← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مجيء الرسل بما كذبت أرواحهم ليلة طلب الإيمان منهم كالذر، وهذا قال به جماعة من أهل العلم، ولا يخلو من بُعد، إلى غير ذلك من أوجه التفسير في الآية. والذي يظهر لنا صوابه لدلالة القرينة هنا عليه، والآيات القرآنية عليه: هو أن معنى هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف هو الذي قدمناه موضحًا في سورة الأنعام، وإيضاح ذلك: أن الله إذا أرسل الرسل إلى خلقه قام المُتَنَطِّعون الكفرة فبادروا إلى الكفر وتكذيب الرسل، والمبادرة إلى ذلك التكذيب يكون ذنبًا عظيمًا يمنعهم الله بسببه أن يؤمنوا بعد ذلك، فيزيغ قلوبهم ويطبع عليها ويختم، ويبعدهم عن الخير نتيجة لمسارعتهم إلى ذلك الشر. وإنما قلنا: إن هذا الوجه هو أظهر الأوجه لدلالة القرآن عليه لأمرين: أحدهما: القرينة المقترنة به هنا، وهو أنه قال: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: لأن الله طبع على قلوبهم بسبب تكذيبهم السابق؛ ولذا قال بعده مقترنًا به: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] كذلك الطبع الذي منعهم من أن يؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك الطبع يطبع الله على قلوب الكافرين، وقد صرح (جل وعلا) في آيات من كتابه أن هذا الطبع يقع بسبب كفر سابق كما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: آية ٣] فبين أن الطبع بسبب كفر سبقه. وكذلك قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: آية ١٥٥] ومن أوضح ما يوضح هذا المعنى آية الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام:

стр. 1857

آية ١١٠] على أظهر التفسيرات، أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالطبع والختم والغشاوة عليها وإزاغتها عن الحق ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما أنهم سارعوا إلى الكفر أول مرة عاقبناهم بعدم الهدى -والعياذ بالله - كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: آية ٥]، ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: آية ١٠] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: آية ١٢٥] ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: آية ٨٢] ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: آية ٦٤] وهذا معنى قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] أي: كذلك الطبع الذي طبع الله على قلوب هؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم يطبع الله على قلوب الكافرين طبعًا مانعًا لهم من الإيمان لتكذيبهم السابق ومبادرتهم إلى الكفر والعياذ بالله. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: آية ١٠٢]. (ما): نافية. وصيغة الجمع في (وجدنا) للتعظيم، و (وجد) هنا علمية. والمعنى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا﴾ ما علمنا. ومعلوم أن (وجد) في اللغة من أخوات (عَلِمَ) وهذا أظهر الأقول فيها هنا (١). ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم﴾ أي: لأكثر الأمم السابقة. وقال بعض العلماء: لأكثر الخلق ما وجدنا لهم ﴿مِّنْ عَهْدٍ﴾ (مِنْ) دخلت على المفعول به، فالأصل: ما وجدنا لهم عهدًا. ولكن (من) إذا دخلت على النكرة في

стр. 1858

سياق النفي نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم (١). والعهد: هو ما تجب المحافظة عليه والوفاء به. والأصل: ما وجدنا لأكثرهم عهدًا. ويُفهم من قوله: ﴿لأَكْثَرِهِم﴾ أن هنالك عددًا قليلاً لهم عهد. وهذا هو ظاهر الآية؛ لأن الذين هم الأكثر لا عهد لهم. ثم قال: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (إن) هذه وهذه (اللام) فيها خلاف معروف بين البصريين والكوفيين، المذهب المشهور عند علماء العربية وهو مذهب البصريين أن (إن) مخففة من الثقيلة، وأنها مهملة، وأن (اللام) فارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة، وبين (إن) النافية، ولا يكاد هذا يوجد إلا مع الفعل الناسخ كما هنا؛ لأن (وجد) كـ (علم) وغيرها من أفعال القلوب. ومذهب الكوفيين يقولون: إن (إن) نافية، و (اللام) بمعنى (إلا). وهو غريب. والمعنى عندهم: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين. والناس على ارتضاء مذهب البصريين دون مذهب الكوفيين في هذه (٢). وقوله: ﴿مَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢] بيّن الله في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا عهد لهم - والعياذ بالله - لأن من لا عهد له لا خير فيه؛ لأن كل التكاليف عهود. ومن لا يفي بعهد لا يطيع الله في شيء، وقد جاءت آيات قرآنية كثيرة تبين

стр. 1859

أن أكثر الخلق لا خير فيهم كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: آية ٥٩] ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: آية ١٠٠] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: آية ١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: آية ٨] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصافات: آية ٧١] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن نصيب الجنة مِنَ الألْفِ وَاحِد، وأن نصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة. ولما شق ذلك على أصحابه ﷺ أخبرهم بكثرة الكفار، وأنه يمكن أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهذا يدل على أن أكثر الخلق ضُلال (١) ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: آية ١١٦] وأهل الهدى قلة، وهذا قضاء الله وقدره في الجميع. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [لأعراف: آية ١٠٢]. هذه الآية فيها سؤال معروف: وهو أن يقال: إن أكثر الكفار لهم عهد، ولكن لا يوفون بهذا العهد، والعهد على قسمين: عهد مُوفى به، وعهد يُنقض، والمذموم هو العهد الذي يُنقض به، والممدوح هو الذي يُوفى به، فبعض العلماء يقول (٢): إن معنى ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أن الذي ينقض العهد تقول العرب: لا عهد له. فالذي لا وفاء له كأنه لا عهد له؛ ولذا قال:

стр. 1860

﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ وهذا لا يتعين، وقد يظهر للناظر في الآية أن فيها حذف الصفة، وهو في نظري أقرب مما يذكرون، أن فيها حذف الصفة؛ لأن حذف الصفة إذا دل المقام عليها أسلوب معروف واضح في القرآن العظيم وفي غيره لا لبس فيه. وعلى هذا فالمعنى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢]. أي: ما وجدنا لهم من عهد مُوفى به. أي: ما وجدنا لهم من عهد يحصل فيه الوفاء خاصة، أما العهد المنقوض فقد يُوجد لكل من الفجرة. وهذا الوجه ظاهر لا خفاء به، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: آية ٧٩] والمعنى: يأخذ كل سفينة صحيحة صالحة؛ لأنه لو كان يأخذ السفينة التي خُرقت لما كان خرق الخضر لتلك السفينة فيه فائدة؛ لأن الخضر صرح بأنه خرقها لِتَتَعَيَّب بذلك الخرق، ويكون ذلك سببًا لسلامتها من غصب ذلك الملك لها؛ ولذا قال: ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ وظاهره يعم المخروقة وغيرها، فالصفة محذوفة دلّ المقام عليها. ونظيره قوله: ﴿وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلَاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء: آية ٥٨] يعني: من قرية ظالمة، بدليل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: آية ٥٩] وحذف النعت موجود في كلام العرب بكثرة، وإن قال ابن مالك في خلاصته: إنه يقل (١). فهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في كلامهم: قول المرقَّش الأكبر (٢):

стр. 1861

ورُبَّ أسيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَة لها فَرْعٌ وَجِيدُ فقول المرقش الأكبر: (لها فرع وجيد) يعني: لها فرع فاحم وجيد طويل. فحذف الصفة لدلالة المقام عليها. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (١): مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ، وَمْنْ فِعْلُهُ ... فِعْلٌ، وَمَنْ نائِلُهُ نَائِلُ يعني: من قوله قول فصل، ومن فعله فعل جميل، ومن نائله نائل جزل. فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، ومن هذا القبيل قول الآخر (٢): أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ توقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا يعني: كل امرىءٍ تحسبينه امرأً طَيِّبًا له شأن، وكل نار تحسبينها نارًا. يعني: نارًا موقدةً للقِرى. فحذف الأوصاف لدلالة المقام عليها كما هو معلوم في محله. قوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢] (إن) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنه، أي: الأمر والشأن وَجَدْنَا أكْثَرَ النَّاسِ لفاسقين. (اللام) هي الفارقة على التحقيق بين المخَفَّفَة من الثقيلة والنافية، كما هو معروف في محله. والفاسقون: جمع تصحيح للفاسق، والفسق في لغة العرب: الخروج، فكل من خرج عن الطريق فقد فسق، ومنه قول الراجز (٣):

стр. 1862

يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غَائِرا ... فَوَاسِقًا عن قَصْدِهَا جَوَائِرا أي: خوارج عن قصدها الذي تَمْشِي عَلَيْهِ. هذا أصل الفسق في لغة العرب (١)، ومنه قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ؛ أيْ: خرجت. وهو في اصطلاحِ الشرع: الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] أي: خرج عن طاعة ربه والخروج عن طاعة الله قد يكون أعظم أنواع الخروج وهو الكفر، وقد يكون خروجًا دون خروج وهو المعاصي، ومن هنا أُطلق في القرآن الفسق على الكفر والمعاصي، فمن إطلاقه على الكفر قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] ومن إطلاقه على المعاصي دون الكفر: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢]. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ [الأعراف: آية ١٠٣]. معلوم أن (ثم) حرف عطف مع الترتيب والانفصال، و ﴿بَعَثْنَا﴾ معناه: أرسلنا. وصيغة الجمع للتعظيم ﴿مِن بَعْدِهِم مُّوسَى﴾ من بعدهم أي: من بعد الرسل المذكورين في هذه السورة، وهم: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ﴿بَعَثْنَا﴾ من بعد هؤلاء نبينا موسى، بعثناه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ وهي الآيات التسع والمعجزات التي جاء بها فرعونَ، كاليد البيضاء، والعصا الآتية في هذه السورة، وبعض الآيات المذكورة في سورة الأعراف كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 1863

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٠٣] الملأ (١): أشراف الجماعة من الذكور. و (فرعون) هو ملك مصر. يقولون: إن كل من ملَكَ مصر يُسمى (فرعون) كما هو معروف من تسمية (كسرى) و (قيصر) لكل من مَلَك ذلك المحل المعروف، وبعض العلماء يقول: (فرعون) لفظ عربي من تَفْرَعَن الرجل إذا كان ذا مكر ودهاء، وعلى تقدير أن (فرعون) لفظ عربي فوزنه: (فِعْلَول) باللام لا (فِعْلَون) بالنون. وبعضهم يقول: هو اسم أعجمي، وهو الأظهر؛ لأنه لو كان عربيًّا لما مُنع من الصرف؛ لأن هذا الوزن إذا كان عربيًّا قد لا يُمنع من الصرف (٢). وفرعون المذكور هنا هو ملك مصر الذي جاءه موسى وأُرسل إليه، وقصَّ الله من خبره ما قص، والمؤرخون والمفسرون بعضهم يقول: اسمه: (طالوس)، وبعضهم يقول اسمه: الوليد بن مصعب بن الريان كما هو معروف في تاريخه. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: أشراف جماعته ﴿بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٠٣] أي: بمعجزاتنا التي جاء بها موسى. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٣) أن المحققين من علماء العربية يقولون: إن أصل الآية (أَيَيَة) فوزنها (فَعَلَة) وفاؤها همزة، وعينها ولامها كلاهما ياء (أَيَيَة) وقد اجتمع فيها موجبا إعلال؛ لأن العين واللام كلتاهما ياء مفتوحة قبلها فتحة أصلية. فالإعلال تكرر

стр. 1864

مُوجبه هنا، وقد عُرف في فن الصرف أن الإعلال إذا تَكَرَّرَ موجبه يكون الإعلال غالبًا في الأخير. وهنا خولف الأغلب، وصار الإعلال في الأول، فأُبدلت الياء الأولى ألفًا، وصُححت الياء الثانية، وفيه أقوال غير هذا ولكن هذا أشهرها عندهم. والآية في لغة العرب: تطلق إطلاقين: أحدهما: تطلق الآية ويراد بها العلامة. وهذا إطلاقها المشهور. تقول: آية كذا. أي: علامة كذا. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو عربيّ جاهليّ- تفسير الآية بالعَلَامَة، وذلك في قوله (١): تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لِسِتَّةِ أعوامٍ وذا العام سابعُ ثم فسر الآية بأنه يريد بها علامات الدار، وما تشخص من آثارها بقوله: رماد ككُحْلِ العينِ لأْيًا أُبينه ... ونُؤيٌ كجِذْمِ الحوضِ أثلَمُ خاشِعُ الإطلاق الثاني: هو إطلاق الآية على الجماعة؛ لأن العرب تقول: جاء القوم بآيتهم. أي: بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر الطائي أو غيره (٢): خَرَجْنَا مِنَ النقْبَيْن لا حَيَّ مِثْلِنَا ... بآيتِنَا نُزْجِي اللّقَاحَ المَطَافِلَا أي: بجماعتنا. والآية هنا بمعنى العلامة؛ لأن المعجزات أفعال خارقة للعادة

стр. 1865

هي علامات واضحة قاطعة على أن الله مصدق لمن أعطاه إياها مقارنة للتحدي كما هو معروف (١). وقوله: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ الباء في قوله: (بها) عدَّى به. و (ظلموا) فيه وجهان معروفان لعلماء التفسير (٢): أحدهما: أن (ظلموا) معناه: كفروا. أي: فكفروا بها، وإذا كان (ظلموا) بمعنى: كفروا فلا إشكال في الباء، والظلم كثيرًا ما يُطلق بمعنى الكفر كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] وعلى هذا فالظلم بمعنى الكفر، وتعديته بالباء واضحة، وبعض العلماء يقول: فظلموا بسببها، حصل منهم الظلم الكبير بسببها حيث كذبوا بها ولم تدلهم على الحق وعاندوا. وذلك الظلم قد بين (جل وعلا) أنهم أيقنوا أن الآيات حق، وأنهم ظلموا عدوانًا منهم، كما قال في قوم فرعون لما علموا الحق من آيات موسى في أول سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: آية ١٤] فقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ في النمل يوضح قوله: ... ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: بسببها، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء: آية ١٠٢] أي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعون ﴿مَا أَنزَلَ هَؤُلاء﴾ الآيات ﴿إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ أي: دلالات قاطعة لا تترك في الحق لبسًا، وهذا معنى: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾.

стр. 1866

وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١): أن الظلم في لغة العرب هو: وضع الشيء في غير موضعه فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، ثم يليه: وضع الطاعة في الشيطان دون الله (جل وعلا)، والعرب كلُّ من وضع شيئًا في غير موضعه تقول له: ظَلَم. ومن هذا المعنى قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: إنه ظالم؛ لأن الضرب وقع في غير موضعه؛ لأنه يُضيع زُبده؛ ولذا كانوا يُسمّون الذي يضرب [لبنه] (٢) قبل أن يروب: ظالمًا، ففي لُغَز الحريري يقول: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (٣). فقوله: «ظالمًا» يعني: يضرب لبنه قبل أن يروب، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٤): وقائلةٍ ظلمتُ لكم سِقَائي ... وهل يخفى على العَكدِ الظَّلِيمُ وقول الآخر (٥): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شَكَاتُه ... ظلمتُ وفي ظَلْمي له عامِدًا أَجْرُ فهذا معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قيل لمن وضع شيئًا في غير موضعه: (ظالم)؛ ولذا سَمّوا الحُفَرَ في الأرض التي ليست محلاً للحفر والماء: (مظلومة)، ومنه قول نابغة ذبيان (٦):

стр. 1867

إلا الأوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤيُ كالحوضِ بالمظْلُومةِ الجَلَدِ وسمُّوا تراب القبر: (ظليمًا)؛ لأنه يُحفر وهو ليس محلاً للحفر أصلاً، ومنه قول الشاعر (١): فأَصْبَحَ في غَبْراءَ بعد إِشَاحةٍ ... من العيش مردودٍ عليها ظَلِيمُها هذا معروف في كلام العرب، ولم يأت الظلم في القرآن إلاّ بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف: الظلم منه بمعنى النقص، وهو قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ [الكهف: آية ٣٣] يعني: ولم تنقص ﴿مِنْهُ شيئًا﴾. إذا عرفتم هذا فَكُلّ مَنْ كَفَرَ بالله فقد وَضَعَ العِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعَها، ومن عصى ربه وأطاع الشيطان فقد وضع الطاعة في غير موضعها، ووضع المعصية في غير موضعها، ومن هنا كان الظلم يُطلق على الكفر وعلى المعاصي، قد قدمنا إطلاق الظلم على الكفر آنفًا في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: آية ١٠٦] وقد يطلق الظلم على معصية الله ولو لم تكن كفرًا كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: آية ٣٢] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٦] لا تعصوا الله فيهن، هذا معنى قوله: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: بسببها. ﴿فَانظُرْ﴾ يا نبي الله ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾

стр. 1868

[الأعراف: آية ١٠٣] ماذا يؤول إليه أمر المفسدين من الوبال والدمار والخسار فإن جميع الأمم الماضية كانت عاقبة إفسادها عاقبة وخيمة جدًّا، فأهلك الله قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالصيحة والرجفة والظّلة، وأهلك قوم موسى -فرعون وقومه- بالغرق كما سيأتي إيضاحه، وهذا معنى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أهل الإفساد، وقد قدمنا أنهم الذين يحاولون أن يعملوا في الأرض بغير ما أنزل الله (جل وعلا) على رسله. يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٠٤، ١٠٥] قرأ هذا الحرف جماهير القراء، منهم السبعة كلهم غير نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حقيق عَلَيَّ أنْ لا أقول على الله إلا الحق﴾ (١)، وقراءة الجمهور فيها إشكال معروف سنُلم به الآن إن شاء الله (٢). معنى الآية: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ نبي الله موسى يعلم أن فرعون ينكر رسالته كما بيَّنه تعالى في الشعراء بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [الشعراء: الآيتان ١٨، ١٩] من يقول فرعون عنه

стр. 1869

هذه الأوصاف لا يصدقه، وموسى يعلم ذلك. فأكد له في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أنه رسول حقيق الرسالة، ليست رسالته بكذب ولا بزعم باطل، أنها رسالة صحيحة حق لا شك فيها، وأنها كائنة من رب العالمين، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ﴾ ناداه باسمه ﴿إِنِّي رَسُولٌ﴾ رسالته مبدؤها ﴿مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (العالَمين) تشمل من في السماوات والأرض وما بينهما كما يأتي في الشعراء في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤] ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (من) لابتداء الغاية. ﴿حَقِيقٌ﴾ أصل مادة (الحاء والقاف والقاف) في لغة العرب تدل على الثبوت وعدم الاضمحلال. معناه: إني رسول حقيق. أي: رسالتي لا شك فيها، وأني رسول ثابت في ديوان المرسلين، رسالتي حق لا شك فيها، وأني رسول مبدأ رسالته من رب العالمين. أما على قراءة نافع فمعنى الآية واضح، ومعناه: ﴿عَلَيَّ أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ﴾ يلزمني ويجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فما أخبرتك يا فرعون إلا بالحق، وأني رسول من رب العالمين، ولو ربيتني وقتلتُ القبطي قتلة متقدمة، كل ذلك لا ينافي أني رسول، وأني صادق في مقالتي، فما قلت على الله إنه أرسلني إليك إلا وأنا قائل عليه بالحق لا كاذب عليه ولا متخرص.

стр. 1870

أما على قراءة الجمهور فمعنى الآية الكريمة مشكل؛ لأن معنى ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ فهذا معناه لم يتبادر إلى الذهن. وللعلماء في تفسير هذه الآية أجوبة معروفة عن هذا الإشكال، أقربها عندي واحد دلت عليه القرينة القرآنية، ولا ينبغي العدول عنه ومع أنه أصوب الأقوال فيما يظهر يَقِل مَنْ يَتَطَرّقه مِنَ العلماء، فأكثر أقوال المفسرين لا يذكرونه فيها، والظاهر أنه الصواب وإن قلَّ من يذكره منهم، وسنذكر الآن أقوال أهل العلم في الآية -على قراءة الجمهور- الكريمة: أن (على) بمعنى (الباء)، وقالوا: إن حروف الجر يخلف بعضها بعضًا، قالوا: و (الباء) تأتي بمعنى (على)، و (على) تأتي بمعنى (الباء). قالوا فمن إتيان الباء بمعنى (على): ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ [الاعراف: الآيه ٨٦] أي: على كل صراط، كما زعموا. ومن إتيان (على) بمعنى (الباء) قالوا: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ أي: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: حقيق أي: جدير وخليق بأن لا أقول على الله إلا الحق. وهذا التفسير تشهد له قراءة أُبيّ بن كعب ﵁ ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقُ بأَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ (١) قرأها أُبيّ هكذا، وهي وإن كانت قراءة شاذة فإنها تفيد بالنسبة إلى التفسير. ومما لا ينافي هذا قراءة بعض الصحابة غير أُبي: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ أَنْ لَا أقُولَ علَى اللهِ إِلَاّ الحَقَّ﴾؛ لأن هذه تحتمل تقدير الباء أيضًا، فهذا قول. القول الثاني: هو ما زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ من أن قوله: ﴿حَقِيقٌ﴾

стр. 1871

مُضمّن معنى (حريص) على قراءة الجمهور، قالوا: ﴿حقيق على أن لا أقول﴾ [الأعراف: آية ١٠٥] أي: حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، واستشهد لهذا التضمين صاحب الكشاف في كشافه (١) بالبيت الذي أَنْشَدَهُ سيبويه في الكتاب (٢)، قال: ومثله تضمين بيت الكتاب (هيجني) بمعنى: ذكَّرني. والبيت الذي يعني هو البيت المشهور في كتاب سيبويه وهو قول الشاعر (٣): إِذا تَغَنَّى الحمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ... ولو تَسَلَّيْتُ عنها أُمَّ عَمَّارِ قالوا: (هَيَّجَنِي) معناه: فَكَّرَنِي أمَّ عَمَّار ولو تسلت عنها، وهذا القول من الأقوال التي لا تظهر، فلا يخلو عندي من بعُد، والله أعلم. وقال بعض العلماء (٤): في الآية الكريمة قلب. وهذا القلب الذي يعنون هنا هو المعروف بالقلب العربي الذي فيه النزاع بين البلاغيين والنحويين كما هو معروف في محله، وهذا القلب أنكره جماعة من العلماء، وقال به جماعة. والحق أن هذا القلب العربي وإن أنكره البلاغيون وقالوا لا يجوز في العربية إلا إذا تضمن اعتبارًا لطيفًا، وسرًّا من أسرار اللغة العربية، وبغير ذلك لا يجوز. والنحويون يجيزه أكثرهم أنه أسلوب عربي إذا دل المقام عليه، وهو موجود في القرآن، وكثير في كلام العرب كما سنُلم به الآن إن شاء الله.

стр. 1872

واعلموا أن القلب يُطلق إطلاقين: يطلق في البديع، وهذا ليس من غرضنا؛ لأنه في فن البديع يسمى نوع منه القلب، وهو أن يكون الكلام إذا جئته من آخره قرأته كما جئته من أوله، فيكون الكلام يُقرأ معكوسًا كما يُقرأ مرتبًا (١)، كقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: آية ٣] وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: آية ٣٣] وقول الشاعر (٢): مَوَدَّتهُ تدُومُ لكلِّ هولٍ ... وَهَل كُلّ مودتُه تدومُ فالآيتان والبيت تقرؤهما بالانعكاس كما تقرؤهما بالاطراد، وهذا ليس من غرضنا. النوع الثاني: القلب الذي يُذكر في المعاني، وهو القلب الذي يكون فيه قلب الفاعل مفعولاً مثلاً، وهذا أسلوب عربي معروف إذا دل المقام عليه، وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن العظيم، ومن أمثلته في القرآن العظيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: آية ٧٦] فالآية تقول: إن المفاتح تنوء بالعصبة، والمقصود القلب العربي؛ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتح، أي: تنهض بها بمشقة وجهد كما هو واضح، قال بعضهم: ومنه في القرآن: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء﴾ [القصص: آية ٦٦] قالوا: يعني: فعموا عن الأنباء؛ لأن الإنسان هو الذي يعمى والأنباء لا تعمى، في أمثلة قرآنية. وهذا المعنى [١٦/ب] /إن دلت عليه القرائن، كثير في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير (٣):

стр. 1873

...................... ... وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل لأن الكلام مقلوب؛ لأن (القُور) وهي الحجارة هي التي تتلفع. أي: تلتحف بالعساقيل، وهو السراب، فهو قال: إن السراب يلتحف بالعساقيل. والكلام مقلوب؛ لأن الحجارة هي التي تتلفع بالسراب، وهذا معنى قوله: ........................... ... وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل ومنه قول الآخر (١): ......................... ... كما طَيَّنتَ بالفِدَنِ السَّيَاعَا يعني: كما طينت الفدن بالسياع. أي: طينت القصر بالطين. وهو معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قول الشاعر (٢): نزلت بخَيلٍ لا هوادةَ بينها ... وتشقى الرماحُ بالضَّيَاطِرةِ الحُمر يعني: وتشقى الضياطرة بالرماح. وهذا النوع من القلب أنكره علماء البلاغة وقالوا: لا يجوز إلا بما تضمن اعتبارًا وسرًّا لطيفًا كقلب التشبيه. فالتشبيه المقلوب يُقلب فيه المشبه مشبهًا به، والمشبه به مشبهًا. قالوا: إنما جاز هذا لنكتة، وهي إيهام أن الفرع أقوى في وجه الشبه من الأصل كقوله (٣):

стр. 1874

وبَلَدٍ مُغبرةٍ أرجاؤهُ ... كأَنَّ لونَ أرضِهِ سَمَاؤُه والذين قالوا: في الآية قلب قالوا: المعنى: حقيق على أن لا أقول على الله، كأنه جعل نفسه حقيق على أن لا يقول على الله إلا الحق. والمراد: قلب الكلام. أي: يجب عليه، حقيق عليه هو ﴿أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ فكأنه جعله هو الحقيق على القول. والمقصود: أن القول هو الحقيق عليه أن لا يقوله إلا بالحق، وفي الكلام قلب كما ترى، وهذا لا يلزم، وأنكره كثير من علماء العربية. والوجه الذي يظهر أنه أصوب الأوجه ولا ينبغي العدول عنه وإن قلّ من تنبه إليه من علماء التفسير: هو إن معنى الآية الكريمة: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٠٤، ١٠٥] وأما قوله: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ﴾ تتعلق بمعنى الرسالة المشار إليها في الرسول، أي: أُرسلت مشترطًا علي، أُرسلت ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ أي: أرسلني ربي على شرط ووتيرة معينة، وهي أن لا أقول عليه إلا الحق. وقال بعض العلماء: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿رَسُولٌ﴾ ﴿إِنِّي رَسُولٌ﴾ أي: رسول ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾. وبعضهم يقول: هذا لا يجوز. والنحويون من البصريين يقولون: إن العامل إذا أخذ نعته -نُعت ووُصف- لا يعمل بعد ذلك. وعلى هذا لا يجوز إعمال (رسول) في قوله: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ لأنه نُعت بقوله: ﴿حَقِيقٌ﴾ ولكن الأصوب في هذا أن يُقدّر عامل من جنس الرسول، فيكون المعنى: إني رسول حقيق من رب العالمين

стр. 1875

أُرسلت. أي: أرسلني رب العالمين، أرسلني على أن لا أقول عليه كذبًا، ولا أقول على الله إلا الحق، وهذا الوجه واضح لا إشكال فيه، ليس فيه تعسف ولا تكلف، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره وإن قل من انتبه إليه من علماء التفسير. وهذا معنى قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥]. الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا بمضمحل، وعكسه الباطل. والمراد بالحق هنا: هو الشيء المطابق للحقيقة والصواب والواقع في نفس الأمر. ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قد قدمنا أن البينة (١) هي الدليل الواضح الذي لا يترك بالحق لبسًا. ﴿بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (من) لابتداء الغاية، والرب هو السيد الخالق المدبر الذي يدبر أمور الناس، وهو مُشْتَرك بين عشرة معان كما قدمنا (٢). ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (إسرائيل) هو نبي الله يعقوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)، ومعنى: (إسرائيل): عبد الله، و (إسرائيل): هو يعقوب، و (بني إسرائيل): أولاد يعقوب؛ لأنكم عرفتم في القرآن في قصة يوسف أنه لما أرسل إليهم وجاءوه في آخر حياة يعقوب، واجتمعوا به في مصر، سكنوا بعد ذلك في مصر وتناسلوا، وحتى سلط الله عليهم فرعون وأهانهم الإهانة المشهورة المعروفة بالقرآن، وسيأتي بيانها في هذه السورة الكريمة - سورة

стр. 1876

الأعراف - وكان الله (جل وعلا) سلط فرعون مصر على الإسرائيليين فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستعمل الموجودين منهم بالخدمة الشاقة، وأنقذهم الله منه على يد موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام). يزعم بعض المفسرين والمؤرخين أن بين مجيء يعقوب وأولاده ليوسف في مصر وبين مجيء موسى من مدين - لينقذهم من فرعون - يزعمون أن بينهما أربعمائة سنة والله أعلم. ويزعمون أيضًا أن مجيء يعقوب وأولاده أنهم كانوا حول الثمانين، وأن خروج الإسرائيليين الآتي ذكره من مصر عند فلق البحر لهم وإغراق فرعون وقومه أنهم كانوا يزيدون على ستمائة ألف والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى (أرسل معي بني إسرائيل) ارفع يدك عنهم، ولا تعذبهم، ولا تتعرض لهم بسوء، وخلّهم يذهبون معي إلى حيث يشاءون، هذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥]. ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٦] في هذه السورة الكريمة لم يذكر عن فرعون أنه تعرض لموسى بكلام وإنما أجابه على طبق السؤال؛ لأن موسى قال: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ورتب عليه بالفاء ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥] قال فرعون مجاوبًا على طبق السؤال: ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ يعني إن كنت صادقًا في قولك: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فالبينة (١): الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا. والآية: العلامة على الصدق،

стр. 1877

وهي المعجزة كما ترى هنا. ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ يعني: ائتنا بها وبَيِّن لنا إن كنت من الصادقين ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ جزاء الشرط فيه محذوف دل عليه ما قبله، أي: ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فأت بها. عند البصريين، ولا مانع عند الكوفيين من تقدم جزاء الشرط عليه فيكون قوله: ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ جواب شرط ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وهذا عند الكوفيين لا مانع منه. ( ... ) (١) تجيب بها إلا كلامًا لا نفي فيه، لا تكاد تجد (نعم) في كلام العرب إلا جوابًا لكلام إثبات لا نفي فيه؛ لأن الكلام إذا كان فيه نفي كان جوابه بـ (بلى) لا بـ (نعم). فلو قلت لك: هل جاء زيد؟ أعندك ذا؟ تقول: نعم. ولو قلت لك: ألم يأت كذا؟ تقول لي: بلى ولا تقول: نعم. وإذا سُمع عن العرب إتيان (نعم) في كلام فيه نفي فإنه يُحفظ ولا يُقاس عليه؛ لأنه لا ينقاس، ولكنه سماع يُحفظ ولا يقاس عليه، وقد سُمع عن العرب إتيان (نعم) جوابًا لسؤال مقترن بنفي. فالمحل إذْ ذاك بـ (بلى) لا بـ (نعم)، إلا أنهم جاءوا بـ (نعم) سماعًا، ومنه قول الشاعر (٢): أَلَيْسَ الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ... وإيَّانَا فذاك بنا تَداني ... نَعَم وتَرى الهِلالَ كما أراهُ ... ويعلُوها النهارُ كما عَلاني فالمحل هنا لـ (بلى) لا لـ (نعم)، ولكنه جاء بـ (نعم) هنا، وقد نص علماء العربية أنها لو سمعت عن العرب في مثل هذا حُفظ

стр. 1878

ولا ينقاس عليه (١). قوله: ﴿وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: ولكم عندي زيادة على الجُعل الذي تطلبون وهو كونكم من المقربين، أي: من أهل المكانة والوجاهة والجاه العظيم عندي، ذلك زيادة لكم على ما سألتم من الجعل. هذا معنى قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ [الأعراف: آية ١١٤]. ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١١٥ - ١٢٤]. يقول الله جل وعلا: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: الآيتان ١١٥، ١١٦]. بين (جل وعلا) في سورة طه أنه عند هذه المناظرة والمغالبة نصح [موسى] (٢) السحرة وقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

стр. 1879

فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ وفي القراءة الأخرى (١): ﴿فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَن افْتَرَى﴾ [طه: آية ٦١] ثم ذكر عن السحرة ما ذكر في قولة: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ [طه: الآيات ٦٢ - ٦٤]. لما أجمعوا كيدهم وجاءوا صفًّا قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١٥] (إما) هذه أداة تقسيم معروفة، والمصدر المنسبك من (أن) وصلتها في إعرابه للعلماء وجهان: أحدهما: أنه في محل نصب بمفعول محذوف. والمعنى: إما أن تختار أن تلقي أولاً، أي: تختار إلقاءك قبلنا، وإما أن تختار كوننا من الملقين؟ ومفعول الإلقاء لم يذكر هنا إلا أنه ذكر قي آيات أُخر، فإلقاء موسى مفعوله العصا، والمعنى: إما أن تلقي عصاك وإما أن نكون نحن الملقين حبالنا وعصينا؛ لأن الذي يلقيه هو: هو عصاه، والذي يلقونه: هو حبالهم وعصيهم كما قال هنا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: آية ١١٧] فبين أن الذي يلقي هو عصاه، وذكره في طه والشعراء، وبين في سورة الشعراء أن الذي يُلقيه السحرة هو حبالهم وعصيهم كما قال: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء: آية ٤٤] هذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. الوجه الثاني: أن المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل

стр. 1880

رفع مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: إما إلقاؤك أولَ، وإما كوننا نلقي أولَ. وقال بعض العلماء: هو خبر مبتدأ محذوف: إما الأمر إلقاؤنا، وإما الأمر إلقاؤك. والكل متقارب، وهذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. يقول جماعة من علماء التفسير هنا: إن هذا حُسن أدب من السحرة، تأدبوا مع موسى هل يحب أن يكون هو أول من يلقي، أو يلقي هو الآخر. وحتى قال بعضهم (١): لما تأدبوا مع نبي الله كان من حكمة الله أن تفضّل عليهم بالهدى والإيمان. والتحقيق الذي يظهر: أن السحرة في ذلك الوقت كفرة فجرة قبل أن يهديهم الله، وأن هذا كأنه إظهار ثقتهم بأنفسهم وسحرهم واعتقادهم أنهم غالبون، يعنون: إن ألقيت قبلنا غلبناك، وإن ألقينا قبلك غلبناك، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر!! هذا هو الأظهر، وهذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١٥] قال لهم نبي الله موسى: تقدموا أنتم أولاً وألقوا قبلي. ومفعول (ألقوا) محذوف، ألقوا ما أنتم ملقون. ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء: آية ٤٤] فلما قال لهم نبي الله موسى: «ألقوا» يعني: ألقوا ما أنتم ملقون. يزعم بعض المفسرين أنهم نحو من [] (٢) عند كل واحد منهم عصا ضخمة، وحبل ضخم، وأن كل واحد منهم جعل السحر في عصاه وحبله، حتى كانت الدنيا كأنها حيات كالجبال

стр. 1881

يركب بعضها بعضًا، وخاف الخلق جميعًا خوفًا عظيمًا. وذكر الله في سورة طه أن موسى داخله بعض الخوف كما يأتي في قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧)﴾ [طه: آية ٦٧] حيث قال: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧)﴾ [طه: الآيات ٦٥ - ٦٧] وهذا الترتيب بالفاء لأن نبي الله موسى أوجس في نفسه الخيفة من عِظَم سحرهم كما قال هنا: ﴿وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ١١٦]. وبعض المفسرين يقولون: لم يخف نبي الله من سحرهم، وإنما خاف أن يتفارق الناس ويهربوا قبل أن يُقيم حجته أمامهم. هكذا قاله بعضهم والله أعلم، هذا معنى قوله: ﴿قَالَ أَلْقُوْاْ﴾. وهذه الآية فيها سؤال معروف، وهو أن يُقال: إن نبي الله موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) رسول كريم، والرسول لا يأمر بمنكر، وقوله لهؤلاء السحرة: ﴿أَلْقُوْا﴾ أمر بمنكر؛ لأنه أمرهم بأشد المنكر، وهو الإتيان بالأسحار تُعارض بها معجزات الله التي أيَّد بها رسله؟ والجواب عن هذا معروف (١): وهو أن نبي الله موسى (صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم) لا يريد أمرهم بإلقاء الحبال والعصي سحرًا خبيثًا تُعارض به آيات الله، وإنما مراده إبطاله؛ لأنه في ذلك الوقت لا طريق إلى إبطاله إلا هذا، وهي أن يبرزوه ثم تأتي آية الله ومعجزة الله التي هي هذه العصا فتبتلع جميع ذلك وتترك

стр. 1882

الميدان خواء ليس فيه شيء، ولما كان هذا هو الطريق الوحيد للحق اضطُر إليه (صلوات الله وسلامه عليه)، وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ أَلْقُوْا﴾. وفي الكلام حذف دل المقام عليه، أي: ألقُوا حبالكم وعصيكم فألقَوا، فلما ألقَوا حبالهم وعصيهم ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ دل قوله: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ على أن سحرهم من جنس الشعبذات؛ لأنهم جاءوا بسحر أخذ بعيون الناس حتى صارت ترى تخييلات ليست بحقيقية، وترى العصي والحبال تظنها حيات - ثعابين - من أضخم الحيات، بالمئات والآلاف مكدّسة كالجبال، يركب بعضها بعضًا، حتى خاف الخلق منها خوفًا شديدًا، فقوله هنا: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يدل على أنه تخييل بالنسبة للعين لا حقيقة. وقد صرح بذلك في طه بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: آية ٦٦] وزعم بعض المفسرين أن الزئبق كان متوفرًا عندهم، وأنهم ملؤوا داخل العصي والحبال من الزئبق وطرحوها حتى تأثر الزئبق بحرّ الشمس فلما تأثر الزئبق تحركت العُصي والحبال صار بعضها يلتوي على بعض ويركب بعضها بعضًا!! هكذا يقول بعضهم (١). ويظهر أنه سحر أخذوا به عيون الناس حتى صار يَتَراءى لهم هذا من الحيات العظام الكبار الضخام يركب بعضها بعضًا. وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ قد تقرر في فن العربية أن تأتي (اسْتَفْعَل) مزيدة بهمزة الوصل والسين والتاء بمعنى (أفْعَل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ

стр. 1883

رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٩٥] يعني: أجاب، ومما يدل عليه من كلام العرب قول سعد بن كعب الغنوي (١): وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى ... فلَم يَسْتجبه عند ذَاكَ مُجيبُ فإنه جاء بـ (مجيب) التي هي اسم فاعل (أجاب) جاء بها فاعلاً لـ (استجاب)، فدل على أنه أطلق (استجاب) وأراد (أجاب) كما هو واضح. معنى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم. والرهب: الخوف. يعني: خوفوا الناس خوفًا شديدًا. قال بعض العلماء: استرهبوهم: استدعوا رهبتهم وخوفهم بهذا السحر العظيم. وفي هذه الآية من سورة الأعراف سؤال معروف: وهو أن يُقال: دلت آية الأعراف هذه على أن سحر سحرة فرعون من نوع الشعبذات والأخذ بالعيون حتى يتراءى للإنسان غير الواقع في الحقيقة؛ لأنه قال: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ وصرح بما يدل على ذلك في قوله في طه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: آية ٦٦] وهاتان الآيتان - آية طه وآية الأعراف - كلتاهما تدل على أن سحر سحرة فرعون من نوع الخيالات والشعبذات، ومع هذا وصفه الله بالعِظَم في قوله: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ هذا هو وجه السؤال؟ وللعلماء عنه جواب (٢): وهو أنه في الحقيقة تخييل وأخذ بالعيون حتى صار يَتَراءَى لها غير الواقع، وإنما وصفه بالعِظَم قالوا: لكثرة العصي والحبال وضخامتها. فهذا التخييل وإن كان تخييلاً خيل

стр. 1884

للناس هذا العدد الضخم الكبير من هذه الحيات العظام الكبار كأنها جبال يركب بعضها بعضًا، فصار بهذا المنظر الهائل مع التخييل وكثرته كأنه عظيم، وصار في نفس الأمر أخذًا بالعيون وتخييلاً، وفي هذا يزول الإشكال بين الآيات، وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أخافوهم. والرهب: الخوف. أرهبه: أخافه. والإرهاب: التخويف ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم، أي: أخافوهم. فجاءوا بسحر عظيم؛ لكثرة تلك الحبال والعصي وضخامتها وكبرها، وكون بعضها يركب بعضًا حتى امتلأ الوادي بالحيات العظام والأفاعي، حتى خاف جميع الناس، وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ١١٦]. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: الآيات ١١٧ - ١١٩]. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾. في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (١): قرأه جمهور القراء غير حفص عن عاصم والبزي عن ابن كثير: ﴿فإذا هي تَلَقَّفُ ما يأفكون﴾ وقرأه البزي وحده عن ابن كثير: ﴿فإذا هي تَّلَقَّفُ ما يأفكون﴾ بتشديد التاء بإدغام إحدى التاءين في الأخرى؛ لأن أصله: (تتلقف) وقرأه حفص عن عاصم: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ مضارع لقِفه بكسر القاف يلقَفه بفتحها. فَتَحَصَّل أن قراءة الجمهور:

стр. 1885

﴿تَلَقَّف ما يأفكون﴾ [الاعراف: آيه ١١٧] وهو مضارع (تَلَقَّفَه يَتَلَقَّفه) إذا ابتلعه بسرعة هائلة. والمعنى: كل من التقم شيئًا بسرعة تقول العرب: «تَلَقَّفَه ولَقِفَه». فقراءة الجمهور حُذف فيها إحدى التاءين، أصلها: فإذا هي تتلقف ما يأفكون، أي: تبتلعه وتلتقمه بسرعة، وعلى قراءة البزي فأصله: فإذا هي تَّلَقَّف ما يأفكون. في الصلة خاصة، فهي واضحة؛ لأن (تفعّل) و (تفاعل) يجوز فيها الإدغام. واستجلاب همزة الوصل، وهو كثير، كاطّيرنا بمعنى: تطير، وازيّنت بمعنى: تزين، وادّارك بمعنى: تدارك، وهو كثير، ومن أمثلته في الماضي في كلام العرب قول الشاعر (١): تُولي الضجيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرًا ... عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يعني: تتابع القُبل. وهذا لا إشكال فيه. أما على قراءة حفص عن عاصم: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ فهو مضارع لقفه يلقفه إذا ابتلعه بسرعة. فمعنى القراءتين واحد. ومعنى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: آية ١١٧] يأفكون: مضارع أفكه يأفكه بالكسر، وأصل المادة الهمز والفاء والكاف (أَفَكَ) معناه: قَلْبُ الشيء وصرفه، فالأَفْك قلب الشيء وصرفه؛ ولذا سُمي الكذب إفكًا لأنه قلب للكلام وصرف له عن حقيقته الواقعة إلى الكذب والباطل، ومن أجل هذا سُميت قرى قوم لوط: (المؤتفكات)، سمَّاها الله: (المؤتفكات) وسماها: (المؤتفكة) في قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم: آية ٥٣] وإنما سماها: (مؤتفكة) لأن جبريل ﵇ أَفَكَها بإذن الله. أي: قلبها، ومعنى

стр. 1886

أَفْكِهِ لها هو قلبها وجعل عاليها سافلها كما صرح الله به في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: آية ٧٤] وما جُعل عاليه سافله فقد أُفك، أي: قُلب حتى صار أعلاه أسفله. هذا أصل الإفك (١). ومعنى: (يأفكون) يختلقون ويكذبون ويفترون من أن هذه العصي والحبال أنها حيات حقيقية مثل العصا التي عند موسى. سماه إفكًا لأنه قلب [لحقيقة الأمر] (٢) وصرف له عن حقيقته الصحيحة إلى الكذب والافتراء. ومعنى الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما جاءوا بذلك السحر العظيم أوحى الله إلى نبيّه موسى أن يلقي عصاه؛ ولذا قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ وصيغة الجمع للتعظيم؛ يعني: فألقى عصاه بأمر من الله ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ فاجأ ذلك من العصا، إذا هي ﴿تَلْقَفُ﴾ أي: تبتلع جميع ما يأفكون. فلما ألقاها موسى من يده، وانقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت بسرعة وقوة هائلة وعناد هائل، قال ابن زيد: كانت مناظرة موسى وسحرة فرعون في الإسكندرية من مصر، وكان ذَنَبُ العصا لما انقلبت حية وراء البحر كما يزعمون، والله أعلم. وعلى كل حال فقد صرّح الله بأنها ابتلعت جميع ما في الميدان من الحبال والعصي. يقولون: انقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت تبتلع ذلك الموجود حبلاً حبلاً، عصًا عصًا، تلتقم ذلك وتبتلعه ولا يظهر في ضخم جثتها ولا يزيد فيها حتى تركت الميدان

стр. 1887

ليس فيه حبل وليس فيه عصا!! ويقول المؤرخون والمفسرون (١): إن الخلق خافوا خوفًا شديدًا، وأنه مات منهم عدد من الآلاف كثير من شدة الزحام هربًا من خلقها!! ويزعمون أن فرعون كان في مجلس له هو وقومه ينظر، وأنه داخله خوف شديد حتى قال بعضهم: إِنَّهُ سَلَحَ ثلاثمائة سلحة (٢)!! وقال بعضهم: كان لا يأتي الغائط في أربعين يومًا إلا مرة واحدة وفي ذلك اليوم وقع منه ذلك أربعون مرة كما يقولون!! والله أعلم. وعلى كل حال لما ألقى موسى العصا واستحالت إلى هذا الثعبان العظيم والتقمت جميع ما كانوا يكدّسونه من الحبال والعصي ولم يبق فيهم شيء، وجاء موسى وأخذها بيده فإذا هي عصاه، ولم يوجد أثر ولا عين لتلك الحبال والعصي، عرف السحرة أن هذا أمر من خالق السماوات والأرض فخرّوا ساجدين لله بإيمان صحيح، وإخلاص عظيم رغم فرعون، وقالوا: آمنا بالله رب العالمين، رب موسى وهارون، وداخلتهم بشاشة الإيمان مداخلة هائلة عظيمة، فعبّر الله عن شدة عظم البرهان بقوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠] عبر بقوله: ﴿وَأُلْقِيَ﴾ كأن إنسانًا أمسكهم وألقاهم ساجدين بالقوة لقوة البرهان الذي رأوا به الحق،

стр. 1888

ومن هنا تعلم أنه قد يكون الشيء الخسيس الحقير وفيه بعض النفع كما قالوا: ( .... ) (١) لأن علم السحر -قبَّحه الله- من أخسّ العلوم وأقبحها، وقد صرح الله (جل وعلا) في المحكم المنزل في سورة البقرة أن تعلمه يضر ولا ينفع، فهو ضرر محض لا نفع فيه كما قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ ولكن الله قد نفع هؤلاء القوم بهذا العلم الخسيس الخبيث، فتبين أن قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٠٢] من جميع الحيثيات غير هذه الحيثية وهو انتفاعهم به أنهم كانوا عالمين بالسحر عارفين بحدوده التي ينتهي إليها، فلما جاءت العصا والتقمت جميع الحبال والعصي ولم يجدوا حبلاً ولا عصا عرفوا أن هذا من الله؛ لأنهم يعرفون السحر ويعرفون مدى تأثيره، فمعرفتهم بالسحر كانت نفعًا لهم بأن عرفوا أن العصا ليست من جنس السحر، فلو كانوا جاهلين بالسحر لظنوا أن عصا موسى من جنس السحر والشعوذة، وهم لما عرفوا السحر تمامًا عرفوا أن البرهان خارج عن طور السحر، وأنه لا يدخل فيه، وأنه أمر إلهي؛ ولذا ذُكر عنهم أنهم قالوا: لو كانت العصا من جنس السحر لوجدنا حبالنا وعصينا، فما انعدمت حبالنا وعصينا من أصلها إلا ببرهان من السماء. قيل: وقد قالوا لفرعون: إن كان هذا من سحر أهل الأرض فثق بأنا نغلبه، والذي لا طاقة لنا به هو شيء يأتي من السماء، فإن كان عنده شيء يأتي من السماء فلا طاقة لنا به، فلما كان من أمر العصا ما كان علموا أنه من السماء وأنه مِنْ أَمْرِ اللهِ فآمنوا هذا الإيمان العظيم؛ ولذا قال الله عنهم:

стр. 1889

﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠]. ومعنى قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ لما ابتلَعَتِ العصا كل ما في الميدان مما أفكوه واختلقوه من الحبال والعصِي لما ابتلعت العصا ذلك كله قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ رتب على ذلك وقوع الحق بالفاء، قال بعض العلماء: (وقع الحق) معناه: حصل وانثبت. وجماهير المفسرين يقولون: (وقع الحق) هنا معناه: ظهر واستبان واتَّضَحَ، حيث ظهر الحق واستبان واتضح، وبطل الباطل واضْمَحَلَّ، وعُرفت الحقيقة على بابها. والعرب يطلقون الوقوع على الظهور، قال بعضهم: الوقوع في لغة العرب: ظهور الشيء بوروده منحدرًا إلى مستَقَرِّهِ. وعلى كل حال فأكثر العلماء منهم ابن عباس وغيره يقولون: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: ظَهَرَ واسْتَبَان واتَّضَحَ الحق أنه مع نبي الله موسى، وبطل ما كان يعمله السحرة من المخطط في الحبال والعصي. وهذا معنى قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ [الأعراف: آية ١١٨]. وكان نبي الله موسى قبل أن يلقي عصاه عالمًا أن سحرهم باطل، وأنه سيُبْطِلُهُ ويَضْمَحِلّ كما جاء عنه في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ [يونس: الآيتان ٨١، ٨٢]. ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: آية ١١٩] معروف أن (هنالك) إشارة لمكان بعيد، والواو في قوله: ﴿فَغُلِبُواْ﴾ راجع

стр. 1890

إلى السحرة، (غُلبوا هنالك) غلبهم موسى ببرهان العصا لما ابتلعت جميع ما عندهم من الحبال والعصي ﴿وَانقَلَبُواْ﴾ أي: السحرة وكل مَنْ كَانَ مَعهم كفرعون وحزبه ﴿وَانقَلَبُواْ﴾ رجعوا صاغرين؛ أي: أذلاء حقيرين داخرين، وهذا معنى قوله: ﴿وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ﴾ الصاغر: هو وصف من الصَّغَار، والصَّغَار: الهوان والدخور والذلة كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١١٩، ١٢٠] بعد أن غُلبوا عرفوا بُرْهَانَ اللهِ وآمَنُوا بالله إيمانًا صحيحًا. وهو أمر في الحقيقة فيه عجب؛ لأنهم أول النهار كانوا يجادلون بالباطل ويعارضون آيات الله بالسِّحْرِ، وفي آخر النهار صاروا من أولياء الله، وصار تعذيب الدنيا وما فيها كله ليس عندهم بشيء لقوة الإيمان الداخل في قلوبهم؛ ولذا هدّدهم فرعون بأعظم تهديد وهو أن يقطع يد الواحد اليمنى ورجله اليسرى ويصلبه على جذع النخلة، وجذع النخلة هو أخشن جذع خلقه الله في الأشجار، وهذا عذاب شديد، ومع هذا احتقروا عذابه ولم يكن عندهم بشيء، كما قال الله عنهم: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: الآيتان ٤٩، ٥٠] أي: لا ضرر علينا في ذلك. حتى قالوا له في سورة طه: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] أي: وليس فيها شيء يهم؛ [لسرعة زوالها] (١) وانقضائها، نحن نرغب فيما عند الله، ولا نبالي بما في الدنيا، كما يأتي في قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] ونحو ذلك.

стр. 1891

فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب هان على صاحبه كل شيء، وصغرت في عينه الأذيّات والتعذيب، ورجا ما عند الله كهؤلاء السحرة. وقوله هنا: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠] هم وقت إلقائهم ساجدين ليسوا بسحرة، بل إنما هم من عباد الله المكرمين المؤمنين الأفاضل، ولكنه سماهم سحرة نظرًا لحالهم الماضية كما سمى البالغين (يتامى) نظرًا لهم في حالهم الماضية في قوله: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: آية ٢] كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ أي: لله إيمانًا بالله. ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ [الأعراف: آية ١٢١] أي: خالق السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن (العالمين) تشمل السماوات والأرض وما بينهما، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤]. ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: آية ١٢٢] الذي أنزل عليهما هذه المعجزة العظيمة الدالة على صدقهما وعلى ربوبيته وحده جل وعلا. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف حفص عن عاصم وحده من السبعة قال: ﴿ءامَنتُم﴾ بلا همزة استفهام على الخبر، وقرأه الجمهور: ﴿ءآمَنتُم به﴾ (١) وهم على أصولهم في تسهيل الهمزتين، من يسهل الثانية ويأتي بألف الإدخال، ومن

стр. 1892

يحققهما كما هو معروف في محله: ﴿ءَامَنتُم بِهِ﴾ أي: أآمنتم به أيها السحرة؟ آمنتم بموسى قبل أن آذن لكم في ذلك؟ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي تواطأتم أنتم وهو عليه ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: آية ١٢٣] لحيلة احتلتموها وتوافقتم عليها وتواطأتم عليها لتخرجوا أهل البلد من بلادهم -وهم القبط- وتُسكنوا في أرضهم بني إسرائيل، وتتفقوا معهم على ذلك!! وهذا فعله فرعون مكرًا منه وخداعًا، وخوفًا منه أن تتبع الناس السحرة فيؤمنوا بموسى!! [فادعى] (١) أن موسى والسحرة تواطئوا على مكر خبيث يريدون ظلم أهل البلد وإخراجهم من بلدهم وإسكان غيرهم فيه -قبّحه الله- وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾ يعني: إيمانكم أنتم بموسى وسجودكم لربه وموافقتكم له ﴿مَكْرَ﴾ أي: حيلة احتلتم أنتم وإياه بها، احتلتم بها على أهل البلد لتخرجوهم من بلادهم، وهذا معنى قوله: ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ بعضهم يقول: المدينة التي وقع فيها: الإسكندرية. والله تعالى أعلم. ﴿لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ لأجل أن تخرجوا منها أهلها باتفاقكم عليهم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف تعلمون ما أُنكلكم به من التعذيب على مكركم وموافقتكم مع موسى [١٧/أ] على المكر، وإخراج أهل الأرض منها. ثم بين ما يعدهم به/ فقال: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] الأيدي: جمع يد، ووزنه (أَفْعُل) والأرجل كذلك وزنه (أَفْعُل) ومعلوم أن (أَفْعُل) من جموع القلة، إلا أن المقرر في الأصول وفي علوم العربية: أن جموع القلة لا تكون جموع قلة إلا إذا كانت مُنكَّرة خاصة، أما إذا أُضيفت إلى معارف فهي صيغ عموم، وهي إذًا من جموع الكثرة.

стр. 1893

ومعنى قوله: ﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ أي: من جهتين مختلفتين بأن يقطع اليد اليمنى من شِق فيضعف ذلك الشِّق باليد [ويقطع] (١) الرجل اليسرى من الشق الآخر فيكون كل من الشّقين قد ضعف. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لم يبيّن هنا في الأعراف ولا في الشعراء ماذا الذي يصلبهم عليه، وقد بيّن في سورة طه أنه يصلبهم في جذوع النخل (٢) كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: آية ٧] وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر خلقه الله -جل وعلا- وأصعب على المصلوب الصلب عليه. وعلماء البلاغة يقولون: إن قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: آية ٧١] فيه ما يسمونه (استعارة تبعية) في معنى مُتَعَلَّق الحرف (٣). والأظهر أنه أسلوب عربي معروف، فالعرب تقول: صلبه على الجذع، وصلبه فيه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومن قولهم: «صلبه في الجذع» قول الشاعر (٤): همو صلبوا العَبْديَّ في جِذْعِ نخْلةٍ ... فلا عطستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] لأصلبنكم في جذوع النخل أجمعين. وهذا يدل على أن أولياء الله يُمتحنون دائمًا في الله، فخير ما تكون به المحنة: المحنة في الله، فعلى المسلم إذا بُلي في دينه

стр. 1894

وامتُحِنَ في اللهِ أنْ يَصْبِرَ ويصمد، ويعرف أن هؤلاء السحرة وُعِدُوا بِقَطْعِ أيديهم وأرجلهم، والصلب على جذوع النخل، ومع هذا همْ صَامِدُون صابرون لا يلتفتون إلى فرعون، بل يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] فالله قصّ علينا خبر هؤلاء لنعتبر بهم كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: آية ١١١] فإذا جاءتنا أذيّة وبلايا في ديننا فعلينا أن نصبر على المحن بالغة ما بلغت، ولا نتلاشى ولا نضعف، ولا نضيع ديننا؛ لأن خير ما يُبلى الإنسان فيه ويصمد ويصبر هو دينه. ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: الآيات ١٢٥ - ١٢٩]. ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ هذا جواب السحرة لفرعون لما آمنوا بالله إيمانًا عظيمًا، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وقال لهم فرعون إنهم هم وموسى تواطئوا واتفقوا على إخراج أهل قريتهم من مدينتهم مكرًا منهم، وتواطئوا على الظلم، ووعدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، لمّا توعدهم فرعون هذا الوعيد الشديد، وعابهم هذا العيب المختلق أجابوه هذا الجواب

стр. 1895

الإيماني العظيم، وقالوا له كأنهم يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: آية ٧٢] وأوعد من العذاب ما أنت واعد فنحن لا نبالي بك ولا نرائي بك ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] راجعون إلى رب رحيم كريم عظيم الجزاء سنجد عنده من النعيم ما يُنسينا جميع مضار الدنيا وما فيها من البؤس، كأنهم برغبتهم فيما عند الله وعلمهم بما يجازيهم به الله من النعيم سقط من أعينهم عذاب الدنيا، وصاروا يعتقدونه كَلَا شيء، وهذا هو الصحيح بالآية، وقد بيّنه الله في سورة الشعراء، وبيّنه بإيضاح: أنه لما ذكر في سورة الشعراء أن فرعون توعدهم هذا التوعد بالعذاب في قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] أجابوه قائلين كما قصّ الله عنهم في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: آية ٥٠] (لا ضير) الضير معناه: الضرر. قالوا: ضَارَّه يضيره ضيرًا، وضره يضره ضرًّا بمعنى واحد، كما قدمنا إيضاحه بشواهده في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا﴾ على قراءة: ﴿لا يَضِرْكُم كيدهم شيئًا﴾ [آل عمران: آية ١٢٠] (١). وقوله: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ بناه مع (لا)، والنكرة المبنية مع (لا) تدل على أن (لا) هي التي لنفي الجنس، فكأنهم نفوا جنس الضرر في عذاب الدنيا واحتقروه وهان في أعينهم ورأوه لا شيء بالنظر إلى ما عند الله. ثم بينوا علّة انتفاء ذلك الضرر في أعينهم فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] كما يوضح آية الأعراف هذه. ثم قالوا موضحين: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ
следующие страницы →