في ذلك رواجز، ومن جملة ما يقول فيها (١):
أَنَا الذي أزعمُ أَصْلي من بَلِي ... أَضْرِبُ بالحَرْبَةِ حَتَّى تَنْثَني
ويروى عنه: «بالصَّعْدَةِ حتى تنثني» فجاء واعتذر إلى النبي ﷺ من قَتْلِهِ بأنه ما تعرض له حتى قاتله دون زميله (٢).
فمنح الله المسلمين أكتاف الكافرين، فقتلوا سبعين من خيارهم، وأسروا سبعين، وكان ممن قُتل في ذلك اليوم: أبو جهل بن هشام -لعنه الله- وقد صح عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه لما صف النبي ﷺ الصفوف كان بجنب عبد الرحمن -وكان رجلاً له قامة- كان بجنبه رجلان صغيران في القدر، وهما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن الحارث المشهور: بمعاذ بن عفراء، فكأن عبد الرحمن بن عوف استنقصهما وظن أن اللَّذَيْن بجانبيه ليسا رجالاً يمنعانه؛ لأن الرجل إذا كان في صف القتال بجنبه الرجال كانوا يمنعونه ويشدون أزره، فهو استنقص هذين واستحقرهما لصغر قدرهما، فإذا أحدهما يكلمه خفية من صاحبه ويقول: يا عم أرني أبا جهل. قال: ما حاجتك به؟! قال: سمعت عداوته لرسول الله ﷺ ، والله إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. ولم يلبث إذ الآخر يُسائله سرًّا من صاحبه ويقول له مثل ما قال صاحبه. قال: فعلمت أن اللذَيْن بجنبي أنهما رجال، ورأيت أبا جهل يدور في قريش كالحَرَجَة -والحرجة: الشجرة الكبيرة في الغابة يحتف بها الشجر من جميع جوانبها-
стр. 2312
وقريش يحتفون به ويقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه، وهو -قبحه الله - يرتجز ويقول (١):
ما تَنْقِمُ الحربُ العَوَانُ مني ... بَازِلُ عَامينِ حديثٌ سِنِّي ...
لمثلِ هذا ولَدَتْني أُمّي
فقلت لهما: هذا صاحبكما. فابتدراه بِسَيْفَيْهِمَا فأطارا رِجْلَهُ بنصف ساقه، كأنها نواة طائرة من تحت مرضخة من شدة الضربة، فسقط صريعًا وبقي -قبحه الله- في المعركة حتى انهزم عنه قومه، فجاءه عبد الله بن مسعود ﵁ ووجده في آخر رَمَقٍ فاحْتَزَّ رَأْسَهُ. قالوا: لما أخذ لحْيَتَهُ وأراد أن يقطع رأسه قال له: ارتقيت صعبًا يا رويعي الغنم!! وقال له: أخبرني لمن الدائرة؟ قال: لله ولرسوله (٢). فجيء ﷺ برأس أبي جهل وهو في العريش (صلوات الله وسلامه عليه) (٣)، وهزم الله الكفار، وقُتل من أشرافهم سبعون، وقتلاهم مشهورون (٤)، ممن قُتل منهم: أبو جهل، وأمية بن خلف، وزمعة بن الحارث بن الأسود، ومنبه ونبيه ابني الحجاج،
стр. 2313
وممن قُتل في ذلك اليوم: النفر الذين قالوا: إنا كنا مستضعفين في الأرض، وهم علي بن أمية، والحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ابن عمه، والعاص (١).
هؤلاء النفر كانوا أسلموا وآمنوا بالنبي ﷺ وادعوا أنهم عجزوا عن الهجرة، وخرجوا يوم بدر مع قريش فقُتلوا جميعهم -والعياذ بالله- وأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٢) [النساء: الآية ٩٧]- والعياذ بالله - فقُتل هذا من أشراف قريش، وأُسر من أشرافهم سبعون. وممن أُسر منهم: العباس بن عبد المطلب، وابنا أخيه وهما: عقيل بن أبي طالب ﵁ ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ﵁، وممن أُسر: سهيل بن عمرو ﵁ كان أسره مالك بن الدخشم، وكان يقول (٣):
أسرتُ سُهيلاً فلا أبتغي ... أسيرًا به من جميع الأُمم
وخِنْدفُ تعلمُ أن الفتى ... سهيلاً فتاها إذ يُظَّلَمْ
فمنح الله المسلمين أكتاف الكفار يقتلون ويأسرون، وكسر الله شوكة الكفر، وأعلى كلمته، وأيَّد دينه.
стр. 2314
ولما جمع النبيّ ﷺ الأسارى مكث في عرصة بدر ثلاثة أيام، ثم في اليوم الثالث أمر بناقته فرُحِّلت، فتبعه أصحابه وقالوا: ما ذهب إلا لشأن!! فأمر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، ثم ناداهم بأسمائهم: «يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟!» ولما قال له عمر بن الخطاب ﵁: ماذا تخاطب من أجساد لا أرواح لها؟ قال له: «مَا أنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لِمَا أَقُولُ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُجِيبُوا» (١). أو كما قال ﷺ .
ولما اجتمعت عنده الأُسارى، وهزم الله الكافرين، وقتل سبعين من خيارهم، وأُسر من أشرافهم سبعون، استشار أصحابه فيما يفعل بالأُسارى؟ مع أن سعد بن معاذ ﵁ كان متوشحًا بسيفه على عريش رسول الله ﷺ ، وقد رأى النبي في وجهه الكراهة، فقال: «ما بالُك؟» قال: رأيت شيئًا أكرهه، رأيت الناس يأسرون الرجال، وهذا أول مشهد في الإسلام، وكان الإثخان في القتل أحب إليَّ مِنْ أسر الرجال واستبقائهم (٢). فلما استشارهم اختلفوا له، فكان أبو بكر ﵁ يقول: هم بنو عمك فاستبق منهم؛ لعل الله أن يهديهم أو يهدي من أصلابهم، وتستعينوا بفدائهم على أمر الحرب. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اقتلهم جميعًا، أعط العباس لعلي فليقتله،
стр. 2315
وأعط كل رجل لقريبه فليقتله؛ ليعلم الله أن لا هوادة بيننا وبين الكفار. قال بعضهم: وقال عبد الله بن رواحة: إنك في واد كثير الحطب فأضرم عليهم نارًا. قالوا: والنبي ﷺ فيما ذكره المؤرخون قال: «إن أبَا بَكْرٍ قالَ كَمَا قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: الآية ١١٨]، وإنَّ عُمَرَ قَالَ كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: الآية ٨٨] وَإِنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ قالَ كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ (٢٦) إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: الآيتان ٢٦، ٢٧]» فاستقر أمره على أنهم يأخذونهم ليستعينوا بفدائهم على الحرب؛ لأنهم كانوا يحتاجون إلى المال (١).
وقال بعض المؤرخين: إن جبريل قال للنبي ﷺ : خَيِّر أصحابك أن يقتلوهم أو يفدوهم ويستعينوا بالمال على أن يُقتل منهم قدر الأُسارى في العام القادم. وأنهم قالوا: نستعين بالمال الآن وينال الشهادة منا هذا العدد في العام القادم (٢). فكر بعضهم هذا، وأنه قُتل
стр. 2316
منهم سبعون يوم أحد لما أسروا السبعين هذه. هكذا قاله بعض المؤرخين، والذي جاء به القرآن أن الذين رأوا أن يقتلهم ويضعفوا شوكة الكفر بقتلهم أن رأيهم كان هو الصواب، وأن الله تعالى تجاوز لأهل بدر ولو ارتكبوا غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٧] ومعنى: ﴿يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يوجع فيها قتلاً ليضعف شوكة الكفر بقتل الرجال وقتل الصناديد والرؤوس، ثم قال: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨] ثم بعد ذلك قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: الآية ٦٩].
وقال النبي ﷺ للعباس: «افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخَوَيْكَ: عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفلَ بْنَ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ». فقال: لا مال عندي. قال له ﷺ : «عِنْدَما أَرَدْت الخُروج أَخَذْتَ المَالَ الفُلَانِيَّ ودَفَنْتَهُ فِي محلِّ كَذا وقُلْتَ لأُمِّ الفَضْلِ: إِنْ لَمْ أَرْجِعْ فَاسْتَعِينُوا بِهَذا». فقال: والله لا يعلم هذا غيري وغير أم الفضل، وأشهد أنك رسول الله. وفدى نفسه وابني أخويه وحليفًا له (١).
стр. 2317
وأنزل الله فيه -مع أنها في الأُسارى كلهم، إلا أن المفسرين يجعلونها في العباس؛ لأنه من أشهر من نزلت فيه-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٠] (١) فلما جاء النبي ﷺ مال البحرين وجاء العباس وقال: يا نبي الله فاديت نفسي وعقيلاً. فقال له: «خُذْ مِنْ هَذَا الذَّهَبِ». فهال منه العباس في ثوبه حتى أراد أن يقوم فَنَاءَ به ولم يقدر أن يقوم، فطلب أحدًا يساعده، فقال له النبيّ ﷺ : «لَا يُسَاعِدُكَ أَحَدٌ، وَلَا تَحْمِلْ مِنْهُ إِلَاّ قَدْرَ مَا تَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ». فهال منه عن ثوبه حتى قدر على حمله (٢)
ثم قال: «أما أحد الأمرين فقد عايناه، وهو: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ فقد آتانا خيرًا مما أُخذ منا، وأما الثانية وهي قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ فإنا نرجوها من الله جل وعلا» (٣).
وفي ذلك اليوم استُشهد وقُتل من أصحاب رسول الله شهيدًا يوم بدر أربعة عشر رجلاً (٤)، ستة من المهاجرين، والبقية من الأنصار، ستة منها من الخزرج، واثنان من الأوس. فشهداء بدر:
стр. 2318
ستة منهم من المهاجرين، وستة منهم من الخزرج، واثنان منهم من الأوس؛ لأن الأوس في ذلك اليوم أقل من الخزرج؛ لأن ديار الخزرج في داخل المدينة قرب رسول الله، وديار الأوس في العوالي وقباء، كديار بني عمرو بن عوف، فالذين في داخل المدينة أكثرهم من الخزرج؛ ولذا كانوا هم الحاضرين فتمكنوا من الخروج، والنبي لم ينتظر الغائبين (١).
والستة الذين استُشهدوا من المهاجرين هم: عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي ذكرنا أن قدمه بنصف ساقه قطعها عتبة بن ربيعة في المبارزة، ومنهم: عمير بن أبي وقاص ﵁ أخو سعد بن أبي وقاص، قتله عمرو بن عبد ود، وقد كان أخوه سعد بن أبي وقاص ﵁ قتل ذلك اليوم العاص بن هشام، ومن الذين استُشهدوا - أول من قُتل من المسلمين في ذلك اليوم - مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب (٢)، ومِهْجَع هذا أصله رجل من بني عك، أصابه سباء فأعتقه عمر بن الخطاب ﵁ فكان مولاه، ويقال له مهجع عمر، وهو أول قتيل من المسلمين استشهد يوم بدر، ومات بعده من المسلمين رجل من الخزرج يُسَمَّى حارثة بن سراقة ﵁ (٣)، وهو الذي سألت أمّه النبي ﷺ
стр. 2319
عنه فقال لها: «إِنَّهُ أَصَابَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ» (١).
والحاصل أن الستة الذين ماتوا شهداء من المهاجرين يوم بدر هم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وعاقل بن البُكَير، وصفوان بن وهب المعروف بصفوان بن بيضاء، وذو الشمالين، واسمه: عمير بن عَبْد (٢). هؤلاء الستة هم الذين استشهدوا من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص، ومهجع مولى عمر، وذو الشمالين، وصفوان بن وهب، وعاقل بن البُكَير. هؤلاء ستة من المهاجرين (٣).
والاثنان اللذان ماتا في سبيل الله يوم بدر من الأوس هم (٤) مبشر بن عبد المنذر -أخو أبي لبابة بن عبد المنذر- وسعد بن خيثمة ﵁، فإن سعدًا هذا قُتل شهيدًا يوم بدر، وأبوه خيثمة قُتل شهيدًا يوم أحد.
والستة الذين استشهدوا من الخزرج -ماتوا شهداء- منهم (٥): يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر الخزرجي
стр. 2320
(﵁، وعوف ومُعَوِّذ ابنا عفراء، أولاد الحارث بن عفراء، وهما أخوان ماتا ذلك اليوم، ورافع بن المعلى، وعمير بن الحمام ﵁، عمير بن الحمام بن الجموح، كان يأكل تمرات فسمع النبي ﷺ يقول: «أيها المسلمون قُومُوا إلى جنَّة عَرْضُهَا السماواتُ والأرْضُ، واللهِ لَنْ يَقْتُلَ هؤلاء رجلاً مِنْكُمْ مُقْبلاً غيرَ مُدْبِرٍ إلا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». فقال له عمير بن الحمام ﵁: أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال: «نعَم»، فلفظ التمرات من فِيه وقال: إني إن أكلت هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم أخذ سيفه ﵁ فقاتل القوم حتى قتلوه (١).
هذه أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وستة من الخزرج، واثنان من الأوس قُتلوا شهداء يوم بدر ﵃ وأرضاهم).
وكانت في بدر أشعار كثيرة ومداولات بين المشركين وغيرهم، تكلم فيها كثير من شعراء المسلمين والكفار، فيها من شعر حمزة بن عبد المطلب ﵁، وحسان بن ثابت، وغيرهما، وفيها من شعر الكفار: شعر ضرار بن الخطاب الفهري وغيره من شعراء قريش، وذلك باب إذا ذكرناه يطول بنا المقام، فنذكر منه قليلاً: فحسان ﵁ شاعر رسول الله ﷺ ، ومن أشهر ما كان من
стр. 2321
المداولات في بدر ما كان بين حسان وبين الحارث بن هشام ﵁ أخي أبي جهل بن هشام؛ لأن حسان دائمًا يُعيِّر الحارث بن هشام بفراره يوم بدر، وقتل إخوانه، وبقاء أخيه طريحًا في الملحمة -أعني أبا جهل قبحه الله- وكان حسان ﵁ ذكر تَمَثُّل إبليس لهم في أبيات قال -يعني تمثل إبليس في صورة سراقة بن مالك- قال في ذلك (١):
سِرْنَا وسَارُوا إلى بدر لِحينِهمُ ... لو يَعْلَمُونَ يَقينَ الأَمْرِ ما سَارُوا
دَلَاّهُمُ بغرورٍ ثم أَسْلَمَهُم ... إن الخَبِيثَ لمن والاهُ غَرَّارُ
وقال إني لكم جَارٌ فَأَوْرَدَهُم ... شَرَّ المَوَاردِ فيه الخِزْيُ والعَارُ
وكان حسان ﵁ يذكر في أشعاره بدرًا، له فيها قصائد، وفيها لحمزة بن عبد المطلب وغيرهم من الصحابة، وفيها لجماعة من قريش، منهم ابن الزبعرى، ومنهم ضرار بن الخطاب الفهري وغير ذلك، وكان حسان ﵁ قال (٢):
لَقَدْ عَلِمَتْ قُريشٌ يومَ بدرٍ ... غَداةَ الأَسْرِ والقَتْلِ الشَّدِيدِ
بأنَّا حينَ تشْتَجِرُ العَوَالي ... حُمَاةُ الحرب يومَ أبي الوليدِ
قَتَلنا ابني ربيعةَ يومَ سارُوا ... إلينا في مضاعَفَةِ الحديدِ
ومرَّ بها حكيمٌ يومَ جَالَتْ ... بنُو النجارِ تخطرُ كالأُسودِ
وَوَلَّتْ عند ذاكَ جموعُ فِهْرٍ ... وأَسْلَمَها الحويرثُ من بعيدِ
الحويرث: يعني الحارث بن هشام؛ لأنه ينكد عليه في شعره دائمًا، كقوله هنا:
وأَسْلَمَهَا الحويرثُ من بعيد
стр. 2322
وكتعييره له في ميميته المشهورة التي هي من أشهر ما قيل في بدر (١):
تَبَلَتْ فُؤادَكَ في المَنَامِ خريدةٌ ... تَسْقِي الضَّجيعَ بِبَارِدِ بَسَّامِ
كالمِسْكِ تَخْلِطُهُ بماءِ سَحَابَةٍ ... أو عَاتِقٍ كَدَمِ الذَّبيحِ مُدَامِ
نُفُجُ الحَقِيبَةِ بَوْصُهَا مُتَنَصِّدٌ ... بَلْهَاءُ غَيْرُ وشِيكةِ الأَقْسَامِ (٢)
أما النهارُ فلا أُفَتِّرُ ذِكْرَهَا ... والليلُ تُوزِعُني بها أَحْلَامي (٣)
يا مَن لِعَاذِلَةٍ تلوم سفاهة ... ولقد عصيتُ على الهوى لُوَّامي (٤)
إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني ... فَنَجوتِ مَنْجى الحارِثِ بن هشَامِ
تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُم ... ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجَامِ
وأجابه الحارث بن هشام ﵁، وكان المؤرخون يقولون: أحسن اعتذار اعتذر به معتذر عن جواب: اعتذار المَخْزُومِيَّيْن، أعني: اعتذار الحارث بن هشام يخاطب حسان لما قال له:
إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني ... فنجوتِ مَنْجَى الحارِثِ بن هشامِ
تَرَكَ الأحَبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُم ... ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجَامِ
أجابه الحارث يعتذر عن فراره قال (٥):
стр. 2323
اللهُ يعلمُ ما تركتُ قتالَهُم ... حتى رموا فَرسي بأَشْقَرَ مُزْبد ...
وعَلمتُ أني إنْ أُقَاتِلْ واحدًا ... أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوي مَشْهدي ...
فَصَدَدْتُ عنهم والأَحِبَّةُ فيهم ... طمعًا لهم بقتال يوم مُرْصِدِ
هذا هو المخزومي الأول، والمخزومي الثاني: هبيرة بن أبي وهب، زوج أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة عام ثمان هرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى نجران ومات بها كافرًا - والعياذ بالله - وكان يعتذر عن فراره من رسول الله وأصحابه يوم الفتح، ويخاطب زوجه أم هانئ بنت أبي طالب ﵂:
لَعَمْرُكِ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا ... وَأَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ القَتْلِ ...
وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ ... لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي ...
وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيْعَةَ مَوْقِفِي ... رَجَعْتُ لِعَوْد كالهِزَبْرِ أَبِي الشِّبْلِ (١)
فهذا اعتذاره كاعتذار الحارث بن هشام.
ولما أخذ ﷺ الغنائم، ومكث في عرصة بدر ثلاثة أيام، ورجع قافلاً إلى المدينة، وأرسل ابن رواحة إلى العوالي يبشرهم، وزيد بن حارثة إلى أهل المدينة يبشرهم بما فتح الله على نبيه (٢)، لما نزل وادي الصفراء راجعًا قدَّم النضر بن الحارث للقتل (٣) -النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، وكان من بني عبد الدار، وكان شديد
стр. 2324
العداوة لرسول الله، له قينتان تغنيانه بهجاء رسول الله- قدمه للقتل فقُتِلَ صَبْرًا، ولم يُقتل من الكفار في وقعة بدر صبرًا إلا رجلان: النضر بن الحارث هذا، وعقبة بن أبي معيط، قتل أولاً النضر بن الحارث في قُفوله في وادي الصفراء؛ فلما بلغ موضعًا آخر بعده يقولون: إن اسمه عرق الظبية قدم عقبة بن أبي معيط فقتله أيضًا (١)، ولما قَتَلَ النبيُّ ﷺ النَّضْرَ بن الحارث بن كلدة العبدري -قبحه الله- الذي سيأتي خبره في قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الانفال: آية ٣٢] يأتي خبره في هذه السورة، وفي سورة الروم، وفي سورة المعارج -سورة (سأل سائل) - لما قتله ﷺ صبرًا وبلغ مقتله إياه بلغ أخته قتيلة بنت الحارث العَبْدَرِيَّة وقد أسلمت بعد ذلك وصارت صحابية ﵂ أرسلت إلى النبي ﷺ شعرها المشهور، الذي لما قُرئ عليه ﷺ بكى حتى أَخْضَلَ الدمع لحيته لشدة رحمته وشفقته، وذكروا أنه قال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه (٢).
لأنه رؤوف رحيم (صلوات الله وسلامه عليه)، وكان شعرها الذي أرسلت إليه به الذي أبكاه ﷺ وقال: لو بلغه قبل أن يقتله لعفى عنه. هو قولها (٣):
يا راكبًا إن الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ ... من صُبحِ خامسةٍ وأَنْتَ موفَّقُ
أبلغْ بها مَيْتًا بأن تحيةً ... ما إن تزالُ بها النجائبُ تَخْفِقُ
مني إليكَ وعبرةً مسفُوحةً ... جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وأُخْرى تخنُقُ
стр. 2325
هل يسمعنَّ النضرُ إن ناديتُه ... أم كيف يسمعُ ميتٌ لا ينطقُ ...
أمحمدٌ يا خيرَ ضَيْءِ كريمة ... في قومِهَا والفَحْلُ فحلٌ مُعْرِقُ ...
ما كان ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفَتى وهو المغيظُ المُحْنَقُ (١) ...
فالنَّضْرُ أقربُ مَنْ أَسَرْتَ قرابةً ... وأحقُّهم إن كانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ ...
ظَلَّتْ سيوفُ بني أبيهِ تَنُوشُه ... للهِ أرحامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ ...
صَبْرًا يُقادُ إلى المنيةِ مُتْعَبًا ... رَسْفُ المُقَيَّدِ وهو عان مُوثَقُ
ولما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال: أَأُقتل بين قريش صبرًا؟ من للصبية؟ قال له ﷺ : «لهُمُ النَّارُ» (٢). وذكر بعض المؤرخين أنه قال: أَأُقتل بين قريش صبرًا؟ قال: «إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ يَهُودِ صفوريّة» (٣).
كما ذكره بعضهم (٤).
وعقبة هذا كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ذكروه أنه مرّ عليه يومًا ساجدًا فوضع رجله على عنق رسول الله ﷺ وهو ساجد حتى آذاه -قبحه الله- فقتله الله وأراح المسلمين منه.
وهذا طرف من هذا المشهد العظيم والغزوة الكبيرة سنُلمّ في بعض أطرافه بعد هذا، وهذه السورة الكريمة كلها نازلة في هذه الغزوة، وسيُكرر بعض هذا ويأتي ما لم يذكر فيه في مناسبة قرآنية من
стр. 2326
هذه السورة الكريمة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآيات ٧ - ١١].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآيتان ٧، ٨].
قد ذكرنا فيما سبق أن النبيّ ﷺ لما خرج من مدينته هذه -حرسها الله- يتلقى عِير أبي سفيان، وأن أبا سفيان سَاحَل بالعِير، أي: تيامن بها إلى جهة الساحل، وأرسل ابن عمرو الغفاري يستنفر جيش قريش، فاستنفر الجيش، وصار أصحاب رسول الله ﷺ لما علموا بذلك يُحتمل عندهم أن يلتقوا بالجيش، وأن يلتقوا بالعِير، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ووعده إحدى الطائفتين: إِما أن يعطيه العِير فيغتنمها، أو يسلطه على النفير فيهزمه. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ حين يعدكم الله وعده الصادق ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ (وَعَدَ) من الأفعال التي تطلب مفعولين، فقوله ﴿إِحْدَى﴾ هو مفعولها الثاني.
стр. 2327
وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من (إحدى) أي: وعدكم الله إحدى الطائفتين أن الله جعلها لكم، إما أن يكون لكم العِير فتغتنموها، أو يكون لكم النفير فتهزموه وتنتصروا عليه. هذا معنى قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧].
ولما بشر النبي ﷺ أصحابه بنصر الله، وأنه وعده إحدى الطائفتين، كان أصحاب رسول الله يتمنَّوْنَ أن تكون الطائفة التي هي لهم عير أبي سفيان؛ لأنه مالٌ كَثِيرٌ ليس دونه قتال، وهذا معنى قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ خطاب للنبي وأصحابه ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ والذي ودّها في الحقيقة إنما هو بعض أصحاب رسول الله ﷺ . والودادة معناه: التمني ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: تتمنون وتحبون أن تكون الطائفة التي سيحقق الله لكم إنجاز الوعد بها أن تكون الطائفة التي هي ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾، يعني: العِير، أصل الشوكة: واحدة الشوك؛ لأن رأسها فيه حِدَّة، والعرب تطلقها على كل سلاح حديد تسميه (شوكة)، فتقول للرجل الحديدِ السلاح: «فلان شائك السلاح، وشاكي السلاح». على القلب؛ لأن قولهم: «فلان شاكي السلاح». أصله: شائك السلاح. قلبوه وأخَّروا الهمزة فابدلوها ياءً، همزة مبدلة من الواو، وهو معنى معروف في كلامهم، ومنه قوله (١):
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ ... له لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ
تتمنون أن الطائفة الضعيفة التي لا حِدَّة عندها ولا سلاح -وهي العير- أنها هي التي يتحقق لكم فيها الوعد، وأن لا تجتمعوا بالنَّفِيرِ؛ لأنه جيش له شوكة وسلاح وَحِدَّة. وهذا معنى قوله:
стр. 2328
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧] كأن الله يقول: الله يريد هنا غير ما تريدون، ويحب لكم غير ما تحبون لأنفسكم؛ لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: الآية ٢١٦] ويريد الله (جل وعلا) أن يجعل الطائفة الموعود بها -التي سينجز فيها وعده، ويحقق بها نصر نبيه- يريد أن يجعلها الطائفة ذات الشوكة، وهي: النفير، الجيش في عَدَدِه وَعُددِه؛ لأن الله يريد، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ الحق هو في نفسه حق، الحق حق مهما كان، ومعنى ﴿أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أي: يظهره على الدين كله، ويجعله عاليًا غير سافل، ويجعل الكلمة والسلطة والقوة له. هذا معنى إحقاق الحق، أي: إِظهاره وإِعلاؤه، أما الحق فهو حق في نفسه مهما كان، هذا معنى قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يحقق لكم الوعد في الطائفة ذات الشوكة؛ لأن الله يريد بذلك ﴿أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أي: يظهر دين الإسلام ويعليه، ويعلي كلمته، ويضعف الكفرة ويهزمهم، ويهزم دينهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ معنى إحقاقه الحق بكلماته فيه أوجه متقاربة من التفسير لا يكذب بعضها بعضًا (١).
قال بعض العلماء: المراد بكلماته التي يريد أن يحق بها حقه هي: كلمته التي أمر نبيه بها ﷺ أن ينهض وأن يقاتل النفير إذا لم يكن إلا هو، فَأَمْرُهُ (جل وعلا) بقتالهم وإلزامهم ذلك بعد أن نجت العير وصار النفير، أمره بهذا القتال هي كلمته التي أراد أن يحق الحق بها،
стр. 2329
أن يذل دين الكفر، ويقتل صناديده، ويعز دين الإسلام، ويعلي كلمته.
وقال بعض العلماء: كلماته التي يريد أن يحق بها حقه هي الكلمات التي وعد فيها بالنصر يوم بدر، والله (جل وعلا) وعد بالنصر يوم بدر في آيات من كتابه على ما قاله جماعة من المفسرين، منها في الدخان، ومنها في السجدة، ومنها في غير ذلك؛ لأن جماعة من أهل العلم قالوا: إن الله في سورة الدخان بشر بقصة بدر مع أن سورة الدخان مكية نازلة قبل الهجرة. قال غير واحد من كبار العلماء: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ هو بطشه بنفير قريش يوم بدر على أيدي أصحاب النبي ﷺ والملائكة ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: الآية ١٦] أي: من سادة الكفرة يوم بدر بما فعلنا بهم (١). وقالت هؤلاء الجماعة: هو العذاب الأدنى في السجدة في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة: الآية ٢١] قالوا: هو عذاب النفير يوم بدر كما سلط الله عليهم رسوله وأصحابه فقتلوا منهم وأسروا (٢).
وقال بعض العلماء هو: اللزام؛ لأنه عذاب دنيوي يلازمه عذاب الآخرة في كونه لزامًا (٣).
ولا شك أن سورة القمر من القرآن النازل في مكة قبل وقعة بدر، وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه ما كان يعلم شيئًا عن معنى قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ ويقول: من هذا الجمع
стр. 2330
المهزوم الذين يولون الدبر؟! ولم يفهم معنى الآية إلا يوم بدر لما كشف الله المشركين ونصر نبيه ﷺ فإذا رسول الله ﷺ يثب في درعه ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (١) [القمر: الآية ٤٥] وعند ذلك عرف عمر بن الخطاب ﵁ أن آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ وإن كانت من سورة القمر وهي من القرآن المكي النازل بمكة قبل الهجرة بلا خلاف أن الله وعد فيها في مكة نصر المؤمنين على الكفار يوم بدر، قالوا: فهذه كلمات الله التي وعد بها نبيه أن ينصره فحق الحق وأنجز وعده، كما قال هنا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ الدابر: الآخِر. وإذا كان جماعة يمشون فالذي يمشي وهو الآخر منهم تسميه العرب: دابرًا؛ لأنه يمشي عند دبر مَنْ قُدَّامه، والعرب تعبر به عن الآخر، ويقولون: «قطع الله دابرهم». معناه: أهلكهم واسْتَأْصَلَهُم ولم يُبْقِ مِنْهُمْ أحَدًا، هذا معنى قطع الدابر وأصله لغة ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ
стр. 2331
الْكَافِرِينَ﴾ أي: يهلكهم ويستأصلهم إما بالموت، وإما بانقضاء دينهم وقهره حتى لا يبقى كافر، وكانت وقعة بدر هي أول عز الإسلام وظهوره، وهي أول وقعة ذل فيها الكفر وأهله؛ ولذا قال: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآية ٨] واختلف العلماء في متعلق اللام في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ اختلفوا في متعلقها (١)، قال بعض العلماء: تتعلق بما قبلها؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ قطع دابر الكافرين لأجل أن يحق الحق، بأن يظهر الحق بإضعاف الكافرين وقطع دابرهم، وذهب جماعة من العلماء إلى أن متعلق اللام محذوف، قالوا: ويقدر مؤخرًا ليدل على الحصر، قالوا: وإيضاح تقديره: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ فعل ذلك الذي فعل بالكفار، أي: ما فعل بهم ذلك إِلا لأجل أن يحق الحق ويبطل الباطل. والمراد بالحق هنا: دين الإِسلام. وأصل الحق في لغة العرب: الشيء الثابت الذي لا يزول ولا يضمحل، وكذلك دين الإسلام فهو ثابت، وأعماله ثابتة في الدنيا والآخرة، يجدها صاحبها ثابتة في الآخرة، جزاؤها عظيم، كما صرح الله بضرب المثل لذلك بالنخلة ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٤] أما الباطل فهو زائل مضمحل لا ثبوت له، كما ضرب له المثل بالشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا ثبوت لها، بل هي تضمحل وتزول، وكل زائل مضمحل تسميه العرب باطلاً،
стр. 2332
ويجمعونه على أباطيل على غير قياس، ومنه قوله (١):
كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مَثَلاً ... وما مَوَاعيدُهَا إلا الأَباطِيلُ
هذا كعب بن زهير جمع الباطل على (أباطيل) على غير قياس، ويجوز جمعه على القياس، وجمع الباطل على القياس أن يقال في جمعه: (بواطل) كما هو معروف؛ لأن (الفاعل) إذا كان اسمًا أو وصفًا لغير عاقل اطَّرد جمعه على (فواعل) كما هو معروف في محله.
قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٨] يعني يفعل ذلك والحال لو كره المجرمون ذلك، والمجرمون (٢): جمع تصحيح للمجرم، والمجرم اسم فاعل الإجرام وهو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال. وهذا معنى قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآية ٨].
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠].
﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير نافع وحده: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، بصيغة اسم الفاعل. وقرأه نافع من السبعة وحده:
стр. 2333
﴿مردَفين﴾ بفتح الدال بصغية اسم المفعول (١).
وقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ قال بعض العلماء (إذ) منصوب بـ (اذكر) مقدرًا، وقد ذكرنا أنه يكثر في القرآن نصب الظرف الذي هو (إذ) بلفظة (اذكر) كقوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ﴾ [الأحقاف: الآية ٢١] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً﴾ [الأعراف: الآية ٨٦] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] ونحو ذلك. قال بعض العلماء: (إذ) في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ بدل من (إِذ) في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٧] و ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ معناه: تطلبون الإغاثة من ربكم (جل وعلا). تقول العرب: استغاث يستغيث إذا طلب الغوث. وهذه الاستغاثة كانت من رسول الله ﷺ على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وعليه جمهور العلماء. خلافًا لمن قال: كانت من جميع الأفراد الذين شهدوا بدرًا، وذلك أن النبي ﷺ لما بُني له العريش يوم بدر وجلس فيه ورأى جيش قريش متصوبين من العقنقل -كثيب بدر- فإذا عددهم كبير، وهم حول ألف مقاتل، فنظر إلى أصحابه فإذا هم قليل -ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً- قام في ذلك الوقت وتوجه إلى القبلة وهتف بربه (جل وعلا) واستغاث بخالقه يسأله ويدعوه، وأَلَحَّ في المسألة أشد إلحاح، ورداؤه على منكبيه يناشد ربه؛ ربي أنجز ما وعدتني، اللهم عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه الطائفة لن تُعبد في الأرض. ويناجي ربه ويهتف به، ويلح عليه في المسألة، ويستغيث به (جل وعلا) حتى سقط رداؤه عن منكبيه (صلوات الله وسلامه عليه)،
стр. 2334
فجاءه أبو بكر من خلفه وجعل رداءه على منكبيه وقال: «يَكْفِيكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّ رَبَّكَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ» (١). هذا معنى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٩].
وهذه الآية وأمثالها في القرآن تُؤخذ منها أسرار ينبغي لنا معاشر المسلمين أن نسير عليها، هذا سيد الخلق محمد (صلوات الله وسلامه عليه) لما جاءه أعظم كرب يكون كربًا للأنبياء؛ لأن الكروب إنما تعظم على الأنبياء من جهة ضياع الدين؛ لأن الدنيا لا أهمية لهم فيها، وهذه الطائفة جزم ﷺ أنها لو هلكت وقُتلت لانكسرت شوكة الإسلام، ولضاع الإسلام، ولم يُعبد الله في أرضه، وانتشر الكفر، وظهرت قوته، وطائفة الإسلام قليلة ضعيفة ليست بذات عددٍ ولا عُدد، وطائفة الكفر كثيرة قوية؛ هذا أعظم كرب دهم رسول الله ﷺ ، فلما دهمته هذه الكروب جعل التجاءه الصادق إلى خالق السماوات والأرض. ومن ذلك يُعلم أن من دهمته الكروب وجاءته البلايا والزلازل أنه في ذلك الوقت إنما يكون الْتِجاؤه كما كان الْتِجَاء رسول الله ﷺ إلى خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فعلى كل مسلم أن يفهم هذا ويعقله، ويفهم أن العبد إذا دهمته الكروب، وجاءته البلايا والمحن والزلازل، أن التجاءه في ذلك الوقت يجب انصرافه إلى ما صرف إليه النبي ﷺ التجاءه في ذلك الوقت، وهو الاستغاثة بخالق السماوات والأرض جل وعلا.
والله قد بين لنا معاشر المسلمين أن الإنسان إذا اضطر بأن دهمته الكروب، وأحدقت به النوائب والحوادث، أن الالتجاء في
стр. 2335
ذلك الوقت من خصائص خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فلا يجوز صرفه لغيره كائنًا من كان، وأوضح الله لنا هذا إيضاحًا شافيًا في آيات كثيرة من كتابه، من أوضح تلك الآيات: آيات سورة النمل، لأنه إيضاح لا لَبْسَ فيه كهذا النهار؛ لأن الله يقول: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: الآية ٥٩] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). ثم شرع تعالى يُعدد خصائص ربوبيته التي لا حق فيها لغيره ألبتة فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ثم ذكر خاصية أخرى من خصوص الربوبية فقال: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ الجواب: لا إله مع الله. ثم قال: وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: الآيات ٦٠ - ٦٢] الجواب: لا والله، فهذه توضح ما وضَّحه رسول الله ﷺ بفعله أن مَنْ ألجأته الكروب واضطرته النوائب والزلازل أنه لا إله مع الله في ذلك الوقت يرفع إليه ذلك إلا خالق السماوات والأرض؛ ولذا كان ﷺ في ذلك الوقت الضنك، والموقف الحرج، رفع ذلك الالتجاء إلى خالقه (جل
[٢/ب] وعلا)، وأثنى الله عليه في ذلك، وأجابه بمدد السماء ملائكة منزلين [وهكذا شأن] (٢) / الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم)
стр. 2336
يلتجئون إليه في تلك الظروف الحرجة والأوقات الضنكة. وكان الكفار -لأَن عندهم عقلاً معيشيًّا دنيويًّا- إذا نزلت بهم البلايا ودهمتهم الكروب أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء لله، وأعطوا الحق لمن له الحق، حتى إذا أنقذهم الله من ذلك رجعوا إلى كفرهم.
والآيات الدالة على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: وخافوا من الموت من هيجان تلك الأمواج ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: الآية ٣٢] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ أي: ودهمتهم الأمواج، وعاينوا الهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: الآية ٦٥] ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: الآيتان ٢٢، ٢٣] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: الآية ٦٧ - ٦٩] والآيات بهذا المعنى لا تكاد تحصيها في المصحف، والمعروف في التاريخ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ﵁ أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) لما فتح مكة -وكان عكرمة شديد العداوة له ﷺ هرب من مكة ذاهبًا إلى الحبشة، فركب في البحر الأحمر ذاهبًا إلى الحبشة، فلما لَجَّجُوا في البحر هاجت عليهم عواصف الريح، واضطربت عليهم الأمواج، فخافوا الهلاك وعاينوا الموت، فإذا كل
стр. 2337
من في السفينة يتناذرون ويقول بعضهم لبعض: لا تدعوا في هذا الوقت غير الله؛ لئلا تغرقونا؛ لأن هذه الكروب لا ينجي منها إلا الله (جل وعلا) وحده.
ففهمها عكرمة وقال: والله إن كان لا ينجي في ظلمات البحر إلا هو فلا ينجي من كربات البر إلا هو. ثم قال: اللهم لك علي عهد إن أنْجَيْتَنِي من هذه لأضعن يدي في يد محمد ﷺ فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا (١). وأمثال هذا في القرآن لا تحصى، فعلينا معاشر المسلمين أن نضع كل شيء في موضعه، ونمشي في نور القرآن العظيم، ونعلم أن الواحد منا إذا نزلت به البلايا ودهمته الكروب أن الالتجاء في ذلك الوقت من خصائص خالقه (جل وعلا)، فخصوص ذلك لخالقه (جل وعلا) مما يرضي الله، ويرضي رسوله، ويكفل له النجاح. وهذا سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) صرحت هذه الآية من سورة الأنفال أنه لما دهمه هذا الكرب العظيم صدق في ذلك الالتجاء، وصرفه إلى من له الحق في ذلك، وهو خالقه (جل وعلا). ومن حِكَم ذلك أن يعلم أمته الاقتداء به في ذلك، فعلينا معاشر المسلمين محبة لنبينا وتعظيمًا له ورغبة في اتباع ديننا أن نفعل كما كان يفعل نبيّنا ﷺ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: الآية ٣١] ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: الآية ٨٠] ونصرف الحقوق لمستحقها، ولا نصرف حق خالقنا إلى بشر، ولا إلى ملك مقرب، ولا إِلى مخلوق كائنًا من كان؛ لأن إعطاء حقوق الله لله مما يرضي الله ويرضي رسول الله، وهو الذي يتَّبع صاحبه المرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم). وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الفاء سببية والإجابة
стр. 2338
مسببة عن الاستغاثة بالله.
وهذا يدل على أنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بالله كانت استغاثته بالله سببًا للإجابة وإزالة المكروه عنه؛ ولأجل هذا الذي كنا نقرر لما أنزل الله مدد السماء من الملائكة علَّم أصحاب نبيه أن لا يعتمدوا عليهم فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] لا تظنوا أن النصر من الملائكة وإن نزلت عليكم الآلاف المؤلفة منهم، الذي بيده النصر وبيده كل شيء ويُفْزَعُ إِلَيْهِ في كل شيء، ويُطلب منه كل شيء، هو خالق الملائكة وخالق الرسل (جل وعلا) صلوات الله وسلامه عليهم.
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم﴾ استجاب لهم بأنه ممدهم. وقوله: ﴿مُمِدُّكُم﴾ أي: جاعلها لكم مددًا يمدكم الله ويعينكم بها. وقد أوضح وجه هذا الإمداد وبينه في هذه الآيات في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: الآية ١٢] وهذا معنى قوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ﴾ العرب تقول: أَمَدَّنَا الإمام بكذا، معناه: جاءنا بزيادة من الجيش مددًا؛ أي: زائدة على الأول، فقوله: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] قراءة الجمهور: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قال بعض العلماء: كان الإمداد يوم بدر بألف واحدة بدليل آية الأنفال هذه.
وقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ معناه: متتابعين يتبع بعضهم بعضًا، ذكروا في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ خفق في العريش خفقة -أصابته نعسة وغفوة خفيفة- فاستيقظ يتبسم وقال لأبي بكر: أبشر جاء نصر الله. فذكر له أنه رأى جبريل نازلاً وعلى ثناياه
стр. 2339
النقع (١)، والنقع: الغبار الذي يكون على الثَّنِيَّتَيْن من أسنان الرجل فيكون عليها.
قال بعض العلماء: نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيهم أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة على الميسرة وفيهم علي (٢). والأظهر أن المدد يوم بدر كان أكثر من ألف كما قدمناه في سورة آل عمران؛ لأن أصح القولين أن المدد من الملائكة المذكور إلى خمسة في آل عمران أنه في بدر، وأن قول من قال: إنه وُعد به في أُحد والصحابة لم يفوا بالشرط.
أن ذلك خلاف الظاهر وخلاف التحقيق؛ لأن الله قال في سورة آل عمران مشيرًا إلى وقعة بدر هذه التي بَسَطَهَا وشرحها في الأنفال مشيرًا إلى النصر بالملائكة والإمداد بهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٣، ١٢٤] والتحقيق: إذ تقول لهم يوم بدر لما أمدكم الله بالملائكة: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٤، ١٢٥] والقصة هذه المذكورة في آل عمران هي قصة بدر هذه المذكورة في الأنفال والسياق واحد كما ترى؛ لأنه قال في الأنفال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ
стр. 2340
بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: الآية ١٠] وقال في آل عمران: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: الآية ١٢٦] وقال هنا: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٧] وقال في آل عمران: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٧] فالسياق هو السياق.
ولكن هنا سؤال، وهو أن يُقال: المدد الذي ذكرتم أنهم إلى خمسة آلاف، وأن ذلك في يوم بدر، فكيف يجمع به مع الاقتصار على ألفٍ واحدة هنا في الأنفال في قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩].
أُجيب عن هذا: بأنه لا تعارض؛ لأن آية الأنفال هذه أشارت إلى أن المدد من الملائكة لا يقتصر على الألف؛ لأن قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ على قراءة الجمهور معناه: يتبع بعضهم بعضًا، من أردف الرجل الرجل إذا كان وراءه رِدْفًا له، فدل على أنهم وراءهم شيء أُردفوا به، ويوضح هذا المعنى قراءة نافع: ﴿مُرْدَفين﴾ بصيغة اسم المفعول، معناه: مردَفين بغيرهم، أنهم متبوعون بغيرهم.
وقال بعض العلماء: الوعد بخمسة آلاف كان يوم أُحد، ولكن الله شرط عليهم شرطًا وقال: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٥] قالوا: ولم يصبروا ولم يتقوا ذلك اليوم؛ لأنهم زلت بهم أقدامهم كما نص الله عليه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٥] قال: ولما لم يثبتوا لم ينزل عليهم ملك واحد؛ لأنهم لم يفوا بالشرط. هذا قاله جماعة من أهل العلم.
стр. 2341
والأول أظهر، والسياق واحد. وهذا مبنيٌّ على قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ فصرح تعالى أن ذلك ببدر والكلام متصل آخره بأوله ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٣] إلى أن قال: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ في ذلك اليوم الذي نصركم الله فيه وأنتم أذلة ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٤].
والحاصل أنه مختلف في المَدَدِ هَلْ هو ألف واحدة أو إلى خمسة آلاف؟ وأظهر القولين: أن المدد المذكور في آل عمران هو المذكور في الأنفال هذه، وأنه خمسة آلاف، ومما يؤيده: أنه لم يعلم أن الملائكة نزلت للقتال ظاهرًا إلا يوم بدر، وغير ذلك تنزل جنودًا لم يرها الناس كما جاء في حنين وغيرها والأحزاب؛ لأن الله بين أن الملائكة نزلت في الأحزاب وفي حنين حيث قال في الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: الآية ٩] وقال في قصة حنين: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٢٦] ولم يقل أحد من العلماء: إن جنود الملائكة التي نزلت في غزوة الأحزاب وفي غزوة حنين أنهم قاتلوا، وإنما اختلفوا في ذلك في [بدر] (١)، فذهب جماعة من أهل العلم وجاءت به آثار: أن الملائكة قاتلوا. وظاهر سياق آية الأنفال هذه تدل على أن الملائكة هم الذين أُمروا بالضرب فوق الأعناق وضرب البنان؛ لأنه قال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ﴾ فهذا السياق للملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] فهذا السياق ظاهر في الملائكة،
стр. 2342
وقد ذكرنا روايات عن بعض الصحابة أن بعضهم قال: بينما أنا أتبع رجلاً إذ سقط ميتًا أمامي، وسمعت ضربة سوط فوجدت وجهه مشقوقًا مخطومًا واخْضَرَّ محل الضربة كله (١). وأن رجلاً قال: أردت أن أقتل رجلاً فَسَقَطَ رَأْسُهُ قبل أن أضربه (٢). وأنهم أَعْلَموا النبي ﷺ ، وأنه قال: «ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ».
والذين قالوا: إن الملائكة لم تقاتل يوم بدر لا حجة قوية معهم؛ لأنهم إنما استدلوا على ذلك بأن ملكًا واحدًا يقدر على إبادة جميع الناس، وأن جبريل رفع مدائن قوم لوط على ريشة من جناحه، ولا مانع من أن الله يجعل الملائكة مددًا وعونًا يَقْتُلُون معهم ليكون شرف الهزيمة لأصحاب محمد ﷺ ؛ لأن الملك لو أهلكهم ما كان للصحابة في ذلك من فضل ولا من شرف، ولكن الله أعانهم ليكون النصر بأيديهم، وإهانة الكفار بأيديهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الآية [التوبة: الآية ١٤]، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠] هذه الآية مما استدل بها من قال: إن الملائكة لم تقاتل؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ راجع إلى الإمداد بالملائكة الذين يتبع بعضهم بعضًا ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: إمدادكم بالملائكة يقاتلون معكم ﴿إِلَاّ بُشْرَى﴾ أي: إلا بشارة لكم بالنصر، قالوا: فالله (جل وعلا) قصره على البشرى، ولم يقل: إن فيه قتالاً. وبعضهم يقول: لما قيل لهم: إنهم معكم، يقاتلون
стр. 2343
معكم، كانت البشرى أعظم؛ لأنهم يعاونونهم في قتل عدوهم، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ بُشْرَى﴾ فالبشرى (فُعْلى) مؤنث بِأَلِف التأنيث اللفظية. والبشرى: هي الإخبار بما يسر، وقد قَدَّمْنَا مرارًا أن العرب تسمِّي الإخْبَار بما يسر (بشرى) و (بشارة)، وتقول: «بَشَّرَه وبَشَرَه». إذا أخبره بما يسره، كما هو معروف. وقد قدمنا: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن: إطلاق البشرى أيضًا على الإخبار بما يسوء، كأن تقول له: بشِّره بما يسوءُه، بشره بويل وعذاب.
كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: الآيتان ٧، ٨] ومعلوم أَنَّ العرب تطلق البشارة في لغتها على الإخبار بما يَسُرُّ أكْثَر، وربما أطلقتها على الإخبار بما يَسُوءُ. ومن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء قول الشاعر (١):
وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتي ... جَفَونِي وقَالُوا: الودُّ مَوْعِدُهُ الحشْرُ
وقول الآخر (٢):
يُبشرنُي الغرابُ ببينِ أَهْلي ... فقلتُ لهُ ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وعلماء البلاغة يقولون: إن البشارة بما يسوء من نوع ما يسمونه (الاستعارة العنادية) ويقسمون الاستعارة العنادية إلى (تهكُّمِيَّة، وتلميحية) كما هو معروف في فن البيان عندهم (٣).
ونحن نقول: إن الذي يظهر أن هذه أساليب عربية، نطقت بها
стр. 2344
العرب، ونزل بها القرآن. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٦] أي: فعل الله ذلك لكم لأجل أن يبشركم؛ ولأجل أن تطمئن قلوبكم به. الطمأنينة معناها: السكون وعدم القلق والانزعاج. ومحل الطمأنينة والانزعاج: القلب؛ لأنه محل الإدراك؛ ولذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كان عددهم قليلاً، فلما نزل المدد من السماء وثقوا من النصر، وسكنت قلوبهم، واطمأنت، وزال عنها الخوف والقلق والانزعاج، وهذا معنى قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ ثم إن الله بيّن أن الخير كله من قِبَله فكأنه يقول للمسلمين: لا تظنوا -وإن أنزلت عليكم ألفًا من ملائكة السماء- أن النصر بيد الملائكة! لا، النصر بيدي وحدي؛ ولذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] هذا حصر بالنفي والإثبات، وهو أبلغ غايات الحصر. معناها: لا نصر يوجد ألبتة كائنًا من كان إِلا من عند الله (جل وعلا). وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم ﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ العزيز في لغة العرب: هو الغالب. والعزة في لغة العرب: الغلبة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: ولله الغلبة ولرسوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] غلبني في الخصام. والعرب تقول: (مَنْ عَزَّ بَزَّ) (١) يعنون: من غلب استلب. وقد قالت الخنساء في شعرها (٢):
كَأَنْ لم يكونُوا حِمىً يُخْتَشَى ... إذِ النَّاسُ إذْ ذاكَ مَنْ عزَّ بَزّا
تعني: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ.
стр. 2345
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: غالب لا يغلبه شيء؛ ولذا قهر جند أبي جهل ورؤساء الكفر وقمعهم وقتلهم بعزته حيث كانت العزة له، وأعز عباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: الآية ٨].
وقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ الحكيم في الاصطلاح: هو مَنْ يَضَعُ الأمُورَ في مواضعها ويوقعها في مواقعها، ولا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، فكل نقص في الحكمة إنما يتسبب عن نقص في العلم، فترى الرجل القُلَّب البصير الحاذق يفعل الأمر يظنه في غاية السداد ثم ينكشف الغيب عن أن فيه هلاكه ومضرة عظيمة عليه، فيندم وقد فات الأوان، ويقول: ليتني لم أفعل، لو فعلت لكان كذا!!
لَيْتَ شِعْري وَأَيْنَ مِنِّي لَيْت ... إِنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَنَاءُ (١)
لأن: (ليتني فعلت)، و (لو فعلت كذا لكان أصوب!!) كل هذا في اختلال الحكمة من عدم العلم بعواقب الأمور.
أُلامُ عَلَى لوٍّ ولَوْ كُنْتُ عَالمًا ... بِأَذْنَابِ لَوٍّ لم تَفُتْنِي أَوَائِلُه (٢)
الله (جل وعلا) وحده هو الذي لا يجري عليه: (لو فعلت كذا لكان أصوب)، أو: (ليتني لم أفعل)؛ لأنه عالم بعواقب الأمور وما تؤول إليه، فلا يضع أمرًا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه؛ لإحاطة علمه (جل وعلا) بالخبايا والخفايا، وبما يكون وبما ينكشف عنه الغيب؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ١٠].
стр. 2346
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآية ١١].
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (١): قرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ مضارع غشَّاه يُغَشِّيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم: الآية ٥٤]. وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿إذ يُغْشِيكُم النعاس﴾ مضارع أغشى يُغشي، من قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: الآية ٩]. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾.
فعلى قراءة نافع: (النعاس) منصوب مفعول: ﴿يُغْشِيْكُم﴾ وكذلك هو على قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ هو مفعول ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ ولا فرق بين قراءتهم وبين قراءة نافع، إلا أن الفعل على قراءتهم مُعدّى بالتضعيف، وعلى قراءة نافع مُعدّى بالهمزة، والتعدية بالهمز والتضعيف معروفان متساويان، أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (النعاسُ) مرفوع، فاعل ﴿يغشاكم﴾ (٢) وقد جاء النعاس فاعلاً -كقراءة أبي عمرو، وابن كثير هنا جاء ذلك- في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] أي: النعاس ﴿طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ كما قال هنا: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾ النعاس: معروف، وهو أوائل النوم.
стр. 2347
وأجرى الله العادة أن النعاس لا يكون للخائف -أن الخائف يطير منه النعاس ويطير منه النوم فلا ينعس ولا ينام- وأن الذي يصيبه النعاس فينام هو الآمن؛ ولذا كانوا يقولون: (الأمن مُنيم، والخوف مُسهر)؛ لأن صاحب الأمن ينعس فينام، فترى الآمن ناعسًا ونائمًا، والخائف قلقًا لا يأتيه النعاس ولا النوم. وأجرى الله العادة أنه إذا أراد نصر حزبه ألقى عليهم النعاس؛ لأن النعاس لا يغشاهم إلا وقد زال من صدورهم الخوف وقلق الجزع والحزن، وهذا تأمين منه لهم، وتثبيت لهم، كما تقدم في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] وقد قدمنا في تفسيرها في آل عمران عن أبي طلحة أنه ذكر أنه سقط منه سيفه ثلاث مرات وهو قائم في الصّف من شدة النعاس (١)، وأنهم يميدون تحت السلاح لشدة نعاسهم. وقد ذكر هنا أنه غشاهم النعاس في وقعة بدر.
وقوله: ﴿أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] مفعول من أجله. إذ يغشيكم (جل وعلا) النعاس لأجل الأَمَنَة منه. والأَمَنَة: مصدر أمِن يأمن أَمَنَةً وأمنًا وأمانًا. والأَمَنَة والأمان ضد الخوف؛ أي: لأجل أن تكونوا آمنين ليس في قلوبكم خوف ولا جزع ولا قلق، وهذا من تثبيت الله لعباده المؤمنين.
وقد اختلف العلماء في وقت هذا النعاس الذي صرّح الله أنه غشَّاه أهل بدر، فقال بعض العلماء: كان هذا النعاس غشاهم الله إياه
стр. 2348
في الليلة التي في صبيحتها وقعة بدر، وكانت ليلة الجمعة، وهي السابعة عشرة من شهر رمضان، في عام اثنين من الهجرة. المفروض أنهم كانوا يكونون في خوف وقلق؛ لأنهم غدًا يتلاقون مع عدوهم، وهو جيش عرمرم قوي، فالعادة أن من هو إذا أصبح يلاقي جيشًا عرمرمًا، وينتظر الموت أنه يبيت والنعاس طائر عنه، والنوم طائر من عينيه لما يصيبه من خوف الموت والفزع والقلق، إلا أن الله خرق العادة لحزبه هنا، وغشاهم النعاس. قالوا: ففي تلك الليلة ناموا ملء عيونهم نومًا مستغرقًا كنوم الآمنين في غاية الأمن حتى احتلموا وأصبح كثير منهم جُنبًا من الاحتلام!! والغالب أن الرجل لا يحتلم إلا إذا كان نومه مستغرقًا، والنوم لا يكون ثقيلاً مستغرقًا إلا للآمن الذي لا يخالجه خوف؛ لأن الخائف والقلق ولو قدرنا أنه أصابته غفوة فعن قليل يستقظ فزِعًا مرعوبًا، فهم في تلك الليلة غشاهم الله النعاس فباتوا في أمن ونوم عميق نائمين، وأجنبوا تلك الليلة. قالوا: ومن حكمة ذلك أن النوم الثقيل العميق تستريح منه الأعضاء من التعب، فأصبحوا مستريحين قادرين على كفاح العدو، قال المفسرون: أُخبر النبي ﷺ وأصحابه أن نفير قريش سبقهم إلى الماء، وكانوا في العدوة الدنيا من بدر، وكان الوادي الذي هم فيه فيه رمال دهسة، يصعب المشي فيها؛ لأن الأقدام تسوخ فيها، وأجنبوا وعطشوا، فجاءهم إبليس برِجْزِه فوسوس لهم وسوسة عظيمة ثقلت على بعض الصحابة، وقال: تزعمون أنكم على الحق وأنتم في عطش، والقوم قد سبقوكم إلى الماء وغلبوكم عليه، فإذا أجهدكم العطش جاءوكم فقتلوا من شاءوا، وأسروا من شاءوا، وأنتم تُصلّون بالجنابة في عطش، وأرجلكم تسوخ في الرمل، والعدو بخلاف
стр. 2349
هذا (١)!!
فأنزل الله مطرًا من السماء، وسلط عليهم النوم، فسال الوادي، فاغتسلوا من الجنابة، وشربوا، وسقوا دوابهم، ولبَّد لهم الأرض حتى صارت الخُطا تثبت عليها، والأقدام تثبت عليها ولا تسيخ فيها؛ لأن الرمل المتهائل إذا ضربه المطر اشتد وصار الإنسان يمشي عليه ولا تسوخ قدمه فيه، وإن كان يابسًا صعُب المشي فيه؛ لأن الرِّجْل تسوخ فيه.
وقال بعض العلماء: النعاس الذي غشاهم إياه: بعد أن التحم القتال أصاب المسلمين نعاس يوم بدر كما أصابهم يوم أحد. والله تعالى أعلم (٢). ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] لأجل الأمن، سواء قلنا: إنه في الليل، أو إنه في النهار وقت التحام الصفين، هذا معنى قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو هذا المطر الذي كنا نذكر خبره الآن.
وقرأه السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بتشديد الزاي وفتح النون. مضارع نَزَّله يُنَزِّله. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿ويُنْزِلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (٣) أي: من الجنابة كما طهر باطنكم طَهّر لكم ظاهركم من الجنابة.
﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسة الشيطان الذي أثقل عليكم بها: أنكم تصلون بالجنابة، وأنكم عطاش يهلككم العطش فيأخذكم العدو. أذهب عنكم بنزول ذلك الماء. أنزل ذلك المطر
стр. 2350
ليطهركم من الجنابة، وكل حدث أصغر وأكبر. ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسته التي كان يوسوس لكم بها.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ حيث أزال عنكم وسوسة الشيطان: أن العطش يُضعفكم، وأن القوم يأخذونكم حيث شربتم من ذلك المطر وتقويتم ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ معناه: يشدها ويقويها حيث أزال وساوس الشيطان التي أثقل عليكم بها.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ يعني: يثبت بالمطر أقدامكم على دهس الرملة؛ لأنها قبل المطر كانت تسوخ فيها الأقدام. وعلى هذا القول أكثر المفسرين. وقال بعض العلماء (١): الربط على القلوب وتثبيت الأقدام هنا: الربط على القلوب: هو تثبيت الجأش والشجاعة. وتثبيت الأقدام: هو تثبيتها في الميدان، وأن السبب المُسَبِّب لهذا هو الإمداد بالملائكة. وهذا يبعد من ظاهر القرآن، والذي عليه الجمهور: هو ما ذكرنا أن تثبيت الأقدام هنا تثبيت حسي؛ لأن المطر لبَّد الأرض الدهسة فصارت الأقدام تثبت عليها ولا تسوخ فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: الآيات ١٢ - ١٧].