٣ - أَثْبَتُّ كلامَ الشيخِ بِنَصِّهِ من غيرِ تَصَرُّفٍ إلا ما تَقْتَضِيهِ صناعةُ الإعرابِ، وفي هذه الحالاتِ على الوجهِ الصحيحِ من غيرِ إشارةٍ إلى ذلك. وفي حالِ وجودِ انقطاعٍ في التسجيلِ أو مسحٍ في الشريطِ أو لفظةٍ غيرِ واضحةٍ فإني أضعُ مكانَ ذلك ما يُتِمُّ به المعنى من كلامِ الشيخِ في موضعٍ آخَرَ - إن وُجِدَ - وإلا كَمَّلْتُهُ بما يتناسبُ مع السياقِ، وأجعلُ ذلك بين مَعْقُوفَتَيْنِ []، وهكذا فيما يقعُ من سَبْقِ اللسانِ، ثم أُنَبِّهُ إلى ذلك في الحاشيةِ.
٤ - في بعضِ الأحيانِ يذكرُ الشيخُ ﵀ كلمةً أو أكثرَ ثم يستدركُ فيذكرُ كلامًا آخَرَ، وفي هذه الحالةِ أَتْرُكُ الكلامَ الذي أَعْرَضَ عنه الشيخُ، وأُثْبِتُ كلامَ الشيخِ بعدَ الاستدراكِ. كما أن الشيخَ ﵀ قد يُكَرِّرُ الجملةَ لِيَفْهَمَ السامعُ مُرَادَهُ أو يعيدها بعد الفراغِ منها تأكيدًا لمضمونها في ذهنِ المستمعِ، وهذا أمرٌ يحتاج إليه الْمُلْقِي، لَكِنْ إن وَقَعَ في المادةِ المكتوبةِ فإنه يُخِلُّ بتتابعِ الكلامِ وَتَرَابُطِ أجزائِه؛ ولذا فإني - غَالِبًا - أحذفُ الجملةَ المكررةَ التي لا تحملُ أَيَّ فائدةٍ زائدةٍ من جهةِ المعنى ولا أُشِيرُ لذلك.
٥ - يُوجَدُ في آخِرِ كُلِّ دَرْسٍ من دروسِ سورةِ البقرةِ سؤالاتٌ مُوَجَّهَةٌ من الشيخِ عطيةَ لشيخِه الأمينِ ﵀، وهي تتصلُ ببعضِ المواضعِ من الآياتِ الْمُفَسَّرَةِ في الدرسِ نفسِه، ثم يجيبُ الشيخُ عنها. وقد قُمْتُ بِوَضْعِهَا في مَوَاطِنِهَا التي تتصلُ بها (في الهامشِ) مع الإحالةِ عند مَوْطِنِهَا من المتنِ على الهامشِ، وقد أَثْبَتُّ جوابَ الشيخِ بِنَصِّهِ، أما السؤالُ فقد
стр. 37
أَخْتَصِرُهُ أو أُعِيدُ صِيَاغَتَهُ.
٦ - إذا وقعَ للشيخِ خطأ في الآيةِ القرآنيةِ فإني أُصْلِحُهُ دونَ الإشارةِ لذلك.
٧ - الأحاديثُ التي يُورِدُهَا الشيخُ ﵀ أَثْبَتُّهَا كما نَطَقَ بها. مع أنه قد يَذْكُرُهَا بالمعنى في بعضِ الأحيانِ، وإنما اكْتَفَيْتُ بتخريجها.
٨ - فيما يتعلقُ بالشواهدِ والأشعارِ التي يُورِدُهَا الشيخُ ﵀، قد أَجِدُ مغايرةً في بعضِ الألفاظِ فيما بينَ ما نَطَقَ به الشيخُ وما وقفتُ عليه من المصادرِ التي ذُكِرَ البيتُ فيها. فإن وَقَفْتُ في هذه الحالةِ على روايةٍ للبيتِ تُوَافِقُ ما ذَكَرَهُ الشيخُ اكتفيتُ بذلك وَأَثْبَتُّهُ كما قاله. وإلا أَثْبَتُّهُ كما قاله الشيخُ الْمُفَسِّرُ، وأشرتُ في الهامشِ إلى نوعِ المغايرةِ التي وقفتُ عليها.
أما إذا كان البيتُ من ألفيةِ ابنِ مَالِكٍ، أو مَرَاقِي السعودِ أو غيرِ ذلك من المنظوماتِ العلميةِ فإني أُثْبِتُهُ كما في الأصلِ الذي أُخِذَ منه.
٩ - عندَ بدايةِ كُلِّ وَجْهٍ من تلك الأشرطةِ أضعُ علامةَ (/) مع كتابةِ رقمِ الشريطِ والوجهِ في البياضِ الأيسرِ من الصفحةِ، هكذا (١/أ) أو (١/ب) وَهَلُمَّ جَرَّا.
١٠ - بَعْدَ كُلِّ درسٍ يختمُ الشيخُ ﵀ بدعاءٍ قَدْرَ نصفِ صفحةٍ، وقد تَرَكْتُ نقلَ ذلك اختصارًا، ولأنه لا تَعَلُّقَ له بموضوعِ التفسيرِ (١).
_________
(١) وقد نقلت نص دعائه في أحد الدروس في آخر الكتاب.
стр. 38
رَابِعًا: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بالفهارسِ:
كنتُ قد أَعْدَدْتُ فهارسَ متنوعةً تُقَرِّبُ مادةَ الكتابِ لدَى القُرَّاءِ، ثم عَدَلْتُ عن ذلك لأَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: أن الكتابَ لم يَكْتَمِلْ، ولا زِلْنَا نأملُ الحصولَ على مزيدٍ من الدروسِ الْمُسَجَّلَةِ للشيخِ ﵀، وهذا يعني أنه بمجردِ حصولِ زيادةٍ في المحتوياتِ يحصلُ إخلالٌ في الفهارسِ من جهةِ أرقامِ الصفحاتِ كما لا يَخْفَى.
وهذا السببُ بِعَيْنِهِ هو الذي أَلْجَأَ إلى أن تكونَ الإحالاتُ إلى المواضعِ السابقةِ واللاحقةِ في الحاشيةِ مرتبطةً بأرقامِ الآياتِ في السورِ.
الثاني: كنتُ قد عَهِدْتُ لأحدِ الفضلاءِ من طلبةِ العلمِ (١) صناعةَ فهارسَ علميةٍ شاملةٍ لجميع ما وَرَّثَهُ الشيخُ ﵀ من العلمِ، سواء كان أصلُ مادتِه مُؤَلَّفًا للشيخِ، أم كان دروسًا مُسَجَّلَةً كُتِبَتْ بعد ذلك، كبعضِ المحاضراتِ، أو هذا التفسيرِ، بالإضافةِ إلى بعضِ الفتاوى الْخَطِّيَّةِ التي كَتَبَهَا الشيخُ ﵀ ولم تُطْبَعْ بَعْدُ، وهذا يغني عن وَضْعِ فهارسَ خاصةٍ لهذا الكتابِ. ولتيسيرِ الوقوفِ على الآيةِ المطلوبِ تفسيرُها قمتُ بترقيمِ الآياتِ بالإضافةِ إلى كتابةِ اسمِ السورةِ ورقمِ الآيةِ المفسَّرةِ في رأسِ كُلِّ صَفْحَةٍ.
هذا وقد سَمَّيْتُهُ (الْعَذْب النَّمِير مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ).
أسألُ اللَّهَ أن ينفعَ به مَنْ كَتَبَه، أو قَرَأَهُ، وهو حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوكيلُ.
•••
_________
(١) وهو الأستاذ زاهر الشهري حفظه الله.
стр. 39
شُكْرٌ وَرَجَاءٌ
أشكرُ كُلَّ مَنْ أَعَانَ على إخراجِ هذا العملِ بِرَأْيٍ، أو فائدةٍ، أو مقابلةٍ، أو مراجعةٍ، أو غيرِ ذلك.
فأسألُ اللَّهَ أن يجزلَ لهم المثوبةَ وَيُعْظِمَ لهم الأجرَ ويختمَ لهم بالسعادةِ إنه قريبٌ مُجِيبٌ.
كما أرجو كُلَّ مَنْ وَقَفَ عليه ورأى فيه نقصًا أو خَلَلاً أن يرشدني إليه وله مني الشكرُ والدعاءُ.
ثم مَنْ كان لديه مزيدٌ على ما وقفتُ عليه من دروسِ الشيخِ المسجلةِ - وهي المذكورةُ ضمنَ هذه المقدمةِ - فَلْيُطْلِعْنِي عليه إِتْمَامًا لهذا العملِ، ونشرًا لعلمِ الشيخِ ﵀، ومشاركةً في بذلِ النفعِ للخلقِ.
رَبَّنَا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمانِ، ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وَقِنَا عذابَ النارِ.
стр. 40
وصلى الله وسلم وَبَارَكَ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه.
كتبه: خالد بن عثمان السبت
﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الصبرُ: مصدرُ صَبَرَ صَبْرًا، وهذه المادةُ تَتَعَدَّى وَتَلْزَمُ، فمن تعدِّيها في القرآنِ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيةَ [الكهف: آية ٢٨]، وَمِنْ لُزُومِهَا في القرآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ الآيةَ [آل عمران: آية ٢٠٠]، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: آية ٤٣]. وقال بعضُ العلماءِ: هي متعديةٌ دائمًا إلا أنها يَكْثُرُ حذفُ مَفْعُولِهَا، وَمِنْ تَعْدِيَتِهَا في كلامِ العربِ قولُ عنترةَ (١)، وقيل أبو ذؤيب:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
والصبرُ خصلةٌ من خصالِ الخيرِ عظيمةٌ، صَرَّحَ اللَّهُ في سورةِ فُصِّلَتْ أنه لَا يُعْطِيهَا لكلِّ الناسِ، وإنما يُعْطِيهَا لصاحبِ الحظِّ الأكبرِ، والنصيبِ الأَوْفَرِ، وذلك في قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: آية ٣٥].
وهذه الخصلةُ التي هي الصبرُ لا يعلمُ جزاءَها إلا اللَّهُ، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: آية ١٠]، والصائمون مِنْ خِيَارِ الصابرين؛ وَلِذَا قال ﷺ فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّهِ: «إِلَاّ الصَّوْمَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (٢).
стр. 43
والصبرُ يتناولُ الصبرَ على طاعةِ اللَّهِ، وإن كنتَ كالقابضِ على الجمرِ، والصبرَ عن معصيةِ اللَّهِ وَإِنِ اشْتَعَلَتْ نارُ الشهواتِ، ويدخلُ في ذلك الصبرُ على المصائبِ (١) عندَ الصدمةِ الأُولَى، والصبرُ على الموتِ تحتَ ظلالِ السيوفِ.
وقولُه: ﴿وَالصَّلاةِ﴾ أي: وَاسْتَعِينُوا بالصلاةِ؛ لأن الصلاةَ نِعْمَ المعينُ على نوائبِ الدهرِ، وعلى خيرِ الدنيا والآخرةِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآيةَ [العنكبوت: آية ٤٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: آية ١٣٢]، وكان ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلى (٢)، وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنه نُعِيَ له أخوُه قُثَم، فأناخَ راحلتَه وصلى، وتلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (٣) [البقرة: آية ٤٥]، يستعينُ بالصلاةِ على صبرِ مصيبةِ أَخِيهِ.
ولا شَكَّ أن لطالبِ العلمِ هنا سؤالاً وهو أن يقولَ: أما الاستعانةُ بالصبرِ على أمورِ الدنيا والآخرةِ فهي أَمْرٌ واضحٌ لا إشكالَ
стр. 44
فيه؛ لأن مَنْ حَبَسَ نفسَه على مَكْرُوهِهَا في طاعةِ اللَّهِ كان ذلك أكبرَ مُعِينٍ على الطاعةِ، ولكن مَا وَجْهُ الاستعانةِ بالصلاةِ على أمورِ الدنيا والآخرةِ؟
الجوابُ (١): أن الصلاةَ هي أكبرُ مُعِينٍ على ذلك؛ لأن العبدَ إذا وَقَفَ بين يَدَيِ رَبِّهِ، يناجي رَبَّهُ ويتلو كتابَه تَذَكَّرَ ما عند اللَّهِ من الثوابِ، وما لديه من العقابِ؛ فَهَانَ في عَيْنِهِ كُلُّ شيءٍ، وهانت عليه مصائبُ الدنيا، وَاسْتَحْقَرَ لَذَّاتِهَا؛ رغبةً فيما عندَ اللَّهِ، ورهبةً مما عند الله.
ثم إن اللَّه قال جل وعلا: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: آية
٤٥] للعلماءِ في مرجعِ الضميرِ في ﴿وَإِنَّهَا﴾ أقوالٌ كثيرةٌ (٢)، منها: أنه راجعٌ إلى الاستعانةِ، المفهومِ من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾. ومنها: أنه راجعٌ إلى المذكوراتِ في الآيةِ قبلَ هذا، والتحقيقُ: أنه راجعٌ إلى الصلاةِ، والمعنى: ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاةُ: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: عظيمةٌ شَاقَّةٌ على كُلِّ أَحَدٍ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، والصبرُ كذلك على المصائبِ وعلى طاعةِ اللَّهِ وعن معاصِي اللَّهِ كبيرٌ جِدًّا إلا على الخاشعين، والظاهرُ أن الضميرَ إنما رَجَعَ لأحدِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ اكتفاءً به عن الآخَرِ؛ لأن مثلَ ذلك يُفْهَمُ في الآخَرِ، وهذا يَكْثُرُ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (٣)، فَمِنْهُ في القرآنِ قولُه هنا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
والكبيرةُ هنا: وَصْفٌ من (كَبُرَ) بِضَمِّ البَاءِ، (يكبُر) بِضَمِّهَا، إذا عَظُمَ وَشَقَّ وَثَقُلَ، ومنه قولُه: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: آية ١٣]، وهذا النوعُ في المعانِي مِنْ (كَبُرَ الأَمْرُ) إذا شَقَّ وَثَقُلَ، أو (كَبُرَ) بمعنى (عَظُمَ)، كقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: آية ٣] يَكْبُرُ الأمرُ فهو كبيرٌ، مضمومٌ في الماضِي، تقول: كَبُرَ يَكْبُرُ فَهُوَ كَبِيرٌ. كما بَيَّنَّا.
أما كِبَرَ السِّنُّ: فَفِعْلُهُ (كَبِرَ) بِكَسْرِ الباءِ (يكبَر) بفتحها على القياسِ، وهو معروفٌ (١)، ومن أمثلتِه قولُ قَيْسٍ المجنونِ (٢):
تَعَشَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ ذَوَائِبٍ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبُهْمُ
والاستثناءُ في قوله: ﴿إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: آية ٤٥]، استثناءٌ مُفَرَّغٌ (٣)، وأصلُ تقريرِ المعنى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: ثَقِيلَةٌ عظيمةٌ شَاقَّةٌ على كُلِّ أحدٍ: ﴿إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ والخاشعونَ جَمْعُ: الْخَاشِعِ، وهو الوصفُ من: خَشَعَ.
وأصلُ الخشوعِ في لغةِ العربِ: الانخفاضُ في طُمَأْنِينَةٍ، كُلُّ
مُنْخَفِضٍ مطمئنٍ تُسَمِّيهِ العربُ:
стр. 47
خَاشِعًا (١)، ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (٢):
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ
رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أَبِينُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
أي: منخفضٌ مطمئنٌ، هذا أصلُ الخشوعِ في لغةِ العربِ.
وهو في اصطلاحِ الشرعِ (٣): خشيةٌ تُدَاخِلُ القلوبَ، تَظْهَرُ آثارُها على الجوارحِ، فتنخفضُ وتطمئنُّ خوفًا من خالقِ السماواتِ والأرضِ.
والمعنى:
стр. 48
أن الصلاةَ صعبةٌ شَاقَّةٌ على غيرِ مَنْ فِي قُلُوبِهُمُ الخوفُ من الله، ويدلُّ لذلك شدةُ عِظَمِهَا على المنافقين، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [النساء: آية ١٤٢]، وقال جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: الآيتان ٤، ٥].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: آية ٤٦]، ﴿الَّذِينَ﴾ في مَحَلِّ خفضٍ نعتٌ للخاشعين (١) أَيْ: ﴿إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾. والظنُّ هنا معناه اليقينُ، على التحقيقِ (٢)، خلافًا لمن شَذَّ فزعم أنه الظنُّ المعروفُ، وأن المتعلقَ محذوفٌ، والمعنى: يظنون أنهم مُلَاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبٍ، فَهُمْ وَجِلُونَ من تلك الذنوبِ. فهذا غيرُ ظاهرٍ، ولا يجوزُ حَمْلُ القرآنِ عليه وإن قال به بعضُ العلماءِ (٣). والتحقيقُ أن معنى: ﴿يَظُنُّونَ﴾: يُوقِنُونَ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ العربيةِ أن الظنَّ يُطْلَقُ في العربيةِ وفي القرآنِ إِطْلَاقَيْنِ (٤):
يُطْلَقُ الظنُّ بمعنى اليقينِ، ومنه قولُه هنا: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: آية ٤٦]، أي: يُوقِنُونَ، ومنه بهذا المعنى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: آية ٢٠]، أي: أيقنتُ أني ملاقٍ حِسَابِيَهْ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَرَءَا المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: آية ٥٣]، أي: أَيْقَنُوا أنهم مُوَاقِعُوهَا ... إلى غير ذلك من الآيات. ومن أمثلةِ إطلاقِ العربِ الظنَّ على اليقينِ قولُ دُرَيْدِ بن الصِّمَّةِ (٥):
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ
فقوله: «ظُنُّوا» أي: أَيْقِنُوا.
وقول عميرة بن طارق (٦):
بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدُ فِيكُمُ ... وَأَجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا
أي: أجعلُ مني اليقينَ غَيْبًا مُرَجَّمًا، فمعنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يُوقِنُونَ.
стр. 49
﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: آية ٤٦]، و ﴿مُلَاقُو﴾ أصلُه (مُلاقيون) (مُفاعلون) منقوصٌ، والمنقوصُ تُحْذَفُ ياؤُه عندَ التصحيحِ (١)، وَحُذِفَتْ نُونُ (مُلاقون) للإضافةِ (٢)، أي: مُلَاقُو رَبِّهِمْ. والمرادُ بهذه الملاقاةِ: أنهم يُعْرَضُونَ على ربهم يومَ القيامةِ، فيجازيهم على أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: آية ١٨] وقال (جل وعلا): ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ الآيةَ [العنكبوت: آية ٥].
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: آية ٤٦]، أي: يُوقِنُونَ أنهم أيضًا
إليه راجعونَ (جل وعلا) يومَ القيامةِ فَمُجَازِيهِمْ على أعمالِهم، وَقَدَّمَ المعمولَ الذي هو الجارُّ والمجرورُ في قوله: ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ لأَمْرَيْنِ، أحدهما: المحافظةُ على رؤوسِ الآي، والثاني: الحصرُ، وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مبحثِ دليلِ الخطابِ - أعني مفهومَ المخالفةِ (٣) -: أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ الحصرِ، وكذلك تَقَرَّرَ في فَنِّ المعاني في مبحثِ القصرِ (٤) أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ
стр. 50
الحصرِ، وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: آية ٤٦].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: آية ٤٧].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معناه: يَا أَوْلَادَ يعقوبَ، وإسرائيلُ معناه في العبريةِ: عبدُ اللَّهِ، وإسرائيلُ هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ (عليهم وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وإنما نَادَاهُمْ بهذا النداءِ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَنَسَبَهُمْ إلى هذا النبيِّ الكريمِ ليبعثهم بذلك على امتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهيِ، كما تقولُ العربُ لمن يستحثونَه للأمرِ: يا ابنَ الكِرَامِ افْعَلْ كذا.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ المرادُ بالذِّكْرِ هنا: ذِكْرٌ يَحْمِلُ على الشُّكْرِ، وَمِنْ شُكْرِ تلك النعمةِ المأمورِ به: تصديقُ النبيِّ ﷺ واتباعُه فيما جاء به. و ﴿نِعْمَتِيَ﴾: اسمُ جنسٍ مضافٌ إلى معرفةٍ، واسمُ الجنسِ إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو من صِيَغِ العمومِ كما تَقَرَّرَ في الأصولِ (١)، فمعنى نِعْمَتِي: أي: نِعَمِي، كقولِه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: آية ١٨] أي: نِعَم اللَّهِ لا تُحْصُوهَا، وكقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: آية٦٣]، أي: أَوَامِرِهِ، ومن هذه النعمِ التي ذكَّرَهُمْ بِهَا حَمْلاً على شُكْرِهَا: إنجاؤهم من عَدُوِّهِمْ فرعونَ، وإغراقُ عدوهم وهم ينظرون، ومنها: تظليلُ الغمامِ عليهم،
стр. 51
وإنزالُ الْمَنِّ والسَّلْوَى، وتفجيرُ الماءِ من الحَجَرِ ... إلى غيرِ ذلكَ مِمَّا قَصَّ اللَّهُ في كتابِه.
وجرت العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ يَمْتَنُّ على الموجودين في زمنِ النبيِّ ﷺ بالنعمِ التي أَنْعَمَهَا على أسلافِهم الماضين، وكذلك يَعِيبُهُمْ بالمعائبِ التي صَدَرَتْ من أسلافِهم الماضين؛ لأنهم أمةٌ واحدةٌ؛ ولأنَّ الأبناءَ يتشرفون بفضائلِ الآباءِ، فكأنهم شيءٌ واحدٌ (١). ولذلك كان (جل وعلا) يَمْتَنُّ على هؤلاء بِنِعَمِهِ على الأسلافِ، وكذلك يَعِيبُهُمْ بما صَدَرَ من الأسلافِ؛ لأنهم جماعةٌ واحدةٌ.
وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: التي أَنْعَمْتُهَا عليكم، كإنزالِ الْمَنِّ والسَّلْوَى، وتظليلِ الغمامِ، والإنجاءِ من فرعونَ ... إلى غيرِ ذلك.
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ المصدرُ الْمُنْسَبِكُ من (أَنَّ) وَصِلَتِهَا في مَحَلِّ نصبٍ عَطْفًا على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وَتَفْضِيلِي إياكم على العالمين (٢). و «العالَمون»: جمعُ عَالَمٍ، وهو يُطْلَقُ على ما سِوَى الله (٣). والدليلُ على أنه يشملُ أهلَ السماءِ والأرضِ من المخلوقين: قولُه (جل وعلا): ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤]
стр. 52
والعالَم: اسمُ جنسٍ يُعرَبُ إعرابَ الجمعِ المذكرِ السالمِ. وقوله هنا: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: على عالَمِ زمانكم الذي أَنْتُمْ فيه. فلا يُنَافِي أن هذه الأمةَ التي هي أمةُ محمدٍ ﷺ
أفضلُ منهم (١)، كما نَصَّ اللَّهُ على ذلك في قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: آية ١١٠] وفي حديثِ معاويةَ بنِ حَيْدَةَ القشيريِّ ﵁ عن النبي ﷺ : «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (٢). ومن الآياتِ الْمُبَيِّنَةِ لفضلِ أمةِ محمدٍ ﷺ على أمةِ موسى أنه قَالَ في أمةِ موسى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: آية ٦٦] فَجَعَلَ أعلى مَرَاتِبِهَمُ الفئةَ المقتصدةَ، بخلافِ أمةِ محمدٍ ﷺ فَقَسَّمَهُمْ إلى ثلاثِ طوائفَ، وجعلَ فيهم طائفةً أكملَ من الطائفةِ المقتصدةِ، وذلك في قولِه في فاطر: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٢] فجعل فيهم سابقًا بالخيراتِ، وهو أَعْلَى من المقتصدِ، وَوَعَدَ الجميعَ بِظَالِمِهِمْ ومقتصدهم وسابِقهم بجناتِ عدنٍ في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ
стр. 53
ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: آية ٣٣] وقال بعضُ العلماءِ: حُقَّ لهذه الواوِ أن تُكْتَبَ بماءِ العينين (١).
يعني: واو ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ لأنه وَعْدٌ من الله صادقٌ، شاملٌ بظاهرِه الظالمَ والمقتصدَ والسابقَ.
وفي الآيةِ سؤالٌ معروفٌ وهو أَنْ يقالَ: ما الحكمةُ في تقديمِ الظالمِ لنفسِه في الوعدِ بجناتِ عدنٍ وتأخيرِ السابقِ (٢)؟ وللعلماءِ عن هذا أجوبةٌ معروفةٌ، منها: أنه قدَّم الظالمَ لِئَلَاّ يَقْنَطَ، وأخَّر السابقَ بالخيراتِ لئلا يُعْجَبَ
بعملِه فَيُحْبَطَ. وقال بعضُ العلماءِ: أكثرُ أهلِ الجنةِ الظالمونَ لأنفسهم، فبدأَ بهم لأَكْثَرِيَّتِهِمْ.
وَمِمَّا يدلُّ على أفضليةِ أمةِ محمد ﷺ على بني إسرائيلَ: أن الابتلاءَ الذي يظهرُ به الفضلُ وَعَدَمُهُ إنما يكونُ بخوفٍ أو طَمَعٍ، وقد ابْتَلَى أصحابَ النبيِّ محمد ﷺ بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، وابتلى بني إسرائيلَ بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، أما الخوفُ الذي ابتلى اللَّهُ (جل وعلا) به أصحابَ محمد ﷺ : فهو أنهم لما غَزَوْا غزاة بدرٍ، وسَاحَلَ أبو سفيان بِالْعِيرِ، واستنفرَ لهم النفيرَ، وجاءهم الخبرُ بأن العير سَلِمَتْ، وأن الجيشَ أَقْبَلَ إليهم، وأخبرهم النبيُّ ﷺ بذلك، قال له المقدادُ بنُ عمرٍو ﵁: وَاللَّهِ لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغِمَادِ (٣) لَجَالَدْنَا مِنْ دُونِهِ معكَ، ولو خُضْتَ بنا هذا البحرَ لَخُضْنَاهُ،
стр. 54
ولا نقول لك كما قال قومُ موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: آية ٢٤]، بل إنا مَعَكَ مُقَاتِلُونَ (١).
ولما أعاد الكلامَ قال له سعدُ بنُ معاذٍ ﵁: كأنكَ تَعْنِينَا معاشرَ الأنصارِ- لأنهم اشترطوا عليه ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه مما يمنعونَ منه نِسَاءَهُمْ وأبناءَهم، بشرطِ أن يكونَ في داخلِ المدينةِ، ولم يَشْتَرِطْ عليهم خارجَ المدينةِ - فأخبرَه النبيُّ ﷺ أنه يَعْنِيهِمْ فقال كلامَه المعروفَ المأثورَ، قال: «وَاللَّهِ إِنَّا لقومٌ صُبُرٌ في الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللقاءِ، وَاللَّهِ ما نَكْرَهُ أن تَلْقَى بنا عَدُوَّكَ حتى ترى منا ما يُقِرُّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ لقد تَخَلَّفَ عنك أقوامٌ لو علموا أنكَ تلقى كيدًا ما تَخَلَّفَ عنكَ منهم رجلٌ» (٢).
стр. 55
بخلافِ بني إسرائيلَ لما امْتُحِنُوا بخوفٍ كهذا صدرَ منهم ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في سورةِ المائدةِ قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: آية ٢٢]، وقالوا له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: آية ٢٤].
كذلك ابْتَلَى بني إسرائيلَ بصيدٍ، وهو صيدُ السَّمَكِ المذكورُ في الأعرافِ، المشارُ له في البقرةِ (١): ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٣]، فَحَدَاهُمُ القَرَمُ (٢) والطمعُ في أكلِ الحوتِ إلى أن اعْتَدَوْا في السبتِ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قردةً. وقد امتحنَ اللَّهُ (جل وعلا) أصحابَ النبيِّ ﷺ في عمرةِ الحديبيةِ بالصيدِ وهم مُحْرِمُونَ، فهيَّأَ لهم جميعَ أنواعِ الصيدِ من الوحوشِ والطيرِ، من كبارها وصغارها، ولم يَعْتَدِ رجلٌ منهم، ولم يَصِدْ في الإحرامِ، كما بَيَّنَهُ (جل وعلا) بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: آية ٩٤]، فما مَدَّ رجلٌ منهم يدَه إلى صَيْدٍ.
فظهر بهذا أن كلتا الأُمَّتَيْنِ امتُحِنَتْ بصيدٍ، وأن هؤلاء اعتدوا على ذلك الصيدِ فمُسِخوا قِرَدَةً، وأن أولئك اتقوا الله.
كذلك امتُحنوا بخوفٍ من عَدُوٍّ فَصَبَرَ هؤلاء وَثَبَتُوا، وخاف هؤلاء وَجَبُنُوا، فَدَلَّ هذا على أنهم أفضلُ منهم، وهذا مما لا خلافَ فيه، وهذا مما يبينُ أن قولَه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أن المرادَ:
стр. 56
عَالَمُ زَمَانِهِمْ (١). وقال بعضُ العلماءِ: هو نوعٌ من التفضيلِ آخَرُ لا يُعَارِضُ أَشرَفِيَّةَ هذه الأمةِ وأفضليتَها عليهم، وهو كثرةُ الرُّسُلِ فيهم؛ لأن الأنبياءَ أكثرُ فيهم منهم في غيرِهم (٢)، وكثرةُ الأنبياءِ فيهم لا تجعلُهم أفضلَ من هذه الأمةِ، بل هذه الأمةُ أفضلُ منهم وإن كانت الأنبياءُ فيها إنما جاءها نبيٌّ واحدٌ ﷺ . وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقر ة: الآيتان ٤٨ - ٤٩].
يقول الله (جل وعلا): ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: آية ٤٨]، معنى الاتقاءِ في اللغةِ العربيةِ هو: أن تجعلَ بينَك وبينَ ما يَضُرُّكَ وقايةً (٣). وَأَصْلُ مادتِه: (وقى) دَخَلَهَا تَاءُ الافتعالِ، كما تقول في قَرُبَ: اقترب، وفي كسب: اكتسب، وفي وقى: اوتَقَى. والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن تاءَ الافتعالِ إذا دَخَلَ على مادةِ وَاوِهَا فاءٌ وَجَبَ إبدالُ الواوِ تاءً وإدغامُها في تاءِ الافتعالِ (٤). فمعنى ﴿وَاتَّقُوا﴾:
стр. 57
اجْعَلُوا بينَكم وبينَ ذلك اليومِ وقايةً تَقِيكُمْ مما يقعُ فيه مِنَ الأهوالِ والأَوْجَالِ. والاتقاءُ: هو جَعْلُ
الوقايةِ دونَ ما يَضُرُّ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قول نابغةِ ذبيانَ (١):
سَقََطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
يعني: اسْتَقْبَلَتْنَا بيدها جاعلةً إياها وقايةً بيننا وبينَ رؤيةِ وَجْهِهَا.
والاتقاءُ في اصطلاحِ الشرعِ (٢): هو جَعْلُ الوقايةِ دونَ سَخَطِ اللَّهِ وعذابِه، تلك الوقايةُ هي امتثالُ أَمْرِهِ، واجتنابُ نَهْيِهِ (جل وعلا).
والمرادُ باتقاءِ اليومِ: اتقاءُ ما يكونُ فيه من الأهوالِ والأوجالِ (٣)؛ لأن القرآنَ بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، والعربُ تُعبِّرُ بالأيامِ عما يقعُ فيها من الشدائدِ، ومنه: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: آية ٧٧]، أي: لِمَا فيه من الشدةِ، وهذا معنى قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: آية ٤٨]، و (اليوم) مفعولٌ به لـ «اتَّقُوا» (٤). وقيل: المفعولُ محذوفٌ، واليومُ ظرفٌ. أي: اتَّقُوا العذابَ يومَ لا تَجْزِي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا. وقولُه: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: آية ٤٨]، الجملةُ نعتٌ لليومِ (٥)، وقد تَقَرَّرَ في العربيةِ: أن
стр. 58
الجُمَلَ تُنْعَتُ بها النكراتُ؛ كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقولِه (١):
ونَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنكَّرَا ... فأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا
ولطالبِ العلمِ أن يقولَ: أين الرابطُ الذي يَرْبِطُ بين الجملةِ التي هي وَصْفٌ وبينَ المنعوتِ؟
الجوابُ (٢): أنه اختُلِفَ في تقديرِه على قَوْلَيْنِ: أحدُهما أن العائدَ: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا) فالعائدُ هو: المجرورُ المحذوفُ هو وحرفُ الْجَرِّ.
وقال بعضُ العلماءِ (٣): حُذِفَ حرفُ الْجَرِّ فَوُصِلَ العاملُ إلى الضميرِ بعدَ حذفِ حرفِ الْجَرِّ ثم حُذِفَ، وعليه فالتقديرُ: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزيه نفسٌ عن نفسٍ شيئا) بحذفِ الهاءِ، وعلى كُلِّ حالٍ فحذفُ الضميرِ الرابطِ للجملةِ التي هي وَصْفٌ للنكرةِ الموصوفةِ موجودٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٤):
وَمَا أَدْرِي أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وَطُولُ الْعَهْدِ أَمْ مَالٌ أَصَابُوا
فجملة (أَصَابُوا) نعتٌ للنكرةِ التي هي (مالٌ) والعائدُ محذوفٌ، وتقريرُ المعنى: (أم مَالٌ أَصَابُوهُ). وقوله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عَذَابًا حَقَّ عليها، أما تفسيرُ مَنْ فَسَّرَ: ﴿تَجْزِي﴾ بـ (تُغْنِي) فهو إنما يتمشى على
стр. 59
قراءةِ مَنْ قَرَأَ ﴿تُجْزي﴾ (١) بصيغةِ الرُّبَاعِيِّ؛ لأنها هي التي تأتي بمعنى الإغناءِ، وتقريرُ المعنى: (وَاتَّقُوا يومًا لا تَجْزِي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا) أي: لا تَقْضِي نفسٌ عن نفسٍ حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عذابًا حَقَّ عليها، والرابطُ المحذوفُ محذوفٌ من الْجُمَلِ المعطوفةِ على الجملةِ النعتيةِ (٢)، وتقريرُ المعنى: (لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا ولا يُقْبَلُ فيه شفاعةٌ، ولا يُؤْخَذُ فيه عدلٌ، ولا هم يُنصرون فيه) فالرابطُ محذوفٌ من الْجُمَلِ المعطوفةِ على الجملةِ التي هي وَصْفٌ، وتقريرُ المعنى: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا)، أي: لا تَقْضِي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا أي: حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عذابًا حَقَّ عليها، وعلى هذا التقريرِ فـ ﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ به لـ ﴿تَجْزِي﴾ (٣)، وقال بعضُ العلماءِ: ﴿شَيْئًا﴾ في مَحَلِّ المصدرِ، أي: لا تجزي عنها شيئًا، أي: جزاءً قليلاً ولا كثيرًا (٤).
وقولُه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ فيه قراءتانِ سَبْعِيَّتَانِ (٥): قَرَأَهُ أكثرُ السبعةِ: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ (٦) والتذكيرُ في قولِه: ﴿يُقْبَلُ﴾ لأَمْرَيْنِ (٧): أحدُهما: أن تأنيثَ الشفاعةِ تأنيثٌ غيرٌ حَقِيقِيٍّ. الثاني:
стр. 60
الفصلُ الذي بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه، والفصلُ يبيحُ تركَ التاءِ، كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقوله (١):
وَقَدْ يُبِيحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي ... نَحْوِ أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ
والشفاعةُ في الاصطلاحِ (٢): هي التوسطُ للغيرِ في جَلْبِ مصلحةٍ أو دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وأصلُها من الشفعِ الذي هو ضِدُّ الوَتْرِ؛ لأن صاحبَ الحاجةِ كان فَرْدًا في حاجتِه فلما جاءه الشفيعُ صارَ شَفْعًا، أي: اثنين، صاحبُ الحاجةِ وَمَنْ يتوسطُ له فيها، هذا [أصل] (٣) معنى الشفاعةِ، والشفاعةُ في الدنيا إذا كانت في حَقٍّ وَاجِبٍ فللشافعِ أَجْرٌ، وإذا كانت في حَرَامٍ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ (٤)، كما صَرَّحَ تعالى بذلك في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (٥) [النساء: آية ٨٥]
وقال ﷺ : «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا
стр. 61
وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» (١). وقد دَلَّ الكتابُ والسنةُ أن نفيَ الشفاعةِ المذكورَ هنا ليس على عُمُومِهِ (٢)، وأن للشفاعةِ تَفْصِيلاً، منها ما هو ثابتٌ شَرْعًا، ومنها ما هو مَنْفِيٌّ شَرْعًا (٣). أما المنفيُّ شَرْعًا الذي أَجْمَعَ عليه المسلمون فهو الشفاعةُ للكفارِ؛ لأن الكفارَ لا تنفعهم شفاعةٌ أَلْبَتَّةَ، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: آية ٤٨]، وقال عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٠٠]، وقال (جل وعلا): ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: آية ٢٨] مع أنه قال في الكافرِ: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: آية ٧]، فالشفاعةُ للكفارِ ممنوعةٌ شَرْعًا بإجماعِ المسلمين، ولم يقع في هذا استثناءٌ أَلْبَتَّةَ، إلا شفاعةَ النبيِّ ﷺ لِعَمِّهِ أبي طالبٍ (٤)، فإنها نَفَعَتْهُ بأن نُقِلَ بسببها من محلٍّ من النارِ إلى محلٍّ أسهلَ منه، كما صَحَّ عنه ﷺ أنه قال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ
شَفَاعَتِي فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ (٥) مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (٦).
стр. 62
أما غير هذا من الشفاعةِ للكفارِ فهو ممنوعٌ إجماعًا، وإنما نَفَعَتْ شفاعةُ النبيِّ ﷺ عَمَّهُ أبا طَالِبٍ في نقلٍ من محلٍّ من النارِ إلى محلٍّ آخَرَ.
الشفاعةُ المنفيةُ الأخرى هي الشفاعةُ بدونِ إِذْنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ (١)، فهذه ممنوعةٌ بَتَاتًا بإجماعِ المسلمين، وبدلالةِ القرآنِ العظيمِ، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٥٥]. وادعاءُ هذه الشفاعةِ شِرْكٌ بالله وَكُفْرٌ به، كما قال (جل وعلا): ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: آية ١٨]. وَوَجْهُ كونِ هذه الشفاعةِ من أنواعِ الشركِ - ولله الْمَثَلُ الأعلى -: أن ملوكَ الدنيا قد يتمكنونَ من مجرمٍ يتقطعونَ عليه غَيْظًا، ويريدونَ أن يُقَطِّعوه عُضْوًا عُضْوًا، فيأتي بعضُ أهلِ الجاهِ والشرفِ ويشفعُ عندهم له، فيضطرون إلى قَبُولِ شفاعتِه؛ لأنهم لو رَدُّوا شفاعتَه لَصَارَ عَدُوًّا لهم، وَتَرَقَّبُوا منه بعضَ الغوائلِ، فيضطرون إلى أن يُشفِّعُوهُ وهم كَارِهُونَ، خَوْفًا من سُوئِهِ، وربُّ السماواتِ والأرضِ لا يخافُ أحدًا، ولَا يمكن أن يَضُرَّهُ أحدٌ، فلا يمكنُ أن يتجاسرَ أحدٌ عليه بمثلِ هذا، وله المثلُ الأَعْلَى؛ ولذا قال
стр. 63
(جل وعلا): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٥٥].
أما الشفاعةُ للمؤمنين بإذنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ فهي جائزةٌ شَرْعًا وواقعةٌ، كما دَلَّتْ عليه نصوصُ الكتابِ وَالسُّنَّةِ (١)، كما في قوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: آية ٢٨]، وقوله (جل وعلا): ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: آية ٢٣]، ونحو ذلك من الآياتِ والأحاديثِ. والشفاعةُ الكبرى للنبيِّ ﷺ كما يأتي إيضاحُه في سورةِ بني إسرائيلَ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: آية ٧٩]، وقد يُشفِّعُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ من خَلْقِهِ من الأنبياءِ والمرسلين والصالحين (٢).
وقد تكونُ الشفاعةُ بإخراجِ مَنْ دَخَلَ النَّارَ، وقد تكونُ الشفاعةُ بأن يشفعَ لمن عليه ذنوبٌ فيُنْقَذُ من النارِ، وقد تكونُ برفعِ الدرجاتِ، والشفاعةُ الكبرى في فَصْلِ القضاءِ بين الْخَلْقِ، فمعنى قوله إذًا: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ هذا إذا كانت كافرةً على الإطلاقِ، ولو كانت مؤمنةً لا تُقْبَلُ شفاعةٌ إلا بإذنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ.
[١/ب] وقولُه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ العَدْلُ: الفداءُ، وإنما سُمِّيَ الفداءُ عَدْلاً؛ لأن فداءَ الشيءِ كأنه قِيمَةٌ مُعادِلَةٌ له ومُماثِلَةٌ له تكونُ عِوَضًا وبدلاً منه. قال بعضُ علماءِ العربيةِ (٣): ما يُعَادِلُ الشيءَ ويماثلُه إن كان من جِنْسِهِ قيل له (عِدْلٌ) بكسر العين، ومنه (عِدْلَا
стр. 64
الْبَعِيرِ) أي: عِكْمَاه (١)؛ لأنهما مُتَمَاثِلَانِ. أما إذا كان يماثلُه ويساويه وليس من جِنْسِهِ قيل فيه (عَدْلٌ) بفتحِ العينِ؛ ولذا سُمِّيَ الفداءُ عَدْلاً؛ لأنه شيءٌ مُمَاثِلٌ لِلْمُفْدِي ليس من جِنْسِهِ.
ومن هذا المعنى قولُه (جل وعلا): ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: آية ٩٥]؛ لأن ما يُعَادِلُ الإطعامَ من الصيامِ ليس من جنسِه، فإذا كان من جنسه قيل فيه (عِدْلٌ)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد كَرَّرَهُ مهلهلُ بنُ ربيعةَ في قصيدتِه المشهورةِ في قوله (٢):
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا طُرِدَ الْيَتِيمُ عَنِ الْجَزُورِ
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَا ضِيمَ جِيرَانُ الْمُجِيرِ
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... غَدَاةَ بَلَابِلِ الأَمْرِ الْكَبِيرِ
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا بَرَزَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُورِ
стр. 65
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا رَجَفَ الْعِضَاهُ (١) مِنَ الدَّبُورِ (٢)
يعني أن القتلى التي قَتَلَهَا بكليب من بني بكرِ بنِ وائلٍ لا تُماثِلُهُ في الشرفِ ولا تُسَاوِيهِ، وإنما كَسَرَ العينَ لأنهم من جنسٍ واحدٍ. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أصلُ النصرِ في لغةِ العربِ إعانةُ المظلومِ. ومعنى هنا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: ليس لهم مُعِينٌ يَدْفَعُ عنهم عذابَ اللَّهِ.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: أَفْرَدَ الضميرَ في قولِه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ منهَا﴾ ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ أَفْرَدَهُ مؤنثًا، وَجَمَعَهُ مُذَكَّرًا في قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ مع أن مَرْجِعَ هذه الضمائرِ واحدٌ؟ (٣).
الجوابُ ظاهرٌ، لأن قولَه: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ نكرةٌ في سياقِ النفيِ، والنكرةُ في سياقِ النفيِ تَعُمُّ (٤)، وعمُومُها يجعلُها شاملةً لكثيرٍ من أَفْرَادِ النفوسِ، فَأَنَّثَ الضميرَ وَأَفْرَدَهُ في قولِه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ نَظَرًا إلى لفظِ النفسِ، وَجَمَعَ الضميرَ المذكرَ في قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نظرًا إلى معنَى النكرةِ في
стр. 66
سياقِ النفيِ، وأنها شاملةٌ لكثيرٍ من الأَنْفُسِ، وهذا معنى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
وقوله (جل وعلا): ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: آية ٤٩]، أي: وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ من آلِ فرعونَ، يعني: من فرعونَ وقومِه القبطِ؛ لأنهم كانوا يُهِينُونَ بني إسرائيلَ.
قال بعضُ العلماءِ (١): أصلُ (الآل): أهلٌ، بدليلِ تصغيرِه على (أُهَيْلٍ)، وبعضهم صغَّره على (أُوَيْلٍ)، ولا يُطْلَقُ (الآلُ) على الأهلِ إلا إذا كان مُضَافًا لمن له شَرَفٌ وَقَدْرٌ، فلا تقول: آل الْحَجَّامِ، ولا آل الإسكافِ (٢)(٣).
و (فرعونُ) مَلِكُ مصرَ المعروفُ، وهو يُطْلَقُ على مَنْ مَلَكَ مصرَ. وقال بعضُهم: كُلُّ مَنْ مَلَكَ العمالقةَ يُطْلَقُ عليه (فرعونُ) (٤).
واختُلف في لفظِ (فرعونَ) هل هو عَرَبِيٌّ أو أَعْجَمِيٌّ؟ (٥) قيل: هو اسمٌ أعجميٌّ، مُنِعَ من الصرفِ للعلميةِ والعُجْمَةِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو عربيٌّ، من تَفَرْعَنَ الرجلُ إذا كان ذا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ. والأولُ أظهرُ. وعلى أنه عربيٌّ فَوَزْنُهُ (فِعْلَول) بلامين لا (فعلون) بالنونِ.
стр. 67
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ تقول العربُ: سَامَهُ خَسْفًا، إذا أَوْلَاهُ ظُلْمًا، وأذاقَه عذابًا، ومن هذا المعنى قولُ عمرِو بنِ كلثوم في معلقتِه (١):
إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ ... خَسْفًا أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا
وقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يُذِيقُونَكُمْ ويولونكم سوءَ العذابِ، أي: أصعبَ العذابِ وَأَشَدَّهُ وأفظعَه؛ لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواعٍ من العذابِ شاقةٍ ذَكَرَ اللَّهُ بعضًا منها هنا حيث قال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فالفعلُ المضارعُ الذي هو ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بدلٌ من الفعلِ المضارعِ الذي قَبْلَهُ (٢) الذي هو ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ على حَدِّ قَوْلِهِ في الخلاصةِ (٣):
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ... يَصِلْ إِلينَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
وإنما عُبِّرَ بالتشديدِ في قراءةِ الجمهورِ في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ دلالةً على الكثرةِ؛ لأنهم ذَبَحُوا كثيرًا من أبنائهم (٤). ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي: الذكورَ ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: بناتِكم الإناثَ، يُبْقُوهُنَّ حَيَّاتٍ، ولم يذبحوهن. والنساءُ على التحقيقِ اسمُ جَمْعٍ (٥) لا واحدَ له من لَفْظِهِ، واحدتُه امرأةٌ.
стр. 68
وفي هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ؛ لأن اللَّهَ لَمَّا ذَكَرَ أنهم سَامُوهُمْ سوءَ العذابِ فَسَّرَ قولَه: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بالبدلِ بعدَه، وَبَيَّنَ أن من ذلك العذابِ العظيمِ السيئِ: تذبيحَ الأبناءِ، واستحياءَ البناتِ. وفي هذا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: تذبيحُ الأبناءِ ظاهرٌ أنه من ذلك العذابِ الذي يَسُومُونَهُمْ، أما استحياءُ البناتِ، وهو قولُه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فأين وجهُ كونِ هذا من سوءِ العذابِ، مع أن بقاءَ البعضِ قد يظهرُ للناظرِ أنه أحسنُ من تذبيحِ الكُلِّ؟ كما قال الهُذلي (١):
حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا ... خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
الجوابُ عن هذا: أن استحياءَهم للنساءِ استحياءٌ هو من جملةِ العذابِ؛ لأنهم يستحيونهم ليُعَمِّلُوهم في الأعمالِ الشَّاقَّةِ، وليفعلوا بهم ما لا يليقُ من العارِ والشنارِ (٢)، وبقاءُ البنتِ - وهي عورةٌ - تحتَ يدِ عدوٍّ لا يُشْفِقُ عليها، يفعلُ بها ما لا يليقُ، وَيُكَلِّفُهَا ما لا تُطِيقُ، هذا من سوءِ العذابِ بلا شَكٍّ، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [النساء: آية ٩] والعربُ كانوا ربما قَتَلُوا بناتِهم شفقةً وخوفًا عليهم مما يلاقونه مما لا يليقُ بعدَ موتِ الآباءِ، وهو كثيرٌ في شِعْرِهِمْ، وقد قال رجلٌ منهم في ابنةٍ له تُسَمَّى مودَّة (٣):
مَوَدَّةُ تَهْوَى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ ... لَهَا الْمَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أَنَّهَا تَدْرِي
стр. 69
يَخَافُ عَلَيْهَا جَفْوَةَ النَّاسِ بَعْدَهُ ... وَلَا خَتَنٌ يُرْجَى أَوَدُّ مِنَ الْقَبْرِ
ولما خُطِبَتْ عندَ عقيلِ بنِ عُلَّفَةَ المري ابنتُه الجرباءُ أنشد (١):
إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ الْمَهْرُ ... عَبْدٌ وَأَلْفَانِ وَذُودٌ (٢) عَشْرُ
أَحَبُّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْرُ
وقد قال الشاعرُ (٣):
تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا ... وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ
وهذا هو وجهُ كونِ استحياءِ النساءِ من ذلك العذابِ الذي يَسُومُونَهُمْ.
وقال جل وعلا: ﴿وَفِى ذَلِكُم بَلَاءٌ مِن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ في الإشارةِ في قولِه: ﴿ذَلِكُم﴾ وجهانِ لا يُكَذِّبُ أحدُهما الآخرَ مَبْنِيَّانِ على المرادِ بالبلاءِ (٤)؛ لأن البلاءَ في لغةِ العربِ الاختبارُ (٥)، والاختبارُ قد يقعُ بالخيرِ وقد يقعُ بالشرِّ، كما قال جل وعلا: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: آية ٣٥] وقال (جل وعلا):
стр. 70
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨] وَاللَّهُ ذَكَرَ في الآيةِ الماضيةِ أنه ابْتَلَى بني إسرائيلَ بخيرٍ وَشَرٍّ؛ أما الشرُّ الذي ابتلاهم به فهو ما كان يَسُومُهُمْ فرعونُ من سوءِ العذابِ، وأما الخيرُ الذي ابتلاهم به فهو إنجاؤُه إياهم من ذلك العذابِ.
قال بعضُ العلماءِ: ﴿فِى ذَلِكُم﴾ أي: ﴿وَفِى ذَلِكُم﴾ العذاب الذي كان يَسُومُكُمْ فرعونُ، ﴿بَلَاءٌ﴾ بالشرِّ ﴿مِن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وقال بعضُ العلماءِ: ﴿وَفِى ذَلِكُم﴾ الإنجاءُ الذي أَنْجَاكُمُ اللَّهُ به من عذابِ فرعونَ ﴿بَلَاءٌ﴾ بالخيرِ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وكلما كان الشرُّ أكبرَ كان الإنقاذُ منه مُمَاثِلاً له في الكِبَرِ، ولا شَكَّ أن العربَ تُطْلِقُ البلاءَ على الاختبارِ بالشرِّ والاختبارِ بالخيرِ، خلافًا لمن مَنَعَهُ في الاختبارِ بالخيرِ، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في الخيرِ قولُ زهير (١):
جَزَى اللَّهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ ... وَأَبْلاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
وهذا معنى قولِه: ﴿وَفِى ذَلِكُم بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: الآيات ٥٠ - ٥٣].
стр. 71
يقول الله (جل وعلا): ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: آية ٥٠] أي: وَاذْكُرُوا إِذْ فَرَقْنَا بكم البحرَ. ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فَلَقْنَاهُ، بدليلِ قولِه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: آية ٦٣] وَأَصْلُ الفِرْقِ: الفصلُ بينَ أجزاءِ الشيءِ (١). فمعنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فَصَلْنَا بينَ بعضِه وبعضٍ حتى كانت بينَه مسالكُ تَسْلُكُونَ فيها. ومن هذا المعنى قولُه: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: آية ٢٥] أي: افْصِلْ بَيْنَنَا وبينَهم، ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: آية ٤] أي: على القولِ بأنها الملائكةُ تنزلُ بالوحيِ الذي يَفْصِلُ بين الحقِّ والباطلِ. وهذا معنى قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فَصَلْنَا بعضَ أجزائِه عن بعضٍ حتى كانت بينَه مسالكُ تسلكون فيها من طرقٍ يابسةٍ كما قال جل وعلا: ﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: آية ٧٧].
و (الباءُ) في قوله: ﴿بِكُمُ﴾ فيها لعلماءِ التفسيرِ أَوْجُهٌ (٢)، أَظْهَرُهَا أنها سَبَبِيَّةٌ. والمعنى: فَصَلْنَا بعضَ أجزاءِ البحرِ عن بعضٍ، بسببِ دُخُولِكُمْ فيه؛ لِيُمْكِنَكُمُ المرورُ سالكين بين أجزائِه، كما قال تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: آية ٦٣]. وقال بعضُ العلماءِ: (الباء) بمعنى اللامِ، فمعنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾ أي: فَرَقْنَا لكم. وهو عائدٌ إلى معنى الأولِ؛ لأن اللامَ للتعليلِ، والباءُ للسببِ، فالمعنى مُتَقَارِبٌ. وقال بعضُ العلماءِ: الجارُّ والمجرورُ في مَحَلِّ حَالٍ، أي: فَرَقْنَا البحرَ في حالِ كونِه مُتَلَبِّسًا بكم. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: جَعَلْنَاكُمْ كأنكم حاجزٌ بين بعضِه
стр. 72
وبعضٍ، كما تقول: فَصَلْتُ بينَ أجزاءِ الشيءِ بكذا.
و (البحر) معروفٌ، قال بعضُ العلماءِ: اشتقاقُه من الشَّقِّ (١)؛ لأنه شَقٌّ في الأرضِ كبيرٌ، ومنه البَحِيرَةُ؛ لأنها مشقوقةُ الأُذُنِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو من البحرِ بمعنى الاتساعِ لاتساعِه.
وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ أي: أَنْجَيْنَاكُمْ من فرعونَ وما كان يسومكم من العذابِ. وأصلُ الإنجاءِ والتنجيةُ أصلُ اشتقاقِه من النَّجْوَةِ، وهي المرتفعُ من الأرضِ (٢). فكأن الإنسانَ إذا سَلِمَ من هلاكٍ، وَنَجَا من أَمْرٍ خَطِرٍ ارتفعَ عن هوةِ الهلاكِ إلى نجوةِ السلامةِ. وهذا معنى قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الهمزةُ في ﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ للتعديةِ، وأصلُ الفعلِ الثلاثيِّ قبلَ أن تدخلَ عليه همزةُ التعديةِ: (غَرِقَ يَغْرَقُ غَرَقًا)، ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ (٣):
وَإِنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الْمَاءُ تَارَةً ... فَيَبْدُو وَتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
والعربُ تُعَدِّيهِ بِالْهَمْزَةِ والتضعيفِ فتقول: أَغْرَقَهُ اللَّهُ، وغرَّقه، إذا جَعَلَهُ يغرَق. ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (٤):
. . . . . . . . . . . . . . . ... أَلَا لَيْتَ قَيْسًا غَرَّقَتْهُ القَوَابِلُ
стр. 73
فالهمزةُ في (أَغْرَقَنَا) همزةُ التعديةِ، والمعروفُ أن همزةَ التعديةِ إذا دَخَلَتْ على فعلٍ لازمٍ أَكْسَبَتْهُ مفعولاً، وإذا دَخَلَتْ على فعلٍ مُتَعَدٍّ لمفعولٍ أَكْسَبَتْهُ مفعولين، وإذا دَخَلَتْ على فِعْلٍ مُتَعَدٍّ لمفعولين أَكْسَبَتْهُ ثالثًا، كما قال في الخلاصةِ (١):
إِلَى ثَلَاثَةْ رَأَى وَعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا
و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (٢) قَدَّمْنَا معناه. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جملةٌ حَالِيَّةٌ (٣)، والظاهرُ أنه نَظَرٌ بالأبصارِ (٤)؛ لأن اللَّهَ أَرَاهُمْ ما أَحَلَّ بفرعونَ وقومِه من الغرقِ في البحرِ، وهو البحرُ الأحمرُ؛ ليكونَ ذلك أَقَرَّ لأعينهم؛ لأن هلاكَ الْعَدُوِّ وَعَدُوُّهُ ينظر إليه أَقَرُّ لعينِه. وهذا معنى قولِه: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: آية ٥١] (إذ) منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا على أحدِ الأقوالِ (٥)، وهو معطوفٌ على المذكوراتِ قَبْلَهُ (٦)، وقرأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ ما عدا الْبَصْرِيَّ
стр. 74
أبَا عمرٍو: ﴿وَاعَدْنَا﴾ بصيغةِ الْمُفَاعَلَةِ، وقرأه أبو عمرٍو وَحْدَهُ من السبعةِ: ﴿وإِذْ وَعَدْنَا﴾ (١) ثُلَاثِيًّا مُجَرَّدًا من الوعدِ.
أَمَّا على قراءةِ أبي عمرٍو فلا إشكالَ: صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. واللَّهُ وَعَدَ نَبِيَّهُ موسى أن يُنْزِلَ عليه كتابًا فيه الحلالُ والحرامُ، وكل ما يحتاجون إليه بعدَ أربعين ليلةً.
أما على قراءةِ الجمهورِ ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ بصيغةِ المُفَاعَلَةِ، فالمقررُ في فَنِّ التصريفِ: أن المُفَاعَلَةَ تقتضي الطرفين. أعني اشتراكَ الفعلِ بينَ فَاعِلَيْنِ؛ ولذا استشكلَ بعضُ العلماءِ التعبيرَ بالمواعدةِ هنا، قال: إن الله يَعِدُ وحدَه، ولا يَعِدُهُ غيرُه، والجوابُ عن هذا (٢): أن المُفَاعَلَةَ باعتبارِ أن اللَّهَ وعدَ موسى بوحيٍ يُبَيِّنُ له فيه الأمورَ، وموسى وَعَدَ رَبَّهُ بالإتيانِ للميقاتِ المُعيَّنِ لتلقِّي ذلك الوحيِ، ومن هنا صارت المفَاعَلَةُ معقولةً.
وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال بعضُ العلماءِ: هو على حَذْفِ مضافٍ، أي: تَمَامِ أربعينَ ليلةً (٣). وقد بيَّن تعالى في سورةِ الأعرافِ أن الوعدَ بهذه الأربعين كان مُفَرَّقًا بأن وَعَدَ ثلاثين أَوَّلاً ثم أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ (٤)، وذلك في قولِه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] قال بعضُ العلماءِ: هذه الأربعونَ ليلةً هي شهرُ ذِي القعدةِ وعشرٌ من ذِي
стр. 75
الحجةِ (١)، واليومُ الذي أَغْرَقَ اللَّهُ فيه فرعونَ وَأَنْجَى فيه بني إسرائيلَ هو يومُ عاشوراءَ، وقد ثَبَتَ في الصحيحِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينةَ وَجَدَ اليهودَ يَصُومُونَ يومَ عاشوراءَ، فسألهم فَأَخْبَرُوهُ بأنه اليومُ الذي أَنْجَى اللَّهُ فيه موسى وقومَه، وَأَهْلَكَ فيه فرعونَ وقومَه، فقال النبيُّ ﷺ : «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ». فكان يصومُه حتى نزلَ صيامُ رمضانَ (٢)(٣).