأن النهي لأجل العينة وأن يعلم أن الشراء لم يكن لها وهذا يستوي فيه المقتات وغيره (ولأن انخفاض حرمته عن المقتات في حكم من الأحكام لا يقتضي انخفاضها عنه في سائرها ألا ترى أنه لا يجوز بيع بعضه إلى أجل من حيث كان طعامًا) (٨)، والأدوية والبذور التي تبذر للزرع لا تدخل في هذا

стр. 943

لأنها ليست بطعام، وإنما تتناول للحاجة وليس اسم الطعام لكل ما يتطعم لأنه لو كان كذلك لكان الجص والسم طعامًا لأن له طعما ولكنه اسم لما جرت العادة بأكله على وجه يؤكل عليه الطعام في العادة من الاقتيات أو الائتدام أو التفكه أو التحلي وليس التداوي من هذا، فلم يدخل فيه. فصل [١ - دخول ما ملك بعقد معاوضة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه]: إذا ثبت ما ذكرناه فكل طعام ملك بعقد معاوضة مشارك لما ملك بشراء في منع بيعه قبل قبضه: من ذلك ما يملك أجرة في إجارة أو قضاء دين أو مهر أو خلع أو صلح عن دم عمد أو مثلًا لمتلف أو أرش جناية في مال مضمون (١) كان أو معينا، وكل ما يملك بغير معاوضة، فجائز لمن ملكه بيعه قبل قبضه كالميراث والهبة والصدقة وغير ذلك والمقترض يجوز لمقرضه ولمقترضه بيعه قبل قبضه لأنه ليس بمبتاع ولا في معنى المبتاع. فصل [٢ - جواز هبة وقرض الطعام المبتاع الممنوع من بيعه قبل قبضه]: لمبتاع الطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه أن يهبه ويقرضه ويتصدق به أو يخرجه عن ملكه على غير وجه المبايعة قبل قبضه، ولكن لا يجوز لمن صار إليه ذلك ببعض هذه الوجوه أن يبيعه قبل أن يقبضه (٢)؛ لأنه قائم مقام البائع وعقد هذا الباب: إن كل طعام ابتيع فلم يقبض فلا يجوز أن يقع عليه عقدة بيع حتى يقبض سواء كان ذلك من مبتاعه أو ممن صار إليه عن مبتاعه. فصل [٣ - إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا]: إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا، ففيه روايتان (٣): إحداهما أن له بيعه قبل أن يجزه، والأخرى أنه ليس له ذلك، فوجه الجواز أنه لم يبع ما استثناه،

стр. 944

وإنما أبقاه على ملكه، ووجه المنع أنه صار شريكًا للمشتري بمقداره من الكيل والأول أصح. فصل [٤ - الإقالة والتولية والشركة في الطعام قبل قبضه]: إذا ثبت منع بيع الطعام للمشتري بكيل أو وزن أو عدد قبل استيفائه، فيجوز منه الإقالة والتولية والشركة قبل القبض، وإن كانت بيوعًا (١) لما روي: أنه ﷺ : "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الإقالة والشركة" (٢) وهذا نص، ولأن المقصود منها لما كان المعروف دون المتاجرة والمغابنة جاز للرفق واستثنى من أصل البيع كما استثنيت العرية من بيع الرطب بالتمر للرفق، والحوالة من بيع الدين بالدين لأنه لم يقصد فيها ذلك (٣)، وهذا إذا وقع العقد الثاني على الوجه الذي وقع عليه العقد الأول بمثل المال لا زيادة فيه ولا نقصان ولا مخالفة في تعجيل أو تأجيل: فيعلم بذلك أن الفاعل له لم يقصد المتاجرة والتربح (٤)، وإنما آثر على نفسه وقصد فعل الجميل والرفق بمن فعل ذلك معه، ومتى وقع على خلاف ذلك من زيادة أو نقصان أو مرفق بتأخير أو تعجيل على أنهما لم يريدا الوجه الذي له وقعت الرخصة، وإنما أراد الوجه الممنوع من بيع الطعام قبل قبضه فمنعنا منه. فصل [٥ - في بيع الجزاف أو الصبرة قبل نقله]: ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا: وأما ما ابتيع من الطعام جزافًا (٥) أو

стр. 945

مصبرًا (١) فيجوز بيعه قبل نقله إذا خلَّى البائع بينه وبينه (٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٣) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤)، وروى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه" (٥) فدل أن الجزاف بخلافه، ولأن الجزاف ليس فيه توفية، فإذا وجدت التخلية لم يبق وراءها توفية تطلب، فجاز بيعه كالمكيل إذا قبض، وقد استحب مالك ﵀ أن يباع بعد نقله ليخرج من الخلاف ويحتاط للعقد. فصل [٦ - فيما يجوز بيعه قبل قبضه]: وما عدى الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال أو يوزن وما لا يكال ولا يوزن كان عينًا معينة أو سلمًا مضمونًا في الذِّمَّة فبيعه قبل قبضه جائز في الجملة بخلاف الطعام ما لم يعرض في العقد ما يمنع منه من كونه دينًا بدين أو ذريعة إلى بيع وسلف أو بعض الأشياء الممنوعة (٦)، خلافًا لأبي حنيفة في منعه بيع ما ينقل ويحول (٧)، والشافعي في منع بيع كل مبيع قبل قبضه من بائعه (٨)، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٩)، وقوله ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" (١٠)، فدل أن ما عداه بخلافه، ولأنه

стр. 946

إزالة ملك فجاز قبل القبض كالعتق، ولأنه أحد نوعي المبيعات فعدم القبض لا يمنع بيعه أصله المنافع في الإجارة، ولأن الشراء نوع يملك به، فجاز أن يباع ما ملك به قبل القبض كالميراث والوصية ومع أبي حنيفة قياسًا على العقار. فصل [٧ - اشتراط القبض في البيع]: عقود البياعات كلها تقع بالقول وليس القبض شرطًا في انعقادها ولا في لزومها، غير أن في بعضها إن تأخر القبض عن العقد تأخرًا شديدًا أو افترقا قبل بطل العقد، وذلك كالصرف وبيع الطعام بالطعام، فأما سائر العروض التي يجوز بيع بعضها ببيع نقدًا أو نساء، فإن تأخر القبض لا يبطل العقد فإن تلفت (١) نظر، فإن كان في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عدد فضمانه من البائع (٢) إلا أن يكون كاله أو وزنه للمشتري فتركه المشتري عنده فيكون حينئذ تلفه من المشتري، وأما ما ليس فيه حق توفية مثل البيع بعينه أو الجزاف فتلفه من المشتري قبل القبض وبعده دفع المشتري الثمن أو لم يدفعه طالبه بالقبض أو لم يطالبه إلا أن يكون البائع حبسه عنده ليقبض الثمن، فيكون حكمه حكم الرهن، أو منعه ابتداء ظلمًا فيكون غاصبا، فأما مع (٣) السلامة من ذلك كله فضمانه إن تلف من المشتري (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) في قولهما: أن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري إياه، وإن العقد ينفسخ بتلفه، لقوله ﷺ : "الخراج بالضمان" (٦)، فجعل الضمان ممن يكون له الخراج، وقد

стр. 947

ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض ليكون للمشتري، فكان ضمانه منه، ولأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق، فذلك يوجب أن يكون التلف من المشتري كما بعد القبض أو أن لا يستقر إلا بمعنى زائد عليه وهو القبض فالقبض فرع على الملك وتابع له؛ لأن البائع يجبر على إقباضه للمشتري ولولا استقرار الملك لم يجبر عليه، وإذا كان البيع لمستقر فالتلف ممن حصل الملك له وامتنع الفسخ عليه، ولأن إعتاق المشتري في العبد نافذ قبل القبض، وذلك ممتنع فيما لم يكن يستقر كبيع الخيار، ولأنه عوض مستحق بعقد معاوضة، فإذا كان معينًا (١) وتلف قبل القبض لم يتلف من المستحق عليه أصله المهر. فصل [٨ - في بيع الجزاف]: يجوز بيع الطعام جزافًا في الغرائر (٢) وصبرًا على الأرض، وكذلك غيره من العروض المكيلة أو المعدودة التي لا خطر لها، وإنما الغرض مبلغها كالجص والنورة والقطن وغير ذلك، ولا يجوز بيع شيء له بال وخطر تكثر قيمته ويعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب جزافًا. وقاعدة هذا الباب: أن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده، وذلك كالحنطة والشعير والثمرة والزبيب والجوز واللوز وسائر الفواكه والبقول، فما هذه سبيله يجوز بيعه جزافًا لأنه ليس المقصد إلى عين كل واحد من آحاده لأن أحدًا لا يقصد عين كل (٣) جوزة وبذنجانة، وإنما القصد جملته ومبلغه، فإذا علم ذلك بالحزر عند مشاهدته جاز بيعه كما يجوز (٤) بيع الشيء بالخرص فيتعلق

стр. 948

به أحكام الكيل والوزن، ولأن القصد المبلغ ليس في جزافه خطر أو غرر فينسب ترك تحقيقه بالكيل أو الوزن إلى قصده، وإما المقصد التخفيف والرفق والراحة من التعب ومؤنة الكيل والوزن من المبيع ما يقصر أعيانه وآحاد جماعات كل عين في نفسها كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر؛ لأن كيل واحد من جماعاتها يحتاج إلى اختيار في نفسه والعلم بسلامته من العيوب وليس الغرض المبلغ دون العين، فما هذه سبيله يعظم الخطر فيه ويكثر به الغرر بالمجازفة فيه فلا يجوز بيعه جزافًا (١). فصل [٩ - عدم جواز بيع ما يعلم كيله ووزنه جزافًا]: ما علم بائعه كيله أو وزنه فلا يجوز له بيعه إلا بعد أن يعلم (٢) المشتري بمبلغه (٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" (٥)، وهذا غش (٦) لأن المبتاع يدخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع، وروي: أنه ﷺ قال: "من علم كيل طعام فلا يبيعه جزافًا حتى يبين" (٧) وهذا نص، ولأنه باع جزافًا ما يعلم قدر كيله فلم يجز أصله إذا قال: قد بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم ما تسع.

стр. 949

فصل [١٠ - خيار المشتري إذا علم كيل أو وزن ما اشتراه جزافًا]: إذا ثبت منع ذلك فمتى وقع فالمشتري بالخيار لأنه متعدى عليه لأنه إنما رضي بالمجازفة ودخل على أن البائع بمثابته في الجهل بقدر الكيل (١)، فإذا كتمه ذلك كان تدليسًا (٢) عليه، فثبت له الخيار كالعيب إذا كتمه وإن بين (٣) له فقال أنا أعلم كيلها ولست أعلمك، فإن أردت أن تبتاع على هذا وإلا لم أبعك فرَضِيَ المشتري فذلك غير جائز؛ لأنه رضي بالمخاطرة والغرر وقصد إلى ذلك مع الاستغناء عليه، وذلك مفسد للعقد المبني عليه. فصل [١١ - إذا أخبره بكيله فصدقه وقبضه بغير كيل]: إذا أخبره (٤) البائع بكيله فصدقه المشتري عليه وقبضه بغير كيل، فإن كان البيع نقدًا جاز، وإن كان إلى أجل فلا يجوز واختلف أصحابنا في تأويله (٥)، فمنهم من يحمله على المنع، ومنهم من يحمله على الكراهية (٦)، وإنما قلنا: إنه إذا كان نقدًا جاز لأنه ليس فيه تهمة لأنه لا يخاف منه إن لم يصدقه أن يفوته غرض (٧) ويقع لو صدقه لأدركه ولم يفته، والنسيئة بخلاف ذلك لأنه يجوز أن يكون دون ما أخبره (٨)، فإن لم يصدقه لم يرض ببيعه منه نسيئة، وإنما غرض البائع في إنسائه أن ينتفع بالنقصان الذي يحتسب له به فيكون من أكل المال بالباطل.

стр. 950

فصل [١٢ - إذا صدقه بالكيل في النقد ثم ادعى نقصانه]: إذا صدقه بالكيل في النقد (١) ثم ادعى المبتاع نقصانه عما أخبره أو زيادة، فإن كان مما يكون مثله في اختلاف الكيل ويريد رده فلا يرده به؛ لأن ذلك معفو عنه في العرف كالتغيير الذي يكون في أسفله والتراب الذي يعلم أنه لا ينفك منه، فإن كان زائدًا على ذلك خارجًا عما جرى العرف به فله المحاسبة به لأن البائع لم يوفه ما عقد عليه البيع والقدر الفائت لم يوجد له عوض، وذلك إذا صدقه البائع أو كاله بحضرته أو قامت له بيِّنة به قبل أن يغيب عليه، وإن لم يكن له إلا دعواه فلا يقبل ويحلف البائع. …
следующие страницы →