الحر بن قيس من خيار المسلمين ومن القُراء، وكان له مكانة عند عمر بن الخطاب ﵁؛ لأن عمر ﵁ كان جلساؤه القراء صغارًا كانوا أو كبارًا، فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لنا عليه. فاستأذن له عليه، فلما دخل عيينة على عمر ﵁ -وكان عيينة بدويًّا جافيًا- فقال: إِيهٍ يا ابن الخطاب!! ما تعطينا الجزل، ولا تقسم بيننا بالعدل!! فغضب عمر بن الخطاب ﵁ حتى همّ به، فقال له الحرّ بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر، وكان عمر ﵁ وقّافًا عند كتاب الله (١).
قال بعض العلماء (٢): (العفو) هو ما تسهّل لك من أخلاق الناس، خذ ما وجدته سهلاً من أخلاق الناس، ما وجدت منهم من طيب خذه، وما جاءك منهم من غير ذلك تجاوز عنه واصفح عنه.
والعفو في لغة العرب يطلق على ضد الجهد، فكل شيء متيسر لا مجهود فيه تسمية العرب عفوًا (٣). وقد قدمنا إيضاحه في تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: آية ٢١٩] أي: الشيء الزائد الذي لا يُجهد الزائد على قدر الخَلَّة الضرورية على أصح التفسيرين. وهو معنى معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» خذ ما تسهّل لك مني، وما تعصَّى عليك لا تكلِّمني
стр. 2242
فيه. ومنه قول أسماء بن خارجة وقيل حاتم الطائي (١):
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ... ولَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتي حِينَ أغضبُ
ومنه قول حسان ﵁ يمدح المهاجرين في شعره المشهور الذي فاخر به وفد تميم (٢):
خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ... ولا يكُنْ همُّكَ الأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا
وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (٣):
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا ... فَخُذْهَا فالغِنَى مَرْعًى وَشرْبُ
فعلى هذا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس ووجدت منهم طيبًا بلا كلفة فخذه، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوَزْهُ، كما قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ العرب تطلق لفظة العُرف والمعروف والعارفة على كل خصلة جميلة تستحسنها العقول وتطمئن إليها النفوس (٤). معناه: وأمر بكل معروف جميل تطمئن إليه النفوس. وهذا معنى قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (٥):
стр. 2243
مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يَعْدَم جَوَازِيْهِ ... لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ
يعني: أُؤْمُر بالعرف؛ أي: بكل جميل حسن تطمئن إليه النفوس وتستحسنه العقول؛ كالإعراض عن الجاهل، والعفو عن المسيء، وكان بعض علماء الأصول يقول: إن هذه الآية يدخل فيها ما يتعارف عليه الناس في معاملتهم وبيوعاتهم ونحو ذلك (١)، أن الناس إذا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بعرف بينهم في جميع معاملاتهم يجب على الحاكم أن يأخذه؛ ولذا قال العلماء: إذا جاء قَاضٍ إلى بلد وهو غريب عنها ليس من أهلها لا يجوز له أن يحكم ولا أن يفتي حتى يسأل عَنْ عُرْفِهِمْ وعَادَاتهم في ماذا يريدون بالصيغ وألفاظ المعاملات؛ لأن الأحكام تختلف باختلاف الأعراف، قد يكون الناس يطلقون هذه الكلمة على معنًى مُعَيَّن لا يريدون غيره فيحملها القاضي على لفظها اللغوي فيظلمهم، ويُحَمِّلهُم ما لا يقصدون. ومن هذا كان بعض علماء الأصول يقول: هذه المسألة التي دخلت في عموم هذه الآية إحدى القواعد الخمس التي أُسس عليها الفقه الإسلامي (٢). وبعضهم يقول: أصلها أربعة، زاد بعض الأصوليين فيها خامسة (٣)، وهي قواعد خمس:
أولها: (الضرر يُزال) هذه قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي (إزالة الضرر)، ويشهد لها حديث: «لَا ضَرَرَ
стр. 2244
وَلَا ضِرَارَ» (١).
الثانية: (المشقة تجلب التيسير) هذه من قواعد الفقه الإسلامي التي أُسس عليها، ومن فروع هذه القاعدة: التسهيلات والرخص، كقصر المسافر للصلاة، وفطره في رمضان، وغير ذلك من الرخص والتسهيلات المنتشرة في الشرع.
الثالثة: (لا يرتفع يقين بشك) وهذه من أمثلتها: أن الذمة
стр. 2245
تُحمل على براءتها حتى يُتحقق بالبينة شغلها. وكذلك إذا ثبت أن الذمة شُغِلَتْ بدَيْنٍ وجب استصحاب ذلك الشغل حتى تقوم البيّنة على أنه قضاه. وهكذا في مسائل كثيرة.
الرابعة: قولهم (العُرفُ مُحَكَّم) وهو أن الناس في معاملاتها وما يجري بينها في بيوعها ونكاحها وإجاراتها وطلاقها وغير ذلك من العقود أنها يُرجع بها إلى عرفها وما تعتاده في مخاطبتها وتقصده، ولا تُحمَّل بمطلق ألفاظ اللغة التي يخالفها عرفها.
القاعدة الخامسة: (الأمور تبع المقاصد) وهذه قاعدة عظيمة يشير إليها قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١).
وهذا معنى قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الإعراض عن الجاهلين خُلُق سماوي أمر الله به نبيّه لِيُعَلِّم خَلْقَه هذا الخُلق الكريم، والأدب السماوي العظيم، أنه إذا جهل عليك جاهل فأساء إليك أن تعرض عنه ولا تأخذه بزلته، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: آية ٧٢] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: آية ٥٥] ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
стр. 2246
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] (إما) هذه أصلها (إن) الشرطية زيدت بعدها (ما) المزيدة لتوكيد الشرط (١) والكثير في كلام العرب: أن (إن) الشرطية إذا أُكِّدت شرطيتها بـ (ما) المزيدة بعدها كان الفعل المضارع لا بد أن تكون فيه نون التوكيد المُثَقَّلة، حتى قال بعض العلماء: كل مضارع قبله (إما) لا بد أن يتصل بنون التوكيد الثَّقيلة (٢). والتحقيق أن هذا وإن كان هو لغة القرآن لم يوجد في القرآن فعل مضارع قبله (إما) إلا وهو مقترن بنون التوكيد المُثَقَّلة ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: آية ٤١] ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: آية ٢٦] إلى غير ذلك؛ إلا أن التحقيق أن إتيان نون التوكيد بعده هو اللغة الفصيحة ولو لم تأت بعده لكان جائزًا، وسُمع في أشعار العرب بكثرة عدم توكيد الفعل بعد (إما)، ومنه قول الأعشى (٣):
فَإِمَّا تَريْني ولي لِمَّةٌ ... فإنَّ الحَوَادثَ أَودَى بها
قال: «تريني» ولم يأت بنون التوكيد. ومنه قول الحماسي (٤):
زَعَمتْ تُمَاضِرُ أَنَّني إِمَّا أَمُت ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خُلَّتي
ومنه قول الشنفرى (٥):
فإما تريني كابنةِ الرَّمْلِ ضَاحِيًا ... على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أتَنَعَّل
стр. 2247
وقول لبيد بن رييعة (١):
فَإِمَّا تريني اليومَ أصبحتُ سَالمًا ... فلَسْتُ بِأَحْيَا من كلابٍ وجعفرِ
وهو كثير في كلام العرب. وزعم قوم أن حذف نون التوكيد لضرورة الشعر. وقال جماعة من علماء العربية: إنه لغة صحيحة لا ضرورة، كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] أسند الفعل هنا إلى مصدره، كقول العرب إذا جدَّ الأمر: «جدَّ جِدُّ هذا الأمر». والأصل يعنون: جدَّ الناس في ذلك الأمر. وإسناد الفعل إلى مصدره أسلوب عربي معروف، منه قول أبي فراس الحمداني وإن كان شعره لا يصلح إلا مثالاً لا شاهدًا (٢):
سَيَذْكُرني قَومي إذا جَدَّ جِدُّهُم ... وفي الليلةِ الظَّلماء يُفْتَقَدُ البدرُ
قال بعض العلماء (٣): النزغ والنغز معناه: النخس. وإما ينخسنك الشيطان. ونخس الشيطان كأنه يأتي بشيء محدد ينخس في الإنسان ويغرزه فيه ليثيره إلى ما لا يرضي الله من المعاصي. وهذا النزغ هو فساد الشيطان على الإنسان إما بالوساوس، وإما بشدة الغضب، ونحو ذلك مما يحمله عليه الشيطان من انتهاك حرمات الله وتضييعها. إذا نزغك هذا النزغ من الشيطان بأن وسوس لك حتى زين لك أن تعصيه، أو أغضبك حتى خرجت عن حدود الطاعة، وكان هذا النزغ سيؤديك إلى أن تفعل ما لا ينبغي ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من الشيطان. (استعذ) معناه: اطلبه أن يعيذك منه. والإعاذة: هي الحفظ
стр. 2248
والتمنع والتوقي، عكس اللياذ؛ لأن اللياذ بالإنسان لاذ به يلوذ: إذا كان يريد أن يجلب له مصالحه. واستعاذ به يستعيذ ليمنعه ويقيه مما يخاف، كما قال (١):
يَا مَنْ أَعُوذُ به فيما أُحَاذِرُه ... ومن أَلُوذُ به فيما أُحاوله
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب أن يعيذك، أي: يمنعك ويقيك من هذا الشيطان الرجيم ﴿إِنَّهُ﴾ جل وعلا ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائك، سميع لما يوسوس لك من الشيطان ﴿عَلِيمٌ﴾ بوسوسة الشيطان لك، وبالتجائك إليه، وبكل ما يقوله ويفعله خلقه، فهو الذي بيده إنجاؤك منه، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠].
[٢٧/ب] / [﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: الآية ٢٠١] قوله: ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو: ﴿طَيْفٌ من الشَّيْطَانِ﴾. وقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿طَيْفٌ﴾. فعلى القراءة الأولى ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: لَمَّةٌ وخَطْرَة، فإذا وقع لهم شيء من ذلك أعرضوا عنه] (٢) إلى ما يرضي الله ويسخط الشيطان. وعلى قراءة الآخرين:
стр. 2249
﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: آية ٢٠١] فالطائف: اسم فاعل طاف يطوف فهو طائف. ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ الشيء الذي يطوف بهم من قِبَل الشيطان من وساوسه وإغضابه لهم. ومعنى القراءتين متلازم، إلا أن الأول يقول: ﴿طيف من الشيطان﴾ أي: لَمَّة منه. والثاني يقول: ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ كما قال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم: آية ١٩] ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد.
وقوله: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: تذكروا عقاب الله وثوابه ففاجأهم الإبصار. والإبصار هنا معناه: الإبصار بالقلب الذي يحمل الإنسان على الرجوع إلى ما يرضي الله ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦].
وقد قدمنا أن (إذا) الفجائية فيها ثلاثة أقوال (١):
أحدها: أنها حرف.
والثاني: أنها ظرف زمان.
الثالث: أنها ظرف مكان. كما هو معروف في محله.
وهذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠١].
﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ الآخرين، إخوانهم في النسب لا في الدين، الذين
стр. 2250
لا يبصرون ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يمدهم الشياطين. فالإخوان الأولون من الإنس. وقوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يعني: تمدهم الشياطين. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ الآخرين من عتاة الإنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: تمدهم الشياطين. هذا الذي ذكره غير واحد، أن المراد بالإخوان: العتاة من الآدميين، والذين يمدونهم: هم إخوانهم من الشياطين.
وقال بعض العلماء: إن الإخوان الأولين: الشياطين يمدون إخوانهم من عتاة الإنس. وعلى كل الأحوال فالمعنى: أن المتمردين من بني آدم، العصاة والكفرة لهم إخوان من الشياطين يمدونهم في الغي. ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ معناه يكونون لهم مددًا في الغي، ويزيدونهم فيه، فيزيدونهم طغيانًا إلى طغيانهم، وكفرًا إلى كفرهم بما يزينون لهم من الكفر والمعاصي ويعينونهم عليه.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٢]، أي: لا يقصر الشياطين الذين يمدون عتاة الإنس لا يقصرون في ذلك أبدًا؛ لأن الشيطان لا يحصل منه تقصير البتة في فعل السوء، فهو طبيعته مُتَمَادٍ فيه أبدًا. والعرب تقول: أقْصَرَ عَنِ الأمْرِ يُقْصِرُ: إذا كَفَّ ونَزَع عنه وقلَّلَ منه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس (١):
سَمَا بك شوقٌ بَعْدَ ما كَانَ أَقْصَرَا ... وَحَلَّتْ سُليمَى بَطْنَ قَوٍّ فعَرْعَرَا
ومعنى الآية بالإجمال: أن المؤمنين المتقين إذا أصابتهم لَمَّة من الشيطان ونزغ منه فوسوس لهم ليحملهم على المعاصي، أو
стр. 2251
أغضبهم ليوقعهم بالغضب في المعاصي، تذكروا الله فأبصرت قلوبهم عقاب الله وثوابه، فرجعوا إلى ما يرضي الله، وأن غيرهم من الكفرة و [أصحاب] (١) المعاصي إذا جاءتهم لَمَّاتُ الشياطين وطائف الشياطين مدوا لهم وزادوهم ضلالاً إلى ضلال، فلا يبصر هؤلاء ولا يبصر هؤلاء. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٢].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم﴾ (إذا) أصلها ظرف مضمن معنى الشرط، ومن أحكامه عند علماء العربية: أنه يدل على تحقق وجود المشروط. فلو قلت لعبدك وهو يعرف معنى اللغة العربية: «إن جاءك زيد فأعطه درهمًا»،. فهو يعلم أن معنى الكلام: أن زيدًا محتمل أن يجيء ومحتمل أن لا يجيء؛ لأن (إنْ) حرف شرط لا يقتضي وجود الشرط. أما إذا قلت له: «إذا جاءك زيد فأعطه درهمًا» وهو يعرف معنى اللغة فإنه يعلم أن زيدًا آتٍ لا محالة؛ لأن (إذا) تدل على تحقق وقوع الشرط، وهي لا تقتضي التكرار على التحقيق إلا إذا اقترنت بقرينة تدل على ذلك (٢). فمن قال لزوجته: «إذا دخلت الدار فأنت طالق» ثم دخلتها فإنها تطلق، ولو دخلتها مرة أخرى لا يكون عليه طلاق جديد؛ لأن (إذا) ليس أداة تكرار. قال بعض علماء العربية: وربما دلت على التكرار إن احْتَفَتْ بقرينة يُفهم منها ذلك. والتحقيق
стр. 2252
أن (إذا) قَدْ تَأْتِي أداة تكرار إذا دَلَّتْ قرينة على ذلك، ومنه بذلك المعنى قوله (١):
إِذَا وَجَدْتُ أُوارَ النَّارِ فِي كَبِدِي ... ذَهَبْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ المَاءِ ظَاهِرَهُ ... فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ
فإن معنى «إذا وجدت أُوار النار في كبدي»: كلما وجدت الحرارة الشديدة في كبدي بردتها بالماء.
وقوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ﴾ كانت عادة الكفار اقتراح الآيات على رسول الله ﷺ (٢)، تارة يقترحون عليه آيات قرآنية تُتلى غير هذا القرآن، كما سيأتي في سورة يونس، وفي تفسير قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: آية ١٥] وتارة تكون الآيات المقترحات آيات كونية قدرية كما في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠)﴾ وفي القراءة الأخرى (٣): ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: الآيتان ٩٠، ٩١] إلى آخر الآيات المقترحات، وهي كثيرة في كلام العرب.
ومن العلماء ما ظاهر كلامه أن الآية المقترحة هنا آيات أُخر من
стр. 2253
جنس القرآن غير ما أنزل، وعلى هذا القول فلا إشكال في الكلام؛ لأن المعنى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ﴾ تقرأ عليهم آيات أُخر غير ما أنزل عليك ﴿قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ (لولا) هنا حرف تحضيض، والتحضيض: الطلب بِحَثٍّ. معناه: أطلب منك طلبًا حثيثًا شديدًا أن تجتبيها.
و ﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ أصل الاجتباء معناه المشهور في لغة العرب: الاختيار والاصطفاء. هذا أشهر معانيه المعروفة، ومنه قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: آية ١٢٢] قال بعض العلماء: لولا اخترتها واصطفيتها وجئت بها. وقالت جماعة من المفسرين: العرب تقول: اجتبيت الكلام. إذا اختلقته واخترعته من وقته، ولم يكن عندك فيما سبق، بل جئت به اختلاقًا واختراعًا في وقته. ﴿قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلَاّ جئت بها مخترعة مختلقة في عجلة؛ لأنهم يزعمون أن كل القرآن اختلاق ﴿إِنْ هَذَا إِلاِّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص: آية ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٥] كما أن هذا الذي تقرأُ مختلق في زعمهم فاقرأ الآية المطلوبة منك مختلقة أيضًا كهذا الذي تقرأ. وهذا تكذيب منهم -قبّحهم الله- بالقرآن. وعلى هذا القول فلا إشكال في قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلاّ اخترعتها واختلقتها وقرأتها علينا كما طلبناك، كما اختلقت هذا القرآن كله ونسبته إلى الله بغير حق. هذا قولهم لعنهم الله.
وذهبت جماعة أخرى من أهل التأويل إلى أن الآية المطلوبة هنا آية كونية قدرية، كما قال: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [الإسراء: آية ٩٠] وقد قالوا له ﷺ : اجعل لنا الصفا ذهبًا، وباعد عنا بين جبال مكة لنزدرعها، وهاتنا بالرياح لنركبها إلى
стр. 2254
الشام كما كان يفعل سليمان، وأحي لنا قصيًا نسأله عنك هل أنت رسول أو لا؟ إلى غير ذلك من الآيات المقترحات.
وعلى أن الآية المطلوبة هنا كونية قدرية قال بعض العلماء: معنى ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلا اقترحتها وتَلَقَّيْتَهَا من تلقاء ربك؛ لأنك تزعم أن كل ما سألت منه يعطيك إياه. يعني فتقلب لنا الصفا ذهبًا، وتحيي لنا قصيًا نسأله عنك، إلى غير ذلك من الآيات المقترحات. وعلى هذا القول فالاجتباء هنا بمعنى تلقيها من الله مقترحة، وإجابة الله إلى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قل لهم يا نبي الله: ليس من شأني اختلاق الآيات التي تُقرأ وتتلى، وليس من شأني اقتراح الآيات الكونية القدرية، إنما أنا عبد مأمور أفعل كما أمرني ربي ولا أتجاوزه إلى شيء آخر.
﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ﴾ ما أتبع إلا ﴿مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ فهذا الذي أتلوه عليكم أوحاه ربي إلي، وهو الذي أقرأه عليكم، أما شيء آخر لم يُوح إليَّ فلا أقوله لكم ولا أقترح على ربي شيئًا. والله (جل وعلا) قد بيّن في سورة بني إسرائيل أنه إنما لم يرسله بخارق مثل خارق الرسل المتقدمة كناقة صالح ونحو ذلك أنه إن فعل ذلك كذبوا فأهلكهم، كما قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: آية ٥٩] لأن الله ﵎ لما اقترحوا هذه الآيات بيّن لهم هنا وفي سورة العنكبوت أنه أنزل لهم آية هي أعظم من جميع الآيات وأكبر، وهي هذا القرآن العظيم، فهذا القرآن العظيم أعظم آية من ناقة صالح، ويد موسى البيضاء، وعصاه التي تكون ثعبانًا.
ومما يدل على أنها أعظم الآيات: أنها تتردد في أسماع الخلائق إلى يوم القيامة، وأنها كلام رب العالمين الذي يعجز
стр. 2255
عن الإتيان بمثله جميع الخلائق، وقد تحدى الله العرب بسورة من هذا القرآن العظيم في سورة البقرة قال: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٣] وتحداهم بسورة منه في سورة يونس قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: آية ٣٨] وتحداهم بعشر سور في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: آية ١٣] وتحداهم به كله في سورة الطور: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: آية ٣٤] ثم بيّن في سورة بني إسرائيل أن عامة الخلائق لو تعاونوا واجتمعوا لا يقدرون على الإتيان بمثل هذا القرآن: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: آية ٨٨] فلما كان معجزة يعجز عن مضاهاتها جميع الإنس والجن، وهي معجزة باقية تتردد في آذان الخلائق إلى يوم القيامة، محفوظة، تَوَلَّى رَبُّ العَالمين حِفْظَهَا، لو أراد أحد أن يزيد في هذا القرآن العظيم نقطة واحدة، أو يغير شكلة حرف لرد عليه الآلاف من صغار أطفال المسلمين في أقطار الدنيا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: آية ٩] ولأجل عظم هذه الآية وكبرها وأنها أعظم الآيات وأكبرها أنكر (جلّ وعلا) على مَنْ طَلَب آية غيرها إنكارًا شديدًا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠)﴾ ثم أنكر عليهم طلب آية غيره قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ
أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ الآية [العنكبوت: الآيتان ٥٠ - ٥١]. فمن لم
стр. 2256
يكتف بهذه الآية العظمى عن جميع الآيات فهو جدير بأن ينكر عليه؛ ولذلك قال هنا في أخريات الأعراف لما قال عنهم إنهم قالوا: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ بيّن لهم أن هذا القرآن العظيم أعظم آية، لا ينبغي للإنسان أن يطلب آية غيره حيث قال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣] فمن لم تهده هذه البصائر والأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والمعجزة العظمى، والهدى والرحمة فلا آية تهديه ألبتة. وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾ لا أختلق آية ولا أقترح أخرى.
ثم قال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ الإشارة في (هذا) إلى هذا القرآن العظيم. أي: هذا القرآن الذي هو أعظم آية وأنتم تقترحون آيات غيره ﴿بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ البصائر جمع البصيرة، والبصيرة المراد بها: البرهان القاطع والدليل الساطع الذي يُبْصَر في ضوئه الحق واضحًا لا لبس فيه. فالبصائر: الحُجج القاطعات، والبينات الواضحات التي لا تترك في الحق لبسًا، وواحدها (بصيرة)، ومنه قوله تعالى في أخريات يوسف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: آية ١٠٨] وإنما كان المبتدأ الذي هو (هذا) إشارة إلى مذكر، والخبر جمع تكثير جمع تكسير (بصائر)؛ لأن (هذا) وهو إشارة إلى القرآن، والقرآن يتضمن حُجَجًا كثيرة، وبراهين قاطعة بكثرة؛ ولذا عبر عنه بـ (هذا) وأخبر عنه بقوله: ﴿بَصَآئِرُ﴾ و ﴿وَهُدًى﴾ أي: بيان ودلالة؛ لأن القرآن العظيم يُطلق هداه الهدى العام، ويُطلق هداه الهدى الخاص، والقرآن العظيم قد بيّن تعالى أن له هدى عامًّا للأسود والأحمر، وهدى خاصًّا لمن وفّقَهُ الله.
стр. 2257
أما الهدى العام: فمعناه بيان الطريق، وإيضاح المحَجَّة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن والقبيح. تقول العرب: «هديته» إذا أرشدته إلى الخير، سواء تبعه أم لا. ومنه بمعناه العام: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بينا لهم الحق على لسان نبينا صالح، وهو هداية إرشاد وبيان لا هداية توفيق؛ لأن الله قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: آية ١٧].
ومن إطلاق الهدى بمعناه العام الذي هو البيان والإيضاح والإرشاد قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بينا له طريق الحق وطريق الباطل، بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: الآيتان ٢، ٣] لأن الهداية في قوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ لو كانت هداية توفيق لما قسم من هداه الله بها إلى شاكر وإلى كفور.
المعنى الثاني: هو إطلاق الهدى بمعناه الخاص، والهدى بمعناه الخاص: معناه توفيق الله (جل وعلا) لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة. ومنه بهذا المعنى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: آية ٩٠].
وكون الهدى يُطلق إطلاقًا عامًّا وإطلاقًا خاصًّا إذا فهم الإنسان ذلك زالت عنه إشكالات في كتاب الله، ومناقضات يظنها الجاهل ببعض آيات الله، كقوله تعالى في نبينا ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: آية ٥٦] مع قوله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: آية ٥٢] فنفى عنه الهدى في آية وأثبته له في آية، فالهدى
стр. 2258
المُثبت له في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو الهدى بمعناه العام، وهو البيان والإيضاح. وقد بين ﷺ هذه المحَجَّة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه.
أما الهدى المنفي عنه في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: آية ٥٦] فهو التفضل بالتوفيق وسعادة المرء؛ لأن هذا بيد الله وحده ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية [المائدة: آية ٤١] .. ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: آية ٣٧] في القراءة الأُخرى (١): ﴿لا يُهْدَى من يُضِل﴾ أي: لا يُهْدى أحد أضله الله.
إلى غير ذلك من الآيات؛ ولذا قال في آية في هدى القرآن العام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: آية ١٨٥] وقال في هداه الخاص: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢] وبهذا تعلم أن هداه المخصوص بالمتقين في قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ والمخصوص بالمؤمنين كقوله هنا في آية الأعراف هذه: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣]، أن المخصوص بالمؤمنين هو الهدى الخاص، وهو توفيق الله (جل وعلا) لهم وتيسيره لهم إلى الأعمال التي ترضيه؛ ولذا كان القرآن العظيم لمن وفقه الله هدى بهذا المعنى، وكان حجة على غيره -والعياذ بالله- يدخله الله بها النار، كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ
стр. 2259
يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: آية ٤٤] وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: آية ٨٢] وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: الآيتان ١٢٤، ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: آية ٦٤، ٦٨] في الموضعين في سورة المائدة كما تقدم، وهذا معنى قوله: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لأن القرآن بصائر، أي: حجج واضحات، وبينات قاطعات، وبراهين ساطعة لا تترك في الحق لبسًا.
﴿وَهُدًى﴾ أي: إرشادًا ودلالة للمسلمين يبين لهم بيانًا لا خفاء معه ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن وفقه الله للعمل به يرحمه الله به ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أما القوم الذين سبق لهم الشقاء فهو حجة عليهم يدخلون به النار، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: آية ٤٤] لأن الله ﵎ منذ أنزل هذا الكتاب المنزل كان واجبًا شرعًا ألا يدخل أحد الجنة كائنًا من كان إلا عن طريق العمل به، وألا يدخل أحد النار إلا عن طريق الإعراض عنه ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية [هود: آية ١٧]. فالعمل به مفتاح الجنة، والإعراض عنه سبب دخول النار. وهذا معنى قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٤] قال بعض العلماء: كان كفار مكة لا ينصتون للقرآن ولا يستمعون له، ولا يرضون أحدًا أن يسمعه، بل
стр. 2260
يُخَلِّطُون فيه بالأصوات والتصدية والمكاء من تصفيق وتصفير، ويأتون باللغط واللغو ليمنعوا الناس من سماعه وتدبره كما نص الله على ذلك عنهم في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: آية ٢٦] فأمر الله المؤمنين أن ينصتوا له ويستمعوا.
قال بعض العلماء: هو أمر للكافرين أن يكفوا عما يفعلون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وقد أجرى الله العادة أن الكفرة يكرهون كل الكراهة سماع كلام رب العالمين -والعياذ بالله- هذا أول الأنبياء الذين أُرسلوا لأهل الأرض بعد أن كفروا، نوح (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) فانظروا كيف يكره قومه سماع كلامه؛ لأنه يقول عنهم: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ [نوح: آية ٧] كراهة أن يسمعوا الحق الذي يقوله لهم ذلك النبي الكريم. وهؤلاء الذين بُعث فيهم خاتم الرسل (صلوات الله وسلامه عليه) يقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: آية ٢٦] فقد بين -جل وعلا- في أُخريات سورة الحج شدة كراهتهم لتلاوة القرآن عليهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج: آية ٧٢] أي: لشدة كراهتهم وبغضهم لتلاوتها؛ ولذا قال هنا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾.
وكثير من علماء السلف يقولون: هذه في الصلاة خاصة إذا كان الإمام يقرأ صلاة جهرية، فإذا قرأ الإمام قراءة جهرية فعلى المأمومين أن يستمعوا وينصتوا. وكان بعض العلماء من هذا المعنى يقول: ليس
стр. 2261
على المأموم قراءة؛ لأن قراءة الإمام تكفيه في الجهرية. وبعضهم يقول: تكفيه مطلقًا، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (١) فجماعات كثيرة من علماء السلف يقولون: هي في الصلاة إذا كان الإمام يقرأ جهرًا. إذا قرأ الإمام القرآن في الصلاة ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ الاستماع: هو أن تتفهم هذا الذي يقال حتى تَفْهَمَ مَعَانِيه، والإنصات: هو السكوت وترك الكلام لأجل استماع الكلام. هذا معنى: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وكان بعض العلماء يقول: هي في خطبة الجمعة.
وبعضهم يقول: هي في الفطر، والأضحى، وخطبة الجمعة، وكل ما يجهر فيه الإمام (٢).
وكونها في خطبة الجمعة وإن قال به جماعة كثيرة من السلف فإنه لا يخلو من بُعد لمسائل، منها: أن القرآن غير كثير فيها. ومنها: أن الجمعة ما شُرعت إلا بالمدينة، وهذه الآيات من سورة الأعراف مَكِّيَّة؛ لأن سورة الأعراف من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة كما هو معلوم.
стр. 2262
وهنا كان خلاف بين العلماء: هل إذا قرأ الإمام يسكت المأموم ويكتفي بقراءة الإمام، أو لا بد أن يقرأ الفاتحة؟ في هذا خلاف مشهور بين العلماء (١)، فبعض العلماء يقول: أما في الجهرية فإن المأموم يسكت؛ لأن الله أمره في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ والله يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: آية ٦٣].
ومن العلماء من لا يرى الفاتحة واجبة على المأموم؛ لأن الإمام يحملها عنه. وهذا مذهب مالك، وروي عن أبي حنيفة مثله، وقال به بعض العلماء. قالوا: دل القرآن على أن الذي يسمع ويُؤَمِّن أنه كالذي كان يتكلم. قالوا: والدليل على ذلك أن الله قال في محكم كتابه: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ موسى وحده لم يكن معه هارون ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ وفي القراءة الأخرى (٢): ﴿لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ثم قال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: الآيتان ٨٨، ٨٩] قالوا: كيف يكون الداعي واحدًا -وهو موسى- وتكون الدعوة المجابة من اثنين؟! قالوا: لأن هارون كان ينصت لدعاء موسى ويُؤَمِّن عليه، فصار أحد الداعيين لإنصاته وتأمينه، فدل ذلك على أن المنصت المُؤَمِّن كالذي
стр. 2263
كان يقرأ. هذا قال به جماعة من العلماء.
وقالت طائفة أخرى: ينبغي للمأموم أن لا يترك قراءة الفاتحة، فلو سكت الإمام وأعطاه الفرصة بالسكوت لبادر أن يقرأ الفاتحة في سكتة الإمام، وإن لم يعطه فترة في ذلك قرأها. قالوا: نعم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ هذا نص عام في قراءة القرآن، إلا أن قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ» (١) أخص منه، فهو تخصيص عموم القرآن بحديث نبوي، فتخصيصات عمومات القرآن بالأحاديث كثيرة جدًّا. وقد روي حديث في خصوصه أنه يقرأ وراء الإمام في الجهرية، فإن كان ثابتًا محفوظًا فلا كلام.
وعلى كل حال فقوم من العلماء منعوا القراءة في حال جهر الإمام، وقوم أوجبوا قراءة الفاتحة خصوصًا. والأحوط في هذا ألا يترك الفاتحة؛ لأن الصلاة دعيمة عظيمة من دعائم الإسلام، وهي أعظمها بعد الشهادتين، فلا ينبغي للإنسان أن يفعل صلاة يقول بعض الناس: إنها غير مجزئة، فينبغي أن يعمل عملاً يتفق الناس فيه على أن صلاته مجزئة، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
الاستماع: هو التدبر في الشيء والإصغاء إليه، الإصغاء إلى الشيء بتدبر.
стр. 2264
والإنصات: هو السكوت وترك الكلام؛ لأجل سماع ما يقال. هذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٤].
ثم إن الله علم نبيه ﷺ آداب الذكر، وجعل له الذكر على نوعين على التحقيق: ذكر نفساني، وذكر لساني، أما الذكر النفساني فهو هذا الذي يذكره العبد في نفسه بالتدبر والتفكر والاعتبار ولا ينطق به. وما قاله ابن عطية (١) ﵀ من أنه لا ذكر إلا بحركة اللسان خلاف ظاهر هذه الآية الكريمة؛ لأن الله قال لنبيه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٥] أي: فيما بينك وبين ربك في نفسك من غير كلام، فتذكر عظمته وكماله وجلاله وصفاته، وما عنده من الثواب لمن أطاعه، ومن العقاب لمن عصاه، ويكون هذا التذكر والتفكر في عظمة الله (جل وعلا) وفي صفاته العظمى، وفي ثوابه وعقابه يكون في نفسك لأجل التضرُّع والخوف.
وقوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ قيل هما مفعولان لأجلهما؛ أي: لأجل التضرع. والتضرع معناه: التذلل والتخشع والتواضع؛ أي: لأجل التذلل والتخشع والتواضع لرب العالمين. وقال بعض العلماء: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ مصدران مُنكَّران بمعنى الحال؛ أي: في حال كونك متضرعًا خائفًا. والكل محتمل.
وقوله: ﴿خِيفَةً﴾ ياؤه مبدلة من واو، أصله: (خِوْفَة) لأنها
стр. 2265
(فِعْلَةٌ) من الخوف (١)؛ لأن المادة من الأجوف الذي هو واوي العين، والقاعدة المقررة في التصريف: أن الواو إذا سكنت بعد الكسر أُبدلت ياء بقياس مطرد (٢). فـ (الخيفة) هي (فِعْلَة) من الخوف، فالياء مبدلة من واو، وتُجمع على (خِيَف)؛ لأن الإعلال الذي في المفرد هو موجود أيضًا في الجمع، وشذ بعض العلماء فقال: تُجمع على (خِوَفْ).
والفرق في لغة العرب بين الخوف والحزن (٣): أن الخوف هو غم من أمر مستقبل، والحزن غم من أمر فائت. هذا أكثر ما يستعمل فيه الخوف والحزن، إلا أنهما ربما استعمل أحدهما في موضع الآخر. فقوله: ﴿خِيفَةً﴾ أي: غمًّا مِنْ أَمْرٍ مستقبل، وهو سخط رب العالمين وعقابه؛ لأن الخائف من سخطه وعقابه المغموم مما يقع من ذلك في المستقبل يُطيع الله (جل وعلا) في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، وربما أطلقت العرب اسم الخوف على العلم، تقول العرب: «خفت كذا». أي: علمته. وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عَرَبِي معروف، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] أي: علمتم ألا يقيما حدود الله ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] إلا أن يعلما ألا يقيما حدود الله، على القول بذلك، ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم قول أبي محجن الثقفي في أبياته المشهورة (٤):
стр. 2266
إذا مِتُّ فادفنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظَامي بالمَمَاتِ عُروقُها ...
ولا تَدْفننّي بالفَلاةِ فإنَّني ... أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ ألَاّ أَذُوقُها
فإنه يعلم أنه إذا مات ليس شاربًا الخمر بعد موته، فمعنى (أخاف) أي: أعلم. كما هو ظاهر. وهذا معنى قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾.
﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ﴾ ذِكْرَيْن، أمَّا الذكر النفساني فهذا الذي يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، من أن تتفكر في عَظَمِتِه وسلطانه وجبروته وصفاته وعقابه وثوابه متضرِّعًا خائفًا منه (جلّ وعلا). وهذا النوع من الذكر القلبي عظيم جدًّا.
الثاني: ذكر لساني، وقد علمهم (جلّ وعلا) آداب الذكر اللساني، وأنهم لا يرفعوا صوته جدًّا ولا يُخافتوا به جدًّا، كما قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: آية ١١٠] والمخافتة: الإسرار الشديد. وقال هنا: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ أي: واذكر ربك بالقول دون الجهر، لا تجهر به وترفع صوتك جدًّا؛ لأن رفع الصوت الكثير بالدعاء وبالأذكار لا ينبغي. والله (جلّ وعلا) يُعَلِّمُ نبيَّه ﷺ أن لا يرفع صوته به جدًّا ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني: دون الجهر وفوق الإسرار: المخافتة، لا تجعله سرًّا جدًّا كالمخافتة، ولا تجعله جهرًا جدًّا بل سبيلاً بين ذلك كما قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: آية ١١٠].
وقوله: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ الغدو: قال بعض العلماء: هو مفرد مصدر غدا غدوًا. وقال بعض العلماء: هو جمع (غُدوة) (١).
стр. 2267
والآصال: جمع (أصيل). وقيل جمع (أُصُل). وبعضهم يقول: (الأُصُل) جمع (أصيل)، و (الآصال) جمع الجمع، ولا داعي إليه؛ لأن (الأصيل) يُجمع على (آصال)، كما تُجمع اليمين على الأيمان، والأُصُل أيضًا يُجمع على الآصال. والأُصُل يطلق مفردًا وجمعًا (١).
والغدو: أوائل النهار، والآصال: أواخره. فالآصال: من العصر فما وراءه إلى الليل. والغدو: من أول النهار.
قال بعض العلماء: كان قبل فرض الصلاة ليلة المعراج يصلون صلاتين: آخر النهار، وأوله، وأنه هو المُراد هنا.
وقال بعضهم: خص هذين الوقتين من النهار - أول النهار وآخره- لفضلهما.
قال بعض العلماء: الذِّكْر بالغدو: صلاة الصبح، وبالآصال: صلاة العصر. والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾.
﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ معلوم أنه ﷺ لا يغفل عن ذكر ربه ولكنه يُؤمر ويُنهى ليُشرَّع لأُمته على لسانه. وفي هذه الآية الكريمة نهي للمسلمين عن الغفلة عن ذكر الله (جل وعلا)، فعلينا معاشر المسلمين ألا نغفل عن ذكر الله، وأن نذكر الله في أنفسنا تضرعًا وخيفة، وأن نذكره بقولنا دون الجهر مِنَ القَوْل، أول النهار وآخره، وفي كل وقت؛ لأن الله أثنى على عباده بالذكر عليه في كل حال، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
стр. 2268
وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: آية ١٩١] هذا التفكر في خلق السماوات والأرض من ذكرك ربك في نفسك تضرعًا وخيفةً كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٥].
ثم إن الله لما أمر عباده المؤمنين بهذه الآداب السماوية وهذه الأوامر الكريمة بَيَّنَ لهم أن ملائكته المقربين يطيعونه ويعبدونه ولا يستكبرون عن عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٦] وهم ملائكته (جل وعلا) صلوات الله وسلامه عليهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتكبرون عنها أبدًا، بل هم خاضعون مُتَذَلِّلُون عابدون لربهم (جل وعلا). وأصل العبادة في لغة العرب (١): معناها الذل والخضوع. فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة. وكل مُذلّل مُخضِّع تسميه العرب (مُعَبَّدًا) وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته (٢):
تُباري عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ ... وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مور مُعَبَّدِ
أي: طريقًا مذللاً لدوس الأقدام. وإنما قلنا: إن العبادة هي الذل والخضوع لله على وجه المحبة خاصة فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة؛ لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة كان يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أمورًا
стр. 2269
لا تنبغي، والله (جل وعلا) لا يليق به شيء من ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ جلّ وعلا. التسبيح في لغة العرب: معناه الإبعاد عن السوء، فسبحتُ الشيء معناه: أبعدته عن السوء.
وهو في اصطلاح الشرع: تنزيه رب العالمين (جل وعلا) عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ سجود تواضع وتذلل وخضوع .
فإذا كان ملائكته المقربون مع عظمهم ومكانتهم عنده لا يستكبرون عن عبادته وينزهونه ويخضعون ويتذللون له فكيف بنا معاشر بني آدم؟!
كانت المشيخة رِدْءًا لهم، وكان الشباب تلقّى العدو، وكان قوم يحرسون رسول الله ﷺ لما بُني له العريش يوم بدر. فلما هزم الله المشركين، وأخذ المسلمون غنائمهم، وقع خلاف ومشاجرة بين الصحابة، قال الذين أخذوا الغنيمة: نحن الذين احتويناها وحُزناها فليس لغيرنا نصيب فيها!
وقال المشيخة: نحن كنا رِدْءًا لكم فلو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلستم أحق منا!
وقال الآخرون: نحن ليس بنا جبن ولا بخل، وإنما خفنا أن ينال العدو غِرَّة من رسول الله ﷺ فكنا نُحدِق بنبي الله نحرسه من العدو، فلستم بأحق منا! فوقع هذا الخلاف والتنازع، وهذا سبب نزول هذه الآية الكريمة كما عليه جماهير العلماء، وحديث عبادة بن الصامت فيه ﵁ عند أحمد وأصحاب السنن مشهور (١)، قال: فينا معاشر المسلمين نزلت، لما أخذنا غنائم بدر ساءت أخلاقنا وتنازعنا فأنزل الله الآية، وبيّن أن الأمر فيها إلى الله وإلى رسوله، ففعل فيها رسول الله ما أرضى الله، وما أصلح به ذات البين بين الجميع، وما حصل به تقوى الله، كما يأتي إيضاحه، وهذا القول -أنها نزلت في غنائم بدر جميعها- هو المعروف عند جماهير العلماء.
стр. 2272
وفي سبب نزولها أربعة أقوال أُخر معروفة عند العلماء.
قال بعض العلماء: ( ... ) (١) خاصة دون بعض، والذين قالوا هذا القول استدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد وغيره قال سعد: لما قُتِلَ أخي عمير يوم بدر -لأن عمير بن أبي وقاص من شهداء بدر كانوا يقولون: إنه قتله عمرو بن عبد ود (٢) فكان أخوه سعد ﵁ أصابه من قتل أخيه أمر عظيم، وحمل على الكفار وقتل سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، وكان يسمى (ذو الكتيفة) قال: فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: أعطنيه يا رسول الله، فقال: «لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ فَاطْرَحْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، وَاجْعَلْهُ فِي القَبَضِ» - يعني محل غنائم المسلمين- قال: فخرجت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سَلَبي. قال: ثم رجعت إليه فقلت: أعطنيه؟ فرفع لي صوته: «اطْرَحْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، إلى الثالثة، قال: فذهبت به فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّكَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ لِي، وَالآنَ صَارَ لِي فَخُذْهُ» (٣). فأعطاه إياه.
فاستدلوا بهذا
стр. 2273
على أن الأنفال المسئول عنها: الشيء الخاص، كهذا السيف ينفله النبي ﷺ أو الإمام لبعض الناس.
وقال بعض العلماء: هي نزلت في خُمس الغنيمة (١).
وقال بعض العلماء: نزلت في خُمس الخمس خاصة.
كل هذا قال به جماعة من العلماء.
وقال عطاء وغيره (٢): نزلت فيما يشذُّ إلى المسلمين من الكافرين من غير قتال، كالفرس يأتي المسلمين من الكفار بلا قتال.
هذه الأقوال جاءت في سبب نزول هذه الآية الكريمة، والذي عليه جماهير المفسرين: أن نزولها في غنائم بدر كما بينّا، لما اختلف الصحابة فيهم، وقال قوم: لا نصيب فيها لغيرنا؛ لأنا نحن الذين احتويناها. وقال الآخرون: كنا رِدْءًا لكم فلو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلستم أحق منّا، وقال الآخرون: نحن كنا نشتغل بحراسة رسول الله ﷺ فلستم أحق منا. ولذا لما اختصموا هذا الخصام كأن الله لامهم وقال لهم: لا تصرف لكم فيها، فالأمر فيها إلى الله وإلى رسوله. فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السواء، وكان بعض العلماء يقول: إنه لما التقى الجيشان رغّب وقال: مَنْ أَسرَ أسيرًا فله
стр. 2274
كذا، ومن قتل قتيلاً فله كذا. فقال له بعض أصحابه: لو وفيت لهم بهذا لم يَبْقَ للآخرين شيء!! ووقع بعض الخصام (١).
وقال بعض العلماء: كان الخصام بسبب النفر الثمانية الذين قسم لهم رسول الله ﷺ في غنائم بدر ولم يشهدوا بدرًا. والحق أن هذا -وإن ذَكَرَهُ الأخباريون وأصحاب المغازي- أنه لم يُنْزل الخلاف، ومعروف عند أصحاب المغازي أن ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ضرب لهم النبي ﷺ بسهامهم في مغانم بدر ولم يشهدوها (٢)، أما ثلاثة المهاجرين فهم: عثمان بن عفان ﵁؛ لأن النبي ﷺ لما خرج إلى بدر الكبرى كانت ابنته رقية ﵂ مريضة، وكانت إذ ذاك زوجة عثمان بن عفان ﵁، فأمره أن يبقى يمرضها، وتوفيت يوم مجيء زيد بن حارثة بالبشارة بما فتح الله على النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر، فقسم له في المغنم. قال بعضهم: والأجر، والآخران من المهاجرين: طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، أرسلهما النبي ﷺ يتجسسان على عير أبي سفيان قبل وصولها لبدر إلى جهة الشام، ففاتت بدرٌ ولم يحضرا، فقسم لهما، وأما خمسة [الأنصار] (٣): فمنهم: أبو لبابة بن عبد المنذر كان النبي ﷺ خلّفه على المدينة، ومنهم
стр. 2275
الحارث بن الصمة، وخوَّات بن جبير (رضي الله عن الجميع) أصابهما مرض فردهما رسول الله ﷺ ، ومنهم الحارث بن حاطب رده النبي ﷺ إلى قباء ليكون على بَنِي عمرو بن عوف حتى يرجع ﷺ ، وعاصم بن عدي العجْلاني خلّفه النبيّ ﷺ على العوالي.
والتحقيق الذي عليه الجمهور: أنها نزلت في اختلاف الصحابة في غنائم بدر؛ ولذا قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال: الآية ١] الأنفال: جمع نَفَل -بفتحتين- وأصل النفل الزيادة، فكل زائد يُسمى نَفَلاً، ومنه قيل للزائد على الواجبات: نفل. وإنما سُميت المغانم أنفالاً؛ لأن الله زادها من الحلال لهذه الأمة، لم تكن تحل لمن قبلها. والنَّفَل: المغنم، والأنفال: المغانم. وهذا معروف في كلام العرب (١)، وقد نزل به القرآن، ومن إطلاق النَفَل على المغنم قول لبيد بن ربيعة (٢):
إِنَّ تَقْوى ربِّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وعَجَلْ
يعني: تقوى الله خير غنيمة يغتنمها الإنسان في حياته، ومن إطلاق الأنفال على المغانم قول عنترة (٣):
إِنَّا إِذَا احْمَرَّ الوَغَى نُروي القَنا ... ونَعفّ عند تَقَاسُمِ الأنْفَالِ
أي: قسم المغانم كما هو معروف. قل لهم يا نبي الله مجيبًا عن سؤالهم: الأنفال -الغنائم- أي: وعلى الأخص غنائم بدر هذه ﴿لِلَّهِ﴾؛ لأنه هو مالكها الذي أقْدَرَكُمْ على أخْذِهَا، المتصرف فيها
стр. 2276
كيف يشاء ﴿وَالرَّسُولِ﴾ ذكر الرسول ﷺ ؛ لأنه جعل أمْرَهَا إليه وفَوَّضَه إليه، ليس لأحد فيها كلام؛ لينقطع خصامهم، ويضْمَحِلّ نِزَاعُهُمْ، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السوية قسمة عدل على أحسن ما يكون، والتحقيق: أن النبي ﷺ خَمَّسَ غنائم بدر -أخرج منها الخُمس- كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ في قصة الشارفين من الإبل اللتين ذبحهما حمزة بن عبد المطلب لما كان به سُكْر قبل تحريم الخمر. قال: إن أحدهما مِنْ سَهْمِه يوم بدر، وإن الشارف الثانية أعطاها له رسول الله ﷺ من خُمْس الغنيمة يوم بدر (١). فدلّ ذلك على أنه خَمَّسَها.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال مَعْرُوف، وهو أن يقول طالب العلم: إذا قَرَّرْتُمْ أن سَبَبَ نزول الآية في المغانم جميعها لا في خصوص الذي يشذ من الكفار إلى المسلمين، ولا في خصوص الذي يُنفّله الإمام لبعض الجيش، ولا في تنفيل الإمام لبعض السرايا التي يرسلها، ولا في خصوص الخُمس، ولا في خصوص خُمس الخُمس، فكيف تكون لا حق فيها للغانمين؟ والله يقول: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١]. وهذه الآية من هذه السورة الكريمة نص في أن أرباع الغنيمة أنها ملك للغانمين استحقوها، وأن الخارج عنهم منها هو الخمس؟ هذا سؤال
стр. 2277
معروف وقد أجاب العلماء عنه بجوابين (١):
أحدهما: ما ذكره أبو عبيدة وعزاه القرطبي لجمهور العلماء أن آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١].
القول الثاني -وليس ببعيد-: أن معنى أنها لله: أنه هو المتصرف فيها، وأن نسبتها للرسول ﷺ من حيث أنه القاسم، الذي يقسمها على ما يرضي الله (جل وعلا)، فلا ينافي أن لهم حقوقًا فيها، كما قسمها ﷺ عليهمِ بالسواء، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح كثيرة في تفسير قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١] إن شاء الله، وهذا معنى قوله: ﴿قُلِ الأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ﴾.
﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا تتخاصموا هذا الخصام بحضرة رسول الله ﷺ لعرض من الدنيا.
﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ معنى: ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ أي: الأحوال الكائنة فيما بينكم مما يستوجب المحبة والوئام، وما يستوجب النُفرة والوحشة والفراق، هذه الأحوال التي تكون فيما بينكم أصلحوها لتكون جارية على ما ينبغي وعلى ما يرضي الله، وقد اشتهر في كلام العرب إطلاق (إصلاح ذات البين) على أن يصلح ما بين هذا وهذا من الأحوال حتى يكون الشيء الذي بينهما على الحالة التي تنبغي، خاليًا من النزاع والخصام والنفرة وغير ذلك.
стр. 2278
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ طاعة الله (جل وعلا) هي: امتثال أمره واجتناب نهيه، ومن ذلك أن لا تختصموا في عَرَضٍ من الدنيا عند رسول الله ﷺ ، وأطيعوا رسوله ﷺ واقبلوا وارضوا بما يفعله بينكم من قَسْم هذه الغنائم.
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هذه أصلها تُشكل على بعض أهل العلم؛ لأن المعروف في كلام العرب أنَّ (إنْ) الشرطية تدل على الشك في الشرط، وهم مؤمنون لا شك في إيمانهم، فكيف يتقيّد إيمانهم بالشرط مع أنهم مؤمنون؟!
(إنْ) هذه أصلها من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين (١)، فعلماء الكوفيين يقولون: إنَّ (إنْ) هنا بمعنى (إذ) التعليلية ﴿واتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مؤْمِنينَ﴾ قالوا: واتقوا الله إذ كنتم مؤمنين، أي: لأجل كونكم مؤمنين فاتقوا الله؛ لأن إيمانكم سبب يحملكم على تقوى الله، قالوا: وإتيان (إنْ) بمعنى (إذ) أسلوب عربي معروف، قالوا: ومنه قول الفرزدق وهو عربي فصيح (٢):
أَتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيبةَ حُزَّتَا ... جِهَارًا ولم تَغضَبْ لقَتْل ابنِ خَازِمِ
معناها: أتغضب لأجل حزّ أذني قتيبة.
والبصريون يقولون: إنَّ (إنْ) هذه تستعمل استعمالين:
أحدهما: يراد به التهييج والحض على الفعل، وأن ذلك أسلوب عربي معروف، كما تقول للرجل الكريم: (إن كنت
стр. 2279
ابن الكرام فاقض حاجتي) وأنت تعلم أنه ابن الكرام، إلا أنك تهيجه بهذا الكلام وتستثيره وتحمله على الامتثال، والاستثارة بأداة الشرط في هذا المعنى أسلوب عربي معروف، العرب تقول: (إن لم أفعل كذا فلست ابن فلان)، و (إن كنت ابن فلان فافعل كذا) تهيجه على الفعل وتحضه عليه. فعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تهييجهم وتحريضهم إلى امتثال أمر الله جل وعلا.
الثاني: في بعض الأشياء التي لا يُحتمل فيها هذا كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: الآية ٢٧] وقوله ﷺ في حديث زيارة القبور: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (١). فإنهم لاحقون قطعًا، وداخلون المسجد قطعًا، قال بعض العلماء: جيء بـ (إنْ) في مثل هذا ليُعلِّم الناس أنهم لا يتحدثون عن المستقبل إلا معلقين بمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشيء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: الآية ٢٤] فلما كانت المشيئة يُعلق بها في الشيء الواقع لا محالة فما بالك بغيره؟! هكذا قالوا، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ١].
ثم بيّنَ صِفَات المؤمنين الذين هم مؤمنون حقًّا بمعنى الكلمة قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢] (إنما) أداة حصر كما بينَّا؛ أي: إنما المؤمنون الكامِلُون في إيمانهم كمالاً كما ينبغي ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أي: إذا سَمِعُوا ذِكْرَ الله ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل في لغة العرب معناه: الخوف؛ أي: خافت قلوبهم عند ذكر الله
стр. 2280
إعظامًا لله (جل وعلا) وإجلالاً له، وخوفًا من بأسه وبَطْشِهِ، فالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ إذا سَمِعَ ذكر الله وجل قَلْبُهُ، أي: خَافَ قَلْبُهُ استعظامًا لرب العالمين، وإجلالاً له، وخوفًا من عقابه، وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والعرب تقول: وَجِلَ من الأمر، يَوجَل، وجلاً: إذا خاف منه، ومنه قول إبراهيم للملائكة لما لم يرَ أيديهم تصل إلى العجل الذي قربه إليهم: ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُواْ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ [الحجر: الآيتان ٥٢، ٥٣] فالوجل الخوف.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ (١) أي: قُرئت عليهم آياته، والياء في ﴿تُلِيَتْ﴾ أصلها مُبدلة من واو؛ لأن مادة التلاوة من الناقص الذي لامه واو (٢)، وأصل التلاوة مصدر سيال، والعرب تقول: تلاه يتلوه: إذا تبعه، تقول العرب: هذا يتلو هذا؛ أي: يتبعه، ومنه قيل للجمل الذي يتبع النوق لضرابها: (التالي)؛ لأنه يتبع إناث الإبل كما هو معروف، ومنه قول غيلان ذي الرمة (٣):
إذا الجَافِر التالي تَنَاسَيْنَ عهده ... وعارضْنَ أنفاسَ الرياحِ الجَنَائِبِ
وإنما قيل للقراءة (تلاوة) لأن القراءة مصدر سيال لا بد من حرف يتلوه حرف، يتلوه حرف، يتلوه حرف، حتى يتجمع من هذا المتلو: المقروء ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ أي: قُرئت عليهم آياته ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: تصديقًا بالله إلى تصديقهم، وإيمانًا إلى إيمانهم.