﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآية ١١].
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (١): قرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ مضارع غشَّاه يُغَشِّيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم: الآية ٥٤]. وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿إذ يُغْشِيكُم النعاس﴾ مضارع أغشى يُغشي، من قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: الآية ٩]. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾.
فعلى قراءة نافع: (النعاس) منصوب مفعول: ﴿يُغْشِيْكُم﴾ وكذلك هو على قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ هو مفعول ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ ولا فرق بين قراءتهم وبين قراءة نافع، إلا أن الفعل على قراءتهم مُعدّى بالتضعيف، وعلى قراءة نافع مُعدّى بالهمزة، والتعدية بالهمز والتضعيف معروفان متساويان، أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (النعاسُ) مرفوع، فاعل ﴿يغشاكم﴾ (٢) وقد جاء النعاس فاعلاً -كقراءة أبي عمرو، وابن كثير هنا جاء ذلك- في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] أي: النعاس ﴿طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ كما قال هنا: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾ النعاس: معروف، وهو أوائل النوم.
стр. 2347
وأجرى الله العادة أن النعاس لا يكون للخائف -أن الخائف يطير منه النعاس ويطير منه النوم فلا ينعس ولا ينام- وأن الذي يصيبه النعاس فينام هو الآمن؛ ولذا كانوا يقولون: (الأمن مُنيم، والخوف مُسهر)؛ لأن صاحب الأمن ينعس فينام، فترى الآمن ناعسًا ونائمًا، والخائف قلقًا لا يأتيه النعاس ولا النوم. وأجرى الله العادة أنه إذا أراد نصر حزبه ألقى عليهم النعاس؛ لأن النعاس لا يغشاهم إلا وقد زال من صدورهم الخوف وقلق الجزع والحزن، وهذا تأمين منه لهم، وتثبيت لهم، كما تقدم في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] وقد قدمنا في تفسيرها في آل عمران عن أبي طلحة أنه ذكر أنه سقط منه سيفه ثلاث مرات وهو قائم في الصّف من شدة النعاس (١)، وأنهم يميدون تحت السلاح لشدة نعاسهم. وقد ذكر هنا أنه غشاهم النعاس في وقعة بدر.
وقوله: ﴿أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] مفعول من أجله. إذ يغشيكم (جل وعلا) النعاس لأجل الأَمَنَة منه. والأَمَنَة: مصدر أمِن يأمن أَمَنَةً وأمنًا وأمانًا. والأَمَنَة والأمان ضد الخوف؛ أي: لأجل أن تكونوا آمنين ليس في قلوبكم خوف ولا جزع ولا قلق، وهذا من تثبيت الله لعباده المؤمنين.
وقد اختلف العلماء في وقت هذا النعاس الذي صرّح الله أنه غشَّاه أهل بدر، فقال بعض العلماء: كان هذا النعاس غشاهم الله إياه
стр. 2348
في الليلة التي في صبيحتها وقعة بدر، وكانت ليلة الجمعة، وهي السابعة عشرة من شهر رمضان، في عام اثنين من الهجرة. المفروض أنهم كانوا يكونون في خوف وقلق؛ لأنهم غدًا يتلاقون مع عدوهم، وهو جيش عرمرم قوي، فالعادة أن من هو إذا أصبح يلاقي جيشًا عرمرمًا، وينتظر الموت أنه يبيت والنعاس طائر عنه، والنوم طائر من عينيه لما يصيبه من خوف الموت والفزع والقلق، إلا أن الله خرق العادة لحزبه هنا، وغشاهم النعاس. قالوا: ففي تلك الليلة ناموا ملء عيونهم نومًا مستغرقًا كنوم الآمنين في غاية الأمن حتى احتلموا وأصبح كثير منهم جُنبًا من الاحتلام!! والغالب أن الرجل لا يحتلم إلا إذا كان نومه مستغرقًا، والنوم لا يكون ثقيلاً مستغرقًا إلا للآمن الذي لا يخالجه خوف؛ لأن الخائف والقلق ولو قدرنا أنه أصابته غفوة فعن قليل يستقظ فزِعًا مرعوبًا، فهم في تلك الليلة غشاهم الله النعاس فباتوا في أمن ونوم عميق نائمين، وأجنبوا تلك الليلة. قالوا: ومن حكمة ذلك أن النوم الثقيل العميق تستريح منه الأعضاء من التعب، فأصبحوا مستريحين قادرين على كفاح العدو، قال المفسرون: أُخبر النبي ﷺ وأصحابه أن نفير قريش سبقهم إلى الماء، وكانوا في العدوة الدنيا من بدر، وكان الوادي الذي هم فيه فيه رمال دهسة، يصعب المشي فيها؛ لأن الأقدام تسوخ فيها، وأجنبوا وعطشوا، فجاءهم إبليس برِجْزِه فوسوس لهم وسوسة عظيمة ثقلت على بعض الصحابة، وقال: تزعمون أنكم على الحق وأنتم في عطش، والقوم قد سبقوكم إلى الماء وغلبوكم عليه، فإذا أجهدكم العطش جاءوكم فقتلوا من شاءوا، وأسروا من شاءوا، وأنتم تُصلّون بالجنابة في عطش، وأرجلكم تسوخ في الرمل، والعدو بخلاف
стр. 2349
هذا (١)!!
فأنزل الله مطرًا من السماء، وسلط عليهم النوم، فسال الوادي، فاغتسلوا من الجنابة، وشربوا، وسقوا دوابهم، ولبَّد لهم الأرض حتى صارت الخُطا تثبت عليها، والأقدام تثبت عليها ولا تسيخ فيها؛ لأن الرمل المتهائل إذا ضربه المطر اشتد وصار الإنسان يمشي عليه ولا تسوخ قدمه فيه، وإن كان يابسًا صعُب المشي فيه؛ لأن الرِّجْل تسوخ فيه.
وقال بعض العلماء: النعاس الذي غشاهم إياه: بعد أن التحم القتال أصاب المسلمين نعاس يوم بدر كما أصابهم يوم أحد. والله تعالى أعلم (٢). ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] لأجل الأمن، سواء قلنا: إنه في الليل، أو إنه في النهار وقت التحام الصفين، هذا معنى قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو هذا المطر الذي كنا نذكر خبره الآن.
وقرأه السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بتشديد الزاي وفتح النون. مضارع نَزَّله يُنَزِّله. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿ويُنْزِلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (٣) أي: من الجنابة كما طهر باطنكم طَهّر لكم ظاهركم من الجنابة.
﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسة الشيطان الذي أثقل عليكم بها: أنكم تصلون بالجنابة، وأنكم عطاش يهلككم العطش فيأخذكم العدو. أذهب عنكم بنزول ذلك الماء. أنزل ذلك المطر
стр. 2350
ليطهركم من الجنابة، وكل حدث أصغر وأكبر. ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسته التي كان يوسوس لكم بها.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ حيث أزال عنكم وسوسة الشيطان: أن العطش يُضعفكم، وأن القوم يأخذونكم حيث شربتم من ذلك المطر وتقويتم ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ معناه: يشدها ويقويها حيث أزال وساوس الشيطان التي أثقل عليكم بها.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ يعني: يثبت بالمطر أقدامكم على دهس الرملة؛ لأنها قبل المطر كانت تسوخ فيها الأقدام. وعلى هذا القول أكثر المفسرين. وقال بعض العلماء (١): الربط على القلوب وتثبيت الأقدام هنا: الربط على القلوب: هو تثبيت الجأش والشجاعة. وتثبيت الأقدام: هو تثبيتها في الميدان، وأن السبب المُسَبِّب لهذا هو الإمداد بالملائكة. وهذا يبعد من ظاهر القرآن، والذي عليه الجمهور: هو ما ذكرنا أن تثبيت الأقدام هنا تثبيت حسي؛ لأن المطر لبَّد الأرض الدهسة فصارت الأقدام تثبت عليها ولا تسوخ فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: الآيات ١٢ - ١٧].
стр. 2351
يقول الله جل وعلا: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
قال بعض العلماء: قوله: (إذ) بدل من (إذ) قبله. قالوا: قوله: ﴿إِذْ يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ﴾ [الأنفال: الآية ١١] بدل من قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٧] وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي﴾ بدل من قوله: ﴿يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ﴾. وقال بعض العلماء: العامل في (إذ) ﴿إِذْ يُوحِي﴾ هو العامل في (إذ) المتكررة قبلها. وقال بعض العلماء: العامل فيه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ١١] حين يوحي إلى الملائكة. وقال بعضهم: منصوب بقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ﴾ [الأنفال: الآية ١١] أي: يثبتهم حين أوحى إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا (١).
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] يمكن أن يكون وحي إلهام، وأن يكون وحي إعلام، كل ذلك جائز للملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم). يوحي إليهم الله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ معيّة نصر وإعانة ﴿فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يعني النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر. وتثبيت الملائكة لهم كان من جهات متعددة (٢): منها: أن الملائكة يلقون في قلوبهم الأمن والطمأنينة، كما يلقي الله الرعب في قلوب الكفرة. ومنها: أنهم يثبتونهم بالقتال معهم وإعانتهم؛ لأنهم بذلك يوقنون بالنصر فتقوى قلوبهم وتثبت أقدامهم. وقال بعض العلماء: كانوا يثبتونهم بغير ذلك، كان الملك يتمثل للناس بصفة رجل يعرفونه ويمشي بين الصفوف ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم عليهم ومظهركم عليهم، وكان الملك
стр. 2352
يتمثل في صورة الرجل يعرفونه - كما قال به بعض العلماء - ثم يقول للمسلمين: أبشروا فإِني سمعتهم يخافون منكم ويقولون: إنكم إن حملتم عليهم انكشفوا هاربين عنكم؛ لتقوى قلوب المؤمنين وتثبت، ويستحقرون الكفرة. هذا معنى قوله: ﴿فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ كان بعض من شهد بدرًا كافرًا أسلم بعد ذلك، وكان الناس يسألونه ويقولون له: صِفْ لنا الرعب الذي ألقى الله في قلوبكم يوم بدر، فيأخذ حصاة ويضربها على طشت من الحديد فيُسمع لها دويّ عظيم، فيقول: كنا نسمع مثل هذا في أجوافنا من شدة الخوف (١)، وهذا معنى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾.
قرأ هذا الحرف من السبعة: نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة - كل هؤلاء الأربعة - من السبعة قرؤوا: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ بإسكان العين من قوله: ﴿الرُّعْبَ﴾ وقرأه ابن عامر، وحمزة (٢)، والكسائي: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعُبَ﴾ بضمتين. فالذي قرأ: (الرُّعُب) بضم العين: هو ابن عامر، وحمزة (٣)، والكسائي. والذي قرأ (الرُّعْب) بسكون العين: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم (٤)، هؤلاء الأربعة قرؤوا: (الرعْب) بسكون العين، وأولئك الثلاثة قرءوا: (الرُّعُب) بضمتين (٥). وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان.
والرعب شدة الخوف في قلوب الذين كفروا؛ لأن القلب هو محل الإدراك، وهو الذي يكون فيه الأمن ويكون فيه الخوف، وهذا معنى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾.
стр. 2353
وقوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المأمور بالضرب في قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ﴾ أصله فيه وجهان معروفان (١):
أحدهما: أن المأمور به الملائكة، قال بعض العلماء: ما كان الملائكة يعرفون مَقَاتِلَ الضرب حتى علمهم الله ذلك يوم بدر فقال: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وكون هذا الخطاب للملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم) هو أظهر القولين؛ لأن ظاهر السياق يقتضيه؛ لأن هذا في الظاهر من جملة ما أوحي إلى الملائكة.
والقول الثاني: أن المأمور بقوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المسلمون من أصحاب محمد ﷺ .
وقوله: ﴿فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المراد بالفوقية هنا فيه أوجه معروفة للعلماء لا يكذب بعضها بعضًا (٢): أما الذين قالوا: إن لفظة (فوق) زائدة، وأن المراد: فاضربوا الأعناق، واستدلوا بقوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: الآية ٤] فهذا القول لا يجوز أن يقال به في القرآن؛ لأن لفظًا جاء في القرآن لا ينبغي لأحد أن يحكم عليه بأنه زائد لا معنى له.
وقال بعض العلماء: (فوق) هنا بمعنى (على) العرب تقول: ضربته على عنقه، وضربته فوق عنقه، وعلى هذا القول فمفعول الضرب محذوف، أي: فاضربوهم فوق الأعناق، أي: فاضربوهم على الرقاب، وهذا قول ليس ببعيد.
وقال بعض العلماء: المراد بما فوق الأعناق: الرؤوس؛ لأن
стр. 2354
الرأس فوق العنق، قال: ومعناه فاضربوا رؤوسهم، والعرب معلوم أنها في الحرب تبادر لضرب الرؤوس، ويمدحون الرجال بضرب الرؤوس وفلق الهام، وهو معنى مشهور، كثير في كلام العرب وفي أشعارها، قال الشاعر (١):
غَشَّيْتُه وهو في جَأْوَاءَ باسلةٍ ... عَضْبًا أَصَابَ سَواءَ الرأسِ فانْفلقا
يفتخر بضرب الهام. ومنه قول عمرو بن الإطنابة (٢):
أَبَتْ لي هِمَّتي وأَبَى إِبَائي ... وأَخْذِيْ المَجْدَ بالثمنِ الرَّبيحِ ...
وإقداميِ على المَكْروهِ نفْسي ... وضَربي هَامةَ البطلِ المُشيحِ
والآخر قال (٣):
نُفَلِّقُ هَامًا من رجالٍ أَعِزَّةٍ ... علينا وهُم كانُوا أَعَقّ وأَظْلَمَا
وضرب الهام مشهور في كلام العرب وفخرها وأشعارها، ومن مدح الرجل للفارس: هذا يضرب القوانس، وهذا يضرب القونس. والقوانس: جمع القونس، والقونس: هو مقدم البيضة من الحديد على رأس الفارس. وقال بعض العلماء: القونس على البيضة، وضرب القوانس: كناية عن ضرب الهام، وهي فوق الرقاب. ومن هذا المعنى قول امرئ القيس بن عابس الكندي (٤):
стр. 2355
كلَاهُما كان رَئِيسًا بَيْئَسَا ... يضربَ في يوم الهياج القَونسَا
ومنه شعر العباس بن مرداس -المشهور- السلمي (١):
فَلَمْ أَرَ مثل الحي حيًّا مُصَبَّحًا ... ولا مثلنا يوم التقَيْنَا فوارسَا
أكرّ وأَحْمَى للحقيقةِ مِنْهُمُ ... وأضْرَب مِنَّا بالسُّيُوفِ القوانسَا
هذا قال به بعض العلماء، أن المراد بما فوق الأعناق: الرؤوس؛ لأن الرأس فوق العنق، أي: فاضربوا رؤوسهم وفَلِّقُوا هامهم. وأظهر الأقوال وأقربها للصواب ما قاله بعض العلماء: أن الله علّم الملائكة أو أصحاب النبي ﷺ حز الرؤوس، وبين لهم مفصل الرأس الذي يُطير الرأس عن الجثة، وأنه فوق الأعناق؛ لأن الرقبة المحل الذي تركب منه في الرأس هو مفصل للحز إذا ضَرَبَه الإنسان طار الرأس بسرعة، وكان ذلك أهْوَن لإِبَانَةِ الرأس؛ ولذا كانت العرب تَفْتَخِرُ بِضَرْبِ القَمَاحِدِ، والقَمَاحِدُ جمع قُمْحُدَة وهو العَظْم الذي خلف الأذن؛ لأنه تحت عظم الرأس وفوق عظم الرقبة، وذلك وهو مفصل الرقبة وموضع حزها الذي يسهل به إطارة الرأس وإبانته عن الجثة كما هو معروف وَمِنْ هذا المعنى قَوْلُ الشاعر يمدح خالد بن الوليد ﵁ (٢):
رَأَيْتُ رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ كَثِيرَةً ... وَلَمْ أرَ في القوم القيام كَخَالِدِ
كَسَاكَ الوَلِيدُ بن المغيرة مَجْدَهُ ... وعلَّمَكَ الشَّيْخَانِ ضَرْبَ القَمَاحِدِ
والقَماحِد جمع القُمْحُدَة، وهي العظم الذي خلف الأذن؛ لأنه
стр. 2356
نازل عن عظم الرأس، مرتفع عن عظم الرقبة، محلّه من جوانب الرقبة محل المذبح، تسهل منه إبانة الرأس وإطارته عن الجثة، وهذا معنى قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
قال بعض العلماء: واحد البنان بنانة. والتحقيق أن البنان أطراف الأصابع، كما هو معناه المشهور في كلام العرب، والعرب يعرفون ضرب البنان؛ لأن الرجل إذا ضرِبَ أطراف يده -أصابعِهِ- بالسيف لا يقدر أن يحمل سيفًا ولا رُمْحًا، فبَقِيَ لا بأْسَ فيه ولا نكاية عنده، من جاءه قدر على قتله، فالضرب الذي عُلِّمُوه على نوعين: إصابة المقاتل، وإصابة الشَّوَى، وهي الأطراف التي تمنع صاحبها من أن يفعل شيئًا، وكانت العرب تعرف هذا، ومنه قول عنترة بن شداد (١):
وكانَ فتى الهيجاءِ يَحْمي ذِمَارَهَا ... ويضربُ عند الكربِ كلَّ بَنَانِ
والعرب تسمي أطراف الأصابع: بنانًا، ومنه قول عنترة أيضًا (٢):
وإِنَّ الموتَ طوعُ يدي إذا ما ... وصَلْتُ بنانها بالهندُواني
وما زعمه بعض علماء العربية من أن المراد بالبنان هنا يصدق بجميع المفاصل وبالوجه والعينين، هو خلاف التحقيق المعروف من اللغة؛ لأن المعروف في اللغة: أن البنان أطراف الأصابع، بعضهم يقول: أطراف أصابع اليد. وبعضهم يقول: تدخل فيه
стр. 2357
أطراف أصابع الرِّجْل، والإطلاق المشهور: إطلاق البنان على أطراف أصابع اليد. والعرب تقول: بنانٌ مُطَرَّف، ومُطَرَّفَة: إذا خضبت المرأة أطراف أصابعها بالحناء، وهذا هو المعنى المشهور المتعارف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (١):
بَدَا ليَ منها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وكَفٌّ خَضيبٌ زُيِّنَت بِبَنَانِ ...
فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ ... بسبع رميتُ الجَمْرَ أمْ بثَمَانِ
فقوله: «كف خضيب زُيِّنَتْ ببنان» أي: بأصابع. والبنان مؤنثة، وربما ذكَّرتها العرب نادرًا، ومن تذكيرها النادر قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي أيضًا (٢):
وأَرْسَلَت فَجَاءني ... بنانُها المُطرَّف
ولم يقل: المُطَرَّفَة، والمُطَرَّفُ: هو الذي خُضب أعاليه بالحناء، وهذا معنى قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الذي ذاقوه من ضرب الأعناق، وضرب البنان، وتسليط الله عليهم أصحاب رسوله وملائكته، ذلك كله واقع بسبب أنهم ﴿شَآقُّواْ اللَّهَ﴾. شاقوه: معناه خالفوه ولم يتبعوا أمره، بل كذبوا رسوله وتمردوا على أوامره، وعبدوا معه الأصنام، وجعلوا له الأولاد والأنداد، فالمشاقة في لغة العرب: المخالفة. وفلان وفلان في شقاق، أي: في خلاف. وقد تقدم إيضاحه في تفسير قوله:
стр. 2358
﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: آية ١٣٧] أي: في خلاف، ومن المعنى قوله الشاعر (١):
وإلَاّ فاعلْموا أَنَّا وأنتُم ... بغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ
قال بعض العلماء: أصل اشتقاق الشقاق من الشِّق؛ لأن المُتَخَالِفَين المُتَعَادِيَيْن كل منهما يكون في الشق الذي ليس فيه الآخر. فقيل: هو من شقِّ العصا بمعنى الاختلاف، وقيل: هو من المشقة؛ لأن كلاً من المُتَخَالِفَين المُتَعَانِدَين يطلب لصاحبه الإيقاع في المشقات. فمعنى مشاققتهم لله: مخالفتهم لأوامره ونهيه وتكذيبهم رسله، وجعلهم له الأنداد والشركاء. وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ١٣] وشاقوا رسوله محمدًا ﷺ ، ثم قال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ الظاهر أن جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والتقدير: من يشاقق الله يعاقبه، فإن الله شديد العقاب لمن عاقب، والشدة: ضد اللين. والعقاب: هو التنكيل على الجريمة. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عقب الذنب من أجله. وهو معروف في كلام العرب، يقولون: عَاقِب هذا عقابًا ومعاقبة؛ أي: نَكِّل به؛ لأنه عصاك أو أَجْرَمَ إليك. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان يخاطب النعمان بن المنذر (٢):
ومن عصاكَ فعاقِبْهُ مُعَاقَبَةً ... تَنْهى الظلومَ ولا تَقعُد على ضَمِدِ
стр. 2359
والله (جل وعلا) هو شديد العقاب وحده، ولا عقاب هو العقاب الشديد إِلا عقاب الله (جل وعلا)، فعلى المسلمين أن يحذروا عقاب الله، ولا يتعرَّضوا لسخط الله الموجب لعقابه؛ لأن الله لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد؛ لأن أعظم جبار من ملوك الدنيا ليس في وسعه من التعذيب والتنكيل إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإن شدد التعذيب على المُعَذَّب إلى قدر يقتل صاحبه عادةً مات وانتهى ذلك العقاب، أما خالق السماوات والأرض شديد العقاب فإنه ينكل المذنب بآلاف التنكيل المستوجبة للموت وصاحبه لا يموت. فهذا هو العقاب الذي لا ينقطع ولا ينجي منه موت، فهو الذي يجب أن يُحذر ويُخاف منه، وتتجنب أسبابه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، والله (جل وعلا) يقول: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] ويقول تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] هذا هو العذاب الذي يُخشى، والعقاب الذي يجب على ( ... ) (١).
[٣/أ] ( ... ) / لأن الأمر كله بيد الله؛ ولأجل فهم النبي ﷺ لهذا كان يكثر في دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٢).
اعلموا كُلاّ أيها الناس أن قلوبكم بيد خالقكم (جل وعلا) يُصرفها كيف شاء، يوفق من شاء، ويضل من شاء ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: الآية ٨٨] وعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم في هذه الآية، وأن نبتهل ونتضرع إلى ربنا أن يُثبتنا، وأن
стр. 2360
لا يزيغنا، وأن لا يُحوِّل قلوبنا إلا لما يرضيه (جل وعلا)؛ لأن هذه الآية يخافها العاقل جدًّا، فقد جاء عن النبي ﷺ أن كل إنسان قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن (جل وعلا) يصرفه كيف يشاء (١). فيا مقلب القلوب، مثبت من شاء، ومضل من شاء، وهادي من شاء، ومضل من شاء؛ [ثبت قلوبنا على دينك] (٢) ولذا أثنى (جل وعلا) على عباده الراسخين في العلم بأنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ﴾ [آل عمران: الآية ٧] إلى أن قال عنهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: الآية ٨].
ومعنى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٤] إنما عبر بالقلب؛ لأن القلب محل العقل الذي به الإدراك، لا كما يقوله الملاحدة: إن محله الدماغ (٣). يحول بينه وبين قلبه فيصرف قلبه حيث شاء، وكيف شاء، يصرفه من هُدى إلى ضلالة، ومن ضلالة إلى هدى، قال بعض العلماء (٤): وكذلك يصرفه من أمنٍ إلى خوف، ومن خوف إلى أمن، كما نقل قلوب أصحاب النبي ﷺ من الخوف إلى الأمن، وقلوب الكفرة من الأمن إلى الرعب والخوف الذي ألقاه في قلوبهم، والأول هو الصحيح في معنى الآية؛ لأن هذه الآية تدل على أن الأمور كلها بيد الله، وأنه يصرف القلوب كيف يشاء، فيهدي من يشاء هداه، ويضل من يريد إضلاله.
وما يزعمه المعتزلة من أن الله لا يريد الشر، وأن العبد يخلق
стр. 2361
معاصيه باستقلال مشيئة العبد وقدرته مذهب لا يخفى سقوطه على عاقل، فإن خالق السماوات والأرض لا يمكن أن يكون في ملكه شيء إلا بمشيئته وقدرته جل وعلا.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٤] ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: الله ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحده. الحشر في لغة العرب معناه: الجمع. تقول: حشر الإمامُ العلماءَ أي: جمعهم، وحشر الناس أي: جمعهم. ومنه قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١١١] أي: جامعين يجمعون لك السحرة. فالحشر في لغة العرب: الجمع. والناس كلهم يُجمعون يوم القيامة إلى رب السماوات والأرض كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية ٤٧] وقد بين في سورة الأنعام أنه يحشر جميع الدواب والطير وجميع ذلك كله، يحشرهم ويجمعهم يوم القيامة، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شيء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: الآية ٣٨] فكما أنه يحشر الناس كذلك يحشر الدواب والطير وغير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ( ... ) (١).
وهذه الآية جاءت ناهية عن ذلك، مبينة أن الناس إذا رأوا المنكر يُرتكب علنًا ولم يغيروه وهم قادرون على أن يغيروه أن الله يعم الجميع بعذاب من عنده، ولا يصيب ذلك خصوص الذين
стр. 2362
ظلموا وارتكبوا المعاصي، بل يصيب الجميع، هؤلاء بمعصيتهم، وهؤلاء بسكوتهم على المعصية وعدم نهيهم عنها. هذا الذي عليه جمهور المفسرين.
﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً﴾ [الأنفال: الآية ٢٥] قد قدمنا في هذه الدروس مرارًا أن الفتنة أُطلقت في القرآن إطلاقات متعددة (١):
أطلقت الفتنة بمعنى الابتلاء. وهذا أكثر إطلاقها، ومنه قوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: الآية ٣٥] أي: ابتلاء، ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ [الجن: الآية ١٦] أي: لنختبرهم، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: الآية ١٥] أي: امتحان وابتلاء واختبار.
وأصل الفتنة في لغة العرب (٢): هي الوضع في النار، تقول العرب: فتنت الذهب: إذا وضعته في النار وأذبته فيها ليظهر أخالص هو أم زائف. ولذا كان أحد إطلاقات الفتنة: هي الإحراق بالنار، ومنه بهذا المعنى قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذاريات: الآية ١٣] أي: يُجعلون فيها ويحرقون فيها، ومنه على أصح التفسيرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: الآية ١٠] أي: أحرقوهم بنار الأُخدود.
وتُطلق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، ومن هنا أُطلقت الفتنة على الكفر وعلى المعاصي، كما قال:
стр. 2363
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: الآية ١٣] أي: لا يبقى شرك على وجه الأرض، كما يدل له قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (١). وجاء في سورة الأنعام إطلاق الفتنة على الحجة في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: الآية ٢٣] وفي القراءة الأخرى: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ (٢) ( ... ) (٣) وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾. ودخول نون التوكيد على ﴿لَاّ تُصِيبَنَّ﴾ [مع أنه في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، فيه سؤال معروف،] (٤) واختلف علماء العربية في توجيهه (٥)، والذي يظهر أنه يُفهم من هذا أن نون التوكيد تدخل في مثل هذا الأُسلوب؛ إذ لا حاجة إلى التعسفات التي يرتكبها من يريد الجواب عن هذا، مع أن القرآن في أعلى درجات الإعجاز.
و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ معناه: ارتكبوا المعاصي فظلموا أنفسهم.
﴿خَآصَّةً﴾ أي: في حال كونها خاصة بهم لا تتعداهم إلى غيرهم؛ بل هي تتعداهم إلى غيرهم، أي: لا تصيب خصوصهم بلِ تعمّ وتصيب الجميع. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
стр. 2364
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ العقاب: هو النكال على الذنب، قيل: سُمي عقابًا لأنه يأتي عَقِبَه من أجله.
فعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم هذه الآية، وأنّا إذا رأينا السفهاء ومن لا يطيعون الله يتعالنون بمعاصي الله أن نغيرها بحسب استطاعتنا؛ لئلا يعُمنا الله بعذاب من عنده، وقد بين النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مراتب تغيير المنكر فقال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١).
فمن قدر منا أن يُغير بيده فليغير بيده، ومن لم يقدر على التغيير باليد فباللسان، ومن عجز عن ذلك كله فبالقلب، وهو أضعف الإيمان. ويوشك أن المعاصي إذا لم تزل تُرتكب ولا ينهى عنها أحد أن ينزل عذاب من الله عَامّ يعم الصالح والطالح، والعاجز حقيقة يبعثه الله على نيته، ولا يناله شيء من إثم أولئك الآثمين، إلا أن العذاب وقت نزوله يعم الجميع كما جاءت الأحاديث بذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: الآية ٢٥] كونه شديد العقاب فيه تحذير شديد وتخويف لمن يُقصر في امتثال أمره واجتناب نهيه، فليس للمسلم أن يُقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ
стр. 2365
النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: الآية ٢٦].
[أي: واذكروا حين كان] (١) عددكم قليل جدًّا مستضعفون في الأرض، أي: يستضعفكم أعداؤكم، يرونكم ضعفاء، ويعاملونكم معاملة القوي للضعيف، وهذا قبل هجرة النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا في [مكة] (٢) قبل الهجرة عددهم قليل، والكفار يستضعفونهم، ويضربونهم، ويعذبون بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانوا مختفين في دار الأرقم بن أبي الأرقم قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁، وكان لهم بعض عزة نسبيًّا بإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄. واذكروا نعمة الله وتذكروا ما نقلكم به من حال الضعف إلى حال القوة، ومن حال القلة إلى حالة الكثرة، وتذكروا هذا الإنعام لتشكروا لمن أنعم عليكم به، وهذا معنى قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ القليل: ضد الكثير، والمستضعف: الذي يراه غيره ضعيفًا ويعامله معاملة القوي للضعيف.
﴿فِي الأَرْضِ﴾ هي: أرض مكة التي كانوا فيها قبل الهجرة.
﴿تَخَافُونَ﴾ الخوف في لغة العرب: هو الغم من أمر مستقبل. والحزن في لغة العرب: الغم من أمر فائت (٣) -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب الخوف في معنى الحزن، والحزن في معنى الخوف.
стр. 2366
﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] التخطف: هو أن يَقَعَ منهم الخطف مرة بعد مرة. والخطف في لغة العرب معناه: الأخذ بسرعة، فكل ما أخَذْتَهُ بِسُرْعَة شديدة فقد خَطَفْتَهُ ﴿أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ لقلتكم وضعفكم ليست لكم مناعة بكثرة ولا بقوة، فالناس قادرون على أن يتخطفوكم ويأخذوكم بسرعة واحدًا واحدًا فيقتلوكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾ جل وعلا، أي: ضَمَّكُمْ إِلَى عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ بأن ضمكم إلى هذه المدينة -حرسها الله- وقَوَّاكُمْ بالأنصار، هداهم فأسْلَمُوا، وكان لكم محل مأوى وقوة.
﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ العرب تقول: «أَيَّدَهُ» إذا قَوَّاه. و «رجل أيِّدٌ». معناه: قوي، و (الأَيْد) في اللغة و (الآد) معناه: القوة (١)، ومنه: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: الآية ٤٧] أي: بقوة، فليست من آيات الصفات. ووزن (أَيْد): (فَعْل) (٢)، أما (الأيدي) التي هي جمع (يَد) فوزنها بالميزان الصرفي (أفْعُل) (٣)، فوزن قوله: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَيْد معناه: (فَعْل) من (أَيَدَ) بمعنى: القوة، والعرب تقول: «فلان أيِّد» أي: قوي، و «رجل ذو أيْد وآد» أي: ذو قوة ﴿وَأَيَّدَكُم﴾ قواكم بنصره.
والنصر في لغة العرب: إعانة المظلوم. نصرهم الله بالأنصار، وقواهم بكثرة المؤمنين وقوة شوكتهم، وبما أوقع بالكفار يوم بدر،
стр. 2367
وبإنزال الملائكة تثبتهم، وتلقي الرعب في قلوب عدوهم. وهذا معنى قوله: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ كأن في الكلام محذوفًا دل المقام عليه ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فقراء لا أموال لكم ﴿فَآوَاكُمْ﴾ الله وقواكم بنصره وجعل لكم الأموال ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ كما رزقكم بغنائم يوم بدر، وهو مال طيب أطابه الله لهم بعد أن لامهم عليه لومًا شديدًا، وقال: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨]، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: الآية ٦٩] وهي الطيبات التي رزقهم ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] لله نعمه.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١) أن الشكر في القرآن يُطلق من الرب لعبده، ويُطلق من العبد لربه.
فإطلاق الشكر من الرب لعبده كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: الآية ٣٤] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ١٥٨].
وإطلاقه من العبد لربه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: الآية ١٣] ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥].
فشكر الرب لعبده معناه: أن يُثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل.
وشكر العبد لربه قال بعض العلماء: ضابطه المنطبق على جزئياته: هو أن يستعمل جميع نعم الله فيما يرضي الله، فهذه العيون
стр. 2368
التي فتحها في أوجهكم تبصرون بها، نعم عظمى منه إليكم، فشكرها: أن لا تستعملوها إلا في طاعة الله، ولا تنظروا بها إلا فيما يرضي من خلقها ومنّ عليكم بها، وهكذا الأيدي والأرجل وسائر النعم. أما العبد المسكين الضعيف الذي يُنعم عليه خالق السماوات والأرض بنعمه ثم يصرف نعمه فيما يسخطه ويغضبه فهذا مجنون. وهذا معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا على ذلك الإنعام.
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: آية ٢٧] قال جماعة من المفسرين (١): نزلت هذه الآية الكريمة في أبي لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري ﵁، كان بنو قريظة حلفاء الأوس من الأنصار، وكان أبو لبابة صديقًا لهم، وكان في بني قريظة أمواله وأهله، فلما حاصر النبي ﷺ بني قريظة وأرادوا أن يُحكّموا فيهم سعد بن معاذ ﵁ قال بنو قريظة -أرسلوا- للنبي أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر ﵁، وكان مناصحًا لقريظة يثقون فيه أشد الثقة، فلما جاءهم استشاروه: هل ينزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار بيده إلى حلقه، يعني: أنه الذبح إذا نزلتم على حكمه. قال أبو لبابة ﵁: والله ما برحت قدماي مكانهما حتى علمت أني خنت الله ورسوله وخنت أمانته. فندم أبو لبابة ﵁ ندمًا شديدًا، ولم يرجع إلى رسول الله ﷺ ، فرجع من قريظة إلى هذا المسجد الشريف -مسجد رسول الله ﷺ فربط نفسه في سارية من سواري هذا المسجد، وحلف بالله أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت
стр. 2369
أو يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتى خرّ مغشيًا عليه، فأنزل الله التوبة عليه، وقيل له: «تِيبَ علَيْكَ فحُل عنك الرّباط» فقال: «واللهِ لَا أحِلّه ولا يُحله عني غَيْرُ رسُول الله ﷺ » فجاء فحله عنه (١).
وكان بعض العلماء يقول: إن الآية التي تاب الله عليه فيها هي التي بعد هذه وهي قوله: ﴿إن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] فهو قد اتقى الله بالندم على ما فات منه، ونية أن لا يعود، وتأنيبه نفسه على الزلة التي صدرت منه بالعطش والجوع حتى خَرَّ مغْشِيًّا عليه، واعترافه بما وقع منه، وجعل الله له فرقانًا أي: مخْرَجًا من ذلك بأن تاب عليه كما يأتي في شرحها. وهذا معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٧] خيانة الله: هي تقصيرهم في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخيانة الرسول: هي التقصير في طاعته كهذا الصحابي الذي أفشى سِرَّهُ إلى يهود بني قريظة، فقد خان الله ورسوله ثم تاب الله عليه.
﴿وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ لأن جميع التكاليف كلها أمانات عند
стр. 2370
المكلفين كما سيأتي إيضاحه في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: الآية ٧٢].
وكان بعض العلماء يقول (١): الأمانات: أوامر الله ونواهيه التي لا يطّلع عليها أحد ولا يعلمها إلا هو؛ لأن الإنسان في بيته قد تكون عليه الجنابة لا يعلم بها الناس، وقد يكون عليه الحدث، وقد يجيء المسجد ولم يغتسل ولم يصل، وقد يغتسل وقد يصلي. هذه أمانات أمَّنَها الله عند هذا لا يعلمها إلا هو، فليس عليه أن يخونها.
والتحقيق: أن الأمانة تشمل جميع التكاليف.
[٣/ب] / [وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: الآية ٢٨].
نزلت هذه الآية في أبي لبابة ﵁ حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار] (٢) بيده إلى حلقه أنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ ﵁. كان سبب ذلك أن أولاده وماله في بني قريظة فأشفق على أولاده وماله، فأنزل الله: ﴿وَاعْلَمُواْ﴾ أيها الناس ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) أي: ابتلاء واختبار كما أوقع الأموالُ والأولادُ - الإشفاقُ عليهم - أوقع أبا لبابة في الزلة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أجر الله أعظم من
стр. 2371
الأموال والأولاد، فما عند الله خير من غيره، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٢٨].
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآيات ٢٩ - ٣٣].
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] نادى الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة باسم الإيمان، وبين لهم أنهم إن اتقوا الله فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه أنه يجعل لهم بسبب ذلك فرقانًا فيغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون بامتثال أمره واجتناب نهيه ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ أنه سُئل عن قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ قال: معناه يجعل لكم مخرجًا. وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (١) [الطلاق: الآية ٢] والعرب تسمي المخرج من الشيء: فرقانًا. كأنه مصدر زيدت فيه الألف والنون؛ لأن من كان في
стр. 2372
كرب من كروب الدنيا أو الآخرة وقد فارقه ووجد منه مخرجًا كأنه وجد فارقًا يفرق بينه وبينه ويفصل بينه وبينه. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومن إطلاق الفرقان بمعنى المخرج قول الراجز (١):
ما لَكَ مِنْ طُولِ الأَسَى فُرْقَانُ ... بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وَبَانُوا
أي: ما لك من طول الأسى مخرج، ومنه قول الآخر (٢):
وكيف أُرَجِّي الخُلد والموتُ طالبي ... وَمَا لِيَ مِنْ كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقَانُ
أي: ما لي من الموت مخرج ولا بد.
وقال بعض العلماء: ﴿فُرْقَانًا﴾: نصرًا وتأييدًا؛ لأن الله سمى يوم بدر: (يوم الفرقان) في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] لأنه يوم نصر فَرَقَ الله به بين الحق والباطل بأن نصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة.
قال بعض العلماء: فرقانًا: فَتْحًا.
وقال بعض العلماء: يجعل الله لكم بسبب تقوى الله فُرْقَانًا، أي: علمًا تُفَرِّقُون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. والأقوال متقاربة (٣). وتقوى الله (جل وعلا) كفيلة بكل خير من خيري الدنيا والآخرة ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] مادة الكاف والفاء والراء في لغة العرب أصل معناها: الستر والتغطية (٤). فمعنى:
стр. 2373
﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يسترها ويغطيها بحلمه وعفوه حتى لا يظهر لها أثر تتضررون به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ كذلك الغفران معناه أيضًا: الستر والتغطية؛ لأنه (جل وعلا) يغفر الذنوب، أي: يَسْتُرها ويغطيها (١). فالتعبير بالتكفير والغفران كلاهما معناه ستر الذنوب وتغطيتها حتى لا يظهر لها أثر. وفي ذلك التوكيد من الترغيب في التقوى ما لا يخفى، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ففضله عظيم، ومن فضله ما تَفَضَّلَ عليكم به، وما نصركم به يوم بدر، وغير ذلك من فضله وإنعامه العظيم. قال بعض علماء التفسير: هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال هي التي نزلت فيها توبة الله على أبي لبابة لما قال ما قال لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وجاء تائبًا إلى الله نادمًا، وربط نفسه في سارية من سواري هذا المسجد الكريم، وحلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت أو يتوب الله عليه، وأُغشي عليه بعد سبع فتاب الله عليه، قالوا: هذه فيها توبته؛ لأنه اتقَى الله بالندم على ما فات، والإقلاع، وربطه نفسه، واعترافه بالزلة، فجعل الله له من زلته في بني قريظة فرقانًا، أي: مخرجًا أخرجه به من مَأْزق الذَّنْب، وتاب عليه (جل وعلا)، هكذا قاله بعض العلماء، والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] فضله عظيم على خلقه إذ يتفضل عليهم بخيرات الدنيا والآخرة.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠].
стр. 2374
قال بعض العلماء: هذه الآية من سورة الأنفال مكية (١)، مع أن الأنفال مدنية. والأظهر أن هذه الآية كغيرها من سورة الأنفال مدنية؛ وذلك أن الله لما فتح على نبيه، ونصره يوم بدر، وأنزل سورة الأنفال في وقعة بدر، ذكَّر نبيه بنعمه الماضية عليه في مكة قبل هجرته منها، وعرَّفه إنعامه عليه حيث أنجاه من مكر أعدائه ﴿وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠]. واذكر يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- أيام كنت في مكة بعد أن مات عمك الذي كان ينصرك ويحوطك، وهو أبو طالب، وتمكنت قريش من أن يؤذوك ويخرجوك، ودبروا لك ذلك المكر العظيم، اذكر إنعامي حيث مكرتُ بهم وجعتلها عليهم لا لهم. واذكر إذ ﴿يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المكر: المكيدة، وهو إخفاء الكيد ليوصل الشر إلى الممكور به في خفاء.
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ كفار مكة؛ وذلك أن أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمر محمد ﷺ ، وجاءهم شيخ في صفة شيخ جليل، فقالوا له: ممن أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد، وهو الشيطان، تمثل لهم في صورة ذلك الشيخ، قال لهم: لست من أهل تهامة وإنما أنا من أهل نجد -وكان أهل نجد في ذلك الوقت كفارًا، وقريش يثقون فيهم لكفرهم، وأن الجميع على ملة واحدة- قال لهم إبليس في صفة ذلك الشيخ اللعين: سمعت أنكم تجتمعون لتتشاوروا في رأي هذا الرجل فجئتكم، ولا تعدمون مني رأيًا حسنًا في هذا الأمر.
فقال بعض قريش - فقالوا: ممن قاله: أبو البختري -: خلونا
стр. 2375
نكبله بالحديد، ونسجنه في دار، ونقفل بابها، ولا تترك إلاّ كوة ندخل إليه منها الطعام والشراب ونتربص به الدوائر حتى يموت كما مات من قبله من الشعراء، زهير والنابغة وأمثالهم من الشعراء، وفي ذلك يقول الله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: الآية ٣٠] وهذا الرأي هو المراد بقوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠] أي: يكبلوك بالحديد ويسجنوك ويتربصوا بك الدوائر حتى تموت.
وقال بعضهم: ويروى أن ممن قاله هشام بن عمرو: اطردوه عنا، نجعله على بعير ونبعده من أرضنا وما علينا ما فعل.
فلما قال أبو البختري الرأي الأول قال له ذلك الشيخ الذي في صورته الشيطان: بئس الرأي رأيك، هذا ليس برأي؛ لأنكم إن أثبتموه بقيود الحديد وأغلقتم عليه الأبواب جاء قومه فأخرجوه وقاتلوكم عليه حتى يخرجوه، وهذا ليس برأي.
فلما قال الثاني: نبعده ونطرده من بلادنا وما علينا فيما فعله هو وسائر العرب. فقال ذلك اللعين: بئس الرأي الذي رأيت، أنتم تعلمون حلاوة لسانه، واستجلابه لقلوب الناس، فإذا خرج عنكم فلا يأمن أن يأخذ بقلوب الناس حتى يكونوا تبعًا له، ثم يغزوكم في بلادكم.
فقال اللعين عمرو بن هشام بن المغيرة المعروف بأبي جهل: الرأي عندي الذي لا رأي غيره: أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش شابًّا، وتعطوه سيفًا صارمًا، فيأتيه ذلك الشباب من جميع قبائل قريش فيبتدرونه فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في قبائل
стр. 2376
قريش، ولا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدرون على محاربة جميع قريش، فعند ذلك سيرضون بالدِّية، فإذا رضوا بديته دفعنا لهم عقله واسترحنا منه.
فقال ذلك اللعين: هذا هو الرأي الذي لا رأي غيره، أما هذا الفتى فهو أجودكم رأيًا. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: بالسجن وقفل الأبواب عليك ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ إلى غير مكة من البلاد ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ قتلة رجل واحد حتى يتفرق دمك في قبائل قريش. ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ هذا المكر ليوصلوا إليك الشر في خفية. ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠]- مكر لك بهم، وأخرجك، ونجاك، وأظفرك بهم يوم بدر حتى قتلتهم وأسرتهم، هذا مكرهم وهذا مكر الله.
ولما أجمعوا على هذا الرأي، واتفقت عليه كلمة الجميع، جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره بجميع ما قالوا، وقال له: «لا تَبِت الليلة في موضع مبيتك» فنادى علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن ينام في المحل الذي كان ينام فيه رسول الله ﷺ ، وخرج رسول الله، وقريش محدقون بمنزله، ينتظرون أن يخرج فيقتلوه القتلة التي أشار عليهم بها أبو جهل وإبليس، فأعمى الله عيونهم، وخرج رسول الله ﷺ ، وهو يقرأ أوائل سورة (يس) وفي يده تراب، فَذَرَّ التراب على رؤوسهم ويقرأ إلى قوله: ﴿فَأَغْشينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١) [يس: الآية ٩] وأذن له في ذلك الوقت في الهجرة
стр. 2377
فخرج هو وصاحبه إلى الغار، فانتظرت قريش حتى الصبح، فوثبوا عليه ليقتلوه، فوجدوا المكان فيه علي بن أبي طالب ﵁ فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصوا أثره حتى جاءوا الجبل الذي فيه الغار فخفي عليهم أثره، وجاءوا الغار، قال بعض علماء السير: فوجدوا على الغار نسج العنكبوت (١)،
فقالوا: لو دخل هنا لما كان على الغار نسج العنكبوت، ومكث هو وصاحبه في الغار ثلاث ليال -كما قاله بعضهم- واتفقوا مع عبد الله بن الأريقط من بني دئل من كنانة، وأعطوه مراكبهم، وجاءهم في الوعد؛ لأنهم في ذلك الوقت محتاجون إلى دليل خبير بالأرض فيما بين مكة والمدينة؛ لأن الطرق السابلة المعروفة عليها العيون والرصد؛ لأن قريشًا جعلت الجعائل والأموال الطائلة لمن يأتيها بمحمد ﷺ ، فصار يحتاج إلى أن يمشي في طرق غير معهودة، وسبل غير معروفة، فآجر لذلك عبد الله بن الأريقط الدئلي، فلما كان بالموعد وأيس قريش من أن يجدوه ورجعوا جاءه فركبوا، وأخذ بهم طرقًا غير الطرق المعهودة فلم يطلع عليهم أحدٌ من العرب، حتى مروا ببلاد بني مدلج بن بكر بن كنانة، ذكرهم أحد فقال: أخاف أن يكون هو الرجل الذي يطلبه قريش. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم ﵁:
стр. 2378
ليس هو. يريد أن يستأثر بأخذه؛ ليأخذ المال من قريش، فركب على فرسه في أثرهم، وقصته مشهورة، وعلماء التاريخ يقولون: إن فرسه ساخت به في الأرض، وكاد أن تبتلعه الأرض مرات، وأنه طلب النبي ﷺ أن يكتب له أمانًا (١) ورجع خائبًا لم ينل النبيَ ﷺ بسوء. وسافر في الهجرة، ومر في سفره هذا بالجحفة، ونزلت عليه في الطريق في الجحفة آية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٢) [القصص: الآية ٨٥] حتى جاء الأنصار ﵃. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠].
وفي قصة الهجرة هذا دليل يبين للناس ويوضح لهم حقيقة أمر ضل فيه الآن أكثر الناس؛ لأن غالب الناس الآن -وإنا لله وإنا إليه راجعون- اجترفتهم التيارات، فذهبوا يقلدون كل ناعق من كفرة الإفرنج وملاحدتهم؛ لأنهم رأوا عندهم بعض القوة المادية وبعض الصنائع، ولو كانوا يقتفون أثر رسول الله ﷺ ويعلمون كيف كان يفعل لعرفوا ما يأخذون من ذلك وما يتركون؛ لأن المسلمين يجوز لهم أن يأخذوا من الكفار ما ينفعهم من علوم الكفار الدنيوية، وألاّ يتبعوهم في شيء مما يمس دينهم وطاعة ربهم -جل وعلا- وهذا
стр. 2379
النبي ﷺ لمّا تكالبت عليه قوى الشر، واتفق الكفار وشيخهم إبليس على أن يمكروا به، واضطر إلى خبير له خبرة بالأرض، ووجد رجلاً كافرًا هو عبد الله بن الأُريقط لم يمنعه كفره من أن يستفيد من خبرته الدنيوية، فاستفاد من خبرته حتى أوصله المدينة بسلام، ومع ذلك لم يأخذ عنه من الكفر شيئًا، بل هو مرضٍ ربه. فعلى المسلمين أن يعتبروا بأمثال هذا، وينتفعوا من الكفار بخبرتهم الدنيوية، ولا يتبعوهم فيما يضر دينهم ويسخط ربهم. وأمثال هذا كثيرة، وسنضرب لكم بعض الأمثلة منها:
من ذلك ما يأتي في تفسير سورة الأحزاب من تفاصيل وقعة الخندق، وأن النبي ﷺ فيما يذكره الأخباريون لما سمع بمقدم أهل الأحزاب قال له سلمان الفارسي: كنّا إذا خفنا خَنْدَقْنَا (١). والخندق هذا هو خطة عسكرية ابتدعتها أفكار الفرس، وهم قوم يعبدون النار، فالنبي ﷺ لعلمه ومعرفته بالخير والشر لم يمنعه من هذه الخطة العسكرية أن الذين اخترعوها كفرة، بل انتفع بعلم الكفرة الدنيوي وخَنْدَق، مع أنه لا يقلدهم في شيء يضر بدينه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن أمثلة ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه هَمَّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يزعمون أن الرجل إذا أتى امرأته في رضاعها أن ذلك يُضعف ولدها، ويضعف عظمه، وكانوا إذا ضرب الرجل ونبا سيفه عن الضريبة ولم يقطع قالوا: هذا وُطئت أمه وهو يرضع؛ لأن الغيلة تضعف الرجال،
стр. 2380
وكان شاعرهم يقول (١):
فَوارسُ لم يُغالُوا في رَضَاعٍ ... فَتَنْبُو في أكُفِّهم السُّيُوفُ
فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم (٢). فأخذ هذه الخطة الطبية من فارس والروم وهم كفرة، وأخذ تلك الخطة العسكرية من الفرس وهم كفرة، وانتفع بخبرة ذلك الخبير الكافر وهو كافر.
وهذا يعلمنا أن نفرق بين حضارة الإفرنج -عليهم لعائن الله- ونفصل بين ضارها ونافعها، فننتفع بنافعها وهو منافعها الدنيوية، ونجتنب سمومها الفتاكة القاتلة، وهي ما تدعو إليه من سوء الأخلاق وضياع كل قيمة، والتمرد على خالق السماوات والأرض (جل وعلا). ففيها ماء زلال وسُمٌّ قاتل، فعلينا أن نجتنب السم، ونأخذ الماء الزلال كما كان ﷺ يفعل كما مثلنا له (٣).
ومن المؤسف كل المؤسف أن الذين صار عندهم شيء من هذه القشور التي يعبرون عنها بالتقدم والحضارة وأمثال ذلك لا يأخذون عن الكفار إلا السم القاتل الفتاك، من الانحلال الخلقي، وضياع الأخلاق، والتمرد على نظام السماء، ومجاهرة رب العالمين بالمعاصي، والتزهيد في القرآن وفي الرسل، في الوقت الذي لا ينتفعون من مائها الزلال وقوتها المادية شيئًا!! فإنا لله وإنا إليه راجعون من عاقل يأخذ السم ويترك الماء، فهذا من طمس البصائر
стр. 2381
لا يعلمه إلا من رآه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠] مكرهم: هو ما أرادوا من قتل النبي ﷺ بعد ما أجمعوا عليه، وتفرّق دمه في قبائل قريش. ومكر الله: هو أن نَجَّاهُ مِنْهُمْ، وأنْقَذَهُ منهم، وأدْخَله في الغار لحكمة يعلمها (جل وعلا) مع أنه قادر على أن يهلكهم بالجنود، ومع أنه مختفٍ منهم في الغار، فجنود السماء حوله تحوطه لا يقدر أحدٌ أن يأتيه، كما سيأتي في براءة في قوله: ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] تلك الجنود يعلمها الله ويراها، والناس لا يرونها، فالكفار لا يقدرون على شيء معها، ولكن الله أمره بهذه الأسباب، مع أن جنود الملائكة تحوطه لحكمة يعلمها هو (جل وعلا)، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن مكره بالغ من الجمال ما لا يخفى؛ لأنه لا يوصل الشر فيه إلا لمن يستحق الشر، ولا يدفع الشر فيه إلا عمن هو أهل أن يدفع عنه الشر كما لا يخفى.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
قال بعض العلماء (١): نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، كان ذهب في تجارته إلى بلاد فارس، وجاء الحيرة
стр. 2382
وغيرها، واشترى كتبًا وفيها تاريخ رستم وإسفنديار، وكان إذا وجد النبي ﷺ يقرأ القرآن ويقص فيه أخبار الأمم الماضية. جلس هو يقرأ عليهم من تلك الأساطير من أخبار رستم وإسفنديار ويقول لهم: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد.
وقال بعض العلماء: إن قريشًا كذبوا فقالوا: نحن نقدر على أن نتكلم بمثل هذا القرآن، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] سمعنا هذا الذي يتلوه لو نشاء معارضته بمثله لقلنا مثله، وقدرنا على الإتيان بمثله، وهذا كذب محض منهم، سواء قلنا: إن قائله النضر بن الحارث، وأنه يعارضه بأساطير الأولين مما أتى به من تاريخ فارس، أو قلنا: إنه قاله غيره من قريش، ومعلوم أن القرآن العظيم لا يقدر أحدٌ أن يأتي بمثله، وأن هذه الدعوى كاذبة، وأن صاحبها من أظلم الظالمين كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: الآية ٩٣] أي: لا أحد أظلم من هذا ولا هذا.
فقد ذكرنا مرارًا أن الله ﵎ تحدى الكفار بسورة من هذا القرآن العظيم، في سورة واحدة، في سورة البقرة وسورة يونس، قال في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: الآية ٢٣] ثم قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٤] فصرّح بأنهم لن يفعلوا أبدًا ولا يقدرون أبدًا، وتحداهم بسورة واحدة أيضًا في سورة يونس في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: الآية ٣٨] وتحداهم في سورة هود
стр. 2383
بعشر سور، قال في هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: الآية ١٣] ثم أوضح عجزهم وأنه منزل من رب العالمين حيث قال: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ [هود: الآية ١٤] ثم تحداهم في سورة الطور بالقرآن كله، وذلك في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [بالطور: الآية ٣٤]. ثم صرّح في سورة بني إسرائيل وهي سورة (سبحان الذي أسرى) أن جميع البشر من الإنس والجن لا يقدرون على معارضة هذا القرآن، ولا الإتيان بمثله حيث قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] وبذلك يُعلم كذب النضر بن الحارث وغيره من قريش في قوله: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] مفعول (نشاء) محذوف- لو شئنا قولاً مثل هذا لقلناه. وقد قدمنا مرارًا (١)
أن فعل المشيئة إذا عُلق بأداة الشرط يُحذف مفعوله؛ لأن جزاء الشرط يكفي عنه، وهو الغالب في القرآن وفي لغة العرب، وربما ذكر المفعول في القرآن، ولم أجده مذكورًا في كتاب الله إلا إن كان مصدرًا منسبكًا من (أن) وصلتها، كقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ [الأنبياء: الآية ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: الآية ٤] وربما ذُكر مثل هذا في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢):
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ ... عَلَيْك وَلَكِنْ سَاحة الصَّبرِ أوسَعُ
стр. 2384
وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ (إن) هذه هي النافية، والإشارة في (هذا) إلى القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: تُلي عليهم هذا القرآن قالوا: كذا وكذا، وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى ﴿إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ الأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي ما كتبته الأمم الماضية من تاريخ ونحوه (١)، كما كان النضر بن الحارث يأتي بالأساطير التي كانت مكتوبة عن فارس، وهذا معنى قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١] يزعمون أن النبي استملاها من غيره، فأملاها عليه غيره فكتبها، كما قال في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥)﴾ [الفرقان: الآية ٥] قبحهم الله، ما أوضح كذبهم! وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآيتان ٣٢، ٣٣] ثبت في صحيح مسلم والبخاري من حديث أنس بن مالك أن قائل هذه المقالة: أبو جهل -لعنه الله- عمرو بن هشام بن المغيرة (٢). والأكثرون من المفسرين
стр. 2385
يقولون (١): إن قائل هذه المقالة: النضر بن الحارث، وهذا الدعاء هو العذاب الأليم المذكور في أول سورة المعارج سورة سأل سائل (٢) ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ أي: دعا داع ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِّلْكَافِرينَ﴾ [المعارج: الآيتان ١، ٢] قالوا: هو قوله: ﴿اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢]. ولن يُعْقَل أحمق من قريش حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾. ولو كانوا في مرتبة أدنى العقلاء لقالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه!! زعم بعضهم (٣): أن يهوديًّا مر بابن عباس وقال له: أنت من قريش؟! قال: نعم.
قال: إن قومك من أجهل خلق الله حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ ولم يقولوا: فاهدنا إليه!! فقال له ابن عباس: وكذلك قومك أنت من أجهل خلق الله فإنهم وأرجلهم بها بلل البحر الذي أنقذهم الله منه وأهلك به عدوهم، قالوا في ذلك الوقت لنبيهم ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال نبيهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٨] فسكت