← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ومعلوم أن الله ﵎ فَرَّقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأنْثَى جِبلَّةً وكونًا وقدرًا وشرعًا، فمن يقول: إن المرأة كالرجل في جميع الميادين، وأنها تزايل ما يزايله الرجل فهو مجنون كاذب مغلوب؛ لأنه يعاند القدر، ومن أراد أن يعاند قدر الله فهو المغلوب، مع أن المرأة التي يقولون: إنها كالرجل في جميع الميادين بطبيعة حالها تمر عليها أوقات وهي لا تقدر على عمل، فهي في أوقات الحمل إذا صارت لها ستة أشهر ونحوها فإنها يُثْقِلها الحمل، ولا تقدر على فعل شيء وفي بطنها إنسان، فأين هذه من الذكر؟! الذكر لا يمكن أن يكون في بطنه إنسان، ولا يعجزه هذا الإنسان الذي في جوفه عن العمل، فأين الاتحاد، وأين المماثلة؟! وكذلك إذا نُفِسَت فإن النفاس يمرضها ويضعفها، والرجل لا يُنفس، فأين هذه المساواة، وأين هذا من هذا؟! فهذه فوارق قدرية كونية، تترتب عليها فوارق شرعية وحسِّية، وهذا من المعلوم. فقد بيّنا في هذه الآية أن الحواجز والفوارق بين الرجل والمرأة أنها موجودة عند نشأة الرجل الأول، وعند نشأة المرأة الأنثى؛ لأن المرأة الأنثى الأولى ما نشأت ولا وُجدت وجودًا مستقلاً عن الرجل، بل خُلِقَتْ من ضلع الرجل، فهي جزء منه، وجودها تابع لوجوده، مستندة في وجودها إليه، وهذا الأمر الكوني القدري الطبيعي الذي فعله خالق السماوات والأرض الحكيم الخبير لوازمه سارية في جميع ميادين الحياة، والإفرنج يحاولون أن يحطموا هذه الفوارق كلها وأتباعهم من الخفافيش!! والغريب كل الغريب أنوثة الرجال وميوعة ضمائرهم!! فإنا لله وإنّا إليه راجعون. وَمَا عَجَبٌ أنَّ النِّسَاءَ تَرَجّلَتْ ... وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ (١) أين غَيْرَةُ الرِّجَالِ، وأيْنَ شَهَامة الذّكور؟!

стр. 2207

[٢٦/أ] / ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٩ - ١٩٤]. يقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٩، ١٩٠]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد ذكرنا أن التحقيق أن المراد بهذه النفس الواحدة آدم، وأن زوجها التي خلق منها أنها حواء، وتكلمنا بهذه المناسبة على أن الرجل الأول والمرأة الأولى اللذان هما سبب إيجاد الرجال والنساء جميعًا كما تقدم في قوله في صدر سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] أن نشأة -بدء- هذا الرجل وهذه المرأة كانت المرأة وجودها تابع وجود الرجل، ومستندة في وجودها إليه، وأن هذا الأمر اختلاف أساسي من أصل الوجود والمبدأ، وأن ذلك الاختلاف قد ترتب عليه لوازم من المخالفة الضرورية بين الرجل والمرأة، وذكرنا بعض الأشياء التي

стр. 2208

يشنع الملحدون فيها على دين الإسلام، ويزعمون أنه لم ينصف المرأة فيها، كجعل الطلاق بيد الرجل، وتفضيله على المرأة في الميراث، وجواز تعدد الزوجات. وقد بيّنا حكمة كون الطلاق بيد الرجل، وحكمة تفضيل الرجل في الميراث، وبيّنا أن الرجل يترقب النقص دائمًا؛ لأنه ينفق الأموال في مهور النساء ونفقاتهن ونوائب الدهر، والمرأة تتَرَقَّبُ الزِّيَادَة دائمًا، تترقب رجلاً يدفع لها مهرًا ويقوم بإِنْفَاقِهَا ولوازِمها في الحياة، فمن أعطى اثنين وآثر مترقب النقص منهما على مترقب الزيادة كان إيثاره واقعًا موقعه، مطابقًا للحكمة، ولا سيما إن كان ذلك من العظيم الخبير العالم بخبايا الأمور، الذي بيّن في كتابه أَنَّ مَنْ زَعَمَ اسْتِوَاءَ الرَّجُل والأنثى في الميراث أنه ضال؛ لأن الله لما قال: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ أتبع قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ﴾ [النساء: آية ١٧٦] يعني: هذا الذي فضل الذكر على الأنثى في الميراث عليم بكل شيء، فهو أعلم بخفايا الأمور وخباياها، وبدقائق المصالح وجلائلها، بيّن لكم هذا البيان ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا، أي: لأجل أن لا تضلوا فتسوّوا بينهما في الميراث. وأردنا الآن أن نتكلم على بقية قليلة من ذلك، فنبين حكمة تعدد الزوجات، وأن الذين أنكروا ذلك وعابوه على دين الإسلام كفرة ملاحدة طمس الله بصائرهم بظلام الكفر -والعياذ بالله- فالله (جل وعلا) أباح للرجل أن يجمع أربع زوجات بشرط أن يقدر على العدل بينهن، وقد بيّن القرآن أن العدل بينهن قسمان: عدل ممكن، وعدل غير ممكن. أما العدل الممكن بين الزوجات: فهو تَسْوِيَتُهُنَّ

стр. 2209

في الحقوق، وإنصاف بعضهن من بعض في اللوازم اللازمة، فهذا ممكن يَقْدِرُ كلّ أحَدٍ عَلَيْهِ، وهذا الذي نهى الله عن الميل فيه، قال: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: آية ١٢٩]. وعدلٌ بينهن ليس تحت طاقة البشر ولا يُقدر عليه، وهو المساواة بينهن في المحبَّةِ الطبيعية والميل النفساني؛ لأن المحبة ليست من الأفعال الاختيارية، وإنما هي من الانفعالات والتأثرات النفسانية التي لا تدخل تحت قدرة العبد. وهذا العدل في المحبة والميل الطبيعي النفساني لا يُقدر عليه، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: آية ١٢٩] وكان ﷺ يقسم بين أزواجه فيعدل، ثم يقول مبيّنًا هذين القسمين: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» (١). يعني الميل الطبيعي والمحبة؛ لأن هذا ليس تحت قدرة البشر، فالله (جل وعلا) أباح للرجل أربع زوجات بشرط قدرته على العدل بينهن في الحقوق الشرعية، وإن كان الميل الطبيعي والمحبة النفسانية ليس بيده، إلا أن المساواة بالحقوق الشرعية هي في مقدوره، فإن كانت هذه أحب إليه طبيعة، وهو أميل إليها بالمحبة؛ فإنه يمكنه أن يسوّي بينها وبين الأخرى، وينصف بينهما في الحقوق الشرعية كمال الإنصاف كما

стр. 2210

لا يخفى. فإذا كان الإنسان لا يقدر على العدل بينهن يلزمه الاقتصار على واحدة؛ لأن غير العدل جور والجور لا يُؤذن فيه في الشرع الكريم، أو ما ملكت يمينه من الإماء، وقد نص الله على هذا بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ (٣)﴾ [النساء: آية ٣] أي: لا تجوروا في الحقوق. وكونه (جل وعلا) أباح للرجل جمع أربعة وحرم عليه الخامسة فما فوقها، وجعل ذلك بشرط العدل، هذا تشريع الحكيم الخبير، تشريع خالق السماوات والأرض، الذي هو أعلم بالمصالح، وأعلم من خلقه؛ لأن الأربع وسط بين القلة والكثرة، فهي دون الكثرة التي هي مَظِنَّة عدم القدرة على القيام بلوازم الجميع، وهي فوق القلة التي هي مَظِنَّة تعطل بعض حقوق الرجل كما سيأتي إيضاحه. والله (جل وعلا) أباح تعدد الزوجات لمصلحة نفس المرأة، ومصلحة نفس الرجل، ومصلحة نفس أمتهما، فتحت ذلك مصالح عظيمة لا ينكرها إلا من طمس الله بصيرته. ففيه مصلحة المرأة من جهات عديدة منها: أن الله (جل وعلا) أجرى عادته أن عدد النساء في أقطار الدنيا على مر العصور أكثر من الرجال؛ لأن الرجال أقل من النساء، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت، فلا تجد محلاً إلا ونساؤه أكثر من رجاله، كما أجرى الله العادة بذلك، وقد جاءت الأحاديث عنه ﷺ أن النساء سيكثرن جدًّا، وأن الرجال سيقلون جدًّا (١)، ولما كانت عادة الله أن جعل عَدَد الرِّجَالَ في أقطار الدنيا

стр. 2211

على مر العصور أقل من عدد النساء -لأن الرجال أكثر تعرُّضًا لأسباب الموت وخروجًا في الأسفار والمقاتلة والحروب من النساء- وكان عدد النساء أكثر، فلو قُصِرَ الواحِدُ على الواحدة لَبَقِيَ من النساء عدد ضخم هائل لا أزواج له، فيضطررن بذلك إلى ارتكاب فاحشة الزنا ورذائل الأخلاق، وبقين لا عائل لهن، فتشريع الحكيم الخبير يجمع الرَّجُل فيه بين النساء فيحسن إليهن وينفق عليهن ويُعف الجميع؛ لأن الرجل الواحد قد يُعف أربع نساء ويُخْدِمهن ويطعمهن ويكسوهن، بحيث لا يَكُنَّ فيهن حاجة إلى شيء. وكذلك أجرى الله العادة أن المستعدات من النساء للتزويج أكثر من المستعدين من الرجال؛ لأن عامة النساء مستعدات للزواج، وكثير من الرجال غير مستعدين للزواج لفقرهم وعجزهم عن لوازم الزوجية من صداق ونفقات وما يتبع ذلك من مُؤَن، فلو قصرنا الواحد على الواحدة لبقي أيضًا ذلك العدد الضخم بلا أزواج فألجأهن ذلك إلى ارتكاب الفاحشة والعمل بما لا يليق. ومن ذلك أن المرأة الواحدة لو قُصر الرجل عليها فإنها تعتريها أعذار طبيعية تمنعها من القيام بأخص لوازم الزوجية؛ لأنها تمرض وتحيض وتُنفس، وهي في زمن حيضها تتعطل منافع زوجها، وكذلك في زمن نفاسها، فلو قُصر على الواحدة لكان كلما تعطلت تعطلها الطبيعي تعطل معها، فيكون الرجل كأنه يُنفس كما تنفس، ويحيض كما تحيض، وهذا ليس بإنصاف!! والأمة محتاجة إلى الكثرة، وقد حضها ﷺ على التزوج وكثرة الولادة ليكاثر بها الأمم. ومن الغريب كل الغريب، والمؤسف كل المؤسف

стр. 2212

أنك ترى كثيرًا من الأمم المتسمية باسم الإسلام تحضر المؤتمرات التي أصل عقدها من الكفرة الفجرة فيما يسمونه (تحديد النسل) (١) وهذا أعظم شيء مخزٍ يخجل منه الإنسان الذي في باطنه شيء من نور القرآن؛ لأن منشأ ذلك أن الكفرة -عليهم لعائن الله- لا يؤمنون بالله، ولا يحسنون به ظنًّا، ولا يتوكلون عليه، ويظنون أنهم إذا نظروا دخل البلاد القومي وقدر ما يتزايد من النسل أن الناس يكثرون على قدر الدخل، وتعتريهم الفاقة والجوع، فيعقدون المؤتمرات لتحديد هذا النسل خوفًا من الفاقة والفقر والجوع!! وهذه أفكار الخنازير والقردة الذين لا يُقرّون بخالق السماوات والأرض، ولا يعلمون فضله ورحمته وكثرة خزائنه، ولا يتوكلون عليه. والكثرة هي نعمة من نعم الله (جل وعلا)، والله يقول ممتنًّا على أمة شعيب: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٦] الكثرة نعمة وقوة، وهؤلاء يأتيهم الشيطان ليتخلصوا من نعمة الله والقوة!! والله (جل وعلا) قد بيّن أن قومًا فيما مضى قد أرادوا قتل أولادهم من أجل الجوع الواقع، وأن بعضهم أراد قتل الأولاد من خوف الجوع المتوقع، فبيّن لهم خالق السماوات والأرض أن ذلك الجوع المتوقع لا يكون، وأن خالق السماوات والأرض الذي بيده خزائن السماوات والأرض عليه رزق الجميع، قال في الذين يقتلون أولادهم من الفقر الواقع حالاً: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُم مِّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٥١] وهذا وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد. وقال في الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر المترقب: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشيةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ [الإسراء: آية ٣١] ونحن نؤكد لكم كل

стр. 2213

التوكيد أن الأمة لو كثرت كل الكثرة وبلغت الملايين والآلاف المؤلفة أن كل نفس منفوسة يُقدر الله لها رزقها على أحسن ما يكون، وأن الله يفتح من أبواب الرزق وخزائنه ما لم يكن في حسبان الملاحدة الإفرنج الكفرة وأذنابهم من الخنازير الذين طُمست بصائرهم، ولا سيما إن كانت تلك الأمة على طاعة الله - جل وعلا - وتقواه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: الآيتان ٢، ٣] فبيّن أن هذا الرزق ليس من قبيل الدخل القومي المحدود الذي يحسبه الإفرنج ويُحدونه، لا، بل يأتي به الله من أمور لا يعلمها إلا هو - جل وعلا - ولما أراد المنافقون أن يضربوا على النبي ﷺ وأصحابه حصارًا اقتصاديًّا وقالوا في ذلك: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ قال تعالى: ﴿وَللَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: آية ٧] ومن كان عنده خزائن السماوات والأرض كيف يُحدد رزقه، وتقتل الأولاد وتقلل خوفًا ألا يرزقها؟! فهذا من أُضحوكات الشيطان وأعمال الصبيان الذي لا يصدق عاقل أن رجلاً عاقلاً يشتغل بهذا، عياذًا بالله. ثم إِنَّ مِنْ مَصَالِحِ تَعَدُّدِ الزَّوْجات أن فيه مصالح عظمى شرعه الله لها، منها: أن فيه مندوحة عن الطلاق؛ لأن الرجل إذا تزوج المرأة حتى كبرت معه ومضى جمالها وصارت لا رغبة فيها للرجال إذا قُصِر عليها ولم تكن عنده مندوحة لزوجة أخرى يتسلى بها ويأت بها فإنه يضطر لفراقها ولو بالمحاكمة حتى يتخلص منها!! أما تعدد الزوجات ففيه مندوحة وفرج من هذا الأمر المحرج؛ لأنه يتزوج أخرى ويبقى مع الأولى ملاطفًا لها، محسنًا إليها، منفقًا إليها، ويجد

стр. 2214

غيرها ممن يسليه ويوسع صدره. وهذا أمر لا يخفى، فالله (جل وعلا) أباح تعدد الزوجات لمصلحة النساء لئلا يتعطلن عن الزواج؛ لأنهن أكثر من الرجال؛ ولئلا يُضطر أزواجهن إلى طلاقهن، ولمصلحة الرجال لئلا تُعطل منافعهم عند حيض المرأة الواحدة ونفاسها ومرضها، ولمصلحة الأمة ليتكاثروا، وليكونوا جمعًا ضخمًا يقف في وجه العدو، ويرد الحقوق المسلوبة، ويوقف الكافر عند حده، ويعلي كلمة الله (جل وعلا) فهذه مصالح معروفة موجودة عامة لا ينكرها إلا مطموس البصيرة. وما يزعمه ملاحدة الإفرنج من أن تعدد الزوجات تلزمه المشاغبة الدائمة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعمل بتشريع يجر له المشاغبة الدائمة والقال والقيل والخصام الذي لا ينقضي. قالوا: إذا تزوج ضرتين فَإِنْ أرْضَى هذه سخطت هذه، فهو دائمًا بين سخطتين، وفي شغب وفي خصام وجدال، فلا تكون له حياة هنية، وأن هذا التشويش لا ينبغي. وهذا من جهالتهم وطمس بصائرهم؛ لأن المشاغبة والمشاحة التي تقع بين العائلة أمر طبيعي لا مفر منه، وهي لا خطب لها ولا شأن لها؛ لأنها تقع بين الرجل وأولاده، وبينه وبين أمه وأبيه، وبينه وبين أخواته، وتقع بينه وبين زوجته الواحدة. ولو فرضنا أن فيها بعض الشيء فإنه يُغتفر لأجل المصالح العظمى التي بيّنا من المصالح العامة من صيانة جميع النساء، وعدم تعطل منافع الرجال، ومصلحة الأمة. والمقرر في الأصول: أن الشيء ولو كان مفسدة -على زعمهم- إلا أنها مفسدة صغيرة مرجوحة فإنها تُلغى لأجل المصلحة الكبرى، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء أن المصالح العامة الكبرى لا يُنظر معها لأجل المفاسد الجزئية المرجوحة كما

стр. 2215

لا يخفى، وهذا معروف في الأصول (١)، ومن ذلك أن الكفار إن أسروا بعض أسارى المسلمين ففداهم المسلمون فإن فداء الأسارى من الكفار وإعطائهم المال هو مفسدة في الجملة، إلا أن مصلحة إنقاذ المسلمين منهم أرجح من هذه المفسدة؛ ولأجل ذلك أطبق جميع العلماء على جواز غرس شجر العنب. وانْظُرْ تَدَلِّي دَوَالي العِنَبِ ... في كُلِّ مَشْرقٍ وكلِّ مَغْربِ (٢) مع أنها تعصر منها الخمر التي هي أم الخبائث، ولكن لما كانت مصلحة وجود العنب والزبيب في جميع أقطار الدنيا مصلحة عامة راجحة، وكون العنب قد يعصر منه بعض السفلة خمرًا، فهذه مفسدة مرجوحة ألغاها الشرع في جنب تلك المصلحة الكبرى العظمى. وكذلك مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد؛ لأن مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد يرمقون هذا في بيته معه زوجاته وبناته وأخواته، وهذا لصيق له، وعنده أيضًا بيته فيه بناته وزوجاته وأخواته، هذا -وهو وجود الجنسين الرجال والنساء في البلد الواحد - قد يكون سببًا للزنا، فإن الناس المختلطة في المحل الواحد قد يكون اختلاطها في البلد الواحد ذريعة إلى الزنا فينظر الرجل فترمي إليه المرأة من الغرفة ورقة فيها وعد، أو يكلمها من فوق السطح كما كان نصر بن حجاج السلمي يقول (٣): ليْتَني في المُؤَذنينَ نَهَارا ... إنَّهم يَنْظُرونَ مَنْ في السطوحِ فيُشيرونَ أوْ يُشارُ إليهم ... حَبَّذا كُلُّ ذَاتِ دلٍّ مَليحِ

стр. 2216

إلا أن هذا وإن كان قد يكون سببًا لتمكن بعض السفلة من الفاحشة، فمصلحة اجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد متعاونين على دينهم ودنياهم أرجح فأُلغيت من أجلها هذه المفسدة، فلم يقل أحد من العلماء أبدًا: إنه يجب أن يُعزل جميع مَنْ فِي البلد من النساء ويُجعلن وحدهن ليس معهن رجل وتجعل عليهن حصون من حديد قوية، وأبواب من حديد، ومفاتح من حديد، عند رجل ذي شيبة مأمون معروف بالتقى!! لم يقل أحد هذا!! والحاصل أن المفاسد الصغيرة المرجوحة مُلغاة لدى المصالح العامة الكبرى كما هو معروف في محله. وهذه نتف قليلة أشرنا بها إلى أن تشريع خالق هذا الكون، ونور هذا القرآن العظيم هو العدل الكامل، والإنصاف التام، والحكمة البالغة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: آية ٩] فما يقوله الكفرة والملاحدة ومن قلدهم من الخفافيش لا ينبغي لأحد أن يصغي إليه، ولا أن يبالي به. ومعنى قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: جعل من تلك النفس الواحدة التي هي آدم. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ إنما أنث الضمير نظرًا إلى تأنيث النفس، والتأنيث اللفظي قد تجري به أحكام التأنيث ومنه قول الشاعر (١): أبوكَ خَليفةٌ ولدتْه أُخرى ... وأنتَ خليفةٌ ذاكَ الكمالُ وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ جاء بالضمير مذكرًا ﴿لِيَسْكُنَ﴾ هو، أي: آدم المُعبر عنه بالنفس الواحدة ﴿إِلَيْهَا﴾ أي: إلى تلك

стр. 2217

الزوج التي خُلقت منه وهي حواء؛ لأن الرجل يسكن إلى امرأته ويطمئن إليها، وهذا السكون والطمأنينة والألفة التي كانت من الرجل الأول للمرأة الأولى جعله الله سُنة كونية قدرية في ذريتهما كما يأتي في سورة الروم في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الآية [فاطر: آية ١١]. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ تغشاها معناه: جامعها، والعرب تقول: غشي الرجل امرأته وتغشاها: إذا جامعها، والتغشي: أصله لبس الغشاء، وهو الغطاء ونحوه. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: جامعها ﴿حَمَلَتْ﴾ من ذلك الجماع ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ إنما وصف الحمل بأنه خفيف لأن المرأة في أول حَبَلها ما دام حَبَلها نطفة فَعَلَقَة فمضغة يكون خفيفًا كأنها ليس في بطنها شيء، تذهب وتجيء ولا تجد ثقلاً له إلى حوالي خمسة أشهر، فبعد ستة أشهر يعظم الجنين في بطنها وتُثقل، وتكون الحركة ثقيلة عليها لعظم الجنين في بطنها؛ ولذا قال: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا﴾ في أول أشهرها فاستمرت به وذهبت به مقبلة ومدبرة لا يثقلها؛ لأن ذلك هو العادة في أول حملها. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾ يعني تطاولت الأشهر وعظم الجنين في بطنها، وأثقلت؛ أي: صارت ثقيلة من عظم الجنين في بطنها، خافت هي وزوجها، والظاهر أن هذا في الحمل الأول الذي حملته حواء خافت أن يكون هذا الذي في بطنها بهيمة، أو أنه لا يخرج منها، أو يَشُق بطنها فتموت؛ ولذا ﴿دَّعَوَا﴾ أي: الرجل والمرأة، آدم وحواء ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ دعاءً أخلصا له فيه قائلين: والله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ لئن أعطيتنا من هذا الحمل ولدًا صالحًا، أي: ذكرًا، وقال بعض العلماء: بشرًا سويًّا يخرج بسلام،

стр. 2218

ليس ببهيمة، ولا مشوّه الخلقة ﴿لَّنَكُونَنَّ﴾ لك يا ربنا على ذلك ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. الشاكرون: جمع شاكر، والشاكر: اسم فاعل الشكر، وأصل الشكر في لغة العرب (١): الظهور، تقول العرب: «ناقة شكور» إذا كان يظهر عليها السِّمَن، والشكير: هو العُسْلُوج الذي ينبت في الجذع الذي كان مقطوعًا؛ لأنه يظهر فيه بعد أن لم يكن ظاهرًا. وهو في الاصطلاح: ظهور نعم المُنْعِم على من أنعم عليه، والشكر: هو فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا. وقد جاء في القرآن إطلاق الشكر من الله لعبده، وإطلاق الشكر من العبد لربه كما هنا. ومن إطلاق الشكر على العبد لربه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ﴿لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٩] ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: آية ١٣]. ومن إطلاق الشكر من الله لعبده: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: آية ١٥٨] فمعنى شكر الرب لعبده: قال بعض العلماء: شكر الرب لعبده: هو أن يثيبه ثوابه الجزيل من عمله القليل، وحقيقة شكر العبد لِرَبِّهِ المنطبق على جزئياته: هو أن يستعمل العبد جميع نعم ربه فيما يُرْضِي رَبَّهُ، إن فعل هذا فإنه يكون إن شاء الله مِنَ الشَّاكِرِين. فهذه العيون (٢) التي فتحها الله في وجوهكم هي نعمة من ربكم عليكم تبصرون بها، فَشُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَة أن لا تنظروا بها في شيء إلا في شيء يُرضي من خلقها وأكرمكم ومَنَّ عليكم بها، وهذه الأيدي التي جعل لكم تبطشون بها

стр. 2219

نعم من الله عليكم، فشكرها أن لا تبطشوا بها إلا في شيء يرضي مَنْ خَلَقَها وأكرمكم ومنَّ عليكم بها، وكذا الرِّجل إلى غير ذلك، وكذا جميع النعم. أما الذي يستعمل نعم الله فيما يسخط الله ويغضبه فهذا ليس من الشاكرين، وهذا مِنْ أَوْقَحِ مَا يتصوره العقل أن يكون هذا العبد المسكين الذليل الضعيف ينعم عليه ربه العلي الأعلى الأعظم بهذا الإنعام ثم يبلغ من الوقاحة والسفاهة والجهل وعدم الحياء أن يصرف نِعَم خَالِقِه (جل وعلا) فيما يسخط رَبّه، هذا أمر عظيم يعرق له الجبين، ويخجل منه العاقل، فلا ينبغي للإنسان أن يصرف نعم الخالق العظيم (جل وعلا) إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلقه ومَنَّ عَلَيْهِ بها. ومادة (شكر) هي في لغة العرب تتعدى للنعمة وتتعدى للمنعم، فإن تَعَدَّتْ للنعمة تعدّت إليها بلا حرف بلا نزاع بين علماء العربية (١). تقول: (شكر نعمته، وأشكر نعمة الله). وتَعَدِّي الشكر للنعمة بلا حرف أسلوبٌ عَرَبِيٌّ لا نِزَاعَ فِيهِ، وهو في القرآن وفي غيره، أما إذا تعدَّى الشّكْر إلى المنعم كأن تقول: (نحمد الله ونشكر له) فاللغة الفصحى أن تقول: (نحمد الله ونشكر له) ولا تقول: (ونشكره). وقال بعض العلماء: لا يتعدى الشكر للمنعم إلا باللام فتقول: (أحمد الله وأشكر له) ولا تقول: (وأشكره). وشذَّ قوم فزعموا أنك لو قلت: (وأشكره) كان لحنًا، وأنه يجب أن تقول: (وأشكر له). والتحقيق: أن (وأشكر له) -مُعدى باللام - هي اللغة الفصحى، وهي لغة القرآن العظيم، ولم يأت في القرآن العظيم لفظ الشكر مُعدّى إلى المنعم إلا باللام نحو: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾

стр. 2220

[لقمان: آية ١٤] ولم يقل: أن اشكرني واشكر والِدَيْكَ. ونحو ذلك من الآيات، إلا أن (شَكَرَه) - متعديًا للمنعم بلا حرف - لغة مسموعة في كلام العرب وليست لحنًا، إلا أن التعدية باللام أفصح منها، أما (أحمده) و (أشكره) فالتحقيق أنه لَيْسَ بِلَحْنٍ، وأنها لغة عربية مسموعة، ومن شواهدها قول أبي نخيلة (١): شَكَرتُكَ إن الشُكْر حبْلٌ من التُّقَى ... وما كُل من أَوْلَيْتَه نَعْمةً يَقْضِي قال: (شكرتك) ولم يقل: (شكرت لك) ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر (٢): خَليلَيَّ عُوجَا اليومَ حتى تُسَلِّما ... على عَذْبةِ الأَنيابِ طيبة النَّشرِ ... فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُما لِي سَاعَةً ... شَكَرْتُكُمَا حتَّى أُغَيَّبَ في قَبْرِي قال: شكرتكما، ولم يقل: شكرت لكما. هذا هو التحقيق. قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ يعني فلما أعطى الله آدم وحواء صالحًا، أي: أعطاهما ولدًا بشرًا سويًّا ليس ببهيمة، وخرج منها بسلام. ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قرأ هذا الحرف جميع القراء منهم ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص خاصة: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ جمع شريك. وقرأه نافع وأبو بكر شعبة وحده عن عاصم: ﴿جعلا له شِرْكًا فيما آتاهما﴾ (٣) وكلاهما لغة فصيحة وقراءة سبعية صحيحة لا كلام فيها.

стр. 2221

الضمير في قوله: ﴿جَعَلَا﴾ لآدم وحواء. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف وجهان معروفان من التفسير للعلماء (١)، أحدهما جاءت به أحاديث وآثار، والتحقيق أنها لا يثبت شيء من تلك الأحاديث والآثار، وإن صحح بعض العلماء بعضها. والثاني دلّ عليه القرآن، وما دلّ عليه القرآن أرجح من غيره. أحد الوجهين في هذا: أن إبليس -لعنه الله- لما عظُم الجنين في بطن حواء جاءها وقال لها: إنه إذا خرج قد يشق بطنك، وقد يكون بهيمة، فهل أدلك على شيء إن فعلته خرج منك بسلام، وخرج بشرًا سويًّا؟ وهو أن تسميه عبد الحارث. ويزعمون أن الحارث من أسماء الشيطان، وأنها سمته عبد الحارث، وأنها جعلت لله شركًا حيث نسبت ذلك الولد الصالح الذي أعطاها الله نسبت عبوديته للشيطان، هذا المعنى جاء عن بعض الصحابة (٢)، وجاء في بعض الأحاديث المرفوعة، وصحح الحاكم بعضها وغيره (٣).

стр. 2222

والتحقيق أنها لم يثبت في الحقيقة شيء منها والأغلب أن من رويت عنه من الصحابة أخذوها عن بعض الإسرائيليين. الوجه الثاني: أن الآية الكريمة على أسلوب عربي معروف، وهو أنه جرت العادة في القرآن أن يسند فعل الآباء إلى الأولاد، وربما أسند فعل الأولاد إلى الآباء، وأن الفعل هنا أُسند لآدم وحواء (جعلا) بألف التثنية الواقعة على آدم وحواء، والمراد ذريتهما التي أعطاها الله التناسل يخرج هذا بشرًا سويًّا، ويخرج بسلام، ومع ذلك يكفرون بالله (جل وعلا) ويعبدون غيره، والدليل على أنه أطلق آدم وحواء وأراد ذريتهما من القرآن أنه قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٠] ثم قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ بصيغة الجمع ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩١] ثم ذكر علامات الأصنام التي يُشرك بها أولادهم كما هو واضح. وهذا القول أرْجَح، واختاره غير واحد من المحقِّقِين لدلالة القرآن عليه، ونظيره من القرآن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١]؛ لأن معنى ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ هنا: صورنا أباكم آدم. فنسب التصوير إليهم والمُصوَّر أبوهم آدم، بدليل أنه قال: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ﴾ وأمر الملائكة بالسجود قبل تصوير بني آدم الآخرين كما لا يخفى.

стр. 2223

وهذا معنى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ القول الأول: سمّيا الولد عبد الحارث، وعلى الثاني: المُراد: ذريتهما جعلت لله شركاء، فأشركت بالله (جل وعلا) الأصنام، وشاركوه في جميع ما أعطاهم من النعم والأولاد حتى قال الله للشيطان: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء: آية ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: آية ١٣٦] وكونه أسند الفعل لآدم وحواء وأراد ذرّيّتهما وهو الذي دَلَّ عَلَيْهِ القرآن؛ ومثل هذا كثير في القرآن؛ لأنه يقول لبني إسرائيل في زمن النبي: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: آية ٥٧] ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: آية ٦٣] والمفعول بهم هذا أسلاف أسلاف أسلافهم لا هؤلاء الموجودين كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ أي: تَقَدَّس وتَعَاظَم وتنَزَّهَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به، وهو (جل وعلا) مُنَزَّه عن الشريك، وهو الواحد الأحد في عبادته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له في شيء من ذلك. [٢٦/ب] /ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ بالله وهو خالق كل شيء ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف: آية ١٩١] هذا ليس بإنصاف، وقد جرت العادة في القرآن في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز مِنَ العَدَمِ إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدمًا هذا هو ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم، عليه أن يَعْبُدَ مَنْ خَلَقَه؛

стр. 2224

ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢١] وقال: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: آية ١٦] أي: وخالق كل شيء هو المعبود وحده جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا﴾ [الحج: آية ٧٣] ومن لم يخلق شيئًا لا يمكن أن يكون معبودًا؛ ولذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩١، ١٩٢] لا يقدرون أن ينصروهم إذا دعوهم وعبدوهم ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ النصر في اللغة: هو إعانة المظلوم. يعني: إن ظُلموا لا يَدفع عنهم الظلم، ولو ظُلم نفس الأصنام لا يقدرون أن ينتصروا لأنفسهم لأنهم جماد، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: آية ٧٣]. ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩٣، ١٩٤]. ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء، منهم عامة السبعة غير نافع: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ مضارع اتبعه يتَّبعه، وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿وإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لَا يَتْبَعُوكُم﴾ وتبعه واتّبعه بمعنى واحد، فكلتاهما قراءتان صحيحتان، ولغتان فصيحتان معناهما

стр. 2225

واحد (١). عبَّر عن الأصنام هنا بضمائر أصحاب العقول وهي لا تعقل؛ لأن الكفار نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ العقلاء أو أعظم مِنَ العقلاء. ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ أي: تدعوا هؤلاء المعبودين الأوثان التي تعبدونها من دون الله التي لا تخلق شيئًا وهي تُخلق ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ معناها: تدعوهم إلى طريق الهدى ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنهم جماد. ومن إذا دُعي إلى الهدى لا يتبع كيف يُطلب منه الهدى؟ ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّي إِلَاّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: آية ٣٥] وهؤلاء إن هُدوا لا يهتدون!! وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ هذه الهمزة التي هي قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ هي التي تسميها علماء العربية: همزة التسوية، وهي وما بعدها ينسبك منهما مصدر من غير حرف سابك. وأجود الإعرابين في ذلك: أن المعنى: دعاؤكم لهم وصمتُكم عنهم سواء، أي: مستويان. فـ (سواء) خبر مقدم، وهو اسم مصدر بمعنى الوصف. وقوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ في محل مبتدأ مصدر مسبوك بلا سابك، وما بعده معطوف عليه. والمعنى: دعاؤكم إياهم إلى الهدى، وصُماتكم إياهم عن ذلك سواء. أي: مستويان، لا يتبعوكم في حالة من الحالتين، لا في حالة دعائكم لهم، ولا في حالة صمتكم عنهم، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ونظيره في القرآن: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: آية ٦] أي: إنذارك لهم وعدمه سواء. أي: مستويان، وهذا المعنى معروف في

стр. 2226

كلام العرب، والأجود فيه أن (سواء) خبر مقدم، ونظيره من كلام العرب قول ابن قيس الرّقَيَّات (١): تَخَطَّتْ بِيَ الشَّهْبَاءُ نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا يعني: ليلها ونهارها سواء، أي: مستويان. وقول الآخر (٢): وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِهِ ... سَواءٌ صَحِيحَاتُ العيونِ وعُورُها أي: صحيحات العيون وعُورها سواء، أي: مستويات لشدة ظلامه لا يبصر فيه البصير كما لا يبصر الأعمى. وهذا معنى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ إلى الهدى أم صَمَتُّم عنهم. وعبَّر بالجملة الاسمية، يعني: إذا صَمَتُّم عنهم دائمًا فلم يهتدوا، وإذا دعوتهم فلن يهتدوا، فلا يهتدون إلى الهدى في حالة من الأحوال!! ومن كانت هذه حاله فكيف يتخذه العاقل ربًّا يعبده من دون الله؟! فهذا يدل على أنهم أقوام لا عقول لهم. وكان ابن عباس ﵄ يقول: إذا أردت أن تعرف عدم عقول العرب فاقرأ الآية الفلانية من سورة الأنعام قدر كذا، يعني: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: آية ١٤٠] (٣) رزقهم الله الأولاد والمال فقتلوا الأولاد

стр. 2227

وحرموا المال على أنفسهم. فهؤلاء قوم لا يعقلون؛ لأن الكفر يطمس البصائر، ويترك الإنسان أعمى لا يعرف حقًّا من باطل. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦] وهذا معنى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٣]. [٢٧/أ] / ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [الأعراف: الآيات ١٩٤ - ٢٠٣]. يقول الله (جل وعلا): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: آية ١٩٤]. في هذه الآيات الكريمة من سورة الأعراف بيّن الله (جل وعلا) سخافة عقول المشركين حيث عبدوا من هو دونهم وهم أكمل منه، قال أولاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذه الأصنام والأوثان

стр. 2228

التي تعبدونها من دون الله، سوَّاها أولاً بهم في هذه الآية، قال: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إنما أطلق على الأصنام اسم العباد وعبّر عنها بضمائر العقلاء؛ لأن الكفار يصفونها بصفات من هو خير من مطلق العقلاء، أنها معبودات، وأنها تشفع وتقرِّبُ إلى اللهِ زُلْفَى، فبهذا الاعتبار أجرى عليها ضمائر العقلاء، وعبّر عنها بالعباد. ووجه مماثلتهم هنا: أن الكفار العابدين، والأصنام المعبودات كلهم مخلوقات لله لا تقدر أن تجلب لنفسها نفعًا ولا أن تدفع عنها ضرًّا. فهم من قبيل تَسْخِيرِ الله لهم، وخلقه للجميع، وقدرته على الجميع، بهذا الاعتبار هم سواء؛ ولذا قال: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ بهذا الاعتبار، وفي الآية التي بعدها سيبيّن انحطاط درجة المعبودين عن العابدين، كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله. وقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ يعني: ادعوا هذه الأصنام واطلبوا منها النفع، أو ادعوها إلى الهدى ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنها معبودات من دون الله، وأنها تنفع وتقرب إلى الله زُلفى وتشفع ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ إذا دعوتموهم إلى الهدى تبعوكم أو نفعوكم بشيء ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ جمهور علماء العربية على أن جزاء الشرط لا يتقدم عليه، إلا أن ما تقدم دليل الجزاء، أي: إن كنتم صادقين في أنها تعبد وتنفع فادعوها فلتستجب لكم، ولا تستجيب لكم أبدًا، كما صرح الله بذلك وأوضحه في آيات من كتابه كقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: الآيتان ١٣، ١٤] وكقوله تعالى:

стр. 2229

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: الآيتان ٥، ٦] وقال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةً بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفي القراءة الأخرى (١): ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت: آية ٢٥] وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: الآيتان ٨١، ٨٢] ولذا قال هنا: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ولن يستجيبوا لكم أبدًا، ومن يدع من دون الله من لا يستجيب له لا أضل منه، كما صرح الله به في قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: آية ٥] وهذا معنى قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٤]. ثم بيّن انحطاط درجة المعبودات عن درجة العابدين، وكأنه يقول لهم: بلغت عقولكم من السخافة حتى عبدتم من أنتم خير منه وأكمل!! ومعبود يكون عابده أكمل منه فهذا لا ينبغي لأحد أن يعبده، كما قال تعالى في الأصنام المعبودات وهي جمادات معبّرًا بهمزة الاستفهام -استفهام الإنكار- المضمنة معنى النفي: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ أنتم أيها العابدون كل واحد منكم ذو رجلين يمشي عليهما ويتصرف، والذي يعبده جماد لا يقدر أن يتحرك ولا يمشي، فكيف تعبدون مَنْ أَنْتم أكْمَل منه وأقْدَر؟! هذا عمى وسخافة؛ ولذا

стр. 2230

قال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٩٥]. الأيدي جمع يد، ووزنه (أفْعُل) لأن الرِّجْلَ هنا واليد والعين كلها مجموعة على (أفعُل) أرجل، أعين، أيدي، أصله: (أيديٌ) على وزن (أَفْعُل) إلا أن الضمة قُلبت كسرة للياء المتطرفة بعدها؛ لأن الأيدي منقوص، والمنقوص إذا نُكِّر نوِّن على العين كما هو معروف في محله، وُيرفع بِضَمٍّ مُقَدَّر، ويُخفض بكسر مقدر، ويظهر نصبه كما هو معروف في محله، والأيدي جمع تكسير لليد، واحده يد. وأصل اليد (يَدَيٌ) ففاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء، فحرفها الأول: ياء، وحرفها الأخير: ياء، وبين الياءين دال، إلا أن العرب حذفت الياء الأخيرة التي في محل اللام ولم تُعوض منها شيئًا، وأعربت (اليد) على العين ولم تُعوض من اللام المحذوفة شيئًا (١). وهذا فعلته في كلمات معدودة، كـ (يد) و (دم)، و (هَنٍ) و (غد) و (دَب) ونحو ذلك، إلا أن اليد أصلها تعرب على العين، تقول: «قطع يده، وأعطاه هذا بيده، ومدته له يده» بحذف الياء، إلا أن العرب إذا صغَّرت اليد أو جمعتها جمع تكسير رجعت الياء المحذوفة؛ لأن المقرر في فن التصريف: أن جمع التكسير والتصغير كلاهما يَردّ الأمر إلى أصله، فصغرت العرب اليد على يُديَّة، وجمعت اليد على أيدي. يظهر نصبه كقوله: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: آية ٣٨] فرجعت في جمع التكسير الياء المحذوفة، وسُمع عن العرب نادرًا ذكر الياء في المفرد، وهو نادر، وإذا ذُكرت فيها الياء كانت من المقصور على الألف، فتقول العرب: (اليدى) كالفتى؛ لأن أصل الفتى (فَتَيٌ)

стр. 2231

وأصل اليد: (يَدَيٌ) وهذا سُمع قليلاً في كلام العرب - وجود الياء من أصلها، وإبدالها ألفًا، وجعل اليد من المقصور- ومنه بهذا المعنى قول الراجز (١): يا رُبَّ سارٍ بَاتَ ما تَوَسَّدا ... إلا ذِرَاعَ العَنْسِ أو كفَّ اليَدَا فـ (اليدَا) هنا مردود إلى الأصل فيه (الياء) وأُبدل منها الألف كما هو معروف. وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ﴾ قرأه بعض السبعة: ﴿قُلِ ادْعُواْ﴾ بكسر اللام على الأصل في التخلص من الساكنين بكسر أولهما، وقرأه بعض السبعة: ﴿قُلُ ادعوا﴾ بضم اللام إتباعًا للضمة كما لا يخفى (٢). وهذا معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: آية ١٩٥] أجرى الله العادة أنه إذا أرسل الأنبياء وعابوا الأصنام وقالوا: إنها لا تنفع ولا تضر، وأن عبادتها كفر بالله مُخلّد في النار، أن أصحاب الأصنام الذين يعبدونها يقولون للرسل: ستضركم هذه الآلهة، ستخبلكم وتخرب عقولكم، ويأتيكم منها الضر؛ لأنكم عبتموها!! والرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) لا يخافون هذا؛ لأن الخوف من الأصنام كفر بالله وعدم توكل عليه، فقد خوفوا النبي ﷺ بأن أصنامهم تضره؛ لأنه عابها، كما سيأتي إيضاحه في الزمر في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: آية ٣٦] وقد خوفوا بها نبي الله إبراهيم كما قال الله عنه أنه

стр. 2232

قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: آية ٨١] وقد قالوا لنبي الله هود: إن آلهتهم اعترته بسوء فَخَبَّلَتْه وجننته، فزعموا أنه مجنون، وأن الذي أضر عقله آلهتهم، كما في قولهم لهود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: الآيتان ٥٤، ٥٥] هذا الذي قال لهم نبي الله هود هو الذي قال لهم نبينا محمد ﷺ : ﴿قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ﴾ وتعاونوا معهم وكل من قدرتم عليه ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ يعني: امكروا بي وافعلوا بي ما تستطيعون من الكيد والمكر ثم لا تُنْظِرُون: لا تمهلون؛ إلا أن نبي الله هودًا قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: آية ٥٦] ونبينا (صلوات الله وسلامه عليه) قال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٦] وقد أجرى الله عادة الشياطين أنهم يخوفون الناس من أولياء الشياطين كما تقدم إيضاحه في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الأصل: يخوفكم أولياءَه ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: آية ١٧٥] وأنواع تخويف الشيطان الناس من أوليائه مختلفة كما هو معروف؛ ولذا قال هنا: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: آية ١٩٥]. ثم قال (صلوات الله وسلامه عليه): ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الولي في لغة العرب: وهو المولى، وهو الذي انعقد بينك وبينه سبب ولاية يجعلك تواليه ويواليك (١). والله (جل وعلا) انعقد بينه وبين رسوله

стр. 2233

موجب الولاية، الرسول يوالي ربه بالطاعات، والله يوالي نبيه بالإعانة والنصر والثواب الجزيل، والرسول ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياؤه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] والله ولي المؤمنين، والرسول ولي المؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: آية ٥٥] والمؤمنون المتقون أولياء الله ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: الآيتان ٦٢، ٦٣]. قوله: ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٦] هو هذا القرآن العظيم. وقال بعض العلماء: المراد جنس الكتاب. فالمعنى: أنه نزل جميع الكتب المنزلة، فيها هذا الكتاب الذي هو الأخير منها، الذي جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وهذا القرآن سُمي كتابًا، وهو (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول) أي: مكتوب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] ومكتوب في صحف عند الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: الآيات ١٣ - ١٦] وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١) أن مادة الكاف، والتاء، والباء. (كَتَبَ) معناها في لغة العرب: الضم والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعته فقد كتبته. ومنه سُميت الكتيبة كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش؛ لأنها انضم بعضها إلى بعض واجتمع بعضها مع بعض، ومنه قول نابغة ذبيان (٢):

стр. 2234

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ ولذلك أُطلقت الكتابة على الخياطة؛ لأن الخياطة يُضم فيها طرف الثوب أو طرف الأديم بعضها إلى بعض ويُجمعان بالخيط الذي يخيط به الخائط كما هو معروف، وفي ألغاز الحريري (١): وكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهمْ ... حَرْفًا ولا قَرَءُوا مَا خُطَّ في الكُتُبِ يعني الخياطين؛ ولذلك سمّت الْعَرَبُ الرّقْعَة التي تكون في السقاء، والسير التي تُخاط به سَمَّتْهُمَا (كُتبة) لأنه شيء يُلصق بشيء ويُضم إليه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول غيلان ذي الرمة (٢): ما بَالُ عَيْنَيْك منها الماءُ يَنْسَكِبُ ... كأنهُ من كُلًى مَفْريةٍ سَرَبُ ... وفْراء غَرْفِيَّة أَثْأَى خَوَارِزها ... مشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ ومن هذا قيل للخياط: كاتب، ومنه قول الشاعر يهجو بني فزارة ويعيرهم بأنهم يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل (٣): لا تَأْمَنَنَّ فَزَاريًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قلُوصِكَ واكْتُبْهَا بأَسْيَارِ فقوله: «واكتبها بأسيار» يعني: خِط ثفرها بأسيار لئلا يفعل بها الفزاري الفاحشة. هذا أصل هده المادة في لغة العرب. والكتابة مصدر سيَّال معناه أنك تجمع نقوشًا وتضم بعضها إلى بعض، وتجمع بعضها مع بعض، هي هذه الحروف حتى تصير دالة على المعاني. هذا معنى الكتاب، وهو (فِعال) بمعنى (مفعول) مكتوب. وهذا معنى

стр. 2235

قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وهو (جل وعلا) يتولى الصالحين، وسيدهم وخيرهم هو النبي ﷺ ، فقد تولاه، ولا يضره شيء مع كلاءة الله وحفظه له ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: آية ٦٧] ومعنى كونه يتولاهم أي: يتولاهم بالنصر والحفظ والكلاءة والجزاء ونحو ذلك. والصالحون جمع صالح، وهو ضد الطالح، وهو الذي يطيع الله (جل وعلا) فيما أمره به ونهاه عنه. وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أي: إعانتكم من ظالم ظلمكم، لا يقدرون أن يدفعوا عنكم شيئًا ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٧]. ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ﴾ كما تقدم بيانه. ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٨] في هذه الآية الكريمة أوجه معروفة من التفسير (١): قال بعض العلماء: الضمير في ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ عائد إلى الكفار الذين يعبدون الأصنام. يعني: تراهم ينظرون إليك وتظن أن عيونهم مبصرة وهم لا يبصرون شيئًا؛ لأنهم عمي؛ إذ لو كانوا يبصرون شيئًا لما عبدوا حجارة لا تنفع ولا تضر!! وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ عائد إلى الأصنام. والذين قالوا هذا اختلفوا إلى قولين:

стр. 2236

أحد القولين: أنهم كانوا يمثلون تماثيل ويجعلون لها أعينًا تشبه عيون الناس، حتى إنه إذا قابلك الصنم كأنه إنسان ينظر إليك. قالوا: وعلى هذا تراهم فيما يتراءى للناظر ينظرون إليك وهم لا يبصرون؛ لأنهم في الحقيقة جمادات. وذكر ابن جرير (١) وغير واحد أن العرب تقول لكل مقابل شيء إنه ناظر إليه، تقول: دار فلان تنظر إلى داري. معناه: أنها مقابلة لها. وقالوا: إن هذا أسلوب عربي معروف، نزل به القرآن. وعلى هذا القول: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ مقابلين لك ليس بينك وبينهما حاجز ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر. هذه الأقوال الثلاثة هي حاصل كلام أهل العلم في الآية. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٨]. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩٩، ٢٠٠]. هذه الآية الكريمة من أخريات سورة الأعراف إحدى ثلاث آيات (٢) في كتاب الله بيّن الله (جل وعلا) فيها آدابًا اجتماعية يجب على كل مسلم أن يتفهمها ويتدبرها ويعمل بها؛ لأنه ينتفع بها في طول حياته انتفاعًا تامًّا، وهي من تعاليم خالق السماوات والأرض، وسنلم بهذه الآيات ونذكر هذه الآداب الاجتماعية التي دَلَّتْ عَلَيْهَا التي يحتاج إلى تعليمها كل إنسان، ثم نرجع إلى الآية فنفَسِّر مُفْرَدَاتها.

стр. 2237

اعلموا أولاً أن الله أجرى العادة بأنه لا يخلو أحد كائنًا مَنْ كَان مِنْ عَدُو مُنَاوِئ له من بني آدم ومن الشياطين، لا بد للإنسان مِنْ عَدُوٍّ يُنَاوِئهُ من بني جنسه ومن الشياطين. وهذا أمر غالبًا، وخير الناس الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: آية ١١٢] فلا يخلو إنسان من عدو من بني جنسه وعدو من الشياطين. ليسَ يَخْلُو المَرْءُ مِنْ ضِدٍّ ولَوْ ... حَاوَلَ العُزلَةَ في رَأْسِ جَبَلْ (١) وفي هذه الآية والآيتان الأخريان بيان ما يتلقى الإنسان به العدو من جنسه والعدو من الشياطين؛ ليكتفي شرهما ويكسر أصل هذه العداوة المضرة الشنيعة التي لا يسلم منها أحد (٢)، وذلك أن عدوك من بني جنسك أنك تقابل إساءته بالإحسان، ومنكره بالمعروف، وإساءته بالحلم والصفح، فإن ذلك الإحسان وذلك الحلم والصفح يقضي على إساءته ويذهبها حتى يُضطر إلى أن يصير في آخر الأمر من أصدق الأصدقاء. وأما إذا كان العدو من الشياطين فإن الملاينة لا تفيد فيه، وأنت لا تراه ولا لك فيه حيلة إلا الاستغاثة بخالق السماوات والأرض والاستعاذة به منه. قال هنا فيمن يتسلط عليك من الإنس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: آية ١٩٩] وقال في صاحبه الآخر من شياطين الجن: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ

стр. 2238

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لا دواء له إلا ذلك ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠]. الموضع الثاني: في سورة (قد أفلح المؤمنون) قال تعالى في عدوك من بني جنسك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: ادفع سيئات المسيئين بمقابلتها بالتي هي أحسن ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ ثم قال في العدو الثاني من شياطين الجن: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: الآيات ٩٦ - ٩٨]. الموضع الثالث: في (حم السجدة) زاد فيه تعالى أن هذا الدواء السماوي والعلاج القرآني الذي يَكْسِر عداوَةَ هَذَيْنِ العَدُوَّيْنِ لا يُعْطِيهِ الله لكلِّ أحد، وإنما يخص به مَنْ شَاءَ مِمَّنْ لَهُ عِنْدَهُ الحَظّ الأعْظَم، وزاد أن هذا دواء نافع وعلاج عظيم حيث قال في العدو من الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: آية ٣٤] في غاية الصداقة؛ لأن مقابلة إساءته بالإحسان تخجله وتقضي على عداوته حتى يُضطر إلى أن يرجع صديقًا. وقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ [فصلت: آية ٣٥] هذه الخصلة وهذا التعليم القرآني لا يُعطاه كل الناس، لا يعطيه الله إلا لصاحب الحظ والبخت العظيم عنده من الصابرين؛ ولذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ ثم قال في رفيقه الآخر: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: الآيتان ٣٥، ٣٦] فهذا علاج قُرْآنِي ودوَاء سَمَاوِيّ نافع يحتاج إليه كل مسلم، ومحل هذا في غير الكفار المناصبين الناس بالعداوة، فالملاينة لهم لا تجوز؛ لأن الكفار يجب

стр. 2239

عليهم الغلظة والقوة والعزة، ولا يُلاينون، ولا تُقابل سيئاتهم بالحسنات، كما وصف الله بذلك نبينا ﷺ وأصحابه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: آية ٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ٧٣] مع أنه يقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: آية ٨٨] ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: آية ٢١٥] ويقول في غيرهم: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ٧٣] وقد مدح الله قومًا بلين جانبهم لإخوانهم المسلمين وقوتهم على الكفرة ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: آية ٥٤] وقد قال الشاعر في نبينا ﷺ : وما حَمَلَتْ من نَاقَةٍ فَوقَ رَحْلِهَا ... أَشَدَّ على أَعدائِهِ من محمدِ (١) صلوات الله وسلامه عليه. ومن شعر مالك بن نمط الهمداني لما قدم على النبي ﷺ في وفد همدان:

стр. 2240

وما حَمَلَتْ من نَاقةٍ فوقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وأوَفى ذمةً مِنْ مُحَمَّدِ ... وأَعْطَى إذا ما طالِبُ العُرْفِ جَاءَهُ ... وأَمْضَى بحدِّ المَشْرَقِيِّ المُهَنَّدِ والحاصل أن الشدة في محل اللين حمق وخرق، واللين في محل الشدة ضعف وخور، وكل مقال له مقام. وقد صدق أبو الطيب المتنبي في قوله (١): إذا قِيلَ حِلْمٌ فَقُلْ لِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ ... وَحِلْمُ الْفَتَى في غَيْرِ مَوْضَعِهِ جَهْلُ وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال بعض العلماء: لما نزلت هذه الآية سأل النبي ﷺ عنها جبريل فقال له: حتى أسأل ربي، ثم رجع له وقال: ربك يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: صِل من قطعك، وأعطِ من حرمك. ونحو ذلك (٢) ... فإن هذا هو العفو، بأن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، قال له: صِلْ من قطعك، واعف عمن ظلمك. هذا هو الأخذ بالعفو، وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية الكريمة أن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري المعروف من رؤساء فزارة وهو الذي يُقال: إنه مطاع أحمق، وكان ابن أخيه

стр. 2241

الحر بن قيس من خيار المسلمين ومن القُراء، وكان له مكانة عند عمر بن الخطاب ﵁؛ لأن عمر ﵁ كان جلساؤه القراء صغارًا كانوا أو كبارًا، فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لنا عليه. فاستأذن له عليه، فلما دخل عيينة على عمر ﵁ -وكان عيينة بدويًّا جافيًا- فقال: إِيهٍ يا ابن الخطاب!! ما تعطينا الجزل، ولا تقسم بيننا بالعدل!! فغضب عمر بن الخطاب ﵁ حتى همّ به، فقال له الحرّ بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر، وكان عمر ﵁ وقّافًا عند كتاب الله (١). قال بعض العلماء (٢): (العفو) هو ما تسهّل لك من أخلاق الناس، خذ ما وجدته سهلاً من أخلاق الناس، ما وجدت منهم من طيب خذه، وما جاءك منهم من غير ذلك تجاوز عنه واصفح عنه. والعفو في لغة العرب يطلق على ضد الجهد، فكل شيء متيسر لا مجهود فيه تسمية العرب عفوًا (٣). وقد قدمنا إيضاحه في تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: آية ٢١٩] أي: الشيء الزائد الذي لا يُجهد الزائد على قدر الخَلَّة الضرورية على أصح التفسيرين. وهو معنى معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» خذ ما تسهّل لك مني، وما تعصَّى عليك لا تكلِّمني

стр. 2242

فيه. ومنه قول أسماء بن خارجة وقيل حاتم الطائي (١): خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ... ولَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتي حِينَ أغضبُ ومنه قول حسان ﵁ يمدح المهاجرين في شعره المشهور الذي فاخر به وفد تميم (٢): خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ... ولا يكُنْ همُّكَ الأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (٣): إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا ... فَخُذْهَا فالغِنَى مَرْعًى وَشرْبُ فعلى هذا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس ووجدت منهم طيبًا بلا كلفة فخذه، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوَزْهُ، كما قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ العرب تطلق لفظة العُرف والمعروف والعارفة على كل خصلة جميلة تستحسنها العقول وتطمئن إليها النفوس (٤). معناه: وأمر بكل معروف جميل تطمئن إليه النفوس. وهذا معنى قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (٥):

стр. 2243

مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يَعْدَم جَوَازِيْهِ ... لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ يعني: أُؤْمُر بالعرف؛ أي: بكل جميل حسن تطمئن إليه النفوس وتستحسنه العقول؛ كالإعراض عن الجاهل، والعفو عن المسيء، وكان بعض علماء الأصول يقول: إن هذه الآية يدخل فيها ما يتعارف عليه الناس في معاملتهم وبيوعاتهم ونحو ذلك (١)، أن الناس إذا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بعرف بينهم في جميع معاملاتهم يجب على الحاكم أن يأخذه؛ ولذا قال العلماء: إذا جاء قَاضٍ إلى بلد وهو غريب عنها ليس من أهلها لا يجوز له أن يحكم ولا أن يفتي حتى يسأل عَنْ عُرْفِهِمْ وعَادَاتهم في ماذا يريدون بالصيغ وألفاظ المعاملات؛ لأن الأحكام تختلف باختلاف الأعراف، قد يكون الناس يطلقون هذه الكلمة على معنًى مُعَيَّن لا يريدون غيره فيحملها القاضي على لفظها اللغوي فيظلمهم، ويُحَمِّلهُم ما لا يقصدون. ومن هذا كان بعض علماء الأصول يقول: هذه المسألة التي دخلت في عموم هذه الآية إحدى القواعد الخمس التي أُسس عليها الفقه الإسلامي (٢). وبعضهم يقول: أصلها أربعة، زاد بعض الأصوليين فيها خامسة (٣)، وهي قواعد خمس: أولها: (الضرر يُزال) هذه قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي (إزالة الضرر)، ويشهد لها حديث: «لَا ضَرَرَ

стр. 2244

وَلَا ضِرَارَ» (١). الثانية: (المشقة تجلب التيسير) هذه من قواعد الفقه الإسلامي التي أُسس عليها، ومن فروع هذه القاعدة: التسهيلات والرخص، كقصر المسافر للصلاة، وفطره في رمضان، وغير ذلك من الرخص والتسهيلات المنتشرة في الشرع. الثالثة: (لا يرتفع يقين بشك) وهذه من أمثلتها: أن الذمة

стр. 2245

تُحمل على براءتها حتى يُتحقق بالبينة شغلها. وكذلك إذا ثبت أن الذمة شُغِلَتْ بدَيْنٍ وجب استصحاب ذلك الشغل حتى تقوم البيّنة على أنه قضاه. وهكذا في مسائل كثيرة. الرابعة: قولهم (العُرفُ مُحَكَّم) وهو أن الناس في معاملاتها وما يجري بينها في بيوعها ونكاحها وإجاراتها وطلاقها وغير ذلك من العقود أنها يُرجع بها إلى عرفها وما تعتاده في مخاطبتها وتقصده، ولا تُحمَّل بمطلق ألفاظ اللغة التي يخالفها عرفها. القاعدة الخامسة: (الأمور تبع المقاصد) وهذه قاعدة عظيمة يشير إليها قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وهذا معنى قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الإعراض عن الجاهلين خُلُق سماوي أمر الله به نبيّه لِيُعَلِّم خَلْقَه هذا الخُلق الكريم، والأدب السماوي العظيم، أنه إذا جهل عليك جاهل فأساء إليك أن تعرض عنه ولا تأخذه بزلته، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: آية ٧٢] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: آية ٥٥] ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
следующие страницы →