ومن ميزاته أيضا التى ذكرها: طىّ ما يقتضيه الكلام الوارد فى قوله تعالى:
وَاسْتَبَقَا الْبابَ (١٥) فقد طوى حضور سيدها وطرقه للباب وإسراعهما إليه لفتحه.
ومن ميزاته أيضا: أنه- القصص- مثبت بأسلوب بديع إذ ساقها فى مظان الإيقاظ مع المحافظة على الغرض الأصلى من تشريع، فتوفرت فى ذلك عشر فوائد:
الأولى: كانت غاية علم أهل الكتاب نقل أخبار الأولين، فلما جاء القرآن بقصصه متحديا ومعجزا لهم؛ لأن هذه الأخبار كان لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم منهم فقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا (١٦) فنفى عن المسلمين صفة الأمية التى ادعتها اليهود، وصفة الجهل التى ادعتها النصارى.
الثانية: تكليل هامة التشريع الإسلامى بذكر تاريخ المتشرعين وذلك من أدب الشريعة؛ لأنه لا يتعرض لقصص السابقين إلا لذكر ثبات إيمانهم وصبرهم، كما ذكر فى قصة أهل الكهف، ولا يذكر نسبهم ولا حسبهم.
الثالثة: فائدة ظهور المثل العليا فى الفضيلة وزكاء النفوس كفائدة من التاريخ وترتب الأحداث والعلاقة بين التعمير والتخريب والشر والخير.
الرابعة: عظة المشركين بإعلام ما حدث لأسلافهم ليعودوا لربهم فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧).
الخامسة: استخدام القصص القرآنى لأسلوب التوصيف والمحاورة الذى لم يعتده العرب، فهم يعترفون بأنه أسلوب بديع، ولكنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله.
السادسة: توسيع علم العرب الذين كانوا يتصفون بالجهل والأمية باطلاعهم على أحوال الأمم السابقة ليساعدهم ذلك فى تطهير أخلاقهم وتهذيبها.
السابعة: تعويد المسلمين على سعة العالم وعظمة الأمم، والاعتراف لكل ذى حق بحقه؛ فإذا علمت الأمة ذلك جمعت ميزات هذه الأمم وما يلائم حياتها.
الثامنة: إنشاء همة السعى إلى سيادة العالم فى نفوس المسلمين كما سعى إلى ذلك أمم سابقة.
التاسعة: معرفة أن قوة الله فوق كل قوة، فيساعد ذلك المسلمين على التمسك بوسيلتى البقاء: الاستعداد، والاعتماد، وهما وسيلتا السلامة.
стр. 177
العاشرة: تحصيل الفوائد التبعية مثل معرفة تاريخ التشريعات والحضارات الذى يفيد فى الإلمام بفوائد المدنية. كعلمنا بأن الشريعة القبطية كان يسترق فيها السارق من قصة يوسف فى قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (١٨).
ثم أجاب عن تساؤل: لماذا لم يكتف بالقصة الواحدة فى تحصيل المقصود منها، وما فائدة التكرار فى سور كثيرة؟
فذكر أن هذا الهاجس قد يكون تطرق من المناهج الإلحادية فى نظرتها للقرآن. ولكننا نقول: إن القرآن أقرب إلى الوعظ منه إلى التأليف، فالخطيب لو قام يعظ لو أعاد المعانى لم يعد الألفاظ، فالقرآن تارة تأتى القصة للبرهان وتارة للتبيان فيحصل بها مقاصد الخطبة والوعظ وتحصل معه مقاصد أخرى:
أحدها: الرسوخ فى الأذهان.
الثانى: إظهار البلاغة بتعدد الأساليب البديعة فى التعبير عن الغرض الواحد، فذلك وجه من وجوه الإعجاز.
الثالث: أن يسمع من تأخر إسلامه القصة التى نزلت فى وقت سبق إسلامه؛ لأن سماعه للقصة عند نزولها أوقع فى نفسه.
الرابع: لم يكن المسلمون كلهم يحفظون القرآن بأكمله، بل يحفظ البعض بعض السور، وعليه يكون من حفظ سورة فيها القصة لم يفت الآخر الذى حفظ سورة أخرى معرفة نفس القصة؛ لأنها مكررة فى السورة التى حفظها.
الخامس: أن فى كل مرة تكرر فيها القصة يذكر فيها ما لم يذكر فى غيرها؛ وذلك تجنبا للتطويل ومناسبة للحالة المقصودة من سامعيها، فتارة تساق للمؤمنين، وتارة تساق للكافرين، وبذلك يتفاوت الأسلوب بين الإطناب والإيجاز على حسب المقام، فقصة موسى ﵇ التى بسطت فى سورة طه والشعراء أوجزت فى سورة الفرقان فى آيتين هما: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (١٩) انتهى. تحرير الطاهر بن عاشور.
ولا شك أن الفوائد التى ذكرها بعضها أعظم من بعض، وإن لاحظنا العموم عليها بحيث تشمل جميع القصص القرآنى، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لكل قصة فائدتها الخاصة بها. ومن أراد ذلك فليطالع على سبيل المثال ما ذكره القاسمى فى تفسيره لسورة يوسف فى الآية الأخيرة منها.
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 178
مصادر البحث والاستزادة فى الموضوع
(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم للعلامة أبى السعود العمادى، ط القاهرة.
(٢) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.
(٣) تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلانى، تحقيق الشيخ محمد عوامة- نشر دار الرشيد- سوريا، حلب.
(٤) جامع البيان عن تأويل آى القرآن، لابن جرير الطبرى.
(٥) الفن القصصى فى القرآن، للدكتور محمد خلف الله. طبع القاهرة.
(٦) القاموس المحيط للفيروزآبادى وشرحه، تاج العروس للزبيدى.
(٧) القصص القرآنى فى مفهومه ومنطوقه للأستاذ عبد الكريم الخطيب، ط دار المعرفة، بيروت.
(٨) المستدرك على الصحيحين لأبى عبد الله الحاكم وتلخيصه للحافظ الذهبى.
(٩) محاسن التأويل للقاسمى ط مؤسسة التاريخ العربى بيروت، لبنان.
(١٠) المعجم الوسيط، وضع مجمع اللغة العربية- القاهرة.
стр. 179
محاورات القرآن وجدله
المحاورة: مصدر من (حاور) بمعنى تراجعا الكلام تقول: حاور الرجل صاحبه أى:
راجعه الكلام. كذا فى «المصباح».
وفيه أيضا: جدل الرجل جدلا، من باب تعب: إذا اشتدت خصومته، وجادل مجادلة وجدالا: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب. وفى لسان حملة الشرع:
مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق وإلّا فمذموم.
والمحاورة: تكون خصومة أو لا، وكذلك تكون فى مقابلة دليل أو لا. أما الجدل فعلى خلاف المحاورة فى الاثنين. فكل جدل حوار لا العكس. ومن استعمال الحوار فى الخصومة قوله تعالى: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ (١)، ومن مقابلة الدليل قصة المجادلة لزوجها فى الظهار، فى قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما (٢). ولم يأت الحوار الخالى من الخصومة ومن مقابلة الدليل فى القرآن.
والمحاورة المستعملة فى لغة الكاتبين فى عصرنا لا يكادون يستعملونها فى معنى الجدل، وكأن الجدل ليس فردا من أفرادها؛ لأنهم يقصرونه على اللدد فى الخصومة، مع أن الجدل منه ما هو محمود حسن، ومنه ما هو مذموم قبيح، فمن المذموم: جدال الكفار بغير علم وهم أتباع للشيطان فيه؛ لأنه هو الذى بدأه فى استكبار السجود لآدم قال تعالى فى هذا النوع: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (٣) ومن الجدل المحمود الحسن: ما كان مبعثه الرحمة والشفقة، كما فى قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٤)، والجدال فى نصفة النفس كما فى قصة المرأة المجادلة عن نفسها.
وأعظم الجدل المحمود هو ما كان فى نصرة الحق ودحض الباطل كما فى أمره لنبيه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٥)، إذا كان الخصم ليس لددا مصرا، أما إذا كان كذلك فيكون الصواب قوله تعالى: وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦).
стр. 180
ومن الكاتبين من خصوا هذا النوع السابق باسم الجدل فى القرآن. ولقد أجاد الإمام السيوطى فى كلامه عن هذا النوع من علوم القرآن فذكر ما ملخصه: أن نجم الدين الطوفي أفرد الجدل فى القرآن بالتصنيف، ونقل عن العلماء: أن القرآن اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، ولكن أوردها على عادة العرب مبتعدا عن دقائق طرق المتكلمين لأمرين هما: قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٧)، وأن مخاطبته فى محجة خلقه جاءت فى أجلى صورة ليفهمها العامة لا القليلون، فتلزم الجميع الحجة. ونقل عن ابن أبى الأصبع أن الجاحظ زعم أن المذهب الكلامى لا يوجد منه شىء فى القرآن. ورد عليه بأنه مشحون به.
ثم عرف الجدل بأنه: (احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام). ومنه نوع منطقى تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة، فالإسلاميون ذكروا أن أول سورة الحج إلى قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٨) خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات: قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ (٩)؛ لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها، وذلك مقطوع بصحته، لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته، منقول إلينا بالتواتر، فهو حق، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق، فالله هو الحق. وأخبر تعالى أنه يحيى الموتى؛ لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى، ليشاهدوا تلك الأهوال التى يعملها الله من أجلهم؛ وقد ثبت أنه قادر على كل شىء، ومن الأشياء إحياء الموتى، فهو يحيى الموتى، وأخبر أنه على كل شىء قدير، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين، ومن يجادل فيه بغير علم يذقه عذاب السعير، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شىء قدير، فهو على كل شىء قدير، وأخبر أن الساعة آتية لا ريب فيها، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (١٠)، وضرب لذلك مثلا بالأرض الهامدة التى ينزل عليها الماء، فتهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج، ومن خلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت، ثم يعيده بالبعث، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق، ثم أماتها بالجدب، ثم أحياها بالخصب، وصدق خبره فى ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على المتوقع الغائب؛ حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره فى الإتيان بالساعة، ولا يأتى بالساعة إلا من
стр. 181
يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ لأنها عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة، فهى آتية لا ريب فيها، وهو- سبحان وتعالى- يبعث من فى القبور (١١).
وقال: وقال غيره: استدل- سبحانه- على المعاد الجسمانى بضروب أحدها: قياس الإعادة على الابتداء كما فى قوله تعالى:
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (١٢)، وثانيها:
قياس الإعادة على خلق السموات والأرض بطريق الأولى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ (١٣)، وثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات، ورابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر، وخامسها: أن الاختلاف جبلة فى الدنيا، فلا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة، يرتفع فيها الخلاف والعناد، وهذا ما وعد الله به فى قوله تعالى:
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ (١٤).
ثم ذكر استدلالهم على أن الله صانع العالم، وهو واحد بدليل التمانع فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١٥).
ثم أخذ السيوطى يبين طرفا من المصطلحات المعروفة فى علم الجدل، فذكر منها: السبر والتقسيم، ومن أمثلته فى القرآن قوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ (١٦) الآيتين، فقد ردّ الله- سبحانه- فى الآيتين على الكفار فى تحريمهم ذكور الأنعام بالسبر والتقسيم، وكأنه يبين لهم أنه لا تصح أى علة للتحريم، فإما أن تكون العلة الأنوثة، أو الذكورة، أو اشتمال الرحم لهما، أو لا تدرى لها علة، فهو التعبدى، وهم لا يتلقون عن الله ليزعموا ذلك.
ومنها- أى المصطلحات: القول بالموجب.
ونقل عن ابن أبى الأصبع تعريفه: بأنه رد كلام الخصم من فحوى كلامه.
وقال غيره هو قسمان: أحدهما: أن تقع صفة فى كلام الغير كناية عن شىء أثبت له حكما، فيثبتها لغير ذلك الشيء كقوله تعالى:
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ (١٧)، فالأعز فى كلام المنافقين كناية عنهم، فنثبتها لغير ذلك وهو الله ورسوله (فالأعز) الله رسوله ﷺ و (الأذل) المنافقون.
ثانيهما: حمل لفظ وقع فى كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه.
وذكر له مثالا ظفر به فى قوله تعالى:
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ (١٨) فحمل لفظ (أذن) التى للسبب، على (الأذن) الحاسة.
стр. 182
ومنها: التسليم وهو قبول وقوع المحال افتراضا ثم التدليل على عدم فائدته وإن وقع كما فى قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ (١٩).
فلما كان الواقع على خلاف ذلك- مع التسليم فرضا بوقوعه- فلا يصح وجود إلهين لما يلزم منه المحال.
ومنها: الإسجال وهو: الإتيان بألفاظ تسجل على المخاطب وقوع ما خوطب به، كما فى قوله تعالى: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ (٢٠).
ومنها: الانتقال وهو: أن ينتقل من استدلال لآخر لعدم فهم الخصم له كما فى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ (٢١)، بعد عدم فهمه لقوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فقال وهو لا يفهم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
ومنها: المناقضة وهو: تعليقه على مستحيل إشارة لاستحالته، كما فى قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (٢٢).
ومنها: مجاراة الخصم، كما فى قوله تعالى: قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (٢٣). وبها يعسر عليهم بعد هذا التبكيت والإلزام المجاراة فى الجدل (٢٤).
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 183
أقسام القرآن
القسم: الحلف، اسم مصدر من أقسم إقساما: إذا حلف. كذا فى «المصباح» - وهو الغاية القصوى فى الكلام، ولذا لا يخاطب به خالى الذهن، وإنما يخاطب به المكذب والمنكر. وعلماء المعانى يجعلونه من الإنشاء الذى ليس لنسبته مدلول فى الخارج بل معناه قائم بنفس المتكلم.
وأركانه أربعة: (مقسم- ومقسم به- مقسم عليه- وأداة القسم). وقد أورد بعضهم شبهة مفاداها ما حكمة قسمه- سبحانه- أو قسم نبيه ﷺ ؛ لأن قسمه- سبحانه- وقسم نبيه ﷺ لمؤمن فلا حاجة له، أو لكافر فلا ينفعه بل ينفعه الدليل؟ وقد أجاب السيوطى عن هذه الشبهة بأن لغة العرب من عادتها القسم عند التأكيد، والقرآن نزل بلغتهم، ونقل جواب القشيرى بأن ذكر القسم لكمال الحجة والتأكيد؛ لأن الحكم يفصل فيه بالشهادة أو القسم، وقد جاء بهما- سبحانه- فى كتابه فقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ (١)، وقال : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (٢).
وأرى أن أمثل ما يجاب به: أن القسم إنما جاء لفرط أهمية المقسم عليه عند المقسم، وهذه فائدة يجدر بك أن تبينها للمؤمن والكافر على حد سواء.
وجواب آخر أعظم من السابق: أن القسم منه دليل وبرهان على قدرته على فعل المقسم عليه.
أركان القسم:
أولا: المقسم: المقسم فى القرآن أربعة:
(أ) الله تعالى نفسه، وهو كثير ولب موضوعنا كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٣).
(ب) رسول الله ﷺ أو غيره من الرسل كقوله تعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (٤)، وقول إبراهيم: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥).
(ج) غير الرسل كما فى قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (٦).
(د) غير البشر، كالذى جاء عن رأس الكفر
стр. 184
إبليس فى قوله تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٧).
ثانيا: المقسم به: جاء القسم فى القرآن بالله- سبحانه- أو أحد صفاته، أو بصفة فعله كبناء السماء وطحو الأرض، وبالمخلوقات كالصافات والذاريات والطور، وحياة النبى ﷺ خاصة فى قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٨). فالحلف به- أو بصفته أو صفة فعله لا إشكال فيها، وينعقد اليمين بها، ولزمته الكفارة فى الحنث، ولكن الكلام فى حلفه بمخلوقاته- سبحانه. والجواب ذكره السيوطى فذكر أوجها له:
أحدها: أنه على حلف مضاف تقديره (ورب التين).
والثانى: العرب تعظم الأشياء وتقسم بها، فنزل بلغة العرب.
والثالث: أن القسم بما يعظمه المقسم، وعليه فالقسم بالمخلوق هو قسم بالخالق.
ونقل السيوطى مثل هذا المعنى عن ابن أبى الأصبع فى (أسرار الفواتح) - ثم ذكر آثارا عن الصحابة والتابعين فى القسم بالنبى ﷺ ، وأنه كان لبيان مكانته عند ربه- سبحانه.
وأرى: أن ثانى الأجوبة التى ذكرها السيوطى لا معنى له؛ ولذا لم يذكره الحافظ ابن حجر مع استيفائه لأحاديث هذه المسألة فأورد الجواب الأول وهو حذف المضاف، والثالث: وهو أنه خاص بالله لتعظيم المقسم به. ونقل الحافظ عن ابن عبد البر جعل لفظ (أفلح وأبيه) من الحديث غير محفوظة، وتردها الأحاديث الصحيحة. وقد ورد فى غير حديث مرفوع القسم بقوله: (وأبيك) فى مثل إجابته عن أى الصدقة أفضل؟ فقال:
«وأبيك لتنبأن». فإذا ثبت ذلك، فالجواب عليه بأجوبة:
الأول: أنه كان يجرى على ألسنتهم دون قصد القسم والمنهى عنه قصد القسم بها.
وإليه مال البيهقى وارتضاه النووى.
والثانى: أنه يقع فى كلامهم للتعظيم والتأكيد، والنهى كان عن التعظيم. فمن أمثلة ما وقع فى كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر:
فإن تلك ليلى استودعتنى أمانة ... فلا وأبى أعدائها لا أذيعها
فلا يمكن أن يكون معظما لأبى أعدائها، بل قصد تأكيد كلامه.
والثالث: أن هذا كان جائزا ثم نسخ، قاله الماوردى، وحكاه البيهقى، وقال السبكى: أكثر الشّراح عليه. وقال ابن العربى: وروى أن
стр. 185
النبى ﷺ كان يحلف بأبيه ثم نهى عن ذلك.
وقال المنذرى: دعوى النسخ ضعيفة لعدم تحقق التاريخ.
والرابع: أن فى الجواب حذفا تقديره (أفلح ورب أبيه). قاله البيهقى.
والخامس: أنه للتعجب. قاله السهيلى.
والسادس: أنه خاص بالشارع دون أمته.
ورد بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
ثم تكلم الحافظ ابن حجر عن القسم بغير الله، وذهب إلى أنه لا ينعقد، ونقل عن بعض الحنابلة استثناءهم للحلف بالنبىّ ﷺ القول بالانعقاد فى الحلف به ﷺ ووجوب الكفارة فى الحنث، لأنه أحد ركنى الشهادة. وأطلق ابن العربى النسبة لمذهب أحمد ورد هذا.
ثم استنبط من الحديث المشروح- (أفلح وأبيه) - أن من قال: إن فعلت كذا فهو يهودى أو نصرانى. انعقد يمينه. ثم ذكر عن ابن المنذر أنه نقل الخلاف فى الحلف بغير الله، فنقل عن طائفة أن النهى خاص بأيمان الجاهلية لتعظيمهم فيها الأوثان، فهذه يأثم صاحبها ولا تنعقد.
وأما ما كان يؤول إلى تعظيمه- والقربة إليه ليس داخلا فى النهى، ومن قال به أبو عبيد وطائفة، ودليله إيجاب الصحابة على الحالف بالهدى والصدقة والعتق، وهذا يعنى أنهم فهموا النهى ليس عاما، وتعقبه ابن عبد البر بأنه ليس حلفا.
ونقل عن الطبرى عدم انعقاد الحلف بغير الله، وأن ابن عباس علل قسمه- سبحانه- بالمخلوقات ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم. ونقل الإجماع عن ابن هبيرة على انعقاد الحلف بالله- والاتفاق على عدم جواز الحلف بمعظم، ونقل انفراد أحمد بانعقاد الحلف بالنبى ﷺ ، ونقل عن عياض عدم الخلاف بين الفقهاء من انعقاد الحلف بالله أو بصفاته إلا ما روى عن الشافعى باشتراط نية الحالف بالصفات.
وهذا النقل عن الشافعى غير صحيح؛ لأن الشافعى يشترط النية فى ما يصح إطلاقه عليه- وعلى غيره. ونقل عن وجه للشافعية أن اليمين الصريح عندهم بلفظ (الله)، وعن المالكية التعميم، وكذلك الحنابلة (٩).
ثالثا: أداة القسم: الغالب فيها أن تكون فعلا كأقسم، ويجب حذف هذا الفعل من الواو القسمية ك (والله)؛ لأن هذه الواو لا تدخل إلّا على الاسم الظاهر، وكذلك يجب حذفه مع التاء، وهى مختصة بلفظ الجلالة (تالله) وتفيد مع القسم معنى التعجب كقول أخوة يوسف: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (١٠)، وغالبا يذكر الفعل مع الباء القسمية ك (أقسم
стр. 186
بالله لأفعلن كذا).، وقلما يحذف كما فى قوله تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١١).
ولقد ذكر جار الله الزمخشرى الفرق بين الباء والتاء: أن الباء الأصل، والتاء مبدلة من الواو التى مبدلة منها، وفى التاء زيادة معنى التعجب (١٢). فالغالب فى أداة القسم ائتلافها من فعل وحرف على ما وصفنا.
وقد يكون القسم جملة اسمية، فيحذف خبرها وجوبا إذا كان المبتدأ نصا فى اليمين كقولهم: (لعمر الله لأفعلن كذا)، وقوله تعالى:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٣) وتقدير المحذوف: يمينى أو قسمى، فإن لم يكن نصا فى اليمين أو القسم جاز حذف الخبر وذكره، كما فى قولهم: (عهد الله لأفعلن كذا). نصّ على ذلك ابن عقيل فى شرحه «لألفية ابن مالك».
و «فى حاشية الخضرى» شرح معنى قولهم: (نصا فى القسم) بأن يكثر ويغلب استعماله فى القسم. وبيّن أن (عهد الله) يعتبرها بعضهم (نصا فى القسم)، فلا إشكال فى تسوية الفقهاء بينها وبين (العمر)؛ لأنهما كناية يمين، ولا ينعقد بهما إلّا مع النية (١٤) وقد تحذف أداة القسم والمقسم به معا ويدلّ عليهما باللام الموطئة للقسم كقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً (١٥)، وقد يحذفان فلا يدلّ عليهما إلّا المعنى، قال السيوطى نحو: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (١٦).
رابعا: المقسم عليه: الأصل فيه وهو جواب القسم، أن يذكر كما سبق فى الأمثلة، وقد يحذف، فقد ذكر أبو على الفارسى أن الألفاظ الجارية مجرى القسم قسمان:
أولهما: التى كغيرها من الأخبار وليست بقسم، فلا تجاب بجواب، كما فى قوله:
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا (١٧). فتجوز أن تكون قسما أو حالا للخلو من الجواب.
وثانيهما: ما يتلقى بجواب القسم كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ (١٨). بل يحذف جواب القسم مع هذا الثانى لحكمة. وقد بيّن شمس الدين ابن القيم فى (التبيان فى أقسام القرآن) أن القسم فى القرآن بأمور: على أمور، فيقسم- سبحانه- بذاته وصفاته، وآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وبعض المخلوقات ليدل على عظيم آياته، ثم بين أن الغالب على القسم الجملة الخبرية، وقد تكون طلبية كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)، وقد
стр. 187
يراد تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم.
والأشياء الواضحة الجلية يقسم بها لا عليها، ويجوز ذلك فى القرآن. وذكر أن فى القرآن تارة يذكر جواب القسم، وتارة يحذف، والأول الغالب. والحالف لا يعيد المقسم عليه ولو كرر القسم، ولما كان القسم يكثر فى الكلام حذف فعله واكتفى بالباء، ثم حذفت وعوض عنها بالواو فى الأسماء الظاهرة والتاء فى أسماء الله. فسبحانه وتعالى يقسم على أصول الإيمان وأن الرسول حق، وأن الجزاء والوعد والوعيد حق، وحال الإنسان.
فمن الأول: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (٢٠) إلى قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٢١)، ومن الثانى:
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٢)، ومن الثالث: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (٢٣) إلى قوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٢٤)، ومن الرابع: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٢٥).
ثم ذكر أن الجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره، بل يراد تعظيم المقسم به، وهذا يذكر معه الفعل مع حرف القسم كقولك: (فلان يحلف بالله وحده)، وقد يكون بحرف القسم فقط كقوله ﷺ : «لا، ومقلب القلوب»، وتارة بحذف الجواب، وهو مراده لظهوره بدلالة الحال، أو بدلالة السياق، ويكثر إذا كان فى نفس المقسم به ما يدلّ عليه، وهى طريقة القرآن؛ لأن المقصود يحصل بذكر المقسم به، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ، كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال: والذى أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات ... فلا يكون فى حاجة إلى جواب.
ومن ذلك قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (٢٦). انتهى ملخصه.
تنبيهات: أحدها: قد تقع (لا) قبل فعل القسم كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (٢٧) واختلف العلماء فى تفسير المراد عندئذ على ثلاثة أقوال مبناها اختلاف فى (لا):
١ - أن (لا) نافية فهو نفى للجملة، وليس نفيا لاستحقاقها القسم بها.
٢ - أن (لا) نافية نفت الكلام السابق وجملة القسم مثبتة وهو أضعفها.
٣ - أن (لا) زائدة لمجرد التأكيد، وجملة القسم مثبتة.
وعليه يكون القسم حاصلا على قولين وغير حاصل على قول.
стр. 188
ثانيها: (المسميات الإيمانية والتربوية للقسم):
جعل الله من مقتضى الإيمان الكامل عدم جعل اسم الله عرضة للقسم، فقال تعالى:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٨)، والجعل متعلق بالاسم لا بالذات كما نصّ عليه الطاهر بن عاشور.
والعرضة: على وزن الفعلة وزن دالّ على المفعول. وهو مشتق من عرضه إذا وضعه على العرض أى الجانب. والمقصود جعل الشيء حاجزا. فالعرضة تطلق على المعنيين، ويمكن حمل الآية على المعنيين. والمعنى الثانى شاع حتى ساوى الحقيقة. واللام فى (لأيمانكم) لتعدية الفعل. أى تحلفوا بالله على الامتناع عن التقوى والبر والإصلاح. وسمّى الحلف يمينا؛ لأن العرب كانت من عادتهم أن يمسك المتحالفان كل واحد منهما يمين الآخر.
ثم اختصروا فقالوا: صدرت منه يمين أو حلف يمينا، فهى من تسمية الشيء بما يقارنه ويلازمه، فلما كان أغلب حلفهم معاهدة بحيث يضع المتعاهدون أيديهم بعضا على بعض، فشاع إطلاق اليمين على الحلف. وهو يرجع إلى إشهاد الله على صدق الحالف.
ومعنى الآية- لو كانت العرضة بمعنى الحائل- أى لا تجعلوا اسم الله حائلا معنويا بينكم وبين فعل البر والتقوى والإصلاح. كما وقع من أبى بكر عند ما أقسم ألّا ينال مسطحا بخير بعد أن خاض فى الإفك. وأما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرّض، فالمعنى: لا تجعلوا اسم الله معرضا لأن تحلفوا به فى الامتناع عن البر والتقوى والإصلاح.
وقدّرت (لا) بعد (أن) فصار المعنى أن لا تبروا كما فى قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (٢٩) لأن تعظيم الله يجب أن لا يكون سببا فى قطع ما أمر به ونهى عن عدم البر والتقوى والإصلاح. وهذا النهى يستلزم أن الحلف لو وقع على ترك البر فلا حرج من تركه. وعليه يكون قوله: أَنْ تَبَرُّوا مفعولا لأجله فهو علة النهى أى إنما نهيتكم لتكونوا أتقياء أبرارا مصلحين. فعلى التقدير الأول يكون هناك عذر فى الحنث، وعلى التقدير الثانى يكون هناك تحذير من الحلف. ومن تمام ما يتعلق بالآية السابقة من آداب سامية فى الحلف معالجة المشقة التى تقع على الذين جرت الأيمان على ألسنتهم، فما حكم أيمانه؟ ويظهر الحاجة إلى فهم قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ
стр. 189
يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٣٠).
وقد ذكر الطاهر بن عاشور فى تفسير هذه الآية ما ملخصه: أن النفوس بعد سماع الآية السابقة تزداد الهواجس من كثرة تردد الأيمان على الألسنة. فجاء قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ (٣١) الآية.
والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة.
فالمفاعلة للمبالغة فى الأخذ والمحاسبة، واللغو مصدر من لغا: إذا قال كلاما باطلا.
ويقال: لغا يلغو لغوا، كدعا، ولغا يلغى لغيا كسعى. ولغة القرآن بالواو، وفى اللسان «أنه لا نظير له إلّا قولهم أسوته أسوا وأسى».
ويطلق اللغو أيضا على الكلام الساقط الذى لا يعتد به وهو الخطأ وهو إطلاق شائع.
واقتصر عليه الزمخشرى فى «الأساس» وفى «الكشاف». و (فى) للظرفية المجازية يراد بها الملابسة، وهى صفة للغو أو حال منه، وكذلك قدره الكواشى فيكون المعنى: لا يؤاخذكم الله بأن تلغوا لغوا ملابسا للأيمان.
هذا إن جعلت اللغو مصدرا، أما إذا جعلته اسما للكلام الساقط فيكون المعنى: لا يؤاخذكم الله فى أيمانكم باللغو. فكثرة جريان الحلف على الألسنة جعلته يشبه اللغو فى الكلام.
وقد اختلف العلماء فى مراد اليمين فى الآية: الجمهور على أنها الأيمان الجارية على الألسنة بغير قصد الحلف، وهذا قول عائشة والشعبى وأبى قلابة، وعكرمة، ومجاهد، وأبى صالح وبه أخذ الشافعى. ودليله أن اللغو وردت فى الآية فى مقابلة المنعقدة، فلا بد أن هذه التى لا قصد فيها أى غير منعقدة فلا إثم ولا كفارة عليها، وفى غيرها الكفارة المذكورة فى سورة المائدة: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (٣٢) فيكون فى الغموس، والمعلق، وعلى الظن الذى يتبين خلافه.
وذهب مالك إلى أن اللغو هو الذى يقسم فيه على شىء يظنه كذلك، أو يتبين خلافه ظنه، وهو مروى فى غير «الموطأ» عن أبى هريرة، وقال به الحسن، وإبراهيم، وقتادة والسدى، ومكحول، وابن أبى نجيح، ودليله من الآية المؤاخذة على كسب القلب لا على أصل القسم، فعلم أن المراد بكسبه كسب الحنث أى تعمده، فالحالف على ظن يظهر خطؤه لا يتعمد الحنث، فهو الملغو ولا مؤاخذة فيه.
ومن قال: لا والله. وهو كاذب فهو قسم عنده، وجاءت عليه الكفارة؛ لأنه حلف حين حلف وهو حانث، وإنما جعلنا تفسير (ما كسبت قلوبكم) كسب الحنث، لأن مساق الآية للحنث، لأن قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ
стр. 190
عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ (٣٣) إما إذن فى الحنث، أو نهى عن الحلف خشية الحنث.
وقال جماعة: اللغو لم يقصد به الكذب، فشمل القسمين: ما كان بلا قصد، وما كان بقصد مع اعتقاد الصدق، وممن قال به ابن عباس، والشعبى، وأبو حنيفة وعلله بمثل ما سبق ذكره من عدم تعلق المؤاخذة بأصل الحلف.
والمنعقدة من العقد، وهو فى اللغة بمعنى:
الربط- فهى يمين فيه تعليق، ومقابل اللغو؛ المنعقدة والغموس، فالمنعقدة والغموس نوعان، وفى الحنث بالمنعقدة الكفارة. وقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٣٤) تدليل لحكم
نفى المؤاخذة.
ثالثها: كما وقع القسم فى الدنيا يقع فى الآخرة، ومن ذلك قول أهل الجنة: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٣٥). وكذلك يقع من الكافرين فى قولهم: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣٦). والله أعلم.
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
مصادر هذ الموضوع
(١) الإتقان فى علوم القرآن، للسيوطى.
(٢) التبيان فى أقسام القرآن، لشمس الدين ابن القيم، ط دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
(٣) التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور.
(٤) تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير.
(٥) الجامع الصحيح، للبخارى.
(٦) شرح ابن عقيل لألفية بن مالك وحاشية الخضرى عليه، ط عيسى الحلبى.
(٧) صحيح مسلم.
(٨) فتح البارى شرح صحيح البخارى، للحافظ ابن حجر العسقلانى.
(٩) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، لجار الله الزمخشرى.
стр. 191
الأسماء والكنى والألقاب فى القرآن
فى هذا النوع من علوم القرآن، حفل كلام السيوطى بالكثير من الأخبار المنكرة والباطلة، وما لا أصل له، وما هو من الإسرائيليات التى لا أصل لها فى الكتاب والسنة؛ ولذا فإنا نطرح كل ذلك، ونكتفى بمجرد المس الخفيف لما عرض له القرآن من هذه الأنواع الثلاثة، دون الدخول فى الشرح التفصيلى لمعنى أى منها، فضلا عما وراء ذلك من سبب التسمية وذكر الأنساب وغيرهما، على ما وقع من السيوطى فى الكثير من هذا.
أولا: الأسماء:
ذكر الله- تعالى- من الأسماء فى القرآن العظيم أعلاما وأسماء أجناس، فمن الأعلام:
وأشرفها، أسماء القرآن، وقد مرت، وأسماء الكتب المتقدمة (التوراة كتاب موسى، والزبور كتاب داود، والإنجيل كتاب عيسى، ﵈، ويلى ذلك فى الشرف أسماء الأنبياء وبعض الملائكة ﵈.
فأما أسماء الأنبياء، فقد ذكر الله منها ستة وعشرين اسما لخمسة وعشرين نبيا، منهم ثمانية عشر اسما فى قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (١) ويبقى سبعة وهم إدريس وهود وشعيب وذو الكفل وصالح وآدم، وقد نظمهم بعضهم فقال:
فى تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
وإنما كانت الأسماء ستة وعشرين مع كون المسمين- ﵈ خمسة وعشرين، لأن لنبينا ﷺ اسمين مذكورين فى القرآن «محمد» فى أربع سور (آل عمران- والأحزاب
стр. 192
- ومحمد- والفتح) «وأحمد» فى (سورة الصف).
وأما ما جاء من أسماء بعض الملائكة فجبريل، وميكال أو ميكائيل- وقرئ بهما- ﵉.
ومنها أعلام لبشر غير أنبياء، كلقمان فى سورته على القول بأنه غير نبى، «وكزيد» أى ابن حارثة مولى النبى ﷺ وقع التنصيص على اسمه ليكون واقعة عين مشهودة فى قاعدة إبطال التبنى، وهدم ما كان معروفا فى الجاهلية من توريث المتبنى وتحريم زواج من تبناه بامرأته، على ما جاء فى سورة الأحزاب من تزويج الله تعالى نبيه بزينب امرأة زيد الذى كان متبناه.
ومن تلك الأعلام: «مريم» أم عيسى ﵉ ولها سورة فى القرآن مسماة باسمها، ولم يذكر علم لأحد من النساء سواها؛ لكونها وابنها آية للعالمين. وهؤلاء جميعا من البشر المؤمنين.
ومن أعلام كفار البشر: «آزر» أبو إبراهيم- ﵇ خلفه حقا وحقيقة، لا مجازا على ما يدعيه البعض.
ومنهم: «قارون وهامان» وقد ذكرا فى «القصص» و «غافر».
ومنهم: «جالوت» الذى قتله داود- ﵇ على ما جاء فى قصة طالوت وجنوده من سورة البقرة.
ومن غير البشر والملائكة جاء علم لجنى واحد هو إبليس رأس الكفر- لعنه الله.
ومن أعلام القبائل: (عاد، وثمود، ومدين) فى مواضع عديدة من القرآن.
و (يأجوج ومأجوج) فى الكهف. والأنبياء و (سبأ) فى سورتها. و (قريش) فى سورتها.
وكما رأى القارئ الكريم، فإن ما ذكر إلى الآن أعلام أشخاص للعقلاء أفرادا كانوا أو جماعات.
ومن الأعلام المذكورة فى القرآن لغير العاقل:
(أ) أعلام للأصنام- وقد جاء من هذا:
ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، أصنام قوم نوح على ما جاء فى سورة نوح- ﵇.
واللات، والعزى، ومناة. أصنام مشركى قريش والعرب، وذكرت فى سورة النجم.
(ب) ومنها أعلام الأمكنة والبلدان والأنهار والوديان وما إلى ذلك. فمن البلدان: مكة وبكة، بالميم والباء. والمدينة لمدينة النبى ﷺ ، وهو علم بالغلبة، ويثرب لها أيضا. ومصر الممنوعة من الصرف فى أربعة مواضع من القرآن: موضع فى يونس، واثنان فى يوسف، ورابع فى الزخرف. وبابل فى قصة هاروت وماروت من سورة البقرة.
ومن الأمكنة: بدر، وحنين، والمشعر الحرام- وهو علم بالغلبة على المزدلفة، أو على جبل
стр. 193
بها، والصواب الأول. والحجر: مساكن قوم صالح- ﵇ وفى التنزيل سورة باسمه. والأحقاف: مساكن عاد قوم هود، وفى القرآن سورة بهذا الاسم كذلك. والكهف:
علم بالغلبة على الذى أوى إليه الفتية وله سورة باسمه كذلك. وعرفات: اسم للمكان المخصوص أو للجبل والصواب الأول.
ومن الجبال: «طور سيناء».
ومن أسماء الأنهار: «الكوثر»: نهر فى الجنة.
وسلسبيل وتسنيم عينان فى الجنة كذلك.
ومن الأودية: «ويل»: اسم واد فى جهنم، على ما أخرج الترمذى بسند حسن من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا.
وأشرف أعلام الأمكنة على الإطلاق- (العرش العظيم)، ثم الفردوس: اسم لأعلى الجنة وأوسطها، وفوقها- بالضم أى سقفها- عرش الرحمن. ثم مكة، فالمدينة. فهذه هى الأعلام.
وأما أسماء الأجناس فهى كثيرة جدا كالإنس، والجان، والملائكة، والطير، والشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والجبال، والشجر، والدواب إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولا يفيد استقصاؤه.
ثانيا: الكنى:
ولم يأت منها فى القرآن إلا واحدة فى قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ لعم النبى ﷺ واسمه عبد العزى على ما هو معروف مشهور فى السير والمغازى.
ثالثا: الألقاب:
وأما الألقاب فكثيرة منها: النبى، والرسول، والخليل لإبراهيم ﵇، وإسرائيل بمعنى عبد الله ليعقوب ﵇، والمسيح لعيسى ﵇.
ومنها: فرعون لقب لمن ملك مصر قديما ومنهم فرعون موسى، وتبّع لمن ملك اليمن.
ومن ألقاب غير البشر وشرها على الإطلاق: الشيطان: لقب لإبليس- لعنه الله- ثم استعمل فى كل من بلغ من الشر أقصى غاية- كشياطين الجن والإنس، وكذلك الوسواس الخناس مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
والله أعلم
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 194
الموصول لفظا المفصول معنى
أفرد السيوطى نوعا وذكر أنه جدير بالإفراد بالتصنيف، وبه تحصل فوائد وحل إشكالات، وحاصل هذا النوع فى أمرين:
أحدهما: أن يتبادر معنى لا يصلح أن يكون مرادا ويندفع الإشكال بحمله على آخر.
ثانيهما: أن يتوهم أن صاحب الكلام واحد فيندفع هذا التوهم ببيان قائله. والمعنى الجامع لهما هو: قطع آخر الكلام عن أوله لحكمة، ومن مثل الأمر الأول التى صدّر بها السيوطى بحثه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها حتى قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. فالحديث فى قصة آدم كما جاء التصريح
بذلك، أخرجه ابن أبى حاتم وغيره عن ابن عباس بسند صحيح، وعند أحمد والترمذى وحسنه، والحاكم وصححه من طريق الحسن عن سمرة مرفوعا.
ولكن آخر الآية مشكل لما فيه من نسبة الإشراك لآدم. وهناك من حمل الآية على غير آدم، وعلّل الحديث- أى جعله معلولا- وحكم بنكارته، وحاصل ما دفع به السيوطى الإشكال مستندا إلى قولى السدى وأبى مالك أن قوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ مفصول عما قبله وهو مختص بمشركى العرب.
ثم نقل السيوطى ثلاث روايات عند ابن أبى حاتم بهذا المعنى فاتضحت المعضلة.
ويوضح ذلك تحول الضمير من التثنية العائد لآدم وحواء فى قوله تعالى: آتاهُما إلى الجمع فى قوله تعالى: يُشْرِكُونَ.
وأرى أن الإشكال ما زال قائما لقوله تعالى:
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. ومن خير ما وقفت عليه فى تفسير هذه الآية ما قاله جمال الدين القاسمى فى تفسيرها حيث ذكر تنبيها: بأن هذه الآية سيقت لتوبيخ المشركين فى جنايتهم بالشرك، وذلك أن الله أنعم عليهم بالخلق، وجعل الزوج للسكينة، فتتدرج فى الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة، ثم أخذ المواثيق عليهم إن آتاهم ما يطلبون أن يشكروه ولا يكفروا. ونقل عن المفسرين أحاديث وآثارا تشير إلى أن المراد من القصة آدم وحواء، وحكم على هذه
стр. 195
الروايات بأنها واهية معللة، ونقل ذلك عن الحافظ ابن كثير، وقال: إنها من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب. ثم بين ما ارتضاه فى تفسير الآية الذى قاله غير واحد، منهم الحسن وهو: أن المعنى به: ذرية آدم ومن أشرك بعدهم، ونقل تحسين ابن كثير لهذه الروايات عن الحسن، ونقل عن القفال أن القصة على جهة ضرب المثل، ونقل عن الناصر فى (الانتصاف) متعقبا على الزمخشرى: الأسلم أن يكون المراد جنس الذكر والأنثى، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم موحدون من باب (بنو فلان قتلوا قتيلا) فالنسبة للبعض (١).
والحاصل: أنه إن أريد بالنفس الواحدة الأب وزوجها الأم بما يشمل كل أم وأب فلا إشكال. وإن أريد آدم وحواء فالوجه أن فى الكلام استخدام (٢) - وهو محسن بديعى- بأن يعود الضمير فى (يسكن) على آدم وفى (إليها) إلى حواء، ثم يعود فى أول الضميرين فى (يغشاها) للذكر وثانيهما للأنثى. فينحل الإشكال بالكلية.
ثم إن السيوطى نقل مثلا لمثل ما قاله ولكنه لا يسلم فى سورة يوسف فى قول امرأة العزيز: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٣).
والصحيح الذى نذهب إليه: أن الجميع كلام امرأة العزيز، وإن كان الأكثرون على أن كلامها انتهى عند قوله: وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فليس فى الكلام وصل وفصل فى آية يوسف (٤).
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 196
خواص القرآن
أفرد الإمام الغزالى بالتصنيف (خواص القرآن)، ويقصد بها ما لآى القرآن من خواص مادية فى الشفاء من الأمراض، وإبطال السحر، والنجاة من العدو، وكل هذا توصل إليه العلماء من تجاربهم الشخصية؛ لأنهم يعتقدون البركة فى القرآن، وهذا لا ينفع إلا من اعتقد اعتقادهم، وإن كان فعل هؤلاء العلماء له أصل فى السنة، فى حديث رقية أبى سعيد لديغا بالفاتحة فبرأ، فأقره النبى ﷺ وقال: «ما يدريك أنها رقية»، على ما فى البخارى من فضائل الفاتحة. وثبت أن آية الكرسى تحرز من الشيطان، على ما فى نفس المصدر، وكذلك أن سور الإخلاص والمعوذتين تشفى من الوجع على وجه مخصوص، هذا ما ذكره الكاتبون فى هذا المعنى من أمثال الزركشى فى «برهانه» والسيوطى فى «إتقانه»، ولو عمم المسلمون ذلك ليشمل القرآن بخواصه جميع مناحى الحياة- لأن القرآن كتاب جميع أصول الخيرات من أصول اعتقاد وتشريع، كما جمع محاسن الأخلاق- لدفعهم إلى التقدم والرقى الحضارى.
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 197
جمع القرآن
ذكر الشيخ غزلان فى كتابه (البيان فى مباحث القرآن) أن جمع الشيء فى اللغة هو:
استقصاؤه والإحاطة به. فجمع القرآن معناه:
استيعابه والإحاطة به. وذلك بطريقتين هما:
حفظه كله، أو كتابته كله، فالأولى فى الصدور، والثانية فى السطور.
وقد وردت الروايات الصحيحة باستخدام لفظ (الجمع) فى التعبير عن الطريقتين: فقد روى عن أنس أنه سئل عمّن جمع القرآن فى عهد رسول الله ﷺ أى: أتم حفظه. وقول عبد الله بن عمرو: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة.
ومن الثانى: قول أبى بكر لزيد بن ثابت ﵁: (تتبع القرآن فاجمعه) أى اكتبه. وقد توفر للقرآن الجمع بنوعيه منذ أول عهده إلى الآن تحقيقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١).
أوّلا: جمع القرآن بمعنى حفظه:
بدأ هذا الجمع من أول نزول القرآن، وبالطبع كان رسول الله ﷺ أول الحفاظ وسيدهم، وقد تكفل الله- بجمعه له فى صدره قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ الآيات الثلاث (٢). فكان يمليه ويقرأ به ﷺ فى قيامه، وكان يعارضه به جبريل فى كل عام مرة.
أما صحابته- رضى الله عنهم- فكانوا أهل حفظ، وعربا خلصا، لهم من صفاء القريحة ما ساعدهم على حفظه، هذا بجانب حرصهم الشديد على القرآن؛ لأنه معجزة الله الباهرة، ومصدر الشريعة، وحفظه وقراءته وتلاوته لها الثواب والأجر العظيم، وقد وعد الله- سبحانه- النبى ﷺ بأن يكون الكتاب المنزل عليه لا يغسله الماء، ففي صحيح مسلم فى كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها فيه:
«وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان». الحديث؛ ولذا قال الحافظ ابن الجزرى: «إن الاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة». (٣) ثم بيّن أن أهل الكتب السابقة لم تكن لهم نفس الخصيصة،
стр. 198
فكل قراءتهم كانت من الكتب، ولكن هذه الأمة تحفظ كتابها بحركاته وسكناته. ونقل عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه فى أول كتابه «القراءات» ذكر كثيرا من الصحابة الذين رويت عنهم القراءة. وذكر ابن الجزرى أن هذه الكثرة التى ذكرها أبو عبيد كانت على جهة المثال فقط لا الحصر. فلا شك أن عددا كبيرا من الصحابة كان يحفظ القرآن.
أما ما روى من أحاديث فى حصر من جمع القرآن فى أربعة هم: أبىّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
الحديث فى صحيح البخارى عن أنس (٤).
وفى رواية أخرى: استبدال أبىّ بأبى الدرداء، وفى الرواية الثانية: حصر الجامعين بالنفى فى الأربعة فقال: مات رسول الله ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة. فقد ذهب بعض العلماء إلى اضطراب هذه الروايات وتضعيفها، مع ملاحظة كونها موقوفة على الصحابى. وهذا ما مال إليه القاضى الباقلانى فى «الانتصار» ولكنه ذكر أوجها متكلفة فى تأويله.
ومن أمثل ما قيل فى توجيه روايتى أنس، ما ذكره الحافظ ابن حجر وملخصه: أن أول الحديث كان فيه نوع تفاخر بين الأوس والخزرج، فتفاخر الأوس بأربعة، وتفاخر الخزرج بأربعة جمعوا القرآن. ثم ذكر أنه قد يراد هذا الحصر فى الخزرج فقط، فلا ينفى ذلك عن غيرهم من الصحابة. ونقل احتمال التوجيه بأن أنسا اقتصر عليهم لتعلق غرضه بهم، وحكم عليه بالبعد. ثم ذكر أن الظاهر من أحاديث كثيرة حفظ أبى بكر الصديق للقرآن فى حياة النبى ﷺ ، وقد قدّمه رسول الله ﷺ للصلاة بالناس وكان قد قال: «يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله».
وذكر عن علىّ أنه جمع القرآن على ترتيب النزول بعد وفاته ﷺ . وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة روى عنهم جمعهم للقرآن. وقد ذكر ابن أبى داود فى كتاب «الشريعة» تميم بن أوس الدارى، وعقبة بن عامر أنهما جمعاه. وعدّ معهم أبو عمرو الدانى: عمرو بن العاص، وسعد بن عبادة، وأم ورقة.
ثانيا: جمع القرآن بمعنى كتابته:
لكتابة القرآن ثلاثة عهود: أحده ا: عهد النبى ﷺ ، ثانيها: عهد أبى بكر الصديق ﵁، ثالثها: عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁.
(أ) عهد النبى ﷺ :
وقعت الكتابة للقرآن رسميا وشخصيا، فقد كتب القرآن بأمر رسول الله ﷺ على
стр. 199
المستوى الرسمى بكتابة القرآن، واتخذ كتابا للوحى، وقد بوب البخارى بابا سماه (كاتب النبى ﷺ لم يذكر فيه إلّا زيد بن ثابت، وذكر الحافظ أربعة عشر. وما يدلّ على الكتابة الرسمية ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس عن عثمان بن عفان قال: «كان رسول الله ﷺ مما يأتى عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه فى السورة التى فيها كذا» (٥).
وما أخرجه الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع» (٦) الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى.
فهذان الحديثان فوق دلالتهما على الكتابة الرسمية يدلان على التوقيف فى ترتيب آيات السور.
وتأليف القرآن المقصود: جمعه وترتيبه كما صرح بذلك الحافظ فى «الفتح». (٧)
أما الكتابة على المستوى الشخصى، فلا شك أن الصحابى الذى كان يعرف الكتابة كان يكتب لنفسه، ويدلّ على وقوع تلك الكتابة حديث أبى سعيد عند مسلم فى (كتاب الزهد باب التثبت وحكم كتابة العلم)، أن النبىّ ﷺ قال: «لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه». وسواء كان النهى لعدم اختلاف الكتاب بالسنة، أم كان النهى بخصوص كتابة السنة مع القرآن، أم لتوجيه الهمة للقرآن وحده سواء علينا أكان هذا أم ذاك، فإن الحديث صريح فى كتابة القرآن، بل فيه حض عليه. فالكتابة على المستويين تمت ووقعت فى عهده ﷺ .
والسؤال: على أى شىء كانوا يكتبون؟
يقول زيد بن ثابت فى حديثه فى جمع القرآن: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال». وقد شرح الحافظ بعض هذه الألفاظ فذكر: أن العسب- بضمتين ثم موحدة- جمع عسيب، وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون فى الطرف العريض. وقيل: العسيب طرف الجريدة العريض الذى لم ينبت عليه الخوص، والذى ينبت عليه الخوص هو السعف.
ووقع فى رواية ابن عيينة عن ابن شهاب:
«القصب، والعسب، والكرانيف، وجرائد النخل». ووقع فى رواية شعيب «من الرقاع جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد». وفى رواية عمار بن غزية: «وقطع الأديم» وفى رواية ابن أبى داود من طريق أبى داود الطيالسى عن إبراهيم بن سعد:
«والصحف».
стр. 200
قوله: «واللخاف» بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وآخره فاء، جمع لخفة، بفتح اللام وسكون المعجمة، ووقع فى رواية أبى داود الطيالسى فى روايته: هى «الحجارة الرقاق» وقال الخطابى: صفائح الحجارة الرقاق. قال الأصمعى: فيها عرض ودقة. وسيأتى للمصنف فى الأحكام عن أبى ثابت أحد شيوخه أنه فسره بالخزف- بفتح المعجمة والزاى ثم فاء- وهى الآنية التى تصنع من الطين المشوى، ووقع فى رواية شعيب:
«والأكتاف» جمع كتف وهو العظم الذى للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا فيه. وفى رواية عمارة «وكسر الأكتاف»، وفى رواية ابن مجمع عن ابن شهاب عند ابن أبى داود «والأضلاع»، وعنده من وجه آخر «والأقتاب» - بقاف ومثناة وآخره موحدة- جمع قتب- بفتحتين «وهو الخشب الذى يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وعند ابن أبى داود أيضا فى «المصاحف» من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: «قام عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به.
وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب». (٨) انتهى المقصود منه.
وترك الحافظ- ﵀ مما يستحق الشرح كلمتى «الكرانيف، والقصب»، أما الكرانيف: ففي اللسان: (الكرناف والكرناف «أى بكسر الكاف وضمها»، أصول الكرب التى تبقى فى جذع السعف وما قطع من السعف فهو الكرب- الواحدة كرنافة- وفيه قول ابن سيده: الكرنافة والكرنوفة- أصل السعفة الغليظ الملتزق بجذع النخلة، وقيل: الكرانيف:
أصول السعف الغلاظ العراض التى إذا يبست صارت أمثال الأكتاف. وفى حديث الزهرى: والقرآن فى الكرانيف، يعنى: أنه كان مكتوبا عليها قبل جمعه فى الصحف).
وأما القصب فإنما يصلح من معانيه هنا ما فى اللسان وغيره من كونه ثياب الكتان الرقاق الناعمة. فيحتمل أنهم كانوا يكتبون أيضا على قطع من قماش الكتان الرقيق الناعم.
كيف كانت كتابتهم؟: لا نعرف للقوم كيفية معينة يومئذ فى الكتابة. كما لا نعرف هذه الكيفية فى كتابتهم للصحف البكرية.
والظاهر أنها كانت مماثلة أو عين الكيفية التى كتبوا بها المصاحف العثمانية، فإن أحدا لم ينقل فرقا فى كيفية الكتابة بين العهود الثلاثة فيما أعلم.
الباعث على كتابة القرآن فى هذا العهد:
على الرغم من أن القرآن كان محفوظا بأكمله للنبى ﷺ ومحفوظا بالتواتر عند أصحابه، فقد كتب القرآن فى هذا العهد، وذكر الشيخ غزلان لهذه الكتابة أسبابا ثلاثة:
стр. 201
أحدها: المحافظة على النص القرآنى من أن يطرأ عليه تغير؛ لأن الكتابة تظاهر الحفظ.
ثانيها: تمام العناية به وزيادة التوثق له فلا يكون لخوف الضياع عليه أدنى شائبة.
ثالثها: الفائدة العظيمة التى ظهرت بعد وفاته ﷺ عند جمع القرآن فى العصر البكرى، حيث كان للصحابة فى هذا الجمع مصدران اعتمدوا عليهما.
لماذا لم يجمع النبىّ ﷺ القرآن فى مصحف واحد؟ السؤال: لم لم يتحد نوع ما كتب عليه ليسهل الرجوع إليه؟ أول جواب على ذلك: أن فى عهده ﷺ كان على التيسير ورفع الحرج؛ فمن ثم اختلف النوع؛ لأن المهم هو سرعة التدوين والكتابة، بخلاف ما كان عليه الأمر فى عهد الصديق أبى بكر.
وقد جلّى الجواب الشيخ غزلان فذكر: أن القرآن كان يتتابع نزوله، فكان صعبا أن نجعله فى كتاب واحد، وأن القرآن فى عهده ﷺ كان عرضة للنسخ، وعليه يكون عرضة لتغيير الكتابة بعد الجمع والترتيب.
وكانت الآيات الكثيرة تنزل ثم يعلم الترتيب فلو وضعت فى مصحف واحد لكان فى المشقة ما فيه.
(ب) ما وقع من الجمع الكتابى فى عهد أبى بكر للقرآن:
قتل أثناء حروب الردة سبعون من حفاظ القرآن الكريم فى يوم اليمامة خاصة، فخشى على القرآن أن يضيع منه شىء، وخاصة أن ما كتب فى عهد النبىّ ﷺ كان أشتاتا فيمكن أن يضيع منه شىء مع من مات، فمن ثم كان الجمع فى العهد البكرى. فقد أخرج البخارى من صحيحه فى كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن عن زيد بن ثابت قال: «أرسل إلىّ أبو بكر الصديق بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرنى به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير.
стр. 202
فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁».
ويستفاد من هذا الحديث أمور:
أولها: إعطاء كل حال حكمها اللائق بها؛ ولذا عملوا على جمع القرآن؛ لأن الحال تغير عنه فى عهد النبى ﷺ ؛ فخوفا من ضياع شىء من القرآن جمع أبو بكر الصديق القرآن بعد أن شرح الله صدره وصدر عمر وزيد بن ثابت لذلك.
ثانيها: اختيار الأكفاء فى المهام الصعبة كاختيار أبى بكر زيد بن ثابت لجمع القرآن لتوفر العقل والأمانة والديانة والشباب فيه.
والممارسة والخبرة التى لها دخل عظيم فى إنجاح الأعمال.
ثالثها: الشعور عند العمل العظيم بالمسئولية الجسيمة.
رابعها: دفع شبهة كيف لم يجد زيد بن ثابت هاتين الآيتين، وكيف اكتفى برجل واحد فى نقل قرآنيتهما؟
وقد دفع شيخنا غزلان هذه الشبهة بأن بدأ بذكر ما يجب مراعاته عند التعرض لهذه الشبهة:
١ - عدم إمكان أن يكون النبى ﷺ خصّ أبا خزيمة لتبليغ هاتين الآيتين؛ لأن القرآن لا يحل روايته بالمعنى، فلا يمكن الاطمئنان إلى روايته بلفظه دون تغيير حرف منه إلا تبليغ جماعة كبيرة.
٢ - أن إجماع الصحابة على أن كتابتهما فى المصحف لا تكون برواية الواحد؛ ولذا لا بدّ أن الصحابة كتبوهما بعد روايتهما عن جماعة كثيرة، ويكون معنى كلام زيد: «لم أجدهما مع أحد غيره» دائرا بين أمرين: إما أن يكون مراده أنه لم يجدهما مكتوبتين عند أحد غير أبى خزيمة، فهو انفراد بكتابتهما فقط.
وإما أن يكون مراده أنه انفرد بكتابتهما وحفظهما، فلم يجدهما عند غير أبى خزيمة، فظل أبو خزيمة لمّا علم ذلك يحدث بهما ويحدث بهما أيضا زيد بن ثابت، حتى حفظها من لم يحفظها وتذكرها من نسيها حتى تواتر نقلها، فتوفر شرط القرآنية لهاتين الآيتين فأثبتهما زيد فى المصحف.
стр. 203
وقد نقل الحافظ أن هناك روايات عن الصحابة تكشف عن أن منهم من كانت معه هاتان الآيتان، منها عن خزيمة بن ثابت، وعثمان، وأبى بن كعب- رضى الله عنهم (٩).
فأبو خزيمة لم ينفرد بتلقيهما، بل تلقاهما الكثير. وقد ذهب إلى ذلك أيضا أبو حيان.
وأرى: أن نفى زيد بن ثابت لوجود الآيتين كان نفيا لوجودهما من كل وجه. ولكن من المعقول أن يكون زيد بن ثابت قد اقتصر فى بحثه على أهل المدينة، ولا يعقل أنه ذهب لكل الأماكن لتقصى ذلك، والصحابة فى المدينة كانوا قليلين. ونحن لا نوافق شيخنا غزلان فى افتراض ذهول الأكثرين مع اشتراطه فى أول الكلام أن يكون النقلة من حيث العدد ممن تحيل العادة عليهم النسيان.
وخلاصة القول: أن هاتين الآيتين توفر لهما من شروط النقل ما توفر لسائر آى القرآن. ولقد حققت الكتابة غايتها المقصودة.
والظاهر أن زيد بن ثابت لم ينفرد بمهمة الجمع وحده، بل عاونه غيره كأبى بكر وعمر وأبى كما تفيده الروايات المتعددة كما ذكر الحافظ فى «الفتح». ولقد تم الجمع فى العهد البكرى على أمثل ما يكون فى الاحتياط والعناية اللائقين بجلال القرآن.
ولقد عرف الصحابة لأبى بكر الصديق فضله حتى قال فيه علىّ: «أعظم الناس فى المصاحف أجرا أبو بكر، هو أول من جمع كتاب الله».
ومن أعظم فوائد الجمع فوق ما هو مقصود من حكمته الرئيسية الداعية إليه، اتصال السند الكتابى بالأخذ عن الصحف التى كتبت بين يدى النبىّ ﷺ كاتصال السند المتواتر فى الرواية والتلقى على الشيوخ.
(ج) الجمع العثمانى للقرآن:
إذا كان الجمع الكتابى فى الصحف للقرآن قد تمّ فى العصر البكرى ليكون مرجعا للحفاظ عند إرادة العودة إليه، فقد كان الجمع العثمانى لغرض وداع آخر هو: تجريد
جميع المصاحف والصحف مما ليس بقرآن كالدعوات المأثورة، والتفسير، وما نسخت تلاوته، وحاشا أن يلبسوا على من بعدهم، ولكن ذلك كان بغرض حفظ القرآن وذلك بعد تفرق الصحابة الذين تلقيت القراءات على أيديهم فى الأمصار، وربما فسر صحابى لفظا غريبا أو معنى وألحقه تلامذته على مصاحفهم فوجدت فى المصاحف أشياء مذكورة ودعوات مثل دعاء الحفد والخلع، حتى استفحل الأمر، واتسع الخرق؛ فرأى الخليفة الراشد عثمان تدارك هذا الأمر، وجمع الناس على مصحف واحد جرده من كل هذه المصاحف، ونفى عنه كل ما ليس بقرآن، فى مصحف واحد يجرده من عين المصاحف البكرية التى لم يكن فيها إلا القرآن فحسب، على ما أخرج البخارى ﵁ فى جمع القرآن
стр. 204
من «صحيحه» من حديث ابن شهاب- يعنى الزهرى أن أنس بن مالك حدثه «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق».
هذا هو الباعث على جمع عثمان للمصاحف فى مصحف واحد، وليس كما قال بعضهم: من أن السبب فى الاختلاف كانت الأحرف السبعة. وقد فندنا هذه الدعوى فى مبحث الأحرف السبعة. ولا نريد أن نعيد استدلالا، ولكن لو كانت الأحرف قد أخذ عثمان بحرف واحد منها فكيف وصلت القراءات إلينا بالتواتر. ودعوى أن هذا كله حرف قريش مكابرة. ولو كان كذلك لجمعهم على حرف واحد بدون اختلاف فى أدائه، وإلا لكان بقاء القراءات مانعا من الوصول لدرء الخلاف على زعمهم، والمصحف العثمانى كالمصحف البكرى فى جمعه للأحرف السبعة.
فخبرنى بربك إذا كان من القراءات التى تركها عثمان ما قد يختلف معناه اختلافا بينا عن القراءة الأخرى، إلى حد يصل إلى عدم جواز اجتماع المعنيين أحيانا فى شىء واحد؛ لكونهما نفيا وإثباتا مثلا، وإنما تتفق القراءتان إذ ذاك من وجه آخر لا يقتضى التضاد، وذلك كقراءة وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (١٠) بكسر اللام الأولى من (لتزول) وفتح الثانية على أن «إن» نافية نفت إزالة مكرهم للجبال، وقرئت بفتح اللام الأولى ورفع الأخرى على أن «إن» مخففة من الثقيلة واللام الأولى المفتوحة هى الفارقة بين «إن» النافية و «إن» المخففة المهملة. والمعنى على هذه القراءة: «إن مكرهم يزيل الجبال».
والقراءتان سبعيتان متواترتان بلا شبهة ومعناهما لا يمكن أن يجتمع فى شىء واحد كما ترى. وإن اتفقا من وجه آخر لا يقتضى التضاد، بل تكون معه الآية على غاية من الاستقامة والسداد، فيراد من الجبال على
стр. 205
قراءة النفى أمر محمد ﷺ ودين الإسلام، ويراد منها على قراءة الإثبات الجبال الحقيقية- والمسألة مبسوطة فى كتب التفسير وفى «النشر» لابن الجزرى.
نقول: إذا كان من القراءات ما قد يختلف فأيهما كان أدعى للخلاف على النحو الذى زعموا، وأيهما كان أرفع له؟. أهو اختلاف المعنى البالغ هذا الحد. أم هو مجرد اختلاف الألفاظ المترادفة المتفقة المعنى تماما على ما زعموا فى المراد من الأحرف؟ أفيقع الخلاف بسبب تعدد تلك الألفاظ المترادفة ليرفعه عثمان بإبقاء واحد فقط من تلك الألفاظ؟ أم يقع بسبب مثل هذا الاختلاف البالغ فى المعنى ويكون أجدر بدرجات أن يرفع لأجله عثمان إحدى القراءتين؟. فإذا أبقى عثمان ﵁ هاتين القراءتين جميعا- مع أن الأمر فيهما هو على الاختيار لأى منهما- فما ذاك إلا لكونه لا يستجيز، بل لا يجرؤ هو ولا غيره حتى لو كان رسول الله ﷺ نفسه على حذف شىء مما أنزله الله ولم يأذن برفعه. وهكذا كان رضى الأصحاب أيضا، إذن- معالجة عثمان للخلاف هو على النحو الذى وصفنا من هذا الخلاف، ودفعه- أعنى تجريد عثمان للمصحف- من كل ما ليس بقرآن، وإحراق كل ما يشتمل مع القرآن على غيره من الصحف أو المصاحف، أخرج ابن أبى داود فى «المصاحف» بسند صحيح- كما قال الحافظ- من طريق سويد ابن غفلة قال: «قال علىّ: لا تقولوا فى عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذى فعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون فى هذه القراءة، فقد بلغنى أن بعضهم يقول: إن قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت».
وهكذا تم لعثمان ما أراد من هذا الجمع بمرضاة من الصحابة.
مشكلة عرضت فى هذا الجمع شبيهة بأختها فى الجمع البكرى والحل هو نفس الحل:
أخرج البخارى فى سورة الأحزاب من كتاب التفسير عن زيد بن ثابت أنه قال: «لما نسخنا المصحف فى المصاحف، فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصارى الذى جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. قال الحافظ فى «الفتح»:
«هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد فى جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، لكن فيه إشكال، لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده والقرآن إنما يثبت
стр. 206
بالتواتر، والذى يظهر فى الجواب أن الذى أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره، و «يدل على هذا قوله فى حديث جمع القرآن: فأخذت أتتبعه من الرقاع والعسب».
كم مصحفا نسخ عثمان من الصحف البكرية؟ اختلف الناس فى عدد المصاحف التى نسخها عثمان من الصحف، وأقل ما قيل فى العدد: أربعة، وأكثر ما قيل تسعة، والظاهر الذى يتفق مع طبيعة الأمور هو وفرة العدد ولا سيما مع قول أنس بن مالك فى حديث البخارى الذى نقلناه لك فى هذا الجمع:
«وأرسل إلى كل أفق بمصحف»، فإنه صريح فى أن المصاحف كانت بعدد الأقطار التى انتشر فيها الإسلام، وإنما كان هذا متفقا مع طبيعة الأمور لأن الغرض هو القضاء على خلاف المختلفين وجمع الكل على مصحف واحد، ولا يتحقق هذا على الوجه الصحيح إلا بأن يرسل إلى كل أفق بمصحف كما قال أنس ﵁.
أين ذهبت الصحف البكرية؟ تبين من حديث زيد بن ثابت فى الجمع البكرى أن الصحف التى جمع فيها القرآن ظلت عند أبى بكر حتى مات، ثم عند عمر حتى مات، ثم عند حفصة. كما تبين من حديث أنس فى الجمع العثمانى أنهم لما نسخوا الصحف فى المصاحف ردها عثمان إلى حفصة. فبقيت عند حفصة طول حياتها دون أن تبالى- رضى الله عنها- بطلب مروان بن الحكم- الذى ولى المدينة بعد وفاة علىّ من قبل معاوية بعد أن آل الأمر إليه- المتكرر لتلك الصحف، فلما ماتت أرسل إلى أخيها عبد الله ابن عمر بالعزيمة أن يرسل إليه بالصحف ففعل، فشققها مروان ثم غسلها بعد ذلك، أو حرقها، أو فعل الأمرين على ما تفيده الروايات التى ذكر الحافظ فى «الفتح» فى هذا المقام.
والله أعلم.
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 207
كتابة القرآن
لا يعرف بالضبط والتحديد الدقيق متى بدأت الكتابة عند العرب الذين هم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب كما وصفهم النبى ﷺ فى صحيح سننه، بل وصفهم بذلك القرآن العظيم فى غير ما موضع منه، وجميع الروايات التى يذكر الناس فى هذا المقام لا تقوم على قدم أو تعتمد على ساق، والمهم أنه حين نزول القرآن كان من العرب من يكتبون، حتى اتخذ النبى ﷺ من المؤمنين به كتابا للوحى، أولهم: فى مكة- عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وأولهم بالمدينة أبىّ بن كعب، كما قال الحافظ فى «الفتح». ومن أبرزهم: زيد بن ثابت الذى قال أبو بكر فى حديث البخارى الذى نقلناه لك فى الجمع البكرى: «وقد كنت تكتب الوحى للنبى ﷺ ».
ولكون الكتابة عند العرب كانت محدثة وفى الأقلين منهم، فإنهم حين كتبوا القرآن كتبوه على ما تيسر لهم من تعلم الخط، ولم تكن هذه الصناعة محكمة لديهم إذ ذاك، فخالفوا فى رسم القرآن أصل قاعدة الكتابة المعروفة الآن أحيانا أو فى الكثير من الأحيان، فتارة كانت مخالفتهم بحذف ما حقه أن يثبت وأخرى بإثبات ما حقه أن يحذف، وثالثة بإبدال حرف مكان آخر، ورابعة بقطع الحرف عما بعده حينا ووصله به آخر، والحرفان هما هما فى الموضعين أو المواضع، إلى غير ذلك من المخالفات لقاعدة الكتابة.
ومن هنا فقد اختلف الناس فى رسم المصحف: أهو توقيفى واجب الاتباع بحيث تحرم مخالفته؟، وهو قول مالك وأحمد كما صرح به السيوطى فى «الإتقان» فى النوع الذى تحدث فيه عن مرسوم الخط. ولا حجة لأصحاب هذا المقام البتة، فإنه لم يثبت أن النبى ﷺ أمرهم بكيفية مخصوصة فى الكتابة، بل وكلّهم فى ذلك إلى ما يحسنون ويطيقون. وما زعم من نحو قوله لبعض كتابه فى كتابة بسم الله الرحمن الرحيم: «ألق الدواة وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تقور الميم» فحديث خرافة من نقلته. وعلى الجملة فقد ضعف الحافظ ابن حجر فى شرحه لحديث عمرة القضاء من «الفتح» جميع الأحاديث الواردة فى تعلم النبى صلّى الله عليه وسلم
стр. 208
الكتابة (١)، وما زعموا من تقرير النبى ﷺ لكتابه على هذا الرسم، فيكون حجة على توقيفيته، فخلط فاحش فى قواعد الأصول، فإن التقرير إن كان لقول
كان حجة على ما تضمنه ذلك القول، فإن كان ما تضمنه القول واجبا كأن قال قائل أمام النبى ﷺ :
هذا واجب. فلم ينكره النبى عليه، دل على وجوبه، وإن كان حراما فكذلك إلى آخر ما تعرف من أقسام الحكم الشرعى. وإن كان التقرير على فعل لم يدل على أكثر من إباحة ذلك الفعل. فكيف لو كان الفعل مجرد صناعة كالكتابة هنا، وقال الكثير من المحققين بعدم توقيفية هذا الرسم، وأنه مجرد صناعة، وتكليف المرء ما لا يحسنه فيها من التكليف بما لا يطاق، ومن هؤلاء المحققين القاضى أبو بكر الباقلانى فى «الانتصار» وابن خلدون فى «مقدمته» والكرمانى فى «عجائبه» والنيسابورى فى مقدمة تفسيره، وإليه مال الحافظ ابن كثير فى «فضائل القرآن» والعز بن عبد السلام حتى إن الأخير قال بحرمة اتباعه فى أيامه لما يؤدى إليه من اللبس على غير حافظ القرآن حين يقرأه من المصحف، ومنهم الزركشى فى «البرهان» الذى فصل بين الخاصة والعامة، فاستحب للخاصة اتباع هذا الرسم، وللعامة كتابته على حسب القواعد المعروفة التى توافق حالهم (٢).
والتحقيق الذى لا محيد عنه لمنصف هو:
أن الرسم مجرد صناعة لا أثر فيها للتوقيف، وما يذكر أصحاب هذا العلم من نكات اختيار الصحابة لكذا دون كذا فى هذا الرسم فسراب. وليت الناس ما شغلوا أنفسهم بهذا فضلا عن أن يجعلوا منه علما حيث لا مبنى لهذا العلم ولا أساس.
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 209
المصحف نقطه وشكله
رسم المصحف أول ما رسم دون نقط أو شكل لسبب يسير جدا هو: أنه لم يكن شىء من ذلك معروفا فى الكتابة عندئذ، وكانت سليقة العربى الخالص وفطرته النقية أمانا له من الالتباس والنطق بغير ما يصح فى العربية، فلما اتسعت الفتوحات واختلط العرب بالعجم سرت اللكنة إلى ألسنة البعض وخفى ما كان بدهى الظهور، فاحتاج الناس إلى ما يؤمنهم اللبس ولا سيما فى قراءة القرآن من المصحف. (١) ولسنا نعرف بالضبط والتحديد الدقيق متى تم هذا النقط والشكل، ولا أول من وقع على يديه. قال السيوطى فيما ذكر من مسائل مرسوم الخط، وفيه أيضا حكم النقط والشكل وحكم ما أضيف من غيرهما إلى المصاحف: (مسألة: اختلف فى نقط المصحف وشكله. ويقال: أول من فعل ذلك: أبو الأسود الدؤلى بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل: الحسن البصرى ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثى. وأول من وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام الخليل. وقال قتادة: بدءوا فنقطوا، ثم خمسوا، ثم عشروا. وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآى، ثم الفواتح والخواتم. وقال يحيى بن أبى كثير: ما كانوا يعرفون شيئا مما أحدث فى المصاحف إلا النقط الثلاث على رءوس الآى. أخرجه ابن أبى داود. وقد أخرج أبو عبيد وغيره عن ابن مسعود، قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وأخرج عن النخعى أنه كره نقط المصاحف. وعن ابن مسعود ومجاهد أنهما كرها التعشير. وأخرج ابن أبى داود عن النخعى أنه كان يكره العواشر والفواتح وتصغير المصحف، وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا. وأخرج عنه أنه أتى بمصحف مكتوب فيه سورة كذا وكذا آية، فقال: امح هذا فإن ابن مسعود كان يكرهه. وأخرج عن أبى العالية أنه كان يكره الجمل فى المصحف، وسورة كذا، وفاتحة سورة كذا، وقال مالك:
لا بأس بالنقط فى المصاحف التى يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا. وقال الحليمى-
стр. 210
تكره كتابة الأعشار والأخماس (٢) وأسماء السور وعدد الآيات فيه، لقوله: «جردوا القرآن». وأما النقط فيجوز، لأنه ليس له صورة فلا يتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا.
وإنما هى دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها. وقال البيهقى: من آداب القرآن: أن يفخم، فيكتب مفرجا بأحسن خط فلا يصغر ولا تقرمط (٣) حروفه، ولا يخلط به ما ليس منه- كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف القراءات ومعانى الآيات.
وقد أخرج ابن أبى داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس بنقط المصاحف.
وأخرج عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن أنه قال: لا بأس بشكله.
وقال النووى: نقط المصحف وشكله يستحب؛ لأنه صيانة له من اللحن والتحريف.
وقال ابن مجاهد: ينبغى ألا يشكّل إلا ما يشكل. وقال الدانى: لا أستجيز النقط بالسواد؛ لما فيه من التغيير لصورة الرسم، ولا أستجيز جمع قراءات شتى فى مصحف واحد بألوان مختلفة؛ لأنه من أعظم التخليط والتغيير للمرسوم، وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحمرة، والهمزات بالصفرة. وقال الجرجانى من أصحابنا فى «الشافعى»: من المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره.
ثم قال السيوطى: «فائدة»: كان الشكل فى الصور الأول نقطا، فالفتحة نقطة على أول الحرف، والضمة على آخره، والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الدانى. والذى اشتهر الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذى أخرجه الخليل، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته،
والضم واو صغرى فوقه، والتنوين زيادة مثلها؛ فإن كان مظهرا- وذلك قبل حرف حلق ركبت فوقها، وإلا جعلت بينهما، وتكتب الألف المحذوفة والمبدل والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب «م» حمراء، وقبل الحلق سكون، وتعرى عند الإدغام والإخفاء، ويسكن كل مسكن، ويعرى المدغم، ويشدد ما بعده إلا الطاء قبل التاء، فيكتب عليها السكون نحو: «فرطت»، ومطة الممدود لا تجاوزه. أه.
على أن الأمر قد صار بعد أمد محل تساهل شريطة أمن اللبس، حتى كتب الناس فى مصاحفهم أسماء السور وعدد آيها، وكونها مكية أو مدنية، بل قسموا القرآن إلى ثلاثين جزءا، والجزء إلى حزبين، والحزب إلى أربعة أرباع، وكل ذلك وضعوا له عناوين فى
стр. 211
المصاحف دون نكير من الأوساط العلمية ذات الشأن ما دام اللبس مأمونا والقرآن مميزا لا يختلط بشيء من تلك الإضافات.
أحكام أخرى تتعلق بالمصحف ذكرها صاحب «الإتقان»: قال السيوطى- ﵀: «فصل فى آداب كتابته:» يستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة، وأما تعليقه فيكره. وكذا كتابته فى الشيء الصغير. أخرج أبو عبيد فى «فضائله» عن عمر أنه وجد مع رجل مصحفا قد كتبه بقلم دقيق، فكره ذلك وضربه، وقال:
عظموا كتاب الله.
وكان عمر إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به.
وأخرج عبد الرزاق عن علىّ: أنه كان يكره أن تتخذ المصاحف صغارا وأخرج أبو عبيد عنه أنه كره أن يكتب القرآن فى الشيء الصغير.
وأخرج هو والبيهقى فى «الشّعب» عن أبى حكيم العبدى، قال: مر بى علىّ وأنا أكتب مصحفا، فقال: أجل قلمك، فقضمت من قلمي قضمة، ثم جعلت أكتب فقال: نعم، هكذا نوره كما نوره الله. وأخرج البيهقى عن علىّ موقوفا، قال: تنوق رجل فى «بسم الله الرحمن الرحيم» فغفر له. وأخرج أبو نعيم فى تاريخ «أصبهان» وابن أشتة فى «المصاحف» من طريق أبان، عن أنس مرفوعا: «من كتب بسم الله الرحمن الرحيم مجودة غفر الله له». وأخرج ابن أشتة عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله: إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم، فليمد «الرحمن». وأخرج عن زيد بن ثابت: أنه كان يكره أن تكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ليس لها سين. وأخرج عن يزيد بن أبى حبيب أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب: «بسم الله» ولم يكتب لها سينا، فضربه عمر، فقيل له: فيم ضربك أمير المؤمنين؟
قال: ضربنى فى سين. وأخرج عن ابن سيرين: أنه كان يكره أن تمد الباء إلى الميم حتى تكتب السين. وأخرج ابن أبى داود فى «المصاحف» عن ابن سيرين: أنه كره أن يكتب المصحف مشقا (٤)؛ قيل: لم؟ قال: لأن فيه نقصا.
وتحرم كتابته بشيء نجس، وأما بالذهب فهو حسن، كما قاله الغزالى. وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس وأبى ذر وأبى الدرداء أنهم كرهوا ذلك. وأخرج عن ابن مسعود: أنه مر عليه مصحف زين بالذهب. فقال: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق. قال أصحابنا: وتكره كتابته على الحيطان
стр. 212
والجدران وعلى السقوف أشد كراهة: لأنه يوطأ. وأخرج أبو عبيد عن عمر بن العزيز قال: (لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ).
وهل تجوز كتابته بقلم غير العربى (٥)؟ قال الزركشى: لم أر فيه كلاما لأحد من العلماء.
قال: ويحتمل الجواز، لأنه قد يحسنه من لا يقرأ بالعربية، والأقرب المنع كما تحرم بغير لسان العرب، ولقولهم: القلم أحد اللسانين.
والعرب لا تعرف قلما غير العربى، وقد قال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ انتهى.
وقد كفانا الله هذا كله بما أتاح لنا من المطابع التى بلغت من الجودة مبلغا عظيما.
ثم قال السيوطى بعد مسألة النقط والشكل:
(فرع): أخرج ابن أبى داود فى كتاب المصاحف عن ابن عباس، أنه كره أخذ الأجرة على كتابة المصحف. وأخرج مثله عن أيوب السّختيانى، وأخرج عن ابن عمر وابن مسعود أنهما كرها بيع المصاحف وشراءها وأن يستأجر على كتابتها، وأخرج عن محمد ابن سيرين: أنه كره بيع المصاحف وشراءها وأن يستأجر على كتابتها، وأخرج عن مجاهد وابن المسيب والحسن أنهم قالوا: لا بأس بالثلاثة. وأخرج عن سعيد بن جبير أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس، إنما يأخذون أجور أيديهم. وأخرج عن ابن الحنفية أنه سئل عن بيع المصحف قال:
لا بأس، إنما تبيع الورق.
وأخرج عن عبد الله بن شفيق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يشددون فى بيع المصاحف. وأخرج عن النخعى قال: المصحف لا يباع ولا يورث. وأخرج عن ابن المسيب: أنه كره بيع المصاحف، وقال: أعن أخاك بالكتاب أو هب له. وأخرج عن عطاء عن ابن عباس، قال: اشتر المصاحف ولا تبعها. وأخرج عن مجاهد أنه نهى عن بيع المصاحف ورخص فى شرائها.
وقد حصل من ذلك ثلاثة أقوال للسلف ثالثها: كراهة البيع دون الشراء، وهو أصح الأوجه عندنا، كما صححه فى «شرح المهذب»، ونقله فى «زوائد الروضة» عن نص الشافعى، قال الرافعى: وقد قيل: إن الثمن متوجه إلى الدفتين، لأن كلام الله لا يباع، وقيل: إنه بدل من أجرة النسخ. انتهى.
وقد تقدم إسناد القولين إلى ابن الحنفية وابن جبير، وفيه قول ثالث: أنه بدل منهما معا. أخرج ابن أبى داود عن الشعبى، قال: لا بأس ببيع المصاحف، إنما يبيع الورق
وعمل يديه. أ. هـ. قلت: الصواب مع المجوزين.
ثم قال السيوطى: «فرع»: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى «القواعد»: القيام
стр. 213
للمصحف بدعة لم تعهد فى الصدر الأول.
والصواب ما قاله النووى فى التبيان من استحباب ذلك لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به.
ثم قال السيوطى: «فرع»: يستحب تقبيل المصحف؛ لأن عكرمة بن أبى جهل- رضى الله عنه- كان يفعله. وبالقياس على تقبيل الحجر الأسود. ذكره بعضهم؛ ولأنه هدية من الله تعالى، فشرع تقبيله كما يستحب تقبيل الولد الصغير. وعن أحمد ثلاث روايات:
الجواز، والاستحباب، والتوقف، وإن كان فيه رفعة وإكرام لأنه لا يدخله قياس، ولهذا قال عمر فى الحجر: لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
ثم قال السيوطى: «فرع»: يستحب تطييب المصحف، وجعله على كرسى، ويحرم توسده، لأن فيه إذلالا وامتهانا. قال الزركشى: وكذا مد الرجلين إليه. وأخرج ابن أبى داود فى «المصاحف» عن سفيان، أنه كره أن تعلق المصاحف. وأخرج عن الضحاك، قال:
لا تتخذوا للحديث كراسى ككراسى المصاحف.
ثم قال السيوطى: (فرع): يجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح، أخرج البيهقى عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالكا عن تفضيض المصاحف. فأخرج إلينا مصحفا فقال: حدثنى أبى عن جدى: أنهم جمعوا القرآن فى عهد عثمان، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا أو نحوه.
وأما بالذهب فالأصح جوازه للمرأة دون الرجل، وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف، دون غلافه المنفصل عنه، والأظهر التسوية.
ثم قال السيوطى: (فرع): إذا احتيج إلى تعطيل بعض أوراق المصحف لبلى ونحوه، فلا يجوز وضعها فى شق أو غيره؛ لأنه قد يسقط ويوطأ، ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم، وفى ذلك إزراء بالمكتوب. كذا قال الحليمى. قال: وله غسلها بالماء؛ وإن أحرقها بالنار فلا بأس؛ أحرق عثمان مصاحف كان فيها آيات وقراءات منسوخة، ولم ينكر عليه. وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل. لأن الغسالة قد تقع على الأرض. وجزم القاضى حسين فى «تعليقه» بامتناع الإحراق، لأنه خلاف الاحترام، والنووى بالكراهة.
وفي بعض كتب الحنفية: أن المصحف إذا بلى لا يحرق، بل يحفر له فى الأرض ويدفن.
وفيه وقفة لتعرضه للوطء بالأقدام.
ثم قال السيوطى: (فرع): روى ابن أبى داود عن ابن المسيب، قال: لا يقول أحدكم:
стр. 214
مصيحف ولا مسيجد؛ ما كان لله تعالى فهو عظيم.
ثم قال السيوطى: (فرع): مذهبنا ومذهب جمهور العلماء تحريم مس المصحف للمحدث، سواء كان أصغر أم أكبر، لقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٦).
وحديث الترمذى وغيره: «لا يمس القرآن إلا طاهر».
ثم قال السيوطى: «خاتمة» روى ابن ماجة وغيره عن أنس مرفوعا: «سبع يجرى للعبد أجرهن بعد موته وهو فى قبره: من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ترك ولدا يستغفر له من بعد موته، أو ورث مصحفا». والله أعلم.
أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
(بعض مصادر هذا البحث مرتبة على حروف المعجم):
(١) الإتقان فى علوم القرآن، للسيوطى.
(٢) البرهان فى علوم القرآن، للزركشى.
(٣) البيان فى مباحث من علوم القرآن، للأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد المجيد غزلان.
(٤) تفسير النيسابورى بهامش تفسير الطبرى، ط ١ مصطفى الحلبى.
(٥) الجامع الصحيح، للبخارى.
(٦) صحيح مسلم.
(٧) فتح البارى بشرح صحيح البخارى، للحافظ ابن حجر العسقلانى.
(٨) فضائل القرآن، للحافظ ابن كثير.
(٩) المستدرك على الصحيحين، لأبى عبد الله الحاكم.
(١٠) مقدمة ابن خلدون.
(١١) مناهل العرفان فى علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى.
(١٢) الانتصار للقرآن، للقاضى أبى بكر الباقلانى.
(١٣) النشر فى القراءات العشر، لابن الجزرى.
стр. 215
السور القرآنية
السورة لغة:
قال ابن منظور (١): «والسورة: المنزلة، والجمع سور، والسورة من البناء: ما حسن وطال. وقال الجوهرى: والسور جمع سورة، مثل بسرة وبسر، وهى كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة، مقطوعة عن الأخرى، والجمع سور ... ويجوز أن يجمع على سورات، وسورات. وقال ابن سيدة:
سميت السورة من القرآن سورة لأنها درجة إلى غيرها، ومن همزها جعلها بمعنى بقية من القرآن وقطعة، وأكثر القراء على ترك الهمزة فيها. من سؤرة المال، ترك همزه لما كثر فى الكلام ...
وأنشد النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
معناه: أعطاك رفعة وشرفا ومنزلة.
وقال ابن فارس (٢): «سور: السين والواو والراء أصل واحد يدل على علو وارتفاع، من ذلك: سار يسور، إذا غضب وثار، وإنّ لغضبه لسورة، والسّور جمع سورة كل منزلة من البناء».
السورة اصطلاحا: طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع. يعنى بداية ونهاية (٣).
المناسبة بين المعنى اللغوى والاصطلاحى:
سميت جملة الآيات القرآنية ذات المطلع والمقطع سورة لكمالها وتمامها، وشرفها وارتفاعها، فإنها تحيط بآياتها إحاطة السور بالبناء، وترتفع بقارئها وحافظها حيث الشرف فى الدنيا والآخرة.
مصدر معرفة تحديد السورة:
تحددت السورة القرآنية بفاتحتها وخاتمتها بتوقيف من الله تعالى، وليس باجتهاد من بشر أيا كان، وكان الصحابة- رضى الله عنهم- يعرفون السورة الجديدة بنزول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كما بين النبى ﷺ ذلك من خلال قراءته.
يقول الزرقانى (٤) ﵀ «ومرجع الطول والقصر والتوسط، وتحديد المطلع والمقطع إلى الله وحده لحكم سامية».