← Акыда

Акыда · id 962

رسائل الشيخ الحمد في العقيدة

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (190 стр.). Показаны 176–190 · переход к 181.

стр. 176

فها هو الفيلسوف الألماني المشهور =فريدريك نيتشه+ بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من عذاب وشقاء فيقول: =إنني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؛ لأنه هو الذي يعاني أشد العناء، فاضطره ذلك أن يخترع الضحك+. وهذا الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي اليهودي =جان بول سارتر+ عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام. وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضمنها آراءه الفلسفية الوجودية. وحين حضره الموت سأله من كان عنده: تُرى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميقٍ ملؤه الندم: =إلى هزيمة كاملة+. أين هؤلاء من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز_رحمه الله تعالى_إذ يقول: =أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر+. وأين هم من شيخ الإسلام ابن تيمية_رحمه الله تعالى_عندما اقتيد إلى السجن فقال كلمته المشهورة =ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة+. ٣٣_ التثبت في الأخبار، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام: بخلاف الذين يسارعون في إطلاق الأحكام، ويتهافتون على إلصاق التهم بالأبرياء، فَيُفَسِّقُون، ويبدعون، ويكفرون بالتهمة والظنة، من غير ما برهان أو بينة. ٣٤_ حصول البشرى عند الممات: وذلك لإيمانهم بالله، واستقامتهم على أمره، قال_تعالى_: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ] (فصلت: ٣٠) . ٣٥_ مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات: فمن أسباب مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات_بل هو أساسها وأصلها_صحةُ العقيدة، وقوة الإيمان.

стр. 177

وأهل السنة والجماعة أصح الناس عقيدةً، وأقواهم إيماناً؛ ولذلك فأعمالهم تضاعف مضاعفة كبيرة، ودرجاتهم ترفع وتعلو عُلواً لا يدانيه أحد، ولا يشاركهم فيه إلا من كان على مثل ما هم عليه من العقيدة والإيمان. ولهذا كان السلف يقولون: =أهل السنة والجماعة إن قعدت بهم أعمالهم_قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إن كثرت أعمالهم قعدت بهم عقائدهم+. هذه مآثر أهل السنة والجماعة، وهذه بعض خصائصهم التي تميزوا بها على غيرهم، وتلك هي الخصال التي طبقها سلفنا الصالح_رحمهم الله ورضي عنهم_فنالوا الخيرات، وحصلوا على البركات. وليس معنى ذلك أن أهل السنة معصومون؟ لا، بل إن منهجهم هو المعصوم، وجماعتهم هي المعصومة. أما آحادهم فقد يقع منه الظلم والبغي، والعدوان، وارتكاب المخالفات. ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا يُقَرُّ من فعل ذلك منهم، بل يبتعد عن السنة بقدر مخالفته. ثم إن ما عند أهل السنة من مخالفات وأخطاء فعند غيرهم أكثر مما عندهم، وما عند غيرهم من فضل وعلم وكمال فعند أهل السنة أكمله وأتمه. فما أجدرنا_معاشر المسلمين_أن نأخذ بمنهج أهل السنة، وأن نوطن أنفسنا على ذلك، وما أحرانا_نحن أهل السنة_أن نقوم بالسنة حق القيام، وأن نقتدي بسلفنا الصالح في كل أمورنا؛ لنرضي ربنا_جل وعلا_ولنعطي صورة مشرقة عن الإسلام الصحيح النقي؛ ليقبل الناس عليه، ويحرصوا على الدخول فيه، ولئلا نصبح فتنة لغيرنا من الكفار والمبتدعة، فإذا رأوا ما عليه بعض أهل السنة من بعد عن المنهج_قالوا: إذا كان خاصة المؤمنين بهذه المثابة فلا لوم علينا ولا تثريب، وبذلك تندرس معالم الحق، وتنطمس أنوار الهدى. وأخيراً: نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، ونسأله أن يتم علينا النعمة والمنة، وأن يرزقنا لزوم السنة، والعمل بالسنة، وأن يتوفانا على السنة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 178

كلمات في المحبة والخوف والرجاء تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد كلمات في المحبة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فإن المحبة ركن العبادة الأعظم، فالعبادة تقوم على أركان ثلاثة، هي المحبة، والخوف، والرجاء. وإليك هذه الكلمات المختصرة في هذا الركن الأعظم، وهو المحبة. تعريف المحبة وحدُّها: قال ابن القيم×: =لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضحَ منها؛ فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وجفاءً، فحدُّها وُجُودُها، ولا توصف المحبة بوصفٍ أظهرَ من المحبة. وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم، ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص، ومقامه، وحاله، ومِلْكِهِ للعبارة+ (١) . ومما قيل في حد المحبة وتعريفها ما يلي (٢) : ١_ الميل الدائم بالقلب الهائم. ٢_ إيثار المحبوب على جميع المصخوب. ٣_ موافقة الحبيب في المشهد والمغِيب. ٤_ مواطأة القلب لمرادات المحبوب. ٥_ استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك. ٦_ سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب. ٧_ ميلك للشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك، وروحك، ومالك، ثم موافقتك له سراً، وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه. ٨_ الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته، والحرية من استرقاق ما سواه. ٩_ سفرُ القلب في طلب المحبوب، ولهجُ اللسان بذكره على الدوام. ١٠_ المحبة أن يكون كُلُّكَ بالمحبوب مشغولاً، وذلُّك له مبذولاً. أقسام المحبة: ١_ محبة عبادة: وهي محبة التذلل، والتعظيم، وأن يقوم بقلب المُحبِّ من إجلال المحبوب، وتعظيمه ما يقتضي امتثال أمره، واجتناب نهيه. وهذه المحبة أصل الإيمان والتوحيد، وهي التي يترتب عليها من الفضائل ما لا يمكن حصرُهُ وعدُّهُ.

стр. 179

ومَنْ صرف تلك المحبة لله فهو المؤمن الموحد، ومن صرفها لغير الله فقد وقع في المحبة الشركية؛ حيث أشرك بالله . وذلك كمحبة المشركين الذين يحبون آلهتهم، وأندادهم كمحبة الله، من شجر، أو حجر، أو بشر، أو ملك أو غيرها كمحبة الله أو أكثر؛ فهذه المحبة أصل الشرك، وأساسه. ٢_ محبة لله : كمحبة ما يحبه الله من الأمكنة، والأزمنة، والأشخاص، والأعمال، والأقوال، ونحو ذلك؛ فهذه المحبة تابعة لمحبة الله. ٣_ المحبة الطبيعية: ويدخل تحت هذه المحبة ما يلي: أ_محبة إشفاق ورحمة: كمحبة الوالد لولده، وكمحبة المرضى، والضعفاء. ب_ محبة إجلال وتعظيم دون عبادة: كمحبة الولد لوالده، وكمحبة التلميذ لمعلمه وشيخه، ونحو ذلك. ج_ محبة الإنسان ما يلائمه: كمحبة الطعام، والشراب، والنكاح، واللباس، والأصدقاء، والخلطاء، ونحو ذلك. فهذه المحاب داخلة في المحبة الطبيعية المباحة، فإن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب الطاعة، وإن صدت عن محبة الله، وتُوَسِّل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات، وإن لم تُعِن على طاعة، ولا معصية فهي في دائرة المباحات. فضائل محبة الله: محبة الله أشرف المكاسب، وأعظم المواهب، وفضائلها لا تُعد ولا تحصى، ومن تلك الفضائل ما يلي: ١_ أنها أصل التوحيد وروحه: قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي×: =أصل التوحيد، وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التألُّهِ، والتعبد، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبةُ العبد لربه، وتسبق جميعَ المحابِّ، وتَغْلِبها، ويكون لها الحكم عليها؛ بحيث تكون سائر محاب العبد تبعاً لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه+ (١) .

стр. 180

٢_ أن الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الطعام، والشراب، والنكاح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم، كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه، وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم، ويدوم شملهم. وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقِد يَفْسُد الجسم، وبِفَقْدِ التأله تفسد النفس+ (١) . وقال ابن القيم×: =فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظمَ من ألم العينِ إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسان إذا فقد نُطْقَه؟ ! بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره، وبارئه، وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح. وهذا الأمر لا يصدِّق به إلا مَنْ فيه حياةٌ، وما لِجُرْحٍ بميت إيلام+ (٢) . ٣_ تسلي المحب عند المصائب: قال ابن القيم×: =فإن المحب يجد من لذة المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد مِنْ مسِّها ما يجد غيرُه، حتى كأنه قد اكتسى طبيعةً ثانيةً ليست طبيعةَ الخلق. بل يَقْوَى سلطانُ المحبةِ حتى يلتذَّ المحبُّ بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخليِّ (العاري من المحبة) بحظوظه وشهواته. والذوقُ، والوَجْدُ شاهد بذلك، والله أعلم+ (٣) . ٤_ أنها من أعظم ما يحمل على ترك المعاصي: قال ابن القيم×في معرض حديث له عن محبة الله: =وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته، ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطانُ المحبةِ في القلب كان اقتضاؤه للطاعة، وترك المخالفة أقوى. وإنما تصدر المعصية والمخالفة مِنْ ضَعْفِ المحبة، وسلطانِها.

стр. 181

وفرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خَوْفُه من سوطه وعقوبتِهِ، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده =. إلى أن قال×: =فالمحب الصادق عليه رقيبٌ من محبوبه يرعى قَلْبَه، وجوارحَه. وعلامةُ صدقِ المحبة شهودُ هذا الرقيبِ ودوامُه. وها هنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه؛ فإذا قارنها الإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياءَ والطاعةَ، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أنسٍ، وانبساط، وتذكر، واشتياق. ولهذا يتخلف أثرها ومُوجَبُها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجرّدها عن الإجلال والتعظيم؛ فما عَمَرَ القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعْظيمه. وتلك من أفضل مواهب الله للعبد، أو أفضلُها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء+ (١) . ٥_ أنها تقطع الوساوس: قال ابن القيم×: =فبين المحبة، والوساوس تناقض شديد كما بين الذكر والغفلة؛ فعزيمة المحب تنفي تردد القلب بين المحبوب وغيره، وذلك سبب الوساوس. وهيهات أن يجد المحب الصادق فراغاً لوسواس الغير؛ لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه. وهل الوسواس إلا لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى؟ ومن أين يجتمع الحبُّ والوسواس؟ لا كان مَنْ لسواك فيه بقيةٌ **** فيها يُقَسِّم فِكْرَهُ ويوسوسُ (٢) ٦_ تمام النعيم، وغاية السرور: فذلك لا يحصلُ إلا بمحبة الله فلا يغني القلبَ، ولا يَسُدُّ خلَّتَه ولا يشبعُ جوعته إلا محبتُه، والإقبال عليه ولو حصل له كل ما يلتذ به لم يأنس ولم يطمئن إلا بمحبة الله_عز وجل_.

стр. 182

قال ابن القيم×: =وأما محبةُ الرب سبحانه فشأنها غير الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها، وفاطرها، فهو إلهها، ومعبودها، ووليها، ومولاها، وربُّها، ومدبرها، ورازقها، ومميتها، ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوتُ القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة، والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذُّ، ولا أطيبُ، ولا أسرُّ، ولا أنعمُ من محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه. والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمُّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة+. إلى أن قال: =ووجَدَانُ هذه الأمور، وذوقُها هو بحسب قوة المحبة، وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب، والقرب منه. وكلما كانت المحبةُ أكملَ، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر كانت الحلاوةُ، واللذةُ، والنعيمُ أقوى. فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعْرَف إلا بالذوق والوَجْد. ومتى ذاق القلب ذلك لم يُمْكِنْهُ أن يقدِّم عليه حُبَّاً لغيره، ولا أنساً به. وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية، وذلاً، وخضوعاً، ورِقَّاً له، وحرية من رق غيره+ (١) . صفات المحبوبين لله: الله يُحِبُّ ويُحَبّ، قال الله تعالى: [فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ] (المائدة: ٥٤) . وإليك فيما يلي إجمالاً لبعض صفات الذين خصهم الله بالمحبة: ١_ التوابون. ٢_ المتطهرون. ٣_ المتقون. ٤_ المحسنون. ٥_ الصابرون. ٦_ المتوكلون. ٧_ المقسطون. ٨_ الذين يقاتلون في سبيله صفَّاً كأنهم بينان مرصوص. ٩_ الأذلة على المؤمنين. ١٠_ الأعزة على الكافرين. ١١_ المجاهدون في سبيل الله. ١٢_ الذين لا يخافون لومة لائم.

стр. 183

١٣_ المتقربون بالنوافل بعد الفرائض. الأسباب الجالبة لمحبة الله: ١_ قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به. ٢_ التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. ٣_ دوامُ ذكرِ الله على كل حال باللسان، والقلب، والعمل، والحال. ٤_ إيثارُ محابِّ الله على محابِّ النفس عند غلبات الهوى. ٥_ مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها. ٦_ مشاهدة برِّه، وإحسانه، وآلائه، ونعمه الظاهرة، والباطنة. ٧_ إنكسار القلب بكلِّيته بين يدي الله تعالى. ٨_ الخلوة بالله وقتَ النزولِ الإلهي؛ لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بآداب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. ٩_ مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايبُ الثمر، وألا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعَلِمْتَ أن فيه مزيداً لحالك، ومنفعة لغيرك. ١٠_ مباعدةُ كلِّ سببٍ يحول بين القلب، وبين الله (١) . اللهم إنا نسألك حبك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ العمل الذي يقربنا إلى حبِّك. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كلمات في الخوف (٢) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد: فإن منزلة الخوف من أجلِّ منازل العبودية، وأنفعها، وهي فرض على كل أحد. قال الله تعالى: [فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٥) ، وقال: [وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ] (الرحمن: ٤٦) . تعريف الخوف: ١_ قيل: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس. ٢_ وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام. ٣_ وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. ٤_ وقيل: الخوف غمّ يلحق النفس؛ لتوقع مكروه. أقوال في الخوف:

стр. 184

١_ قال أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد النيسابوري: الخوف سراج في القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر، وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله فإنك إذا خفته هربت إليه. فالخائف من ربه هارب إليه. ٢_ وقال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب. ٣_ وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها. ٤_ وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يَزُلْ عنهم الخوف؛ فإذا زال الخوف ضلّوا الطريق. الخوف المحمود: الخوف المحمود الصادق: هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خِيْفَ منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان الحِيْري: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً، وباطناً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. الخوف الواجب والخوف المستحب: الخوف الواجب: هو ما حمل على فعل الواجبات، وترك المحرمات. والخوف المستحب: هو ما حمل على فعل المستحبات، وترك المكروهات. الجمع بين الخوف والرجاء والحب: لا بدّ للعبد من الجمع بين هذه الأركان الثلاثة؛ لأن عبادة الله بالخوف وحده طريقة الخوارج؛ فهم لا يجمعون إليه الحبَّ والرجاء؛ ولهذا لا يجدون للعبادة لذة، ولا إليها رغبة، فيجعلون الخالق بمنزلة سلطان جائر. وهذا يورث اليأس والقنوط من رحمة الله، وغايته إساءةُ الظن بالله، والكفر به سبحانه. وعبادة الله بالرجاء وحده طريقة المرجئة الذين وقعوا في الغرور والأماني الباطلة، وترك العملِ الصالحِ، وغايتُه الخروجُ من الملة. وعبادة الله بالحب وحده طريقة غلاة الصوفية الذين يقولون: نعبد الله لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، وإنما حبَّاً لذاته. وهذه طريقة فاسدة، ولها آثار وخيمة، منها الأمن من مكر الله، وغايتُه الزندقةُ، والخروج من الدين.

стр. 185

ولهذا قال السلف ﵏ كلمة مشهورة وهي: =مَنْ عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروريٌ أي خارجي ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمن موحِّد+. قال ابن القيم×: =القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر+. أيهما يُغلَّب: الخوف أم الرجاء؟ قال ابن القيم×: =السلف استحبوا أن يُقَوِّي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره. وقال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء فَسَدَ. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف، وغلبةُ الحب؛ فالمحبة هي المرْكَبُ، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه+. أقسام الخوف: ١_ خوف السر: وهو خوف التَّأَلُّه، والتعبد، والتقرب، وهو الذي يزجر صاحبه عن معصية مَنْ يخافه؛ خشيةً من أن يصيبه بما شاء من فقر، أو قتل، أو غضب، أو سلب نعمة، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته. فهذا القسم لا يجوز أن يصرف إلا لله وصَرْفُه له يعد من أجل العبادات، ومن أعظم واجبات القلب، بل هو ركن من أركان العبادة، ومن خشي الله على هذا الوجه فهو مخلص موحِّد. ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر؛ إذ جعل لله نِداً في الخوف، وذلك كحال المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم ذلك الاعتقاد، ولهذا يُخَوِّفون بها أولياء الرحمن، كما قال قوم هود ﵇ الذين ذكر الله عنهم أنهم خوفوا هوداً بآلهتهم فقالوا: [إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ] (هود: ٥٤) .

стр. 186

وكحال عباد القبور؛ فإنهم يخافون أصحاب القبور من الصالحين، بل من الطواغيت كما يخافون الله، بل أشد؛ ولهذا إذا توجَّهَتْ على أحدهم اليمينُ بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقاً أو كاذباً، فإن كانت اليمين بصاحب التربة لم يُقْدِم على اليمين إن كان كاذباً. وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله. وكذا إذا أصاب أحداً منهم ظلمٌ لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب، وإذا أراد أحدهم أن يظلم أحداً فاستعاذ المظلوم بالله لم يُعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يُقْدِمْ عليه بشيء، ولم يتعرض له بالأذى. ٢_ الخوف من وعيد الله: الذي توعد به العصاة، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وهو درجات، ومقامات، وأقسام كما مضى ذكره قبل قليل. ٣_ الخوف المحرم: وهو أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف الناس. وكحال من يفر من الزحف؛ خوفاً من لقاء العدو؛ فهذا خوف محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك. ٤_ الخوف الطبيعي: كالخوف من سَبُع، أو عدوٍّ، أو هدم، أو غرق، ونحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري؛ فهذا لا يُذَمُّ، وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵇ في قوله : [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ] (القصص: ٢١) ، وقوله: [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى] (طه: ٦٧) . ويدخل في هذا القسم الخوف الذي يسبق لقاء العدو، أو يسبق إلقاء الخطب في بداية الأمر؛ فهذا خوف طبيعي، ويحمد إذا حمل صاحبه على أخذ الأهبة والاستعداد، ويذم إذا رجع به إلى الانهزام وترْكِ الإقدام. ٥_ الخوف الوهمي: كالخوف الذي ليس له سبب أصلاً، أو له سبب ضعيف جداً؛ فهذا خوف مذموم، ويدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ النبي"من الجبن؛ فهو من الأخلاق الرذيلة.

стр. 187

ولهذا كان الإيمان التام، والتوكل الصحيح أعظمَ ما يدفع هذا النوع من الخوف، ويملأ القلب شجاعة؛ فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه الخوف من غير الله، وكلما ضعف إيمانه زاد وقوي خوفه من غير الله. ولهذا فإن خواص المؤمنين وأقوياءهم تنقلب المخاوف في حقهم أمناً وطمأنينة؛ لقوة إيمانهم، ولسلامة يقينهم، وكمال توكلهم [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] (آل عمران:، ١٧٣ ١٧٤) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. كلمات في الرجاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن الرجاء ركن من أركان العبادة؛ فالعبادة تقوم على الحب، والخوف، والرجاء. والرجاء عمل عظيم من أعمال القلوب، والنصوص الشرعية متضافرة على ذكره، والثناء في أهله. قال الله تعالى: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ] (الإسراء: ٥٧) . فابتغاء الوسيلة إليه طلب القرب منه بالعبودية والمحبة؛ فَذَكَرَ مقاماتِ الإيمان الثلاثة الحب، والخوف، والرجاء. وقال تعالى: [مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ] (العنكبوت: ٥) . وقال: [أُلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيْمٌ] وفي صحيح مسلم قال ﵊: =لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه+. وفي الصحيح قال": =يقول الله : =أنا عند ظن عبدي، فليظن بي ما شاء+. * حد الرجاء: ١_ قيل: الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويُطَيِّب لها السير.

стр. 188

٢_ وقيل: هو الاستبشار بجود فضل الرب ﵎ والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه. ٣ _ وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى. ٤_ وقيل: هو النظر إلى سعة رحمة الله. * الجمع بين الخوف والرجاء والحب: لابدّ للعبد من سيره إلى الله من الجمع بين الأركان الثلاثة؛ فالحب بمنزلة الرأس للطائر، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر كما قال ابن القيم×. * أنواع الرجاء: أنواع الرجاء ثلاثة، نوعان محمودان، ونوعٌ غرور مذموم؛ فالأولان: رجاءُ رجلٍ عمل بطاعة الله على نور من الله؛ فهو راجٍ لثوابه، ورجل أذنب ذنوباً ثم تاب منها، فهو راجٍ لمغفرة الله تعالى وعفوه، وإحسانه، وجوده، وحلمه، وكرمه، فهذان النوعان محمودان. والثالث: رجاء رجل متمادٍ في التفريط، والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل؛ فهذا هو الغرور، والتمني، والرجاء الكاذب. * الفرق بين الرجاء والتمني: الفرق بينهما أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد، والاجتهاد. والرجاء يكون مع بذل الجهد، وحسن التوكل. فالأول: كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها، ويأخذ زرعها. والثاني: كحال من يشق أرضه، ويفلَحها، ويبذرها، ويرجو طلوع الزرع. =تساؤل+ أيهما أكمل: رجاءُ المحسنِ ثوابَ إحسانه، أو رجاء المسيء التائب مغفرةَ ربِّه، وعفوه؟. والجواب: أن هذه المسألة وقع فيها خلاف؛ فطائفة رجَّحت رجاء المحسن؛ لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة رجّحت رجاء المذنب التائب؛ لأن رجاءه مُجَرَّدٌ عن علة رؤية العمل، مقرون بالانكسار، وذلة رؤية الذنب. * الرجاء لا يصح إلا مع عمل: فقد أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل. أما ترك العمل، والتمادي في الذنوب؛ اعتماداً على رحمة الله، وحسن الظن به فليس من الرجاء في شيء.

стр. 189

بل هو جهل، وسفه، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المفرطين، المعاندين، المُصِرِّين. قال ابن القيم×في شأن المتمادين في الذنوب؛ اتكالاً على رحمة الله: =وهذا الضرب في الناس قد تعلق بنصوص الرجاء، واتَّكل عليها، وتعلق بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا، والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله، ومغفرته، ونصوص الرجاء. وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب+ (١) . ثم ساق×أمثلة عديدة لما جاء عن أولئك. * ضابط حسن الظن: قال ابن القيم×: =فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسان الظن. فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستندُ حسنِ الظنِّ سعةَ مغفرةِ الله، ورحمته، وعفوه، وجوده، وأنَّ رحمَتَه سبقت غضبَه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو. قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك أجلُّ، وأكرم، وأجود، وأرحم، وإنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام، وشدة البطش، وعقوبة من يستحق؛ فلو كان مُعَوَّلُ حسنِ الظن على صفاته، وأسمائه لاشترك في ذلك البرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوُّه؛ فما ينفع المجرمَ أسماؤه، وصفاته، وقد باء بسخطه، وغضبه، وتعرض للعْنته، ووقع في محارمه، وانتهك حرماته؟ ! بل حسن الظن ينفع مَنْ تاب، وندم، وأقلع، وبدَّل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسَّن الظن بعدها؛ فهذا هو حسن الظن، والأول غرور، والله المستعان+ (٢) . فوائد الرجاء: وبعد أن تبين لنا حدُّ الرجاء، وضوابُطه فهذه نبذه عن فوائده، وفضائله؛ فالرجاء إذا كان في محله، وعلى وجهه الصحيح يثمر ثمراتٍ عظيمةً؛ فمن فضائل الرجاء، وثمراته ما يلي:

стр. 190

١_ إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة إلى ما يرجوه العبد من ربه، ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين. ٢_ أن الرجاء محبوبٌ لله؛ فالله يحب من عباده أن يرجوه، ويأملوه، ويسألوه من فضله؛ لأنه الملك الحق الجواد؛ فهو أجود من سئل، وأوسع من أعطى. وأحب ما إلى الجواد أن يُرجى، ويُؤمل، ويُسأل. ٣_ التخلص من غضب الله؛ فمن لم يسأل الله يغضب الله عليه، والسائل راجٍ، وطالبٌ. ٤_ أن الرجاء حادٍ يحدو بالعبد في سيره إلى الله، ويطيِّبُ له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته؛ فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء. ٥_ أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة؛ فإنه كلما اشتدّ رجاؤه، وحصل له ما يرجوه ازداد حباً لله تعالى وشكراً له، ورضاً به، وعنه. ٦_ أنه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية؛ فإنه إذا حصل له مرجوّه كان أدعى لشكره. ٧_ أنه يوجب له المزيد من معرفة الله، وأسمائه، ومعانيها، والتعلق بها؛ فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى، متعبدٌ، وداعٍ بها. ٨_ أن المحبة لا تنفك عن الرجاء؛ فكل واحد منهما يمد الآخر، ويقويه. ٩_ أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف؛ فكل راجٍ خائفٌ، وكل خائف راجٍ. ١٠_ أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربِّه، فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطفَ موقعاً، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يَرْجُه. ١١_ أن في الرجاء من الانتظار، والترقب، والتوقع لفضل الله ما يوجب تعلق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه، وصفاته، وتنقُّلُ القلب في رياضها الأنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم، وصفة. اللهم إنا نسألك حبك، وخوفك، ورجاءك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.