١٥_وهي آخر واجب على المكلف: فمن كانت آخر كلامه من الدنيا_دخل الجنة كما جاء في حديث معاذ÷ =من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة+ (١) .
١٦_وهي التي لأجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء:٢٥) .
١٧_وهي مفتاح دعوة الرسل: فالرسل_عليهم السلام_دعوا إليها جميعاً، فكلهم يقول لقومه [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف:٧٣) .
١٨_وهي أفضل الحسنات: قال أبو ذر÷قلت يا رسول الله: علمني عملاً يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال: =إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها+.
قال: قلت يا رسول الله: أمِنَ الحسنات لا إله إلا الله؟.
قال: =هي أفضل الحسنات+ (٢) .
١٩_وهي الحسنة: قال الله_تعالى_[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] (الأنعام:١٦٠) ؛ إذ هي أفضل الحسنات كما مر.
٢٠_وهي أفضل ما ذكر الله به_عز وجل_:كما قال النبي": =أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له+ (٣) .
стр. 142
٢١_وهي أثقل شيء في الميزان: كما في المسند عن عبد الله بن عمر_رضي الله عنهما_عن النبي"أن نوحاً_عليه السلام_قال لابنه عند موته: =آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع، والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله+ (١) .
٢٢_وهي تطيش بسجلات الذنوب، وترجح بصحائفها، وتثقل الميزان، كما في حديث صاحب البطاقة: قال رسول الله": =إن الله سيخلِّصُ رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فَيحْشُرُ عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ عذر؟ فيقول: لا يا ربِّ.
فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنةً؛ فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك.
فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟
فقال: إنك لا تُظْلم.
قال: فتوضع السجلات في كفةٍ، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء+ (٢) .
٢٣_وهي أعلى شعب الإيمان: وذلك لما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله ": =الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله+ (٣) .
стр. 143
٢٤_وهي أفضل الأعمال والأذكار، وأكثرها تضعيفاً، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزاً من الشيطان: كما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة÷عن النبي"أنه قال: =من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة_كانت له عَدْل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه+ (١) .
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي أيوب الأنصاري÷عن النبي": =من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل+ (٢) .
٢٥_أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية: كما جاء في صحيح مسلم: =ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ_أو فيسبغ_الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء+ (٣) .
٢٦_وهي التي يكون السؤال عنها يوم القيامة: قال_تعالى_: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الحجر:٩٢، ٩٣) ، وقال_تعالى_[فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ] (الأعراف:٦) .
٢٧_وهي المثل الأعلى: الذي ذكره الله_عز وجل_في قوله: [ ... وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] (الروم:٢٧) .
فالمثل الأعلى هو الوصف الكامل، وأعظم وصف لله هو أنه لا إله إلا هو؛ كما جاء ذلك في آية الكرسي: [اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ] (البقرة:٢٥٥) .
٢٨_وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة.
٢٩_وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال.
стр. 144
٣٠_ولأجلها يفرّق بين القريب والقريب [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] (المجادلة:٢٢) .
٣١_ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار.
٣٢_وهي أصل الدين، وأساسه، ورأس أمره، وساق شجرته، وعمود فسطاطه، وبقية الأركان والفرائض متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزام معناها، والعمل بمقتضاها.
٣٣_وهي الأمان من وحشة القبور، وهول المحشر.
٣٤_أن قبول الأعمال متوقف عليها وعلى تحقيقها.
٣٥_وهي أعظم سبب للتحرر من رق المخلوقين: فلا يتعلق العبد بهم، ولا يخافهم ولا يرجوهم، ولا يعمل لأجله.
وهذا هو العز الحقيقي، والشرف العالي، الذي به يتم فلاحه، ويتحقق نجاحه.
٣٦_وهي أصل كل خير ديني أو دنيوي: [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين] (إبراهيم:٢٥) .
٣٧_وهي سبب لصفاء النفس، والبعد عن الأثرة: قال_تعالى_في وصف أهلها: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة] (الحشر:٩) .
٣٨_وهي أعظم سبب لتحرير العقل من الخرافات والأوهام والأباطيل.
٣٩_وهي كلمة السواء: قال_تعالى_: [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً] (آل عمران:٦٤) .
٤٠_وهي سبب للشجاعة والإقدام: فكلما ازداد الإنسان علماً بها، وعملاً بمقتضاها_ازداد بذلك شجاعة وإقداماً في الحق.
ولا أدل على ذلك من حال الأنبياء_صلوات الله عليهم وسلامه_وكذلك حال أتباعهم من الصديقين، والشهداء، والصالحين، والمجاهدين في كل زمان ومكان.
٤١_أنها أعظم سبب لعلو الهمة: فأعلى الهمم الوصولُ إلى رضا الله ودخول الجنة.
وصاحبها القائم بها أعظَمُ همِّه هو ذلك الأمر.
стр. 145
٤٢_وهي أعظم مصدر للعزة والكرامة: قال_تعالى_: [ ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ] (المنافقون:٨) .
٤٣_وهي الصدق: كما في قوله_تعالى_: [وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ] (الزمر:٣٣) .
٤٤_وهي التي لأجلها جردت سيوف الجهاد: قال_تعالى_: [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال:٣٩) .
٤٥_وهي مشتملة على نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة.
٤٦_تفريج الكربات: فمن فضائلها أنها السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، ودفع عقوبتهما، ولذا لما كان يونس_عليه السلام_في بطن الحوت، [ ... فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ] (الأنبياء:٨٧) _استجاب الله له وفرج كربته.
٤٧_أنها أعظم سبب لحسن الخلق: ولين الجانب، وكرم النفس، والارتفاع عن الدنايا، ومحقرات الأمور.
٤٨_أنها هي كلمة التوحيد: والتوحيد هو السبب الأعظم لنيل رض_االله وثوابه قال_تعالى_: [وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ] (البقرة:١٦٣) .
٤٩_أن أسعد الناس بشفاعة محمد"من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه: فعن أبي هريرة÷عن النبي"قوله: =أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه+ (١) .
٥٠_أن من كَمُلَ التوحيد في قلبه، وعرف معنى الشهادة، وعمل بمقتضاها_سهل عليه فعل الخيرات، وترك المنكرات، وهانت عليه المصيبات؛ فالمخلص لله تخف عليه الطاعات؛ لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لما يخشى من سخطه وأليم عقابه، ويتسلى عند المصائب؛ لعلمه أنها من عند الله، وكل ما يصيبه من الله فهو خير له في دينه ودنياه، علم حكمة ذلك أم لم يعلم.
стр. 146
٥١_أنها إذا اكتملت المعرفة بها، والعمل بمقتضاها حبب الله لصاحبها الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.
٥٢_أن التوحيد إذا كمل وتم في القلب، وتحقق تحققاً كاملاً بالإخلاص التام_صار القليل من عمله كثيراً، وتضاعفت أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب.
٥٣_أن الله تكفل لأهلها بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.
٥٤_أن الله يدفع عن أهلها شرور الدنيا والآخرة: قال_تعالى_: [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا] (الحج:٣٨) .
٥٥_وهي حبل الله المتين: قال_تعالى_: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً] (آل عمران:١٠٣) .
٥٦_الحياة الطيبة: فالحياة الطيبة إنما هي لأهل الإيمان والتوحيد الخالص.
قال_عز وجل_: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة] (النحل:٩٧) .
وقال_تعالى_: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً] (النور:٥٥) .
٥٧_حصول البشرى عند الممات: فمن فضائلها أن من استقام عليها تحصل له البشرى عند الممات.
قال_تعالى_: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ] (فصلت:٣٠) .
٥٨_وهي شعار المؤمنين الموحدين: فهم أهل لا إله إلا الله.
стр. 147
٥٩_وهي الرابطة بين المؤمنين: فبمجرد الإيمان بها ينتسب الإنسان إلى أشرف نسب؛ فيصبح إبراهيم_عليه السلام_أباك، وأزواجُ النبي أمهاتِك، وباقي المؤمنين إخوةً لك.
قال_تعالى_: [ ... مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ] (الحج:٧٨) .
وقال: [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] (الأحزاب:٦) ، وقال: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات:١٠) .
٦٠_وهي سبب استغفار الملائكة: فالملائكة تستغفر للمؤمنين_أهل لا إله إلا الله_قال_تعالى_: [وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا] (غافر:٧) .
٦١_وهي سبب استغفار المؤمنين: قال_تعالى_: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ] (محمد:١٩) .
فكل مؤمن يستغفر للمؤمنين ينالك أيها الموحد نصيب من بركة ذلك الاستغفار.
٦٢_وهي كلمة الإخلاص: لأن عمل القلب هو الأصل.
٦٣_وهي كلمة الإحسان: قال_تعالى_: [هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ] (الرحمن:٦٠) قال_تعالى_[لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ] (يونس:٢٦) .
يعني قالوا لا إله إلا الله (١) .
٦٤_وهي دعوة الحق: قال_تعالى_: [لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ] (الرعد:١٤) .
قال ابن عباس: =هي لا إله إلا الله+ ا. هـ (٢) .
وتقديم الخبر يفيد الحصر أي لا يقال لا إله إلا الله إلا في حقه_تعالى_.
٦٥_وهي كلمة العدل: التي قال_تعالى_: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] (النحل:٩٠) .
قال ابن عباس: =العدل شهادة أن لا إله إلا الله+ (٣) .
٦٦_وهي الطيب من القول: قال_تعالى_: [وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ] (الحج:٢٤) .
أي هدوا إلى كل طيب، فلا أطيب ولا أطهر من هذه الكلمة.
стр. 148
٦٧_وهي الكلمة الباقية: فالتوحيد لا يزول بكل معصية، ولكن كل معصية تزول بسبب التوحيد وتفنى، قال تعالى عن إبراهيم_عليه السلام_: [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ] (الزخرف:٢٦_٢٨) .
فذكرها_عز وجل_بعد ذكر معنى الشهادة فقوله: [بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ] بمعنى لا إله، [إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي] بمعنى إلا الله.
٦٨_وهي كلمة الله العليا: قال_تعالى_: [ ... وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا] (التوبة:٤٠) .
فكلمة الله عليا على الدوام؛ ولهذا لم يعطفها على ما قبلها.
٦٩_وهي النجاة: كما في قول مؤمن آل فرعون [وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ] (غافر:٤١) .
والنجاة هي لا إله إلا الله، ولا تكون النجاة إلا بها.
٧٠_وهي كلمة الاستقامة: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا] (فصلت:٣٠) .
٧١_وهي سبب الاجتماع والألفة: فكلمة التوحيد هي أساس توحيد الكلمة، ولا يكون الاجتماع إلا عليها، فلقد امتن الله على المؤمنين بها، فجمع بها شملهم بعد الشتات، ولَمَّ شعثهم بعد التفرق.
قال_تعالى_: [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً] (آل عمران:١٠٣) .
٧٢_وهي القول السديد: كما في قوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً] (الأحزاب:٧٠) .
٧٣_وهي البرُّ: قال_تعالى_: [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (البقرة:١٧٧) .
стр. 149
٧٤_وهي الدين: كما قال_تعالى_[أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ] (الزمر:٣) فَحُصِرَ الخضوع لله، ودل على أنه لا إله سواه، ولا معبود إلا إياه.
٧٥_وهي الصراط المستقيم: قال_تعالى_: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] (الفاتحة:٦) .
وقال: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ] (الأنعام:٥٣) وقال: [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (الشورى:٥٢) .
٧٦_وهي سبب النصر على الأعداء: قال_تعالى_[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الأنفال:٤٥) ، ولا إله إلا الله أعظم ذكر.
٧٧_وهي سبب التمكين في الأرض: قال _تعالى_: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ] (النور:٥٥) .
٧٨_وهي سبب للرفعة والعلو: فلقد عز بها بلال الحبشي وسلمان الفارسي_رضي الله عنهما_، وذل بسبب تركها أشراف قريش.
لقد رفع الإسلام سلمان فارس **** كما وضع الكفر الشريف أبا لهب
٧٩_وهي سبب لعصمة الدماء والأموال: قال": =أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام+ (١) .
٨٠_وهي كلمة الشهادة: قال_تعالى_: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] (آل عمران:١٨) .
٨١_وهي المعروف الأكبر: قال_تعالى_: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] (آل عمران:١٠٤) .
стр. 150
فالتوحيد هو المعروف الأكبر، كما أن الشرك هو المنكر الأكبر.
٨٢_وهي أول شيء يدعى إليه: كما في حديث معاذ÷عندما بعثه الرسول"إلى اليمن فقال: =فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله+ (١) .
٨٣_ وهي ملة أبينا إبراهيم _ ﵇ _: قال_تعالى_: [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ] (الحج:٧٨) .
٨٤_وهي الزكاة: قال_تعالى_: [وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ] (فصلت:٦، ٧) .
قال ابن القيم×في إغاثة اللهفان: =قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم هي التوحيد؛ شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب؛ فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته وإثبات إلهيته_سبحانه_وهو أصل كل زكاء ونماء+ (٢) .
٨٥_وبسببها تبيض وجوه وتسود وجوه: فتبيض وجوه أهلها أهل الطاعة والإيمان، وتسود وجوه أعدائها من أهل الكفر والعصيان، قال_تعالى_: [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه] (آل عمران:١٠٦) .
هذا فيض من غيض من فضائلها وثمراتها العظيمة.
شروط لا إله إلا الله (٣)
ذكر العلماء لكلمة الإخلاص شروطاً سبعة، لا تصح إلا إذا اجتمعت، واستكملها العبد، والتزمها بدون مناقضة لشيء منها.
وليس المرادُ من ذلك عدَّ ألفاظِها وحِفْظَهَا؛ فكم من عامي اجتمعت فيه، والتزمها ولو قيل له عَدِّدْها لم يحسن ذلك.
وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها.
стр. 151
وهذه الشروط مأخوذة بالتتبع والاستقراء، وقد نظمها الشيخ حافظ الحكمي×بقوله:
العلمُ واليقينُ والقبولُ **** والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة **** وفقك الله لما أحبه (١)
ونظمها بعضهم بقوله:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع **** محبة وانقياد والقبول لها
وأضاف بعضهم شرطاً ثامناً ونظمه بقوله:
وزيد ثامنُها الكفران منك بما **** سوى الإله من الأوثان قد ألها
وهذا الشرط مأخوذ من قوله": =من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه+ (٢) .
هذه هي الشروط السبعة مع زيادة الشرط الثامن على وجه الإجمال، وإليك تفصيلها:
١_العلم: والمراد به العلم بمعناها نفياً وإثباتاً، وما تستلزمه من عمل، فإذا علم العبد أن الله_عز وجل_هو المعبود وحده، وأن عبادة غيره باطلة، وعمل بمقتضى ذلك العلم_فهو عالم بمعناها.
وضد العلم الجهل؛ بحيث لا يعلم وجوب إفراد الله بالعبادة، كأن يرى جواز عبادة غير الله مع الله.
قال_تعالى_: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ] (محمد:١٩) .
وقال: [ ... إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (الزخرف:٨٦) .
أي من شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.
وقال_تعالى_: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] (آل عمران:١٨) .
стр. 152
وقال_تعالى_: [ ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (الزمر:٩) .
وقال: [ ... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] (فاطر:٢٨) .
وقال: [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ] (العنكبوت:٤٣) .
وفي الصحيح عن عثمان÷قال: قال رسول الله" =من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة+ (١) .
٢_اليقين: وهو أن ينطق بالشهادة عن يقين يطمئن إليه قلبه، دون تسرب شيء من الشكوك التي يبذرها شياطين الجن والإنس، بل يقولها موقناً بمدلولها يقيناً جازماً.
فلابد لمن أتى بها أن يوقن بقلبه، ويعتقد صحة ما يقوله من أحقية إلهية الله_تعالى_وبطلان إلهية من عداه، وأنه لا يجوز أن يُصرف لغيره شيءٌ من أنواع التأله والتعبد.
فإن شك في شهادته، أو توقف في بطلان عبادة غير الله؛ كأن يقول: أجزم بألوهية الله، ولكنني متردد ببطلان إلهية غيره_بطلت شهادتُه ولم تنفعه.
قال_تعالى_مثنياً على المؤمنين: [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ] (البقرة:٤) .
وقد مدح الله المؤمنين_أيضاً_بقوله: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا] (الحجرات:١٥) .
وذم المنافقين بقوله: [ ... وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ] (التوبة:٤٥) .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله": =أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة+ (٢) .
стр. 153
وعنه÷أن النبي"قال: =من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه_فبشِّرْهُ بالجنة+ (١) .
٣_القبول: والقبول يعني أن يقبل كل ما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، فيصدق بالأخبار، ويطيع الأوامر، ويؤمن بكل ما جاء عن الله وعن رسوله"، ويقبل ذلك كله، ولا يرد منه شيئاً، ولا يجني على النصوص بالتأويل الفاسد، والتحريف الذي نهى الله عنه، بل يصدق الخبر، ويمتثل الأمر، ويقبل كل ما جاءت به هذه الكلمة واقتضته بكل رضا، وطمأنينة، وانشراح صدر.
قال_تعالى_واصفاً المؤمنين بامتثالهم، وقبولهم، وعدم ردهم: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] (البقرة:٢٨٥) .
وقال_تعالى_: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا] (البقرة:١٣٦) .
وضد القبول: الرد، فإن هناك من يعلم معنى الشهادة ويوقن بمدلولها، ولكنه يردها كبراً وحسداً.
وهذه حال علماء اليهود والنصارى كما قال_تعالى_عنهم: [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (البقرة:١٤٦) .
وقال_تعالى_[ ... حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ] (البقرة:١٠٩) .
وكذلك كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله، وصدق رسالة محمد"ولكنهم يستكبرون عن قبول الحق كما قال_تعالى_عنهم: [إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ] (الصافات:٣٥) .
وقال_تعالى_عنهم: [ ... فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] (الأنعام:٣٣) .
стр. 154
وكذلك كان شأن فرعون مع موسى_عليه السلام_.
ويدخل في الرد وعدم القبول من يعترض على بعض الأحكام الشرعية، أو الحدود التي حدها الله_عز وجل_كالذين يعترضون على حد السرقة، أو الزنا، أو على تعدد الزوجات، أو المواريث، وما إلى ذلك، فهذا كله داخل في الرد وعدم القبول؛ لأن الله يقول [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة:٢٠٨) .
ويقول: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب:٣٦) .
ويدخل في الرد_أيضاً_من يعطل أسماء الله وصفاته، أو يمثلها بصفات المخلوقين.
٤_الانقياد: وذلك بأن ينقاد لما دلت عليه كلمة الإخلاص.
ولعل الفرق بين الانقياد والقبول أن القبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول.
أما الانقياد فهو الاتباع بالأفعال، ويلزم منهما جميعاً الاتباع.
فالانقياد هو الاستسلام، والإذعان، وعدم التعقب لشيء من أحكام الله.
قال_تعالى_: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ] (الزمر:٥٤) .
وقال [وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ] (النساء:١٢٥) .
وقال: [وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى] (لقمان:٢٢) .
وقال_تعالى_مثنياً على إبراهيم_عليه السلام_[إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] (البقرة:١٣١) .
ومن الانقياد_أيضاً_أن ينقاد العبد لما جاء به النبي"رضاً، وعملاً دون تعقب أو زيادة أو نقصان.
قال_تعالى_: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء:٦٥) .
стр. 155
وإذا علم أحد معنى لا إله إلا الله، وأيقن بها، وقبلها، ولكنه لم ينقد لها، ولم يعمل بمقتضاها_فإن ذلك لا ينفعه، كما هي حال أبي طالب، فهو يعلم أن دين محمد حق، بل إنه ينطق بذلك ويعترف، حيث يقول مدافعاً عن الرسول":
والله لن يصلوا إليك بجمعهم **** حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك لا عليك غضاضة **** وافرح وقر بذلك منك عيونا
ولقد علمت بأن دينَ محمدٍ **** من خير أديان البرية دينا
لولا الملامةُ أو حِذارُ مسبةٍ **** لوجدتني سمحا بذلك مبينا
فما الذي نقص أبا طالب؟ الذي نقصه هو الإذعان والاستسلام.
وكذلك الحال بالنسبة لبعض المستشرقين؛ فهم يعجبون بالإسلام، ويوقنون بصحته ويعترفون بذلك، وتجد بعض المسلمين يهشون لذلك الإطراء، ويطربون لهؤلاء القوم، ويصفونهم بالموضوعية والتجرد.
ولكن إعجابَهم ويقينَهم واعترافَهم لا يكفي، بل لابد من الانقياد.
ومن عدم الانقياد ترك التحاكم لشريعة الله_عز وجل_واستبدالها بالقوانين الوضعية، الفرنسية، والإنجليزية، والسويسرية وغيرها.
٥_الصدق: وهو الصدق مع الله، وذلك بأن يكون العبد صادقاً في إيمانه، صادقاً في عقيدته.
ومتى كان ذلك فإنه سيكون مصدقاً لما جاء في كتاب ربه، وسنة نبيه".
فالصدق أساس الأقوال، ومن الصدق أن يصدق في دعوته، وأن يبذل الجهد في طاعة ربه، وحفظ حدوده، قال_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] (التوبة:١١٩) .
وقال في وصف الصحابة: [ ... رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ] (الأحزاب:٢٣) .
وقال: [وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ] (الزمر:٣٣) .
وقد ورد اشتراط الصدق في الحديث الصحيح حيث قال": =من قال لا إله إلا الله صادقاً من قلبه دخل الجنة+ (١) .
стр. 156
وضد الصدق الكذب، فإن كان العبد كاذباً في إيمانه فإنه لا يعد مؤمناً، بل هو منافق؛ وإن نطق بالشهادة بلسانه، وحاله هذه أشد من حال الكافر الذي يظهر كفره.
فإن قال الشهادة بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإن هذه الشهادة لا تنجيه، بل يدخل في عداد المنافقين، الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا [. . . نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ] (المنافقون:١) . فرد الله عليهم تلك الدعوى بقوله: [وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ] (المنافقون:١) .
وقال_تعالى_أيضاً في شأن هؤلاء: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ] (البقرة:٨) .
وقال: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ] (البقرة:٢٠٤) .
والأدلة في ذلك كثيرة جداً وهي مبسوطة في أوائل سورة البقرة، وفي سورة التوبة أيضاً وغيرها.
فإذا قامت أعمال الإنسان واعتقاداته على عقيدة سليمة كان الإيمان قوياً سليماً، وبالتالي يكون العمل مقبولاً بإذن الله، والعكس بالعكس.
ثم إن الناس يتفاوتون في الصدق تفاوتاً عظيماً.
ومما ينافي الصدق في الشهادة تكذيب ما جاء به الرسول"أو تكذيب بعض ما جاء به؛ لأن الله_سبحانه_أمرنا بطاعة الرسول وتصديقه، وقرن ذلك بطاعته قال_تعالى_: [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] (النساء:٨٠) .
وقد يلتبس على بعض الناس الأمر في موضوع اليقين والصدق، لذا يقال: إن اليقين أعم من التصديق، وعلى ذلك يكون كلُّ موقن مصدقاً، وليس كل مصدق موقناً؛ أي بينهما عموم وخصوص كما يقول أهل الأصول؛ أي أن الموقن قد مر بمرحلة التصديق.
٦_الإخلاص: وهو تصفية الإنسان عمله بصالح النية من جميع شوائب الشرك.
стр. 157
وذلك بأن تصدر منه جميع الأقوال والأفعال خالصة لوجه الله، وابتغاء مرضاته، ليس فيها شائبة رياء، أو سمعة، أو قصد نفع، أو غرض شخصي، أو شهوة ظاهرة أو خفية، أو أن يندفع للعمل لمحبة شخص، أو مذهب، أو مبدأ، أو حزب يستسلم له بغير هدى من الله.
والإخلاص كذلك مهم في الدعوة إلى الله_تعالى_فلا يجعل دعوته حرفة لكسب الأموال، أو وسيلة للتقرب إلى غير الله، أو الوصول للجاه والسلطان.
بل لابد أن يكون مبتغياً بدعوته وجه الله والدار الآخرة، ولا يلتفت بقلبه إلى أحد من الخلق يريد منه جزاءً أو شكوراً.
والقرآن والسنة حافلان بذكر الإخلاص، والحث عليه، والتحذير من ضده، ومن ذلك قوله_تعالى_: [أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ] (الزمر:٣) ، وقوله: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (البينة:٥) ، وقوله: [قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي] (الزمر:١٤) .
وعن أبي هريرة÷عن النبي"قوله: =أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه+ (١) .
وفي الصحيحين من حديث عتبان =فإن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله+ (٢) .
ويدخل في ذلك الإخلاصُ في اتباع محمد"وذلك بالاقتصار على سنته وتحكيمه، وترك البدع، والمخالفات، ونبذ ما يخالف شرعه من التحاكم إلى ما وضعه البشر من عادات، وقوانين؛ فإن رضيها أو حكم بها لم يكن من المخلصين.
وضد الإخلاص الشرك، والرياء، وابتغاء غير وجه الله.
فإن فقد العبد أصل الإخلاص فإن الشهادة لا تنفعه أبداً، قال_تعالى_: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً] (الفرقان:٢٣) .
стр. 158
فلا ينفعه حينئذ أي عمل يعمله؛ لأنه فقد الأصل، قال_تعالى_: [إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً] (النساء:٤٨) .
وعن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله":قال الله_تبارك وتعالى: =أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه+ (١) .
وإن فقد الإخلاص في عمل من الأعمال ذهب أجر ذلك العمل.
وبالجملة فالإخلاص هو تصفية العمل من كل شوب؛ بحيث لا يمازجه ما يشوبه من شوائب الشرك أو إرادة النفس: إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو محبتهم، أو خدمتهم، إلى غير ذلك من الشوائب التي عَقْدُ متفرقها إرادةُ ما سوى الله بالعمل.
فمدار الإخلاص على أن يكون الباعث على العمل أولاً امتثال أمر الله.
ولا حرج بعد هذا على من يطمح إلى شيء آخر، كالفوز بنعيم الآخرة، أو النجاة من أليم عذابها.
بل لا يذهب بالإخلاص بعد ابتغاء وجه الله أن يخطر في بال العبد أن للعمل الصالح آثاراً في هذه الحياة، كطمأنينة النفس، وأمنها من المخاوف، وصيانتها من مواقف الهوان، إلى غير هذا من الخيرات التي تعقب العمل الصالح، ويزداد به إقبال النفوس على الطاعات قوة على قوة.
стр. 159
٧_المحبة: أي المحبة لهذه الكلمة العظيمة، ولما دلت عليه واقتضته، فيحب الله ورسوله"ويقدم محبتهما على كل محبة، ويقوم بشروط المحبة ولوازمها، فيحب الله محبة مقرونة بالإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، فيحب ما يحبه الله من الأمكنة؛ كمكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمساجد_عموماً_، والأزمنة؛ كرمضان، وعشر ذي الحجة، وغيرها، وما يحبه من الأشخاص كالأنبياء، والرسل، والملائكة، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وما يحبه من الأفعال كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والأقوال كالذكر وقراءة القرآن.
ومن المحبة_أيضاً_تقديم محبوبات الله على محبوبات النفس وشهواتها ورغباتها، وذلك لأن النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره.
ومن لوازم تلك المحبة أن يكره ما يكرهه الله ورسوله؛ فيكره الكفار، ويبغضهم، ويعاديهم، ويكره الكفر، والفسوق، والعصيان.
قال_تعالى_[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ] (المائدة:٥٤) .
وقال: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] (المجادلة:٢٢) .
وقال_تعالى_: [قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ] (التوبة:٢٤) .
стр. 160
وقال": =ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله رسوله أحب إليه مما سواهما+ الحديث (١) .
وعلامة هذه المحبة الانقياد لشرع الله واتباع محمد"قال_تعالى_: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] (آل عمران:٣١) .
وضد المحبة الكراهية لهذه الكلمة، ولما دلت عليه وما اقتضه، أو محبة غير الله مع الله.
قال_تعالى_: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ] (محمد:٩) .
وقال الله_تعالى_: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ] (البقرة:١٦٥) .
فهؤلاء الذين بَيَّن الله_جل وعلا_شأنهم في هذه الآية يحبون الله، ولكنهم يحبون معه غيره مثل محبته على أحد التفسيرين، ومع ذلك سماهم الله ظالمين، والظلم هنا بمعنى الشرك بدليل قوله_تعالى_في الآية التي تليها: [وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ] (البقرة:١٦٧) .
فإذا كان هذا هو شأن من أحب الله، وأحب معه غيره مثل حبه_فكيف بمن أحب غير الله أكثر من حبه لله؟ وكيف بمن أحب غير الله ولم يحب الله_سبحانه وتعالى_؟.
بل كيف بمن أحب غير الله، وكره الله، وحارب الله_سبحانه وتعالى_؟ !.
ومما ينافي المحبة_أيضاً_بغض الرسول"أو بغض ما جاء به الرسول، أو بغض بعض ما جاء به_عليه الصلاة والسلام_.
ومما ينافيها موالاة أعداء الله من اليهود، والنصارى، وسائر الكفار والمشركين.
ومما ينافيها_أيضاً_معاداة أولياء الله المؤمنين.
ومما ينافي كمالها المعاصي والذنوب.
стр. 161
نسأل الله_سبحانه وتعالى_أن يرزقنا حبه وحب من يحبه والعمل الذي يقربنا إلى حبه إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 162
مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة
تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فلقد يسر الله أن كتبت كتاباً بعنوان:
=عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها _ خصائصها _ خصائص أهلها+
وقد حظي ذلك الكتاب بتقريظ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ×.
وقد جاء ذلك الكتاب في مجلد، وطبع عدة مرات، ولقي قبولاً ولله الحمد.
ولهذا رأت بعض الجهات الخيرية اختصار ذلك الكتاب؛ ليتسنى طبعه، وتوزيعه على نطاق أكبر؛ فكان أن اختصر في هذه الرسالة التي جاءت حاملة العنوان التالي:
=مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة: المفهوم والخصائص+
وقد حذف من هذه الرسالة أكثر الحواشي والهوامش، والتفصيلات؛ فمن أراد الاستزادة فليراجع الأصل، والله المستعان وعليه التكلان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
محمد بن إبراهيم الحمد
الزلفي: ص. ب: ٤٦٠
www.toislam.net
مقدمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لأصل الكتاب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد:
فقد اطلعت على ما كتبه أخونا الكريم صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وما خصهم الله به من العلم النافع والعمل الصالح والخصال الحميدة، والأخلاق الكريمة، وقد سماه: =عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها_خصائصها_ خصائص أهلها+ فألفيته كتاباً قيماً ومفيداً وموضحاً لعقيدة أهل السنة والجماعة وأخلاقهم؛ فجزاه الله خيراً وضاعف مثوبته وزادنا وإياه من العلم النافع والعمل الصالح.
وإني أنصح كل من اطلع عليه بقراءته والاستفادة منه لعظم فائدته وشرحه لأحوال أهل السنة.
والله المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعمل النافع والعمل الصالح وأن يصلح ولاة أمر المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن؛ إنه سمع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
حرر في ٩/ ١١/ ١٤١٥هـ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 163
مفهوم العقيدة الإسلامية
١_ تعريف العقيدة في الاصطلاح العام: هي الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه شك، وهي ما يؤمن به الإنسان، ويعقد عليه ضميره، ويتخذه مذهباً وديناً، بغضِّ النظر عن صحته من عدمها.
٢_ العقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة من أصول الدين، وأموره، وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله_تعالى_في الحكم، والأمر، والقدر، والشرع، ولرسوله"بالطاعة والتحكيم والاتباع.
٣_ موضوعات علم العقيدة: العقيدة_بمفهوم أهل السنة والجماعة_اسم عَلَم على العِلْم الذي يُدرس ويَتَناول جوانب التوحيد، والإيمان، والإسلام، وأمور الغيب، والنبوات، والقدر، والأخبار، وأصول الأحكام القطعية، وما أجمع عليه السلف الصالح من أمور العقيدة، كالولاء والبراء، والواجب تجاه الصحابة، وأمهات المؤمنين_رضوان الله عليهم أجمعين_.
ويدخل في ذلك الرد على الكفار، والمبتدعة، وأهل الأهواء، وسائر الملل والنحل، والمذاهب الهدامة، والفرق الضالة، والموقف منهم، إلى غير ذلك من مباحث العقيدة.
٤_ أسماء علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة:
١_ العقيدة والاعتقاد، والعقائد.
٢_ التوحيد.......٣_ السنة. ...٤_ الشريعة.
٥_ الإيمان.... ٦_ أصول الدين، أو أصول الديانة.
٥_ أهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي"وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي" وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، وهم الذين استقاموا على الاتباع، وجانبوا الابتداع في أي مكان وزمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
وسموا بذلك لانتسابهم لسنة النبي"واجتماعهم على الأخذ بها ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل، والاعتقاد.
стр. 164
٦_ أسماء أخرى لأهل السنة والجماعة: لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى يعرفون بها، منها:
١_ أهل السنة والجماعة.
٢_ أهل السنة.
٣_ أهل الجماعة.
٤_ الجماعة.
٥_ السلف الصالح.
٦_ أهل الأثر.
٧_ أهل الحديث.
٨_ الفرقة الناجية.
٩_ الطائفة المنصورة.
١٠_ أهل الاتباع.
خصائص العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة
للعقيدة الإسلامية_عقيدة أهل السنة والجماعة_ خصائص عديدة، لا توجد في أي عقيدة أخرى، ولا غرو في ذلك؛ إذ إن تلك العقيدة تُستَمد من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن تلك الخصائص مايلي:
١_ سلامة مصدر التلقي: وذلك باعتمادها على الكتاب والسنة، وإجماع السلف الصالح، فهي مستقاة من ذلك النبع الصافي، بعيداً عن كدر الأهواء والشبهات.
وهذه الخصيصة لا توجد في شتى المذاهب والملل والنحل غير العقيدة الإسلامية_عقيدة أهل السنة والجماعة_.
٢_ أنها تقوم على التسليم لله_تعالى_ولرسوله": وذلك لأنها غيب، والغيب يقوم على التسليم.
فالتسليم بالغيب من أعظم صفات المؤمنين التي مدحهم الله بها، كما في قوله_تعالى_: [ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] (البقرة: ٢، ٣) .
ذلك أن العقول لا تدرك الغيب، ولا تستقل بمعرفة الشرائع؛ لعجزها وقصورها؛ فكما أن سمع الإنسان قاصر، وبصره كليل، وقوتَه محدودة_فكذلك عقله، فَتَعَيَّن الإيمان بالغيب والتسليم لله_عز وجل_.
٣_ موافقتها للفطرة القويمة، والعقل السليم: فعقيدة أهل السنة والجماعة ملائمة للفطرة السليمة، موافقة للعقل الصريح، الخالي من الشهوات والشبهات.
٤_ اتصال سندها بالرسول"والتابعين وأئمة الدين قولاً، وعملاً، واعتقاداً: وهذه الخصيصة قد اعترف بها كثير من خصومها؛ فلا يوجد_بحمد الله_أصل من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة_ليس له أصل أو مستند من الكتاب والسنة، أو عن السلف الصالح، بخلاف العقائد الأخرى المبتدعة.
стр. 165
٥_ الوضوح والسهولة والبيان: فهي عقيدة سهلة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، فلا لبس فيها، ولا غموض، ولا تعقيد؛ فألفاظها واضحة، ومعانيها بينة، يفهمها العالم والعامي، والصغير والكبير، فهي تستمد من الكتاب والسنة، وأدلة الكتاب والسنة كالغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي ينتفع به الرضيع، والصبي، والقوي، والضعيف.
٦_ السلامة من الاضطراب والتناقض واللبس: فلا مكان فيها لشيء من ذلك مطلقاً، كيف لا وهي وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
فالحق لا يضطرب، ولا يتناقض، ولا يلتبس.
بل يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] (النساء: ٨٢) .
٧_ أنها قد تأتي بالمحار، ولكن لا تأتي بالمحال: ففي العقيدة الإسلامية ما يبهر العقول، وما قد تحار فيه الأفهام، كسائر أمور الغيب؛ من عذاب القبر ونعيمه، والصراط، والحوض، والجنة والنار، وكيفية صفات الله_عز وجل_.
فالعقول تحار في فهم حقيقة هذه الأمور، وكيفياتها، ولكنها لا تحيلها بل تسلِّم لذلك، وتنقاد، وتذعن؛ لأن ذلك صدر عن الوحي المنزل، الذي لا ينطق عن الهوى.
٨_ العموم والشمول والصلاح: فهي عامة، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان، وحال، وأمة.
بل إن الحياة لا تستقيم إلا بها.
٩_ الثبات والاستقرار والخلود: فهي عقيدة ثابتة، مستقرة خالدة، فلقد ثبتت أمام الضربات المتوالية التي يقوم بها أعداء الإسلام؛ من اليهود، والنصارى، والمجوس، وغيرهم.
فما إن يعتقد هؤلاء أن عظمها قد وهن، وأن جذوتها قد خبت، ونارها قد انطفأت، حتى تعود جذعة ناصعة نقية؛ فهي ثابتة إلى قيام الساعة، محفوظة بحفظ الله_تعالى_تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل؛ ورعيلاً بعد رعيل، لم يتطرق إليها التحريف، أو الزيادة، أو النقصان، أو التبديل.
كيف لا والله_عز وجل_هو الذي تكفل بحفظها، وبقائها ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه؟.
стр. 166
قال_تعالى_: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) .
١٠_ أنها سبب للنصر والظهور والتمكين: فذلك لا يكون إلا لأهل العقيدة الصحيحة، فهم الظاهرون، وهم الناجون، وهم المنصورون كما قال": =لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك+ (١) .
فمن أخذ بتلك العقيدة أعزه الله، ومن تركها خذله الله.
وقد عَلِم ذلك كلُّ من قرأ التاريخ، فمتى حاد المسلمون عن دينهم_حاق بهم ما حاق، كما حدث لهم في الأندلس وغيرها.
١١_ أنها ترفع قدر أهلها: فمن اعتقدها، وزاد علماً بها، وعملاً بمقتضاها، ودعوة للناس إليها_أعلا الله قدره، ورفع له ذكره، ونشر بين الناس فضله، فرداً كان أو جماعة؛ ذلك أن العقيدة الصحيحة هي أفضل ما اكتسبته القلوب، وخير ما أدركته العقول؛ فهي تثمر المعارف النافعة، والأخلاق العالية.
١٢_ السلامة والنجاة: فالسنة سفينة النجاة، فمن تمسك بها سلم ونجا، ومن تركها غرق وهلك.
١٣_ العقيدة الإسلامية عقيدة الألفة والاجتماع: فما اتحد المسلمون، وما اجتمعت كلمتهم في مختلف الأعصار والأمصار_إلا بتمسكهم بعقيدتهم، وأخذهم بها، وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم عنها.
١٤_ التميز: فهي عقيدة متميزة، وأهلها متميزون، فطريقتهم مستقيمة، وأهدافهم محددة.
١٥_ أنها تحمي معتنقيها من التخبط والفوضى والضياع: فالمنهج واحد، والمبدأ واضح ثابت لا يتغير، فيسلم معتنقها من اتباع الهوى، ويسلم من التخبط في توزيع الولاء والبراء، والمحبة والبغضاء، بل تعطيه معياراً دقيقاً لا يخطىء أبداً، فيسلم من التشتت والتشرد والضياع، فيعرف من يوالي، ويعرف من يعادي، ويعرف ما له وما عليه.
стр. 167
١٦_ أنها تمنح معتنقيها الراحة النفسية والفكرية: فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر؛ لأن هذه العقيدة تصل المؤمن بخالقه_عز وجل_فيرضى به رباً مدبراً، وحاكماً مشرعاً، فيطمئن قلبه بقدره، وينشرح صدره لحكمه، ويستنير فكره بمعرفته.
١٧_ سلامة القصد والعمل: بحيث يَسْلَمُ معتنقها من الانحراف في عبادة الله_عز وجل_فلا يعبد غير الله، ولا يرجو سواه.
١٨_ تؤثر في السلوك والأخلاق والمعاملة: فهي تأمر أهلها بكل خير، وتنهاهم عن كل شر، فتأمرهم بالعدل والاعتدال، وتنهاهم عن الظلم والانحراف.
١٩_ تدفع معتنقيها إلى الحزم والجد في الأمور.
٢٠_ تبعث في نفس المؤمن تعظيم الكتاب والسنة: لأنه يعلم أن الكتاب والسنة حق وصواب، وهدى ورحمة؛ فينبعث بذلك إلى تعظيمهما، والأخذ بهما.
٢١_ تَكْفُل لمعتنقيها الحياة الكريمة: ففي ظل العقيدة الإسلامية يتحقق الأمن والحياة الكريمة؛ ذلك أنها تقوم على الإيمان بالله، ووجوب إفراده بالعبادة دون من سواه، وذلك_بلا شك_سبب الأمن والخير والسعادة في الدارين؛ فالأمن قرين الإيمان، وإذا فقد الإيمان فقد الأمن، قال_تعالى_: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢٨) ] (الأنعام: ٨٢) .
فأهل التقوى والإيمان لهم الأمن التام، والاهتداء التام في العاجل والآجل، وأهل الشرك والمعصية هم أهل الخوف وأولى الناس به، فهم مهددون بالعقوبات والنقمات في سائر الأوقات.
٢٢_ تجمع بين مطالب الروح، والقلب، والجسد.
٢٣_ تعترف بالعقل وتحدد مجاله: فالعقيدة الإسلامية تحترم العقل السوي، وترفع من شأنه، ولا تحجر عليه، ولا تنكر نشاطه، والإسلام لا يرضى من المسلم أن يطفىء نور عقله، ويركن إلى التقليد الأعمى في مسائل الاعتقاد وغيرها.
стр. 168
٢٤_ تعترف بالعواطف الإنسانية، وتوجهها الوجهة الصحيحة: فالعواطف أمر غريزي، ولا يتجرد منه أي إنسان سوي، والعقيدة الإسلامية ليست عقيدة هامدة جامدة، بل هي عقيدة حيَّة، تعترف بالعواطف الإنسانية، وتقدرها حق قدرها، وفي الوقت نفسه لا تطلق العنان لها، بل تُقوِّمها، وتسمو بها، وتوجهها الوجهة الصحيحة، التي تجعل منها أداة خير وتعمير، بدلاً من أن تكون معولَ هدمٍ وتدمير.
٢٥_ العقيدة الإسلامية كفيلة بحل جميع المشكلات: سواء مشكلات الفرقة والشتات، أو مشكلات السياسة والاقتصاد، أو مشكلات الجهل والمرض والفقر، أو غير ذلك.
فلقد جمع الله بها القلوب المشتتة، والأهواء المتفرقة، وأغنى بها المسلمين بعد العَيْلَة، وعلّمهم بها بعد الجهل، وبصّرهم بعد العمى، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
خصائص أهل السنة والجماعة
كما أن لعقيدة أهل السنة والجماعة ميزات تمتاز بها عن غيرها من العقائد_فكذلك لأهل السنة خصائص وميزات يمتازون بها عن غيرهم من أهل الملل والنحل، ويجدر بكل من انتسب إليهم أن يأخذ بها، ويأطر نفسه عليها، حتى ينال ما نالوه من خير وفضل.
فمن تلك الخصائص التي تميز بها أهل السنة والجماعة ما يلي:
١_ الاقتصار في التلقي على الكتاب والسنة: فهم ينهلون من هذا المنهل العذب عقائدَهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم، وسلوكَهم، وأخلاقهم، فكل ما وافق الكتاب والسنة قبلوه وأثبتوه، وكل ما خالفهما ردوه على قائله كائناً من كان.
٢_ التسليم لنصوص الشرع، وفهمها على مقتضى منهج السلف: فهم يسلِّمون لنصوص الشرع، سواء فهموا الحكمة منها أم لا، ولا يعرضون النصوص على عقولهم، بل يعرضون عقولهم على النصوص، ويفهمونها كما فهمها السلف الصالح.
٣_ الاتباع وترك الابتداع: فهم لا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ولا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي"ولا يرضون لأحد كائناً من كان أن يرفع صوته فوق صوت النبي".
стр. 169
بخلاف المبتدعة الضالين، الذين ابتدعوا في الدين، مستدركين على وحي رب العالمين، ألا ساء ما يعملون.
٤_ الاهتمام بالكتاب والسنة: فهم يهتمون بالقرآن حفظاً وتلاوة، وتفسيراً، وبالحديث دراية ورواية.
بخلاف غيرهم من المبتدعة الذي يهتمون بكلام شيوخهم أكثر من اهتمامهم بالكتاب والسنة.
٥_ احتجاجهم بالسنة الصحيحة وترك التفريق بين المتواتر والآحاد: سواء في الأحكام أو العقائد، فهم يرون حجية الحديث إذا صح عن رسول الله"ولو كان آحاداً.
٦_ ليس لهم إمام معظم يأخذون كلامه كله، ويدعون ما خالفه إلا الرسول": أما غير الرسول"فإنهم يعرضون كلامه على الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبِل، وما لا فلا، فهم يعتقدون أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول".
أما غيرهم من الفرق الأخرى، ومن متعصبة المذاهب_ فإنهم يأخذون كلام أئمتهم كله حتى ولو خالف الدليل.
٧_ هم أعلم الناس بالرسول": فهم يعلمون هديه، وأعماله، وأقواله، وتقريراته؛ لذلك فهم أشد الناس حباً له، واتباعاً لسنته.
بخلاف غيرهم من أهل البدع الذي يعرفون عن أئمتهم ما لا يعرفونه عن رسول الله".
٨_ الدخول في الدين كله: فهم يدخلون في الدين كله، ويؤمنون بالكتاب كله؛ امتثالاً لقوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة: ٢٠٨) .
بخلاف الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون.
وبخلاف الذين نسوا حظاً مما ذكروا به، والذين جعلوا القرآن عضين؛ فآمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض.
٩_ تعظيم السلف الصالح: فأهل السنة يعظمون السلف الصالح، ويقتدون بهم، ويهتدون بهديهم، ويرون أن طريقتهم هي الأسلم، والأعلم، والأحكم.
١٠_ الجمع بين النصوص في المسألة الواحدة، ورد المتشابه إلى المحكم: فهم يجمعون بين النصوص الشرعية في المسألة الواحدة، ويردون المتشابه إلى المحكم؛ حتى يصلوا إلى الحق في المسألة.
стр. 170
١١_ الجمع بين العلم والعبادة: بخلاف غيرهم، فإما أن يشتغل بالعبادة عن العلم، أو بالعلم عن العبادة، أما أهل السنة والجماعة فيجمعون بين الأمرين.
١٢_ الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب: فهم لا ينكرون الأسباب، ولا تأثيرها إذا ثبتت شرعاً أو قدراً، ولا يَدَعُون الأخذ بالأسباب، وفي الوقت نفسه لا يلتفتون إليها.
ولا يرون أن هناك تنافياً بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب؛ لأن نصوص الشرع حافلة بالأمر بالتوكل على الله، والأخذ بالأسباب المشروعة أو المباحة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل، والسعي في طلب الرزق، والتزود للأسفار، واتخاذ العدد في مواجهة العدو.
قال_تعالى_: [إِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ] (الجمعة: ١٠) . وقال: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا] (الملك: ١٥) . وقال: تعالى_: [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] (البقرة: ١٩٧) . وقال_تعالى_: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ] (الأنفال: ٦٠) .
وقال النبي": =احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان+. (١)
١٣_ الجمع بين التوسع في الدنيا والزهد بها: فأهل السنة والجماعة لا ينكرون على من يتوسع في الدنيا، ويسعى في كسب الرزق، بل يرون أنه ينبغي للإنسان أن يكفي نفسه ومن يعول، ويستغني عن الناس، ويقطع الطمع مما في أيديهم، على ألا تكون الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه، وعلى ألا يكتسب المال من غير حله، كما لا يعيبون على من آثر الكفاف، ورضي بالقليل من متاع الدنيا، لأنهم يرون أن الزهد إنما هو زهد القلب، وهو أن يترك الإنسان ما لا ينفع في الآخرة.
стр. 171
أما إذا توسع العبد في الدنيا، وجعلها في يده لا في قلبه، يرفد بها الإخوان، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ويعين بها على نوائب الحق_فذلك من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.
كما هو حال الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من أثرياء الصحابة من المهاجرين والأنصار_رضي الله عنهم_.
وكحال ابن المبارك ×فلقد كان من أغنى أهل زمانه، وهو في الوقت نفسه من أزهدهم إن لم يكن أزهدهم.
١٤_ الجمع بين الخوف والرجاء والحب: فأهل السنة والجماعة يجمعون بين هذه الأمور، ويرون أنه لا تنافي ولا تعارض بينها.
قال_سبحانه وتعالى_في وصف عباده الأنبياء والمرسلين: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] (الأنبياء: ٩٠) .
وقال في معرض الثناء على سائر عباده المؤمنين: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (السجدة: ١٦) .
وهناك مقولة مشهورة عند السلف، وهي قولهم: =من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف فهو حروري (١) ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء، ومن عبده بالخوف، والحب، والرجاء فهو مؤمن موحِّد+.
١٥_ الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة: بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانباً من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم.
أما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال.
стр. 172
١٦_ الجمع بين العقل والعاطفة: فعقولهم راجحة، وعواطفهم صادقة، ومعاييرهم منضبطة، فلم يغلِّبوا جانب العقل على العاطفة، ولا جانب العاطفة على العقل، وإنما جمعوا بينهما على أكمل وجه وأتمه، فمع أن عواطفهم قوية مشبوبة إلا أن تلك العواطف تضبط بالعقل، وذلك العقل يضبط بالشرع.
[نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ] (النور: ٣٥) .
١٧_ العدل: فالعدل من أعظم المميزات لأهل السنة والجماعة، فهم أعدل الناس، وأولاهم بامتثال قول الله_عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ] (النساء: ١٣٥) .
وقوله: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] (الأنعام: ١٥٢) .
حتى إن الطوائف الأخرى إذا تنازعت احتكمت إلى أهل السنة.
١٨_ الأمانة العلمية: فالأمانة زينة العلم، وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم، وأهل السنة لهم القِدحُ المعلى في ذلك الشأن.
ومن مظاهر الأمانة العلمية عندهم_الأمانة في النقل، والبعد عن التزوير، وقلب الحقائق، وبتر النصوص، وتحريفها، فإذا نقلوا عن مخالف لهم نقلوا كلامه تامّاً، فلا يأخذون منه ما يوافق ما يذهبون إليه، ويدعون ما سواه؛ كي يدينوا المنقول عنه، وإنما ينقلون كلامه تامّاً، فإن كان حقاً أقرّوه، وإن كان باطلاً ردّوه، وإن كان فيه وفيه، قبلوا الحق وردّوا الباطل، كل ذلك بالدليل القاطع، والبرهان الساطع.
ومن مظاهر الأمانة العلمية عندهم أنهم لا يحمّلون الكلام ما لا يحتمل، وأنهم يذكرون ما لهم وما عليهم، وأنهم يرجعون للحق إذا تبيّن، ولا يفتون ولا يقضون إلا بما يعلمون.
كما أنهم أحرص الناس على نسبة الكلام إلى قائله، وأبعدهم من نسبته إلى غير قائله.
١٩_ الوسطية: قال_تعالى_: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) .
فالوسطية من أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة.
стр. 173
فكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك_فكذلك أهل السنة والجماعة؛ فهم متوسطون بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم.
وتتجلى وسطية أهل السنة والجماعة في شتى الأمور؛ سواء في باب العقيدة، أو الأحكام، أو السلوك، أو الأخلاق، أو غير ذلك.
٢٠_ عدم الاختلاف في أصول الاعتقاد: فالسلف الصالح لا يختلفون_بحمد الله_في أصل من أصول الدين، وقواعد الاعتقاد؛ فقولهم في أسماء الله وصفاته وأفعاله واحد، وقولهم في الإيمان وتعريفه ومسائله واحد، وقولهم في القدر واحد، وهكذا في باقي الأصول.
٢١_ ترك الخصومات في الدين، ومجانبة أهل الخصومات: لأن الخصومات مدعاةٌ للفرقة والفتنة، ومجلبةٌ للتعصب واتباع الهوى، ومطيةٌ للانتصار للنفس، والتشفي من الآخرين، وذريعة للقول على الله بغير علم.
أخرج الآجري بسنده عن مسلم بن يسار أنه قال: =إياكم والمراءَ؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته+.
وأخرج أن عمر بن عبد العزيز ×: =من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل+.
وقال جعفر بن محمد ×: =إياكم والخصومات؛ فإنه تشغل القلب وتورث النفاق+.
٢٢_ الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق: فهم حريصون كل الحرص على وحدة المسلمين، ولمِّ شعثهم، وجمع كلمتهم على الحق، وإزالة أسباب النزاع والفرقة بينهم؛ لعلمهم أن الاجتماع رحمة، وأن الفرقة عذاب؛ ولأن الله_عز وجل_أمر بالائتلاف، ونهى عن الاختلاف كما في قوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] (آل عمران:١٠٢، ١٠٣) .
بخلاف الذين يسعون للفرقة بين المسلمين، ويبذرون بذور الشقاق في صفوفهم، فيفرقونهم عند أدنى نازلة، ويحزبونهم ويؤلبون بعضهم على بعض، ويُغرون بعضهم ببعض.
стр. 174
٢٣_ سعة الأفق: فهم أوسع الناس أفقاً، وأبعدهم نظراً، وأرحبهم بالخلاف صدراً، وأكثرهم للمعاذير التماساً.
وهم لا يأنفون من سماع الحق، ولا تحرج صدورهم من قبوله، ولا يستنكفون من الرجوع إليه، والأخذ به.
ثم إنهم لا يُلزمون الناس باجتهاداتهم، ولا يضللون كل من خالفهم، ولا تضيق أعطانهم في الأمور الاجتهادية، التي تختلف فيها أفهام الناس.
ومن مظاهر سعة الأفق عندهم بعدهم عن التعصب المقيت، والتقليد الأعمى، والحزبية الضيقة.
٢٤_ حسن الخلق: فأهل السنة أحسن الناس خلقاً، وأكثرهم حلماً وسماحة وتواضعاً، وأحرصهم دعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال.
٢٥_ هم أهل الدعوة إلى الله: فهم يدعون إلى دين الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويسلكون في ذلك شتى الطرق المشروعة والمباحة؛ حتى يعرف الناس ربهم، ويعبدوه حق عبادته.
فلا أحد أحرص منهم على هداية الخلق، ولا أحد أرحم منهم بالناس.
٢٦_ هم الغرباء: الذين يُصْلحُونَ ما أفسد الناس، ويَصلُحون إذا فسد الناس.
٢٧_ هم الفرقة الناجية: التي تنجو من البدع والضلالات في هذه الدنيا، وتنجو من عذاب الله يوم القيامة.
٢٨_ وهم الطائفة المنصورة: لأن الله معهم، وهو مؤيدهم وناصرهم.
٢٩_ لا يوالون ولا يعادون إلا على أساس الدين: فلا ينتصرون لأنفسهم، ولا يغضبون لها، ولا يوالون لِعُبِّيَّة جاهلية، أو عصبية مذهبية، أو راية حزبية، وإنما يوالون على الدين، فولاؤُهم لله، وبراؤهم لله، ومواقفهم ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير.
٣٠_ سلامتهم من تكفير بعضهم لبعض: فأهل السنة سالمون من ذلك، فهم يردون على المخالف منهم، ويوضحون الحق للناس، فهم يُخطِّئون، ولا يكفرون، ولا يبدعون، ولا يفسقون إلا من استحق ذلك.
بخلاف غيرهم من الطوائف الأخرى كالخوارج الذي يكثر فيهم الاختلاف والتضليل والتكفير؛ ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضاً عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها.
стр. 175
٣١_ سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول": فقلوبهم عامرة بحبهم، وألسنتهم تلهج بالثناء عليهم، فأهل السنة يرون أن الصحابة خير القرون؛ لأن الله_عز وجل_زكاهم وكذلك رسوله".
٣٢_ سلامتهم من الحيرة والاضطراب، والتخبط والتناقض: فأهل السنة والجماعة أكثر الناس رضاً ويقيناً، وطمأنينة، وإيماناً، وأبعدهم عن الحيرة والاضطراب، والتخبط والتناقض.
حتى إنه ليوجد عند عوام أهل السنة من بَرْدِ اليقين، وحسن المعتقد، والبعد عن الحيرة_ما لا يوجد عند علماء الطوائف الأخرى، وحُذَّاقهم من أهل الكلام وغيرهم، ممن اضطربوا في تقرير عقائدهم فحاروا وحيروا، وتعبوا وأتعبوا.
ومما يدل على حيرتهم ما جاء على ألسنة حُذَّاق أهل الكلام الذي بلغوا الغاية فيه فلم يرجعوا بفائدة، ولم يعودوا بعائدة، فهذا الرازي أحد أكابر علم الكلام ينوح على نفسه ويبكي عليها قائلاً:
نهايةُ إقدام العقول عِقالُ **** وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا **** وغايةُ دنيانا أذىً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا **** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة **** فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها **** رجال فزالوا والجبال جبال
ومنهم الشهرستاني الذي قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها **** وقلَّبت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كفَّ حائرٍ **** على ذَقَنٍ أو قارعاً سنَّ نادم
ومن الذين خاضوا في علم الكلام وندموا على ذلك: الجويني، والغزالي، والخسر وشاهي، وغيرهم.
هذا هو شأن من ضل من أهل الفرق الإسلامية.
أما الكفار الذين تنكبوا الصراط المستقيم من الملاحدة وغيرهم_فلا تسل عن بؤسهم وشقائهم فهم يعيشون أدنى دركات الشقاء والنكد، فلقد سلبوا الأمن، وشاعت فيهم الأمراض النفسية والعصبية، وكثر فيهم الرعب، وانتشر فيهم الانتحار والرغبة في التخلص من الحياة.
стр. 176
فها هو الفيلسوف الألماني المشهور =فريدريك نيتشه+ بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من عذاب وشقاء فيقول: =إنني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؛ لأنه هو الذي يعاني أشد العناء، فاضطره ذلك أن يخترع الضحك+.
وهذا الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي اليهودي =جان بول سارتر+ عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام.
وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضمنها آراءه الفلسفية الوجودية.
وحين حضره الموت سأله من كان عنده: تُرى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميقٍ ملؤه الندم: =إلى هزيمة كاملة+.
أين هؤلاء من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز_رحمه الله تعالى_إذ يقول: =أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر+.
وأين هم من شيخ الإسلام ابن تيمية_رحمه الله تعالى_عندما اقتيد إلى السجن فقال كلمته المشهورة =ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة+.
٣٣_ التثبت في الأخبار، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام: بخلاف الذين يسارعون في إطلاق الأحكام، ويتهافتون على إلصاق التهم بالأبرياء، فَيُفَسِّقُون، ويبدعون، ويكفرون بالتهمة والظنة، من غير ما برهان أو بينة.
٣٤_ حصول البشرى عند الممات: وذلك لإيمانهم بالله، واستقامتهم على أمره، قال_تعالى_: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ] (فصلت: ٣٠) .
٣٥_ مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات: فمن أسباب مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات_بل هو أساسها وأصلها_صحةُ العقيدة، وقوة الإيمان.
стр. 177
وأهل السنة والجماعة أصح الناس عقيدةً، وأقواهم إيماناً؛ ولذلك فأعمالهم تضاعف مضاعفة كبيرة، ودرجاتهم ترفع وتعلو عُلواً لا يدانيه أحد، ولا يشاركهم فيه إلا من كان على مثل ما هم عليه من العقيدة والإيمان.
ولهذا كان السلف يقولون: =أهل السنة والجماعة إن قعدت بهم أعمالهم_قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إن كثرت أعمالهم قعدت بهم عقائدهم+.
هذه مآثر أهل السنة والجماعة، وهذه بعض خصائصهم التي تميزوا بها على غيرهم، وتلك هي الخصال التي طبقها سلفنا الصالح_رحمهم الله ورضي عنهم_فنالوا الخيرات، وحصلوا على البركات.
وليس معنى ذلك أن أهل السنة معصومون؟ لا، بل إن منهجهم هو المعصوم، وجماعتهم هي المعصومة.
أما آحادهم فقد يقع منه الظلم والبغي، والعدوان، وارتكاب المخالفات.
ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا يُقَرُّ من فعل ذلك منهم، بل يبتعد عن السنة بقدر مخالفته.
ثم إن ما عند أهل السنة من مخالفات وأخطاء فعند غيرهم أكثر مما عندهم، وما عند غيرهم من فضل وعلم وكمال فعند أهل السنة أكمله وأتمه.
فما أجدرنا_معاشر المسلمين_أن نأخذ بمنهج أهل السنة، وأن نوطن أنفسنا على ذلك، وما أحرانا_نحن أهل السنة_أن نقوم بالسنة حق القيام، وأن نقتدي بسلفنا الصالح في كل أمورنا؛ لنرضي ربنا_جل وعلا_ولنعطي صورة مشرقة عن الإسلام الصحيح النقي؛ ليقبل الناس عليه، ويحرصوا على الدخول فيه، ولئلا نصبح فتنة لغيرنا من الكفار والمبتدعة، فإذا رأوا ما عليه بعض أهل السنة من بعد عن المنهج_قالوا: إذا كان خاصة المؤمنين بهذه المثابة فلا لوم علينا ولا تثريب، وبذلك تندرس معالم الحق، وتنطمس أنوار الهدى.
وأخيراً: نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، ونسأله أن يتم علينا النعمة والمنة، وأن يرزقنا لزوم السنة، والعمل بالسنة، وأن يتوفانا على السنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 178
كلمات في المحبة والخوف والرجاء
تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
كلمات في المحبة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فإن المحبة ركن العبادة الأعظم، فالعبادة تقوم على أركان ثلاثة، هي المحبة، والخوف، والرجاء.
وإليك هذه الكلمات المختصرة في هذا الركن الأعظم، وهو المحبة.
تعريف المحبة وحدُّها:
قال ابن القيم×: =لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضحَ منها؛ فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وجفاءً، فحدُّها وُجُودُها، ولا توصف المحبة بوصفٍ أظهرَ من المحبة.
وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم، ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص، ومقامه، وحاله، ومِلْكِهِ للعبارة+ (١) .
ومما قيل في حد المحبة وتعريفها ما يلي (٢) :
١_ الميل الدائم بالقلب الهائم.
٢_ إيثار المحبوب على جميع المصخوب.
٣_ موافقة الحبيب في المشهد والمغِيب.
٤_ مواطأة القلب لمرادات المحبوب.
٥_ استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك.
٦_ سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب.
٧_ ميلك للشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك، وروحك، ومالك، ثم موافقتك له سراً، وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه.
٨_ الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته، والحرية من استرقاق ما سواه.
٩_ سفرُ القلب في طلب المحبوب، ولهجُ اللسان بذكره على الدوام.
١٠_ المحبة أن يكون كُلُّكَ بالمحبوب مشغولاً، وذلُّك له مبذولاً.
أقسام المحبة:
١_ محبة عبادة: وهي محبة التذلل، والتعظيم، وأن يقوم بقلب المُحبِّ من إجلال المحبوب، وتعظيمه ما يقتضي امتثال أمره، واجتناب نهيه.
وهذه المحبة أصل الإيمان والتوحيد، وهي التي يترتب عليها من الفضائل ما لا يمكن حصرُهُ وعدُّهُ.
стр. 179
ومَنْ صرف تلك المحبة لله فهو المؤمن الموحد، ومن صرفها لغير الله فقد وقع في المحبة الشركية؛ حيث أشرك بالله .
وذلك كمحبة المشركين الذين يحبون آلهتهم، وأندادهم كمحبة الله، من شجر، أو حجر، أو بشر، أو ملك أو غيرها كمحبة الله أو أكثر؛ فهذه المحبة أصل الشرك، وأساسه.
٢_ محبة لله : كمحبة ما يحبه الله من الأمكنة، والأزمنة، والأشخاص، والأعمال، والأقوال، ونحو ذلك؛ فهذه المحبة تابعة لمحبة الله.
٣_ المحبة الطبيعية: ويدخل تحت هذه المحبة ما يلي:
أ_محبة إشفاق ورحمة: كمحبة الوالد لولده، وكمحبة المرضى، والضعفاء.
ب_ محبة إجلال وتعظيم دون عبادة: كمحبة الولد لوالده، وكمحبة التلميذ لمعلمه وشيخه، ونحو ذلك.
ج_ محبة الإنسان ما يلائمه: كمحبة الطعام، والشراب، والنكاح، واللباس، والأصدقاء، والخلطاء، ونحو ذلك.
فهذه المحاب داخلة في المحبة الطبيعية المباحة، فإن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب الطاعة، وإن صدت عن محبة الله، وتُوَسِّل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات، وإن لم تُعِن على طاعة، ولا معصية فهي في دائرة المباحات.
فضائل محبة الله:
محبة الله أشرف المكاسب، وأعظم المواهب، وفضائلها لا تُعد ولا تحصى، ومن تلك الفضائل ما يلي:
١_ أنها أصل التوحيد وروحه: قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي×: =أصل التوحيد، وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التألُّهِ، والتعبد، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبةُ العبد لربه، وتسبق جميعَ المحابِّ، وتَغْلِبها، ويكون لها الحكم عليها؛ بحيث تكون سائر محاب العبد تبعاً لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه+ (١) .
стр. 180
٢_ أن الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الطعام، والشراب، والنكاح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم، كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه، وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم، ويدوم شملهم.
وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقِد يَفْسُد الجسم، وبِفَقْدِ التأله تفسد النفس+ (١) .
وقال ابن القيم×: =فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها.
وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظمَ من ألم العينِ إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسان إذا فقد نُطْقَه؟ !
بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره، وبارئه، وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح.
وهذا الأمر لا يصدِّق به إلا مَنْ فيه حياةٌ، وما لِجُرْحٍ بميت إيلام+ (٢) .
٣_ تسلي المحب عند المصائب: قال ابن القيم×: =فإن المحب يجد من لذة المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد مِنْ مسِّها ما يجد غيرُه، حتى كأنه قد اكتسى طبيعةً ثانيةً ليست طبيعةَ الخلق.
بل يَقْوَى سلطانُ المحبةِ حتى يلتذَّ المحبُّ بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخليِّ (العاري من المحبة) بحظوظه وشهواته.
والذوقُ، والوَجْدُ شاهد بذلك، والله أعلم+ (٣) .
٤_ أنها من أعظم ما يحمل على ترك المعاصي: قال ابن القيم×في معرض حديث له عن محبة الله: =وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته، ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطانُ المحبةِ في القلب كان اقتضاؤه للطاعة، وترك المخالفة أقوى.
وإنما تصدر المعصية والمخالفة مِنْ ضَعْفِ المحبة، وسلطانِها.