فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب هان على صاحبه كل شيء، وصغرت في عينه الأذيّات والتعذيب، ورجا ما عند الله كهؤلاء السحرة.
وقوله هنا: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠] هم وقت إلقائهم ساجدين ليسوا بسحرة، بل إنما هم من عباد الله المكرمين المؤمنين الأفاضل، ولكنه سماهم سحرة نظرًا لحالهم الماضية كما سمى البالغين (يتامى) نظرًا لهم في حالهم الماضية في قوله: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: آية ٢] كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ أي: لله إيمانًا بالله.
﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ [الأعراف: آية ١٢١] أي: خالق السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن (العالمين) تشمل السماوات والأرض وما بينهما، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤].
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: آية ١٢٢] الذي أنزل عليهما هذه المعجزة العظيمة الدالة على صدقهما وعلى ربوبيته وحده جل وعلا.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف حفص عن عاصم وحده من السبعة قال: ﴿ءامَنتُم﴾ بلا همزة استفهام على الخبر، وقرأه الجمهور: ﴿ءآمَنتُم به﴾ (١) وهم على أصولهم في تسهيل الهمزتين، من يسهل الثانية ويأتي بألف الإدخال، ومن
стр. 1892
يحققهما كما هو معروف في محله: ﴿ءَامَنتُم بِهِ﴾ أي: أآمنتم به أيها السحرة؟ آمنتم بموسى قبل أن آذن لكم في ذلك؟ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي تواطأتم أنتم وهو عليه ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: آية ١٢٣] لحيلة احتلتموها وتوافقتم عليها وتواطأتم عليها لتخرجوا أهل البلد من بلادهم -وهم القبط- وتُسكنوا في أرضهم بني إسرائيل، وتتفقوا معهم على ذلك!! وهذا فعله فرعون مكرًا منه وخداعًا، وخوفًا منه أن تتبع الناس السحرة فيؤمنوا بموسى!! [فادعى] (١) أن موسى والسحرة تواطئوا على مكر خبيث يريدون ظلم أهل البلد وإخراجهم من بلدهم وإسكان غيرهم فيه -قبّحه الله- وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾ يعني: إيمانكم أنتم بموسى وسجودكم لربه وموافقتكم له ﴿مَكْرَ﴾ أي: حيلة احتلتم أنتم وإياه بها، احتلتم بها على أهل البلد لتخرجوهم من بلادهم، وهذا معنى قوله: ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ بعضهم يقول: المدينة التي وقع فيها: الإسكندرية. والله تعالى أعلم.
﴿لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ لأجل أن تخرجوا منها أهلها باتفاقكم عليهم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف تعلمون ما أُنكلكم به من التعذيب على مكركم وموافقتكم مع موسى [١٧/أ] على المكر، وإخراج أهل الأرض منها. ثم بين ما يعدهم به/ فقال: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] الأيدي: جمع يد، ووزنه (أَفْعُل) والأرجل كذلك وزنه (أَفْعُل) ومعلوم أن (أَفْعُل) من جموع القلة، إلا أن المقرر في الأصول وفي علوم العربية: أن جموع القلة لا تكون جموع قلة إلا إذا كانت مُنكَّرة خاصة، أما إذا أُضيفت إلى معارف فهي صيغ عموم، وهي إذًا من جموع الكثرة.
стр. 1893
ومعنى قوله: ﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ أي: من جهتين مختلفتين بأن يقطع اليد اليمنى من شِق فيضعف ذلك الشِّق باليد [ويقطع] (١) الرجل اليسرى من الشق الآخر فيكون كل من الشّقين قد ضعف.
﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لم يبيّن هنا في الأعراف ولا في الشعراء ماذا الذي يصلبهم عليه، وقد بيّن في سورة طه أنه يصلبهم في جذوع النخل (٢) كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: آية ٧] وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر خلقه الله -جل وعلا- وأصعب على المصلوب الصلب عليه. وعلماء البلاغة يقولون: إن قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: آية ٧١] فيه ما يسمونه (استعارة تبعية) في معنى مُتَعَلَّق الحرف (٣). والأظهر أنه أسلوب عربي معروف، فالعرب تقول: صلبه على الجذع، وصلبه فيه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومن قولهم: «صلبه في الجذع» قول الشاعر (٤):
همو صلبوا العَبْديَّ في جِذْعِ نخْلةٍ ... فلا عطستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا
وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] لأصلبنكم في جذوع النخل أجمعين.
وهذا يدل على أن أولياء الله يُمتحنون دائمًا في الله، فخير ما تكون به المحنة: المحنة في الله، فعلى المسلم إذا بُلي في دينه
стр. 1894
وامتُحِنَ في اللهِ أنْ يَصْبِرَ ويصمد، ويعرف أن هؤلاء السحرة وُعِدُوا بِقَطْعِ أيديهم وأرجلهم، والصلب على جذوع النخل، ومع هذا همْ صَامِدُون صابرون لا يلتفتون إلى فرعون، بل يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] فالله قصّ علينا خبر هؤلاء لنعتبر بهم كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: آية ١١١] فإذا جاءتنا أذيّة وبلايا في ديننا فعلينا أن نصبر على المحن بالغة ما بلغت، ولا نتلاشى ولا نضعف، ولا نضيع ديننا؛ لأن خير ما يُبلى الإنسان فيه ويصمد ويصبر هو دينه.
﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: الآيات ١٢٥ - ١٢٩].
﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ هذا جواب السحرة لفرعون لما آمنوا بالله إيمانًا عظيمًا، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وقال لهم فرعون إنهم هم وموسى تواطئوا واتفقوا على إخراج أهل قريتهم من مدينتهم مكرًا منهم، وتواطئوا على الظلم، ووعدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، لمّا توعدهم فرعون هذا الوعيد الشديد، وعابهم هذا العيب المختلق أجابوه هذا الجواب
стр. 1895
الإيماني العظيم، وقالوا له كأنهم يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: آية ٧٢] وأوعد من العذاب ما أنت واعد فنحن لا نبالي بك ولا نرائي بك ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] راجعون إلى رب رحيم كريم عظيم الجزاء سنجد عنده من النعيم ما يُنسينا جميع مضار الدنيا وما فيها من البؤس، كأنهم برغبتهم فيما عند الله وعلمهم بما يجازيهم به الله من النعيم سقط من أعينهم عذاب الدنيا، وصاروا يعتقدونه كَلَا شيء، وهذا هو الصحيح بالآية، وقد بيّنه الله في سورة الشعراء، وبيّنه بإيضاح: أنه لما ذكر في سورة الشعراء أن فرعون توعدهم هذا التوعد بالعذاب في قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] أجابوه قائلين كما قصّ الله عنهم في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: آية ٥٠] (لا ضير) الضير معناه: الضرر. قالوا: ضَارَّه يضيره ضيرًا، وضره يضره ضرًّا بمعنى واحد، كما قدمنا إيضاحه بشواهده في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا﴾ على قراءة: ﴿لا يَضِرْكُم كيدهم شيئًا﴾ [آل عمران: آية ١٢٠] (١).
وقوله: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ بناه مع (لا)، والنكرة المبنية مع (لا) تدل على أن (لا) هي التي لنفي الجنس، فكأنهم نفوا جنس الضرر في عذاب الدنيا واحتقروه وهان في أعينهم ورأوه لا شيء بالنظر إلى ما عند الله. ثم بينوا علّة انتفاء ذلك الضرر في أعينهم فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] كما يوضح آية الأعراف هذه.
ثم قالوا موضحين: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ
стр. 1896
الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ [الشعراء: آية ٥١] فالمؤمن الحق إذا علم ما عند الله من النعيم والثواب هان وصغر في عينه كل عذاب وبلاء في الدنيا، كما قالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] أي: وليس فيها شيء يهم [لسرعة زوالها] (١) وانقضائها. فهذا معنى قوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥].
هذا الانقلاب ينقلب به كل أحد كائنًا ما كان، فينبغي لكل إنسان أن يُحسِّن منقلبه إلى الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: آية ٢٢٧] فمعنى: ﴿مُنقَلِبُونَ﴾ أنهم يموتون فيبعثون فيُقلبون إلى الله، يرجعون إليه فيجازيهم، هذا معنى قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ [الأعراف: آية ١٢٥].
ثم بيّنوا لفرعون أنه ظالم لهم وليس لهم ذنب يعيبهم به ولا يعذبهم لأجله، وقالوا: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا﴾ العرب تقول: (ما تنقم مني)؟ معناه: ما تعيب مني وما تَنْتَقِدُ مِنيِّ؟ وأقوال علماء التفسير متقاربة (٢)، كلها راجعة إلى شيء واحد، فبعضهم يقول: ﴿وَمَا تَنقِمُ﴾ ما تعيب منا؟ ما تُنكر منا؟ ما تكره منا؟ ونحو ذلك، فهي أقوال معروفة، والعرب تقول: نقم عليّ فلان كذا ونَقِمَهُ. أي: انتقده وأنكره عليَّ وكرهه مني. فكأنهم يقولون لفرعون: ما تعيب وتكرهه منا وتنكره حتى تجعله سببًا لتعذيبنا إلا أعظم الأشياء وأحسنها وأشدها استجلابًا للمودة والمحبة، فهو الإيمان بالله أي: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ يعني: ما تعيب علينا شيئًا ولا تكره منّا شيئًا فعلناه
стр. 1897
﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] واضحة لا لبس فيها. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا﴾.
ولما بينوا لفرعون أنهم ما فعلوا شيئًا يستوجبون عليه تعذيبًا سألوا الله أن يرزقهم الصبر على العذاب الدنيوي، وأن يميتهم وهم على إسلامهم، سألوه سؤالين عظيمين:
أحدهما: أن يعطيهم الصبر ويعينهم عليه.
والثاني: أنه يثبتهم على إيمانهم وإسلامهم حتى يموتوا ويلقوه مسلمين؛ ولذا قال الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ في لغة العرب التي نزل بها القرآن: الصبُّ الشديد الذي يترك الإناء فارغًا لا شيء فيه ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ معناه: اصبب علينا صبرًا من عندك. ونكَّر الصبر هنا للإشعار بالتعظيم؛ أي: صبرًا عظيمًا جميلاً، عظيمًا نواجه به تعذيب هذا الجبار ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ أمِتْنا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أي: ونحن على إسلامنا لا تزغ قلوبنا ولا تُشقنا ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وهذه الآية الكريمة نظائرها كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، وأسلوبها الذي جاء بها هو الذي يقول له البلاغيون: (تأكيد المدح بما يشبه الذم) (١) ونظيرها في القرآن قوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: آية ٧٤] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: آية ٨] وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢):
стр. 1898
ما نقِموا من بني أُمَيَّةَ إلا ... أنهم يَضرِبُون فَيَغْلِبُون
وهو كثير في كلام العرب، كقوله: ﴿أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: آية ٤٠] ومنه قول نابغة ذبيان (١):
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائبِ
وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [الأعراف: آية ١٢٦] اصبب علينا صبرًا عظيمًا نواجه به نكال هذا الجبار.
والصبر في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو حبس النفس عن المكروه، تقول: صبرت نفسي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ومادته تتعدى وتلزم، ومن تعديها قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: آية ٢٨] وقول عنترة العبسي (٢):
فَصَبَرْتِ عَارِفَةً بِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
كما هو معروف.
والصبر في اصطلاح الشرع (٣) خصلة عظيمة يندرج فيها جميع خصال الإسلام؛ ولذا قال الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: آية ١٠] ومن سادات الصابرين: الصائمون؛ لأنهم صبروا لله عن شهوات بطونهم وفروجهم طاعة لربهم.
والصبر في اصطلاح الشرع يستلزم الصبر عن جميع المعاصي
стр. 1899
ولو اشتعلت نار الشهوات، والصبر على الطاعات وإن كان كالقابض على الجمر، والصبر على البلايا عند الصدمة الأولى كما طلبه هؤلاء؛ لأنهم في بلية ومحنة كبرى يطلبون الصبر عليها، ويدخل فيه الصبر على الموت تحت ظلال السيوف عند التقاء الصفين (١).
وقوله: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٦] قدمنا مرارًا معنى الإسلام والإيمان، وأن الإسلام في لغة العرب معناه: الإذعان والانقياد، فكل مذعن منقاد فهو مسلم. وأسلم له إذا أذعن وانقاد (٢)، وهو معروف في كلامهم، ومنه قول زيد بن نفيل مؤمن الجاهلية (٣):
وَأَسْلَمتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالا
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوْتْ شَدَّها ... جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الجِبَالا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي ِلمنْ أسْلَمَتْ ... لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سجَالا
فقوله: أسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له الأرض، وأسلمتْ له الصخر.
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالاً فَحَالا
стр. 1900
معناه: أذعنتُ وانقدتُ لمن أذعن له الريح والمزن والحجارة. هذا أصل معنى الإسلام في لغة العرب.
وهو في اصطلاح الشرع (١): الإذعان والانقياد التام من جهاته الثلاث، أعني: انقياد القلب بالاعتقاد والنيات، وإذعان اللسان بالإقرار، وإذعان الجوارح بالعمل. أي: توفَّنا منقادين لك ولطاعتك بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا حتى نلقاك وأنت راض عنا. وهذا معنى قوله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٦].
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ [الأعراف: آية ١٢٧].
لما وقع ما وقع وآمن السحرة لله حرّض أشرافُ جماعة فرعون حرضوا فرعون على موسى وقومه يريدون أن يقتلهم أو يُنكل بهم؛ ولذا قال الله عنهم: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ﴾ أي: أشراف جماعة فرعون قالوا لفرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ (أتذر موسى) معناه: أتترك موسى وقومه الذين هم معه مؤمنون به وهم بنو إسرائيل، أتذرهم؛ أي: تتركهم لأجل أن يفسدوا في الأرض؟
وهذا الفعل الذي هو (تذر) لم يُسمع منه إلا مضارعه وأمره، تقول العرب: (ذر) بمعنى اترك. و (تذر) بمعنى: تترك. ولم يُسمع منه غير هذا (٢). فلم يأت من كلامهم فعل ماض، ولا مصدر، ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، فاسم فاعله: تارك. واسم مفعوله:
стр. 1901
متروك. وهكذا نطقت به العرب أمرًا ومضارعًا فقط. أي: أتترك موسى وقومه؟
واللام في قوله: ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ هذه لام التعليل المعروفة بلام كي، وأصلها تُشكل على طلبة العلم: كيف جاءت هذه اللام المُعَلِّلة بهذا الوضع؟ والجواب عن ذلك: أن الملأ من قوم فرعون زعموا أن مجرد تركه لهم هو علة لإفسادهم في الأرض؛ فجعلوا مجرد ترك فرعون لموسى وقومه، وعدم قتلهم أو التنكيل بهم جعلوه هو نفس علَّة الإفساد في الأرض، ولذا جاءوا بعد قولهم: ﴿أَتَذَرُ﴾ باللام في قوله: ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٢٧] كما يزعمون: (إن السَّفيه إذا لم يُنه مأمور) (١)؛ لأنك إن لم تنههم فتضرب على أيديهم فكأنك قد أمرتهم بالإفساد في الأرض!!
وقد قدمنا مرارًا أن الكفرة الفجرة يزعمون العمل بكتب الله واتباع رسله إفسادًا في الأرض. وقد أوضحنا ذلك فيما مضى. فمعنى إفسادهم في الأرض: أنهم يزعمون أنهم يؤمنون بموسى، ويكونون معه، ويكونون حربًا على القبط فيخرجوهم من بلاد مصر، هذا معنى إفسادهم في الأرض المزعوم.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ نصب ﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفًا على ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾ وقيل: إنه منصوب بـ (أن) بعد الواو؛ لأن الواو هي أخت الفاء، فبعد الاستفهام يُنصب بعدها المضارع بـ (أن) مضمرة، كما هو معروف، كقول الحطيئة (٢):
стр. 1902
ألَمْ أكُ جَاركُمْ وَيَكُونُ بَيْنِي ... وَبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإِخَاءُ
كما هو معروف في محلّه، وأظهر القولين: أنها عطف على الفعل المنصوب في ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾.
﴿وَيَذَرَكَ﴾ يعني: يتركك وآلهتك، لا يعبدك ولا يعبد آلهتك. يزعم المؤرخون أن لفرعون آلهة يأمر قومه بعبادتها، وهم يتقربون إليه هو بعبادتها، وهو كأنه هو الإله الكبير، كما يأتي في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: آية ٢٤] عليه لعائن الله، وقراءة الجمهور ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ ويذرك فلا يعبدك ويذر آلهتك فلا يعبدها، وقراءة ابن عباس: ﴿ويذرك وإِلاهَتكَ﴾ (١) أي: وعبادتك. وهي قراءة شاذة، فـ (الإلاهة): العبادة. قال فرعون لهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾، سنُنكل بهم ولا نمهلهم، ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾، كل مَنْ يولَدُ لهم قَتَلْنَاهُ ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ﴾ نترك بناتهم ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ( ... ) (٢) يعني: فوقيّة مكانة ومنزلة، قاهرون لهم، مذللون لهم تحت سلطاننا.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن فرعون ذبح أولاد بني إسرائيل تذبيحتين:
التذبيحة الأولى التي كانت سببًا لجعل أم موسى موسى في التابوت، كما سيأتي خبرها مفصَّلاً في سور من كتاب الله، حيث قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: آية ٧] وخوفها عليه أي من قتل فرعون للأولاد حذرًا من ذلك الغلام الذي سيزول ملكه عليه.
стр. 1903
وتذبيح الأولاد الثاني: هو بعد أن جاءهم موسى نبيًّا من الله، كما صَرَّحَ الله به هنا، وأوضحه في سورة المؤمن في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾ [غافر: آية ٢٥] وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾ وقرأ بعضهم: ﴿سَنَقْتُلُ أبناءهم﴾ (١).
﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٧] لما هددهم فرعون هذا التهديد بقتل الأبناء جزع الإسرائيليون، جزعوا جزعًا شديدًا من ذلك، وخافوا منه خوفًا شديدًا، فصار نبي الله موسى يهدئهم، ويشير لهم إلى الوعد الذي عنده من الله، ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: آية ١٢٨] استعينوا: معناه اطلبوا العون من الله، والياء في (استعينوا) مُبدلة من واو؛ لأن المادة واوية العين، ووزن (استعينوا): (اسْتَفْعِلُوا) (٢) والسين والتاء للطلب؛ أي: اطلبوا العَوْن من الله على هذا الطاغية العظيم، وهذا الجبار الكافر، وتَرَقَّبُوا ما عند الله مِنَ الفَرَجِ، ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ احبسوا نفوسكم على المكروه حتى يخلصكم الله بفضله: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لله﴾ الأرض بجميعها ويدخل فيها أرض مصر ﴿يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: يجعلها في آخر الأمرين لمن يشاء أن يجعلها له من عباده ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ (٣): الحال الحسنة التي تكون في آخر الأمرين، وما يؤول إليه الحال ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب
стр. 1904
نواهيه. وقد قدمنا مرارًا في هذه الدروس (١) أن المتقي اسم فاعل الاتقاء، وأن (الاتقاء) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: اتخاذ الوقاية. تقول مثلاً: اتقيت الرمضاء بنعلي، والسيوف بمِجَنِّي. وكل شيء جعلت بينه وبينك وقاية فقد اتقيته، ومنه قول نابغة ذبيان (٢):
سَقَطَ النَّصِيْفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتْقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جعلت يدها وقاية بيننا وبين وجهها لئلا نراه.
وأصل مادة التقوى من (وقي) ففاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء (٣). فهي مما يسميه الصرفيون: لفيفًا مفروقًا (٤)، هذا أصلها.
والاتقاء: اتخاذ الوقاية، والاتقاء في الشرع: هو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذه الوقاية التي تقي الإنسان سخط ربه وعذابه هي امتثال أمره واجتناب نهيه (جل وعلا). فالاتقاء: امتثال الأمر واجتناب النهي، وهو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذا معنى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٨].
لما هدَّأ موسى قومه، وأمرهم بالصبر، وأشار لهم إلى وعد الله، وأن العاقبة لمن اتقى الله وهم المؤمنون لا الكافرون قال له قومه: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: آية ١٢٩] حُذف الفاعل هنا وهو معروف، أي: آذانا فرعون وقومه من قبل أن تأتينا من مدين
стр. 1905
بعد أن صرت نبيًّا، وذلك الإيذاء هو ذبح أولادنا، واستحياء نسائنا، وإهانتنا بالأعمال الشاقة. وقعت لنا منه هذه الإهانات وأنت هنالك في مدين قبل أن تأتينا ووقع لنا ذلك بعد ما جئتنا، فتراه الآن يقول: إنه يذبح أبناءنا!! فقد حصل لنا الأذى في كل الأوقات قبل مجيئك وبعده. وهذا معنى قولهم: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ فَهَدَّأَهم نبي الله موسى، وأشار لهم إشارة أكبر من الأول إلى الوعد بنصر الله لعباده المؤمنين، وإهلاك الكفرة الظالمين، قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ (عسى) فعل تَرَجٍّ يدل على رجاء اتصاف المبتدأ بالخبر، وخبره غالبًا إنما يكون فعلاً مضارعًا مقرونًا بـ (أن) وربما جُرِّد من (أن) كما هو معروف في محله. أي: فأرجو لكم رجاء قويًّا من عند خالقكم (جل وعلا)، أي: من خالقكم ومدبر شؤونكم عسى أن يهلك عدوكم فرعون وقومه بأمر من عنده ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فذلك يدل على أن المستخلفين في الأرض لم يُستخلفوا فيها لأجل الإنعام بها عليهم، بل كل ذلك للابتلاء والامتحان، فيطيعون الله فيما استخلفهم فيه أو يعصونه.
وهذه الآية الكريمة فيها وعيد شديد، وتخويف عظيم، لمن استخلفه الله في الأرض بعد عدوِّه الذي كان يقاومه وبسط يده بالأرض، فإذا كان عنده عقل فإنه يخاف من نظر الله إليه كيف يفعل، فيطيع الله في كل ما يفعل كما لا يخفى. فهذه من أعظم المواعظ وأكبرها التي يعظ الله بها الذين يُستخلفون في الأرض بعد الذي كانوا فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ
﴿بِالسِّنِينَ﴾ والمراد بالسنين: الجدب والقحط حتى تقل بسببه الأرزاق، يعني: هذا البلاء بالسنين، العرب تقول: هذه سنة، وهذه سنون -يعنون أنها عام أو أعوام- جُدب، يقلّ فيها المطر، ويكثر فيها الجدب، ويقل فيها الأرزاق. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قوله ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» (١) حتى إن العرب ليقولون: أسنت القوم. أي: أصابتهم السنة الشهباء المجحفة، التي فيها جدب وعدم المطر. ومنه قول ابن الزبعرى السهمي (٢):
عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... وَرَجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ
(مسنتون): أصابتهم السنة بالقحط وعدم المطر حتى جاعوا، وهذا معنى قوله: ﴿بِالسِّنِينَ﴾.
﴿وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ﴾ أي: وأخذناهم بنقص من الثمرات بحيث لا تثمر أشجارهم. قال بعضهم: كانت النخلة قد تكون فيها تمرة واحدة. قال بعض العلماء: السنين: هي الجدب بباديتهم، ونقص الثمرات: قلة الزروع والثمرات لأمصارهم (٣).
وعلى كل حال فالمراد أن الله يُقل عليهم المطر حتى تقل أرزاقهمِ من زروع وثمار وغيرها، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: آية ١٣٠] أي: يتعظون.
стр. 1908
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١) أن أشهر معاني (لعل) معنيان:
أحدهما: أنها حرف ترجٍّ كما هو معروف، إلا أن الترجّي فيها بالنسبة إلى خصوص علم المخلوقين؛ لأن الله (جل علا) عالم بما كان وما سيكون وما تؤول إليه عواقب الأمور. وعلى هذا فمعنى قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: آية ٤٤] أي: على رجائكما أنتما أنه يتذكر، أما الله فهو عالم أنه لا يتذكر ولا يخشى.
المعنى الثاني: هو ما ذكره بعض العلماء من أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون. هكذا ذكر بعضهم، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي في القرآن مُرادًا بها التعليل، منه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: آية ٧٨] أنعم عليكم بهذه النعم لأجل أن تشكروا. ومن شواهد إتيان (لعل) مرادًا بها التعليل قول الشاعر (٢):
وقُلتُم لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ ووثَّقْتُم لنا كُلَّ مَوْثِقِ
يعني: كفوا الحروب لأجل أن نكف عنكم. وهذا معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون بما سلط الله عليهم من السنين ونقص الثمرات، وهذا معنى قوله: ﴿وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٠].
стр. 1909
﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ المراد بالحسنة هنا بإجماع المفسرين: هو ذاك الخصب، وكثرة المطر، وكثرة الأرزاق والعافية؛ أي: فإذا جاءهم الله بالحسنة فأَدَرّ عليهم السماء، وأنبت لهم الزروع والثمار، وأكثر غلات مواشيهم مِنْ ألْبَانٍ، وأسْمَان، وأزْبَاد، ولحوم، وشُعُور، وأوْبَارٍ، وأصْوَافٍ، إلى غير ذلك مما ينتفعون به مِنْ مَتَاعِ الدنيا، إذا جاءتهم هذه الحسنة ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ المعنى: هذه لنا ونحن نستحقها، وما أُعطيت لنا إلا أننا قوم عظام يستحقون هذه الكرامة، فهذا مما نستحقه؛ افتراء وكذبًا على الله.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الأعراف: آية ١٣١] المراد بالسيئة هنا في أقوال المفسرين: هو ضد الحسنة، والمراد: إذا جاءهم قحط، وكان في الأرض جدب، وقلَّت أرزاقهم، وجاءتهم الأمراض. والمعنى: أن الله إذا قلَّل عليهم الأرزاق، وأمسك عنهم المطر، وجاءتهم الأمراض، إن جاءتهم هذه البلايا ﴿يَطَّيَّرُواْ﴾ أصله: يتطيروا ﴿بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٣١] والتطير في لغة العرب: التَّشَاؤُمُ؛ أي: يَتَشَاءموا بموسى ومن معه، ويقولون: هذا الجدب، وهذه قلة الأرزاق، وهذه الأمراض ما جاءنا إلا بسبب شؤمكم، وسبب ما جئتم به من دين موسى، كل هذه البلايا بسبب شؤمكم. وهذه عادة الكفار إذا تَمَرَّدوا على الله، وعصوا الله، وكذبوا رسله، وعذبهم الله على ذلك، زعموا أن ذلك جاءهم من قِبَلِ الأنْبِيَاء (١). ونظائره في القرآن كثيرة، كما قال الكفار لنبيِّنَا ﷺ مثل ذلك لما ذكره الله عنهم في سورة النساء في قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء:
стр. 1910
آية ٧٨] وكما قال عن الرسل المذكورين في يس إن قومهم قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: الآيتان ١٨، ١٩] وكما ذكر عن قوم صالح أنهم قالوا له: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: آية ٤٧] والتطير معناه: التشاؤم، والتشاؤم هو أن يقول: جاءني هذا بِشُؤْمِكَ. وأصل [١٧/ب] التطير (١) مشتق من الطير،/ لأن عادة العرب أن أكثر ما كانوا يتشاءمون به الطير، وهو الطيرة المعروفة، كانوا يأتون الطَّير ويطيرونها مِنْ مَوَاقِعِهَا، فإذا طارت على اليمين قالوا: هذا سانح.
وتَيَمَّنُوا به، وإذا طارت إلى الشمال قالوا: هذا بَارِح، وتشاءموا له، كما قال علقمة بن عبدة التميمي (٢):
وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلأَطْيَارِ يَزْجُرُهَا ... عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْؤُومُ
وكانوا يدّعون أنهم يعرفون أمور الغيب من طيران الطيور، وجِهَات طيرانها، وأصواتها، والأشجار التي تنزل عليها، وكان من المشتهرين بذلك بنو لِهْب من قبائل العرب، وفيهم قال الشاعر (٣):
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلا تَكُ مُلْغِيًا ... مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذا الطَّيرُ مَرَّتِ
وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن الطيرة وتحذِّر المسلمين، منها: حديث ابن مسعود في سنن أبي داود وغيره أنه ﷺ
стр. 1911
قال: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» (١) وفيه أحاديث كثيرة معروفة تنهى عن ذلك، وجاء ببعض الأحاديث أن الإنسان إذا وجد شيئًا منها يقول: «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُكَ، وَلَا ضَرَرَ إِلَاّ ضَرك» (٢) الحديث المشهور.
وعلى كل حال فالتطير والتشاؤم من صفات الكفار، وعلى المسلمين اجتنابه، وأن يتوكلوا على الله، ولا ينبغي لهم أن يمنعهم التطير من سفر، ولا أن يجزعوا من التطير. واعلموا أن الأمور بيد الله، وأن الشؤم الحقيقي الذي يستجلب كل الضرر هو مخالفة رب العالمين (جل وعلا)، أما كل فعل لم يخالف به الله فهذا لا ضرر فيه ولا طيرة؛ لأن الله ما أباحه إلا لأنه لا ضرر فيه. وعلى المسلم أن يتحرز من هذا كله، ولا يتشاءم بشيء، وأن يبني الأمور على التوكل
стр. 1912
على الله، ومراعاة أوامره ونواهيه، كما هو معلوم لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾.
﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة: أن الله لمّا ذكر أنهم يكفرون به، ويتمردون ويعارضون رسله، وأنهم مع ذلك يزعمون أن الذي يصيبهم [إنما هو بسبب شؤم نبيهم موسى ﵇ ومن معه من المؤمنين، فأكذبهم] (١) الله ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: الطائر المشؤوم التي جاءتهم البلايا منه عند ربهم وذلك إنما جاءهم بسبب كفرهم بالله ومعصيتهم لله؛ لأن الكفر بالله ومعصية الله هو الطائر المشؤوم الذي يأتي صاحبه بسببه كل سوء ومكروه في الدنيا والآخرة. وقال بعض العلماء: طائرهم وحظهم عند الله هو الذي يأتيهم بالخير ويأتيهم بالشر، وليس ما جاءهم من قِبلنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون أن ذلك هو الحق فيكذبون على الله ويَتَقَوَّلُونَ عَلَى موسى ومَنْ مَعَهُ أن ما أصابهم بسبب شؤمهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣١].
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٢، ١٣٣].
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ [الأعراف: آية ١٣٢].
стр. 1913
( ... ) (١) و (ما) الثانية مؤكدة لها تأكيدًا لها؛ لأن تكريرها يفيدها تأكيدًا، وأصلها: ما ما بتكرير لفظة (ما) وأنهم استثقلوا توالي حرفين متجانسين فأبدلوا ألف (ما) الأولى هاء، وقالوا: (مهما) هذا قول الخليل واختيار جلّ البصريين.
وقال جماعة آخرون: إن (مهما) أصلها: (مه) التي هي اسم فعل بمعنى: اكفف، وأن (ما) الأخرى هي (ما) التي تُعلِّق الشرط بالجزاء، والمعنى: اكفف. اكفف يا موسى ما تأتينا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين؛ أي: كف عنا مجيئك بالآيات، ما تأتينا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
وعلى هذين القولين فأصل (ما) مركبة لا بسيطة.
وقال جمهور علماء العربية: إن (مهما) أصلها حرف بسيط وَضَعَتْهُ العَرَبُ هذا الوضع تُعلِّق به الجزاء على الشَّرْطِ، وهو عند الأصُوليِّينَ من صِيَغِ العُمُومِ، وعمومها من جهة الأحوال والأوضاع. والمعنى: أي شيء تأتينا به كائنًا ما كان من آية. الضمير في قوله: (به) راجع إلى (مهما) وكذلك الضمير المؤنث في قوله: (بها) راجع إلى الآية التي هي مبنية لـ (مهما)، فكلا الضميرين راجع في الحقيقة
стр. 1914
إلى (مهما) إلا أن الضمير المذكر رُوعي به لفظ (مهما) والضمير المؤنث روعي به معنى الآية المبينة لـ (مهما). ومن علامات الاسم عند علماء العربية: رجوع الضمير، فمن علامات أن (مهما) اسم: رجوع الضمير إليها، وقد رجع إليها ضمير مذكر باعتبار اللفظ، وضمير مؤنث باعتبار المعنى، كما جاء ذلك فيها في قول زهير (١):
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَلَوْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾ (من) بيانية. والآية بيان لـ (مهما). أي: من شيء تأتينا به مبنيًا كونه آية.
وفي الآية سؤال: كيف أقروا بأنه آية، وزعموا أنه جاء بها ليسحرهم؟
وأُجيب عن هذا: بأن قولهم: ﴿مِن آيَةٍ﴾ أي: بزعمك ودعواك، لا أنهم يُقرون بذلك.
﴿لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ لتصرفنا بها عن ديننا وتخدعنا عما نحن فيه.
﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بوجه من الوجوه، ولا بحال من الأحوال، ولو أتيت بما أتيت به من الآيات؛ لأن (مهما) عموم شامل يدل على أنه لو جاء بجميع الآيات لكانوا كما قالوا، فلما تمردوا هذا التمرد العظيم، وعاندوا هذا العناد الكبير، ولجوا هذا اللجاج الشديد، عَاقَبَهُم اللهُ مُعَاقَبَات دنيوية بعضها يتبع بعضًا، قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] قد تقرر في فن الأصول
стр. 1915
في الكلام على مسلك الإيماء والتنبيه: أن (الفاء) من حروف التعليل (١)، يقولون: سها فسجد. أي: لِعِلَّة سهوه. سرق فقُطعت يده. أي: لِعِلَّة سرقته، قالوا: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: لِعِلَّة عنادهم وضلالهم وكفرهم وعدم إيمانهم بآيات الله. وصيغة الجمع في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ للتعظيم.
﴿عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال بعض العلماء: أصل الطوفان مصدر من: طاف يطوف، كالرجحان، والكفران، والغفران، نُعت به وللعلماء في الطوفان المذكور هنا أقوال متقاربة (٢):
أشهرها وعليه الجمهور أن المراد بالطوفان: الماء الكثير كما صَرَّحَ اللهُ بِذَلِكَ؛ لأنه أهلك قوم نوح بالطوفان، وأن الله أولاً عذبهم بالماء الكثير، فأرسل عليهم مطرًا كثيرًا حتى دخل الماء بيوتهم، وصار الواحد منهم في بيته والماء إلى ترقوتِهِ، وإذا جَلَس غرق في الماء، ومنعهم الماء حراثتهم أن يحرثوا أو يزرعوا أو يعملوا شيئًا، صار يكاد يهلكهم، هذا هو الأظهر في الآية، أن المراد بالطوفان: الماء الكثير بأن أرسل الله عليهم الأمطار الغزيرة حتى فاض الماء على وجه الأرض ودخل بيوتهم. يقول المفسرون والمؤرخون (٣): حتى إن الماء ليبلغ تراقيهم، ومن جلس منهم غرق في الماء، فمنعهم النوم وحالة المعائش والعمل في أرضهم، وكاد يقضي عليهم، وهذا هو القول المشهور الذي عليه أكثر العلماء.
стр. 1916
وقال جماعة من علماء التفسير: الطوفان: الجدري. وهو قول غريب، وإن ذكره غير واحد.
وقال بعض العلماء: الطوفان: المُوتان. والمُوتان بضم الميم: موتٌ كثيرٌ يأتي الحيوانات فيقع فيها موت كثير، وربما أُطْلِقَ على الطَّاعون؛ لأنه يموت به موت كثير. وكان بعض علماء السلف يقول: الطوفان: هو كل ما طاف بك لِيُهْلِكَكَ ولا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ (١)، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم: آية ١٩].
فالحاصل أن أشهر أقوال علماء التفسير: أن المراد بالطوفان هنا: الماء الكثير. وقيل: إنه الجدري. وقيل: المُوتان، وهو موت الحيوانات الكثير، أي: الطاعون. والأظهر هو القول الأول: أنه الماء الكثير الذي دخل بيوتهم ومنعهم من أن يعملوا شيئًا. وبعض علماء التفسير يقولون: مكث عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت. ومنهم من يقول: أربعون يومًا، ومنهم من يقول غير ذلك (٢). فلما شق عليهم وأجهدهم شكوا إلى فرعون، فجاء فرعون إلى موسى وقال له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ أي: هذا العذاب والله ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] فكشفه الله عنهم. قال المفسرون: وأنبتت أرضهم من ذلك الماء أكثر ما كانت تنبته، وجاءهم نعيم، فرجعوا إلى كفرهم، وقالوا: والله إنه لساحر.
стр. 1917
ثم إن الله بعد الطوفان ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ سلط الله عليهم الجراد. والتحقيق أن الجراد هو هذا الجراد المعروف الذي يطير الذي تعرفونه. وبعض العلماء يقولون: إن أصله نثرات الحوت. وقد جاء ذلك في حديث عند ابن ماجه من حديث أنس وجابر ﵄ (١). وتسليط الجراد عليهم: أكثر الله عليهم الجراد، قال بعض العلماء: حتى كانوا لا يرون شعاع الشمس من كثرة الجراد، وأنه [كثر عليهم] (٢) وملأ بيوتهم، وأكل أبوابهم ومساميرها، وسقوف البيوت، حتى تساقطت البيوت، وأكل جميع ما عندهم من غلات وثمار وزروع، وكاد يهلكهم.
والجراد هو الحيوان المعروف، وهو يؤكل، يجوز أكله على
стр. 1918
التحقيق (١)، كما ثبت في الصحيح عن ابن أبي أوفى قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الجَرَادَ» (٢) وفي ابن ماجه: «كانَ أزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَهَادَيْنَ الجَرَادَ عَلَى الأَطْبَاقِ» (٣).
وعامة العلماء على أن الجراد كالسمك، ميتته حلال، ولم نعلم مخالفًا في هذا إلا مالك بن أنس ﵀ وأصحابه يقول: لا يؤكل الجراد إلا إذا ذُكّي بما يموت به. أي: ولو مات حَتْفَ أنْفِهِ فَهُوَ ميتة لا يؤكل (٤).
واحتج جمهور العلماء بحديث ابن عمر المشهور: «أُحِلَّ لَنَا ميتتانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الميتتانِ: فالسَّمَكُ وَالجَرَادُ، والدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٥).
ومالك يقول -وهو صادق-: إن هذا الحديث لم يأتِ من
стр. 1919
طريق صحيحة مرفوعة، فجميع طرقه المرفوعة ضعيفة لا تقوم الحجة بشيء منها.
واحتج على المالكية مَنْ خَالَفَهُمْ بأنه جاء من رواية موقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال، وهي طريق صحيحة، وهي موقوفة على ابن عمر، إلا أن لها حكم الرفع؛ لأن طريق سليمان بن بلال صحيحة، وكونها موقوفة على ابن عمر لا يضر؛ لأن لها حكم الرفع، وكل ما هكذا له حكم الرفع؛ لأن من المعلوم أنه لا يُحله إلا هو ﷺ .
أما المالكية فقالوا: نعم، نحن نعلم طريق سليمان بن بلال هذه، ونعلم أن هذا له حكم الرفع، ولكن كونه له حكم الرفع هذا من صناعة الحديث التي اتفق أهل الحديث عليها، لا من قول الله، ولا من قول رسوله، ونحن يجب علينا أن نتمسك بعموم كلام الله وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: آية ٣] وميتة الجراد داخلة في عموم الميتة، فلا ننصرف عن تحريم الله للميتة إلا بدليل جازم يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ .
هذا كلام العلماء فيه، ووجه اختلاف وجهات نظرهم في ذلك، وهو معروف. وجاء في سنن ابن ماجه من حديث أنس وجابر أن النبي ﷺ دعا على الجراد وقال: «اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بَأَسْرَابِهِ عَنْ مَعَائِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ». وأن جابرًا لما سمعه يدعو عليه قال له: كيف تدعو على جند من جند الله؟ وأنه قال له: «هو نثرة حوت» (١).
стр. 1920
هكذا ذكروا في سنن ابن ماجه ﵀ عن هذين الصحابيين. وذكر القرطبي في تفسير هذه الآيات (١) أن الجراد إن هجم على زروع الناس اختلف العلماء: هل تجوز مقاتلته ومكافحته؟ وأن أظهر القولين أنه تجوز مكافحته وقتله لِكَفِّ أذَاهُ عَنِ النَّاسِ، وهذا القول هو الذي لا ينبغي العدول عنه لجريه على ظاهر النصوص؛ لأن المسلم إذا تَعَدَّى على أموال الناس لَزِمَ دَفْعُهُ عَنْهَا ولو أدَّى إِلى القِتَال، فكيف بالجراد؟! وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
لما أنهكهم الجراد وكاد يهلكهم جاءوا إلى فرعون وشكوا إليه، فذهب فرعون إلى موسى وقال له: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ يعني الجراد ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ... ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] إلى آخر القصة.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: آية ١٣٥] يقول بعض المفسرين: فمكثوا شهرًا في عافية (٢). وبعضهم يقول: سنة. فأرسل الله عليهم القُمَّل، هذا القُمَّل الذي أرسل الله عليهم فيه للعلماء أقوال متقاربة (٣):
كان ابن عباس ﵀ يقول: هو سوس الحنطة. أرسل الله عليهم سوس الحنطة -على قول ابن عباس- فتكدس عليهم، وملأ عليهم بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وكان يدخل بين الواحد وبين ثيابه، فبلغوا منه أذى شديدًا.
стр. 1921
وقال بعض العلماء: القُمَّل: صغار الدَّبَى، والدَّبَى: صغار الجراد قبل أن تنبت له أجنحة.
وكان أبو عبيدة في طائفة من علماء التفسير يقول: القُمَّل هو المعروف بالحمن (١)، ويقال له: الحمنان، وهو نوع من القراد صغير، وأن الله ملأ عليهم الأرض منه. وذكر بعضهم: أن موسى جاء لكثيب أعفر (٢) وضَرَبَهُ بعصاه، فجعله الله قُمَّلاً (٣). وأنه تكدس عليهم فملأ بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وامتص دماءهم تحت ثيابهم حتى بلغوا منه غاية الجهد.
والحاصل أن القُمَّل هنا فيه أقوال متقاربة، بعضهم يقول: هو الحمنان المعروف بالحمن، وهو نوع من القردان صغير، وبعضهم يقول: هو صِغار الدَّبى، والدَّبى: الجراد الصغار قبل أن تنبت له أجنحة، وبعضهم يقول: هو البراغيث (٤). هذه أقوال فيه لا يُكذب بعضها بعضًا، وعلى كل حال فهو شيء من خلق الله سلَّطه الله عليهم فعذبهم به، وآذاهم إيذاءً كثيرًا، حتى ضجوا وزعموا أنهم يتوبون، فهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] لما عذبهم الْقُمَّل -سواء قُلنا: إنه البراغيث، أو قُلنا: إنه الدَّبى، أو قلنا: إنه سوس الحنطة، أو قلنا: إنه الحمن والحمنان، وقال بعضهم: هو حيوانات تُشبه القُراد الكبير لها ريح
стр. 1922
منتنة سلطها الله عليهم- قال بعض المفسرين (١): مكث عليهم أيضًا سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] والقمل هذا كان يأتي بعض الناس فيتأذى به كما هو معروف، قال بعضهم: ومنه قول الأعشى (٢):
قَوْمًا يُعالجُ قُمَّلاً أَبْنَاؤُهُمْ ... وَسَلَاسِلاً أُجُدًا وَبَابًا مُؤْصَدًا
أن هذا القمل يؤذيهم، وقد عرفنا أقوال العلماء في تفسيره، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
لما رفع الله عنهم القُمَّل وأزاله ولم يبق له أثر مكثوا شهرًا في عافية، كما قال بعضهم، وقال بعضهم غير ذلك (٣)، فأرسل الله عليهم الضفادع، والضفادع جمع ضفدع، وهو الحيوان المعروف، وكان بعضهم (٤) يزعم أن الضفادع كانت بريّة، وأنها لم تكن من حيوانات البحر كما زعموا، فلما عذّب الله بها قوم فرعون صارت تقتحم في قدورهم وهي تفور، وتقتحم في تنانيرهم في شدة حرها، ومنعتهم الطعام، كان الرجل يجلس في الضفادع إلى عنقه، وإذا أراد أن يتكلم بادرته الضفدع فجاءت في فِيه، ولقوا منها العذاب الشديد
стр. 1923
-والعياذ بالله- فلما لقوا منها ذلك كانوا ليس عندهم شيء إلا به الضفادع، لا يرفعون ثوبًا ولا إناء إلا وبه الضفادع، وبيوتهم ملأى منها، والواحد جالس في الضفادع إلى عنقه، تتساقط لهم في قدورهم وأطعمتهم وثنانيرهم، وكادت تهلكهم، فمكثت عليهم -يقولون- سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا ذلك إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] إلى آخر ما ذكرنا (١).
والضفادع حيوانات تكون برية وتكون بحرية، والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أنها لا يجوز أكلها ولا قتلها، وقد ثَبتَ في السنن من حديث صحيح أن النبي ﷺ سأله طبيب في ضفدع يجعلها في دواء، فنهى ﷺ عن قتلها (٢) هذا جاء في السنن في حديث صحيح عن النبي، وما نهى النبي ﷺ عن قتله لا يجوز أكله؛ لأنه لا يوصل إلى أكله إلا بقتله بالذبح، هذا هو التحقيق. فالذين يأكلون الضفادع يرتكبون الحرام الذي لا شك فيه، وظاهر هذا الحديث سواء كانت بريّة أو بحرية، وهو الأظهر، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
стр. 1924
ولمّا رفع الله عنهم الضفادع، وبقوا في عافية شهرًا أو غير ذلك، وهم راجعون لأشد ما هم فيه من العذاب، وقالوا: تبيّن لنا أن هذا الرجل هو رئيس السحرة وكبيرهم، كما قص الله عنهم في قوله: ﴿إِِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: آية ٧١] عندما آمن السحرة لرب موسى وهارون، فلما رجعوا إلى كفرهم بعد ذلك أرسل الله عليهم الدم، والدم: هو الدم هذا المعروف الذي تعرفونه، وأصل الدم (دَمَيٌ) بالياء، فهو من الأسماء الثلاثية التي حذفت العرب لامها وعاضتها على العين، والتحقيق أن لامه المحذوفة ياء، خلافًا لمن زعم أنها واو، فهو (دمي) على وزن (فَعَل) (١) وربما ظهرت ياؤه المحذوفة عند التثنية وغيرها، ومن ظهورها عند التثنية قول سحيم بن وثيل الرياحي (٢):
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ
وهذه الياء المحذوفة من الدم تظهر في كثير من التصاريف، تظهر في الفعل الماضي، وتظهر في المضارع، ومن ظهورها في الفعل الماضي المشتق من الدم قول الراجز (٣):
هَلْ أَنْتِ إِلَاّ أُصْبُعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
لأن الياء من (دَمِيَ) (فَعِلَ). و (دمي) معناها: جاء منها الدم.
стр. 1925
وكذلك تظهر في المضارع، ومنه قوله (١):
وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا
ومعنى: (تَدْمَى) أصله: (تَدْمَيُ) (تَفْعَلُ) أُبدلت الياء ألفًا لسبق الفتحة قبلها كما هو معروف، هذا أصل الدم.
ومعنى تعذيبهم بالدم (٢): أنهم كانوا كلما أخذوا الماء ليشربوا فإذا ذلك الماء دمٌ أحمر قانٍ عبيط، ليس لهم ماء، فإذا صبوا من أوعيتهم ماء فإذا ذلك الماء دم، وإذا استقوا من الأنهار فإذا الماء الذي استقوا منها دم، وإذا استقوا من الآبار فإذا هو دم.
يذكرون أن فرعون كان يجمع القبطي والإسرائيلي، والإسرائيلي يشرب الماء من إناء واحد فما أخذ منه الإسرائيلي فهو ماء، وما أخذه القبطي يكون دمًا، حتى إنهم زعموا أن القبط لما أضرّ بهم العطش؛ لأن جميع مياههم صارت دمًا، وصار كل ماء استقوه دمًا عبيطًا، أن القبطية كانت تقول لجارتها الإسرائيلية: اجعلي الماء في فيك ومُجيه في فيّ لأتبرد به، فإذا مَجَّتْه في فيْها نزل من فم الإسرائيلية ماء، فإذا وصل فم القبطية إذا هو دم عبيط!! هكذا يقولون (٣).
والمفسرون يقولون: إن هذا الذي وقع كله للقبطيين لم يقع منه شيء للإسرائيليين، فلم يدخل الماء بيوتهم، ولم يأتهم القمل، ولم تأتهم الضفادع، ولم يأتهم الدم كما يقولون. والله تعالى أعلم.
стр. 1926
قالوا: زعموا أن فرعون -قبّحه الله- أضرّ به العطش، وعطش عطشًا شديدًا؛ لأنه صار كلما استقى ماء فإذا هو دم عبيط، وأنه اضطر إلى مَصِّ مِيَاهِ الشَّجَرِ التي تكون في الشجر، قالوا: فإذا مصّ ماء الشجرة فوصل فاه فإذا هو دم - والعياذ بالله تعالى - قالوا: مكث عليهم الدم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فلما تأذوا به كثيرًا شكوا إلى فرعون، وجاء فرعون موسى وقال: الآن حُق لنا أن نتوب التوبة النصوح فـ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فلما كشفه عنهم رجعوا إلى أخبث كفرهم وأشده، وهذا من اللجاج؛ ولأجل هذا - اللجاج والكفر وإخلاف الوعد - غضب موسى عليهم غضبًا شديدًا، ودعا رَبَّهُ ذلك الدعاء الحاد العظيم حيث ذكره الله في سورة يونس في قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: آية ٨٨] وفي قراءة أخرى (١): ﴿لِيَضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: الآيتان ٨٨، ٨٩]؛ لأن [هارون] (٢) قال: آمين. والمُؤَمِّن أحد الداعيين. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] (آيات) حال. أرسلنا عليهم هذه الأشياء في حال كونها آيات. أي: علامات ودلالات واضحات لا شك في الحق معها.
وقوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ قال بعض العلماء: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: بينات
стр. 1927
واضحات لا لبس فيها أنها من الله، وأنها حق، وأن هؤلاء الكفرة عاندوا الحق الواضح.
وقال بعض العلماء: مفصلات: بينها فصل؛ لأنه كلما جاءتهم آية وعَذَّبَهُم الله بها وضَجُّوا إلى فرعون، وضَجَّ فرعون إلى موسى، وقال: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فكشف عنهم الرجز ومكثوا زمنًا في عافية فصار بين الآيات فصل من العافية بين هذه وهذه، وأن ذلك هو معنى قوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: متتابعات بين كل اثنتين منها فصل، هكذا قاله بعضهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾.
﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ أي: تَكَبَّرُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مَعَ مشاهدة هذا عندما ينزل بهم العذاب يستكينون ويخضعون قهرًا لا رغبة في الخير، فإذا رُفع عنهم أعرضوا إلى ما كانوا عليه، هذا معنى: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾.
﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] قدمنا مرارًا (١) أن القوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: اسم جمع لا واحد له من لفظه، يختص في الوضع في الذكور دون الإناث، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع، والدليل على اختصاصه بالذكور في الوضع قوله تعالى في الحجرات: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ فلو دخل النساء في اسم القوم وضعًا لما قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ [الحجرات: آية ١١] ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى (٢):
стр. 1928
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أدرِيْ ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
ومن الدليل على أن النساء ربما دَخَلْنَ في القوم بحكم التبع: قوله تعالى في بلقيس: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣] وهذا معنى قوله: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والمجرم هو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب الذي يستحق صاحبه التنكيل والعذاب، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥].
هذه الآية كأنها تُقرأ عند كل واحدة من الآيات السابقة ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: آية ١٣٠] قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] أي: ولما عُذبوا بالطوفان ووقع عليهم رجز الطوفان ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فلما رفعه عنهم ووقع عليهم رجز الجراد ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤].
[وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾]
стр. 1929
(١) هم بنو إسرائيل بإجماع العلماء (٢)، وكونهم ﴿كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] كان فرعون يستضعفهم ويأخذهم أخذ الضعيف الذي لا حيلة له فيقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويستخدمهم في الأعمال الشاقة، إلى غير ذلك من الإهانات، كما يأتي في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٤١].
فقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] جماهير العلماء على أن مشارق الأرض هو المفعول الثاني لـ (أورثنا) (٣)، أورثنا المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها. أي: جعلناها آيلة إليهم بعد أن أهلكنا الكفار الذين كانوا فيها، وهذا هو التحقيق خلافًا لما نُقل عن الكسائي والفراء (٤) مِنْ أنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الخَافِضِ، وأن المعنى: وأوْرَثْنَا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى هذا القول فمفعول الإيراث محذوف. ولا يخفى أن هذا القول غير صواب، وإن نقل عن الكسائي والفراء وغيرهم، وأن التحقيق أن الإيراث واقع على بني إسرائيل، وأن قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أن (أورثنا) تطلب مفعولين، المفعول الأول: هو قوله ﴿الَّذِينَ﴾ والمفعول الثاني: هو قوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أي: أورثناهم مشارق الأرض كما جاء موضحًا في آيات أُخر، كقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] ونحو ذلك من الآيات.
стр. 1930
ومعنى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قال أكثر المفسرين (١): ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾: الشام، ومغاربها: مصر. وأن الله أهلك فرعون وقومه وأورث بني إسرائيل أرضهم كما صرح بذلك في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] وهي ما تركوا من جنات وعيون، وزروع، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وأن مشارق الأرض: هي الشام، أورثهم الله إياها بعد أن أهلك الجبارين الكنعانيين وأبادهم. هذا يقوله أكثر العلماء، ويزعمون أن في التوراة: أن هذه المشارق والمغارب من الفرات، وأنها من الفرات إلى المحل الذي خرجوا من البحر منه [وطلبهم] (٢) منه فرعون!!
وبعض العلماء يقول (٣): مشارق الأرض ومغاربها: الشام فقط؛ لأنه أورثهم أرضه من مشرقها ومغربها، أي: ما يلي المشرق منها وما يلي المغرب.
واعلموا أن الآيات القرآنية دلت دلالة واضحة على أن الله أورث بني إسرائيل ما كان عند فرعون وقومه من الجنات والعيون، والزروع والكنوز، والمقام الكريم، هذا جاء في آيات متعددة، جاء موضحًا في سورة الشعراء، وفي سورة الدخان، وأُشير له هنا في الأعراف.