← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إزالة ملك فجاز قبل القبض كالعتق، ولأنه أحد نوعي المبيعات فعدم القبض لا يمنع بيعه أصله المنافع في الإجارة، ولأن الشراء نوع يملك به، فجاز أن يباع ما ملك به قبل القبض كالميراث والوصية ومع أبي حنيفة قياسًا على العقار. فصل [٧ - اشتراط القبض في البيع]: عقود البياعات كلها تقع بالقول وليس القبض شرطًا في انعقادها ولا في لزومها، غير أن في بعضها إن تأخر القبض عن العقد تأخرًا شديدًا أو افترقا قبل بطل العقد، وذلك كالصرف وبيع الطعام بالطعام، فأما سائر العروض التي يجوز بيع بعضها ببيع نقدًا أو نساء، فإن تأخر القبض لا يبطل العقد فإن تلفت (١) نظر، فإن كان في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عدد فضمانه من البائع (٢) إلا أن يكون كاله أو وزنه للمشتري فتركه المشتري عنده فيكون حينئذ تلفه من المشتري، وأما ما ليس فيه حق توفية مثل البيع بعينه أو الجزاف فتلفه من المشتري قبل القبض وبعده دفع المشتري الثمن أو لم يدفعه طالبه بالقبض أو لم يطالبه إلا أن يكون البائع حبسه عنده ليقبض الثمن، فيكون حكمه حكم الرهن، أو منعه ابتداء ظلمًا فيكون غاصبا، فأما مع (٣) السلامة من ذلك كله فضمانه إن تلف من المشتري (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) في قولهما: أن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري إياه، وإن العقد ينفسخ بتلفه، لقوله ﷺ : "الخراج بالضمان" (٦)، فجعل الضمان ممن يكون له الخراج، وقد

стр. 947

ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض ليكون للمشتري، فكان ضمانه منه، ولأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق، فذلك يوجب أن يكون التلف من المشتري كما بعد القبض أو أن لا يستقر إلا بمعنى زائد عليه وهو القبض فالقبض فرع على الملك وتابع له؛ لأن البائع يجبر على إقباضه للمشتري ولولا استقرار الملك لم يجبر عليه، وإذا كان البيع لمستقر فالتلف ممن حصل الملك له وامتنع الفسخ عليه، ولأن إعتاق المشتري في العبد نافذ قبل القبض، وذلك ممتنع فيما لم يكن يستقر كبيع الخيار، ولأنه عوض مستحق بعقد معاوضة، فإذا كان معينًا (١) وتلف قبل القبض لم يتلف من المستحق عليه أصله المهر. فصل [٨ - في بيع الجزاف]: يجوز بيع الطعام جزافًا في الغرائر (٢) وصبرًا على الأرض، وكذلك غيره من العروض المكيلة أو المعدودة التي لا خطر لها، وإنما الغرض مبلغها كالجص والنورة والقطن وغير ذلك، ولا يجوز بيع شيء له بال وخطر تكثر قيمته ويعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب جزافًا. وقاعدة هذا الباب: أن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده، وذلك كالحنطة والشعير والثمرة والزبيب والجوز واللوز وسائر الفواكه والبقول، فما هذه سبيله يجوز بيعه جزافًا لأنه ليس المقصد إلى عين كل واحد من آحاده لأن أحدًا لا يقصد عين كل (٣) جوزة وبذنجانة، وإنما القصد جملته ومبلغه، فإذا علم ذلك بالحزر عند مشاهدته جاز بيعه كما يجوز (٤) بيع الشيء بالخرص فيتعلق

стр. 948

به أحكام الكيل والوزن، ولأن القصد المبلغ ليس في جزافه خطر أو غرر فينسب ترك تحقيقه بالكيل أو الوزن إلى قصده، وإما المقصد التخفيف والرفق والراحة من التعب ومؤنة الكيل والوزن من المبيع ما يقصر أعيانه وآحاد جماعات كل عين في نفسها كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر؛ لأن كيل واحد من جماعاتها يحتاج إلى اختيار في نفسه والعلم بسلامته من العيوب وليس الغرض المبلغ دون العين، فما هذه سبيله يعظم الخطر فيه ويكثر به الغرر بالمجازفة فيه فلا يجوز بيعه جزافًا (١). فصل [٩ - عدم جواز بيع ما يعلم كيله ووزنه جزافًا]: ما علم بائعه كيله أو وزنه فلا يجوز له بيعه إلا بعد أن يعلم (٢) المشتري بمبلغه (٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" (٥)، وهذا غش (٦) لأن المبتاع يدخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع، وروي: أنه ﷺ قال: "من علم كيل طعام فلا يبيعه جزافًا حتى يبين" (٧) وهذا نص، ولأنه باع جزافًا ما يعلم قدر كيله فلم يجز أصله إذا قال: قد بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم ما تسع.

стр. 949

فصل [١٠ - خيار المشتري إذا علم كيل أو وزن ما اشتراه جزافًا]: إذا ثبت منع ذلك فمتى وقع فالمشتري بالخيار لأنه متعدى عليه لأنه إنما رضي بالمجازفة ودخل على أن البائع بمثابته في الجهل بقدر الكيل (١)، فإذا كتمه ذلك كان تدليسًا (٢) عليه، فثبت له الخيار كالعيب إذا كتمه وإن بين (٣) له فقال أنا أعلم كيلها ولست أعلمك، فإن أردت أن تبتاع على هذا وإلا لم أبعك فرَضِيَ المشتري فذلك غير جائز؛ لأنه رضي بالمخاطرة والغرر وقصد إلى ذلك مع الاستغناء عليه، وذلك مفسد للعقد المبني عليه. فصل [١١ - إذا أخبره بكيله فصدقه وقبضه بغير كيل]: إذا أخبره (٤) البائع بكيله فصدقه المشتري عليه وقبضه بغير كيل، فإن كان البيع نقدًا جاز، وإن كان إلى أجل فلا يجوز واختلف أصحابنا في تأويله (٥)، فمنهم من يحمله على المنع، ومنهم من يحمله على الكراهية (٦)، وإنما قلنا: إنه إذا كان نقدًا جاز لأنه ليس فيه تهمة لأنه لا يخاف منه إن لم يصدقه أن يفوته غرض (٧) ويقع لو صدقه لأدركه ولم يفته، والنسيئة بخلاف ذلك لأنه يجوز أن يكون دون ما أخبره (٨)، فإن لم يصدقه لم يرض ببيعه منه نسيئة، وإنما غرض البائع في إنسائه أن ينتفع بالنقصان الذي يحتسب له به فيكون من أكل المال بالباطل.

стр. 950

فصل [١٢ - إذا صدقه بالكيل في النقد ثم ادعى نقصانه]: إذا صدقه بالكيل في النقد (١) ثم ادعى المبتاع نقصانه عما أخبره أو زيادة، فإن كان مما يكون مثله في اختلاف الكيل ويريد رده فلا يرده به؛ لأن ذلك معفو عنه في العرف كالتغيير الذي يكون في أسفله والتراب الذي يعلم أنه لا ينفك منه، فإن كان زائدًا على ذلك خارجًا عما جرى العرف به فله المحاسبة به لأن البائع لم يوفه ما عقد عليه البيع والقدر الفائت لم يوجد له عوض، وذلك إذا صدقه البائع أو كاله بحضرته أو قامت له بيِّنة به قبل أن يغيب عليه، وإن لم يكن له إلا دعواه فلا يقبل ويحلف البائع. …

стр. 951

باب: [في أضرب المبيع] المبيع على ثلاثة أضرب: عين حاضرة، وغائبة عن العقد، وسلم في الذمة غير معين. فأما بيع العين الحاضرة المرئية مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب أو العبد أو الدابة وهو يراه، فذلك جائز إذا أبصره وخبره ولا خلاف في هذا النوع (١). فصل [١ - بيع الشيء الغائب]: وأما الأعيان الغائبة عن العقد (٢) فيجوز بيعها على الصفة أو على ما تقدم رؤيته (٣) خلافًا للشافعي في منعه بيعها على الصفة (٤) لقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥)، ولأنه مبيع معلوم لهما مقدور على تسليمه غالبًا كالمرئي، ولأن ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم. فصل [٢ - البيع على غير صفة ولا رؤية]: ولا يجوز بيعه بغير صفة ولا رؤية ولا مع شرط خيار الرؤية وذكر في المدونة جواز ذلك إذا اشترطت فيه خيار الرؤية (٦)، وكان شيخنا أبو بكر وأصحابنا يقولون: إنه خارج عن الأصول (٧)، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع ما لم ير ولم

стр. 952

يوصف ويكون للمبتاع خيار الرؤية بنفس العقد (١)، ودليلنا على منعه: "نهيه ﷺ عن بيع (٢) الغرر" (٣) وهذا منه، ولأنه مجهول واشتراط خيار الرؤية لا ينفع (٤)، كما لا ينفع في بيع الآبق والشارد، ولأن تأخر معرفة المبيع عن العقد يؤذن (٥) ببطلانه كالسلم إذا لم يصفه حال العقد. فصل [٣ - معيار الصفة المطلوبة في بيع الشيء الغائب]: إذا ثبت جواز بيع الغائب بالصفة، فالذي يحتاج إليه من ذلك كل صفة مقصودة تختلف الأغراض باختلافها وتتفاوت الأثمان لأجلها وتقل الرغبة في العين وتكثر بحسب وجودها وعدمها ولا يكتفي (٦) في ذلك بذكر الجنس والعين (٧) فقط؛ لأن بيع الملامسة لا يعرى من مشاهدة العين ومعرفة الجنس وهو مع ذلك غير جائز ولا يضره الإخلال بما لا يؤثر فيها (٨). فصل [٤ - إذا جاء المبيع على الصفة المشترطة أو على أعلى أو أدون منها]: وإن جاء المبيع على الصفة المشترطة لزم المبتاع ولم يكن له خيار الرؤية إلا أن يشترطه في العقد فيثبت له بالشرط، وإنما قلنا: لا خيار له لأنه مبيع موصوف قبض على صفته فلم يكن له خيار الرؤية كالسلم، وإن جاء على خلافها، فإن كان أعلى فلا خيار له، لأنه إذا لم يثبت له الخيار مع الموافقة (٩) فمع الزيادة

стр. 953

أولى، ولأن الخيار إنما يثبت للنقص لا للزيادة وإن كان أدون فالمبتاع بالخيار في الإمضاء والفسخ لأن المبيع لم يسلم له على الوجه الذي دخل عليه كما لو وجد عيبًا. فصل [٥ - إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة]: إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة بعد العقد وقبل القبض ففيها ثلاث روايات (١): إحداها أن التلف من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، والثانية أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، والثالثة أن ضمان الحيوان المأكول وما ليس بمأمون على البائع والدور والعقار من المشتري. فوجه الأولى: أن على البائع توفية المشتري ما اشتراه، فما لم يوفه لم (٢) يستحق عليه العوض والتلف منه؛ لأن المشتري لم يقبضه ولم تثبت عليه يد. ووجه الثانية: أن الأصل السلامة مع كونه متميزًا عن ملك البائع لا يتعلق به حق توفية، فكان ضمانه من المشتري وذلك إذا علم أن الصفقة صادفته حيًّا سليمًا ثم تلفت (٣) من بعد. فأما وجه تفريقه بين المأمون وغير المأمون على ظاهر السلامة، فيجب أن يكون ضمانه من المشتري اعتبارًا بالحاضر (٤)، ولأن النقد لا جاز اشتراطه في المأمون ولم يجز في غيره دل على افتراق حكمهما. فصل [٦ - النقد في بيع الشيء الغائب]: إن تبرع المشتري في بيع الغائب بنقد الثمن أو بعضه قبل مجيء المبيع جاز،

стр. 954

فأما إن اشترط البائع عليه النقد فيجوز في المأمون لعدم (١) تغيره وأمنه (٢) في الغائب كالعقار والدور ولا يجوز في الحيوان والمأكول وما لا يؤمن تغيره، والفرق أن المأمون يقبل الغرر فيه وغير المأمون يكثر الغرر فيه، فاشتراط النقد فيه غرر، ولأنه يدخله سلف وبيع لأن النقد يتردد بينهما لأن المبيع إن سلم كان نقدًا وإن لم يسلم كان البائع قد انتفع بالثمن ثم رده إلى المشتري. فصل [٧ - في بيع البرنامج]: يجوز عندنا بيع الأعدال على البرنامج (٣) وهو أن يبيعها على الصفة التي يتضمنها برنامجه من ذكر الجنس والنوع والزرع والعدد والسعر، فإن وافق الصفقة لزم البيع، وإن خالف كان كما ذكرناه وليس للمبتاع إذا وافقت الصفة، وقال: هي مخالفة (٤) أن يرد خلافًا للشافعي في قوله (٥): لا يجوز (٦)، ودليلنا الظاهر وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧)، ولأن أكثر ما فيه أنه باع عينًا يتعذر رؤيتها بصفة تحصرها، وقد دللنا على جواز ذلك. فصل [٨ - في بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة]: يجوز بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة إذا كان من وقت الرؤية إلى وقت العقد من المدة ما لا تتغير في مثله والاعتبار في ذلك بالعرف في مثل تلك السلعة مما يعلم أنها تتغير وتحول عن الصفة التي كانت (٨) عليها في مثلها، فإن كان بين الوقتين بقدر ذلك لم يجز البيع إلا برؤية مستأنفة أو صفة.

стр. 955

نوع آخر: [في السلم] وأما السلم (١) في الذِّمَّة فإنه جائز في كل ما تضبطه الصفة والأصل في جواز ذلك (٢) قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، فدل ذلك على أن من التجارات ما لا يكون حاضرًا، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥)، قال ابن عباس: ذلك في السلم (٦)، وروي: أنه ﷺ نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم (٧)، وروي: أنه ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمر السنتين والثلاثة فقال:

стр. 956

"من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١)، وهذا نص في جوازه، ولا خلاف فيه (٢). فصل [١ - في شروط بيع السلم]: وله ثمانية شروط (٣): أحدها: أن يكون في الذمة مطلقًا لا في عين (٤) معينة. والثاني: أن يكون موصوفًا بما يمكن حصره به من الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض والأسواق باختلافها. والثالث: أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد أو ذرع أو غير ذلك من المقادير التي تعتبر في ذلك النوع. والرابع: أن يكون رأس المال معلومًا مقدرًا. والخامس: أن يكون نقدًا لا مؤجلًا. والسادس: أن يكون المسلم فيه مؤجلًا لا يجوز أن يكون حالًا، واختلف في حد الأجل، فعنه فيه روايتان: إحداهما أجل مطلق أي أجل كان، والآخر أجل يختلف في مثله الأسواق (٥) وتتغير معه الأسعار. والسابع: أن يكون الأجل (٦) (محدودًا بمدة معلومة.

стр. 957

والثامن: أن يكون المسلم فيه) (١) موجودًا عند المحل وليس من شرطه أن يكون موجودًا في حال العقد ولا متصل الوجود في حال العقد ولا متصل الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل، والأولى أن يسمى موضع القبض، فإن أطلق ولم يعين جاز ولزم في الموضع الذي وقع العقد عليه في سوق تلك السلعة والموضع الذي جرى عرف أهل ذلك الموضع بقبض ما يسمى فيه بأن يقبضونه فيه. فصل [٢ - في عدم كون السلم عينًا]: وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون عينًا (٢) لأن الأعيان لا تثبت في الذمم لأن من حق ما يثبت في الذمة (٣) أن يكون مطلقًا غير معين، ولأن السلم في العين غرر لا يحتاج إليه لأنه إن أريد ضمانها في الذمة إلى الأجل المضروب حتى إذا تلفت لزمت (٤) المسلم إليه بدلها أو قيمتها، فذلك غير جائز لأن المعين (٥) ينفسخ العقد بتلفه ولا يلزم رد مثله، ولأنه إذا كانت العين مما لا يكال ولا يوزن لزم رد قيمتها لا مثلها، فإن إثبات العين في الذمة إن أُريد به تبقيتها إلى وقت الأجل فذلك غير مقدور عليه لإمكان أن يتلف، وإن أريد به ضمان مثلها فقد أفسدناه. فصل [٣ - حصر المسلم بأكثر مما يمكن من الصفات]: وإنما قلنا: يجب حصره بأكثر مما يمكن من الصفات، وقد دخل في ذلك الجنس والنوع لأنه مقدم على ما يتبعه (٦) من الصفات؛ لأنه مضمنة به ليكون

стр. 958

المسلم فيه معلومًا ويخرج عن حيز الجهل (١) ولا يكون كذلك إلا بالمشاهدة وبالصفة والمشاهدة لا تتصور إلا على معنى الصفة بأن يريد عينًا بصفة النوع الذي يسلم فيه، وإذا تعذرت المشاهدة لم يبق إلا الصفة ومتى عري العقد منهما كان مجهولًا وغررًا، وليس يلزم أن يذكر جميع الصفات حتى لا يخرج منها لشيء لأن ذلك لا يمكن ولا يحتاج إليه، وإنما المحتاج إليه ما يتعلق به الغرض ويقف عليه المقصد ويزداد في الثمن لأجله ويرغب في إسلافه (٢) لمكانه، فإذا حصل كفى (٣) عن زيادة عليه وذلك يختلف في أنواع المبيعات بما يعرفه أهل كل نوع من وصفه عندهم مما يقصد من صفاته، فإذا ثبت هذا فحصر الباب: أن كل سلعة جاز أن تباع مشاهدة وتحصرها الصفة إذا غابت عن العين، فإن السلم فيها (٤) جائز من سائر العروض والحيوان والأطعمة وغيرها فيستغنى بذلك عن التكثير بأعيان المسائل وتفصيلها (٥) إلا مواضع يختلف فيها. فصل [٤ - السلم في الرقيق والحيوان]: يجوز السلم في الرقيق وسائر الحيوان (٦) خلافًا لأبي حنيفة (٧)، لما روى أنه ﷺ أرخص في السلم (٨)، وفي حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفذت الإبل فأمره أن يأخذ على قلاص (٩) الصدقة،

стр. 959

فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة (١)، ولأن الحيوان يثبت في الذمة إما سلمًا وإما قرضًا لأنه ﷺ استقرض بكرًا ورد رباعيًّا (٢)، ولأنهم يوافقونا في تعلق (٣) الحيوان بالذمة مهرًا وخلعًا وكتابة وصلحًا، فنقول: لأن الحيوان يتعلق بالذمة مهرًا، فجاز أن يتعلق بها سلمًا وقرضًا اعتبارًا بالثياب، ولأنه عقد معاوضة فجاز أن يكون الحيوان فيه عوضًا (٤) في الذمة أصله النكاح ولأن الحيوان يضبط بالصفة، وكذلك قال رسول الله ﷺ : "لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها" (٥)، وكذلك دية العمد والخطأ بالصفة، والعبيد يضبطون بالصفة في الجنس واللون والسن والهيئة. فصل [٥ - السلم في الدنانير والدراهم]: السلم في الدنانير والدراهم جائز (٦) خلافًا لأبي حنيفة (٧) لقوله ﷺ : " .. فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم" (٨) فعم، ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنًا جاز أن يكون مثمونًا (٩) أصله الثياب، ولأنه

стр. 960

يمكن ضبطها بالصفة فيذكر جنس فضتها وسكتها وخفتها وثقلها ووزنها (١)، وكونها صحاحًا وجيادًا فجاز السلم فيها. فصل [٦ - جواز السلم في اللحم]: يجوز السلم في اللحم بصفة معلومة (٢) خلافًا لأبي حنيفة (٣)؛ لأنه يضبط بالصفة فيقال: لحم ضأن معلوف من كبش أو من خروف أو لحم معز، وإن اختلفت الأغراض في مواضعه من الشاة من صدر أو فخذ أو جنب ذكر. فصل [٧ - جواز السلم في الرؤوس والأكارع]: يجوز السلم في الرؤوس والأكارع (٤) خلافًا لأبي حنيفة ولأحد وجهي الشافعي (٥) لأنه يصح ضبطها بالصفة من السمانة والجنس وفروع هذا الباب كثيرة وجُمَلها قد ذكرناها. فصل [٨ - في كون المسلم فيه مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو غيره]: وإنما قلنا: يجب أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو عدد أو غيره من المقادير على حسب المسلم فيه وما يعرف به مقداره عند أهله لينتفي عنه الغرر بالجهل ويحصل العلم لكل واحد للبائع بما اشتغلت به ذمته وللمسلم بما يطالب به وما عاوض عليه، وراعينا عادة أهل كل بلد في معرفة مقادير السلم عندهم لأنهم إن حملوا على خلافه دخلت الجهالة لأن قصدهم من معرفة المبلغ الوجه الذي ألفوه بينهم. فصل [٩ - وجوب كون رأس المال معلومًا]: وإنما قلنا: يجب أن يكون رأس المال معلومًا بمثل ماله وجب ذلك له في الطرف الآخر؛ لأنه أحد الطرفين في السلم اعتبارًا بسائر البياعات.

стр. 961

فصل [١٠ - اشتراط كون رأس المال نقدًا]: وإنما شرطنا أن يكون رأس المال نقدًا لأنه متى كان مؤجلًا دخله الدين بالدين، وإنما قلنا: إن قبضه في مجلس العقد ليس بشرط وأنه يجوز تأخيره اليوم واليومين بغير شرط التأجيل لأن ذلك لا يخرجه إلى الدين بالدين، إذ لا بد من استثناء مدة يمكن فيها وزن (١) المال ونقده، وجرى العادة بتراخي الوزن والإقباض عن وقت الإيجاب والقبول، ولأن من ابتاع ثوبًا بنقد فتأخر قبض الثمن يومًا أو يومين لم يخرجه ذلك عن النقد ولم يدخل في حيز (٢) الأجل. فصل [١١ - اشتراط الأجل في السلم]: وإنما قلنا: إن الأجل شرط في السلم وأنه لا يجوز أن يكون حالًا خلافًا للشافعي (٣)، لقوله ﷺ : "فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم" (٤)، ولأن السلم إنما جُوِّز ارتفاقًا للمتعاقدين لأن المسلم (٥) يقدم الارتخاص والمسلم إليه يرغب في إرخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به، وفي الصبر والتأخير، فوجب أن ما أخرج ذلك عن بابه ممنوع لأنه إذا كان حالًا زال هذا الرفق. فصل [١٢ - في اعتبار الأجل القريب والبعيد في السلم]: ووجه قوله: أنه يجوز إلى الأجل القريب والبعيد قوله ﷺ : "إلى أجل معلوم" (٦) فعم، واعتبارًا بالأجل البعيد، ولأنه معنى يشترط في السلم، فجاز قليله وكثيره أصله مقدار المسلم فيه، ووجه قوله: أنه لا يجوز إلا

стр. 962

إلى أجل تختلف في مثله الأسواق أن المقصود من السلم الارتفاق من انتفاع البائع بتقديم المال والمسلم (١) بما يرتخصه ليحصل له من تغير الأسواق واختلافها ما يريده، وإذا أضربا أجلًا لا يوجد فيه هذا المعنى لم يحصل الرفق المقصود فكان في معنى الحال. فصل [١٣ - في كون الأجل معلومًا]: وإنما قلنا: إن الأجل يكون معلومًا لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، قال ابن عباس: هو السلم، وقوله ﷺ : "إلى أجل معلوم" (٣)، ولأن الجهل بمدة السلم غرر كالآجال في الديون. فصل [١٤ - السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج]: ويجوز السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، لأنه وقت يعرف في العادة لا يتفاوت اختلافه كقولك إلى شهر كذا وكذا أو إلى النيروز أو المهرجان (٦). فصل [١٥ - وجود المسلم فيه عند الأجل]: وإنما قلنا: إن شرطه أن يوجد المسلم فيه عند الأجل (٧) لأن الغرض بالسلم

стр. 963

حصول المسلم فيه بإزاء العوض (١) المبذول (٢) في مقابله، فإذا لم يوجد عند المحل كان غررًا وعائدًا بالجهل لأنه إما أن يفسخ العقد فيرجع المسلم بالثمن على غرر أو يصبر (٣) إلى وقت وجوده، وذلك انتقال من أجل إلى أجل ويصير كمن عقد على عين الغير والبائع لا يقدر (٤) على تسليمها، وكل ذلك غير جائز. فصل [١٦ - عدم اشتراط وجود المسلم فيه حال العقد]: وإنما لم يجعل وجوده عند العقد شرطًا في صحة العقد خلافًا لأبي حنيفة (٥) لقوله ﷺ : "في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (٦) فعم، ولأنه وقت لا يجب التسليم فيه فلم يضر فقده فيه أساسًا بين العقد والأجل (٧). فصل [١٧ - ذكر الموضع الذي يسلم فيه]: وإنما قلنا: إن الأولى أن يذكر الموضع الذي يسلم فيه ليزول التخاصم بين المتبايعين ويكونا قد دخلا على معرفة بذلك، وقلنا: إن تركا ذكره لم يضر لأن الأمر يحمل على العرف في مثل ذلك فيصير العرف كالمشترط. فصل [١٨ - جواز المسامحة في بعض شروط السلم من أحد العاقدين للآخر]: إذا عقد السلم على الشروط التي ذكرناها صح وجازت المسامحة بعد ذلك من أحدهما للآخر ما لم يعد ينقض أصله أو بذريعة إلى فعل محظور من بيع وسلف

стр. 964

أو وضع وتعجيل أو معاوضة على إسقاط ضمان (أو بيع طعام قبل قبضه) (١) أو بيع طعام بطعام متأخرٍ أو ما أشبه ذلك من الوجوه الممنوعة، فمتى أدت (٢) المسامحة إلى شيء من ذلك لم يجز وإن سلمت منها فهي جائزة ونحن نبين من ذلك ما ينكشف به ما ذكرناه فيه. فصل [١٩ - إذا أسلم في شيء موصوف ثم إذا حل الأجل أراد أخذ صنف آخر]: وإذا أسلم في حنطه موصوفة (٣) إلى الأجل، فلما حل أراد أن يأخذ بمكيلتها صنفًا أعلى منها أو أدون أو شعيرًا أو سلتًا فلا بأس بذلك، فإن كان ذلك قبل المحل فلا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الأجل إذا لم يحل فأخذ الدون وضع وتعجيل (٤)؛ لأن التقديم غير مستحق له، فإنما رضي بدون شرطه لتعجله وأخذ الزيادة في مقابلة إسقاط الثمن عند البائع لأنه يخاف إن بقي في ذمته إلى وقت أجله (٥) ارتفاع أسواقه وغلاء ثمنه وتلزمه كلفة إلى ذلك الوقت في حفظه وتعهده ويعلم أنه لا يلزم المسلم قبوله قبل الأجل، فتكون الزيادة في مقابلة جميع هذا، وإذا حل الأجل أمن من ذلك كله لأنه إن كان (٦) أخذ الدون فذلك مسامحة لأنه ليس بمتعجل شيئًا لا يستحقه لأن الأجل قد حل وإن أخذ الأعلى فذلك مسامحة من المسلم إليه؛ لأنه لا يستحق عليه ببقية السلم (٧) في ذمته زيادة على الأجل فيحمل ذلك عليه، فبان الفرق بينهما وإن كان ذلك في غير الجنس

стр. 965

أو النوع امتنع في الطعام وجاز في غيره لأنه إذا أسلم إليه في كر (١) حنطة، فلما حل الأجل أعطاه مكانه عدسًا أو أرزًا أو حمصًا أو غير ذلك من أنواع الطعام أو العروض أو الحيوان لم يجز شيء من ذلك لأنه بيع الطعام قبل قبضه وقصد المتاجرة والمغابنة وخروج عن المعروف والمسامحة. وأما في غير الطعام فيجوز كأنه أسلم إليه في عشرة أثواب قصب بصفة معلومة وغزل معروف، فلما حل الأجل رجع إليه عنها شيئًا من غير جنسها مثل الطعام أو الحيوان، فإنه يجوز لأنه بيع الثياب المسلم فيها قبل قبضها وذلك جائز بخلاف الطعام، وهذا إذا قبض الشيء الذي ينتقل إليه فإن لم يقبضه وكان في ذمة المسلم إليه لم يجز لأنه يصير دينًا بدين، فأما إن دفع إليه (٢) قبل حلول الأجل مثل طعامه في الكيل والصفة فله أن يقبله وله أن لا يقبله (٣) خلافًا للشافعي في قوله: إنه يلزمه أن يقبل العروض (٤) وكل ما سوى الحيوان؛ لأن الأجل في السلم حق لهما، فلما كان المسلم لو طالب به قبل حلول أجله لم يلزم المسلم إليه دفعه لأنه في ذلك إسقاط حقه من تبقيته في ذمة المسلم إليه وضمانه وأن يسقط عنه حفظه ومراعاته، فإذا ثبت ذلك وتراضيا على أخذه قبل الأجل جاز لأنه مسامحة من أحدهما للآخر. فأما الذهب والفضة فيلزم من تدفع إليه قبل محلها أخذها بخلاف غيرها من الطعام والعروض لأنه لا يرجى فيها من تغير الأسواق واختلاف الأسعار ما يرجى في سائر المثمنات ولا يحتاج إلى حفظ ولا مراعاة ولا تلزم عليها مؤونة ولا يخاف عليه فساد، فكان الأجل فيها حقًّا ينفرد به من هي عليه والله أعلم، وهذا الذي ذكرناه في الذهب والفضة يستوي فيه البيع والقرض، فأما ما عداه فالأجل

стр. 966

في المعاوضة (١) حق لهما لا يلزم أحدهما قبول ما يتعجل منه إلا برضاه، وفي القرض حق المستقرض وحده، فإن عجله لزم المالك قبوله. فصل [٢٠ - إذا حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي]: وإذا أسلم (٢) في طعام أو عرض إلى أجل ودفع الثمن فلما حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي فلا يجوز ذلك لأنه ذريعة إلى البيع والسلف، وذلك أن التهمة تقوى في أنهما تواطئا على البيع والسلف وسمياه بيعًا ليتطرق بذلك إلى جوازه كأنه قال له بعني عشرة أكرار بمائة دينار، فقال: لا أفعل إلا أن تسلفني مائة دينار (فقال: أن البيع والسلف لا يجوز ولكن يجعل السلم في عشرين كرًا بمائتي دينار) (٣)، فإذا حل الأجل أقلتك من عشرة أكرار وأخذت عشرة فينتفع البائع بثمن العشرة ثم يرد بدله فيصير بيعًا وسلفًا، ولا يجوز إلا أن يكون الإقالة في الشيء اليسير الذي لا يخاف منه ذلك ولا تقوى التهمة لأجله مثل: أن يسلفه في عشرين كرًا فيقيله من كر ونصف كر أو الأمر الخفيف، فهذا لا يقوى التهمة إلا أن يكونا قصدا بيع عشرين كرًا بمائتي دينار لينتفع بدينار أو بخمسة، وكذلك لو أقاله من النصف وكان رأس المال معيبًا فرده بعينه، فيعلم أنه لم ينتفع به بأن ذلك جائز غير ممنوع لأن الإقالة تصرف إلى الرفق وإعواز الإتمام أو غيره من الأعذار (٤). فصل [٢١ - شرط أخذ طعام بدل طعام في السلم عند الأجل]: فإذا باع شيئًا من الطعام كله -أي طعام كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه- بثمن إلى أجل فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده طعامًا لا

стр. 967

من جنسه ولا من غير جنسه إلا أن يكون من جنس ما باعه (١) بعينه بمثل مكيلته وعلى صفته فيجوز (٢). وإنما قلنا ذلك لأنه يكون ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام متأخرًا وتسمية الثمن لغوًا، وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصفة جاز لأن الأمر لا يحمل (٣) على طعام بطعام متأخرًا (٤) قصدًا للنساء إذ لا فائدة فيه فيتهمان أنهما قصدانها، وإنما يُنَزَّل على القرض أو الإقالة. فصل [٢٢ - السلم في طعام قرية بعينها أو حائط بعينه]: السلم في الطعام من قرية بعينها أو ثمرة حائط (٥) بعينه على ضربين (٦): إن كان مما يخلف ولا يؤمن تلفه فلا يجوز لأن ذلك غرر، وكالسلم في العين وذلك غير جائز، فإن كان مما لا يخلف في العادة ولا بد أن يسلم أو أكثره، وإن جاز تلف بعضه فلا بأس مثل أن يسلم في عشرة أكرار تمر برني من أعمالك البصرة فيجوز لأن التعيين ليس يفيد أكثر من التعريف ووصف النوع (٧) المسلم فيه، كما لو قال: أسلفتك في عشرة أكرار حنطة بصفة كذا من حنطة الشام أو المشرق لجاز للعادة الجارية لأن (٨) الأقليم الذي أضافه إليه لا يختلف.

стр. 968

فصل [٢٣ - التفاضل في المبيعات]: والتفاضل في المبيعات كلها (١) على ضربين: منها ما يحرم نقدًا أو نساء وهو الفوت وما في معناه والأثمان فقط، ومنه ما يحرم نساء ولا يحرم نقدًا (٢)، وعلة ذلك عندنا الجنس بمجرده فلا يجوز في شيء من الأشياء اثنان بواحد من نوعه إلى أجل على وجه والجنسية المعتبرة في ذلك (٣): اتفاق الأغراض والمنافع واختلافهما (٤)، فمتى اتفقت لم يجز بيع اثنين بواحد من النوع الذي اتفقت فيه إلى أجل على وجه وما اختلفت جاز، وإن كان جنس الخلقة والنسبة يجمعهما كالغنم التي جنسها واحد وبعضها يراد للحم وبعضها يراد للبن، فإن كان الغرض فيهما واحدًا لم يجز التفاضل مع النساء، وكذلك العبيد يجوز العبد الرومي الذي يراد للحرث والزراعة بالعبدين من جنسه يرادان لغير ما يراد له من المنافع ومثله البازل (٥) من الإبل الذي يراد (٦) للحمولة والراحلة باثنتين من القلاص المرادة للحم، وكذلك سائر الحيوان والعروض. وقال أبو حنيفة: الجنس بمجرده علة منع بيع بعضه ببعض نساء (٧). وقال الشافعي: كل ما لا ربا في نقده جائز بيع بعضه ببعض نساء جنسًا كان أو جنسين (٨).

стр. 969

فالخلاف مع أبي حنيفة في جواز بيع الواحد من جنسه ونوعه إلى أجل، فدليلنا على جوازه قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)، وحديث عبد الله ابن عمر أنه: " ﷺ أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة" (٢)، وروي ذلك عن عليّ (٣)، وابن عمر (٤)، ولا مخالف لهما، ولأن كل عينين لا يحرم التفاضل في نقد (٥) أحدهما وهما على ضروب (٦) من اختلاف الصفات تختلف معها منافعها وتتباين (٧) الأغراض فيهما، فإن أسلم أحدهما في الأخرى جاز أصله الجنسان لأن الثور الذي يصلح للحرث والدراس يراد لقوته وعمله وذلك غير الغرض الذي يراد له الثور المعلوف الذي لا يراد إلا للسمانة واللحم وذلك بيِّن فيما قلناه. فصل [٢٤ - منع الذرائع المؤدية إلى الربا]: ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٨) والربا الزيادة، ونهيه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٩)، وهذه المسألة (١٠) من الذرائع وهي ممنوعة عندنا ومعناها أن يمنع الشيء الجائز إذا قويت

стр. 970

التهمة في التطرق به والتذرع إلى الأمر المحظور، وقد وافقونا في ذلك على مسائل منها قرض الجواري وغيرها، ووجه الذريعة في هذا الموضع (١) أنه يكون قرضًا يجر نفعًا كأن أحد الرجلين يقول للآخر: أقرضني فرسًا أو ثوبًا من صفته كذا وأرد عليك ثوبين مثله إلى شهر فيقول: إن هذا قرضًا يجر نفعًا وذلك ممنوع ولكن أبيعك ثوبًا (٢) بثوبين فيحصل من ذلك استعمال القرض في الباطن بلفظ البيع فمتى أجزناه حصل منه ذريعة إلى الممنوع لقوة التهمة فيه. …

стр. 971

باب: [في القرض] القرض (١) جائز (٢) لأنه فيه خير وبر ولأنه ﷺ اقترض (٣) وندب إلى القرض وقال: "كل معروف صدقة" (٤). فصل [١ - فيما يجوز قرضه]: ويجوز إقراض الذهب والورق والعروض والحيوان كله سوى الإماء، وإنما قلنا ذلك لأن القرض لا يؤدي إلى محظور في هذه الأشياء، فجاز فعله وأجزناه في سائر الحيوان خلافًا لأبي حنيفة (٥) لأنه (٦) ﷺ استقرض بكرًا فقضى رباعيًّا (٧)، ومنعناه في الإماء خلافًا لداود (٨) وغيره، لأنه ذريعة استباحة فرج بغير نكاح ولا ملك فكان في معنى العارية لأن المقترض يطأ الأمَة ثم يردها فيلزم المالك قبولها ويصير مبيحًا لوطئها، ولأنها منفعة لا تستباح بالعارية فلم تستبح بالقرض كوطء الزوجات.

стр. 972

فصل [٢ - فيمن اقترض أمَة]: وإذا ثبت ذلك فإن اقترض أمة ردها ما لم يطأها اعتبارًا بسائر ما يقترض لأن قبول رده حق للمستقرض فيلزم المقرض قبوله، فإن وطئها لم يجز له ردها لأنه متى ردها حصل منه إباحة فرج بغير نكاح ولا ملك ولزمته قيمتها لربها لأنه وطء بشبهة أسقطت عنه الحد فوجب تقويمها عليه لتتكامل الشبهة في ردء الحد عنه (١) اعتبارًا بوطء بينه وبين غيره. فصل [٣ - القرض يجر نفعًا]: القرض الجار للنفع حرام (٢) لنهيه ﷺ عنه (٣)، فإن تطوع المقترض من غير شرط ولا عادة بزيادة في صفة أو عدد جاز لأنه ﷺ اقترض بكرًا فقضى رباعيًّا وقال: "خياركم أحسنكم قضاء" (٤)، وروي أن ابن عمر اقترض من رجل دراهم فرد عليه خيرًا منها فامتنع من أخذها وقال: هذه خير من دراهمي، قال ابن عمر: فإن نفسي طيبة بها (٥). فصل [٤ - السفاتج بالدنانير والدراهم]: وأما السفاتج (٦) فمنعها مالك وأجازه غيره (٧) فينظر: فإن كان ذلك لنفع

стр. 973

الآخذ فلا بأس مثل أن يقرض رجل رجلًا دنانير ببغداد والمقترض بلده البصرة فيقول المُعطي: أنا أقرضك هذه الدراهم ها هنا ببغداد وتدفعها إلى وكيلي بالبصرة أو أجيء أنا البصرة فآخذها منك حتى لا تحتاج إلى تكلف السفر بها، فهذا جائز لأنه جميل ولا نفع للمعطي، فإن كان النفع فيه للمعطي مثل أن تكون عليه دراهم بالبصرة ويريد أن ينقدها إلى هناك دراهم فيخاف غرر الطريق فيقرضها لمن يدفعها (١) إلى غريمه بالبصرة فيربح هو نفقة الطريق والغرر، فلا يجوز لأنه قرض يجر نفعًا ومن أجازها علله بأنه ليس لها حمل ولا مؤنة. فصل [٥ - في موضع قضاء القرض]: إذا لم يشترط بالقضاء موضعًا لزم المقترض القضاء في الموضع الذي أقرض فيه لأن غيره من المواضع تكليف للمقترض ومؤونه وخسران والتزام وغرر، وكذلك للمقترض (٢) إن كان القرض نفعًا [المقترض] (*)، وذلك غير جائز فإن لقيه في موضع آخر فأخذه به لم يلزمه ذلك ولكن يخرج معه إلى الموضع الذي اقترض منه فيه أو يوكل من يقضيه في ذلك الموضع، فإن اتفقا على القضاء في بلد آخر، فإن كان بعد محل الأجل جاز لأن ذلك رفق من الباذل والقابل، وإن كان قبله لم يجز لأنه في مقابلة التعجيل (٣). فصل [٦ - في مطالبته بالقرض قبل الأجل]: وإذا أقرضه إلى أجل لم يكن له مطالبته قبل (٤) الأجل (٥) خلافًا للشافعي (٦)

стр. 974

لقوله ﷺ : "كل معروف صدقة" (١)، وقوله ﷺ : "الراجع في هبته كالراجع في قيئه" (٢)، ولأن الأجل قد صار حقًّا للمقترض فأشبه الأجل في السلم. …

стр. 975

باب: [في بيع السلم قبل قبضه] وإذا أسلم في عرض ثمنًا معلومًا ثم أراد بيعه من المسلم إليه قبل قبضه، فإن باعه بمثل ثمنه أو أقل منه جاز وإن كان بأكثر لم يجز (١). وإنما قلنا ذلك لأنه لا تهمة في أن بيعه بمثل الثمن أو أقل منه لأنه يزن (٢) درهمًا ويأخذه بعد مدة لأن ذلك الدرهم لا زيادة عليه أو دونه وكأنه أقاله أو ندم فباعه بنقصان، وإذا باعه بالزيادة أتهم أن يكون أقرضه دراهم بأكثر منها إلى أجل وتسمية القرض الذي سمياه لغوًا لم يتحصل وذلك ذريعة إلى الربا (٣). فصل [١ - جواز بيع السلعة من غير بائعها بمثل أو أقل أو أكثر]: ويجوز أن يبيعها من غير بائعه بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر يدًا بيد لأن غير البائع لا تهمة بينه وبينه، ولا يجوز أن يؤخر الثمن عليه لئلا يكون دينًا بدين. فصل [٢ - فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد شراءها من الذي باعها إياه]: إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد أن يشتريها من الذي باعها إياه فلا يخلو أن يشتريها نقدًا أو إلى أجلها أو إلى أجل (٤) أبعد من أجلها، ثم لا يخلو أن يشتريها بمثل ثمنها أو بأقل أو بأكثر، فهذه سبعة أقسام: يمنع منها قسمان فقط ويجوز باقيها والذي يحفظ منه أن يؤول أمره إلى أن يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة

стр. 976

أكثر منه، فهذا القدر هو الممنوع وهو أن يبيعها بمائة إلى شهر فيبتاعها نقدًا أو إلى دون الشهر بثمانين (١) أو إلى شهرين بمائة وعشرين، ففي هذين الموضعين يمنع لأنه إذا ابتاعها نقدًا بثمانين حصل منه أنه وزن ثمانين وأخذ بعد مدة مائة وتسمية الثمن والبيع لغوًا، وكذلك إذا ابتاعها إلى شهرين بمائة وعشرين حصل منه أنه يأخذ من المشتري بمائة ويعطيه بعد مدة مائة وعشرين وذلك ذريعة إلى الربا فيجب منعه (٢)، خلافًا للشافعي في قوله أنه جائز (٣)، وذلك لو جاز لأبيح التذرع إلى الربا والعينة، وهي أن يقول الرجل للرجل: ابتع لي هذه السلعة بعشرة دنانير وأنا أربحك دينارًا، فيفعل ذلك فيحصل منه قرض عشرة بأحد عشر من غير حاجة البائع إلى السلعة، وإنما تذرع بها إلى قرض الذهب بأكثر منها، وإذا وجدنا فعلًا من الأفعال يقع على وجه واحد لا يختلف إلا بالنية من فاعله وظاهره واحد ولم يكن لنا طريق إلى تمييز مقاصد الناس ولا إلى تفصل أغراضهم وجب حسم الباب وقطع التطرق إليه، فهذا وجه بنائها على الذريعة، ولأن الصحابة سلكوا هذه الطريقة في منع البيع في هذه المسألة: لأن ابن عباس سئل عن رجل باع سلعة بمائة ثم اشتراها بخمسين، فقال: الدراهم بالدراهم متفاضلة، والسلعة دخلت بينهما (٤)، وهذا نص قولنا، ونكتة المسألة حديث زيد بن أرقم (٥): أن أم ولده باعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشترتها بعد ذلك بست مائة فقالت لها عائشة ﵂: بئس ما اشتريت (٦) وبئس

стр. 977

ما اشتريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب فقالت: فما أصنع؟ قالت عائشة ﵂: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١)، واشتهرت هذه القصة والإنكار من الصحابة (٢) ولم يختلف عليها (٣) أحد فيه، وإذا ثبت منع ذلك فقد ذكرنا أن هذه (٤) الأقسام سوى هذين القسمين لا تمنع فيها، أما شراؤه إياها بمثل الثمن ولا تهمة فيه سواء كان نقدًا أو إلى أجل أو إلى ما بعده لأنه وزن درهمًا وأخذ مثله أو أخذ درهمًا ورد مثله، وكذلك شراؤها إلى الأجل بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر لأنه لا تهمة فيه (ولأنه لم يزن درهمًا ويلقى بعد مرة أكثر منه فيتهم والنقد لا تهمة فيه) (٥)، وإنما التهمة في التأخير أن يكون ينتفع بالقليل الذي لم يأخذه طول المدة ثم يزن بعد المدة أكثر منه، فأما في الحال فلها تهمة فيه، وشراؤها نقدًا بأكثر من الثمن أو إلى أجل بعد الأجل بأقل منه لا تهمة فيه، لأنه يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة أقل منه أو يأخذ درهمًا ويرد بعد مدة أقل منه والله أعلم (٦). فصل [٣ - في العينة]: والعينة ممنوعة (٧) لأنها ذريعة إلى الربا وقرض دراهم بأكثر منها وصفتها: أن يسأل الرجل أن يبتاع له سلعة ليست عنده فيقول له: اشترها لي من مالك بعشرة دنانير نقدًا وهي لي باثنى عشر إلى شهر كذا فهذا ذريعة إلى الربا على ما ذكرناه.

стр. 978

باب: [في بيع الثمار] بيع الثمار يقع على وجهين: أحدهما قبل بدء الصلاح فيها، والآخر بعده، فأما قبله فلا يخلو أن يقع على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يقع بشرط (١) القطع أو بشرط التبقية أو مطلقًا، فأما بيعها بشرط القطع فجائز من غير خلاف (٢) لانتفاء الغرر فيها، ولأنه باع شيئًا قبل قبض المشتري عقيب العقد من غير مراعاة لأمر يخافه مع التبقية. فصل [١ - في بيع الثمار بشرط التبقية]: وأما بيعها بشرط التبقية فباطل من غير خلاف (٣)، والأصل فيه نهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها نهي البائع والمشتري (٤)، وروي أنه ﷺ : "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى: حتى تحمر أو تصفر" (٥)، وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" (٦)، ولأن الغرر يكثر فيها والانتفاع يقل بها، والآفات والعاهات لا تؤمن عليها في تبقيتها، وهذه فائدة قوله ﷺ : "أرأيت إن منع

стр. 979

الله الثمرة فبم (١) يأخذ أحدكم مال أخيه" (٢)، فإذا تتابع طيبها أمنت (٣) الآفات عليها في الغالب وقيل الغرر فيها، فجاز بيعها. فصل [٢ - في بيع الثمرة مطلقًا]: وأما بيعها مطلقًا فغير جائز (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، "لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدوا صلاحها" (٦) فعم، وروي: "أنه ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يَسْودَّ والحب حتى يَشْتَد" (٧)، والنهي يدل على فساد المنهى عنه، وتعليق الحكم بغاية يفيد مخالفة ما قبل الغاية لما بعدها، ولأنه عقد على ثمرة مقدرة قبل بدو الصلاح (٨)، من غير شرط القطع فلم يصح أصله إذا كان يشترط التبقية. فصل [٣ - بيع الثمرة بعد بدو صلاحها]: فأما بيعها بعد بدو الصلاح فإنه أيضًا لابد وأن يقطع على أحد الثلاثة [الأوجه] (*): فإن بيعت بشرط القطع فجائز من غير خلاف، لأنه إذا جاز ذلك قبل بدو الصلاح فبعده أولى، وإن بيعت بشرط التبقية جاز (٩) أيضًا خلافًا لأبي

стр. 980

حنيفة (١)، لقوله : ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، ولنهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل (٣) أن يبدو صلاحها فأطلق، ولأن الإطلاق جائز باتفاق وهو مقتضي للتبقية فاشتراطها تأكيد لمقتضى الإطلاق. فصل [٤ - في بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على الإطلاق]: فإن بيعت على الإطلاق فجاز أيضًا من غير خلاف، والإطلاق يقتضي التبقية ولذلك منعناه قبل بدو صلاحها خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يقتضي القطع، لقوله ﷺ : "أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" (٤) ومنع الثمرة ذهابها بجائحة أو آفة من السماء، وذلك إنما يخاف (٥) على ثمرة تبقى ويستدام تبقيتها ويؤمن فيما يشترط فيه القطع، ولأن الإطلاق في العقود (٦) محمول على العرف فيكون كالمشترط بدليل وجود ذلك في النقد والسير والحمولة وغيرها وفي نقل ما ينقل من المبيعات والعرف في الثمار إذا بيعت تبقيتها إلى وقت الجداد والإدراك فوجب حمل الإطلاق على ذلك. فصل [٥ - في وصف بدء الصلاح في الثمار]: بدو الصلاح في الثمار يختلف بحسب اختلاف الغراس، ففي النخل بأن يحمَّر أو يصفر البسر وفي العنب أن يسود إن كان مما يسود أو تدور الحلاوة فيه إن كان أبيضًا، والتين والبطيخ وغيرهما إدراكه وبلوغ أكله، والبقول تمام نباتها وأن ينتفع بها إذا قطعت في العادة، وقد وردت السنة بأن بدو الصلاح في الثمار

стр. 981

الزهو وهو في النخل أن يصفر أو يحمر (١) وفي العنب حتى يسود (٢)، وروي: "أنه ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم" (٣). فصل [٦ - إذا بدى الصلاح في نخلة من بستان]: إذا بدا الصلاح في نخله من بستان جاز بيع جميع نخل ذلك البستان، وكذلك إذا بدا في نوع من الثمار كان ذلك كبدوه في جميع ذلك النوع، وهذا إذا كان طيبًا متتابعًا ولم يكن مبكرًا والمراعى (٤) فيه بلوغ الزمان الذي تؤمن فيه العاهة على الثمرة غالبًا، لأن لو لم يُجَوَّز ذلك إلا بأن يعم الصلاح الحائط لحق فيه ضررًا عظيمًا (٥) ومشقة شديدة، ولا يكاد يلحق الآخر إلا بفساد الأول، فأما الطيب المبكر فلا اعتبار به (٦) لأنه لا يحصل معه الأمن من الآفة لسبقه الزمان الذي يؤمن ذلك فيه، ولأنه ﷺ قال: "حتى يبدو صلاحها" (٧) أراد الصلاح المأمون المعتاد.

стр. 982

فصل [٧ - جواز بيع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه]: يجوز أن يباع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه (١) خلافًا للشافعي (٢)؛ لأنه إذا جاز بيع ما في المراح بطيب بعضه جاز بيع ما حوله بطيبه لأنه لا فضل في ذلك إلا قيام الجدران بدليل أنها لو قلعت لارتفع المنع وذلك لا يؤثر، ولأن الزمان الذي تؤمن فيه الآفة غالبًا حاصل. فصل [٨ - في عدم جواز بيع صنف من الثمار بطيب غيره]: لا يجوز بيع صنف من الثمار بطيب غيره كالرطب والعنب (٣) لأنها متفاوتة في الإدراك والتلاحق تفاوتًا (٤) شديدًا، فلم يكن طيب بعضها دالًا على تلاحق (٥) غيره وتخلصه (٦) من الآفة. فصل [٩ - في بيع المقاثي والمباطخ]: يجوز بيع المقاثي والمباطخ (٧) إذا بدا صلاح أولها وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيَّبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك (٨)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٩)، لقوله : ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠)، ولأن الغرر إذا دعت الحاجة إليه وكان قليلًا جاز البيع معه ولو

стр. 983

لم يجز في مسألتنا البيع لجملة المقثات والمبطخة حتى يظهر (١) إلى أحد أمرين: إما أن تفرد (٢) الموجود بالبيع (٣)، وهو إنما يؤخذ أولًا فأول، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر، لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ (٤) الأول إلا وقد خرج بدله ويشق التميز بين الثمرين أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأن قد اتفقنا على جواز بيع ما لم يبد صلاحه (٥) من الثمار تبعًا لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تابعًا لما قد خلق. فصل [١٠ - في بيع الورد والياسمين والموز والقرظ والقصب والكتان]: والورد والياسمين جائز بيعه إذا حان قطافه والانتفاع به ويكون ما بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبَّانه كما ذكرنا في المقاثي والمباطخ، وأما الموز فلا بد فيه من ضرب أجل لأنه يبقى سنين عدة فيحتاج إلى ضرب أجل ليعلم مقدار المبيع منه وكذلك القرظ (٦) والقصب لا يجوز بيعه حتى يفنى، لأن مدة بقائه مجهولة، ويجوز بيعه عدة جزات، ولا يجوز أن يشترى الكتان ويستثنى حبته ولا القرظ ويستثنى برسيمه إذا كان ذلك قبل جفاف الحب واستغنائه عن الماء، لأن ذلك بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، ويجوز ذلك إذا كان قد استغنى عن الماء ويبس (٧)، ولأنه موجود مشاهدة (٨).

стр. 984

فصل [١١ - في بيع الحنطة في سنبلها]: بيع الحنطة في سنبلها مفردة (١) عن السنبل غير جائز بالإجماع، وأما بيع السنبل (٢) إذا يبس واستغنى عن الماء فجائز (٣) خلافًا للشافعي (٤) لما روي أنه ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض (٥)، (وروي: "عن بيع الزرع حتى تبيض" (٦)) (٧)، ولأنه مأكول دونه حائل من أصل الخلقة هي كالباقلاء في قشرته السفلى. فصل [١٢ - في بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره]: يجوز بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى وبه (٨)، قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز (٩)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠)، ولأنه مأكول في أكمام من أصل الخلقة فجاز بيعه كالرمان والموز، ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك لأن بالناس حاجة إلى بيعه رطبًا لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته وفي نزع قشرته إفساد له فلم يبق إلا جواز البيع. فصل [١٣ - بيع الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة]: وإذا ابتاع أصل نخل وفيها ثمر، فإن كان قد أبر (١١) فهو للبائع إلا أن

стр. 985

يشترطه المبتاع، وإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع من غير شرط وإن استثناه البائع لم يجز (١)، وقال الشافعي: يجوز (٢)، وقال أبو حنيفة: والثمرة في الحالين للبائع قبل الإبار وبعده ولا يكون للمبتاع إلا بشرط، ودليلنا قوله ﷺ : "ومن ابتاع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (٣) فشرط في كونه للبائع أن يؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل الخلقة فوجب أن يتبعه (٤) في البيع (بمقتضى العقد كالحمل في البطن واللبن في الضرع) (٥)، وإنما قلنا: أن البائع إن استثناها لم يجز لأنها قبل الأبار كامنة غير ظاهرة، فهي كالجنين في بطن أمِّه واستثناء الجنين إذا بيعت الأم غير جائز. فصل [١٤ - إذا أبر بعض الأرض وبعضها لم يؤبر]: إذا أبر بعضها ولم يؤبر البعض، فإن كانا متساويين كان ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيهما روايتان (٦): إحداهما: أن الأقل تبع للأكثر، والأخرى: أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري. فوجه الأولى: أن الأصول موضوعة على الغالب على أن القليل تابع للكثير فوجب حمل هذا الموضع عليها (٧)، ووجه الثانية عموم الخبر واعتبارًا بالعراجين.
следующие страницы →