خواطر حول الوهابية
إعداد
محمد إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
دار التوحيد للتراث
الإسكندرية
стр. 2
حقُوق الطبع محفُوظَة
دار التوحيد للتراث
الإسكندرية
لصاحبها/ أشرف نصار
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
رقم الإيداع ٢٠٠٨/ ٤١٧١
جمهورية مصر العربية - الإسكندرية- الورديان
بجوار مسجدي أبي بكر الصديق وناصر السنة
هاتف: ٠١٢٤٠٦٠٠٤٥
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
خواطر حول الوهابية
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نصر نبيه وخليله محمدًا ﷺ بالرعب مسيرة شهر، وجعل النصر حليف من اتبعه إلى آخر الدهر، وصلى الله على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبه، وسلم صلاة وسلامًا دائمَيْنِ بلا حَصْر.
أما بعد:
فقد مضت سنة الله -تَعَالى- التي لا تتبدل أن يعارض أهلُ الباطل أهلَ الحق الداعن إليه، وأن يشنعوا عليهم، ويثيروا الشبه والشكوك حولهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبغوها عوجًا.
ولأن دعواتِ الإصلاح والتجديد لا ترضى بالحلول الوسط، ولا بأنصاف الحلول، فإنها تصارع المعتقداتِ الفاسدة، وتلقي في أول أمرها مقاومة عنيفة كرد فعل دفاعي من خصومها، إذ إنها حين تصطدم بالمألوف "المُتكَلِّس" وتحاول تغييره، فإنها تتحدى أهلَه والمنتفعين به، وتستفزهم مهما كانت فدائية ومنقذة لهم، تلك طبيعة الأشياء، ولذلك جابههت دعوة التجديد التي أنار شعلتهاَ شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- حالة عدم الانقياد والتصلب التي أظهرها معارضوه، ولم تقتصر تلك الحالة على شَهْر السلاح في وجه هذه الدعوة وتجييشِ الجيوش، بل انضم إليها أقلام متعصبة حاولت مسخ حقيقتها، وتشويه صورتها بالافتراء والكذب.
لقد تسرع الكثيرون في الحكم على الشيخ، ولعل بعضهم لم يقرأ للشيخ أصلًا، وإنما قرأ عنه من أعدائه، ولعبت السياسة دورًا في هذا، لا سيما السياسة
стр. 6
الإنكليزية التي كانت ترصد وتراقب بواعث النهضة في الأمة الإسلامية، وتحاول الإجهاز عليها قبل أن تؤتي ثمارها.
كما أن الدولة العثمانية -التي انتشرت في ظلها طرق صوفية غالية- انطلقت في هجومها على الدعوة السلفية لمخالفتها لها في المنهاج، وفي بعض متعلقات العقيدة كالتوسل، والاستغاثة بالموتى، وسائر البدع والشركيات.
أضف إلى ذلك جماعة الروافض الذين ينالون من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم-، ومن أعلام أهل السنة، ويتورطون في شركيات يزعمونها من أصول الدين.
ولا يظن ظانٌّ أن مناطق الاحتكاك أو مسائل الاختلاف بين الوهابيين وخصومهم تخص الوهابيين وحدهم، بل هي معتقد السلف الصالح والصدر الأول المبنيُّ على أدلة الكتاب والسنة، انطلاقًا من "منهاج النبوة"، وليس للوهابية سوى فضل إحيائها، وتجديدها، وتذكير المسلمين بها، وتنبيههم إليها، ونفض غبار البدع عنها.
ولست بمقتصرٍ -لتأييد هذه الحقيقة- على ذكر شهادات المئات من أعلام المسلمين الذين نافحوا عن هذه الدعوة، وأقروا بدورها التجديدي العظيم، ولكني أعرض أولاً شهاداتِ خصوم الإسلام ممن أنصفوها، من باب:
ومليحةٍ شهدت لها ضَرَّاتُها ... والفضل ما شهدت به الأعداءُ
ثم أُثنِّي بذكر شهادات بعض أعلام المسلمين ممن أشادوا بها (١).
стр. 7
جاء في "دائرة المعارف البريطانية":
"الحركة الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح".
وقال المستشرق الأسباني "أرمانو":
"إن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق، فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة محمد ﷺ ".
وقال المستشرق "جولدتسيهر" في كتابه "العقيدة والشريعة":
"إذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ المديني الحقيقة الآتية:
يجب على كل من ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي وأصحابه، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان" اهـ.
وقال "برنارد لويس" في كتابه "العرب في التاريخ":
"وباسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول، نادى محمد ابن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات باعتبارها بدعًا خرافية غريبة عن الإسلام الصحيح"اهـ
стр. 8
وقال المستشرق الإنكليزي "جب" في كتابه "الاتجاهات المدنية في الإسلام":
"أما مجال الفكر: فإن الوهابية بما قامت به من الفتن ضد التدخلات العدوانية، وضد الأصول القائلة بوحدة الوجود، التي تريد تدنيس التوحيد في الإسلام، فقد كانت عاملًا مفيدًا للخلاص الأبدي، وحركة تجديد أخذت تنجح في العالم الإسلامي شيئًا فشيئًا"اهـ
وقال بوكهارت: "وما الوهابية -إن شئنا أن نصفها- إلا الإسلام في طهارته الأولى"اهـ، وقال: "لكي نصف الدين الوهابي، فإن ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية، ولذا فإن علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أي هرطقة -أي بدعة أو خروجًا عن الدين- في الوهابية"اهـ.
وذكر الدكتور "داكبرت" المؤرخ الألماني في كتابه "عبد العزيز" أن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب كانت تملأ قلبه فكرة جديدة للقوى العربية، وأنه عزا تلاشي قوة العرب الذي أخضعهم للنفوذ الأجنبي إلى ابتعادهم عن سيرة السلف الصالح، وانقسامهم إلى شيع، وابتعادهم عن خُلُقهم العربي الأصيل، ثم قال د. "داكبرت": "ورأى الشيخ أن سبب الإنقاذ هو الرجوع إلى تعاليم الدين المشروعة، إلى تعاليم الرسول الصحيحة، فراح يبشر -بوحي من ضميره وعقيدته - بمحاربة البدع التي أُدْخِلت على الإسلام عبر العصور الغايرة، والضالِّ المضل من تقارير علماء الدين غيرَ مقيمٍ وزنًا إلا لما نصَّ عليه القرآن صراحة، أو لما يمكن نسبتُه بصورة قاطعةٍ للنبي محمد ﷺ ، وراح يحارب بكل قواه المستمدة من عقيدته الصلبة تقديسَ الأولياء، وجعلهم واسطة بين الله وبين الناس، وينادي
стр. 9
بهدم الأضرحة، ومزارات الأولياء، وإزالة معالمها، اقتداءً بالنبي الكريم، الذي حارب بدعة تقديس الهياكل، وعبادة الأصنام الموروثة من الجاهلية"اهـ. ملخصًا.
وقال المؤرخ الفرنسي الشهير "سيديو" ما معناه:
"إن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضموا إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم، ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁، فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوروبا منها في خسران عظيم، فحرضتا الدولة العلية على حرجهم، وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا"اهـ (١).
...
وفي كتابه "الحياة الأدبية في جزيرة العرب" ص (١٣) قال الدكتور "طه حسين" مشيرًا إلى المذهب الوهابي:
стр. 10
"قلت: إن هذا الذهب جديد وقديم معًا، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القويمة إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي ﷺ خالصًا لله وحده، مُلغيًا كل واسطة بين الله والناس"اهـ.
وقال أيضاً في صفحتَيْ (١٤،١٣):
" ... ولولا أن الترك والمصرين اجتمعوا على حرب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها، لكان من المرجو أن يُوحِّدَ هذا المذهبُ كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول".
وقال "طه حسين" أيضاً: "إذا كان الوهابيون لم يستطيعوا تكرار الفتح الإسلامي، فقد استطاعوا أن يبرهنوا على إمكانية تحقيقه، أو على الأقل استطاعوا أن يدعموا حجة الرافضين للحل التغريبي" (١).
موقف الشيخ "محمد عبده":
قال أحمد أمين (٢): "وفي مصر شب الشيخ محمد عبده فرأى تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو، فرجع إلى هذه التعاليم في أصولها من عهد
стр. 11
الرسول ﷺ إلى عهد ابن تيمية إلى عهد ابن عبد الوهاب وكان أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمين بعمل صالح، فأداه اجتهاده وبحثه إلى هذين الأساسين اللذين بني عليهما محمد بن عبد الوهاب تعاليمه، وهما:
١ - محاربة البدع وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بإشراك الأولياء والقبور والأضرحة مع الله تعالى.
٢ - فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين، وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين" ...
وفي كتابه "خمسون عامًا في جزيرة العرب" يذكر الشيخ حافظ وهبة أنه سمع الشيخ محمد عبده مفتي مصر "يثني في دروسه بالأزهر على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويلقبه بالمصلح العظيم، ويلقي تبعة وقف دعوته الإصلاحية على الأتراك، وعلى محمد علي الألباني لجهلهم، ومسايرتهم لعلماء عصرهم، ممن ساروا على سنة من سبقهم من مؤيدي البدع والخرافات، ومجافاة حقائق الإسلام"اهـ (١).
استدراك:
إن القول بأن دعوة الشيخ محمد عبده صدًى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يخلو من مسامحة، ولا شك في وجود بعض الملامح المشرقة في
стр. 12
دعوة الأول، لكن أن نغلو في وصفها حتى نعدها امتدادًا للمنهج السلفي الواضح الذي تبناه ابن عبد الوهاب فهذه مجازفة، أضف إلى ذلك النّفس الاعتزالي الذي اتسمت به دعوة الشيخ محمد عبده، التي تميزت بالمبالغة في الاعتداد بالعقل، والانهزام أمام الغرب المكذِّب بعالم الغيب.
وإذا كان الشيخ محمد عبده قد هاجم بدع الصوفية وانحرافاتهم، الأمر الذي يلتقي به مع الوهابية، لكن ذلك بمجرده لا يكفي لوصف منهج محمد عبده بأنه سلفي، يقول د. محمد محمد حسين ﵀:
" .. حتى خلطوا بهم - أي بالوهابيين السلفين - كل من دعا بهذه الدعوة - أي: مهاجمة الصوفية - واعتبروه منهم، غافلين عن أن التصوف يمكن أن يهاجم من منطلقين مختلفين:
- من منطلق سلفي يهاجم الابتداع.
- ومن منطلق عَلْماني ينكر الغيبيات، ويخضعها للتفكير الحر، ومن هذا المنطلق خلطوا بين الأفغاني ومحمد عبده، وبن محمد بن عبد الوهاب"اهـ (١).
وقال أحمد بن سعيد البغدادي:
"وأما حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمل، لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمِن باب أولى، ومنهم من يقول إن هذه الطائفة تنهى عن وصف النبي ﵊ بأوصاف المدح والتعظيم، ويقول إنها تؤمن بقدم القرآن، وبهذا يظهر بدهية التناقض، لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊، قال تعالى: ﴿وَإِنَكَ لَعَلىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وآيات غير هذه كثيرة، أما ما نهى عنه محمد بن عبد الوهاب فإنما هو الوصف بأوصاف الألوهية كالقدرة والإرادة وعلم الغيب كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، فقد قال ﵊: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعبد"، وَمَنْ أراد أن يعرف جليًّا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فإنه مذهبهم .. " إلى أن قال ﵀:
"وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون، ومَنْ سَبَّها يأثم، والله أعلم بغيبه وأحكم"اهـ (١).
стр. 15
وكتب الأستاذ محمد كرد علي ﵀ فصلًا ممتعًا عن أصل الوهابية في كتابه "القديم والحديث"، ثُم قال في أهل نجد:
"وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبًا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم.
وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قِيدَ غَلْوَة (١)، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزورٌ لا أصل له"اهـ
وقال الدكتور محمد عبد الله ماضي في كتابه "حاضر العالم الإسلامي":
"كما بُعث الرسول محمد بن عبد الله ﷺ بين العرب، وهم في فوضى شاملة، وانحطاط عام، وتفكك وانحلال، ليس لهم وحدة تربطهم، ولا فكرة صالحة تجمعهم، فنشر مبادئ الإسلام بينهم، وجمعهم على التوحيد، فوحَّد بينهم في العقيدة، فأصبحوا يدينون بمبدأ واحد، ويعبدون الله وحده، فوحَّد بينهم في المظهر، وجعل منهم أمة واحدة عربية مسلمة، قوية عزيزة الجانب، وأقام لهم دولة على أساس من الدين الحنيف.
فكذلك أخذ المصلح المديني، والزعيم الإسلامي محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، يدعو إلى تصحيح العقيدة، والرجوع إلى
стр. 16
مبادئ الإسلام الصحيحة، واعتناقها من جديد بين النجدين، وكانوا قد فسدت عقيدتهم، وضلَّت سيرتهم "اهـ.
وقال الدكتور محمد ضياء الدين الريس أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤادا لأول:
"والوهابيون يتبعون في فروع الأحكام حيث الفقه، مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وفي العقائد مذهب أهل السنة، وبخاصة - كما قررها وفسرها الإمام السني، العلامة ابن تيمية.
وابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب (١)، وإن فصل بينهما أربعة قرون (٢).
стр. 17
فقد قرأ كتبه (١) وتأثر كل التأثر، بتعاليمه.
والمبادئ الأساسية للدعوة الوهابية، هي تنقية معنى التوحيد من شوائب الشرك، ظاهرة وخفية، وإخلاص الدين لله، وعدم الالتجاء إلى غير الله، وعدم الغلو في تمجيد الرسول بما يخرجه عن حدود الطبيعة البشرية، وتحديد معنى الرسالة التي كلف بإبلاغها.
ومصادر العقيدة هي: الرجوع إلى مذهب السلف في فهم الدين، وتفسيرِ آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ .
وتكره الوهابية التعقيدات التي أدخلها المتكلمون والفلاسفة والصوفية، ولا مانع من الاجتهاد، كما يرون ضرورة القيام بواجب الجهاد.
وهذه الحركة كانت نهضة أخلاقية شاملة، ووثبة روحية جريئة ودعوة إلى دين الحق والإصلاح.
فقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين، لتصفية العقيدة، وتطهير العقول من الخرافات والأوهام، فقد احتوت على مبدأَين، كان لهما أكبر الأَثر في تطور العالم الإسلامي وتقدمه، وهما:
стр. 18
الدعوة إلى الرجوع إلى مذهب السلف -مع الاعتماد على الكتاب والسنة- وتقرير مبدأ الاجتهاد، فكان هذان المبدآن أساسًا لنهضة فلسفية روحية.
والواقع أن كل حركات الإصلاح التي ظهرت في الشرق، في القرن التاسع عشر، كانت مدينة للدعوة الوهابية، لتقرير هذه الأُصول.
ويمكن تحديد الصلة بينها وبين كل من هذه الحركات، إما عن طريق الاقتباس أو المحاكاة، أو مجرد التأثر" انتهى ملخصًا.
وقال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في كتابه "محمد بن عبد الوهاب" العقل الحر:
"الكلمة الطيبة كلمة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لأنها كلمة الحق، والحق في ظل الله، يباركه وينتصر له.
ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، لأنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، لهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير.
لقد قام صاحبها، يدعو إلى الله، لا يبغي بهذا جاهًا، ولا يطلب سلطانًا، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان وأعوان الشيطان".
إلى أن قال: "والذي لا شك فيه، أن الدعوة الوهابية، كانت أشبه بالقذيفة الصارخة، تنفجر في جوف الليل، والناس نيام.
كانت صوتًا راعدًا أيقظ المجتمع الإسلامي كله، وأزعج طائر النوم المُحَوِّمَ على أوطانهم منذ أمد بعيد"اهـ
стр. 19
وقال الزركلي في "الأعلام" في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
"إنه كان ناهجًا منهج السلف الصالح، وداعيًا إلى التوحيد الخالص، ونبذ البدع، وتحطيم ما علق بالإسلام من الأوهام، وكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيره"اهـ (١). مختصرًا.
وقال الشيخ علي طنطاوي ﵀ في كتابه "محمد بن عبد الوهاب":
"فشت البدع قبل ولادة الشيخ محمد، واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات.
وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ، فقد اجتمع على أهله الجهل، والبداوة، والفقر، والانقسام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء، بمقدار ما كان فيها من القرى، ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم، وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة، يقوم عليها سادن من شياطين الإنس، يزين للناس الكفر، ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده.
стр. 20
ثم ذكر شجرة تسمى "شجرة الذئب"، وقبر "زيد بن الخطاب" وذلك على سبيل المثال.
قال: وكان العلماء قلة، والحكام عتاه ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضًا، ويعدُو قويهم على ضعيفهم.
في تلك البيئة نشأ "محمد بن عبد الوهاب" ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أَفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول.
وأراد الله له الخير، فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصِفَ به في تاريخنا.
فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق، والألفة بعد إلاختلاف، والوَحدة بعد الانقسام.
ولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله، ولا أقول: إنه معصوم، فالعصمة للأنبياء، ولا أقول: إنه عارٍ عن العيوب والأخطاء.
ولكن أقول: إن هذه اليقظة، التي عمت نجدًا ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله"اهـ.
وقال الأستاذ محمد جلال كشك ﵀ وعفا عنه-:
"ونحن إذ نصف (الوهابية) بأنها أول استجابة للتحدي الذي خيَّم على العالم الإسلامي، فلأنها أول حركة تعلن أن هناك خطأ في الجتمع الإسلامي يجب
стр. 21
إصلاحه، وهي أول حركة تقول: إن الحل هو في العودة إلى الإسلام، وليس بتَخَطِّيه، أو البحث عن حل عصري، ثم هي أول حركة تجرب ذلك فعلًا، وتثبت نجاحه، فأعطت زخمًا وقناعة طوال القرنين التاليين، وما زالت، وكل الثورات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية، وحجة وأمل بتحقيق ما حققه السعوديون في جزيرة العرب" (١) اهـ.
وقال - أيضًا-:
"إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية، مجدد ومبتدع (٢) ومبدع، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلويَ عنقَ الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعًا إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوروبي الذي كاد أن يشبه القدر المحتوم .. كان الظن أو اتجاه الأحداث، هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر، فجاء الشيخ من أعماق نجد يعلن أن الإسلام هو الطريق، وأن المشكلة ليسَت في العقيدة، بل في الانحراف عنها، وأن العودة إلى جوهرها الصافي كفيل بإعطاء
стр. 22
المسلمين القدرة على مواجهة التحدي الأوروبي وقهره (١) .. صحيح أنه لم يواجه قوة أوروبية بشكل مباشر وشامل، لا هو ولا خلفاؤه، فقد شغلتهم حروبهم مع الرافضن المسلمين والعرب، إلا أن انتصاراتهم على التخلف، وقدرتهم على خلق المحارب الذي يكاد أن لا يُقهر، عززت حجة الرافضين لمنطق الهزيمة، وأبقت الفرضية مطروحة إلى اليوم، وهي اكتساب القوة المادية، بنفس الأسلوب الذي اكتسبها به أجدادنا المسلمون الأوائل" (٢) اهـ.
وقال- أيضًا ﵀:
"فالدولة السعودية، أو الثورة الوهابية كانت ضد التخلف العثماني، كانت محاولة للإفلات من السفينة العثمانية الغارقة، والتي لم يبق بها إلاطابور انكشاري يعترض طريق كل من يحاول سد خروق السفينة" (٣).
стр. 23
الوهابية زلزال نفسي بنَّاء
إن حركة التجديد التي قام بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- كانت بمثابة زلزال نفسي بَنَّاء بعث الحيوية والحركة والنشاط في الأمة الإسلامية، وأيقظها من سُباتها، وأعاد إليها شبابها ونضارتها.
ومما يلفت النظر في تلك الحركة التجديدية أن ثمارها وبركاتها وآثارها تخطت حدود المكان فملأت آفاق الأرض، وتخطت حدود الزمان فتجاوزت القرن الثاني عشر إلى عصرنا الحاضر.
стр. 24
وعلى كثرة ما أُلِّف في الدفاع عن "الوهابية" وعن إمامها، لكنها لا تزال بحاجة إلى من يسبر أغوارها، ويستخرج كنوزها المخبوءة.
إن معظم الدراسات حول هذه الحركة التجديدية كانت دراساتٍ وصفيةً (١)، تُعْنى بالسردِ التاريخي للوقائع والأحداث، أو تختص بدفع شبهات الخصوم في القضايا التقليدية التي استهلكت كثيرًا من الطاقات، وأهدرت كثيرًا من أوقات الذين اضطروا للتصدي لها، مع ما فيها من الفوائد العظيمة بالنظر إلى سهام الشبهات التي صوبها خصومها لصد الناس عنها.
ولعله آن الأوان لكي تُنتَدَبَ طائفةٌ من المختصين المؤهَّلين فتخرج لنا دراسة تحليلية عميقة، تسلط الضوء على سر نجاح هذه الدعوة هذا النجاح الفائق، وتُبْحِرُ في أعماق نفسية هذا الرجل "الأمة"، وتكشف لنا أغوار تلك الشخصية "الفذة" التي يندر أن يجود التاريخ بمثلها.
...
стр. 25
من ثمارهم تعرفونهم
ولئن كانت مراتب الشخصيات التاريخية الفذة تحدَّدُ -ضمن ما تحدد- بالبصمة التي طَبَعَتْها في تاريخ البشرية، وبالآثار التي تركتها في الدنيا، فإن ابن عبد الوهاب بهذا المقياس يتقدم على كثيرين ممن أُعْطُوا هذه المنزلة.
قال الشيخ عثمان بن بشر النجدي -رحمه الله تعالى- في ترجمته للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-:
(وأما محمد فهو شيخ الإسلام والحبر الهمام، الذي عمت بركة علمه الأنام، فنصر السنة، وعظمت به من الله المنة، بعدما كان الإسلام غريبًا، فقام بهذا الدين، ولم يكن في البلاد إلا اسمه، وانتشر في الآفاق، فكل امرئ أخذ منه حظه وقسمته.
ونشرت راية الجهاد بعد أن كانت فتنًا وقتالًا، وعرف التوحيدَ الصغيرُ والكبيرُ بعد أن كان لا يعرفه إلا الخواص، واجتمع الناس على الصلوات والدروس والسؤال عن أصل الإسلام وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها ومعاني قراءتها، وتعلمها الصغير والكبير، والقارئ والأمي بعد أن كان لا يعرفه إلا الخصائص، وانتفع بعلمه أهل الآفاق، لأنهم يسألون عما يأمر به وينهى عنه فيقال لهم: يأمر بأمر التوحيد، وينهى عن المنكر. ويقال لهم: إن أهل نجد يمقتونكم بذلك فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق بسبب ما سمعوا من أوامره ونواهيه، وهَدَمَ المسلمون ببركة علمه جميع القباب والمشاهد التي بنيت على القبور وغيرها من جميع المواضع الشركية في أقاصي الأقطار من الحرمين واليمن وتهامة وعمان والإحساء ونجد وغير ذلك، حتى لا تجد في جميع من شملته ولاية
стр. 26
المسلمين الشرك الأصغر فضلاً عن غيره، حاشا الرياء الذي قال فيه النبي ﷺ "إنه أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل" (١).
وأمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشاءين عن معرفة الأصول: وهي معرفة الله، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة أركانه، وما ورد عليها من أدلة من القرآن، ومعرفة محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته، وأول ما دعا إليه: وهي لا إله إلا الله، ومعرفة معناها، والبعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها وفروض الوضوء ونواقضه، وما يتبع ذلك من تحقيق التوحيد من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله كالدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والتوكل والإنابة وغير ذلك.
وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تُذكر. ولو بسطت القول فيها لا تسع الأسفار، ولكن هذه قطرة من بحر فضائله على وجه الاختصار. وكفى بفضله شرفًا ما حصل بسببه من إزالة البدع، واجتماع المسلمين وتقويم الجماعات والجمع، وتجديد الدين بعد دروسه، وقطع أصول الشرك بعد غروسه.
كان -رحمه الله تعالى- هو الذي يجهز الجيوش، ويبعث السرايا، ويكاتب
стр. 27
أهل البلدان ويكاتبونه، فلم يزل مجاهدًا حتى أذعن أهل نجد وتابعوا، وعمل فيها بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبايعوا، فعمرت نجد بعد خرابها، وصلحت بعد فسادها، ونال الفخرَ والملكَ من آواه، وصاروا ملوكًا بعد الذل والقتال. وهكذا كل من نصر الشريعة من قديم الزمان وحديثه الله يظهره على أعداه، ويجعله مالكًا لمن عاداه) اهـ (١).
وفتش في مشارق الأرض ومغاربها عن المنصفين من أهل الإسلام، بل من غيرهم، تجدهم مُجْمِعين على أن دعوة الشيخ كانت دعوة تجديدية خالصة أعادت فهم الإسلام كما كان في خير القرون، وتجدهم يشيدون بآثارها المباركة التي امتدت لتشمل الصحوة الإسلامية المباركة في العالم الإسلامي اليوم.
...
стр. 28
الوهابية ثورة "ثقافية "
لما تجهز شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من بلد العيينة إلى حج بيت الله الحرام، وقضى حجه، سار إلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-، فلما وصلها وجد فيها الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد "المجمَعَة" القرية المعروفة في ناحية "سدير"، فأخذ الشيخ محمد عنه.
قال الشيخ محمد ﵀: كنت عنده يومًا، فقال لي: "تريد أن أريَكَ سلاحًا أعددته للمَجْمَعَةِ؟ " قلت: نعم، فأدخلني منزلًا عنده فيه كتب كثيرة، وقال: "هذا الذي أعددنا لها" (١).
لا شك أن هذا الموقف قد انطبع في نفس شيخ الإسلام، وأنه أثَّر في طبيعة دعوته، فإن شيخ الإسلام لم يتفرغ للدعوة إلا بعد أن تفرغ للعلم، ونهل منه، وأسس دعوته على العلم والبراهين، والحجج والأدلة (٢)، وصدق الشاعر إذ يقول:
قد يكونُ الرمحُ مِن سِنِّ القلمْ ... ومن العلمِ حضاراتُ الأممْ
стр. 29
لقد أولى شيخ الإسلام "سلاح العلم" و"رمح القلم اهتمامًا أولويًّا في مسار دعوته، ولم يقتصر على استقطاب "النخبة" أو "الصفوة" (١) -على حد تعبيرنا المعاصر-، وإنما تمدد اهتمامه البالغ حتى طال "رجل الشارع" -على حد تعبيرنا اليوم أيضًا-.
فقد أمرهم - أي عوامَّ أهل نجد - بتعلم أصول الإسلام وشرائطه، وسائر أحكام الدين، وأمر جميع أهل البلاد بالمذاكرة في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشاءين بمعرفة الله، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة أركانه، ومعرفة النبي ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته، وأول ما دعا إليه كلمة التوحيد، وسائر العبادات التي لا تنبغي إلا لله، كالدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والرغبة والتوكل والإنابة وغير ذلك، فلم يبق أحد من عوام نجد جاهلًا بأحكام دين الإسلام، بل كلهم تعلموا ذلك، بعد أن كانوا جاهلين إلا الخواص منهم".
لقد كان أهل نجد في نهاية من الجهالة والضلال فنشرف الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة وآلاتها، وأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف وانتشر العلم في جميع الطبقات حتى قال المؤرخون:
стр. 30
"أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي ولوح التعليم في عنقه"، وكان بعضهم من شدة شغفه وحبه للعلم يعمل بالليل بالأجرة، وفي النهار يحضر الدرس.
ويقول الشيخ عبد الرحمن سليمان الرويشد وهو يوضح مكانة "التعليم الإلزامي" أو بعبارته هو "التثقيف الإجباري" في دعوة شيخ الإسلام ﵀:
(من الأشياء التي يمارسها الوهابيون كربط للإصلاح العقائدي ومعايشة التخلق بأخلاق الدين على علم وبصيرة: إلزام فئات الأمة ممن حُرِموا نعمة التعليم وأشباههم بتعلم كلمات في العقيدة، والدين، والأخلاق، تتضمن معرفة الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها.
فالأصل الأول: هو معرفة الرب والإله، ومعنى كلمة رب وكلمة إله، والدليل على تلك المعرفة من الآيات والمخلوقات الظاهرة، ومعنى العبادة وأنواعها، وحكم من صرف شيئًا منها لغير الله، وأدلة ذلك من القرآن الكريم.
والأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأدلة الصلاة والزكاة والحج والصوم من القرآن الكريم، ومعنى الإيمان والإحسان وأدلتهما من الكتاب والسنة.
والأصل الثالث: معرفة النبي محمد ﷺ ونسبه وبلده ورسالته وهجرته، ومعنى الهجرة ووجوبها إلى قيام الساعة، وبعثة الرسول العامة إلى الثقلين، ورسالة الأنبياء عمومًا وموته ﵇، ومعنى البعث والإيمان به وكفر من جحده، ومعرفة أول الرسل وآخرهم، ومعنى الطاغوت ووجوب
стр. 31
الكفر به. ثم شروط الصلاة وواجباتها وفروض الوضوء وشروطه ونواقضه، إلى غير ذلك مما يلزم لصحة الصلاة من القراءة والتكبير ومعرفة الأركان المبطلات.
هذه الحملة الثقافية النادرة في نوعها كانت من أهم التعليمات التي أكدها ابن عبد الوهاب، وألزم الناس بها بعد صلاة الفجر في المسجد، فيقوم إمام المسجد كل يوم باستدعاء فرد أو فردين ويساعده على تلقين تلك المعلومات على طريقة السؤال والجواب، وقد استمر العمل بتلك الطريقة حتى انتشر التعليم، وأصبحت هذه المعلومات ضمن المقررات الدراسية، وليس ما يلقن أو يثقف به عامة الناس معلومات مشبوهة، ولا كلمات فارغة تربط بالولاء لغير الله وتتجه إلى غير شريعته، كما حاول أعداء السلفية أن يشيعوه ويثيروه حول ذلك التثقيف الجماعي) اهـ (١).
هكذا كان "نور العلم" يطارد "ظلمات الجهل"، فيبددها، ويحل محلَّها فتستبصر العقول، وتستنير القلوب، وتتهذب النفوس.
...
стр. 32
أسباب نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التجديدية
ولعل من أهم أسباب نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- بعد توفيق الله :
(١) أنها انطلقت من التوحيد الذي هو أساس دعوة جميع الأنبياء، ووفَّت العقيدة حقها، ونبذت كل صور الشرك والوثنية.
(٢) أنهما جسَّدت منهجَ أهلِ السنة والجماعة في أجلى صوره، وأنها سارت على خطى المجددين السابقين وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، ومعلوم أن النبي ﷺ ، ربط بين إعادة التمكين للإسلام وبين التزام هذا المنهج في قوله ﷺ : "ثُمَّ تَكُون خِلَافَةٍ عَلَىَ مِنْهَاج النُّبُوَّةِ".
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "أُخبرك أني -ولله الحمد- مُتَّبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل: الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بيَّنت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد اللهُ به، من الذبح والنذر والتوكل والسجود، وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه مَلَك
стр. 33
مقرب، ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة"اهـ (١).
(٣) شخصية الإمام المجدد -رحمه الله تعالى- المتميزة بالرسوخ في العلم والعمل، والزهد، والتضحية، والإخلاص، ولعل عبقرية هذه الشخصية تكمن في إخلاصه وتجرده، وصدقه الشديد في دعوته، وغيرته الشديدة على حقائق التوحيد، وصبره على الشدائد، "ونكران الذات"، فمع أنه الرجل الأول في الدعوة فإنك لا تلمس أثرًا لطغيان إلـ"أنا"، فكان لا يدعو إلى "نفسه"، ولا يسعى لبناء مجد شخصي، وإنما: ﴿دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
قال ابن بشر في ترجمته للشيخ -رحمه الله تعالى-:
(ثم دخلت السنة السادسة بعد المائتين والألف:
وفي هذه السنة توفي الشيخ شيخ الإسلام مفيد الأنام قاطع المبتدعين، مشيد أعلام الدين، مقرر دلائل البراهين، محيي معالم الدين بعد دروسها، ومظهر آيات التوحيد بعد أفول أقمارها وشموسها.
كان الشيخ -رحمه الله تعالى- كثير الذكر لله قل ما يفتر لسانه من قول "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وكان إذا جلس الناس
стр. 34
ينتظرونه يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وكان عطاؤه عطاء من وثق بالله لا يخشى الفقر، بحيث إنه يهب الزكاة والغنيمة في موضع واحد لا يقوم معه منها شيء، ويتحمل الدَّين الكثير لأضيافه والوافدين إليه، وعليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من العلماء والرؤساء وغيرهم، وهذا شيء وضعه الله في القلوب وإلا فما علمنا أحدًا ألين ولا أخفض جنابًا منه لطالب العلم أو سائل أو ذي حاجة أو مقتبس فائدة. وكان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم وكل وقت في التوحيد والتفسير والفقه وغيرها) اهـ (١).
...
стр. 35
الرجل الأمة
إن الذي بقى من شخص الإمام المجدد سطور خطها يَراعُه، وطبعتها المطابع الحديثة، ومع ذلك فأنت تحس "بنَفَسِهِ" حاضرًا في سطوره النابضة بالحيوية، المشرقة بالبساطة والسلاسة، فلا تقعر، ولا تكلف، ولا تنطع، وحين تقرأ كلماتِهِ فإنك تشعر أنك لا تتعامل مع حبر وورق، ولكن مع إنسان حي يخاطب روحك، وينفذ تأثير سطوره إلى أعماق وجدانك، وكأن كلماته جمرات وقاَّدة تنبعث منها الطاقة النورانية والحرارية فتؤزك أزًّا إلى التحرك ونبذ السكون، وتفعل في قلبك ما يفعله الوقود في غرفة الاشتعال داخل محرك السيارة.
إنما التوحيد إيجاب وسلب ... فهما في النفس عزم ومضاء
"لا"و"إلا" قوة قاهرة ... لهما في القلب فعلُ الكهرباء
لقد صنف هذا الرجل مصنفات عظيمة البركة، كثيرة النفع على نفس السَّنَن الذي سبقه إليه المصنفون، لكن من قَدَرَ على أن يؤلِّفَ "أمة"، ويصنفَ "رجالًا" كما فعل الرجل "الأمة"؟!
(٤) ومن أقوى أسباب نجاح الدعوة التجديدية تلك اللحظات التاريخية التي شهدت أروع تحول فكري وسياسي واجتماعي في قلب الجزيرة العربية في ذلك العصر، حين التحم "التوحيد" و"الحديد"، والتقى "القرآن" و"السلطان"، واندمجت "قوة العقيدة والملة" في "قوة السلطة والدولة" مُمَثّلتيْنِ في شَخْصي الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، ووقعا الأحرف
стр. 36
الأولى بالتزام تأليف السفر الضخم النابض بالحياة والإيمان والتقوى في صورة من أجمل مشاهد أيام الإسلام في العصور المتأخرة، أضف إلى ذلك وجود قاعدة أرضية في الدرعية يأوى وينحاز إليها الداعية وأنصاره، فصارت مركز الدعوة ومنطلقها.
لقد كانت مرحلة تحول تاريخي يقول فيه "فيليب حتي" في كتابه "تاريخ العرب":
"إن تاريخ الجزيرة العربية الحديث يبتدئ منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهور حركة الموحدين في الجزيرة العربية، وحين شاركت قوة الدين سلطة الحكم" اهـ.
***
стр. 37
حول مصطلح "الوهابية "
كان مصطلح "الوهابية" -أولَ ما ذاع وانتشر- اصطلاحًا سياسيًا مغرضًا يرمي إلى التنفير عن الدعوة وأهلها، وكانوا يريدون بالوهابية أتباع أئمة الدعوة السلفية التي قام بها في نجد شيخ الإسلام، مع أنه وأتباعه ليس لهم مذهب خاص، بل هم في العقيدة على معتقد السلف الصالح، والأئمة الأربعة، ومن تبعهم بإحسان، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة والحديث، وهم لم يختصوا بشيء يقتضي تسميتهم بالوهابية، ولم يبتدعوا جديدًا، ولأن القائم بالدعوة ليس هو عبد الوهاب، وإنما هو ابنه الشيخ محمد، فهم المحمديون أصلًا وفرعًا، ثم إن الوهابية على آية حال هي نسبة إلى الله -تَعَالى- الوهَّاب، فهو الذي وهبهم الهداية والعلم والعمل.
إن كان توحيدُ الإلهِ تَوَهُّبًا ... يا ربِّ! فاشهد أنني وهَّابي
واقتباسًا من قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
إن كان رفْضًا حُبُّ آلِ محمدٍ ... فليشهدِ الثقلانِ أني رافضي
أجاب العلامة الشيخ "ملا عمران بن رضوان" مبينًا أنه لا مشاحة في الاصطلاح، وردَّ على من يُعَيِّرون أهلَ التوحيد بوصف "الوهابية" فقال -رحمه الله تعالى-:
стр. 38
إن كان تابعُ أحمدٍ متوهِّبا ... فأنا المُقِرُّ بأنني وهَّابي
أنفي الشريكَ عن الإلهِ فليس لي ... ربٌّ سوى المتفردِ الوهَّابِ
لا رقيةٌ تُرجى ولا وثنٌ ولا ... قبرٌ له سببٌ من الأسباب
أيضًا ولست مُعَلِّقًا لتَمِيمَة ... أو حَلْقَةٍ أو وَدْعَةٍ أو نابِ
لرجاء نفعٍ أو لدفعِ بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي (١)
وقد عاملهم الله بنقيض ما قصدوا من ذم الوهابية بهذا اللقب، فصار هذا الاسم الآن عَلَمًا على متبعي الكتاب والسنة، والتمسك بالدليل، ومذهب السلف، ومحاربة البدع والخرافات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وفي هذا يقول الشيخ عبد الرحمن سليمان الرويشد:
"لم يكن إطلاق كلمة (الوهابية) التي يراد بها التعريف بأصحاب الفكرة السلفية شائع الاستعمال في وسط السلفين أنفسهم، بل كان أكثرهم يتهيب إطلاقه على الفكرة السلفية.
وقد يتورع الكثيرون من نعت القائمين بها بذلك الوصف، باعتباره وصفًا عدوانيًّا كان يُقصد به بلبلة الأفكار والتشويه، وإطلاق المزيد من الضباب لعرقلة مسيرة الدعوة، وحجب الرؤية عن حقائق أهدافها.
стр. 39
وبمرور الزمن، وإصابة محاولات التضليل بالعجز عن أداء دورها الهدام، تحول ذلك اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أيَّ طابَع للإحساس باستفزاز المشاعر، أو أي معنى من معاني الإساءة، وصار مجرد تعريف مميِّز لأصحاب الفكرة السلفية، وماهية الدعوة التي بشر بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأصبح هذا اللقب شائعًا ورائجًا بين الكُتَّاب والمؤرخين، الشرقيين والغربيين على حد سواء.
وبالتالي فليس هناك ما يسوِّغ هجر استعمال تلك الكلمة، كتعريف شائع، أو تعبير يُستخدم في إطاره الصحيح للرمز إلى المضمون الفكري المقصود: وهو التمسك بالكتاب والسنة، ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، وما زُجَّ به في العقيدة السلفية، وأُدخِلَ عليها من انحراف، مع ضرورة العيش في ظل قيادة إسلامية عادلة تُحكِّم الشريعة، وتلتزم تطبيق منهجها عملاً، وتحمل الرعية على امتثال ذلك بأسلوبي الترغيب والترهيب" (١) اهـ.
...
стр. 40
التضليل الإعلامي والصد عن سبيل الله
لقد واجهت الدعوة التجديدية الوهابية أخطارًا عديدة، ولكن أخطر ما واجهته سلاح الدعاية والإعلام الكاذب، المتمثل في الكتابات والنشرات التي هاجمت الوهابية هجومًا ظالمًا غاشمًا (١) قفزت فيه على كل المعايير الإسلامية والأخلاقية (٢)، فضلًا عن الأمانة العلمية.
وأشهر ما نُسب إليه من الأكاذيب (٣) دعوى أنه من الخوارج، وانتقاصه لرسول الله ﷺ ، وتكفيره الأمةَ على العموم، بل بلغ ظلم دحلان أن