← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بمعاصي خَلْقِهِ ولا ينتفعُ بطاعاتِهم، كقولِه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: آية ٨]، وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: آية ٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: آية ١٥]، وفي صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ ﷺ فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّه: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» الحديث (١). هذا معنى قولِه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: قَابَلُوا نِعَمَنَا بالمعاصي، وما ظلمونا بذلك ولكن ظَلَمُوا أنفسَهم بذلك. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: آية ٥٨] أي: وَاذْكُرْ ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: حين قُلْنَا. وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الصوابُ الذي عليه أكثرُ الْمُفَسِّرِينَ أن هذه القريةَ هي (بيتُ الْمَقْدِسِ) (٢). وقال جماعةٌ من العلماءِ: (هي أَرِيحَا) (٣). وعن الضحاكِ أنها (الرَّمْلَةُ)، و (فلسطينُ)، و (تَدْمُر) ونحو ذلك (٤).

стр. 107

والتحقيقُ الذي عليه جمهورُ المفسرين أنها (بيتُ المقدسِ)، ويدلُّ عليه قولُه في المائدةِ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٢١] هذه القرية. وَلَمَّا زالَ عنهم التيهُ، ومات موسى وهارونُ، وكان الخليفةُ بعدهما يوشعُ بنُ نون، وجاؤوا وجاهدوهم الجهادَ المعروفَ في التاريخِ (١)، الذي رَدَّ اللَّهُ فيه الشمسَ ليوشعَ بنِ نون، وفتحوا البلدَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ (جل وعلا) أن يَشْكُرُوا هذه النعمةَ بقولٍ يقولونه، وَفِعْلٍ يَفْعَلُونَهُ، فَبَدَّلُوا القولَ الذي قيل لهم بقولٍ غيرِه، وَبَدَّلُوا - أيضا- الفعلَ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه، وتقريرُ المعنى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ فَكُلُوا من هذه القريةِ حيث شئتُم. (حيث) كلمةٌ تَدُلُّ على المكانِ كما تدلُّ (حين) على الزمانِ، رُبَّمَا ضُمِّنَتْ معنى الشرطِ، وهي تَعُمُّ، أي: في أَيِّ مكانٍ من أمكنةِ هذه القريةِ شِئْتُمْ (٢). وقولُه: ﴿رَغَدًا﴾ نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ (٣) أي: (أكلاً رَغَدًا) أي: وَاسِعًا لَذِيذًا لا عناءَ فيه ولا تعبَ. وهذا الذي أُبِيحَ لهم هنا الذي يظهرُ أنه يدخلُ فيه ما طَلَبُوهُ - أي: طلبوا نَبِيَّهُمْ موسى أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُعْطِيَهُمْ إياه - الآتي في قوله: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: آية ٦١]، الظاهرُ أن اللَّهَ لَمَّا قال لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: الآية ٦١] وفتحَ عليهم هذه القريةَ قال لهم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: الآية ٥٨]

стр. 108

وأنه يدخل في ذلك ما طلبوه أيامَ التيهِ من البقولِ والفومِ والعدسِ والبصلِ وما ذُكِرَ معها. ثم إن الله (جل وعلا) أمرهم بفعلٍ وقولٍ شكرًا لنعمةِ الفتحِ، وهو قولُه: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ادْخُلُوهُ في حالِ كونِكم سُجَّدًا. والسُّجَّدُ جمع سَاجِدٍ، و (الفاعلُ) إذا كان وصفًا من جموعِ تكسيرِه المعروفةِ - جموعِ الكثرةِ - أن يُجمعَ على (فُعَّل)، كساجدٍ وسُجَّدٍ، وراكعٍ وَرُكَّعٍ (١). قال بعضُ العلماءِ: هو سجودٌ على الجبهةِ، والمعنى: إذا دخلوا البابَ سَجَدُوا. أي: ادْخُلُوهُ في حالِ كونِكم سُجَّدًا، أي: عندما تدخلونَ تتصفونَ بحالةِ السجودِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو سجودُ ركوعٍ وانحناءٍ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وشكرًا على نعمةِ الفتحِ (٢). وقد يُفْهَمُ من هذا أن نعمةَ الفتحِ ينبغي أن تشكرَ بالسجودِ لِلَّهِ (جل وعلا). وَلَمَّا فتحَ النبيُّ ﷺ مكةَ صلى الضحى ثمان ركعاتٍ (٣). وكان العلماءُ يَرَوْنَ أنها صلاةُ شكرٍ على ما أَنْعَمَ اللَّهُ عليه به من الفتحِ، واللَّهُ (تعالى) أعلمُ. وهذا معنى قولِه: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ البابُ: واحدُ الأبوابِ، وَأَلِفُهُ الكائنةُ في موضعِ العينِ مبدلةٌ من واوٍ، بدليلِ تصغيرِه

стр. 109

على (بُوَيْب)، وجمعُه على (أبوابٍ) (١). و ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ من الواوِ في ﴿ادْخُلُوا﴾ (٢)، أي: حالَ كونِكم سُجَّدًا لِلَّهِ شكرًا على نعمةِ الفتحِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو سجودُ انحناءٍ وتواضعٍ. ومنهم مَنْ شَذَّ فَزَعَمَ أنه مطلقُ التواضعِ لِلَّهِ. والسجودُ وإن كان في لغةِ العربِ قد يُطْلَقُ على مطلقِ التواضعِ فليس هو المرادَ في الآيةِ. وقولُه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هذا القولُ الذي قيل لهم أيضًا. و ﴿حِطَّةٌ﴾ (فِعْلَةٌ) من (الحطِّ)، و (الحطُّ) معناه الوضعُ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٌ، ومتعلَّقها محذوفٌ. وتقريرُ المعنى بإيضاح: (وَقُولُوا مَسْأَلَتُنَا لِرَبِّنَا حِطَّةٌ) (٣) أي: غفرانٌ لذنوبنا وَحَطٌّ، أي: وَضْعٌ لأَوْزَارِنَا عن ظهورِنا، فهو لفظٌ عربيٌّ فصيحٌ. هذا هو القولُ الذي قيل لهم، أَمَرَهُمُ اللَّهُ أن يدخلوا سجودًا متواضعين، وأن يقولوا قولاً هو استغفارٌ وطلبٌ لِحَطِّ الذنوبِ. وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. وقوله: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فيه ثلاثُ قراءاتٍ سبعيات (٤): قرأه نافعٌ الْمَدَنِيُّ: ﴿يُغفَر لكم خطاياكم﴾ بالياءِ المضمومةِ وفتحِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للمفعولِ. وإنما جازَ تذكيرُه والإتيانُ بالياءِ؛ لأن تأنيثَ الخطايا غيرُ حَقِيقِيٍّ، ولأنه فَصَلَ بينَه وبينَ الفعلِ فاصلٌ، وهو (لكم)، والفصلُ يُبِيحُ تركَ (التاءِ) (٥)

стр. 110

كما تَقَدَّمَ (١). وقرأه الشاميُّ ابنُ عامرٍ: ﴿تُغفَرْ لكم خطاياكم﴾ بضمِّ (التاءِ) وفتحِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للمفعولِ. ﴿خَطَاياَكُمْ﴾ نائبٌ عن الفاعلِ في كلتا القراءتين. وقرأَه غيرُهما من القراءِ: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ﴿خَطَاياَكُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به، و ﴿نَّغْفِرْ﴾ بكسرِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للفاعلِ. وقراءةُ الجمهورِ أشدُّ انسجامًا بالسياقِ؛ لأن اللَّهَ قال قَبْلَهَا: ﴿قُلْنَا﴾، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ وقال بَعْدَهَا: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بصيغةِ التعظيمِ، فقراءةُ الجمهورِ أشدُّ انسجامًا وملاءمةً مع السياقِ من قراءةِ نافعٍ وقراءةِ ابنِ عامرٍ (٢). و (الخطايا): جمعُ الخطيئةِ، والخطيئةُ: الذنبُ العظيمُ (٣) الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه التنكيلَ، أي: نغفر لكم ذنوبَكم العظيمةَ. ثم قال (جل وعلا): ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ للعلماءِ في تفسيرِ المحسنين هنا أقوالٌ (٤)، والحقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه أن لا يُعْدَلَ في تفسيرِها عن تفسيرِ النبيِّ ﷺ وهو قولُه لَمَّا سَأَلَهُ جبريلُ عن الإحسانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٥). يعني: الذين كانوا أشدَّ مراقبةً لله في أعمالهم سيزيدُهم اللَّهُ

стр. 111

إيمانًا؛ لأن الإنسانَ كُلَّمَا ازدادَ تَقْوَاهُ لله (جل وعلا) زَادَهُ اللَّهُ، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: آية ١٧] معناه: وسنزيدُ المحسنين منكم، أي: الذين هم أشدُّ مراقبةً لِلَّهِ سنزيدهم من الخيرِ والإيمانِ. وقال بعضُ العلماءِ: سنزيدُ في جزاءِ أعمالِ المحسنين؛ لأن العملَ الذي يُرَاقِبُ صاحبُه اللَّهَ قد يكونُ ثوابُه أكثرَ ممن هو أقلُّ منه مُرَاقَبَةً. ثم قال جل وعلا: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: الآية ٥٩] وفي الكلامِ حذفُ الواوِ وما عَطَفَتْ، وحذف المُتَعَلَّقِ. وتقريرُ المعنى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ بِقَوْلٍ غَيْرِهِ (١)، وبدَّلوا فِعْلاً غيرَ الذي قيلَ لهم بفعلٍ غيرِه. والقولُ الذي قيلَ لهم هو (حِطَّةٌ) فَبَدَّلُوهُ بقولٍ غيرِه، وقالوا: (حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ). وقال بعضُ العلماءِ: قالوا: (حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ) وثبتَ في الصحيحِ (٢) أن القولَ الذي بدَّلوه: (حبةٌ في شعرةٍ). وفي بعضِ رواياتِ الحديثِ (حنطةٌ في شعيرةٍ) (٣). وعلى كُلِّ حالٍ فقد بدَّلوا هذا القولَ الذي قيل لهم بغيرِه، كما بَدَّلُوا الفعلَ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه؛ لأن الفعلَ الذي أُمِرُوا به هو دُخُولُهُمُ البابَ سُجَّدًا، فبدلوه بفعلٍ غيرِه، فَدَخَلُوا يزحفونَ على أسْتَاهِهِمْ، وهذا من كُفْرِهِمْ، عياذًا بالله.

стр. 112

وما قاله بعضُ العلماءِ (١): مِنْ أن هذه الآيةَ الكريمةَ يُؤْخَذُ منها عدمُ نقلِ الحديثِ بالمعنى؛ لأن اللَّهَ ذَمَّ مَنْ بَدَّلَ قولاً بقولٍ غيرِه، فيلزمُ أن يكونَ القولُ هو نفسُ مَا أُمِرَ به، لا قولاً غيرَه غيرُ صوابٍ. ويجابُ عنه: بأن القولَ المأمورَ به له حَالَتَانِ: إما أن يكونَ مُتَعَبَّدًا بلفظِه كـ (اللَّهُ أَكْبَرُ) في الصلاةِ، وما جرى مجرَى ذلك من العباداتِ القوليةِ، فمثلُ هذا لا يجوزُ تبديلُه، وَمَنْ بَدَّلَهُ يَلْحَقُهُ من الوعيدِ ما لَحِقَهُمْ بقدرِ ما ارْتُكِبَ في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ولا يجوزُ تبديلُه. أما الذي لم يُتَعَبَّدْ به بلفظِه فلا مانعَ من أن يُبَدَّلَ بلفظٍ يُؤَدِّي معناه إذا لم يكن هناك تفاوتٌ في المعنى. وجماهيرُ العلماءِ من المسلمين قديمًا وحديثًا على جوازِ نقلِ الحديثِ بالمعنى إذا كان ناقلُه بالمعنى عَارِفًا باللسانِ، مُتَبَحِّرًا فيه، لا تَخْفَى عليه النكتُ والتفاوتُ الذي يكونُ بين الألفاظِ، ونَقَلَهُ بحالةٍ ليست أَخْفَى من نصِّ الحديثِ، ولا أظهرَ من نصِّ الحديثِ، فلا يجوزُ نقلُه بلفظٍ أظهرَ منه. قال بعضُ العلماءِ: لأنه قد يعارضُه حديثٌ آخَرُ، والظهورُ من المرجحاتِ بين النصوص المتعارضةِ، فيظن المجتهدُ أن لفظَ الراويِ الظاهرَ الذي بدَّله بلفظٍ هو أقلُّ منه ظهورًا أنه من لفظِ النبيِّ ﷺ ، فَيُرَجِّحُهُ بهذا الظهورِ على حديثٍ آخَرَ، فيكون استنادُ هذا الترجيحِ مستندًا لتصرفِ الراويِ، وهذا مِمَّا لا ينبغي. وعلى كُلِّ حالٍ فمسألةُ نقلِ الحديثِ بالمعنى مسألةٌ معروفةٌ في الأصولِ (٢)، وفي علومِ الحديثِ (٣)، مَنَعَهَا قومٌ واستدلوا

стр. 113

بالحديثِ: أن النبيَّ ﷺ لما سَمِعَ الرجلَ قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». ردَّ عليه وقالَ: «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (١). ولا شَكَّ أن اللفظَ الذي قاله النبيُّ ﷺ لا يقومُ مقامَه اللفظُ الذي تصرَّف فيه الرَّاوِي؛ لأن «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» واضحٌ بليغٌ لا تكريرَ فيه؛ لأن النبيَّ ﷺ قد يكونُ مُرْسَلاً وغيرَ مُرْسَلٍ، والرسولُ مُرْسَلٌ قَطْعًا، فيكون «رَسُولُكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» تكرارٌ - يعني - لأن «الَّذِي أَرْسَلْتَ» معناهُ يُؤَدِّيهِ «رسولك» أما «نَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فيكونُ كُلٌّ من الكلمتين عمدةً وتأسيسًا لا لغوًا، والحاصلُ أنه معروفٌ أن الجمهورَ من العلماءِ على جوازِ نقلِ الحديثِ بالمعنَى إذا وَثِقَ الراوي أنه لم يَزِدْ في معناهُ ولم يُنْقِصْ، وأن قومًا منعوا ذلك، وأن الآيةَ لا دليلَ فيها لذلك أَلْبتَّةَ؛ لأنهم إنما بَدَّلُوا قولاً مُنَافِيًا للقولِ الذي قيل لهم في المعنى، والتبديلُ إذا كان مُنَافِيًا في المعنى ممنوعٌ بإجماعِ المسلمين، وليس مما فيه الخلافُ، إنما الخلافُ في تبديلِ الألفاظِ مع بقاءِ المعنى، وهم بدَّلُوا اللفظَ بلفظٍ لا يؤدي معناه، أُمِرُوا بأن يقولوا (حِطَّةٌ)، فقالوا: (حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)، أو (حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ)!! فالقولُ الذي بدَّلوا به ليس معناه يؤدي معنى القولِ الذي أُمِرُوا به، فكأنهم رفضوه بَتَاتًا، وَعَصَوُا اللَّهَ، وجاؤوا بما لم يُؤْمَرُوا به، لا لَفْظًا ولا معنًى. والفعلُ الذي بدَّلوا به: أنهم أُمِرُوا

стр. 114

بالسجودِ فدخلوا يزحفونَ على أَسْتَاهِهِمْ. وقولُه: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الفاءُ سببيةٌ، وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، أي: فبسببُ تبديلِهم القولَ الذي قيلَ لهم بقولٍ غيرِه، والفعلِ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه أَنْزَلْنَا عليهم، وإنما أظهرَ في محلِّ الإضمارِ قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يَقُلْ: (فأنزلنا عليهم) ليُسَجِّلَ عليهم موجبَ هذا العذابِ؛ وأنه الظلمُ؛ ولذا عَدَلَ عن الضميرِ إلى الظاهرِ قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ لِيُبَيِّنَ أن هذا الرِّجْزَ مُنَزَّلٌ عليهم بسببِ ظُلْمِهِمْ، والضميرُ لا يُعْطِي هذا، وإن كان معناه يؤدي المعنى في الجملةِ (١). وهذا معنى قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظَلَمُوا أنفسَهم بتبديلِ القولِ بقولٍ غيرِه، والفعلِ بفعلٍ غيرِه. ﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الرجزُ: العذابُ، وهذا العذابُ طاعونٌ أنزله اللَّهُ عليهم. قال العلماءُ: أَهْلَكَ اللَّهُ به منهم سَبْعِينَ أَلْفًا (٢). وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الباءُ) سببيةٌ، و (ما) مصدريةٌ، أي: بسببِ كونِهم فَاسِقِينَ (٣). والفسقُ (٤) في لغةِ العربِ الخروجُ، ومنه قولُه جل وعلا: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: فخرجَ عن طاعةِ رَبِّهِ، والعربُ تقولُ: (فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ من قِشْرَتِهَا) إذا خَرَجَتْ، و (فَسَقَتِ

стр. 115

الْفَأْرَةُ) إذا خرجت من جُحْرِهَا للإفسادِ. وكونُ الفسقِ يُطْلَقُ على الخروجِ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ رؤبةَ بنِ العجاجِ (١): يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا فقوله: «فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا» أي: خوارجَ عن طريقِ القصدِ إلى طريقٍ آخَرَ. وقال بعضُ العلماءِ (٢): إنما كَرَّرَ لفظَ (الظلمِ) في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأن هذا الفعلَ الذي هو ظُلْمُهُمْ ذِكرُهُ له أهميةٌ في السياقِ؛ لأنهم ظَلَمُوا في الوقتِ الذي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم، وَعَصَوْا أمرَ رَبِّهِمْ، ومن عادةِ العربِ إذا كان الأمرُ له أهميةٌ أن تُكَرِّرَهُ، سواء كانت أهميتُه من جهةِ خيرٍ، أو أهميتُه من جهةِ شَرٍّ (٣)، كما قال الشاعرُ (٤): لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِمًا (٥) ... كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ لأن الغرابَ لَمَّا نَعَبَ ببينَ أَحِبَّتِهِ صارَ الغرابُ له أهميةٌ عندَه فَكَرَّرَ لفظَه، ومنه قولُ الآخَرِ (٦): لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا

стр. 116

لَمَّا كان الموتُ له أهميةٌ في قطعِه الحياةَ كَرَّرَهُ، ونظائرُ هذا كثيرةٌ في كلامِ العربِ، وعلماءُ البلاغةِ يقولون إن إعادةَ قولِه: ﴿ظَلَمُوا﴾ في قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ليُسَجَّلَ عليهم الذنبُ الذي بسببِه أنزلَ عليهم العذابَ (١) كما قَدَّمْنَا، والله (تعالى) أعلم. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: الآيات ٦٧ - ٧١]. يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: الآية ٦٧] قَرَأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ: ﴿هُزُؤا﴾ بِضَمِّ الزايِ والهمزةِ، وقرأه حمزةُ: ﴿هُزْءًا﴾ وهي لغةُ تميمٍ، وأسدٍ، وقيسٍ، وقرأه حفصُ عن عاصمٍ ﴿هُزُوًا﴾ بإبدالِ الهمزةِ وَاوًا (٢). ومعنى قولِه جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ كما ذَكَرَهُ المفسرون (٣): أنه قُتِلَ في بَنِي إسرائيلَ قتيلٌ كما يأتي في قولِه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: آية ٧٢]،

стр. 117

يَزْعُمُونَ أن اسمَ القتيلِ (عاميل) (١). قال بعضُهم: كان له أقرباءُ فقراءُ، وهو غَنِيٌّ، فقتلوه لِيَرِثُوهُ. وقيل: كانت تحتَه امرأةٌ جميلةٌ فَقَتَلَهُ بعضُ الناسِ ليتزوجها. والأولُ أكثرُ قَائِلاً. وعلى كُلِّ حالٍ فالذين قَتَلُوا القتيلَ ادَّعَوْهُ على غيرِهم، وسألوا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ موسى أن يسألَ اللَّهَ لهم لِيُبَيِّنَ لهم قاتلَ القتيلِ، فأمرهم اللَّهُ (جل وعلا) على لسانِ نَبِيِّهِ أن يذبحوا بقرةً ويضربوا القتيلَ بجزءٍ منها، فيحيا القتيلُ، ويخبرُهم بقاتلِه. وهذا معنى قوله: وَاذْكُرْ ﴿إِذْ قَالَ﴾ أي: حينَ قالَ ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ لَمَّا ادَّارَؤُوا في القتيلِ وَتَدَافَعُوهُ، كُلٌّ يدفعُ قَتْلَهُ عن نفسِه إلى غيرِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أي: وَتَضْرِبُوا القتيلَ ببعضِها فَيَحْيَا، فيخبركم عن قاتلِه. وقرأَ هذا الحرفَ جماهيرُ القراءِ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ بضمةٍ مشبعةٍ على القياسِ. وقرأه أبو عمرٍو: ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ بإسكانِ الراءِ، وزادَ عنه الدُّورِيُّ باختلاسِ الضمةِ (٢)، وقد قَدَّمْنَا وجهَ ذلك في قراءتِه في ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئْكُمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ المصدرُ المنسبكُ من (أن) وَصِلَتِهَا هو متعلَّقُ الأمرِ، وأَصلُ (أَمَرَ) تتعدَّى بالباءِ، والأصلُ: (يَأْمُرُكُمْ بأن تَذْبَحُوا بقرةً) أي: بذبحِ بقرةٍ، وَضَرْبِ القتيلِ بجزءٍ منها، كما عَدَّى الأمرَ بالباءِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: آية ٩٠]، فالمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها مجرورٌ بحرفٍ محذوفٍ (٤)، وحَذْفُ هذا الحرفِ قياسٌ مُطَّرِدٌ كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقولِه (٥):

стр. 118

وَعَدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرٍّ ... وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ... مَعَ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا ولطالبِ العلمِ هنا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: عرفنا أن المصدرَ المنسبكَ من (أَنْ) وَصِلَتِهَا المجرورَ بالباءِ المحذوفةِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أي: (يأمركم بأن تذبحوا بقرةً) فهذا المصدرُ بعد حذفِ الباءِ هل محلُّه الجرُّ بالباءِ المحذوفةِ، أو محلُّه النصبُ لَمَّا نُزِعَ الخافضُ؟ الجوابُ: أن جماهيرَ النحويين أنه في محلِّ نصبٍ (١)، وأنه لو عُطِفَ عليه لَنُصِبَ على اللغةِ الفصحى. وَخَالَفَ في هذا (الأخفشُ) فقال: إن محلَّه الجرُّ. واستدلَّ على أن محله الجرُّ بأنه سُمِعَ عن العربِ خفضُ المعطوفِ عليه في قولِ الشاعرِ (٢): وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلَا دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ فَخَفَضَ قولَه: «وَلَا دَيْنٍ» بالعطفِ على المصدرِ المنسبكِ من (أن) وصلتِها المجرورِ بحرفٍ محذوفٍ. وتقريرُ المعنى: «فَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً» أي: لكونها حبيبةً، ولا لِدَيْنٍ بها أنا طالبه. وأجازَ سيبويه الوجهين، أن محلَّه الكسرُ، والعطفُ عليه بالخفضِ، وأن محله النصبُ، والعطفُ عليه بالنصبِ (٣).

стр. 119

وأجابَ الجمهورُ عن البيتِ الذي أورده الأخفشُ بأن الخفضَ فيه مِنْ عَطْفِ التوهمِ، وعطفُ التوهمِ يَكْفِي فيه مطلقُ تَوَهُّمِ جوازِ الخفضِ. وعطفُ التوهمِ مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه قولُ زُهَيْرٍ (١): بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا فالروايةُ نصبُ «مدْرِك» وخفضُ «سابقٍ»، والمخفوضُ معطوفٌ على المنصوبِ، وهو عطفُ تَوَهُّمٍ. أعني توهمَ (الباء) في خبرِ (ليس)؛ لأن (بَدَا لي أني لستُ مدركَ ما مَضَى) يجوزُ فيه: لستُ بِمُدْرِكٍ وَلَا سَابِقٍ، كما قال (٢): وَبَعْدَ (مَا) و (لَيْسَ) جَرَّ (الْبَا) الْخَبَرْ ... . . . . . . . . فَتَوَهَّمُوا (الباءَ) لمطلقِ الجوازِ، وَعَطَفُوا عليه خفضًا عطفَ تَوَهُّمٍ، ونظيرُه قولُ الآخَرِ (٣): مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلَا نَاعِبٍ إِلَاّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا بخفضِ (نَاعِبٍ) عَطْفًا على (مُصْلِحِينَ)، لِتَوَهُّمِ جوازِ دخولِ الباءِ. قالوا: مِنْ ذَلِكَ: وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلَا دَيْنٍ. . . . . . . لِتَوَهُّمِ اللَاّمِ.

стр. 120

وقولُه جل وعلا: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الذبحُ معروفٌ، و (بقرةً) قال بعضُ العلماءِ: تَاؤُهُ للتأنيثِ، وذَكَرُهُ يُسَمَّى ثَوْرًا (١). وقال بعضُ العلماءِ: هي تاءُ الوحدةِ، والبقرُ يُطْلَقُ على ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ. وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ بظاهرِها على أنهم لو ذَبَحُوا أيَّ بقرةٍ لأَجْزَأَتْ، ولكنهم شَدَّدُوا على أنفسِهم فَشَدَّدَ اللَّهُ عليهم. وقوله جل وعلا: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ أي: قال قومُ موسى لموسى لَمَّا قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ أي: مَهْزُوءًا منا من قِبَلِكَ بأن نقول لكَ: ادْعُ لنا رَبَّكَ يبين لنا قاتلَ القتيلِ، فَتُجِيبَنَا بقولكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فهذا الجوابُ غيرُ مطابقٍ للسؤالِ، فكأنك تستهزئُ منا، وتسخرُ منا، ولم يفهموا أن المرادَ بذبحِ البقرةِ أنه يُضْرَبُ القتيلُ ببعضٍ منها فَيَحْيَا - بإذنِ الله - ويخبرُهم بقاتلِه، فقال نبيُّ اللَّهِ موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أعتصمُ وأتمنعُ بِرَبِّي أن أكونَ من الجاهلين. الجاهلونَ: جمعُ الجاهلِ، وهو الوصفُ من (جهِل). وأحسنُ تعاريفِ الجهلِ عندَ علماءِ الأصولِ: أنه هو انتفاءُ الْعِلْمِ بما مِنْ شأنِه أن يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ، وللعلماءِ فيه أقوالٌ متعددةٌ مَحَلُّ ذِكْرِهَا في فَنِّ الأُصُولِ (٢). والمعنى: أن نبيَّ اللَّهِ موسى استعاذَ بربه (جل وعلا) من أن يكونَ معدودًا، وفي عدادِ الجاهلين (٣). والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ

стр. 121

يستهزئُ من الناسِ أنه جاهلٌ (١)؛ لأن نبيَّ اللَّهِ موسى استعاذَ بِاللَّهِ من أن يكونَ اتخذهم هزؤا كما قالوا؛ وَلِذَا قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فلما عَلِمُوا أن الأمرَ من اللَّهِ جدٌّ، وأن الجوابَ مطابقٌ لسؤالهم، وأن المرادَ بذبحِ البقرةِ أن يُضْرَبَ القتيلُ بجزءٍ منها فَيَحْيَا، فيخبرهم بقاتلِه تَعَنَّتُوا وَأَكْثَرُوا الأسئلةَ فشدَّدُوا على أنفسِهم، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم، قالوا مُخَاطِبِينَ نَبِيَّهُمْ: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: آية ٦٨]، أي: اسْأَلْ لنا رَبَّكَ ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ المرادُ بقوله: ﴿مَا هِيَ﴾ هنا يَعْنُونَ: ما سِنُّها (٢)؛ لأن السؤالَ يوضِّحُه الجوابُ، حيثُ قال لهم نبيُّ اللَّهِ موسى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ ﴿إِنَّهَا﴾ أي: البقرةُ التي سَأَلْتُمْ عن سِنِّهَا ﴿بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ﴿عَوَانٌ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (٣). والمعنى: لا فارضٌ ولا بكرٌ، هي عوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. الفارضُ: الْمُسِنَّةُ التي طَعَنَتْ في السَّنِّ، وكلُّ طاعنٍ في السِّنِّ تُسَمِّيهِ العربُ (فارضًا)، وكلُّ قديمٍ تُسَمِّيهِ (فَارِضًا) (٤)، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ خفاف بن نُدبة السُّلَميِّ

стр. 122

يهجو العباسَ بنَ مِرْدَاس، وقيل: القائلُ علقمةُ بنُ عوفٍ (١): لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ جَارَكَ فَارِضًا ... تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وَلَمْ تُعْطِهِ بِكْرًا فَيَرْضَى سَمِينَةً ... فَكَيْفَ تُجَازَى بِالْمَوَدَّةِ وَالْفَضْلِ ومن إطلاقِ العربِ الفارضِ على ما تَقَادَمَ عهدُه قولُ الراجزِ (٢): يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضٍ ... لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ يعني: بالضغنِ الفارضِ: أنه تقادمَ عهدُه وَطَالَتْ سِنُّهُ. قال بعضُ العلماءِ: ومنه قولُ الآخَرِ (٣): شَيَّبَ أَصْدَاغِي فَرَأْسِي أَبْيَضُ ... مَحَافِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ قال: أي طَاعِنُونَ في السِّنِّ، والأظهرُ أن المرادَ بقولِ هذا الراجزِ «فُرَّضٌ» أي: ضخامُ الأبدانِ؛ لأن العربَ تُطْلِقُ الفارضَ أيضًا على الضخمِ عظيمِ البدنِ. وقوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ البكرُ: هي التي لم يَفْتَحِلْهَا الفَحْلُ لِصِغَرِهَا (٤). وقال بعضُ العلماءِ: البكرُ: التي وَلَدَتْ مَرَّةً (٥)، ولكن

стр. 123

المرادَ هنا التي لم يَفْتَحِلْهَا الفحلُ لِصِغَرِ سِنِّهَا، والمعنى: ليست هذه البقرةُ التي أُمِرْتُمْ بِذَبْحِهَا بطاعنةٍ في السِّنِّ فارضٍ، ولا بصغيرةٍ جِدًّا لم يَفْتَحِلْهَا الفحلُ، بل هي ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ العوانُ: النَّصَفُ، أي: لا طاعنةٌ في السِّنِّ ولا بكرٌ، أي: لا صغيرةٌ جِدًّا بل هي: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والعوانُ: النَّصَفُ، وأصلُ النَّصفِ: التي انْتَصَفَ عُمُرها (١)، وهي وسطٌ في السِّنِّ، ليست بصغيرةٍ جِدًّا، ولا كبيرةٍ جِدًّا، وَكُلُّ متوسطةٍ في السنِّ نَصَفٌ تُسَمِّيهَا العربُ (عَوَانًا)، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ قال (٢): حَصَانُ مَوَاضِعِ النَّقَبِ الأَعَالِي ... نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ يعني بالأبكارِ جمعَ بِكْرٍ، الصغيرةُ التي لم تَتَزَوَّجْ. والعُونُ: جمعُ عوانٍ، وهي النَّصَفُ، والنَّصَفُ التي انتصفَ عُمْرُهَا، فهي في وسطِ سِنِّهَا، ليست بكبيرةٍ جِدًّا، ولا بصغيرةٍ جِدًّا، ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ (٣): شَدَّ النَّهارُ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ... قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ وَفَسَّرَ بعضُ الأدباءِ في شعرِه (النَّصَفَ) بالتي انتصفَ عُمْرُهَا، حيث قال (٤):

стр. 124

وَإِنْ أَتَوْكَ وَقَالُوا إِنَّهَا نَصَفٌ ... فَإِنَّ أَطْيَبَ نِصْفَيْهَا الَّذِي ذَهَبَا وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فيه سؤالٌ معروفٌ وهو أن (ذلك) إشارةٌ إلى مفردٍ مُذَكَّرٍ، كما قالَ في الخلاصةِ (١): بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... . . . . . . . . . . . . و (بين) لا تضافُ للمفردِ إلا إذا أُرِيدَتْ أَجْزَاؤُهُ. والجوابُ (٢): أن ذلك وإن كان لَفْظُهُ مفردًا فمعناه مثنًى؛ لأن الإشارةَ راجعةٌ إلى ما ذُكِرَ من الفارضِ والبِكرِ، أي بينَ ذلك المذكورِ من فارضٍ وبِكْرٍ؛ لأن العوانَ أصغرُ من الفارضِ وأكبرُ من البِكرِ، ونظيرُ هذا من كلامِ العربِ قولُ ابنِ الزِّبَعْرَى كما تَقَدَّمَ (٣): إِنَّ لِلشَّرِّ وَلِلْخَيْرِ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ أي: وَكِلَا ذلك المذكورِ من شَرٍّ وخيرٍ؛ لأن (كِلَا) لا تضافُ إلا لِمُثَنَّى لفظًا أو معنًى، وهذا معنى قولِه: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ الأصلُ (ما تؤمرون به) فحُذِفَ الباء، فَوصل الفعلُ إلى الضميرِ فَحُذِفَ (٤). وهذا الذي يُؤْمَرُونَ به هو ذبحُ البقرةِ ليضربوا القتيلَ بجزءٍ منها فَيَحْيَا. وهذا معنى قولِه: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ فزادوا تَعَنُّتًا وسؤالاً وتشديدًا فَشَدَّدَ اللَّهُ عليهم أَيْضًا. [٣/أ] / قال: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة:

стр. 125

الآية ٦٩] ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ﴾ (يبين) في هذه المواضعِ مجزومٌ بجزاءِ الأَمْرِ، والفعلُ المضارعُ المجزومُ في جزاءِ الطلبِ يقولُ الْمُحَقِّقُونَ من علماءِ العربيةِ: إنه مجزومٌ بشرطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عليه الأَمْرُ (١). وتقريرُ المعنى: إِنْ تَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ. ﴿يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ اللونُ هو إحدى الكيفياتِ التي يكونُ عليها الجرمُ، كالسوادِ والبياضِ. يعني ما اللونُ الذي هي مُتَلَوِّنَةٌ به؟ ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ أي: رَبُّكُمْ جل وعلا: ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ أي: مُتَّصِفَةٌ بلونِ الصُّفْرَةِ، والتحقيقُ أن المرادَ بالصفرةِ هنا الصفرةُ المعروفةُ، وما ذهبَ إليه بعضُ أهلِ العلمِ من أن المرادَ بالصفرةِ (السوادُ) مردودٌ من وَجْهَيْنِ (٢): أحدُهما: أنه أَكَّدَ الصفرةَ بقولِه: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ والفقوعُ لا يُوصَفُ به إلا الصُّفرةُ الخالصةُ تَمَامًا. [ثَانِيهِما] (٣): أن العربَ لا تُطْلِقُ الصفرةَ وتريدُ السوادَ إلا في الإبلِ خاصةً دونَ غيرها، كما يأتي في تفسيرِ قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات: الآيتان ٣٢ - ٣٣] الجمالةُ جمعُ الْجَمَلِ. والمرادُ بـ (الصفر) هناك (السودُ)؛ لأن شَرَرَ نارِ الآخرةِ أسودُ (٤)، والعربُ إنما تُطْلِقُ الصفرةَ على السوادِ في الإبلِ خاصةً دونَ غيرِها من سائرِ الحيواناتِ، ومن إطلاقِ العربِ الصُّفرةَ

стр. 126

على سوادِ الإبلِ قولُ الأَعْشَى (١): تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ يعني بقولِه: (صُفْرٌ): سُودٌ. فالتحقيقُ أن المرادَ بالصفرةِ هنا: هي الصفرةُ المعروفةُ. وقولُه: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ هذا نعتٌ سَبَبِيٌّ. والتحقيقُ في إعرابِ ﴿لَوْنُهَا﴾ أنه فاعلٌ لقولِه: ﴿فَاقِعٌ﴾ وأن ﴿فَاقِعٌ﴾ نعتٌ سَبَبِيٌّ لقولِه: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ و ﴿لَوْنُهَا﴾ فاعلٌ به لقولِه: ﴿فَاقِعٌ﴾. وقال بعضُ العلماءِ: (لونُها) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، و (فاقعٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وجملةُ المبتدأِ والخبرُ في محلِّ النعتِ. أي: بقرةٌ صفراءُ لونُها فاقعٌ. أي: صفرتُها خالصةٌ جِدًّا (٢). وقولُه: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: يَدْخُلُ السرورُ على مَنْ نظرَ إليها لكمالِ حُسْنِهَا. ذكروا في قصتِها أن الشمسَ تتوضحُ في جلدِها لشدةِ حُسْنِهَا (٣). وعادةً إذا نظرَ الإنسانُ إلى شيءٍ جميلٍ سَرَّهُ النظرُ إلى ذلك الشيءِ الجميلِ؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. وقولُه: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: الآية ٧٠].

стр. 127

فالسؤالُ الأولُ عن سِنِّهَا، وهل هي كبيرةٌ، أو صغيرةٌ، أو متوسطةٌ؟ والسؤالُ الثاني عن لَوْنِهَا، وقد تَقَدَّمَ الجوابُ فيهما. والسؤالُ الثالثُ عن صِفَتِهَا، هل هي مُذَلَّلَةٌ مُرَوَّضَةٌ عَامِلَةٌ، أو هي صعبةٌ غَيْرُ مُرَوَّضَةٍ؟ وهل فيها لونٌ يُخَالِفُ لونَ جِلْدِهَا الآخر؟ ولذا أجابَه بما يأتي: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ يَعْنُونَ [أن] هذه الأوصافَ كثيرةٌ في البقرِ، فَيَكْثُرُ في البقرِ: الصفرةُ، والفقوعُ، والتوسطُ في السِّنِّ، فلم تتميز لنا هذه البقرةُ من غيرِها من البقرِ للاشتراكِ في الصفاتِ. وأفردَ الضميرَ في ﴿تَشَابَهَ﴾ وذلك يَدُلُّ على أن أسماءَ الأجناسِ يجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها (١). وقراءةُ الجمهورِ هنا ﴿تَشَابَهَ﴾ هو. أي: البقرُ، بصيغةِ الماضي. وتذكيرُ الضميرِ لأن (البقرَ) جنسٌ يجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها. وفي بعضِ القراءاتِ: ﴿تَشَّابَهُ علينا﴾ وَأَصْلُهُ: تتشابه هي، أي: البقرُ، وَأَدْغَمَ التاءَ في التاءِ، وهذه قراءةٌ شاذةٌ (٢). و (البقرُ) يجوزُ تذكيرُه وتأنيثُه، وهو اسمُ جنسٍ يقال فيه: باقر، وبيقور، وفيه لغاتٌ غيرُ ذلك (٣). ومِن إطلاقِه على (البيقور) قولُ الشاعرِ (٤):

стр. 128

أَجَاعِلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُسَلَّعَةً ... ذَرِيعَةً لَكَ بَيْنَ اللَّهِ وَالْمَطَرِ قيل: سُمِّيَ البقرُ بقرًا لأنه يَبْقُرُ الأرضَ، يعني بحيث يَشُقُّهَا للحرثِ (١). وهذا معنى قولِه: ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، وتقريرُ المعنى: وإنا لمهتدونَ إن شاءَ اللَّهُ هِدَايَتَنَا (٢). فَفَصَلَ بين اسمِ (إن) وخبرِها، وحذف مفعولَ (إن شاء) لدلالةِ المقامِ عليه. وتقريرُ المعنى: وإنا لمهتدون إلى نفسِ البقرةِ المطلوبةِ إن شاءَ اللَّهُ هِدَايَتَنَا إليها. ذُكِرَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: لو لم يَقُولُوا إن شاءَ اللَّهُ لَمَا اهْتَدَوْا إليها أَبَدًا (٣). ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ أي: رَبُّكُمْ جل وعلا ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ﴾

стр. 129

[البقرة: الآية ٧١] الذلولُ: هي التي ذُلِّلَتْ بالرياضةِ حتى صَارَ يُعْمَلُ عليها، يُحْرَثُ عليها وَيُسْتَقَى. تقول العربُ مثلاً: هذه دابةٌ ذلولٌ، بَيِّنَةُ الذِّل (بالكسرِ)، ورجلٌ ذَلِيلٌ، بَيِّنُ الذُّل (بالضم) (١). ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ﴾ أي: لم تُذَلَّلْ بالرياضةِ، بل هي صعبةٌ مُتَوَحِّشَةٌ. وقولُه: ﴿لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ يعني لم تُذَلَّلْ، ليست بذلولٍ مُرَوَّضَةٍ، ولا تثيرُ الأرضَ، أي: لا يُحْرَثُ عليها؛ لأن البقرَ تُثَارُ عليها الأرضُ للحرثِ، وهذه البقرةُ لَمْ تُذَلَّلْ بالرياضةِ، ولم تُثِرْ أرضَ الحرثِ لصعوبتِها وَتَوَحُّشِهَا، فليست مُرَوَّضَةً. ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني: ليست مِمَّا يُحْرَثُ عليه، ولا يُسْتَنَى عليه لِسَقْيِ الزرعِ؛ لأنها صعبةٌ مُتَوَحِّشَةٌ. وهذا هو التحقيقُ: أن ﴿تُثِيرُ﴾ و ﴿تَسْقِي﴾ كلها معطوفاتٌ على النفيِ فهي منفيةٌ (٢). والمعنى: ﴿لَاّ ذَلُولٌ﴾ ليست مذللةً مُرَوَّضَةً، وليست ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ للحرثِ و ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أيضًا؛ لأنها صعبةٌ

стр. 130

متوحشةٌ. خلافًا لمن زَعَمَ أن ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ مُؤْتَنَفٌ. والذين قالوا: «تثير الأرض» (١) يردُّ قولهم أنه قال: ﴿لَاّ ذَلُولٌ﴾ والمروضةُ للحرثِ ذَلُولٌ. وأجابَ بعضُهم (٢): أن المرادَ بـ ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ أي: تُثِيرُهَا بشدةِ وطءِ أظلافِها لنشاطِها وقوتِها. وهذا خلافُ الظاهرِ، بل معنى الآيةِ: أن من صفاتِ هذه البقرةِ أنها غيرُ مُرَوَّضَةٍ، وغيرُ مُذَلَّلَةٍ، فليست تثيرُ الأرضَ؛ لأنها لم تُذَلَّلْ لذلك، ولا تَسْقِي الحرثَ، ولا يُسْتَنَى عليها؛ لأنها لم تُرَضْ، ولم تُذَلَّلْ لذلك. وهذا هو معنى الآيةِ. وقولُه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: مِنْ جميعِ العيوبِ، ليس فيها عَرَجٌ، ولا عَوَرٌ، ولا كَسْرُ قَرْنٍ، ولا أَيُّ عَيْبٍ. أي: مُسَلَّمَةٌ من جميعِ العيوبِ. وقولُه: ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ وَزْنُ الشِيَةِ: (عِلَة)، وأصلُ مَادَّتِهَا: (وَشَى)، ومعروفٌ أن المثالَ - أعني واويَّ الفاءِ - يَطَّرِدُ حذفُ فائِه فى المصدرِ - مثلاً - إذا كان على (عِلَة) (٣)، وكذلك في المضارعِ والأمرِ، كما عقده في الخلاصةِ بقولِه (٤): فَا أَمْرٍ اوْ مُضَارِعٍ مِنْ كَوَعَدْ ... احْذِفْ وَفِي كَعِدَةٍ ذَاكَ اطَّرَدْ فأصلُ الشِّيَةِ: (وشْية) مِنَ الوَشْيِ، والوَشْيُ: هو - مثلاً - أن

стр. 131

يكونَ في الشيءِ لونانِ مختلفانِ، فكلُّ - مثلاً - شيءٍ فيه لونانِ مختلفانِ تقولُ العربُ: فيه وَشْيٌ (١). واذا كان - مثلاً - حمارُ الوحشِ أو الثورُ فيه خطوطٌ - يعني تُخَالِفُ لونَه في أَرْجُلَهُ - يقولون له: مَوْشِي. أي: فيه وَشْيٌ. ومن هذا المعنى قولُ نابغةِ ذبيانَ (٢): كَأَنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي (٣) الْجَلِيلِ (٤) عَلَى مُسْتَأْنَسٍ وَحَدِ مِنْ وَحْشِ وجْرَةَ (٥) مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي الْمَصِيرِ (٦) كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ (مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ) يعني [أن] (٧) فيها وَشْيًا. أي: خطوطًا تُخَالِفُ لونَه، فمعنى ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: لا وشيَ من خطوطٍ مخالفةٍ للونها، بل لونُها كُلُّهُ أصفرُ فاقعٌ على وتيرةٍ واحدةٍ، حتى قال بعضُ العلماءِ (٨): إن أظلافَها وقرونَها صفرٌ. وهذا معنى قوله: ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾. ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ الأَلِفُ واللامُ زائدتانِ لزومًا في ﴿الآنَ﴾ (٩). وهي يُعَبَّرُ عنها بالوقتِ الحاضرِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ:

стр. 132

هو مَبْنِيٌّ على الفتحِ؛ لأنه خُولِفَتْ به نظائرُه. وعلى كُلِّ حَالٍ فالمرادُ بـ ﴿الآنَ﴾: الوقتُ الحاضرُ، في هذا الوقتِ الحاضرِ ﴿جِئْتَ﴾ - يعني في صفاتِ هذه البقرةِ المطلوبةِ - ﴿بِالْحَقِّ﴾ ويتعينُ هنا حذفُ الصفةِ؛ لأنه لو لم تُقَدَّرِ الصفةُ لكانوا كُفَّارًا؛ لأنهم لو قالوا: لم يَأْتِ بالحقِّ إلا في هذا الوقتِ، فَقَبْلَ هذا الوقتِ لم يكن آتِيًا بالحقِّ!! كانوا مُكَذِّبِينَ لنبيٍّ كريمٍ، وَمَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا كَرِيمًا فهو كافرٌ؛ ولذلك يتعينُ تقديرُ النعتِ هنا (١)، والمعنى: جئتَ بالحقِّ الذي لا يتركُ في هذه البقرةِ لَبْسًا لإيضاحِها بصفاتِها الكاشفةِ تَمَامًا، وقد تقرر في علمِ العربيةِ: أَنَّ حَذْفَ الصفةِ إذا دَلَّ المقامُ عليه موجودٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (٢)، فَمِنْ أمثلتِه في القرآنِ ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: آية ٧٩] حُذِفَ نَعْتُهَا، أي: كُلَّ سفينةٍ صحيحةٍ؛ إِذْ لو كان يأخذُ المعيبةَ لَمَا كان في خرقِ الْخَضِرِ للسفينةِ فائدةٌ، ولَمَا قَالَ: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: آية ٧٩]. قال بعضُ العلماءِ (٣): ومنه ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء: آية ٥٨] قالوا: حُذِفَ وَصْفُهُ. أي: وإن من قريةٍ ظالمةٍ. بدليلِ قولِه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: آية ٥٩]. وَمِنْ شَوَاهِدِ حذفِ النعتِ في لغةِ العربِ قولُ الشاعرِ، وهو المرقَّشُ الأكبرُ (٤):

стр. 133

وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَهَا فَرْعٌ وجِيدُ أي: لها فرعٌ فَاحِمٌ، وجيدٌ طويلٌ. ومن هذا القبيلِ قولُ عبيدِ بنِ الأبرصِ الأسديِّ (١): مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ وَمَنْ فِعْلُهُ فِعْلٌ ومَنْ نَائِلُهُ نَائِلُ يعني: مَنْ قولُه قولٌ فَصْلٌ، ومن فِعْلُهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ومن نائله نائلٌ جزلٌ. فحذفَ النعوتَ لدلالةِ المقامِ عليها، وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ، وإن ذَكَرَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ أن حذفَ النعتِ قليلٌ حيث قال (٢): وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ وهذا معنى قولِه: ﴿قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: جئتَ في الوقتِ الأخيرِ بالحقِّ الذي لا يتركُ في هذه البقرةِ لَبْسًا، ولا يتركها تَتَشَابَهُ مع غيرِها من البقرِ؛ لأنه مُيِّزَتْ بصفاتِها الكاشفةِ التي تفصلها وتميزها عن غيرها. ويؤخذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ جوازُ السَّلَمِ في الحيواناتِ (٣)، وأنها تنضبط بصفاتِها الكاشفةِ حتى تصيرَ كالمرئيةِ؛ لأن هؤلاء الناسَ لا يوجدُ ناسٌ أَشَدُّ منهم تَعَنُّتًا، فاضطرتهم الصفاتُ الكاشفةُ إلى أن اعترفوا بأن هذه البقرةَ ظَهَرَتْ صفاتُها وَتَمَيَّزَتْ عن غيرِها، ويدلُّ لهذا قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا تَصِفُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ

стр. 134

إِلَيْهَا» (١). فَبَيَّنَ ﷺ أن الصفاتِ الكاشفةَ تقومُ مقامَ النظرِ؛ لأنها تُعَيِّنُ الموصوفَ. وهذا دليلٌ واضحٌ لِمَا ذَهَبَ إليه جمهورُ العلماءِ من السلفِ في الحيواناتِ إذا بُيِّنَتْ صفاتُها؛ لأن الوصفَ يَجْعَلُهَا كالمرئيةِ ويضبُطها. خلافًا للإمامِ أبي حنيفةَ ﵀ الذي مَنَعَ السَّلَمَ في الحيواناتِ بناءً على أنها لا تنضبطُ صفاتُها (٢). ومما يؤيد السَّلَمَ فيها - خلافًا للإمامِ أبِي حنيفةَ ﵀: ما ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رباعيا (٣)، وكما دَلَّتْ عليه هذه النصوصُ. قال بعضُ العلماءِ: ويؤخذُ من هذه القصةِ أيضًا جوازُ النسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ؛ لأن قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ نكرةٌ في سياقِ الإثباتِ، والنكرةُ في سياقِ الإثباتِ إطلاقٌ، فلو ذَبَحُوا أَيَّ بقرةٍ كانت لَصَدَقَتْ باسمِ تلك البقرةِ المطلقةِ، وَلأَجْزَأَتْهُمْ، ولَمَّا شَدَّدُوا نَسَخَ اللَّهُ الاكتفاءَ ببقرةٍ مجردةٍ أَيَّةً كانت إلى بقرةٍ موصوفةٍ بصفاتٍ منعوتةٍ بنعوتٍ كثيرةٍ شديدةٍ. ومن هنا قال بعضُ العلماءِ (٤): هذه من الأدلةِ على النسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ. وقال بعضُ العلماءِ: هذا لا يصلحُ مِثَالاً للنسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ؛ لأن هذا

стр. 135

حُكْمٌ زِيدَتْ فيه صفاتٌ، ولم ينسخ ذبحُ البقرةِ بالكليةِ، بل بَقِيَ مُحْكَمًا، وإنما زِيدَتْ في البقرةِ صفاتٌ. وأجابَ القائلون بأنه نسخٌ قالوا: زيادةُ هذه الصفاتِ تَضَمَّنَ نَسْخًا في الجملةِ؛ لأن مضمونَ النصِّ الأولِ يدلُّ على أن كلَّ بقرةٍ ذُبِحَتْ كائنةً ما كانت ولو مجردةً عن تلك الصفاتِ [أَجْزَأَتْ] (١)، فَوَصْفُهَا بالصفاتِ الآتيةِ الجديدةِ نَسَخَ الاجْتِزَاءَ بأي بقرةٍ كانت. وعلى كل حالٍ فهذه مسألةٌ أصوليةٌ هي- مثلاً -: هل يجوزُ النسخُ قبلَ التمكنِ من الفعلِ أو لا يجوزُ (٢)؟ والجماهيرُ من العلماءِ على أنه جائزٌ وواقعٌ، ومن أمثلتِه: نَسْخُ خمسٍ وأربعينَ صلاةً ليلةَ الإسراءِ بعدَ أن فُرِضَتْ خمسين، ونُسِخَ منها خمسٌ [وأربعون] (٣)، ثم أُقِرَّتْ خَمْسًا. ومن أمثلتِه قولُه (جل وعلا) في إبراهيمَ فى قصةِ ذبحِ إبراهيمَ لولدِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: آية ١٠٧] لأنه أَمَرَهُ أن يذبحَ ولدَه، ونسخَ عنه هذا الأمرَ قبلَ التمكنِ من الفعلِ. والتحقيقُ أن هذا جائزٌ وواقعٌ. ولا شكَّ أن فيه سؤالاً معروفًا، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: إذا كان الحكمُ يُشْرَعُ وَيُنْسَخُ قبلَ العملِ فما الحكمةُ في تشريعِه الأولِ إذا كان يُنْسَخُ قبلَ أن يُعْمَلَ به؟ الجوابُ: أن التحقيقَ أن حِكْمَةِ التشريعِ منقسمةٌ قسمةً ثنائيةً،

стр. 136

وهي دائرةٌ بين الامتثالِ والابتلاءِ (١). فإذا نُسِخَ الحكمُ بعدَ العملِ به فحكمتُه الامتثالُ وقد امْتُثِلَ، وإذا نُسِخَ قبلَ العملِ به فحكمةُ تشريعِه الأولِ الابتلاءُ، وهو اختبارُ الخلقِ هل يتهيؤون للامتثالِ؟ وقد وقعَ الابتلاءُ، وقد نصَّ اللَّهُ (جل وعلا) في قصةِ إبراهيمَ على أن الحكمةَ في أمرِه بذبحِ ولدِه - مع أن اللَّهَ يعلمُ أنه لا يُمكِّنُه من ذلك - هو الابتلاءُ هل يتهيأُ ويطيعُ رَبَّهُ في أن يذبحَ ثمرةَ قلبِه؟ كما قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: آية ١٠٣]، يعني: تلَّه للجبينِ لينفذَ فيه الذبحَ حتى - مثلا - قَالَ له رَبُّهُ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: الآيتان ١٠٤ - ١٠٥] وقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: آية ١٠٧] ثم إن اللَّهَ نصَّ على أن الحكمةَ الابتلاءُ في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: آية ١٠٦]. وقولُه جل وعلا: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ أي: فذبحوا البقرةَ، وضربوه بجزءٍ منها فَحَيِيَ، وأخبرَهم بقاتلِه كما يأتي. وقوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما كادُوا يذبحونها إلا بعدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ؛ لِمَا جاؤوا به دونَ ذَبْحِهَا من السؤالاتِ والتعنتاتِ. وقولُ بعضِ العلماءِ: إنَّ (كَادَ) إذا كانت في الإثباتِ دَلَّتْ على النفيِ، وإذا كانت في النفيِ دَلَّتْ على الإثباتِ، وأن هذا يُلْغَزُ به: هو في الواقعِ غيرُ صحيحٍ (٢)، وَأَنَّ (كَادَ) فعلُ مقاربةٍ تدلُّ على مقاربةِ

стр. 137

حصولِ الخبرِ للمبتدأِ، وإذا نُفيت نُفيت المقاربةُ. يعني: ما قَارَبُوا أن يذبحوا. يعني في زمنِ التعنتِ والأسئلةِ، حتى انقضى زمنُ التعنتِ والأسئلةِ، في آخِرِ الأمرِ ذَبَحُوهَا، والقرينةُ على أن هذا المرادَ: أنه صرَّح بأنهم ذَبَحُوهَا ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني: في الآونةِ الأخيرةِ ﴿وَمَا كَادُوا﴾ قبلَ ذلك في الأزمانِ التي قَبْلَهُ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لِتَعَنُّتِهِمْ وكثرةِ سؤالاتهم وعدمِ امتثالِهم. وهذا معنى قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: الآيات ٧٢ - ٧٤]. يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: آية ٧٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ة الآية ٦٧] وقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ هو أولُ القصةِ في الوقوعِ، ولكنه متأخرٌ في النزولِ (١) وترتيبِ القرآنِ على الظاهرِ، أي: وَاذْكُرُوا ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هو القتيلُ المتقدِّمُ، قيل اسمُه: (عاميل) (٢). والعربُ تعبرُ عن الشخصِ بالنفسِ، تقول: (قَتَلَ

стр. 138

نَفْسًا) أي: شخصًا ذَكَرًا كان أو أنثى، والظاهرُ أن هذا القتيلَ ذَكَرٌ، بدليلِ تذكيرِ الضميرِ العائدِ عليه في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: الآية ٧٣] أي: القتيل الذي فيه النزاعُ (١). وهنا سؤالٌ، وهو أن يقالَ: ما المسوغُ لإسنادِ قَتْلِ هذا القتيلِ إلى جميعِهم في قولِه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾؟ الجوابُ (٢): أن القرآنَ بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ إسنادُ الأمرِ إلى جميعِ القبيلةِ إذا فَعَلَهُ واحدٌ منها. ونظيرُه في القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (٣): ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٩١]؛ لأنه ليس من المعقولِ أَمْرُ مَنْ قُتِلَ بالفعلِ أن يقتلَ قاتلَه، ولكن: فإن قتلوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الآخَرُ. فأسندَ الفعلَ إلى الجميعِ وهو واقعٌ من البعضِ. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في لغةِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ (٥) حَرَّةِ وَاقِمٍ ... فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلَامِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ يعني: تَقْتُلُوا بَعْضَنَا. وقولُه: أصلُه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أصلُه: فَتَدَارَأْتُمْ فِيهَا. وهو (تَفَاعُل)

стр. 139

من الدَّرْءِ، بمعنى الدفعِ، والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ: أن (تفاعلَ) و (تفعَّلَ) - مثلاً - إذا أريد فيهما الإدغامُ اسْتُجْلِبَتْ همزةُ الوصلِ لِيُمْكِنَ النطقُ بالساكنِ؛ إذ العربُ لا تبتدئُ بساكنٍ. أصلُه: (تدارأتم) فأريدَ إدغامُ تاءِ التفَاعُلِ في الدالِ التي هي فاءُ الكلمةِ فَسُكِّنَ لأَجْلِ الإدغامِ، فاستُجْلِبتْ همزةُ الوصلِ توصُّلاً للنطقِ بالساكنِ (١). وهذا كثيرٌ في القرآنِ في (تفاعل) و (تفعَّل) نحو ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٨] أصلُه: تَثَاقَلْتُمْ ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: آية ٤٧] أصلُه: تَطَيَّرْنَا ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ [يونس: آية ٢٤] أصلُه: تَزَيَّنَتْ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. ونظيرُ هذا الإدغامِ في (تَفَاعَل) ونحوها من كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٢): تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا الْتَذَّهَا (٣) خَصِرَا عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ يَعْنِي: إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ. ومعنى ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: تدارأتم من الدرءِ، والدرءُ معناه: الدفعُ. والمعنى: تَدَافَعْتُمْ قَتْلَ القتيلِ. أي: كُلٌّ منكم يدفعُ قتلَه عن نفسِه إلى صاحبِه، بأن يقولَ هؤلاء: قَتَلَهُ غَيْرُنَا، أنتم قَتَلْتُمُوهُ، وهؤلاء يقولون: بل أنتم الذين قَتَلْتُمُوهُ، ونحن لم نَقْتُلْهُ. واختلافُ العلماءِ فيه (٤) - بمعنى قولِ بعضِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ أي: تَنَازَعْتُمْ. وقولُ بعضِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ اختلفتم - كُلُّهُ عائدٌ إلى مَا ذَكَرْنَا.

стр. 140

وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أَنَّثَ الضميرَ، يعني: رَاجِعًا إلى النفسِ. يعني: (فيها) أي: في النفسِ المقتولةِ، كُلُّكُمْ يدفعُ قتلَها عن نفسِه إلى صاحبِه. ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿مُخْرِجٌ﴾ اسمُ فاعلِ (أَخْرَجَ) أي: مُظْهِرٌ ما كنتم تكتمون. و (ما) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه منصوبٌ بفعلٍ، على حَدِّ قولِه في الخلاصةِ (١): ........................ وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمُ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ وتقريرُه: (واللَّهُ مخرجٌ الذي كنتم تكتمونَه من أمرِ القتيلِ) وكذلك أَسْنَدَ الكتمَ هنا للجميعِ، والكاتمُ هو القاتلُ. وقال بعضُ العلماءِ: القَتَلَةُ جماعةٌ تَمَالَؤُوا على عَمِّهِمْ فَقَتَلُوهُ لِيَرِثُوهُ. ومعنى قولِه: ﴿مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: مُخْرِجٌ الذي كنتُم تكتمونَه. أَسْنَدَ الكتمَ إلى الكلِّ وأرادَ بعضَهم، سواءً قُلْنَا: إن القاتلَ واحدٌ أو جماعةٌ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ وهو: أن (ما) مفعولٌ به لاسمِ الفاعلِ الذي هو (مُخْرِجٌ)، والقصةُ - التي هي هذه - قصةٌ ماضيةٌ قبلَ نزولِ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنها واقعةٌ في زمنِ موسى، فهي في وقتِ نزولِ الآيةِ ماضيةٌ، مَضَتْ لها أزمانٌ كثيرةٌ، والمقررُ في علمِ العربيةِ: أن اسمَ الفاعلِ إذا لم يُحلَّ بالألفِ واللامِ لا يَعْمَلُ إلا إذا كانَ مقترنًا بالحالِ أو المستقبلِ، فلا يعملُ

стр. 141

مُقْتَرِنًا بالماضي (١)، وهنا أُعْمِلَ وهو واقعٌ في زمنِ الماضي؟ هذا وجهُ السؤالِ. الجوابُ (٢): أنه إنما أُعْمِلَ اسمُ الفاعلِ في هذا المفعولِ؛ لأن هذه حكايةُ حالٍ ماضية في وقتِها، فإنما حُكِيَتِ الحالُ في وقتها؛ فكأنها في وقتِها؛ لأن الحكايةَ تُحْكَى فيها الأحوالُ في حالِ وقتِها. ونظيرُ هذا يُجَابُ به عن قولِه جل وعلا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾؛ لأنها أيضا حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وهي في وقتِها مُطَابِقَةٌ للزمنِ الْحَالِي. والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ فَعَلَ سوءًا وكتمَه أن اللَّهَ يُظْهِرُهُ، غالبًا لا يُسِرُّ الإنسانُ سَريرةً إلا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا (٣). وكان بعضُ العلماءِ يقول: لو عَمِلَ الإنسانُ الشرَّ في غايةِ الخفاءِ لا بدَّ أن يُظْهِرَهُ اللَّهُ، كما يُفْهَمُ من قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وقولُه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: الآية ٧٣] صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، و (الفاء) عاطفةٌ للجملةِ على ما قَبْلَهَا، يعني: تدارأتم في القتيلِ، فقلنا لكم: اضْرِبُوهُ ببعضِ البقرةِ؛ لِيُبَيَّنَ لكم الواقعَ، وتعرفون القاتلَ، وينتهي النزاعُ ﴿فَقُلْنَا﴾ صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، ﴿اضْرِبُوهُ﴾ أي: القتيلَ. فالضميرُ عائدٌ إلى القتيلِ. المفهوم من النفسِ في قولِه: ﴿نَفْسًا﴾، فَأَنَّثَ الضميرَ باعتبارِ لفظِ النفسِ، وذكَّرَهُ باعتبارِ معناها؛ لأن القتيلَ ذَكَرٌ، وقد يكونُ الذَّكرُ يُعَبَّرُ عنه بلفظٍ

стр. 142

مُؤَنَّثٍ، فيجوزُ التأنيثُ مراعاةً للفظِ، والتذكيرُ مراعاةً لِلْمَعْنَى (١). ومنه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٢): أَبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ فَأَنَّثَ (الخليفةَ) وأطلقَ عليه لفظُ (الأُخْرَى) نظرًا إلى تأنيثِ لفظِه، مع أنه يجوزُ تذكيرُه؛ لأنه رجلٌ. فقلنا لهم: اضْرِبُوا القتيلَ ببعضِ هذه البقرةِ، فضربوه ببعضِها فَحَيِيَ. وهذا البعضُ الذي ضربوه به منها اختلفَ فيه المفسرون (٣)، فمنهم مَنْ يَقُولُ: هو لسانُها. ومنهم من يقول: فَخِذُهَا. ومنهم من يقولُ: عَجْبُ ذَنَبِهَا. ومنهم مَنْ يقولُ: الغضروفُ، غضروفُ الأُذُنِ. والحقُّ أن هذا البعضَ الذي ضَرَبُوهُ به منها لا دليلَ عليه، ولا جَدْوَى في تَعْيِينِهِ. وَكَثِيرًا ما يُولَعُ المفسرون بالتعيينِ في أشياءَ لم يَرِدْ فيها دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا جَدْوَى تحتَ تَعْيِينِهَا، فَيَتْعَبُونَ بما لا طائلَ تَحْتَهُ، كاختلافِهم في خشبِ سفينةِ نوحٍ من أَيِّ شجرٍ هو؟ وكم كان عرضُ السفينةِ؟ وطولُها؟ وكم فيها من الطبقاتِ؟ وكاختلافِهم في الشجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وحواءُ، أَيُّ شجرةٍ هي؟ وكاختلافهم في كلبِ أصحابِ الكهفِ ما لَوْنُهُ، هل هو أسودُ أو أصفرُ؟ وكثير من هذه الأمورِ التي يُولَعُونَ بها ولا طائلَ تَحْتَهَا، ولا دليلَ عليها من كتابٍ وسنةٍ (٤). غايةُ ما دَلَّ عليه القرآنُ: أنهم

стр. 143

ضربوه ببعضٍ مِنْ تلكَ البقرةِ غيرَ مُعَيَّنٍ ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أي: فَضَرَبُوهُ ببعضٍ منها فَحَيِيَ بإذنِ اللَّهِ، فأخبرهم بقاتلِه، ثم عادَ مَيِّتًا، ولم يَرثِه قاتلُه الذي قَتَلَهُ. قال بعضُ العلماءِ: ومن ذلك اليومِ لم يَرِثْ قاتلٌ عَمْدًا (١). وعامةُ العلماءِ على أن القاتلَ لا يرثُ، سواء كان القتلُ عمدًا أو خطأً، لا من المالِ ولا من الديةِ. وعن مالكِ بنِ أنسٍ ﵀ التفصيل بين الديةِ والمالِ في خصوصِ القتلِ خطأً، قال: إن القاتلَ خطأً يرثُ من المالِ، ولا يرثُ من الديةِ. والجمهورُ على خلافِه، وشذَّ قومٌ فَوَرَّثُوهُ من المالِ والديةِ في القتلِ خطأً (٢). وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يعني: كما أَحْيَا اللَّهُ هذا القتيلَ وهذا الجمُّ الغفيرُ من الناسِ ينظرون، كذلك الإحياءُ الْمُشَاهَدُ يُحْيِي اللَّهُ الموتى يومَ القيامةِ، فهو دليلٌ قُرْآنِيٌّ على البعثِ؛ لأن مَنْ أَحْيَا نفسًا واحدةً فهو قادرٌ على إحياءِ جميعِ النفوسِ، لأن ما جَازَ على المِثل يجوزُ على مُمَاثِلِهِ، واللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: آية ٢٨]. وهذه الآيةُ الكريمةُ تُؤْخَذُ منها فوائدُ، من الفوائدِ التي تُؤْخَذُ منها: أن الخالقَ الفاعلَ كيفَ يشاءُ هو رَبُّ السماواتِ والأرضِ. وأن الأسبابَ لا تأثيرَ لها إلا بمشيئةِ اللَّهِ. وأن اللَّهَ يُسبِّبُ ما شاءَ على ما شاءَ من الأسبابِ، ولو لم تكن بين السببِ والمُسَبَّبِ مناسبةٌ، فهذا القتيلُ لو ضُرِبَ بالبقرةِ وهي حَيَّةٌ لقالَ قائلٌ جاهلٌ: اكتسبَ الحياةَ من

стр. 144

حياتِها فَاللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَهُمْ أن يذبحوها حتى تكونَ مَيِّتَةً، وأن يأخذُوا قطعةً ميتةً منها لا حياةَ فيها فيضربوا بها هذا القتيلَ فَيَحْيَا. فَضَرْبُهُ بهذه القطعةِ الميتةِ من هذه البقرةِ المذبوحةِ كان سببًا لوجودِ الحياةِ فيه. وهذا السببُ لا مناسبةَ ببنَه وبينَ المُسَبَّبِ (١)، فدلَّ على أن خالقَ السماواتِ والأرضِ يفعلُ ما يشاءُ كيف يشاءُ، وَيُرَتِّبُ ما شاءَ من المُسَبَّباتِ على ما شاءَ من الأسبابِ باختيارِه وقدرتِه ومشيئتِه، ولو لم تكن هناك مناسبةٌ بين السببِ ومُسَبَّبِهِ. أَخَذَ مَالِكٌ ﵀ دونَ عامةِ العلماءِ من هذه الآيةِ حُكْمًا، وهو أنه يُثْبِتُ القَسَامةَ (٢). بقولِ المقتولِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» (٣)؛ لأن هذا القتيلَ لَمَّا حَيِيَ أخبرهم أن قاتلَه فلانٌ، وَعَمِلُوا بقولِه، قال مَالِكٌ: فَعَمَلُهُمْ بقولِه الذي دَلَّ عليه القرآنُ دليلٌ على أن مَنْ قَالَ:

стр. 145

«قَتَلَنِي فُلَانٌ». أنه يُعْمَلُ بقولِه، ومن هنا جَعِلَ قولُ المقتولِ إذا أُدْرِكَ وبه رمقٌ وقيل له: مَنْ ضَرَبَكَ؟ فقال لهم: «قَتَلَنِي فُلَانٌ، أو دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ». فهذا لَوْثٌ (١) عند مَالِكٍ (٢) تُحلف معه أيمانُ الْقَسَامَةِ، وَيُسْتَحَقُّ به الدمُ أو الديةُ، على التفصيلِ المعروفِ فيما تُسْتَحَقُّ به القَسَامَةُ من عَمْدٍ أو خَطَأٍ. وخالفَ مَالِكًا في هذا الفرعِ عامَّةُ العلماءِ، وقالوا: قولُ القتيلِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» هذا لا يمكنُ أن يُسوِّغَ القَسَامةَ؛ لأنه لو قال: «لِي دِرْهَمٌ عَلَى فُلَانٍ، أو أُطَالِبُ فُلَانًا بِكَذَا» لا يَثْبُتُ من ذلك شيءٌ، فكيفَ يَثْبُتُ به القتلُ ودمُ المعصومِ؟ ومالكٌ استدلَّ بهذه القصةِ، واستدلَّ أيضا بأن الإنسانَ إذا كان في آخِرِ عهدٍ من الدنيا زَالَ غَرَضُهُ من الكذبِ، وصارَ منتقلاً إلى دارِ الآخرةِ، وصارت الدَّوَاعِي إلى الكذبِ بعيدةً جِدًّا في حَقِّهِ، فالذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنه لا يُخْبِرُ إلا بِوَاقِعٍ. وأجابَ الجمهورُ عن القصةِ قالوا (٣): هذه القصةُ لا يقاسُ عليها غيرُها؛ لأن هذا قتيلٌ أحياه اللَّهُ معجزةً لنبيٍّ، وأخبرهم - مثلاً - أنه يُحْيِيهِ، وأنه يخبرهم بِمَنْ قَتَلَ، وهذا الإخبارُ مستندٌ إلى دليلٍ قَطْعِيٍّ، فليس كإخبارِ قتيلٍ آخَرَ.
следующие страницы →