مُقْتَرِنًا بالماضي (١)، وهنا أُعْمِلَ وهو واقعٌ في زمنِ الماضي؟ هذا وجهُ السؤالِ.
الجوابُ (٢): أنه إنما أُعْمِلَ اسمُ الفاعلِ في هذا المفعولِ؛ لأن هذه حكايةُ حالٍ ماضية في وقتِها، فإنما حُكِيَتِ الحالُ في وقتها؛ فكأنها في وقتِها؛ لأن الحكايةَ تُحْكَى فيها الأحوالُ في حالِ وقتِها. ونظيرُ هذا يُجَابُ به عن قولِه جل وعلا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾؛ لأنها أيضا حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وهي في وقتِها مُطَابِقَةٌ للزمنِ الْحَالِي.
والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ فَعَلَ سوءًا وكتمَه أن اللَّهَ يُظْهِرُهُ، غالبًا لا يُسِرُّ الإنسانُ سَريرةً إلا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا (٣). وكان بعضُ العلماءِ يقول: لو عَمِلَ الإنسانُ الشرَّ في غايةِ الخفاءِ لا بدَّ أن يُظْهِرَهُ اللَّهُ، كما يُفْهَمُ من قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
وقولُه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: الآية ٧٣] صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، و (الفاء) عاطفةٌ للجملةِ على ما قَبْلَهَا، يعني: تدارأتم في القتيلِ، فقلنا لكم: اضْرِبُوهُ ببعضِ البقرةِ؛ لِيُبَيَّنَ لكم الواقعَ، وتعرفون القاتلَ، وينتهي النزاعُ ﴿فَقُلْنَا﴾ صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، ﴿اضْرِبُوهُ﴾ أي: القتيلَ. فالضميرُ عائدٌ إلى القتيلِ. المفهوم من النفسِ في قولِه: ﴿نَفْسًا﴾، فَأَنَّثَ الضميرَ باعتبارِ لفظِ النفسِ، وذكَّرَهُ باعتبارِ معناها؛ لأن القتيلَ ذَكَرٌ، وقد يكونُ الذَّكرُ يُعَبَّرُ عنه بلفظٍ
стр. 142
مُؤَنَّثٍ، فيجوزُ التأنيثُ مراعاةً للفظِ، والتذكيرُ مراعاةً لِلْمَعْنَى (١). ومنه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٢):
أَبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ
فَأَنَّثَ (الخليفةَ) وأطلقَ عليه لفظُ (الأُخْرَى) نظرًا إلى تأنيثِ لفظِه، مع أنه يجوزُ تذكيرُه؛ لأنه رجلٌ. فقلنا لهم: اضْرِبُوا القتيلَ ببعضِ هذه البقرةِ، فضربوه ببعضِها فَحَيِيَ.
وهذا البعضُ الذي ضربوه به منها اختلفَ فيه المفسرون (٣)، فمنهم مَنْ يَقُولُ: هو لسانُها. ومنهم من يقول: فَخِذُهَا. ومنهم من يقولُ: عَجْبُ ذَنَبِهَا. ومنهم مَنْ يقولُ: الغضروفُ، غضروفُ الأُذُنِ.
والحقُّ أن هذا البعضَ الذي ضَرَبُوهُ به منها لا دليلَ عليه، ولا جَدْوَى في تَعْيِينِهِ. وَكَثِيرًا ما يُولَعُ المفسرون بالتعيينِ في أشياءَ لم يَرِدْ فيها دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا جَدْوَى تحتَ تَعْيِينِهَا، فَيَتْعَبُونَ بما لا طائلَ تَحْتَهُ، كاختلافِهم في خشبِ سفينةِ نوحٍ من أَيِّ شجرٍ هو؟ وكم كان عرضُ السفينةِ؟ وطولُها؟ وكم فيها من الطبقاتِ؟ وكاختلافِهم في الشجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وحواءُ، أَيُّ شجرةٍ هي؟ وكاختلافهم في كلبِ أصحابِ الكهفِ ما لَوْنُهُ، هل هو أسودُ أو أصفرُ؟ وكثير من هذه الأمورِ التي يُولَعُونَ بها ولا طائلَ تَحْتَهَا، ولا دليلَ عليها من كتابٍ وسنةٍ (٤). غايةُ ما دَلَّ عليه القرآنُ: أنهم
стр. 143
ضربوه ببعضٍ مِنْ تلكَ البقرةِ غيرَ مُعَيَّنٍ ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أي: فَضَرَبُوهُ ببعضٍ منها فَحَيِيَ بإذنِ اللَّهِ، فأخبرهم بقاتلِه، ثم عادَ مَيِّتًا، ولم يَرثِه قاتلُه الذي قَتَلَهُ. قال بعضُ العلماءِ: ومن ذلك اليومِ لم يَرِثْ قاتلٌ عَمْدًا (١).
وعامةُ العلماءِ على أن القاتلَ لا يرثُ، سواء كان القتلُ عمدًا أو خطأً، لا من المالِ ولا من الديةِ. وعن مالكِ بنِ أنسٍ ﵀ التفصيل بين الديةِ والمالِ في خصوصِ القتلِ خطأً، قال: إن القاتلَ خطأً يرثُ من المالِ، ولا يرثُ من الديةِ. والجمهورُ على خلافِه، وشذَّ قومٌ فَوَرَّثُوهُ من المالِ والديةِ في القتلِ خطأً (٢).
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يعني: كما أَحْيَا اللَّهُ هذا القتيلَ وهذا الجمُّ الغفيرُ من الناسِ ينظرون، كذلك الإحياءُ الْمُشَاهَدُ يُحْيِي اللَّهُ الموتى يومَ القيامةِ، فهو دليلٌ قُرْآنِيٌّ على البعثِ؛ لأن مَنْ أَحْيَا نفسًا واحدةً فهو قادرٌ على إحياءِ جميعِ النفوسِ، لأن ما جَازَ على المِثل يجوزُ على مُمَاثِلِهِ، واللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: آية ٢٨].
وهذه الآيةُ الكريمةُ تُؤْخَذُ منها فوائدُ، من الفوائدِ التي تُؤْخَذُ منها: أن الخالقَ الفاعلَ كيفَ يشاءُ هو رَبُّ السماواتِ والأرضِ. وأن الأسبابَ لا تأثيرَ لها إلا بمشيئةِ اللَّهِ. وأن اللَّهَ يُسبِّبُ ما شاءَ على ما شاءَ من الأسبابِ، ولو لم تكن بين السببِ والمُسَبَّبِ مناسبةٌ، فهذا القتيلُ لو ضُرِبَ بالبقرةِ وهي حَيَّةٌ لقالَ قائلٌ جاهلٌ: اكتسبَ الحياةَ من
стр. 144
حياتِها فَاللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَهُمْ أن يذبحوها حتى تكونَ مَيِّتَةً، وأن يأخذُوا قطعةً ميتةً منها لا حياةَ فيها فيضربوا بها هذا القتيلَ فَيَحْيَا. فَضَرْبُهُ بهذه القطعةِ الميتةِ من هذه البقرةِ المذبوحةِ كان سببًا لوجودِ الحياةِ فيه. وهذا السببُ لا مناسبةَ ببنَه وبينَ المُسَبَّبِ (١)، فدلَّ على أن خالقَ السماواتِ والأرضِ يفعلُ ما يشاءُ كيف يشاءُ، وَيُرَتِّبُ ما شاءَ من المُسَبَّباتِ على ما شاءَ من الأسبابِ باختيارِه وقدرتِه ومشيئتِه، ولو لم تكن هناك مناسبةٌ بين السببِ ومُسَبَّبِهِ.
أَخَذَ مَالِكٌ ﵀ دونَ عامةِ العلماءِ من هذه الآيةِ حُكْمًا، وهو أنه يُثْبِتُ القَسَامةَ (٢). بقولِ المقتولِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» (٣)؛ لأن هذا القتيلَ لَمَّا حَيِيَ أخبرهم أن قاتلَه فلانٌ، وَعَمِلُوا بقولِه، قال مَالِكٌ: فَعَمَلُهُمْ بقولِه الذي دَلَّ عليه القرآنُ دليلٌ على أن مَنْ قَالَ:
стр. 145
«قَتَلَنِي فُلَانٌ». أنه يُعْمَلُ بقولِه، ومن هنا جَعِلَ قولُ المقتولِ إذا أُدْرِكَ وبه رمقٌ وقيل له: مَنْ ضَرَبَكَ؟ فقال لهم: «قَتَلَنِي فُلَانٌ، أو دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ». فهذا لَوْثٌ (١) عند مَالِكٍ (٢) تُحلف معه أيمانُ الْقَسَامَةِ، وَيُسْتَحَقُّ به الدمُ أو الديةُ، على التفصيلِ المعروفِ فيما تُسْتَحَقُّ به القَسَامَةُ من عَمْدٍ أو خَطَأٍ.
وخالفَ مَالِكًا في هذا الفرعِ عامَّةُ العلماءِ، وقالوا: قولُ القتيلِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» هذا لا يمكنُ أن يُسوِّغَ القَسَامةَ؛ لأنه لو قال: «لِي دِرْهَمٌ عَلَى فُلَانٍ، أو أُطَالِبُ فُلَانًا بِكَذَا» لا يَثْبُتُ من ذلك شيءٌ، فكيفَ يَثْبُتُ به القتلُ ودمُ المعصومِ؟ ومالكٌ استدلَّ بهذه القصةِ، واستدلَّ أيضا بأن الإنسانَ إذا كان في آخِرِ عهدٍ من الدنيا زَالَ غَرَضُهُ من الكذبِ، وصارَ منتقلاً إلى دارِ الآخرةِ، وصارت الدَّوَاعِي إلى الكذبِ بعيدةً جِدًّا في حَقِّهِ، فالذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنه لا يُخْبِرُ إلا بِوَاقِعٍ.
وأجابَ الجمهورُ عن القصةِ قالوا (٣): هذه القصةُ لا يقاسُ عليها غيرُها؛ لأن هذا قتيلٌ أحياه اللَّهُ معجزةً لنبيٍّ، وأخبرهم - مثلاً - أنه يُحْيِيهِ، وأنه يخبرهم بِمَنْ قَتَلَ، وهذا الإخبارُ مستندٌ إلى دليلٍ قَطْعِيٍّ، فليس كإخبارِ قتيلٍ آخَرَ.
стр. 146
وأجابَ ابنُ العربيِّ في أحكامِه عن هذا قال: المعجزةُ إنما هي في إحياءِ القتيلِ، أما كلامُ القتيلِ، فهو كسائرِ كلامِ الناسِ، يجوزُ في حَقِّهِ أن يكونَ حَقًّا، وأن يكونَ كَذِبًا.
وعلى كُلِّ حَالٍ فهذا الفرعُ خَالَفَ فيه مَالِكًا جمهورُ العلماءِ.
وقولُه جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ فيه دليلٌ على أن قصةَ إحياءِ هذا القتيلِ من الأدلةِ على البعثِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى خمسةَ أمثلةٍ منها في هذه السورةِ الكريمةِ (١).
وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ مضارعُ (أَرَاهُ)، أصلُها يُرئيكم آياتِه. أي. يُبَيِّنُهَا لكم حتى تَرَوْهَا. ﴿آيَاتِهِ﴾ الآية: تُطْلَقُ في اللغةِ إِطْلَاقَيْنِ، وتطلقُ في القرآنِ إطلاقين، وجمهورُ علماءِ العربيةِ أن أصلَ وزنِ الآيةِ (أيَيَة) فهي وزنُها: (فعَلَة) فاؤها همزٌ، وعينها ياءٌ، ولامها ياءٌ، اجتمع فيها مُوجِبَا إِعْلَالٍ، على القاعدةِ المقررةِ في التصريفِ، التي عَقَدَهَا في الخلاصةِ بقولِه (٢):
مِنْ [وَاوٍ أَوْ يَاءٍ] (٣) بِتَحْرِيكٍ أُصِلْ ... أَلِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحٍ مُتَّصِلْ
والأصلُ المشهورُ أن يكونَ الإعلالُ في الأخيرِ، فالجاري على القياسِ أن يقالَ: أياة، وتُبْدَلُ الياءُ الأخيرةُ أَلِفًا، إلا أنه أُبْدِلَتْ هنا الياءُ الأُولَى (٤). وإعلالُ الأولِ من الحرفين اللذَيْنِ اجتمعَ فيهما مُوجِبَا إعلالٍ موجودٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ، كآيةٍ، وغايةٍ.
стр. 147
والآيةُ تُطْلَقُ في لغةِ العربِ إطلاقين (١): تطلقُ الآيةُ بمعنى: (العلامةِ).
وهذا إطلاقُها المشهورُ. ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (٢):
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ
ثم صَرَّحَ بأن مُرادَه بالآياتِ علاماتُ الدارِ في قولِه:
رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أُبِينُهُ وَنُؤْيٌ كَجَذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
ومن هذا المعنى قولُه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامةُ مُلْكِهِ ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآيةَ ... [البقرة: الآية ٢٤٨].
وتطلق الآيةُ على: (الجماعةِ)، تقول العربُ: جاء القومُ بآيتِهم، أي: بجماعتِهم، ومنه قولُ بُرج بن مُسهر (٣):
خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَا بِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلَا
أي: بِجَمَاعَتِنَا.
والآيةُ تُطْلَق في القرآنِ إطلاقين: آيةٌ كونيةٌ قدريةٌ، كقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: الآية ١٩٠] وهذه الآيةُ الكونيةُ القدريةُ من (الآية) بمعنى (العلامةِ) باتفاقٍ، أي: لَعَلَامَاتٍ على كمالِ قدرةِ مَنْ وَضَعَهَا، وأنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه.
стр. 148
وَتُطْلَقُ الآيةُ في القرآنِ بمعناها الشرعيِّ الدينيِّ، كقوله: ﴿رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق: آية ١١] أي: آياتِه الدينيةَ الشرعيةَ.
والآيةُ الدينيةُ الشرعيةُ قيل: من (العلامة)، لأنها علاماتٌ على صدقِ مَنْ جَاءَ بها؛ لِمَا فِيهَا من الإعجازِ. أو لأن لها مبادئَ ومقاطعَ علامات على انتهاءِ هذه الآيةِ وابتداءِ الآيةِ الأُخْرَى.
وقال بعضُ العلماءِ: هي من (الآية) بمعنى (الجماعةِ)؛ لأن الآيةَ كأنها نبذةٌ وجماعةٌ من كلماتِ القرآنِ، تتضمنُ بعضَ ما في القرآنِ من الإعجازِ والأحكامِ والعقائدِ والحلالِ والحرامِ (١).
هذا معنى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: يجعلُكم تَرَوْنَهَا واضحةً. أي: علاماتِه الواضحةَ على كمالِ قدرتِه وإحيائِه للموتى، وأنه يبعثُ الناسَ بعدَ أن يموتوا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: لأجلِ أن تُدْرِكُوا بعقولِكم أنه (جل وعلا) يُحْيِي الناسَ بعدَ الموتِ، ويبعثُهم من قبورِهم، وأنه قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، وأنه المعبودُ وحدَه، و ﴿تَعْقِلُونَ﴾ معناه: تُدْرِكُونَ بعقولكم.
[٣/ب] / يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: الآية ٧٤].
стр. 149
قال بعضُ العلماءِ (١): (ثم) في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ للاستبعادِ؛ لأن هذا الذي نظروه من آياتِ اللَّهِ وعِبَرِه وإحيائِه للقتيلِ سببٌ عظيمٌ لِلِينِ القلوبِ، فقسوةُ القلوبِ بعدَ مشاهدتِه من الأمرِ الْمُسْتَبْعَدِ؛ ولذا قال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ من بعدِ ذلك الأمرِ الذي عَايَنْتُمُوهُ، وهو إحياءُ القتيلِ، الذي هو أعظمُ سببٍ لِلِينِ القلوبِ، فـ (ثم) هنا للاستبعادِ، كما قاله بعضُ العلماءِ. ونظيرُه من إتيانِ (ثم) للاستبعادِ قولُه تعالى في أولِ سورةِ الأنعامِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: آية ١]؛ لأن مَنْ خَلَق السماواتِ والأرضَ، وجعلَ الظلماتِ والنورَ يُسْتَبْعَدُ جِدًّا أن يُجعل له عديلٌ ونظيرٌ. ونظيرُ (ثمَّ) للاستبعادِ من كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٢):
وَلَا يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلَاّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا
لأن مَنْ رَأَى غمراتِ الموتِ تُسْتَبْعَدُ منه زيارتُها.
والإشارةُ في قولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ عائدةٌ إلى ما ذُكِرَ من إحياءِ القتيلِ لَمَّا ضُرِبَ بالجزءِ من البقرةِ الميتةِ، ومعنى قسوةِ القلوبِ: شِدَّتُهَا وصلابتُها حتى لا يدخلَ فيها خيرٌ؛ لأن ذا الشيءَ القاسيَ ليس بقابلٍ لدخولِ شيءٍ فيه، فقلوبُهم صلبةٌ شديدةٌ نابيةٌ عن الخيرِ لا يدخلُها وَعْظٌ ولا يَنْجِعُ فيها خيرٌ. والسببُ الذي قَسَتْ به قلوبُهم نَهَى اللَّهُ عن ارتكابِه المسلمين في قولِه: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: آية ١٦].
стр. 150
وقولُه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ أي: في شدةِ القسوةِ والصلابةِ، فكما أنكَ لو أردتَ أن تُدْخِلَ ماءً أو دُهْنًا في جوفِ حَجَرٍ صلبٍ أصمَّ لا يمكنُ لكَ ذلك، فلا يمكنُ أن تُدْخِلَ في قلوبِهم خيرًا ولا موعظةً ولا شيئًا ينفعُهم؛ لقساوتها عياذا بالله.
وقولُه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ مرفوعٌ عَطْفًا على الكافِ من قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ أي: فهي مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً؛ لأن الكافَ في معنى (مثل). وقيل: عُطِفَ على محلِّ الجارِّ والمجرورِ؛ لأنه في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، أي: فهي كالحجارةِ، أو فهي أشدُّ قسوةً (١).
و ﴿قَسْوَةً﴾ تمييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ؛ لأنه بعدَ صيغةِ التفضيلِ، على حَدِّ قولِه في الخلاصةِ (٢):
والفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلَا مُفَضَّلاً كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلَا
لأَنَّ ﴿قَسْوَةً﴾ تمييزٌ فاعلٌ في المعنى، فَنُصِبَ بأَفْعَل مُفَضلا تمييزًا مُحَوَّلاً عن الفاعلِ.
ثم إن اللَّهَ (جل وعلا) بَيَّنَ أن قلوبَهم أشدُّ قسوةً من الحجارةِ، قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ يعني: إن بعضَ الحجارةِ رُبَّمَا [تَفَجَّرَ منه الأنهارُ] (٣)، وبعضُها ربما لانَ فتشققَ فخرجَ منه ماءٌ، وقلوبُهم لا تلينُ ولا ينفجرُ منها خيرٌ، لا قليلٌ ولا كثيرٌ.
стр. 151
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: ما معنى (أو) في قولِه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ والْمُخُبِرُ بهذا الكلامِ (جل وعلا) يستحيلُ في حَقِّهِ الشكُّ، فما معنى (أو) في قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾؟
للعلماءِ عن هذا السؤالِ أجوبةٌ معروفةٌ (١)، أظهرُها: أن «أو» للتنويعِ، و «أو» التي هي للتنويعِ تدلُّ على نوعٍ. والمعنى: أن منهم نوعًا قلوبُهم كالحجارةِ، وهنالك نوعٌ آخَرُ دلَّتْ عليه (أو) التنويعية أقسى قلوبًا من هذه (٢) ( ... ).
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: الآيات: ٧٥ - ٧٩].
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ كان النبيُّ ﷺ حريصًا على إيمانِ اليهودِ وغيرِهم من
стр. 152
أهلِ الكتابِ؛ لأن عندهم عِلْمًا من الكتبِ السماويةِ المتقدمةِ. ولو آمنوا لكانَ ذلك دَاعِيًا إلى إيمانِ غيرِهم لِمَا عِنْدَهُمْ من العلمِ، فقنَّطَهُ اللَّهُ في هذه الآيةِ الكريمةِ من إيمانِ اليهودِ وَأَنْكَرَ عليه أن يعلقَ طمعَه بشيءٍ لا مطمعَ فيه، قال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: الآية ٧٥] يعني: أَتُعَلِّقُونَ الطمعَ بما لَا طمعَ فيه فتطمعون أن يؤمنوا لكم أي: يتصفوا بالإيمانِ لكم. أي: لأجلِ دَعْوَتِكُمْ وطلبكم منهم الإيمانَ.
والعادةُ في القرآنِ أن الإيمانَ إذا كان تصديقًا بالله (جل وعلا) عُدِّيَ بالباءِ، فتقول: «ويؤمنون بالله»، «آمنتُ بالله» (١). وإذا كان تصديقًا بِبَشَرٍ عُدِّيَ باللامِ. وهذا معروفٌ من استقراءِ القرآنِ، كقولِه هنا: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: يصدقوكم ويتبعوكم في هذا الدِّينِ الحنيفِ، ومنه قولُه: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: آية ١٧] أي: بِمُصَدِّقِنَا في أن يوسفَ أَكَلَهُ الذئبُ ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقولُه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: آية ٢٦]، وجمع المثالين قولُه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ٦١] والمعنى: أن اللَّهَ أَنْكَرَ عليهم الطمعَ بإيمانهم؛ لأنهم لا مطمعَ في إيمانهم.
ثم بيَّن صعوبةَ الإيمانِ عليهم وَبُعْدَهُمْ منه قال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أتطمعونَ بإيمانِ قومٍ وهم بهذه المثابةِ من العنادِ واللجاجِ وعدمِ امتثالِ الأوامرِ، والحالُ: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ الفريقُ: الطائفةُ من الناسِ،
стр. 153
ويجوزُ انقسامُ الناسِ إلى جماعاتٍ متعددةٍ، ولا يلزمُ أن يكونوا فريقين فقط، بل يجوزُ أن يكونوا فريقين وأكثرَ، ومن هذا المعنى قولُ نُصَيبٍ (١):
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ: لَا، وَفَرِيقُهُمْ
نَعَمْ [وَقَالَ فَرِيقٌ] (٢): وَيْحَكَ مَا نَدْرِي
واختلفَ العلماءُ في المرادِ بهذا الفريقِ الذين سمعوا كلامَ اللَّهِ وَحَرَّفُوهُ بعدَ أن عَقَلُوهُ (٣):
قال جماعةٌ من العلماءِ: هذا الفريقُ هم علماؤُهم، ومعنى ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يسمعونَ كلامَ اللَّهِ يُتْلَى في كتابِه التوراةِ ويفهمونه ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ من بعد ما أَدْرَكُوهُ بعقولِهم، فيجدونَ فيه صفاتِ النبيِّ ﷺ : (أبيضَ)، فيحرفونها إلى (أسمرَ)، ويجدونَ من صفاتِه: (رَبْعَة)، فيحرفونها إلى أنه طويلٌ مُشَذَّبٌ، ونحو ذلك من تغييرِ الصفاتِ.
فعلى هذا الوجهِ فالفريقُ الذين يسمعونَ كلامَ اللَّهِ: العلماءُ يسمعونَ كتابَ اللَّهِ التوراةَ يُتْلَى ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ يعني يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ، ويجعلونَ فيه ما ليسَ فيه، بأن يُحِلُّوا حرامَه، ويحرموا حلالَه، ويغيروا فيه صفاتِ النبيِّ ﷺ ، وينكروا بعضَ آياتِه كآيةِ الرجمِ، وما جرى مجرَى ذلك من التحريفِ.
стр. 154
وعلى هذا القولِ فالفريقُ: العلماءُ منهم بالتوراةِ، وتحريفُهم له معروفٌ.
فإذا كان خِيَارُهُمْ وعلماؤُهم يعقلونَ عن اللَّهِ كلامَه في كتابِه ثم يُغَيِّرُونَهُ ويحرفونه ويحملونه على غيرِ مَحْمَلِهِ، فما بَالِكُمْ تطمعونَ في أَنَّ مثلَ هؤلاء يؤمنون لكم ويهتدون إلى خيرٍ.
الوجهُ الثاني: أن هذا الفريقَ هم السبعونَ الذين اختارهم موسى، المذكورون في سورةِ الأعرافِ في قولِه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾ الآيةَ ... [الأعراف: آية ١٥٥] وَمَنْ قالَ هذا القولَ قال: إنهم لَمَّا خرجوا مع موسى إلى الميقاتِ سألوه أن يسألَ اللَّهَ أن يُسْمِعَهُمْ كلامَه. فسأل لهم نَبِيُّهُمْ ذلك. وأن اللَّهَ أمرهم أن يَصُومُوا. وَلَمَّا أرادَ اللَّهُ أن يكلمَ موسى، وألقى عليه الضبابَ سَمِعُوا كلامَ اللَّهِ يأمرُ موسى وينهاهُ، فبعدَ أن سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ وعقلوه حَرَّفُوهُ. قالوا: سمعناه يقولُ في آخِرِ الكلامِ: إن شئتُم فَافْعَلُوا، وإن شئتُم لا تَفْعَلُوا.
فإذا كانوا يسمعونَ من اللَّهِ كلامَه، هذه السبعونَ المختارةُ منهم تسمعُ كلامَ اللَّهِ وتحرفُه وَتُغَيِّرُهُ، فما بالُكم تطمعونَ في إيمانِ مَنْ هذه صِفَتُهُمْ؟
هذان الوجهانِ في قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
وقد بَيَّنَّا مرارًا أن همزةَ استفهامِ الإنكارِ إذا جاءَ بعدَها حرفُ عطفٍ كالفاءِ، كما في قولِه هنا: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ و (الواو) أو (ثم) أن فيها للعلماءِ وَجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ (١):
стр. 155
أحدُهما: أن همزةَ الاستفهامِ تتعلقُ بمحذوفٍ دَلَّ المقامُ عليه، و (الفاءُ) تَعْطِفُ الجملةَ التي بَعْدَهَا على الجملةِ المحذوفةِ التي دَلَّ المقامُ عليها. والمعنى: أتطمعونَ بما لا طَمَعَ فيه، فتطمعونَ أن يُؤْمِنُوا لكم؟ ونحو هذا. أو: أَلَا تعرفونَ الحقائقَ فتطمعونَ بما لا طمعَ فيه؟ والأحوالُ متقاربةٌ، وإلى هذا الوجهِ مَيْلُ ابنِ مالكٍ في الخلاصةِ في قولِه (١):
وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ وَعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلَى الْفِعْلِ يَصِحّ
والوجهُ الثاني: أن همزةَ الاستفهامِ مُزَحْلَقَةٌ عن محلِّها، وأنها متأخرةٌ بعد الفاءِ، إلا أنها قُدِّمَتْ عن مَحَلِّهَا؛ لأن للاستفهامِ صدرَ الكلامِ، وعلى هذا فالمعنى: فأتطمعون. فتكونُ الجملةُ معطوفةً بالفاءِ على ما قَبْلَهَا، كأن المعنى: فَأُعْطِفَ على ذلك إنكارُ طَمَعِكُمْ بما لا طمعَ فيه، فيكون المعنى: فأتطمعونَ أن يؤمنوا لكم والحالُ ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
التحريفُ: يعني: وضعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِهِ، يَصْدُقُ بأن يُبَدِّلُوهُ بما ليسَ منه وأن يُغَيِّرُوهُ، وأن يَحْمِلُوهُ على غيرِ مَحْمَلِهِ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ التحريفِ.
وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أَيْ أَدْرَكُوهُ بعقولِهم. العربُ تقولُ: عَقَلْتُ الأمرَ أَعْقِلُهُ، إذا أدركتُه بِعَقْلِي.
والعقلُ نورٌ رُوحَانِيٌّ تُدْرَكُ به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ (٢)، ومحلُّه القلبُ، كما نَصَّ عليه الكتابُ والسنةُ. لا الدماغُ كما يزعمُه الفلاسفةُ.
стр. 156
وبحوثُ العقلِ بحوثٌ فلسفيةٌ لَا طائلَ تَحْتَهَا.
فللفلاسفةِ في بحثِ العقلِ ما يزيدُ على مائةِ طريقٍ، من جهةِ البحثِ في العقلِ هل هو جوهرٌ أو عَرَضٌ؟ والكلامُ على العقولِ العشرةِ، والعقلِ الفياضِ. كله بحثٌ فلسفيٌّ لا طائلَ تَحْتَهُ (١).
وإنما قال جل وعلا: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ أي: تُدْرِكُونَ بعقولِكم؛ لأن العقلَ نورٌ رُوحَانِيٌّ تُدْرِكُ به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ. وقد دَلَّ القرآنُ على أن محلَّه القلبُ لا الدماغُ؛ لأن الله يقول: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: آية ٤٦] ولم يقل: أَدْمِغَةٌ يَعْقِلُونَ بها. ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كاَنَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: آية ٣٧] ولم يَقُلْ: لمن كان له دِمَاغٌ. وفي الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٢) ولم يقل: ألا وهي الدماغُ.
وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ قولِ أهلِ السنةِ وقولِ الفلاسفةِ بأن قالَ: إن أصلَ العقلِ في القلبِ كما في الكتابِ والسنةِ، إِلَاّ أَنَّ نورَه يتصلُ شعاعُه بالدماغِ. واستدلُّوا على هذا بدليلٍ استقرائيٍّ عاديٍّ، قالوا: بالعادةِ المطردةِ والاستقراءِ أنكَ لا تجدُ رجلاً طويلَ العنقِ طُولاً مُفْرِطًا إلا كَانَ فِي عَقْلِهِ بَعْضَ الدَّخَلِ؛ لِبُعْدِ ما بينَ طَرَفَيْ شُعَاعِ نُورِ عَقْلِهِ.
стр. 157
والتحقيقُ: أن العقلَ في القلبِ (١) كما دَلَّ عليه الوحيُ (٢) [والذين قالوا: إن العقلَ في] الدماغِ استدلوا: بأن كُلَّ ما يؤثرُ على الدماغِ يؤثرُ على العقلِ. وهذا لا دليلَ فيه، لإمكانِ أن يكونَ العقلُ في القلبِ - كما هو الحقُّ - وسلامتُه مشروطةٌ بسلامةِ الدماغِ، وهذا لا إشكالَ فيه.
والعقلُ الصحيحُ هو الذي يعْقِلُ صاحبَه عن الوقوعِ فيما لا يَنْبَغِي، كما قال (جل وعلا) عن الكفارِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: آية ١٠] أما العقلُ الذي لا يَزْجُرُ عمَّا لا ينبغي فهو عقلٌ دنيويٌّ يعيشُ به صاحبُه، وليس هو العقلَ بمعنى الكلمةِ.
وقولُه جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ يعني: أنهم سَمِعُوا كلامَ اللَّهِ فحرَّفُوه بعدَ أن أَدْرَكُوهُ بعقولِهم وَفَهِمُوهُ، والحالُ أنهم يعلمونَ أنهم حَرَّفُوهُ وافتروا على اللَّهِ، فَمَنْ (٣) [كان] بهذه المثابةِ لا يطمعُ أحدٌ في إِيمانِه.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ (جل وعلا) ذكرَ طائفةً أُخْرَى من اليهودِ هم منافقونَ،
стр. 158
وهذه الطائفةُ المنافقةُ ذَكَرَهَا تعالى بقولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: الآيتان ٧٦ - ٧٧] (إذا): ظَرْفٌ فيه معنى الشرطِ، العاملُ فيه دائمًا جزاءُ الشرطِ لا فعلَ الشرطِ، وهو مِنَ الأسماءِ الملازمةِ للإضافةِ إلى جُمَلِ الأفعالِ خاصةً، كما قال في الخلاصةِ (١):
وَأَلْزَمُوا إِذَا إِضَافَةً إِلَى جُمَلِ الأَفْعَالِ كَهُنْ إِذَا اعْتَلَى
و (لَقُوا) أصلُه: لقِيُوا (فَعِلُوا) (٢)، والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن كُلَّ فعلٍ ناقصٍ - أعني معتلَّ اللامِ - سواء كان واويَّ اللامِ، أو يائيَّ اللامِ، إذا أُسْنِدَ إلى واوِ جماعةٍ، أو ياءٍ مؤنثةٍ مخاطبةٍ وَجَبَ حذفُ لامِه المعتلةِ بقياسٍ مطردٍ. فحُذِفَتْ هذه الياءُ التي هي لامُ الكلمةِ، وَأُبْدِلَتْ كسرةُ القافِ ضمةً لمجانسةِ الواوِ. فأصلُه: (لقِيُوا) على وزنِ (فَعِلُوا)، ووزنُه الحاليُّ ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ (فَعُوا)؛ لأن الياءَ التي في موضعِ اللامِ حُذِفَتْ لإسنادِ الفعلِ الناقصِ إلى واوِ الجماعةِ، كما هو مقررٌ في التصريفِ (٣).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في محلِّ نصبٍ مفعولٌ به لـ ﴿لَقُوا﴾ والمعنى: أن هؤلاء الطائفةَ من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين - النبيِّ ﷺ وأصحابِه - ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. ذَكَرُوا لهم أنهم آمنوا نِفَاقًا، وَبَيَّنُوا لهم أن النبيَّ المنتظرَ الْمُبَشَّرَ به أن صفاتِه الموجودةَ في كُتُبِهِمْ مُتطبِّقةٌ على هذا النبيِّ الكريمِ ﷺ . هذا معنى قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
стр. 159
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: رَجَعُوا إلى أصحابِهم وكان الموضعُ خَالِيًا من المؤمنين بأن كان الموجودُ فيه هم فيما بينهم.
﴿قَالُوا﴾ يعني: أصحابُهم الذين لم يُنَافِقُوا. قالوا مُنْكِرِينَ على الذين نَافَقُوا وَمُوَبِّخِينَ لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ أي: أتحدِّثون المؤمنين - النبيَّ ﷺ وأصحابَه - ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما فَتَحَ عليكم عِلْمَهُ في التوراةِ من أن هذا هو النبيُّ المنتظرُ، وأن هذه صفاتُه، أنها متطبِّقةٌ، وأنه هو لَا
شَكَّ فيه، وأنكم مؤمنون به لِمَا علمتم من أنه هو النبيُّ الموعودُ به المنتظرُ.
﴿لِيُحَآجُّوكُم﴾ بهذا الإقرارِ ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ أَنَّكُمْ أقررتم بأنكم تعرفونَ أنه الحقُّ، وأن صفاتِه متطبقةٌ على صفاتِ النبيِّ المنتظرِ، فإن هذا يُحَاجُّونَكُمْ به يومَ القيامةِ، أنكم عرفتُم الحقَّ وتركتموه.
وهذا يدلُّ على أنهم في غايةِ الجهلِ؛ لأنهم لو كَتَمُوهُ أَلَيْسَ اللَّهُ عَالِمًا بما في ضمائرِهم؟ وما الفرقُ بين ما لو أَقَرُّوا بأنهم عرفوا الحقَّ وكتموه، أو كتموه ولم يقولوا؟ ولذا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ بقولِه: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: الآية ٧٧] أيقولونَ مثلَ هذا ولا يعلمونَ أن اللَّهَ يعلمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ؟ ﴿يُسِرُّونَ﴾ هو المضارعُ من الإسرارِ، و ﴿يُعْلِنُونَ﴾ المضارعُ من الإعلانِ، والفعلُ إذا كان مَاضِيهِ على وزنِ (أَفْعَل) تُحْذَفُ همزتُه في المضارعِ، واسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، بقياسٍ مُطَّردٍ. فالأصلُ: (يُؤَسْرِرُون) و (يُؤَعْلِنُون) إلا أن حَذْفَ همزةِ (أَفْعَل) يَطَّرِدُ في المضارعِ وفي اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ، كما عَقَدَهُ في
стр. 160
الخلاصةِ بقولِه (١):
وَحَذْفُ هَمْزِ أَفْعَلَ اسْتَمَرَّ فِي مُضَارِعٍ وَبِنْيَتَيْ مَتَّصِفِ
والمعنى: أن إسرارَهم وإعلانَهم عِنْدَ اللَّهِ (جل وعلا) سواءٌ؛ لأن اللَّهَ يعلمُ السرَّ وَأَخْفَى، السرُّ عنده علانيةٌ، يعلمُ ما تخفيه الضمائرُ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: آية ١٦].
وعلى هذا الذي قَرَّرْنَا فمعنى: ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: عَلَّمَكُمْ إياه وأزالَ عنكم الحجابَ دُونَهُ من العلمِ مما في التوراةِ.
وقولُه: ﴿لِيُحَآجُّوكُم﴾ أصلُه (يُحاججوكم) (يُفَاعِلُون) من الْمُحَاجَجَةِ يقتضي الطرفين، والحجةُ: كُلُّ مَا أَدْلَى به الخصمُ باطلاً كان أو حَقًّا (٢).
بدليلِ قولِه: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: آية ١٦].
وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ بالفتحِ في هذه الآيةِ: الحكمُ. وذلك أن النبيَّ ﷺ يومَ خيبرَ ذَكَرَ لهم اسمَ القِرَدَةِ. قال بعضُهم: ما عَلِمُوا أن أَوَائِلَكُمْ وَقَعَ مَسْخُ بعضِهم قِرَدَةً إلا مِنْكُمْ، بعضُكم أخبرهم بهذا (٣)!!. وعلى هذا فالمرادُ ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما حَكَمَ عليكم به من المسخِ، والعربُ تُطْلِقُ الفتحَ على الْحُكْمِ (٤)، وقد جاء في القرآنِ العظيمِ، ومنه على التحقيقِ: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ
стр. 161
جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: آية ١٩] يعني: إن تَطْلُبُوا الحكمَ من اللَّهِ على الظالمِ بالهلاكِ فقد جاءكم ذلك، وَهَلَكَ الظَّالِمُ، أبو جهل وأصحابُه، ومن هذا المعنى قولُه (جل وعلا) عن شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٩] أي: احْكُمْ بيننا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الْحَاكِمِينَ، وهذه لغةٌ حميريةٌ، يُسَمُّونَ الحاكمَ: فَتَّاحًا، والحُكمَ فُتَاحَة (١)، ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (٢):
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
أي: عن حُكْمِكُمْ غَنِيٌّ.
هذا قيل به في الآيةِ، ولكنه قولٌ مرجوحٌ غيرُ ظاهرٍ، والتحقيقُ - إن شاء الله - هو الأولُ، ثم إنهم قالوا لهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أتقولون قولَ مَنْ لا يَعْقِلُ؟ فلا تعقلونَ أنه لا ينبغي لكم أن تُخْبِرُوهُمْ وتحدثوهم بما فتحَ اللَّهُ
عليكم من علمِ التوراةِ مما خَفِيَ عليهم؛ ليكونَ حُجَّةً لهم عليكم عِنْدَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، أنكم أَقْرَرْتُمْ بأنهم على حَقٍّ، وَخَالَفْتُمُوهُمْ ولم تتبعوهم.
ثم إن الله ذَكَرَ طائفةً ثالثةً، وهي الطائفةُ الجاهلةُ التي لا تَدْرِي، وإنما تسمعُ كلامًا فتقلِّد فيه تقليدًا أَعْمَى، قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: الآية ٧٨] الأُمِّيُّ: هو الذي لا يقرأُ ولا يكتبُ. أي: طائفةٌ
стр. 162
جاهلةٌ لا يكتبونَ الكتبَ ولا يقرؤون ما في الكتبِ. ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ الذي هو التوراةُ ولا غيرُه من الكتبِ.
وقوله: ﴿إِلَاّ أَمَانِيَّ﴾ في قولِه: ﴿إِلَاّ أَمَانِيَّ﴾ وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ عندَ العلماءِ (١): أحدُهما تُبْعِدُهُ قرينةٌ في نفسِ الآيةِ.
أما القولانِ المعروفانِ: أن المرادَ بالأمانيِّ هنا: جمعُ (أُمْنِيَّةٍ) بمعنى (القراءةِ). والعربُ تُطْلِقُ (الأمنيَّةَ) على (القراءةِ) وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ العربُ: (تمنَّى) إذا قرأَ، ومنه قولُ حسانَ (٢):
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ
وقولُ كعبِ بنِ مالكٍ أو حسانَ (٣):
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ وَآخِرَهَالَاقَى حِمَامَ الْمَقَادِرِ
فمعنى (تَمَنَّى): قَرَأَ، وعلى هذا فالاستثناءُ متصلٌ. وتقريرُ المعنى: لَا يعلمونَ من الكتابِ إلا قراءةَ ألفاظٍ ليس معها تَفَهُّمٌ وتدبرٌ لِمَا تَحْوِيهِ الألفاظُ من المعانِي (٤)، وَمَنْ لم يكن عنده مِنْ عِلْمِ الكتابِ إلا قراءةَ ألفاظٍ لا يفهمُ ما
تحتَها من المعانِي فهذا جاهلٌ لا عِلْمَ عندَه. هذا وَجْهٌ في الآيةِ، وهو الذي قُلْنَا: إن في الآيةِ قرينةً تُبْعِدُهُ؛
стр. 163
لأن هذا يدلُّ على أنهم يقرؤون التوراةَ قراءةَ ألفاظٍ لا يفهمونَ ما تَحْتَهَا من المعانِي والعِبَرِ والحِكَمِ. وقوله في أولِ الآيةِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يدلُّ على أنهم لا يَقْرَؤُونَ. فَكَأَنَّ حملَ الأمانيِّ على القراءةِ فيه شِبْهُ مناقضةٍ مع قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
الوجهُ الثاني في الآيةِ الكريمةِ: أن الاستثناءَ منقطعٌ، وأن (الأمانيَّ) جمعُ (أُمْنِيَةٍ) وهي الأمنيةُ المعروفةُ، وهي أن يتمنَّى الإنسانُ حصولَ ما ليس بحاصلٍ. وعلى هذا القولِ فتقريرُ المعنى: لا يعلمونَ الكتابَ، لكن يتمنونَ أمانيَّ باطلةً صادرةً عن جهلٍ لا مبدأَ لها من عِلْمٍ، كأن يقولوا: ما عليه محمدٌ وأصحابُه ليس بِحَقٍّ، و ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: الآية ١٨]، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَاّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: الآية ١٣٥]، والدليلُ على أن هذا من أمانيهم الباطلةِ وأن خيرَ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ: قولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَاّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: الآية ١١١] فصرحَ (جل وعلا) بأن أمانيهم من هذا القبيلِ، كما قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيةَ ... [النساء: آية ١٢٣] وهذانِ الوجهانِ في قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ﴾.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ﴾ (إنْ) هي النافيةُ. والمعنى: ما هم إلا يظنونَ، يسمعونَ عندَ علمائِهم قولاً فيقولونه تقليدًا وَظَنًّا وَجَهْلاً.
والظنُّ قد قَدَّمْنَا أنه يُطْلَقُ إطلاقين (١): يطلقُ على الشكِّ. وهو
стр. 164
المرادُ هنا، وهو المرادُ في قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: آية ٣٦] وقولِ النبيِّ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» (١). ومنه قولُه عن الكفارِ: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجائية: آية ٣٢] واصطلاحُ الأُصُولِيِّينَ: أن الظنَّ لا يُطْلَقُ على الشكِّ؛ لأن الشكَّ نصفُ الاعتقادِ. والظنُّ عندهم جُلُّ الاعتقادِ، وما بَقِيَ عن الظنِّ من الاعتقادِ يُسَمُّونَهُ وَهْمًا، هذا اصطلاحٌ أُصُولِيٌّ (٢).
أما أهلُ اللغةِ العربيةِ فإنهم يُطْلِقُونَ اسمَ الظنِّ على الشكِّ.
قولُه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: الآية ٧٩]، (ويلٌ): كلمةُ عذابٍ، وهو مصدرٌ لا فعلَ له من لفظِه، معناه: هلاكٌ عظيمٌ هائلٌ كائنٌ لهم (٣).
وقال بعضُ العلماءِ: (ويلٌ): وَادٍ فِي جهنمَ تَسْتَعِيذُ جَهَنَّمُ مِنْ حَرِّهِ.
ولو فَرَضْنَا صحَّةَ هذا القولِ لكانَ راجعًا إلى الأولِ.
стр. 165
ولفظةُ (ويل) تتعدَّى باللامِ؛ وَلِذَا عَدَّاهُ بقولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ وهو مبتدأٌ خبرُه جملةُ: (للذين)، وإنما سَوَّغ الابتداء بهذه النكرةِ لأنها مُشَمَّةٌ معنى الدعاءِ، وقد تقررَ في علمِ العربيةِ: أن النكرةَ إذا كانت مُشَمَّةً معنى الدعاءِ بخيرٍ أو بِشَرٍّ كان ذلك مُسَوِّغًا للابتداءِ بها (١)، ومثالُه في الدعاءِ بالخيرِ: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: آية ٦٩] (سلامٌ عليكم) مبتدأٌ، سَوَّغَ الابتداءَ به أنه في معرضِ الدعاءِ، والدعاءُ بالشرِّ كقولِه هنا: ﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: هلاكٌ عظيمٌ لا خلاصَ منه للذين يكتبونَ الكتابَ بأيديهم ثم يقولونَ هذا من عندِ اللَّهِ، فهؤلاء اليهودُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - كانوا يأخذونَ أوراقًا وقراطيسَ ينقلونَ فيها من التوراةِ، يقولون مثلاً: في المحلِّ الفلانيِّ من التوراةِ كذا وكذا وكذا، ويكتبونَ أمورًا باطلةً ليست في كتابِ اللَّهِ، كما يأتي في قولِه: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: آية ٩١] وهذا
الذي يكتبونه بأيديهم في هذه القراطيسِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ على اللَّهِ (جل وعلا). وهذا الاختلاقُ والتحريفُ إنما فَعَلُوهُ ليتعوضوا به عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا؛ ذلك أنهم لو أَخْبَرُوا بالواقعِ لآمَنَ كُلُّ الناسِ، وصارُوا تِبَعًا لا مَتْبُوعِينَ، وَضَاعَتْ عليهم رئاسةُ الدِّينِ، والأموالُ التي يأخذونَها عن طريقِ الرئاسةِ الدينيةِ، فَصَارُوا يكتبونَ أمورًا محرَّفَةً مزورةً، منها تغييرُ صفاتِ النبيِّ ﷺ ، وغيرُ ذلك. فقال اللَّهُ فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يكتبونَ الكتابَ في تلك القراطيسِ بأيديهم.
وقولُه: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا نوعٌ من التأكيدِ جَرَى على ألسنةِ
стр. 166
العربِ، فنزلَ به القرآنُ؛ لأنه بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ (١). نحو: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ٣٨]، ومعلومٌ أنه لا يطيرُ إلا بِجَنَاحَيْهِ. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: آية ١٦٧] ومعروفٌ أنهم إنما يقولونَ بِأَفْوَاهِهِمْ. ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٢) (ثم) هذه - كمان (٣) - تدلُّ على الاستبعادِ؛ لأن الكتابَ إذا كان مُخْتَلَقًا على اللَّهِ يبعُد كُلَّ البعدِ أن يقولَ الإنسانُ إنه من عِنْدِ اللَّهِ.
ثم بيَّن عِلَّةَ افترائِهم وتزويرِهم ودعواهم أن الكتابَ من عِنْدِ اللَّهِ، وهو ليس من عِنْدِ اللَّهِ، بَيَّنَ عِلَّةَ ذلك وعِلَّتَهُ الغائيةَ المقصودةَ عندهم بقولِه: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الاشتراءُ في لغةِ العربِ: الاستبدالُ، فَكُلُّ شيءٍ اسْتَبْدَلْتَهُ بشيء فقد اشْتَرَيْتَهُ، ومن هذا المعنى قولُ علقمةَ بنِ
عَبَدَةَ التميميِّ (٤):
وَالْحَمْدُ لَا يُشتَرَى إِلَاّ لَهُ ثَمَنٌ ... مِمَّا تَضِنُّ بِهِ النُّفُوسُ مَعْلُومُ (٥)
стр. 167
وقولُ الراجزِ (١):
بَدَّلْتُ (٢) بِالْجُمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرَا وَبِالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا (٣)
.................... (٤) كَمَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ إِذْ تَنَصَّرَا
أي: كما اسْتَبْدَلَ.
و (الثمنُ) تُطْلِقُهُ العربُ على كُلِّ عِوَضٍ مبذولٍ في شيءٍ تُسَمِّيهِ العربُ ثَمَنًا، ومنه بيتُ علقمةَ المذكورُ آنِفًا في قولِه:
وَالْحَمْدُ لَا يُشْتَرَى إِلَاّ لَهُ ثَمَنٌ ............................
وقولُ عمرَ بنِ أَبِي ربيعةَ (٥):
إِنْ كُنْتَ حَاوَلْتَ دُنْيَا أَوْ أَقَمْتَ لَهَا مَاذَا أَخَذْتَ بِتَرْكِ الْحَمْدِ مِنْ ثَمَنِ
ومعنى الآيةِ الكريمةِ: أنهم يُغَيِّرُونَ كلامَ اللَّهِ، ويكتبونَ على اللَّهِ ما لم يَقُلْ، ويقولونَ: إنه من عِنْدِ اللَّهِ، وما هو من عند اللَّهِ، ويقولون على اللَّهِ الكذبَ وهم يعلمونَ؛ لأجلِ أن يَعْتَاضُوا بذلك ثَمَنًا قليلاً من عرضِ الدنيا، وهو ما يَنَالُونَهُ من المالِ على رئاستِهم الدينيةِ.
стр. 168
ثم إن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هلاكٌ عظيمٌ لا خلاصَ منه كائنٌ لهم، مبدؤُه وسببُه مما كَتَبَتْ أيديهم مُزَوَّرًا على اللَّهِ أنه من عندِ اللَّهِ وليس من عندِ اللَّهِ ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الرُّشا والأموالِ عِوَضًا عن ذلك التزويرِ والافتراءِ على رَبِّ السماواتِ والأرضِ، وهذا غايةُ التهديدِ والوعيدِ العظيمِ حيث قال: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: وَتَقَوَّلُوهُ على اللَّهِ كَذِبًا ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من المالِ عِوَضًا عن ذلك، وهذا معنى قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
•••
وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ قرأه عامةُ القراءِ ما عدا نافعًا والكسائيَّ: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بصيغةِ (التفعيلِ). وقرأه نافعٌ والكسائيُّ من بين القُراءِ ﴿فإنهم لا يُكْذِبُونَك﴾ بصيغةِ (الإفعالِ) لا بصيغةِ (التفعيلِ) (١).
وَسَبَبُ نزولِ هذه الآيةِ كما ثبتَ عن عَلِيٍّ ﵁ أن الكفارَ - كفارَ مكةَ - كَأَبِي جهلٍ ونظرائِه قالوا للنبيِّ ﷺ : نحنُ لَا نُكَذِّبُكَ، ونعلمُ أنك صادقٌ أمينٌ، ولكن هذا الذي جئتَ به هو الذي نُكَذِّبُهُ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٢).
стр. 171
و (قد) في قولِه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ هي للتحقيقِ (١)، أي: لتحقيقِ عِلْمِ اللَّهِ جل وعلا.
وما جاءَ على ألسنةِ علماءِ العربيةِ (٢) من أن (قد) إذا دَخَلَتْ على المضارعِ أنها تكونُ للتقليلِ، وأنها تارةً تكونُ للتكثيرِ كـ «رُبَّمَا»، وَاسْتَدَلُّوا بأنها تكونُ تارةً للتكثيرِ بقولِ الشاعرِ (٣):
قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفُرْصَادِ
وقول الآخَرِ (٤):
أَخِي ثِقَةٍ لَا تُتْلِفُ الْخَمْرُ مَالَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُتْلِفُ الْمَالَ نَائِلُهْ
قالوا: «قد يُتلفُ المالَ» أي يَكثُر مِنْ نَائِلِهِ إتلافُ المالِ، وكذلك يَكْثُرُ في هذا المفتخرِ بقتلِ الأقرانِ: قتلُ الأقرانِ. كُلُّ هذا خلافُ التحقيقِ في هذه الآيةِ؛ لأن (قد) فيها للتحقيقِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ مُحَقِّقًا لهم أن عِلْمَهُ مُحيطٌ بما ذَكَرَ أنه يَعْلَمُهُ، وهو كثيرٌ في
стр. 172
القرآنِ، كقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: آية ١٨] ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: آية ١٤٤] , ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر: آية ٩٧] كُلُّ هذه الآياتِ (قد) فيها قَبْلَ الفعلِ المضارعِ للتحقيقِ كما هُنَا.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ﴾ الضميرُ في قولِه: «إنه» هو ضميرُ الشَّأْنِ (١) ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ﴾ أي الأمرُ والشأنُ، واللَّه ﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
وهذا الذي يقولونه، الذي يَحْزُنُهُ، أَشَارَتْ له آياتٌ أُخَرُ، كما بَيَّنَ تعالى أن هذا الذي يقولونَه له يُحْزِنُهُ، وأنه يَضِيقُ به صدرُه كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: آية ٩٧] وَبَيَّنَ في سورةِ هود أن هذا الذي يضيقُ صدرُه مما يقولونَ له إنه مِنْ نوعِ التكذيبِ والتعنتِ كما قال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: آية ١٢] يعني: ضائقٌ صَدْرُكَ؛ لأَجْلِ أن يقولوا تَكْذِيبًا وَتَعَنُّتًا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ.
وقال بعضُ العلماءِ (٢): هذا الذي يحزنه من كلامِهم قولُهم له: «أَنْتَ شَاعِرٌ، سَاحِرٌ، كَاهِنٌ، هذا الذي جئتَ به أساطيرُ الأَوَّلِينَ، لا نقبلُ دِينَكَ»، هذا التكذيبُ وَنِسْبَتُهُ إلى أنه ساحرٌ، مجنونٌ، كاهنٌ، هذا الذي يُؤْذِيهِ وَيَضِيقُ به صدرُه، ويحزنه. وقد بَيَّنَ له اللَّهُ (جل وعلا) في آخِرِ سورةِ الْحِجْرِ علاجَ هذا الداءِ من هذا الذي يقولونَ له فَيُحْزِنُهُ، وَبَيَّنَ له أنه إذا أَحْزَنَهُ ذلك القولُ الذي يقولون أنه يُبَادِرُ إلى
стр. 173
الصلاةِ؛ فإن الصلاةَ يُعِينُهُ اللَّهُ بها وَيُذْهِبُ عنه ذلك الحُزنَ، كما قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: آية ٤٥].
وقال له في آخِرِ سورةِ الْحِجْرِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: آية ٩٧] فَرَتَّبَ على ضِيقِ صَدْرِهِ بما يقولون - بالفاءِ - قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: آية ٩٨].
عرفنا أن هذا التسبيحَ والصلاةَ والإنابةَ إلى اللَّهِ هو دواءُ ذلك الحزنِ والأَذَى الذي يَنَالُهُ منهم؛ ولذا كان ﷺ كما في حديثِ نعيمِ بنِ عمارٍ كان - إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إلى الصلاةِ (١)، صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه، كما دَلَّ على ذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ﴾ [الحجر: الآيتان ٩٧، ٩٨] أي فَدَوَاءُ ذلك هو ما أَمَرَكَ رَبُّكَ به بقولِه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وقال هنا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ هذا الذي يقولونَه لكَ نحن نعلمُ أنه يحزنك، أي: يُورِثُكَ الحزنَ لِمَا يَلْقَوْنَكَ به من التكذيبِ، ونسبتِهم إياك إلى السحرِ والشعرِ والكهانةِ والجنونِ هذا يؤذيه ﷺ ، فيضيقُ به صدرُه، وَمِنْ أَشَدِّ ما يؤذيه: امتناعُهم من الإيمانِ؛ لأنه صلواتُ الله وسلامُه عليه مجبولٌ على الشفقةِ، وقد وصفَه اللَّهُ بالرأفةِ والرحمةِ بالمؤمنين في قولِه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: آية ١٢٨] فمعنَى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي يعزُّ عليه وَيَعْظُمُ وَيَكْبُرُ عليه كُلُّ ما يصيبكم منه العنت، وهو المشقةُ والأذى (٢) ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾
стр. 174
إلى أن قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ كان إذا امْتَنَعُوا من الإيمانِ أَسِفَ وَحَزِنَ حُزْنًا شديدًا، كما قال له اللَّهُ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: آية ٣] أي: لأجلِ أن لا يكونوا مؤمنين. و (الباخع) معناه: المهلكُ (١)،
أي: فلعلك مهلكُ نفسك أَسَفًا لأجلِ أنهم لم يؤمنوا ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: آية ٦] أي حُزْنًا شديدًا عليهم ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: آية ٨] ونحو ذلك من الآيات (٢)؛ وَلِذَا قال له اللَّهُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ موصولٌ، وجملةُ الموصولِ ﴿يَقُولُونَ﴾ والضميرُ العائدُ إلى الصلةِ محذوفٌ؛ لأنه منصوبٌ بفعلٍ، وتقديرُه: (قد نعلمُ إنه ليحزنكَ الذي يقولونَه) فالهاءُ المحذوفةُ التي في محلِّ المفعولِ هي الرابطُ بين الصلةِ والموصولِ.
ثم إن الله قال لِنَبِيِّهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. ﴿فإنهم لَا يُكْذِبونَكَ﴾ (٣) قال بعضُ العلماءِ: معنى الْقِرَاءَتَيْنِ واحدٌ (٤)، والعربُ تُعَدِّي الثلاثيَّ بالتضعيفِ كما تُعَدِّيهِ بالهمزةِ؛ كما يقال: «كثَّرت الشيءَ» و «أَكْثَرْتُهُ». وجماهيرُ العلماءِ على أن بَيْنَهُمَا في المعنى فَرْقًا (٥)، أن معنَى (كذَّب) ليس معنى (أَكْذَبَ)، والمقررُ في علومِ القراءاتِ: أن القراءتين حُكْمُهُمَا حكمُ الآيتين المختلفتين، فَكُلٌّ
стр. 175
منهما تفيدُ ما تَضَمَّنَتْهُ من الأحكامِ والمعاني (١). أما على قراءةِ الجمهورِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فالتحقيقُ أن المعنى: أن الكفارَ لا يُكذبونك.
وَاعْلَمْ أنه معروفٌ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ أن الفعلَ يُسْنَدُ إلى المجموعِ والمرادُ بعضُ المجموعِ لا جميعهم (٢)، وَمِمَّا يوضحُ هذا المعنى غايةَ الإيضاحِ من القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (٣): ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٩١] بصيغةِ (القَتْل) في الفعلين؛ لأنه لا يُعْقَلُ أن الذي قُتِلَ بالفعلِ يُؤْمَرُ بقتلِ قاتلِه، وَلَكِنَّ المعنى: فإن قتلوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الذي لم يُقْتَلْ (٤). وهذا أسلوبٌ معروفٌ في القرآنِ وفي غيرِه. وإذا عرفتَ هذا فَاعْلَمْ أن بعضَ الكفارِ عَلِمُوا صدقَ النبيِّ ﷺ في الباطنِ، وقلوبُهم مُوقِنَةٌ أنه صَادِقٌ (٥)، كما قال أبو جهل - لَعَنَهُ اللَّهُ - لَمَّا قال له الأخنسُ بنُ شُريق قال له: أنا وأنتَ في خلوةٍ، ليس معنا أحدٌ من قريشٍ، فَأَخْبِرْنِي عن صحةِ ما يقولُه محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه). فقال له أبو جهلٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأعلمُ أنه صادقٌ، وأنه نَبِيٌّ، وَوَاللَّهِ ما كذبَ محمدٌ قطُّ ولا يكذبُ، ولكن كنا نحن وَبَنُو هاشمٍ فَرَسَيْ رِهَانٍ، طعِموا فَأَطْعَمْنَا، وفعلوا
стр. 176
ففعلنا، واليومَ يقولون: مِنَّا نبيٌّ! فَمَنْ لنا بهذه؟ وَاللَّهِ لا نعترفُ بنبوتِه أبدًا (١)!!
ولا شكَّ أن هنالك قومًا من الجهلةِ يسمعونَ كلامَ الرؤساءِ فَيَظُنُّونَ أنه كاذبٌ، ويعتقدون كذبَه. إذا عرفتُم هذا فقولُه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ راجعٌ إلى الذين عَلِمُوا صِدْقَهُ. وكثيرٌ من عقلائِهم عَالِمٌ في قرارةِ نفسِه أن النبيَّ ﷺ نَبِيٌّ، وأنه رسولٌ، وهم يَجْحَدُونَ ذلك ظُلْمًا. وعليه فالمعنَى: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في الحقيقةِ، فيما بينهم وبينَ أنفسهم، ولكن الظالمين يَجْحَدُونَ آياتِ اللَّهِ التي أُنْزِلَتْ عليه، فلم يعترفوا بأنها من اللَّهِ، كما قال له أبو جهلٍ: أنتَ عندنا صادقٌ، ولا نُكَذِّبُكَ، ولكن نُكَذِّبُ هذا الذي جئتَ به (٢).
أما على قراءةِ: ﴿فإنهم لا يُكْذِبُونَك﴾ فـ (أَكْذَبَ) بصيغةِ (الإفعالِ) تفترقُ مع (كذَّب) بمعنيين (٣):
أحدُهما: أن الفرقَ بينَ (كذَّب) و (أَكْذَبَ): أنكَ إذا كَذَّبْتَ إِنْسَانًا، معناه قلتَ له: كَذَبْتَ، وَنَسَبْتَهُ إلى افتراءِ الكذبِ. وإذا قيلَ: أَكْذَبَ إنسانٌ إنسانًا، معناه: أن كلامَه يعتقدُ أنه كَذِبٌ، ولا يُنْسَبُ ذلك الإنسانُ إلى الكذبِ، بل يقولُ: لعله أَخْطَأَ، أو نَسِيَ، أو سَهَا وهو لا يقصدُ الكذبَ أو تَخَيَّلُ له غيرُ الْحَقِّ. فمعنى «أَكْذَبَ» على هذا: أنه لا يتعمدُ الكذبَ، وأنه
стр. 177
لا يُنْسَبُ إلى الاختلاقِ والافتراءِ، ولكن القولَ الذي جاء به غيرُ مُطَابِقٍ لِلْحَقِّ.
الوجهُ الثاني في قراءةِ ﴿يُكْذِبُونَك﴾: - وهو الذي عليه الأكثرُ -: أنه تقررَ في فَنِّ التصريفِ أن من معانِي «أَفْعَلَ» إذا قلتَ: أَفْعَلتُ الرجلَ، إذا وجدتَه كذا، تقول: أَحْمَدتُهُ إذا وجدتَه حَمِيدًا، وأَبْخَلْتُه إذا وجدتَه في نفسِ الأمرِ بَخِيلاً، وأَكْذَبْتُه إذا وجدتَه في نفسِ الأمرِ كَاذِبًا، وعلى هذه القراءةِ: إن ظَنَّتْ نفوسُهم أَنَّكَ كاذبٌ، وَكَذَّبُوكَ، وقالوا: إنك كاذبٌ ساحرٌ كاهنٌ فإنهم لا يصادفونك في نفسِ الأمرِ كاذبًا، فأنتَ على حَقٍّ فيما بينَك وبينَ اللَّهِ، فَهَوِّنْ عليكَ، ولا تَثْقُلْ عَلَيْكَ افْتِرَاءَاتُهُمْ.
هذان الوجهانِ من التفسيرِ في قراءةِ ﴿يُكْذِبُونَك﴾ وقد قَدَّمْنَا معنَى ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قد قَدَّمْنَا معنَى الظلمِ (١).
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي الشرعيةِ الدينيةِ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أي يَجْحَدُونَهَا وَيُنْكِرُونَ أنها حَقٌّ.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: آية ٣٤].
هذه الآيةُ تَسْلِيَةٌ للنبيِّ ﷺ وتهوينٌ عليه؛ لأنكَ إذا وجدتَ إنسانًا وَقَعَ في مصيبةٍ وَبَلِيَّةٍ وقلتَ له: هذه المصيبةُ التي نَزَلَتْ بكَ قد نَزَلَتْ بإخوانٍ لكَ كرامٍ أفاضلَ، وَصَبَرُوا عليها، وكان لهم في عاقبةِ
стр. 178
الأمرِ الظفرُ والنجاحُ والعاقبةُ المحمودةُ؛ فإن هذا يُهَوِّنُ ويُسهِّلُ المصيبةَ على ذلك الْمُبْتَلَى. وقد نَصَّ اللَّهُ في أخرياتِ سورةِ هود على أنه يَقُصُّ على النبيِّ أخبارَ الرسلِ؛ لِيُهَوِّنَ عليه وَيُثَبِّتَ قلبَه، وذلك في قوله: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: آية ١٢٠] يقولُ له: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: آية ٤٣] هذا الذي لَقِيَكَ به قومُكَ لقي الرسل من قِبَل قومهم بمثلِه وأشدَّ، فَاصْبِرْ كما صَبَرُوا، فستكونُ لكَ العاقبةُ الحميدةُ كما كانت لهم. وفي هذا أعظمُ بشارةٍ وأكرمُ تسليةٍ له ﷺ . واللامُ في (لقد) موطئةُ قسمٍ محذوفٍ. وَاللَّهِ لقد كُذِّبَتْ رسلٌ من قبلك، هؤلاء الرسلُ الذين كُذبوا من قبلك منهم مَنْ جاءَ مُفَصَّلاً في هذا القرآنِ العظيمِ، كقولِ قومِ نوحٍ لنوحٍ: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَاّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: آية ٢٧] وقولُهم له: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: آية ٣٢]، وقد سَخِرُوا منه كما قال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ [هود: آية ٣٨]، والمفسرون يقولون (١): سُخْرِيَتُهُمْ منه التي ذَكَرَهَا اللَّهُ أنه لَمَّا أرادَ أن يصنعَ السفينةَ [وَتَعَلَّمَ] (٢) النجارةَ صَارُوا يضحكون، ويقولون: بعدَ أن كنتَ نَبِيًّا صِرْتَ [نَجَّارًا، وهكذا عادٌ قالوا لهودٍ، وثمودُ] (٣)
قالوا لصالحٍ!! قالوا لنبيِّ اللَّهِ هود: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: آية ٥٣]، وقالوا لِصَالِحٍ: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: آية ٦٢] يعني: وَأَمَّا إذا
стр. 179
ادَّعَيْتَ النبوةَ، ودعوتَ إلى عبادةِ اللَّهِ فلا رجاءَ لنا فيكَ. وهذا جاءَ مُفَصَّلاً عن الرسلِ في القرآنِ العظيمِ، كتكذيبِهم لنوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ، وتكذيبِ فرعونَ وقومِه لموسى وهارونَ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك، وهنالك رُسُلٌ لم تُقَصَّ عليه أخبارُهم، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ النساءِ (١)، وفي سورةِ المؤمنِ: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: آية ٧٨].
وإنما قال: ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ بتاءِ التأنيثِ لِمَا تقررَ في علمِ العربيةِ: أن ثلاثةً من الجموعِ - أعني الجمعَ المُكَسَّرَ مذكرًا كان أو مؤنثًا، والجمعَ السالمَ المؤنثَ، كُلُّهَا تجري مجرَى الواحدةِ المؤنثةِ مجازيةِ التأنيثِ (٢)؛ ولذلك أُنِّثَ الفعلُ هنا وقيل فيه: ﴿كُذِّبَتْ﴾ وأُنثت الإشارةُ إليه لهذا كما قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] ونحو ذلك ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ﴾ حُذِفَ الفاعلُ هنا وأنابَ المفعولُ به منابَه؛ لأنه يُوَضِّحُهُ. أي كذبهم قومُهم فصبروا على ذلك التكذيبِ والأَذَى.
﴿فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ (ما) هنا مصدريةٌ. فصبروا على التكذيبِ.
وقولُه: ﴿وَأُوذُوا﴾ فيما يُعْطَفُ عليه وجهانِ (٣): أظهرُهما أنه معطوفٌ على: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ أي: فصبروا على التكذيبِ، وعلى الإيذاءِ الذي يَنَالُهُمْ من قومِهم، حتى جاءهم نصرُنا.
стр. 180
وعلى هذا فقولُه: ﴿وَأُوذُوا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿كُذِّبُوا﴾ فصبروا على ما كُذبوا، وصبروا على ما أُوذوا. و (ما) مصدريةٌ، أي: صَبَرُوا على التكذيبِ والإيذاءِ حتى جاءهم نصرُنا، وهنالك قومٌ قالوا: الإيذاءُ لم يتقدم له ذِكْرٌ حتى يكونَ الصبرُ عليه مذكورًا؛ ولذا قالوا: ﴿وَأُوذُوا﴾ عُطِفَ على قولِه: ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: لقد كُذِّبَ الرسلُ وَأُوذُوا فصبروا على ذلك.
وقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: أن اللَّهَ من كلماتِه (جل وعلا) نصرُه لِرُسُلِهِ، وأن العاقبةَ الحميدةَ كائنةٌ لهم (١)، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: الآيات ١٧١ - ١٧٣] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: آية ٢١] وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: آية ٥١] مثل هذه الكلماتِ من الوعدِ الصادقِ بنصرِ الرسلِ، وأن العاقبةَ لهم، كما قال عن مجموعِ الرسلِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: الآيتان ١٣، ١٤] هذه الكلماتُ - وغيرُها من سائرِ كلماتِ اللَّهِ التي لَا نهايةَ لها كما قال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: آية ١٠٩]- لا مُبَدِّلَ لها. والمعنى قال اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: الآيات ١٧١ - ١٧٣]، فليس يمكنُ لأحدٍ أن يُبَدِّلَ هذا الخبرَ ويجعلَ إيجابَه سَلْبًا، فيجعلَ الرسلَ مَقْهُورِينَ غيرَ منصورين، لا أبدًا، وَقِسْ على ذلك.