الأولى بالتزام تأليف السفر الضخم النابض بالحياة والإيمان والتقوى في صورة من أجمل مشاهد أيام الإسلام في العصور المتأخرة، أضف إلى ذلك وجود قاعدة أرضية في الدرعية يأوى وينحاز إليها الداعية وأنصاره، فصارت مركز الدعوة ومنطلقها.
لقد كانت مرحلة تحول تاريخي يقول فيه "فيليب حتي" في كتابه "تاريخ العرب":
"إن تاريخ الجزيرة العربية الحديث يبتدئ منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهور حركة الموحدين في الجزيرة العربية، وحين شاركت قوة الدين سلطة الحكم" اهـ.
***
стр. 37
حول مصطلح "الوهابية "
كان مصطلح "الوهابية" -أولَ ما ذاع وانتشر- اصطلاحًا سياسيًا مغرضًا يرمي إلى التنفير عن الدعوة وأهلها، وكانوا يريدون بالوهابية أتباع أئمة الدعوة السلفية التي قام بها في نجد شيخ الإسلام، مع أنه وأتباعه ليس لهم مذهب خاص، بل هم في العقيدة على معتقد السلف الصالح، والأئمة الأربعة، ومن تبعهم بإحسان، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة والحديث، وهم لم يختصوا بشيء يقتضي تسميتهم بالوهابية، ولم يبتدعوا جديدًا، ولأن القائم بالدعوة ليس هو عبد الوهاب، وإنما هو ابنه الشيخ محمد، فهم المحمديون أصلًا وفرعًا، ثم إن الوهابية على آية حال هي نسبة إلى الله -تَعَالى- الوهَّاب، فهو الذي وهبهم الهداية والعلم والعمل.
إن كان توحيدُ الإلهِ تَوَهُّبًا ... يا ربِّ! فاشهد أنني وهَّابي
واقتباسًا من قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
إن كان رفْضًا حُبُّ آلِ محمدٍ ... فليشهدِ الثقلانِ أني رافضي
أجاب العلامة الشيخ "ملا عمران بن رضوان" مبينًا أنه لا مشاحة في الاصطلاح، وردَّ على من يُعَيِّرون أهلَ التوحيد بوصف "الوهابية" فقال -رحمه الله تعالى-:
стр. 38
إن كان تابعُ أحمدٍ متوهِّبا ... فأنا المُقِرُّ بأنني وهَّابي
أنفي الشريكَ عن الإلهِ فليس لي ... ربٌّ سوى المتفردِ الوهَّابِ
لا رقيةٌ تُرجى ولا وثنٌ ولا ... قبرٌ له سببٌ من الأسباب
أيضًا ولست مُعَلِّقًا لتَمِيمَة ... أو حَلْقَةٍ أو وَدْعَةٍ أو نابِ
لرجاء نفعٍ أو لدفعِ بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي (١)
وقد عاملهم الله بنقيض ما قصدوا من ذم الوهابية بهذا اللقب، فصار هذا الاسم الآن عَلَمًا على متبعي الكتاب والسنة، والتمسك بالدليل، ومذهب السلف، ومحاربة البدع والخرافات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وفي هذا يقول الشيخ عبد الرحمن سليمان الرويشد:
"لم يكن إطلاق كلمة (الوهابية) التي يراد بها التعريف بأصحاب الفكرة السلفية شائع الاستعمال في وسط السلفين أنفسهم، بل كان أكثرهم يتهيب إطلاقه على الفكرة السلفية.
وقد يتورع الكثيرون من نعت القائمين بها بذلك الوصف، باعتباره وصفًا عدوانيًّا كان يُقصد به بلبلة الأفكار والتشويه، وإطلاق المزيد من الضباب لعرقلة مسيرة الدعوة، وحجب الرؤية عن حقائق أهدافها.
стр. 39
وبمرور الزمن، وإصابة محاولات التضليل بالعجز عن أداء دورها الهدام، تحول ذلك اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أيَّ طابَع للإحساس باستفزاز المشاعر، أو أي معنى من معاني الإساءة، وصار مجرد تعريف مميِّز لأصحاب الفكرة السلفية، وماهية الدعوة التي بشر بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأصبح هذا اللقب شائعًا ورائجًا بين الكُتَّاب والمؤرخين، الشرقيين والغربيين على حد سواء.
وبالتالي فليس هناك ما يسوِّغ هجر استعمال تلك الكلمة، كتعريف شائع، أو تعبير يُستخدم في إطاره الصحيح للرمز إلى المضمون الفكري المقصود: وهو التمسك بالكتاب والسنة، ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، وما زُجَّ به في العقيدة السلفية، وأُدخِلَ عليها من انحراف، مع ضرورة العيش في ظل قيادة إسلامية عادلة تُحكِّم الشريعة، وتلتزم تطبيق منهجها عملاً، وتحمل الرعية على امتثال ذلك بأسلوبي الترغيب والترهيب" (١) اهـ.
...
стр. 40
التضليل الإعلامي والصد عن سبيل الله
لقد واجهت الدعوة التجديدية الوهابية أخطارًا عديدة، ولكن أخطر ما واجهته سلاح الدعاية والإعلام الكاذب، المتمثل في الكتابات والنشرات التي هاجمت الوهابية هجومًا ظالمًا غاشمًا (١) قفزت فيه على كل المعايير الإسلامية والأخلاقية (٢)، فضلًا عن الأمانة العلمية.
وأشهر ما نُسب إليه من الأكاذيب (٣) دعوى أنه من الخوارج، وانتقاصه لرسول الله ﷺ ، وتكفيره الأمةَ على العموم، بل بلغ ظلم دحلان أن
стр. 41
قال في كتاب "الدرر السَّنِية في الرد على الوهابية": "والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة، إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك"، وقال دحلان (١): "وكان في أول أمره مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمُسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وأضرابهم، فكأنه يضمر في نفسه دعوى النبوة، ولو أمكنه إظهار هذه الدعوة لأظهرها، وكان يقول لأتباعه: إني آتيكم بدين جديد، ويظهر ذلك من أقواله وأفعاله) إلخ (٢).
ويقول السهسواني بعد أن ذكر جملة من أكاذيبه: "الجواب على هذه الأقوال كلها أنها -على طولها وكثرتها- كاذبة خبيثة، فلا تعجبك كثرة الخبيث"اهـ (٣).
والعجيب أن بعض الموتورين يأبون -في عصر الاتصالات- إلا أن ينفخوا الروح من جديد، في رماد الكتب التي صنفها أعداء الشيخ ودعوتهِ، فيعيدون طبعها، ويوزعونها مجانًا، ولا ينسون أن يخفوا أسماءهم وأسماء مطابعهم لأنهم خفافيش ظلام لا تطيق المواجهة في النور، وهؤلاء قوم يسيرون عكس اتجاه حركة التاريخ التي داست على هذا التراث المتعفن وسحقته، وهم يسيئون إلى أنفسهم، ويهدرون أموالهم هباءً، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون.
стр. 42
شاهد من أهلها
ومن سوء حظ أعداء الدعوة السلفية الوهابية أن الله ، كما بارك في علم ودعوة شيخ الإسلام ﵀ بارك في أبنائه وذريته وتلامذته فبرز منهم علماء ربانيون أفذاذ استعملهم الله -تَعَالى- في الذب عن دعوة التوحيد بكل كفاءة واقتدار جيلًا بعد جيل، فصنفوا الكتب (١) للرد على الدعايات المغرضة بأسلوب علمي رصين يحيلها هباءًا منثورًا، وهذه الخاصية العظيمة جعلت المؤرخ التركي "جودت باشا" -وهو شاهد من أهلها- يقر ويعترف بضعف وضحالة حجة كل من صنفوا ضد الوهابية مقارنة بكتابات علمائها الراسخين، فقال:
"إن الرد على الوهابية يستوجب ثقافة واسعة، ومعرفة بأحوال البلاد العربية الدينية والاجتماعية والسياسية، ووقوفًا على علوم الدين، واطلاعًا واسعًا على الحركات الفلسفية، ومقدرة على الجدل والإقناع .. وكل ذلك مفقود عند العلماء الذين ردوا على الوهابية، وكل ردودهم مشحونة بالسخف والهراء .. وإنهم يقدمون بأيديهم وسيلة للسخرية منهم ومن ردودهم .. " (٢) اهـ.
стр. 43
تدليس رخيص
لقد بلغ التدليس ببعض المشنعين إلى حد أنهم نسبوا الوهابية إلى دعوة خارجية إباضية في شمال أفريقية، دُفن خبرها في سجل التاريخ، وكانت قد نبغت في القرن الثاني الهجري، وعرفت باسم "الوهابية" نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الإباضي، الذي عطل الشرائع الإسلامية، وألغى الحج، وحصل بينه وبين معارضيه حروب، وقد توفي سنة (١٩٠ هـ) أو (١٩٧ هـ) بمدينة تاهرت بالشمال الأفريقي، وكان الونشريسي المتوفي في (٩١٤ هـ) بفاس بالمغرب قد ذكر في كتابه "المعيار" (١١/ ١٦٨) أن اللخمي (ت ٤٧٨ هـ) سئل عن أهل بلد بني عندهم الوهابيون مسجدًا، ما حكم الصلاة فيه؟
فأجاب: "هذه فرقة خارجية ضالة كافرة، قطع الله دابرها من الأرض، يجب هدم المسجد، وإبعادهم عن ديار المسلمين" (١) اهـ.
فطار المدلِّسون بهذا فرحًا، ونشروا تلك الفتوى ونظائرها، مع أن بين وفاة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) -رحمه الله تعالى- وبين وفاة عبد الوهاب بن رستم أكثر من ألف سنة، وبينه وبين اللخمي (٧٢٨) سنة، وبينه وبين الونشريسي (٢٩٢) سنة، ومع ذلك طوعت لهم أنفسهم أن يشنعوا على دعوة شيخ الإسلام بهذا الأسلوب الظالم (٢).
стр. 44
اضطهاد الدعاة إلى التوحيد بدعوى "الوهابية "
لقد تركت الحملات الإعلامية المناهضة أثرًا لا يُستهان به في العامة والخاصة، وشكَّلت موقفهم العدائي المتعجل من الشيخ ودعوته، في وقت كان خصومه يملكون الآلة الإعلامية الفعالة، والآلة العسكرية القتَّالة، وكان مجرد التلويح بتهمة "الوهابية" كافيًا في قمع من يُشَم منه رائحة السلفية، لا في البلاد العربية وحدها، بل في سائر أرجاء العالم الإسلامي.
- ففي ولاية "قازان" الروسية كان الشيخ العلامة المحقق عبد النصير أبو النصر بن إبراهيم القورصاوي (ت ١٢٢٧ هـ) متبعًا لمذهب السلف، مجافيًا لما أحدثه الخلف، يظهر عقيدته ومذهبه دون مبالاة منه لكثرة الجُهال والمقلدين والجامدين.
وعندما سافر إلى بخارى سنة (١٢٢٣هـ)، وجاهر بمخالفة البدع، ودعا إلى العمل بالكتاب والسنة، قام عليه علماء بخارى وكفَّروه، ورفعوا أمره إلى الأمير حيدر بن معصوم البخاري، وحرَّضوه على قتله، فدعاه الأمير، وجمع العلماء المذكورين، فحصلت المناظرة بينهم فحكموا بابتداعه، بل بكفره، ووجوب قتله إن
стр. 45
لم يرجع عن مذهبه، فلما رأى أن لا خلاص منه ولا مناص إلا بالتوبة والرجوع عن مذهبه، أظهر التوبة في الظاهر عن مذهبه -وفي الحقيقة تاب عما يجب منه التوبة- وقرأ متن "العقائد النسفية" من أوله إلى آخره، وقال إن معتقده هو هذا، فأطلقوا سبيله، وأمروا بإحراق كتبه الموجودة، وأمروا مناديًا ينادي بصورة الحادثة، وبأن من يوجد عنده شيء من كتبه المؤلفة، ولم يأت به لدار القضاء والإمارة؛ يكون دمه هَدَرًا، ومع ذلك قيل إن الأمير حيدر كان يندم على عدم قتله (١).
- وفي الهند "بلغ كثيرًا من علماء السنة كلُّ ما قيل في حق الشيخ ودعوته، فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهُم في عصره، وبعد عصره، وعَدُّوه من أئمة المصلحين المجددين للإسلام، ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم" (٢).
- وقال الحربَ على الدعوة السلفية في الهند أحمد رضا البريلوي، الذي ألف كتابًا أسماه: "الكواكب الشهابية في كفريات الوهابية" وكان مما قاله فيه: "إن الطائفة الوهابية ثبت كفرهم بآلاف الوجوه والأسباب"، وقال أيضًا: "إن الوهابين مرتدون ومنافقون لأنهم يتظاهرون بالإسلام وبالشهادة".
وقال: "إن الوهابيين أرذل من إبليس، وأفسد منه وأضل، لأن الشيطان لا يكذب، وهؤلاء يكذبون".
стр. 46
وقال: "إن الوهابيين أخبث وأضر من الكفرة الحقيقيين من اليهود والوثنيين وغيرهم".
وقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ابن تيمية كان يهذي جِزافًا وأفسد نظام الشريعة، وإنه مبتدع ضال".
وقال: إن الشوكاني عقله ناقص مثل متأخري الوهابية وكان فاسد المذهب.
إلى غير تلك الهراءات والسخافات التي أخذ ينفثها هذا المصدور ضد دعاة أهل السنة والجماعة.
ولعل ذروة هذه المقاومة العنيفة التي شنها الطرقية والمبتدعة ضد الحركة السلفية في الهند هي التآمر والخيانة ضد رجالها وحملتها هناك.
- فعندما قام الشيخ أحمد بن عرفان الشهيد (١) (المتوفى سنة ١٢٤٦هـ) بحركته المعروفة، ودعا إلى نبذ البدع والخرافات، وأقام دولة على هذا الأساس، وأعلن الجهاد في سبيل الله، وحقق عدة انتصارات، وبينما كان الشيخ ﵀ وجيشه يخوضون معركة حامية مع جموع السيخ المتآمرة مع المحتلين الإنجليز في تلال بالاكوت عام ١٢٤٦هـ انخذل عدد من القبائل السلمة عن أرض المعركة، وخانوا الشهيد ﵀ في أحرج الأوقات، نتيجة لتواطئهم مع السيخ، كل ذلك وقع لاتهامه بالوهابية.
стр. 47
وأسفرت المعركة الغادرة عن مقتل الشيخ وكثير من أنصاره، لينتصر الوثنيون السيخ، ويجثم الاحتلال الإنجليزي بعد ذلك قرابة قرن وربع قرن على أرض الهند.
يقول الشيخ عبد الحي الحسني عن الشيخ أحمد عرفان: "فأحيا كثيرًا من السنن المماتة، وأمات عظيمًا من الإشراك والمحدثات (١)، فتعصب أعداء الله ورسوله في شأنه وشأن أتباعه حتى نسبوا طريقته إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي ولقبوهم بالوهابية، ورغبوا إلى الكفار وصاروا أولياءهم في السر حتى انحازوا عنه في معركة "بالاكوت" فنال درجة الشهادة العليا، وفاز بين أقرانهم بالقدح المعلى، وبلغ منتهى أمله وانقضى أجله في الرابع والعشرين من ذي القَعدة سنة ست وأربعين ومائتين وألف".
وقبل ذلك دس بعض هؤلاء المبتدعة السم للشيخ المجاهد في عشائه، ولكن الله نجاه منه بعد أن أغمي عليه بضعة أيام.
وكان دعاة الشيخ أحمد بن عرفان قد كفرهم العلماء المبتدعون في عصرهم كما فُعل بالشيخ محمد علي الرامبوري (المتوفى سنة ١٢٥٨ هـ) حيث كفروه وأحرقوا "تقوية الإيمان" للشهيد إسماعيل الدهلوي، وسعوا به إلى الحكام فأمروا بجلائه عن مِدْراس (٢).
стр. 48
- وهذا ملك العلماء، وعالم الملوك، العلامة "السيد صديق حسن القنوجي البخاري" (ت ١٣٠٧ هـ) بقي في الحكم أربع عشرة سنة ملأها عدلًا ونورًا وعلمًا، ثم عُزل عنها بسب الوشاة والنمامين من أعداء السنة والتوحيد، واتُّهم لدى الحكومة الإنكليزية الستعمِرة بأنه يحرِّض الناس على الجهاد، وينشر المذهب الوهابي (١).
وقال الشيخ محمد السنوسي: إنه اجتمع بالشيخ رحمة الله الهندي (المتوفى سنة ١٣٠٦ هـ) في مكة المكرمة في ٢٩ من ذي القعدة عام ١٢٩٩ هـ وقال: "وبالمناسبة سألته عن السلطان صديق حسن صاحب التفسير والتآليف الأخيرة التي نشرت بالمطابع الهندية والشرقية على ما يتراءى في أثنائها من خرق سياجات المجتهدين، والاقتصار على ما يصل من الحديث، ونحو ذلك مما يدل على عقلية الرجل، فأخبر ني أنه (رئيس الوهابية، ولا يجلس في مجلسه إلا من يشتم الأئمة الأربعة.
وقد تصدى كثير من سنيي علماء بلاده، وغيرها من البلاد الهندية للرد عليه بتآليف نشرف في المطابع الهندية)، فكشف لي بذلك عن الضمير المستكن" (٢).
- وهذا الإمام "السيد نذير حسين بن جواد علي بن السيد أحمد شاه الدِّهْلَوي" (ت ١٣٢٠ هـ- ١٩٠٢ م عن مائة سنة) مجدد السنة النبوية في القارة
стр. 49
الهندية، والملقب بشيخ الكل، وهو شيخ السهسواني صاحب "صيانة الإنسان" (١):
عذِّب كثيرًا في سبيل نشر التوحيد، والدعوة إلى السنة النبوية، فسُجن في روالبندي سنة ١٨٦٤ م بتهمة الوهابية، وبقى في السجن مدة سنة كاملة، وسافر إلى الحج سنة ١٣٠٠هـ، فسعى النمامون إلى الباشا في مكة المكرمة، فاتهمه أعداء التوحيد بأنه وهابي، ومعتزلي، ويبيح شحم الخنزير، ونكاح العمة والخالة، وقدَّموا إليه رسالة باسم: "جامع الشواهد في إخراج الوهابيين من المساجد"، ولكن الباشا لما علم بحقيقة الحال أكرمه إيَّما تكريم، ورجع الأعداء خائبين (٢).
وبلغ الاضطهاد والقهر أن كل من كان يرفع يديه في الصلاة من الهنود أو جَهَر بآمين يتعرض لأشد أنواع الأذى لأنه "وهابي" (٣).
وإليك هذه القصة العجيبة التي وقعت -أيضًا- في الهند:
كان أحد العلماء الفضلاء في الهند يستقبل أبناءه الطلاب ويلقى عليهم دروس التفسير والحديث، وكان هذا الشيخ يبدأ درسه بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على رسوله بالدعاء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعته، ويسأل الله أن يطهر الأرض من شرورهم وآثامهم.
стр. 50
وكان أحد أبناء نجد تلميذًا لهذا الشيخ، وكان من المستحيل عليه أن يرد الشيخ إلى الصواب، وسط هذه الأجواء من الادعاءات والافتراءات التي يشنها الأعداء، وتحرص دولة كبرى كدولة الخلافة العثمانية، ومن ورائها الاستعمار وأذنابه، وكل أصحاب المذاهب والنحل الباطلة على النيل من هذه الجماعة وصاحبها.
وذات يوم فكر الطالب في أمرٍ يرد به شيخه إلى جادة الصواب، ويعرِّفه بحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته السلفية، فما كان منه إلا أن نزع غلاف كتاب "التوحيد" (١) للشيخ، وقدَّمه لأستاذه طالبًا منه قراءته وإبداء حكمه عليه.
واستجاب الأستاذ لطلب تلميذه، وقرأ الكتاب، فأثنى عليه ثناء منقطع النظير، بل أضاف أنه من أحسن الكتب التي قرأها في هذا الباب، ومن أكثرها فائدة، وهنا كشف الطالب لأستاذه عن مؤلِّفه الذي يتقرب الشيخ إلى ربه بالنيل منه كل صباح.
فاستغفر الشيخ عما بدر منه في حق هذه الجماعة وصاحبها- وصار من أكثر المدافعين عنها، الداعين لها (٢).
- وفي بغداد أوذي الشيخ "علي علاء الدين الألوسي" (ت ١٣٤٠هـ)، وكان الجامدون من فريق المقلدة يشنعون عليه، وينبذونه "بالوهابية" (٣).
стр. 51
وقال الشيخ محمد بهجت الأثري:
- ولما جهر العلامة "محمود شكري الألوسي" بضرورة تطهير الدين من أوضار البدع ونبذ التقليد، غاظ ذلك أصحابَ العمائم المكورة، (وصاروا يشنعون في مجالسهم، وينبذونه بوهابي، وهي كلمة ينفر منها السواد الجاهل، حيث توحي إليهم أبالستهم زخرف القول زورًا، ويذكرون لهم عن الوهابي أنه منكر للرسل، وعدو لجميع المسلمين، يريق الدماء، ويستحل الحرمات) (١) اهـ. بتصرف.
ولما ألف العلامة "محمود شكري الألوسي" كتابه "غاية الأماني في الرد على المنبهاني" (٢)، وأراد أن يطبعه في مصر، لم يتمكن من وضع اسمه على الكتاب، بل كتب: تأليف أبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي، وذلك لما كان يتعرض له العلماء السلفيون من اضطهاد وتضييق.
стр. 52
وكذلك فعل صاحب المطبعة فرج الله زكي، فقد رمز لاسمه بالحروف (ف، ج، ز)، وأغفل إثبات اسم مطبعته، وبلد الطباعة. ومع ذلك لم يتمكنوا من توزيعه إلا عندما أخذت الدولة العثمانية بالقوانين الوضعية الأوربية، وأعلنت الدستور، وكان الدستور يقضي بحرية العقائد والأديان (١).
- وفي بلاد الشام أوذي الشيخ عبد القادر بن مصطفى الشهير بابن بدران الحنبلي (ت ١٣٤٦ هـ) (٢)، لما أنكر على الصوفية ما يبثونه في الناس من خرافات وسخافات، ورموه بأنه زنديق وأنه وهابي.
- وفي مكة أوذي الشيخ أبو بكر بن محمد خوقير مفتي الحنابلة (ت ١٣٤٩ هـ) ونكب في أيام الشريف حسين بن علي، فحبس ثمانية عشر شهرًا، ثم نحوًا من سبعين شهرًا (أي سبع سنين وثلاثة أشهر) لمعتقده السلفي، وإنكاره على عباد القبور والأضرحة، ولم يزل مسجونًا حتى دخل الملك عبد العزيز مكة فاتحًا، وأخرجه من سجنه (٣).
стр. 53
وقال العلامة السلفي أبو الفدائيين العرب عز الدين القسام (توفي ١٩٣٥م) في كتابه: "النقد والبيان" وهو يرد على بعض أهل البدع: "وكنا نود أن نرشده وتلميذَه إلى الاستفادة من هذا الكتاب الذي لا ند له في بابه- يعني: "الاعتصام" للشاطبي -ولكنا خشينا أن يرميا مؤلفه بالنزعة الوهابية، التي هي حجة العاجز لترويج الباطل، وإضاعة الدين- التي رميانا بها" اهـ (١).
...
стр. 54
المصريون والوهابيون
شخصية محمد علي باشا
كان "محمد علي" شخصية معروفة بالقسوة وغلظة الكبد، ولقد جاء إلى مصر على رأس فرقة من الروملي لإخراج الفرنسيين منها، واستطاع بمكره ودهائه أن يكسب ثقة العلماء في مصر، وسعى في القضاء على منافسيه على ولاية مصر بطرق ملتوية وماكرة حتى أصبح واليًا على مصر ابتداءً من (١٢٢٠ هـ - ١٨٠٥ م).
وعلى الرغم من أنه أبدى حماسًا شديدًا لكي يصبح خادمًا مطيعًا للسلطان العثماني (١)، إلا أن السلطان كان يتوجس منه خيفة، فأمر بنقله عن ولاية مصر، إلا أن تدخل العلماء مرة أخرى جعل السلطان يصدر فرمانًا آخر بتثبيته على ولاية مصر في شعبان ١٢٢١هـ.
ووصف الجبرتي محمد علي بأنه مخاح وكذاب، يحلف الأيمان الكاذبة، ظالم لا عهد له ولا ذمة، يضمر السوء، وأنه استخدم العنف والجور في نفس الوقت الذي يَعِدُ فيه بالعدل (٢).
وقيل: إنه لما وصل في القراءة إلى ترجمة الصفحة العاشرة من كتاب "الأمير" لميكافيللي، توقف عن قراءته قائلًا: إنه يمتلك من الحيل ما لم يخطر لميكافيللي على بال" (٣).
стр. 55
حرص "محمد علي" على أن يجُمِّلَ صورته في عين الغرب، ويقفو آثارهم في التحديث، بل ويفكر كما قال عن نفسه: "بعقل إفرنجي، وهو يلبس القبعة العثمانية" (١).
لقد صمم "محمدعلي" على بناء مجتمع عصري، لا يعتمد على الدين، بل يتحلل قدر الإمكان من التزامات الدين، وينفتح على الغرب بمستشاريه وضباطه ومدارسه ومعاهده، بل وحتى في قوانينه، ويراهن في صراعه مع (الباب العالي) لا على المزايدة الإسلامية، بل على إعجاب (الدول العظمى) غير المسلمة بتحضر مجتمعه، ونظافته من التخلف الشرقي، وضعف دور "رجال الدين" (٢).
وقال أرنولد توينبي المؤرخ الإنكليزي: "كان (محمد علي) ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر" (٣).
وإن تاريخ "محمد علي" تاريخ مليء بالظلم والظلمات، والطمع والطموحات، وكان كل همه أن يبني مجدًا شخصيًا له ولأسرته، عن طريق تكوين إمبراطورية ممتدة مثلما فعل الإسكندر ونابليون، ولقد صدق فيه قول وزير خارجية بريطانيا "لورد بالمرستون": "إن محمد علي يبني على الرمال".
стр. 56
لقد حاول محمد علي أن يكون قوة عظمى على حساب المسلمين وحدهم، فقد حارب الخليفة العثماني، وحارب دعوة التوحيد والتجديد في نجد، وغدر بعلماء الأزهر الذين مكَّنوا له، وطمس هوية مصر المسلمة العربية.
والمقصود من تلك الإشارة إلى سيرته وأخلاقه بيان حقيقة دوره في إضعاف الأمة الإسلامية، والذي تجلى في أبشع صوره من خلال حملته على الدعوة الوهابية بنجد، ثم انقلب على الدولة العثمانية، وضمَّ إليه بلاد الشام، بل وصل بجيوشه إلى قلب الأناضول حتى أصبح الطريق إلى استانبول مفتوحًا أمامه (١).
...
стр. 57
حملة طوسون باشا
لما رأت الدولة العثمانية عجز والي البصرة، ووالي الشام عن التصدي للوهابين، كلَّفت والي مصر يومئذٍ محمد علي باشا بهذه المهمة، فَسَيَّر جيشًا قوامه أربعة عشر ألفًا من المقاتلين (١) إلى الحجاز بقيادة ابنه أحمد طوسون.
وصلت المراكب التي تحمل جيش طوسون إلى ينبع لإنقاذ الحجاز ممن أسموهم "الخوارج"، فماذا فعلت؟ يقول الجبرتي ﵀: "نهبت ما كان بالينبع من الودائع والأموال والأقمشة والبن، وسبوا النساء والبنات الكائنات بالبندر، وأخذوهن أسرى، ويبيعوهن على بعضهم البعض".
ويقاتل الوهابيون ببسالة، وتقع هزيمة منكرة بجيش طوسون، فيفر الجنود، وكأنما العفاريت في أثرهم تريد خطفهم.
...
стр. 58
مقارنة بين جيشين
وكأن الجبرتي راح يفتش عن أسباب هزيمة جيش طوسون باشا، فأقام من نفسه لجنة لتقصي الحقائق، فأثبت الآتي:
(حدثني بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع، قالوا: "أين لنا بالنصر، وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين، ولا ينتحل مذهبًا، وصحبتنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا أذان ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين، والقوم -إذا دخل الوقت- أذن المؤذنون، وينتظمون صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة، أذن المؤذنون وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب، وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون لأنهم لم يسمعوا به، فضلًا عن رؤيته ... " إلى أن قال: "وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر (العثماني) فوجدوهم غُلْفًا غير مختونين، ولما وصلوا بدرًا واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف وبها خيار الناس، وبها أهل العلم والصلحاء، نهبوا وأخذوا نساءهم وبناتهم، وأولادهم وكتبهم، فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض، ويقولون هؤلاء الكفار الخوارج، حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته، فقال له تبيت معي هذه الليلة، وأعطيها لك في الغد" (١).
стр. 59
موقف بعض العلماء الأزهريين
كان من المقرر أن يصطحب ستة من علماء الأزهر وفقهائه حملة "محمد علي" الأولى إلى جزيرة العرب تحت قيادة "طوسون باشا"، ولكنهم تخلفوا في الشرقية بأعذار مختلفة، وكلها من التكئات الواهية، فهم مطالَبون بمناظرة علماء التوحيد أمام الناس عند الغزو، كنوع من الإعلام يستخدمه الأتراك لإحراج علماء السعودية، وعلماء الأزهر يدركون أن ما يقوله العلماء هناك حق وصدق، وهو لب الدين وجوهره، ويصعب عليهم أن يقولوا ما لا يعتقدون، وإن قالوا؛ فلن يجدوا الأدلة على باطلهم من القرآن والسنة، وسيكون موقفهم مزريًا ومثيرًا للخجل والاحتقار.
ولم يكن منتظرًا منهم أن يذهبوا مع الحملة إلى جزيرة العرب، ثم يعلنوا انضمامهم إلى إخوانهم من العلماء، تاركين أهلهم وأولادهم في مصر تحت رحمة الباشا الطاغية، ثم هم ليسوا من طلاب الشهادة والاستبسال بوجهٍ عام (١).
...
стр. 60
نهاية طوسون باشا
وتوفي طوسون باشا ابن محمد علي عقب عودته من الحملة على الوهابية، وعمره عشرون سنة، من مرض مفاجئ لم يمهله أكثر من عشر ساعات.
حملة إبراهيم باشا
لم يوافق "محمد علي" على الصلح الذي أبرمه ابنه طوسون مع عبد الله بن سعود، فجهز ابنه إبراهيمَ بحملة جديدة على نجد مجهزة بمدافع ضخمة (١)، وعسكر بالحناكية شرق المدينة، وبدأ بإغراء البدو، فوقفت القبائل بقوة إلى جانبه، وقد كانت قبل ذلك مع الإمام سعود -فسبحان مقلب القلوب- وسار إبراهيم باشا بجيشه من الحناكية إلى الرس فقاومه أهلها، ثم استسلموا، ثم احتل عنيزة وبريدة والمذنب، ودخل الوشم وشقرا، وقاومه أهل ضرمى فأباحها لجنوده، وساروا إلى الدرعية فحاصروها (٢) خمسة أشهر، كانت النجدات خلال هذه المدة تتوالى على إبراهيم باشا من مصر والبصرة والمدينة والقصيم، إلا أن هذه المسيرة لم تكن نزهة سهلة، وإنما كلفته غاليًا من العدة والعتاد، وبقيت الدرعية التي انبثقت
стр. 61
منها رسالة التوحيد كالطود الأشم (١)، إلا أن ضعاف النفوس أخبروا إبراهيم باشا بعورات المجاهدين مما كشف المدينة أمامه، فحمل بجنوده ومدافعه، وجرت معارك طاحنة طارت فيها الرؤوس، وهدمت فيها القلاع والحصون، واشتعلت الحرائق، وعلى الرغم من هول الموقف لم يفر رجال الدرعية رغم محاصرتهم، وعُقِد الصلح مع سقوط آخر موقع، واستسلمت الدرعية للقضاء المقدر.
تدمير الدرعية ووحشية إبراهيم باشا
قال ابن بشر: ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها، وأن يقطعوا نخيلها وأشجارها، ولا يرحموا صغيرها ولا كبيرها، فابتدر العساكر مسرعين، وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمون، وقطعوا الحدائق، وهدموا الدور والقصور، ونفذ فيها القدر المقدور، وأشعلوا في بيوتها النيران، وأخرجوا جميع مَنْ كان فيها من السكان، فتركوها خالية المساكن كأن لم يكن بها من قديمٍ ساكن، وتفرق أهلها في النواحي والبلدان، وذلك بتقدير الذي كل يوم هو في شأن (٢).
стр. 62
وأنشا الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قصيدة في رثاء الدرعية تسمى عند علماء الدرعية "الطنانة"، أبكت الناس، وهي تصور بطش إبراهيم باشا وجنوده:
قال ﵀:
وكم قتلوا من عُصْبةِ الحقِّ ... فتية هداةً وضاةً ساجدين ورُكَّعا
وكم دمَّروا مِن مَرْبَعٍ كان آهلًا ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا
فأصبحتِ الأموال فيهم نهائبًا ... وأصبحتِ الأيتامُ غَرثى وجُوَّعا
وفرق الإخوان من كان قاطنًا ... وفُرِّقَ إلْفٌ كان مجتمعًا معا (١)
ثم دعا الناس إلى الصبر على قضاء الله، ونبذ اليأس وانتظار الفرج، يقول:
ألا أيها الإخوان صبرًا فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيرًا وأنفعا
ولا تيأسوا من كشف ما ناب إنه ... إذا شاء ربي كَشْفَ ذاك تمزعا
عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ... ويجبر منا اليوم ما قد تصدعا
ويعمر للسمحا ربوعًا تهدمت ... ويفتح سبلًا للهداية مهيعا (٢)
стр. 63
وإبراهيم باشا الطاغية الذي لا يحترم كبيرًا ولا صغيرًا ولا عالمًا، فقد أحضر في مجلسه العالم الجليل سليمان بن عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (١)، وأظهر بين يديه آلات اللهو والطرب، وقال له:
"ماذا تقول بهذه؟ " فقال ﵀: "إنها حرام، ولا يجوز الاستماع إليها"، فقام هذا الطاغية، وأخرجه إلى المقبرة، وأطلق عليه خمس رصاصات، فسقط شهيدًا، وقد مثل بجثته، فقطعت إربًا إربًا، ومزقت عضوًا عضوًا (٢).
стр. 64
يقول المؤرخون:
إن إبراهيم لم يحترم شروط الاستسلام، رغم توقيعه عليها، ذلك أنه ذبح رؤساء العشائر التي وقفت إلى جانب الإمام في الدفاع عن عاصمة الدولة العربية السعودية الأولى، وتفنن في تعذيب الزعماء والعلماء على السواء، فطرح بعضهم مقيدًا تحت سنابك الخيل، ووضع البعض الآخر أمام أفواه المدافع لتمزقهم القذائف شر ممزق.
كما أمر بتعذيب القاضي العلامة أحمد بن رشيد الحنبلي أمامه بالضرب والطعن بالحراب، ثم قُلِعت جميعُ أسنانه واحدةً واحدةً في مجلسه (١)، وكان أفظع من ذلك كله أنه أمر بعد عدة أشهر من استسلام الدرعية بطرد أهلها منها، بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ، ليأمر بعدها بدك المدينة جميعها بالمدفعية، ويشعل النيران في كل أحيائها، ويقطع أشجار النخيل من البساتين المحيطة بها ...
ثم أمر إبراهيم باشا الألباني بعد المصالحة أن يتجهز الإمام عبد الله بن سعود للمسير إلى السلطان، فخرج من الدرعية إلى القاهرة، ومنها إلى الأستانة، حيث طوفوه في الأسواق، ثم أعدموه.
يقول الزركلي: عبد الله بن سعود من أمراء نجد، وليها بعد وفاة أبيه سنة ١٢٢٩ هـ ونازعه أخوه فيصل بن سعود، فضعفت شوكته، وحاربته جيوش
стр. 65
العثمانيين القادمة من مصر، وتغلب عليه قائدها إبراهيم باشا، فطلب الصلح وأجابه إليه إبراهيم، فتم الصلح، وأرسله إبراهيم إلى مصر، فأكرمه واليها محمد علي باشا، ووعده بالتوسط له عند حكومة الأستانة، فقال عبد الله: "المقدر يكون"، وحُمِل إلى الأستانة هو ومن معه، فطيف بهم في شوارعها ثلاثة أيام متتابعات، وأعدموا في ميدان مسجد أيا صوفيا، وقطعت رؤوسهم، وظلت جثثهم معروضة بضعة أيام، وكان عبد الله شجاعًا تقيًا (١).
...
стр. 66
من فظائع حملات (محمد علي)
ذكر الجبرتي القسوة البالغة التي لازمت غزوات جيوش محمد علي الألباني، والفظائع التي ارتكبها ابنه طوسون؛ وابن زوجته إبراهيم، وولاة الترك، في حوادث (١٢٢٨، ١٢٢٩، ١٢٣٠، ١٢٣٤، ١٢٣٦ هـ)، فمن هذه الفظائع: (رمي جثث القتلى للوحوش والكلاب، وحمل الأسرى من أشرف القوم إلى مصر والأستانة في رقابهم الحديد، يطاف بهم في البلاد على هذه الحالة المهينة، ثم يُقتلون، ومنها تخريب الدرعية مرتين، وقتل من طالته أيديهم من آل سعود وآل الشيخ، والتنكيل بالعلماء وقتلهم بعد تعذيبهم، فمنهم من كان يربط بأفواه المدافع ثم تطلق فتتناثر لحوم جثثهم في الفضاء، ومنهم من كانت تخلع جميع أسنانه قبل قتله ومن هذه الفظائع التي تجاوزت الحدود: ما رواه الجبرتي في حوادث سنة ١٢٢٧ من أعمال النهب والسلب وهتك الأعراض، وذلك كله مع ما عرفت به جيوش محمد علي الألباني من المجاهرة بارتكاب المعاصي والاستخفاف بالدين وإشاعة الفاحشة جهارًا في رمضان ولياليه، مما وصفه الجبرتي -عفا الله عنه- في حوادث سنتي ١٢٢٧ و ١٢٢٩) (١).
وقال الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه: "حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر" في ترجمة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا خديوي مصر والقاهرة:
стр. 67
(غشوم ظالم، وظلوم غاشم، خليفة الحجاج في أفعاله، وناهج منهجه في أقواله وأحواله، محتوٍ على الفساد، منطو على الأنكاد، مجبول على الغلظة والقساوة، مجعول من الفظاظة، معدوم من اللطافة والطلاوة، متضلع من الأذى، لم يخلق اللهُ تعالى في قلبه شيئاً من الرحمة فينتزَع، ولم يودع الله لسانَه لفظًا من الخير فيُستمَع، سفاك لدماء المسلمين، نباذ لطاعة أمير المؤمنين (١)، كان يعتقد أن ذلك ليس أمرًا ذميمًا، ولا يهوله قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]) (٢) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرزاق البيطار أيضًا في كتابه الآنف الذكر:
(ثم إن إبراهيم باشا لما ازداد في سموه، وزاد في عتوه، منعته الأجانب، وتعصبت الإنكليز إلى الدولة في الظاهر لتوطيد أركانها، وفي الباطن خشية من انتشار قوة إسلامية شابة ذات سلطة ومركزها مصر، فتخشى أن تمتد من هناك إلى الهند الذي هو روح قوة الإنكليز، لا سيما إذا عاضدته إحدى الدول الأوروبية مثل فرنسا، فلذلك حاربته مع الدولة العثمانية التي هي إذ ذاك على تعب شديد
стр. 68
من حرب روسيا والثورات الداخلية واستقلال اليونان وغير ذلك، فقهروا محمد علي باشا، ولكن لإتمام مقاصد الإنكليز لم تسمح للدولة بالاستيلاء التام على مصر لمراعاة المقاصد المشار إليها أيضًا، فكان الأوفق لها إبقاء مصر على شبه استقلال ليضعف كل من الجهتين، وبقي محمد علي باشا واليًا على مصر على شروط معلومة في ترجمته، وجاء خبر الصلح على ذلك إلى الشام تاسع عشر ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف.
وكان قد تمكن إبراهيم باشا من البلاد الشامية، وقهر الناس، واستباح الحرام، وفعل جميع الموبقات والآثام، فلم يبق شيء من القبائح في زمنه إلا وقد فُعِل بدون إنكار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان قد وضع بعد إحصاء أهل المدن والقرى في دفتر على كل فرد من البالغين منهم مالًا وأقله خمسة عشر قرشًا وأكثره خمسماية قرش، تؤخذ منه في كل سنة، كما وضع ذلك من قبل على أهل مصر، واستولى العسكر على أكثر المساجد والمدارس والتكايا، ومنعوا المصلين من دخولها، وجعلوها لسكانهم ولدوابهم، وذلك سنة تسع وأربعين، فكان ذلك سببًا لضياع أوقافها وخرابها، وقدَّم العيسوية -أي النصارى- على المحمدية، وأذلَّ أهل الشرف والعلم وذوي الاحترام، وأعزَّ الأسافل والطغاة على الإسلام، ثم بعد رجوعه من البلاد الرومية، لا زال يدور في البلاد الشامية، حتى وصل في أواخر سنة تسع وأربعين إلى القدس الشريف في أيام الموسم، فوقعت هناك فتنة بين العيسوية تلف منها خلق كثير) اهـ (١).
стр. 69
موقف "الجبرتي" فخر المؤرخين المصريين
كان "عبد الرحمن الجبرتي" -وهو أحد مشاهير علماء الأزهر- يطالع، ويدون -في حذر- ما يأتيه من أخبار الحركة الوهابية.
وكان -أحيانًا- يقتصر على ذكر ما يترامى إليه من أخبار، وما يجيء في المعلومات الرسمية، ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى على كل الناس كل الوقت، إذ انقشع الضاب، وأسفر الصبح عن وجه الحقيقة.
يقول الجبرتي:
"وحضر صحبة الحجاج، كثير من أهل مكة هروبًا من الوهابي، ولغط الناس في خبر الوهابي، واختلفوا فيه، فمنهم من يجعله خارجيًّا وكافرًا، وهم المكِّيون ومن تابعهم، وصَدَّق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه".
يعلق الأستاذ أحمد رائف قائلًا:
واضح أن الجبرتي قد اختار معسكره، لا لسبب إلا لأن المعلومات قد توافرت، فقد زوَّد الوهابيون الحجاج ببعض المنشورات التي تشرح فكرهم، وقرأها الجبرتي، كما ناقشها مع الحجاج العائدين، وسمع منهم وسألهم، ثم سلك سلوك المؤرخين الشرفاء، أو الصحفين المخلصين لشرف المهنة؛ فقد أثبت منشور الوهابي حرفيًّا، قال:
وأرسل الوهابي إلى شيخ الركب المغربي كتابًا، ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته، وصورتها (١):-
стр. 70
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضرَّ الله شيئًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ ، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 71
والرسول ﷺ قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقذةِ، حَتى لَوْ دَخَلُوا جُحرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه" قَالوا: يَا رَسُولَ الله: الْيَهُود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ".
وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
إذا عُرِف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الشرك بالله والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات.
وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله، وصرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
فأخبر أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه. وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار.
стр. 72
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسايط يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك به، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
فإذا كان الرسول ﷺ ، وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداءً بل يأتي فيخر لله ساجدًا، فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: "ارفع رأسك وسل تعط واشفع تُشَفَّعْ"، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع
стр. 73
عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم، ودرج على منهاجهم، وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها، واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ أمته، وحذَّر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى أن يُجصَّصَ القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت عنه أيضًا أنه بعث علي ابن أبي طالب ﵁ وأمره ألا يدع قبرًا مُشْرِفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه، ولهذا قال غير واحد من العلماء: "يجب هدم القباب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ".
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبن الناس، حتى آل الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم.
وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه بعد أن نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان.
كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥].
стр. 74
وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين للسنة لا يجتمعون على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".
يقول الأستاذ أحمد رائف:
أثبت الجبرتي منشور الأعداء ليس في أوراقه الخاصة، أو يومياته فحسب، بل وفي تاريخه الذي وضعه بعد ما هُزِم الوهابيون، فهو أثبته إذن عن اقتناع وإيمان.
وكيف لا يتأثر الجبرتي بهذه المفاهيم التي يعرف صحتها وصدق استلهامها من روح الإسلام وأحكامه؟ وكيف لا يُعْجَبُ بدعاتها، وهو يعيش في عالم مخيف تتحكم فيه عناصر بلا عقيدة، وتستمتع بإهدار العرف والشريعة؟
ولو اكتفى الجبرتي بإثبات نص النشور في كتابه المعد للتداول في دولة الباشا المحارب للوهابين، لكفاه فخرًا، وشهادة له بالأمانة التاريخية، والشجاعة الأدبية التي نفتقر إليها اليوم، ولكن نرى الجبرتي، وقد تكونت لديه صورة واضحة للموقف يسجل لأول مرة رأيه بصراحة معلقًا على المنشور بقوله:
"أقول: إن كان الحال كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضاً، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلامَ في ذلك ابنُ القيم في كتابه "إغاثة اللهفان"، والحافظ المقريزي في "تجريد التوحيد"، والإمام
стр. 75
اليوس في (شرح الكبرى)، و (شرح الحِكَم) لابن عباد، وكتاب (جمع الفضائل وقمع الرذائل)، وكتاب (مصايد الشيطان)، وغير ذلك".
وأعلن مروق السلطان العثماني وواليه، أي باشا مصر وحاكمها.
الجبرتي داعية محمد بن عبد الوهاب في مصر
إلا أن الأخبار ستتابع بعد ذلك، وتزداد قناعته، ويتأكد إنحيازه باتضاح سلامة موقفهم المديني، وانطباق سلوكهم على قولهم، ثم بقتالهم ضد عسكر السلطنة الذين يبغضهم الجبرتي أشد البغض، ثم بدخول محمد علي المعركة ضدهم، وهو الذي ناصبه الجبرتي العداء، لما رآه ولمسه من خداعه ومكره وإفقاره الشعب، وعزل قياداته من طبقة الجبرتي، وسيتحول الجبرتي إلى أقوى داعية للسعوديين في القاهرة، وإن كانت المصادر غير متاحة -كما قلنا- لمعرفة مدى انتشار فكرة الوهابية بين المصريين المثقفين، إلا أن موقف الشعب المصري واحتفاءه بالأسرى الوهابيين، بل وكون مصر البلد الإسلامي الذي يضم أكبر عدد من الناس يحملون اسم "عبد الوهاب" بل "محمد عبد الوهاب" كل هذا يدل على أنه إذا لم يكن للوهابيين دعاية نشطة في مصر، أو أن الظروف لم تسمح لهذه الدعاية بالانتشار والتجذر، فعلى الأقل كانت دعاية خصومهم عاجزة كل العجز عن الوصول إلى عقلية الجماهير خلال حرب دامية دامت ٨ سنوات، ثم متقطعة لربع قرن، فما زادت المصرين إلا حبًّا في الوهابية والسعوديين (١).