← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقال: «اعلم أن ابن الحاجب جعل المنطوق والمفهوم أقساما للدلالة قال: المنطوق: دلالة اللفظ على معنى فى محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكما للمذكور. والمفهوم: ودلالته على معنى لا فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور. ثم قسم المنطوق- وهو تلك الدلالة- إلى صريح، وغير صريح، فالصريح: دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن. وغير الصريح دلالته على ما لم يوضع له بل يدل عليه بالالتزام وهو دلالة الاقتضاء والإيماء والإشارة. فدلالة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ على تحريم التأفيف منطوق صريح، وعلى تحريم الضرب مفهوم ودلالة، «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى». على أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يوما منطوقا غير صريح، وعلى هذا فالمنطوق خاص بالحكم دون الذوات. وقال الآمدى بعد ذكر الاقتضاء وغيره من هذه الأنواع التى جعلها ابن الحاجب أقساما لغير الصريح قبل ذكر المنطوق والمفهوم: أما المنطوق، فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ فى محل النطق وليس بصحيح، فإن الأحكام المضمرة فى دلالة الاقتضاء- كما ذكرناه- مفهومه من اللفظ فى محل النطق، ولا يقال لشىء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ نطقا فى محل النطق. انتهى. قال العلامة التفتازانى: «جعل المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة يحوج إلى تكلف عظيم فى تصحيح عبارات القوم، لكونها صريحة فى كونها من أقسام المدلول- كما فى كلام الآمدى- فالمصنف- ﵀ تابع القوم فى ذلك لعدم التكلف مع قصور عبارة ابن الحاجب عن تناول مدلول نحو: زيد، مما هو ذات لا حكم مع تصريح إمام الحرمين وغيره بأن النص والظاهر من أقسام المنطوق، ولا خفاء فى أن نحو: زيد والأسد، من جملة النص والظاهر (١)، إلا أنه أبدل ما فهم من اللفظ بما يدل عليه إشارة للرد على ابن الحاجب بأن المنطوق مدلول لا دلالة، وإشارة إلى اندفاع اعتراض الآمدى، فإن ما دل عليه اللفظ فى محل النطق معناه أن الدلالة على ذلك المدلول ثابتة فى اللفظ الذى هو محل النطق أى: المنطوق به، بمعنى أنها ناشئة من وضعه لا من خارج، بخلاف دلالة الاقتضاء والإشارة فإنها ليست ناشئة من وضع اللفظ بل من توقف صحة المنطوق على المقتضى (٢)، أو لزوم المعنى للمدلول (٣). وهذا المعنى لا يفيده قولهم: ما فهم من اللفظ فى محل النطق. فإن الفهم منه قد

стр. 142

يكون بواسطة اللزوم العقلى أو الشرعى، ثم إن هذا المنطوق بالمعنى الذى أراده المصنف لا يكون إلا صريحا، وأما المدلول اقتضاء أو إشارة فليس من المنطوق عند أحد، أما ابن الحاجب فإن المنطوق عنده: الدلالة لا المدلول. وأما المصنف والقوم فليس من المنطوق عندهم. لأن الدلالة عليه ليست فى محل النطق، وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق، فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم. وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدى وبعض شروح المنهاج، فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟ قلت: المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه إما تنبيها بالأعلى على الأدنى وبالعكس، أو التنبيه بالشىء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهما، بخلاف توابع المنطوق كما يعرفه الذكى المحقق، ثم إن المصنف ترك من توابع المنطوق دلالة الإيماء، وسيأتى بيان وجهه إن شاء الله تعالى إلى المقصود منه» (٤). أه. ثم وفى هذا العلامة- ﵀ بما وعد به من حديث دلالة الإيماء فقال: «واعلم أن المصنف- ﵀ ترك دلالة الإيماء وهى: أن يقترن المنطوق بحكم أى وصف لو لم يكن ذلك الوصف لتعليل ذلك المنطوق لكان اقترانه به بعيدا؛ فيفهم منه التعليل ويدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى تنبيها وإيماء مثل اقتران الأمر بالإعتاق وبالوقاع الذى لو لم يكن هو علة لوجوب الإعتاق لكان بعيدا. لأن هذا إنما يفهم من سياق الكلام لا من اللفظ. وأيضا سيأتى مفصلا فى باب القياس (٥)». أه. ومن يطالع النص السابق وما قبله يظهر له أن المنطوق قد يكون فى المفردات كما فى النص والظاهر والمؤول أيضا، وكذلك يكون فى المركبات إذا كان المدلول حكما؛ لأن الحكم لا يتصور إلا فى المركبات. وهناك تقسيم آخر ذكر للمنطوق وهو: أن اللفظ إما أن يدل على تمام المعنى الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة مطابقة، وإما أن يدل على جزء معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة تضمن، وإما يدل على لازم معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة التزام. أما المفهوم- كما سبق- له اصطلاحان: فهو عند ابن الحاجب من قبيل الدلالة، وعند الجمهور من قبيل المدلول، ولكن هناك أمور مهمة ننبه عليها: أولا: المفهوم يطلق على الحكم تارة، وعلى محل الحكم أخرى، وعلى الحكم ومحله معا ثالثة، مثل (تحريم الضرب)، فالتحريم الحكم، والضرب محله، والمفهوم جمع بينهما

стр. 143

فصار (تحريم الضرب)، ولكن المنطوق يطلق على الحكم أو محله فقط. ثانيا: المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. فالأول: ما وافق حكمه حكم المنطوق، والثانى: ما خالف حكمه حكم المنطوق. والحكم فى الموافقة قد يكون أولى من حكم المنطوق وهذا يسمى فحوى الخطاب؛ لأنه كالريح تجده بمجرد سماع الخطاب، وقد يكون مساويا لحكم المنطوق ويسمى لحن الخطاب، فتحريم ضرب الوالدين أولى من تحريم التأفيف لما يشتمل عليه من شدة الإيذاء، وحرق مال اليتيم مساو لأكل ماله؛ لأنهما يتساويان فى إضاعة ماله وإتلافه. وهناك من قسم المفهوم إلى ثلاثة أقسام: الموافقة وقصرها على الأولى، والمساوى، والمخالفة. ولكننا نرد هذا التقسيم لأمرين: (أ) أنه سلب اسم الموافقة: عن المساوى، وهذا لا يصح؛ لأن المساوى موافق. (ب) أن من أخرج المساوى من الموافقة احتج كما يحتج بالموافقة فلا معنى لإخراجه- ومن ثم فمفهوم الموافقة يشتمل على الأولى والمساوى- وليس فى هذا المفهوم الأدون. والحكم الثابت بالمفهوم كالثابت بالمنطوق، فإذا كان حكم المنطوق قطعيا لاستناده لنظم اللغة فكذلك المفهوم، فالحكم الثابت بالمفهوم فوق الثابت بالقياس؛ لأن الثابت بالقياس يدرك بالرأى والاجتهاد، والمفهوم يدرك باللغة الموضوعة لإفادة المعنى. كذا فى «التوضيح والتلويح». ومن ذهب إلى أن دلالة المنطوق قد تكون قطعية ودلالة المفهوم ظنية إنما أخطئوا فى ضرب الأمثلة؛ لأنها أمثلة كلها لأحكام تدرك بالقياس. ثالثا: اتفق الكل على حجية مفهوم الموافقة، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مواطن منها: طريق الدلالة هل القياس الجلى أم الدلالة اللفظية؟، وإذا كانت الدلالة اللفظية فهل بالمنطوق والمفهوم فى الحقيقة أم بالمفهوم؟ وفى «تحرير الجلال المحلى» لتلك المواطن ينقل عن الشافعى وإمام الحرمين والرازى. إن دلالة الموافقة قياسية سواء كان الأولى أو المساوى الجلى، وتكون العلة فى تحريم الضرب الإيذاء، وفى حرق مال اليتيم الإتلاف، وإن كان الشافعى وإمام الحرمين لم يجعلا المساوى من الموافقة، والرازى لم يصرح، ويرى الغزالى والآمدى أنها دلالة لفظية تفهم بالسياق والقرائن لا مجرد اللفظ، ففي تحريم الضرب فهم تعظيمها واحترامها فحرم الضرب والتأفيف، وكذلك حرق مال اليتيم فالمراد حفظه؛ ولذا منع الحرق والأكل، وعليه تكون دلالة مجازية

стр. 144

لإطلاق الأخص على الأعم، كإطلاق منع التأفيف على منع الإيذاء، وقيل: بل نقل اللفظ لهما عرفا فصار حرق مال اليتيم عرفا يطلق على إضاعته، وعلى القولين هما من المنطوق. وكثير من العلماء- منهم الحنفية- على أن الموافقة مفهوم لا منطوق ولا قياسي، ومنهم من تردد فيجعله تارة مفهوما وأخرى قياسيا كالبيضاوى، ورأى الصفى الهندى عدم التناقض فكلاهما مسكوت عنه. ورأى ابن السبكى أنهما مختلفان فالمفهوم مدلول اللفظ، والمقيس غير مدلول له. وبعد نقل تحرير الجلال المحلى أرى أن الصواب: أنها دلالة لفظية بطريق المفهوم؛ لأن من يقول: إنها دلالة قياسية يجعل هناك مفهوما أدون، وسبق ذكر منع ذلك، وكذلك لو كانت دلالة قياسية لمنعها من يمنع الاحتجاج بالقياس، ولكنهم احتجوا بها؛ ولأن من قال بأنها دلالة لفظية بطريق المنطوق فإن هذا يحوجه إلى ارتكاب المجاز أو النقل، والأصل عدمهما إلا بموجب ولا موجب لهما. رابعا: شرط مفهوم المخالفة: شرط العمل بمفهوم المخالفة أن يكون القيد فى اللفظ متعينا للاحتراز عما يناقضه، أى: جاء لإخراج ما عداه، ولا تكون فائدة غير هذا، فلو كانت له فائدة غيره قدمناها؛ لأن هذه الفائدة ستكون ظاهرة ومفهوم المخالفة خفية. فمن ذلك لو كان القيد لبيان الغالب كما فى قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فقوله تعالى: فِي حُجُورِكُمْ لا يعنى أن الربيبة التى ليست فى الحجر جائز نكاحها، الغالب أن الربيبة تكون فى الحجر. وكذلك قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فالبغاء حرام سواء مع الإكراه أو مع عدمه، وسواء مع إرادتهن أو مع عدمها، فإنما جاء قيد الإكراه ليصف الواقع الذى كانوا عليه فحسب، وهذا يعنى أن البغاء مع عدم الإكراه أيضا حرام؛ لأن القيد ليس للإخراج. وكذلك قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ليس معناه أن موالاة الكافرين مع المؤمنين جائزة، بل موالاة الكافرين على كل حال حرام. فكل هذه القيود قصد بها فوائد أخرى غير إخراج ما سوى المنطوق؛ ولذا فهى لا مفهوم لها أى: ليست لها مفهوم مخالفة، لفقد شرط الاحتجاج به وهو تعين القيد فى إخراج سوى المنطوق، ومن ثم فالاسم المجرد من القيد والمسمى (اللقب) لا مفهوم له؛ لأنه لا قيد له، وهذا هو الصحيح عند العلماء. خامسا: الصحيح أن طريق الدلالة فى

стр. 145

مفاهيم المخالفة هى اللغة، قال المحلى: (يقول كثير من أئمة اللغة بها منهم أبو عبيدة وعبيد تلميذه قالا فى حديث «الصحيحين» مثلا: «مطل الغنى ظلم» أنه يدل على أن مطل غير الغنى ليس بظلم، وهم إنما يقولون فى مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب) أهـ. وأنه لذلك حجة لدى الجمهور، وخالف فى ذلك الحنفية وهم محجوجون بما سبق من حتمية أن تكون للقيد فائدة. وبعد- فقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث، نرى أن نطلع القارئ الكريم على ما كتبه فيه أهل علوم القرآن، مجتزئين فى ذلك بقول السيوطى، ففيه- فوق التلخيص لمعظم ما سبق مما نقلناه من كلام أهل الأصول- فوائد أخرى تضاف إليه، قال ﵀: المنطوق: ما دل عليه اللفظ فى محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٦)، وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا فى الكتاب والسنة. وقد بالغ إمام الحرمين (٧) وغيره فى الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال؛ وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ رد إلى اللغة، فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية؛ انتهى. أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فالظاهر نحو: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (٨)، فإن الباغى يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (٩)، فإنه يقال للانقطاع: طهر، وللوضوء والغسل، وهو فى الثانى أظهر، فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا، كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (١٠)؛ فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم، أو على الحفظ والرعاية، وكقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (١١) فإنه يستحيل حمله على الظاهر، لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق. وقد يكون مشتركا بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز، ويصلح حمله عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ فى معنييه أو لا. ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا. ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (١٢)؛ فإنه يحتمل: لا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور فى الكتابة والشهادة «ولا يضارّ» بالفتح، أى: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما، وإجبارهما على الكتابة والشهادة.

стр. 146

ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سميت دلالة اقتضاء، نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١٣)، أى: أهلها، وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم يقصد به سميت دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (١٤) على صحة صوم من أصبح جنبا، إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا فى جزء من النهار. وقد حكى هذا الاستنباط عن محمد ابن كعب القرظى. والمفهوم: ما دل عليه اللفظ، لا فى محل النطق وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة: فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق؛ فإن كان أولى سمى فحوى الخطاب كدلالة: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (١٥) على تحريم الضرب؛ لأنه أشد وإن كان مساويا سمى لحن الخطاب، أى معناه، كدلالة: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً (١٦) على تحريم الإحراق؛ لأنه مساو للأكل فى الإتلاف. واختلف: هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية مجازية أو حقيقية؟ على أقوال بيناها فى كتبنا الأصولية. والثانى: ما يخالف حكمه المنطوق، وهو أنواع: مفهوم صفة، نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا، نحو: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (١٧)، مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبين فى خبره؛ فيجب قبول خبر الواحد العدل. وحال نحو: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ (١٨)، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (١٩) أى فلا يصح الإحرام به فى غيرها: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ (٢٠) أى فالذكر عند غيره ليس محصلا للمطلوب، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (٢١) أى: لا أقل ولا أكثر. وشرط نحو: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ (٢٢) أى فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن. وغاية نحو: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٢٣) أى: فإذا نكحته تحل للأول بشرطه. وحصر نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (٢٤). إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ (٢٥)؛ أى: فغيره ليس بإله، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (٢٦)، أى: فغيره ليس بولى، لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (٢٧)، أى: لا إلى غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٢٨) أى: لا غيرك. واختلف فى الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة، والأصح فى الجملة أنها كلها حجة بشروط: منها: ألا يكون المذكور (خرج للغالب) ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ (٢٩)؛ فإن الغالب كون

стр. 147

الربائب فى حجور الأزواج فلا مفهوم له؛ لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره فى الذهن. وألا يكون موافقا للواقع، ومن ثم لا مفهوم لقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ (٣٠) وقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (٣١) وقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (٣٢). والاطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول. (فائدة). قال بعضهم: الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها أو بفحواها ومفهومها أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها المستنبط منها. حكاه ابن الحصار، وقال: هذا الكلام حسن. قلت: فالأول دلالة المنطوق، والثانى دلالة المفهوم، والثالث دلالة الاقتضاء، والرابع دلالة الإشارة. (٣٣) أ. هـ. والله أعلم. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 148

عام القرآن وخاصه العامّ والخاصّ: اسم فاعل من العموم والخصوص ولا خلاف فى كونهما من عوارض الألفاظ، ولكن الخلاف فى كونهما من عوارض المعنى، وتحقيق العلامة الشربينى يجعل الخلاف بين الفريقين خلافا لفظيا أو يكاد، وذلك بأنّ العموم يقصد به التناول تارة، وبهذا يكون من عوارض الألفاظ فقط، وتارة يقع بمعنى الشمول، فيتصف به اللفظ والمعنى. فمن قال: العموم ليس من عوارض المعانى صحّ، إذا كان العموم بمعنى التناول أى: إفادة اللفظ للشيء، ومن قال: العموم من عوارضها صحّ، إذا كان بمعنى الشمول. وحيث كان الخصوص قسيما للعموم، فما قيل فى العموم يقال فى الخصوص، بمعنى أن الخصوص يكون من عوارض الألفاظ فقط عند ما يكون معنى الخصوص التناول، ويكون من عوارض المعانى أيضا الجزئية مقابل الكلية. ولمّا كان هناك اتفاق بين العلماء على أن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ اتجهوا فى تعريفاتهم للعام والخاص إلى هذا الاتجاه، فعرّف ابن السبكى العام بأنه: (لفظ يستغرق الصالح له بغير حصر) فقولهم (لفظ) أخرج الألفاظ المتعددة الدالة على معان متعددة بتعددها. وقولهم: (يستغرق) أى يتناول جميع أفراده دفعة واحدة، فهو قيد أول أخرج ما لا يستغرق كالنكرة فى سياق الإثبات واسم العدد؛ لأنه يتناول أفراده بالبدلية لا الاستغراق. وقولهم: (الصالح له) قيد لبيان الماهية؛ لأنه ليس هناك لفظ يستغرق غير الصالح له ليحترز عنه. وقولهم (من غير حصر) قيد ثان يخرج اسم العدد؛ لأنه يتناول بحصر كعشرة ومائة، والنكرة المثناة فى الإثبات وكذلك المجموعة. فكل ما خرج بالقيدين فهو من الخاص بحيث يمكن صياغة تعريف الخاص بأنه: (اللفظ الذى لا يستغرق ما يصلح له أو يستغرقه مع الحصر)، وبه يفهم معنى قولهم التخصيص هو «قصر العام على بعض أفراده». وقد تكلم الأصوليون كلاما طويلا فى هذا الباب؛ ولذا سنهتم بما يناسب بحثنا فى علوم القرآن، وسنعتمد على ما قدمه السيوطى فى كتابه «الإتقان» مع التعليق على ما يستحق ذلك.

стр. 149

فبدأ الإمام السيوطى بذكر تعريف العام الذى ذكرنا من كلام ابن السبكى- دون شرح له، ثم ثنى ببيان صيغه، من غير خوض فى خلاف أن للعام صيغا موضوعة أو لا، وخوض فى العديد من تلك الصيغ أهي للعموم أم للخصوص؟ فذكر منها «كل» مبتدأة نحو كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (١)، أو تابعة، نحو: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢) أ. هـ. وترك- ﵀ من استعمالات (كل): الظرفية الموصولة ب (ما) الزائدة المستعملة فى الجملة الشرطية كقوله تعالى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ (٣). كما ترك ما هو بمعنى «كل» كأجمع وجميع وكافة وعامة، وطرا، وقاطبة، وبأسر، ونحو ذلك. وقد استعمل من ذلك فى القرآن أجمع تابعا «لكل» كما مثل هو «لكل» التابعة. ومنفردا كقوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤)، وجميع: كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (٥)، وكافة: كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (٦). ثم ذكر من صيغه (الذى والتى وتثنيتهما وجمعهما) أى: ما لم يقم عهد بقرينة، وإن لم ينبه الشيخ على ذلك، فإن قامت قرينة على العهد فهى للخصوص. فمثال العام: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (٧) فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول، بدليل قوله بعد: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ (٨)، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ (٩)، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ (١٠) الآية، وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا (١١) الآية وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما. (١٢) ومثال ما جاء من ذلك خاصا لقيام قرينة العهد، ولم يعرض له السيوطى هنا قوله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (١٣) وقوله: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا (١٤) الآية، وقوله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا (١٥) الآية، نزلت فيمن كان من المنافقين مع النبى ﷺ فى غزوة بنى المصطلق كما هو معلوم فى محله من كتب التفسير وأسباب النزول. ثم واصل حديثه فى ذكر الصيغ فذكر منها (أى، وما، ومن شرطا واستفهاما وموصولا) نحو: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ

стр. 150

الْحُسْنى (١٦) فهذا مثال الشرط فى أى، وعليه اقتصر السيوطى فيها، ومثال الاستفهام قوله تعالى فيما قص عن سليمان ﵇: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. (١٧) ومثال الموصولة، قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (١٨) ومثال الشرط فى (ما) قوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (١٩) ومثال الاستفهام فيها قول امرأة العزيز فيما قص الله عنها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٠) فإن السؤال بها يعم أنواع الجزاء كلها، بدليل الاستثناء المتصل الذى هو معيار العموم كما يقولون، ومثال الموصولة، وعليه اقتصر السيوطى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. (٢١) ومثال الشرطية فى (من) قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (٢٢) - وعليه اقتصر السيوطى، ومثال الاستفهامية فيها قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. (٢٣) ومثال الموصولة فيها قوله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. (٢٤) ثم ذكر من الصيغ (الجمع المضاف) نحو يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (٢٥)، و (المعرف بأل) نحو قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (٢٦) فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (٢٧) أى: ومثل الجمع اسمه (أى اسم الجمع) كالقوم، واسم الجنس الجمعى كالشجر، واسم الجنس المضاف، نحو: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (٢٨) أى: كل أمر الله. و (المعرف بأل) نحو: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (٢٩) أى كل بيع، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ أى كل إنسان بدليل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. (٣٠) والنكرة فى سياق النفى والنهى نحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً (٣١)، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (٣٢) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ (٣٣)، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (٣٤)، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ. (٣٥) وفى سياق الشرط نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، (٣٦) وفى الامتنان نحو: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٣٧) وكالفعل فى سياق النفى والنهى كقوله تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها (٣٨) وقوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، (٣٩) واسم الفعل فى سياق النهى كقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ. (٤٠)

стр. 151

وترك السيوطى- ﵀ من صيغ العام المستعملة فى القرآن. (أ) (مهما) وهى كلفظة (ما) لغير العاقل، ولا تستعمل إلا شرطية كقوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٤١). (ب) (كيف) لعموم الأحوال استفهاما، وشرطا، ولم يأت فى القرآن، ومتجردة عنهما. فمثالها استفهاما قوله تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ (٤٢)، ومثالها متجردة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ (٤٣). (ج) (أين) لعموم المكان شرطا واستفهاما ومجردة منهما، فمثالها شرطا قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ، (٤٤) ومثالها استفهاما: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، (٤٥) ومثالها مجردة منهما: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (٤٦). (د) (أنى) لعموم الأحوال تارة ككيف، ولعموم الأماكن كمن أين، وتأتى شرطا ولم يقع فى القرآن. واستفهاما بالمعنيين الآنفين، ومجردة منها بهذين المعنيين. فمثالها استفهاما بمعنى كيف: قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ (٤٧) الآية، ومثالها استفهاما بمعنى من أين: قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٤٨)، ومثالها مجردة منهما: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (٤٩)، وهى محتملة للمعنيين. (هـ) (حين) كأين فى عموم المكان، مجرورة بمن، أو ظرفا موصولة بما، أو بدونها، وقد تكون على ظرفيتها شرطية إن وصلت بما، ومثالها قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٥٠). (و) (متى) لعموم الزمان ماضيا فى الاستفهام ومستقبلا فيه وفى الشرط، ولم تستعمل فى القرآن إلا مستقبلة فى الاستفهام كقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٥١). (ز) (أيان) لعموم الزمان المستقبل شرطا واستفهاما، ولم تستعمل فى القرآن إلا استفهاما كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٥٢).

стр. 152

(ح) (كم) لعموم العدد استفهاما، وفى الكثرة غير المحصورة خبرية، فمن الأول قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ (٥٣)، ومن الثانى قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها. (٥٤) والأمران محتملان فى نحو قوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٥٥). (ط) (كأين) وهى ككم الخبرية فى نحو قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. (٥٦) ثم عقد السيوطى- ﵀ فصلا فى مخاطبات القرآن بالعام بين عام باق على عمومه، وعام مراد به الخصوص، وعام مخصوص، فقال- ﵀: «العام على ثلاثة أقسام: الأول: الباقى على عمومه: قال القاضى جلال البلقينى: ومثاله عزيز، إذ ما من عام إلا ويدخل فيه التخصيص فقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ (٥٧) قد يخص منه غير المكلف، وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٥٨) خص منها حالة الاضطرار، وميتة السمك والجراد، وحرم الربا خص منه العرايا. (٥٩) وذكر الزركشى فى «البرهان» أنه كثير فى القرآن، وأورد منه: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، (٦٠) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، (٦١) وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، (٦٢) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً. (٦٤) قلت: هذه الآيات كلها فى غير الأحكام الفرعية، فالظاهر أن مراد البلقينى أنه عزيز فى الأحكام الفرعية، وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية فيها، وهى قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٦٥) الآية، فإنه لا خصوص فيها». الثانى: العام المراد به الخصوص. الثالث: العام المخصوص. وللناس بينهما فروق. أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد، لا من جهة تناول اللفظ، ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل فى فرد منها. والثانى أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم، ومنها أن الأول مجاز قطعا لنقل اللفظ عن موضعه الأصلى بخلاف الثانى فإن فيه مذاهب أصحها: أنه حقيقة، وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة، ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء. وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب الشافعى وأصحابه. وصححه السبكى؛ لأن تناول

стр. 153

اللفظ للبعض الباقى بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص. وذلك التناول حقيقى اتفاقا، فليكن هذا التناول حقيقيا أيضا. ومنها أن قرينة الأول عقلية والثانى لفظية. ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه، وقرينة الثانى قد تنفك عنه. ومنها أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقا، وفى الثانى خلاف، ومن أمثلة المراد به الخصوص قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ. (٦٦) والقائل واحد (هو) نعيم بن مسعود الأشجعى أو أعرابى من خزاعة، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبى رافع؛ لقيامه مقام كثير فى تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبى سفيان قال الفارسى: ومما يقوى أن المراد به واحد قوله: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ (٦٧)، فوقعت الإشارة بقوله: (ذلكم) إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعا لقال: (إنما أولئكم الشيطان)، فهذه دلالة ظاهرة فى اللفظ. ومنها قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ (٦٨) أى: رسول الله ﷺ لجمعه ما فى الناس من الخصال الحميدة. ومنها قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (٦٩). أخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس فى قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ. قال: إبراهيم ﵇. ومن الغريب قراءة سعيد بن جبير: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ قال فى «المحتسب»: يعنى آدم لقوله: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (٧٠)، ومنه قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (٧١). أى: جبريل كما فى قراءة ابن مسعود» أ. هـ. وأقول: ذكر السيوطى- كما ترى- للعام المراد به الخصوص أربعة أمثلة لا ننازعه منها إلا فى ثالثها، وإن كان فى بعضها كلام، وأعنى بهذا الثالث ما عزا فيه إلى الطبرى الرواية عن الضحاك عن ابن عباس: من أن الناس فى ثانية آيتى الإفاضة يراد بهم إبراهيم، فإن النسخ المطبوعة بطبعات مختلفة من تفسير الطبرى فى تفسير هذه الآية من سورة البقرة ليس فيها الرواية عن الضحاك موصولة إلى ابن عباس، بل الرواية فيها جميعا هى عن الضحاك موقوفة عليه، وهكذا رواها عن الطبرى الحافظ ابن كثير (٧٢)، وكذا رواها الحفاظ من أمثال الحافظ ابن حجر فى «الفتح» عن ابن أبى حاتم وغيره. فهذه واحدة. وثانية هى أطم من الأولى وأعظم، وهى أن هذا القول أحد قولين فى الآية حكاهما

стр. 154

الطبرى واختار غيره لما قال من إجماع الحجة عليه، وأنه لولا إجماع الحجة على هذا الغير لاختاره. هذا معنى كلامه، وإنما القول المعتمد فى تفسير الآية أن يراد من الإفاضة فيها عين ما أريد منها فى سابقتها، ومن قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ عرفات كما وقع التصريح به فى سابقتها على ما روى البخارى- ﵀ عن عائشة- رضى الله عنها-: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الخمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتى عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أ. هـ كذا أخرجه البخارى فى الحج وفى التفسير، واللفظ من التفسير فى تفسير الآية من سورة البقرة. تريد- رضى الله عنها: أن المأمور بالإفاضة فى هذه الآية هو النبى ﷺ وأصحابه، أمروا أن تكون إفاضتهم من حيث يفيض جمهور العرب أى من عرفة- لا من حيث كان يفيض قريش ومن دان دينها من المزدلفة أى أن يكون موقف النبى ﷺ الذى تصدر منه الإفاضة هو عرفة لا المزدلفة على ما كانت تفعل قريش، وتوجيه (ثم) على هذا القول المعتمد- والذى اختاره الطبرى نفسه وحكى الإجماع عليه- ما قاله الحافظ ابن حجر فى شرح هذا الحديث من كتاب الحج قال ﵀ (٧٣): (وأما الإتيان فى الآية بقوله: (ثم) فقيل: هى بمعنى الواو. وهذا اختيار الطحاوى، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التى تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال الزمخشرى: وموقع (ثم) هنا موقعها من قولك: «أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير الكريم»، فتأتى (ثم) لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة فقال: ثم أفيضوا. لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابى: «تضمن قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الأمر بالوقوف بعرفة لأن الإفاضة إما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه» أهـ. نعم قد جاء الآخر رواية عن ابن عباس عند البخارى أيضا فى تفسير الآية من كتاب التفسير والذى حاصله أن الإفاضة فى هذه

стр. 155

الآية غيرها فى سابقتها، وأنها الإفاضة من «جمع» أى: المزدلفة إلى منى لرمى الجمرات، ولكن المقصود بالناس فى هذه الرواية ليس ما فى رواية الضحاك، وإنما هو العموم الشامل لجماهير الناس جميعا، أو هم قريش على أقل تقدير. ففي هذا الحديث عند البخارى: ثم ليدفعوا من عرفات فإذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعا الذى يتبرر فيه، ثم ليذكروا الله كثيرا أو أكثروا التكبير والتهليل قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون. وقال الله تعالى: وتلا الآية ثم قال: حتى ترموا الجمرة أ. هـ. فلا تشترك هذه الرواية مع ما قال الضحاك إذن، إلا فى مجرد أن الإفاضة فى الآية يراد بها الإفاضة من المزدلفة، وأما أن الناس فيها يراد بهم إبراهيم ﵇ فشىء لم يعرف عن ابن عباس ولا عن غيره، وإنما هو قصر على الضحاك وحده، وشتان ما بين الأمرين، ومع هذا فإن هذا القول عن ابن عباس- وإن بقيت فيه (ثم) التى صدرت بها الآية على حقيقتها من إفادة الترتيب، ليس هو القول المعتمد فى تفسير الآية، والذى وصفنا من قول عائشة، بل الذى نطقت به رواية أخرى عن ابن عباس فى تفسير الطبرى نفسه، كما جاءت به الرواية عند الطبرى عن عروة بن الزبير وعطاء وقتادة ومجاهد والسدى والربيع وابن أبى نجيح. ومن ثم حكى الطبرى إجماع الحجة عليه كما سبق. وإنما كان الذى وصفنا من قول هؤلاء المعتمد؛ لأنه فوق كونه قول الجمهور نص فى إلغاء صنيع قريش، وإيجاب أن يكون موقف الجميع؛ قريش وغير قريش بعرفة، بخلاف ما فى هذه الرواية عن ابن عباس، فإنه وإن أفاد إيجاب الإفاضة إلى منى لم يعرض من قليل أو كثير لما هو أهم منه بدرجات- أعنى إبطال الباطل- ولا سيما أن الإفاضة من المزدلفة إلى منى كان أمرا معروفا ومشتركا متفقا فيه من الكل؛ قريش، وغير قريش، فلم تضف الآية جديدا. وأيضا فإن أمر منى سيأتى الحديث عنه بعد هذا بقليل فى قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ (٧٤) الآية. وفى هذا الرد: (أ) على ما زعم الطبرى من ترجيح أن تراد الإفاضة إلى منى لولا إجماع الحجة على الأول. (ب) وعلى علامة مفسرى العصر الطاهر ابن عاشور فيما زعم من ذلك لولا الحديث، كما قال فى تفسيره الجليل «التحرير والتنوير» يريد حديث عائشة المتضمن للقول المعتمد.

стр. 156

(ج) وعلى موقف الحافظ ابن كثير الحائر بين القولين والمتمثل فى قوله بعد إيراده لروايتى عائشة وابن عباس من البخارى (فالله أعلم) أ. هـ. وأما ما حكى فى هذا المثال من قراءة ابن جبير بالياء يريد آدم كما فسره ابن جنى فى «المحتسب»، فقد كفانا مئونتها بعدّها من الغريب، فإنها قراءة بالغة الشذوذ خارجة أتم الخروج عن القرآنية، فلا يبال بها ولا بما تضمنته من هذا المعنى هنا. ثم شرع السيوطى بعد هذا فى الحديث عن العام المخصوص وبيان المخصص المتصل منه والمنفصل فقال: «وأما المخصوص فأمثلته فى القرآن كثيرة جدا، وهو أكثر من المنسوخ، إذ ما من عام إلا وقد خص، ثم المخصص له: إما متصل وإما منفصل، فالمتصل: خمسة وقعت فى القرآن: أحدها: الاستثناء» (يريد المتصل) وذكر له أمثلة خمسة نختار من بينها آخرها وهو قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (٧٥). ثم قال السيوطى: «الثانى: الوصف نحو: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (٧٦) الثالث: الشرط، نحو وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (٧٧)، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ (٧٨). الرابع: الغاية وذكر لها أمثلة أربعة آخرها: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ (٧٩) الآية. والخامس: بدل البعض من الكل نحو: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٨٠). ثم قال: والمنفصل آية أخرى فى محل آخر، أو حديث، أو إجماع، أو قياس. ومن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٨١)، خص بقوله: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ (٨٢) وبقوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٨٣). وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (٨٤)، خص من الميتة السمك بقوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ (٨٥)، ومن الدم الجامد بقوله: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (٨٦).

стр. 157

وقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (٨٧) الآية خص بقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (٨٨). وقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٨٩). خص بقوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (٩٠). وقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (٩١)، خص بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٩٢) الآية. ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (٩٣) خص منه البيوع الفاسدة- وهى كثيرة بالسنة- وَحَرَّمَ الرِّبا، خص منه العرايا (٩٤) بالسنة، وآيات المواريث خص فيها القاتل والمخالف فى الدّين بالسنة. وآية تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة، وآية ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٩٥) خص منها الأمة بالسنة (٩٦). وقوله: ماءً طَهُوراً (٩٧) خص منه المتغير بالسنة، وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (٩٨)، خص منه من سرق دون ربع دينار بالسنة. ومن أمثلة ما خص بالإجماع: آية المواريث خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع، ذكره مكى. ومن أمثلة ما خص بالقياس: آية الزنا فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٩٩) خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة فى قوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (١٠٠) المخصص لعموم الآية، ذكره مكى أيضا». ثم قال السيوطى: «فصل من خاص القرآن: ما كان مخصصا لعموم السنة وهو عزيز، ومن أمثلته قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (١٠١) خص عموم قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله). وقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١٠٢)، خص عموم نهيه ﷺ عن الصلاة فى الأوقات المكروهة بإخراج الفرائض، وقوله: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها (١٠٣) الآية خص عموم قوله ﷺ : «ما أبين من حى فهو ميت»، وقوله: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (١٠٤). خص عموم قوله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوىّ). وقوله: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (١٠٥). خص عموم قوله ﷺ : (إذا التقى المسلمان بالسيف، فالقاتل والمقتول فى النار)».

стр. 158

ثم قال السيوطى: فروع منثورة تتعلق بالعموم والخصوص: الأول: إذا سيق العام للمدح أو الذم، فهل هو باق على عمومه؟ فيه مذاهب: أحدها: (نعم) إذ لا صارف عنه، ولا تنافى بين العموم وبين المدح أو الذم. والثانى: لا؛ لأنه لم يسق للتعميم بل للمدح أو الذم. والثالث: وهو الأصح: التفصيل، فهو إن لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن عارضه ذلك، جمعا بينهما. مثاله- ولا معارض- قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٠٦) ومع المعارض قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (١٠٧). فإنه سيق للمدح، وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا، وعارضه فى ذلك: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (١٠٨)؛ فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين، ولم يسق للمدح فحمل الأول على غير ذلك بأنه لم يرد تناوله له. ومثاله فى الذم: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ (١٠٩) الآية فإنه سيق للذم، وظاهره يعم الحلى المباح. وعارضه فى ذلك حديث جابر: «ليس فى الحلى زكاة». فحمل الأول على غير ذلك. الثانى: اختلف فى الخطاب الخاص به ﷺ ، نحو: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ هل يشمل الأمة؟ فقيل: نعم؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا، والأصح فى الأصول المنع لاختصاص الصيغة به. الثالث: اختلف فى الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ، هل يشمل الرسول ﷺ ؟ على مذاهب: أصحّها- وعليه الأكثرون: نعم لعموم الصيغة له؛ أخرج ابن أبى حاتم عن الزهرى قال: إذا قال الله: «يأيها الذين آمنوا افعلوا» فالنبى ﷺ منهم. والثانى: لا؛ لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره، ولما له من الخصائص. والثالث: إن اقترن ب «قل» لم يشمله لظهوره فى التبليغ، وذلك قرينة عدم شموله؛ وإلا فيشمله. الرابع: الأصح فى الأصول أن الخطاب ب «أيها الناس» يشمل الكافر والعبد لعموم اللفظ، وقيل: لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع. ولا العبد؛ لصرف منافعه إلى سيده شرعا. الخامس: اختلف فى «من» هل تتناول

стр. 159

الأنثى؟ فالأصح نعم، خلافا للحنفية، لنا قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى (١١٠) فالتفسير بهما دال على تناول «من» لهما، وقوله: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ (١١١). واختلف فى جمع المذكر السالم هل يتناولهما؟ فالأصح لا، وإنما يدخلن فيه بقرينة، أمّا المكسّر فلا خلاف فى دخولهن فيه. السادس: اختلف فى الخطاب ب «يا أهل الكتاب» هل يشمل المؤمنين؟ فالأصح لا؛ لأن اللفظ قاصر على من ذكر. وقيل: إن شاركوهم فى المعنى شملهم وإلّا فلا. واختلف فى الخطاب ب «يأيها الذين آمنوا» هل يشمل أهل الكتاب؟ فقيل: لا، بناء على أنهم غير مخاطبين بالفروع، وقيل: نعم؛ واختاره ابن السمعانى قال: وقوله: «يا أيها الذين آمنوا» خطاب تشريف لا تخصيص (١١٢) أ. هـ. وقوله فى سادس هذه الفروع بما قال من اختيار ابن السمعانى فى نحو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قد فصل الزركشى- ﵀ القول فى هذه القضية وكشف فيه عن شبهة ابن السمعانى وأجاب عنها فقال فى كتابه البحر المحيط: (الخامسة: «يعنى من مسائل اشتمال العموم على بعض ما يشكل تناوله»: الخطاب ب «يأيها المؤمنون» حكى ابن السمعانى فى «الاصطلام» عن بعض الحنفية أنه لا يشمل غيرهم من الكفار لأنه صريح، ثم اختار التعميم لهم ولغيرهم لعموم التكليف بهذه الأمور، وأن المؤمنين إنما خصوا بالذكر من باب خطاب التشريف لا خطاب التخصيص بدليل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (١١٣) وقد ثبت تحريم الربا فى حق أهل الذمة. قلت: وفيه نظر؛ لأن الكلام فى التناول بالصيغة لا بأمر خارج. وقال بعضهم: لا يتناولهم لفظا، وإن قلنا: إنهم مخاطبون إلا بدليل منفصل أو من عدم الفرق بينهم وبين غيرهم وإلا كيف يقال بعموم الشريعة لهم ولغيرهم، وأما حيث يظهر الفرق أو يمكن معنى غير شامل لهم، فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم؛ لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل، والتعلق قدر زائد على الوجوب فلا يثبت فى حقهم بغير دليل ولا معنى (١١٤) أ. هـ والله أعلم. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 160

مطلق القرآن ومقيده أولا: ما هو المطلق: هو لغة: (التحرر من القيد). واصطلاحا: (اللفظ الدال على الماهية بلا قيد من وحدة أو غيرها) كذا عرّفه ابن السبكى وغيره. وبعضهم يقيد الماهية فيقول: (الماهية من حيث هى). ويتساوى فى ذلك جعلنا الماهية المقرونة بالعوارض عين هوية الموجود فى الخارج، فتصير الإنسانية هى عين هوية المشخص (محمد)، أو جعلنا الماهية جزءه- كاختيار بعض الحكماء- ففي الحالتين يكون طلب المطلق من العبد شرعا بأن قال له الشارع: اعتق رقبة، فإن هذا المطلق يتحقق فى فرد ذى هوية مخصوصة؛ لأن الماهية المجردة من المشخصات لا يمكن طلبها من العبد؛ لعدم تمكنه من تحصيلها فى الخارج إلّا بالهوية المخصوصة فى فرد خارجى. وعليه لم تكن هناك حاجة لعدول الآمدى لتعريفه المطلق بأنه (لنكرة فى الإثبات)، وعدول تلميذه إلى تعريفه بأنه: (ما دلّ على شائع فى جنسه)؛ لأن ما قالاه أمر كلى ذهنى لا يحصل فى الخارج مجردا، ولأن التعريفات وضعت للوصول للحقيقة لا لما فى الخارج. وقد أحسن صاحب «الكشف» فى تفريقه بين بعض الألفاظ فقال: «الماهية فى ذاتها لا واحدة ولا متكثرة، واللفظ الدال عليها من غير تعرض لقيد ما هو المطلق، ومع التعرض لكثرة معينة هو اسم العدد، وغير معينة هو العام، ولوحدة معينة هو المعرفة، ولوحدة غير معينة هو النكرة». ثانيا: حكم المطلق مع المقيد: الأقسام الممكنة فى مسألة حمل المطلق على المقيد أو عدمه تأتى من النظر إلى الحكم والسبب فى المطلق والمقيد، وهما: المطلق والمقيد إما أن يتفقا فى الحكم والسبب، وإما أن يختلفا فيهما، وإما أن يتفقا فى الحكم ويختلفا فى السبب، أو العكس، فالأقسام أربعة، وكل قسم منها إمّا أن يكون المطلق والمقيد مثبتين وإمّا منفيين وإما أحدهما مثبتا والآخر منفيا. فمجموع

стр. 161

الأقسام: اثنا عشر قسما من ضرب أربعة فى ثلاثة. فما اختلفا فيه فى الحكم والسبب فلا يحمل المطلق على المقيد فيه باتفاق. وبهذا ذهبت أقسام ثلاثة وبقيت تسعة، يظهر الحكم فيها من كلام ابن السبكى وشارحه «المحلى»، مع ملاحظة حمل ما لم يذكر من هذا الفصل على ما ذكر. قالا رحمهما الله: «مسألة المطلق والمقيد كالعام والخاص» فما جاز تخصيص العام به يجوز تقييد المطلق به وما لا فلا. فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة، والسنة بالكتاب والسنة، وتقييدهما بالقياس والمفهومين وفعل النبى ﵊ وتقريره، بخلاف مذهب الراوى، وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح فى الجميع. (و) يزيد المطلق والمقيد «أنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما» بكسر الجيم أى سببهما «وكانا مثبتين» كأن يقال فى كفارة الظهار: أعتق رقبة مؤمنة «وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو» أى المقيد «ناسخ» للمطلق بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد «وإلا» بأن تأخر عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقا أو تقارنا أو جهل تاريخهما «حمل المطلق عليه» أى: على المقيد جمعا بين الدليلين. «وقيل المقيد ناسخ» للمطلق «إن تأخر» عن وقت الخطاب به كما لو تأخر عن وقت العمل به بجامع التأخر، «وقيل: يحمل المقيد على المطلق» بأن يلغى القيد؛ لأن ذكر المقيد ذكر الجزئى من المطلق فلا يقيده، كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه. قلنا: الفرق بينهما أن مفهوم القيد حجة بخلاف مفهوم اللقب الذى ذكر فرد من العام منه- كما تقدم- «وإن كانا منفيين» يعنى: غير مثبتين (منفيين أو منهيين) نحو لا يجزى عتق مكاتب. لا يجزى عتق مكاتب كافر، لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتبا كافرا «فقائل المفهوم» أى القائل بحجية مفهوم المخالفة وهو الراجح «يقيده به» أى يقيد المطلق بالمقيد فى ذلك «وهى» أى المسألة حينئذ «خاص وعام» لعموم المطلق فى سياق النفى، ونافى المفهوم يلغى القيد ويجرى المطلق على إطلاقه «وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا» نحو: أعتق رقبة، لا تعتق رقبة كافرة، أعتقا رقبة مؤمنة، لا تعتق رقبة «فالمطلق مقيد بضد الصفة» فى المقيد ليجتمعا، فالمطلق فى المثال الأول مقيد بالإيمان، وفى الثانى مقيد بالكفر «وإن اختلف السبب مع اتحاد الحكم» كما فى قوله تعالى فى كفارة الظهار: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ

стр. 162

وفى كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. فقال أبو حنيفة: «لا يحمل المطلق على المقيد فى ذلك لاختلاف السبب، فيبقى المطلق على إطلاقه»، «وقيل يحمل» عليه «لفظا» أى بمجرد ورود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع. وقال الشافعى ﵁ يحمل عليه «قياسا» فلا بد من جامع بينهما، وهو فى المثال المذكور حرمة سببهما، أى: الظهار والقتل «وإن اتحد الموجب» فيهما واختلف حكمهما» كما فى قوله تعالى فى التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وفى الوضوء فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ والموجب لهما الحدث واختلاف الحكم من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرافق واضح «فعلى الخلاف» من أنه لا يحمل المطلق على المقيد، أو يحمل عليه لفظا أو قياسا وهو الراجح والجامع بينهما فى المثال المذكور اشتراكهما فى سبب حكمهما «والمقيد» فى موضعين «بمتنافيين» وقد أطلق فى موضع كما فى قوله تعالى فى قضاء أيام رمضان: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وفى كفارة الظهار فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ وفى صوم التمتع فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ «يستغنى» فيما أطلق فيه «عنهما إن لم يكن أولى بأحدهما من الآخر قياسا» كما فى المثال المذكور بأن يبقى على إطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما، وبواحد منهما لانتفاء مرجحه فلا يجب فى قضاء رمضان تتابع ولا تفريق، أما إذا كان أولى بالتقييد بأحدهما من الآخر من حيث القياس كأن وجد الجامع بينه وبين مقيده دون الآخر قيد به بناء على الراجح من أن الحمل قياس، فإن قيل: لفظى. فلا. وقول ابن السبكى- ﵀ فى شأن ما اتحد فيه السبب والحكم واختلف المطلق والمقيد نفيا وإثباتا: «فالمطلق مقيد بضد الصفة» علق عليه العلامة الشربينى فقال: «ظاهره أنه لا نسخ هنا، وإن تأخر المقيد عن وقت العمل، والظاهر خلافه، فلعل معناه: أنه مقيد بضد الصفة، ثم إن تأخر عن العمل كان نسخا وإلا كان تقييدا» أه. ثم لا يخفى بعد هذا على فطانة القارئ الكريم أن شأن ما اختلف فيه السبب دون الحكم أو الحكم دون السبب شأن ما اتحدا فيه من حيث تفصيل الإثبات والنفى لكن مع بعض فروق طفيفة تطلب من مراجعة تقريرات العلامة الشربينى فى هذا المقام (١) أه.

стр. 163

بقى أن يقف القارئ الكريم على ثانى التنبيهين اللذين ختم بهما السيوطى حديثه الموجز عن هذا النوع من علوم القرآن. قال ﵀: «ما تقدم: يعنى من حمل المطلق على المقيد وعدمه- محله، إذا كان الحكمان بمعنى واحد، وإنما اختلفا فى الإطلاق والتقييد؛ فأما إذا حكم فى شىء بأمور، ثم فى آخر ببعضها، وسكت فيه عن بعضها، فلا يقتضى الإلحاق، كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة فى الوضوء وذكر فى التيمم عضوين، فلا يقال بالحمل، ومسح الرأس والرجلين بالتراب فيه أيضا، وكذلك ذكر العتق والصوم والإطعام فى كفارة الظهار، واقتصر فى كفارة القتل على الأولين، ولم يذكر الإطعام، فلا يقال بالحمل وإبدال الصيام بالطعام (٢)» أه. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 164

مجمل القرآن ومبينه أولا: المجمل: لغة: اسم مفعول من أجمل الشيء (إذا جمعه حتى اختلط بعضه ببعض فلم تتضح تفاصيله). واصطلاحا: (ما لم تتضح دلالته). فقولهم: (ما) يدخل فيها مع اللفظ الفعل والتقرير، ويخرج المهمل لعدم دلالته أصلا. وسنعرض لبعض مسائل الإجمال: إحداها: أسباب الإجمال: وقد أجمل السيوطى فى «الإتقان» أسباب الإجمال فى ما ملخصه: أن من أسباب الإجمال: (الاشتراك) كما فى قوله تعالى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (١). فإن القرء موضوع للطهر والحيض. ومنها: (الحذف) كما فى قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (٢) فيحتمل المحذوف أن يكون (فى) أو (عن). ومنها: (اختلاف مرجع الضمير) نحو: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (٣) فالضمير فى يرفعه يحتمل عوده على الضمير فى (إليه) العائد عليه- ويحتمل أن يعود للعمل. ومنها: (احتمال العطف والاستئناف) نحو قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ (٤). ومنها: (غرابة اللفظ) نحو: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ (٥). ومنها: (عدم كثرة الاستعمال الآن) نحو: ثانِيَ عِطْفِهِ (٦) أى متكبرا. ومنها: (التقديم والتأخير) نحو: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها (٧) أى: يسألونك عنها كأنك حفىّ. ومنها: (قلب المنقول) نحو: وَطُورِ سِينِينَ (٨) أى: سيناء. ومنها: (التكرير القاطع لوصل الكلام فى الظاهر) نحو: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (٩) (١٠) أهـ. ملخصا. واضح مما عرضنا من أسباب الإجمال نسبية هذه

стр. 165

الأسباب حتى إنها قد يتلاشى الإجمال فى بعضها. ثانيها: هل المجمل واقع فى القرآن ؟: يتضح من الأمثلة السابقة عند عرض أسباب الإجمال وقوع المجمل فى القرآن خلافا لدواد الظاهرى. ولكن هل يبقى على إجماله؟ خلاف بين العلماء، والصواب عندى: أنه لا يكون كذلك، على ما أثبتناه من أن الحق فى المتشابه علم الراسخين بتأويله، وقيل: يبقى مطلقا، وقيل: لا يبقى فى مواطن التكليف. وكل هذا ضعيف سوى الأول. ثالثها: آيات اختلف فيها هل من قبيل المجمل أم المبين ؟ ذكر السيوطى نماذج: منها: آية السرقة قيل: مجملة؛ لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب، ولا ظهور لواحد منها، وأبان الشارع المراد، وقيل: لا إجمال فيها؛ لأن القطع ظاهر فى الإبانة. ومنها وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (١١) قيل: إنها مجملة لترددها بين مسح الكل والبعض، ومسح الشارع على الناصية مبين، وقيل: لا، إنما هى لمطلق المسح الصادق بأقل مسح. ومنها: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (١٢) بنسب الحرمة للعين، ولا حرمة فيها، فهى مجملة؛ لأنه لا بدّ من تقدير لفعل وهو محتمل. وقيل: لا، لوجود المرجح وهو العرف بتحريم الاستمتاع. ومنها: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (١٣) قيل: مجملة؛ لأن ما من بيع إلا وفيه زيادة، وقيل: لا؛ لأن البيع منقول شرعا فحمل على إطلاقه وعمومه. ومنها: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ (١٤) ووَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (١٥). والآيات التى فيها الأسماء الشرعية لاحتمال إرادة معانيها اللغوية فافتقرت للبيان، وقيل: لا، بل تحمل على الشرعية إلا بدليل. رابعها: التفرقة بين المجمل والمحتمل لمعنيين: فرق بينهما ابن الحصار (١٦) - بعد أن ذكر أن من الناس من ساوى بينهما- بأن المجمل: اللفظ المبهم الذى لا يفهم المراد منه، والمحتمل: الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا. والمجمل يدل على أمور معروفة، والمحتمل متردد بينها، والشارع لم يفوض لأحد بيان المجمل بخلاف المحتمل (١٧).

стр. 166

خامسها: حكمة إيراد المجمل: الحاصل أن لإيراد المجمل الذى هو أحد قسمى المتشابه فوائد عظيمة منها: حكم الابتلاء وحفز العقول على النظر وتحصيل العلوم ونيل شرف العلم، والتعرض لنيل درجات علمية من الفضل بقدر ما يبذل من جهد فى التوصل إلى الحق، ومزيد طمأنينة القلوب بالبرهان على أحقية كون القرآن من عند الله. وقد أشار إلى هذه الفوائد الزمخشرى فى «كشافه» (١٨). ولحجة الإسلام الغزالى والرازى فى تفسيره والقاضى عبد الجبار فى «متشابه القرآن» كلام فى هذه المسألة فيراجع فى رسالتنا «المحكم والمتشابه فى القرآن». ثانيا: المبيّن: فى بيان حقيقته: يذكر العضد فى شرحه «لمختصر ابن الحاجب» أن البيان يطلق ويراد به فعل المبين، وهو التبيين من بان: إذا ظهر وانفصل، ويطلق ويراد ما حصل به التبيين وهو الدليل، ويطلق ويراد متعلق التبيين ومحله وهو المدلول. فعرفه الصيرفى بالنظر للأول بأنه: الإخراج من حيز الإشكال إلى التجلى والوضوح (١٩). وأورد على هذا التعريف إيرادات واهية، وسنعرض فيما يلى بالتفصيل لمسألتين من مسائل هذا المبحث: أولاهما: بم يقع البيان ؟ ذكر الإمام السيوطى ما يقع به البيان بالأمثلة ما ملخصه: أن بيان آى القرآن قد يقع بالمتصل كما وقع لقوله تعالى: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ بقوله: مِنَ الْفَجْرِ (٢٠)، وقد يكون البيان بالمنفصل كما فى قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ (٢١) فقد بيّنه قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٢٢)، فإنه بيّن أن المراد بالطلاق فى الآية الأولى: الذى يملك الرجعة بعده، ولولا الآية الثانية لكان الطلاق منحصرا فى الطلقتين. ثم ذكر الإمام السيوطى أمثلة كثيرة من البيان المنفصل. ثم ذكر أن البيان قد يكون أيضا بالسنة مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ (٢٣)، وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قد بينت السنة أفعال الصلاة والحج ومقادير الزكاة فى أنواعها (٢٤). ثانيتهما: تأخير البيان: ذكر الإمام ابن السبكى أقوالا فى هذه المسألة ملخصها: أن أولها: يرى أصحابه

стр. 167

عدم وقوع تأخير البيان عن وقت الفعل، وإن جاز عند المجوزين للتكليف بما لا يطلق. وثانيها: يرى أصحابه أن تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل واقع وجائز سواء كان مبينا أم مجملا، قول الجمهور. وثالثها: يمتنع فى المبين بخلاف المجمل. ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالى فيما له ظاهر دون التفصيلى، ويجوز فى المجمل تأخيرهما. وخامسها: يمتنع تأخير البيان فى غير النسخ. وسادسها: لا يجوز تأخير بعض البيان دون بعض، لعدم إيهام المخاطب بأن المقدم هو البيان فقط. ثم اختار الجلال المحلى رأى الجمهور بأن تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل واقع وجائز، واستدل على الوقوع بالغنيمة فى قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٢٥) فإنه عام فيما يغنم خصص بحديث الصحيحين: «من قتل قتيلا فله سلبه». وذكر ابن السبكى أن الحديث كان فى غزوة حنين، وأن الآية كانت فى بدر. وبيّن أن الأقوال السابقة على القول بالجواز، أما القول بالمنع من التأخير فالمختار جواز تأخير النبى ﷺ التبليغ إلى وقت الحاجة، وقيل: لا يجوز لقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (٢٦) أى على الفور، وذكر أن كلام الرازى والآمدى يقتضى المنع فى القرآن، ولم يقع فى كلامه ﷺ لما علم أنه كان يسأل فيجيب تارة ويقف انتظارا للوحى أخرى. ثم بين أن المختار على المنع أنه يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود بالمخصص بذاته أو بوصفه أنه مخصص. وقيل: لا يجوز فى المخصص السمعى لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان، وفى العقلى اتفقوا على الجواز، وذكر أنه وقع من بعض الصحابة عدم سماع المخصص السمعى إلّا بعد حين، كعدم سماع عمر ﵁ ما يخصص المجوس حتى سمع عبد الرحمن بن عوف يخبره عن النبى ﷺ أنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، وأنه أخذ الجزية (٢٧). أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 168

مصادر للبحث والاستزادة (١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى. (٢) البحر المحيط لبدر الدين الزركشى، ط الكويت. (٣) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور. (٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (٥) جامع البيان عن تأويل أى القرآن للطبرى. (٦) الجامع الصحيح لأبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى. (٧) حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع لابن السبكى. (٨) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، نشر مكتبة الكليات الأزهرية بالصنادقية. (٩) فتح البارى لابن حجر العسقلانى. (١٠) الكشاف للزمخشرى. (١١) معالم التنزيل للبغوى بهامش تفسير الخازن، ط مصطفى الحلبى.

стр. 169

أحكام القرآن الأحكام: جمع حكم. وهو لغة: بمعنى المنع والقضاء، يقال: حكمت بكذا. أى: منعت من الخلاف. والحكمة تمنع صاحبها من فعل الرذائل. كما فى «المصباح والقاموس». واصطلاحا: الذى نقصده هو الحكم الشرعى، وقد اقتصر بعض الأصوليين كالبيضاوى وابن السبكى على الحكم التكليفى فى تعريف الحكم الشرعى، ولكنها طريقة ضعيفة عند الأصوليين، نصّ على ذلك شيخ أشياخنا محمد بخيت المطيعى. وعرفها ابن الحاجب فزاد الحكم الوضعى، وهو الصواب. نرى أن أمثل التعاريف هو: الحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع)، فقولهم: (خطاب الله) يقصد به توجيه الخطاب أى: الكلام المخاطب به كلام الله النفسى القديم، وخرج به كل خطاب لغيره- سبحانه- ومن قال لا يشمل الأحكام الثابتة بالسنة والإجماع والقياس، قلنا هذه الأدلة معرفات للخطاب وليست مثبتات له. وقولهم: (المتعلق بفعل المكلف) أى: تعلقا معنويا فى الأزل وتنجيزيا بعد البعثة، ووجود المكلف على شرط التكليف، وخرج خطاب الله المتعلق بالذوات والصفات والجمادات، وقولهم: (بالاقتضاء) وهو الطلب فيكون للفعل والترك، وللفعل قد يكون جازما فهو الإيجاب، أو غير جازم فهو الندب، وللترك فيكون جازما وهو التحريم، أو غير جازم وهو الكراهة. وهو- بالاقتضاء- قيد أخرج خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الإخبار، كما فى قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ. وقولهم: (أو التخيير) هو الإباحة فصارت الأحكام التكليفية خمسة، وهى كذلك عند الجمهور- وقولهم (أو الوضع) أى: جعل الشيء سببا كالسرقة سبب فى القطع، أو شرطا كالطهارة شرط فى الصلاة، أو مانعا كالسكر والجنابة المانعين من الصلاة، أو صحيحا فتترتب عليه آثاره، أو فاسدا فلا تترتب. فأقسام الحكم الوضعى خمسة أيضا، وهى المعتمدة عند الجمهور. وكل واحد من أقسام الحكم التكليفى الخمسة، تتأتى معه أقسام الوضعى الخمسة فيكون حاصل أقسام

стр. 170

الحكم الشرعى خمسة وعشرين قسما من ضرب خمسة التكليفى فى خمسة الوضعى. أما الفقهاء فيجعلون الحكم الشرعى مدلول ذلك الخطاب أو قل: صفة فعل المكلف، فالحكم عند الأصوليين الإيجاب الذى هو صفة قائمة بذاته سبحانه، والوجوب الذى هو صفة فعل المكلف هو الحكم عند الفقهاء. وقد اعتنى معظم المفسرين- ولا سيما أصحاب التفاسير المبسوطة منهم- بهذا النوع من مقاصد القرآن كل حسب مشربه ومذهبه، بل أفرده بالتصنيف جماعة كثيرة فى القديم والحديث. قال الزركشى فى «البرهان»: (أولهم: الشافعى، ثم تلاه من أصحابنا الكيا الهراس، ومن الحنيفة أبو بكر الرازى، ومن المالكية القاضى إسماعيل، وبكر ابن العلاء القشيرى، وابن بكر، ومكى، وابن العربى، ومن الحنابلة القاضى أبو يعلى الكبير) (١)، بل إن من المفسرين من جعل من أعظم غاياته فى تصنيف تفسيره العناية بهذا النوع حتى سمى كتابه «بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآى الفرقان» فصدر العنوان عن كتابه كما ترى بالجامع لأحكام القرآن، وذلكم هو أبو عبد الله القرطبى فى تفسيره الضخم المشهور بين أيدى الناس حتى صار كل من يريد التوسع فى معرفة حكم من أحكام القرآن يرجع إلى هذا التفسير باعتباره أعظم مصدر للوفاء بهذه الطلبة. منهج القرآن العظيم فى سياق أحكامه بيّن العلماء منهج القرآن فى سياق أحكامه ويتلخص هذا المنهج فى نظرتين هما: إحداهما: أن القرآن أتى جامعا للأحكام بطريقة كلية إجمالية دون النظر إلى واحد من أقسام الأحكام الشرعية. هذا ما نصّ عليه الشاطبى فى «الموافقات»، وذكر أن السنة جاءت مفسرة لأحكامه الكلية؛ ولذا تضمن القرآن الكليات المعنوية على الكمال، وهى الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وكذلك أتى بأصول العبادات والمعاملات، فكل ما استنبط من الأحكام بالسنة أو الإجماع أو القياس فإنما نشأ عن القرآن، واستدل الشاطبى لذلك، ثم ذكر أنه لا ينبغى فى الاستنباط الاقتصار على القرآن دون النظر فى شرحه وهو السنة (٢). ولولا كلية التناول للأحكام لتضخم القرآن وعسر على الأمة حفظه. ولولا هذه الكلية ما اتصف القرآن بالمرونة والصلاحية لكل عصر، وكذلك لولاها ما حصل علماء المسلمين هذه الرتب العلية بالاجتهاد. هذه أولى النظرتين.

стр. 171

أما ثانيتهما: هى أن القرآن أتى بأحكام مفصلة، وهذا هو القليل فى تناوله للأحكام، وتتمثل هذه النظرة فى مقولة السيوطى ونقله عن العز بن عبد السلام، قال: «قال عز الدين ابن عبد السلام فى كتاب «الإمام فى أدلة الأحكام»: (معظم آى القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط، إما بلا ضم إلى آية أخرى كاستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٣)، وصحة صوم الجنب من قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ (٤) الآية، وإما به كاستنباط أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً، مع قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ (٥)). قال: (ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بالإخبار مثل: أُحِلَّ لَكُمْ (٦) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٧)، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ (٨)، وتارة بما رتب عليها فى العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع ذلك أنواعا كثيرة، ترغيبا لعباده وترهيبا، وتقريبا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضى به أو رضى عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة أو البركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالإقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين، وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله، أو لنصرة فاعله، أو بشارته، أو وصف فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفا، أو نفى الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصب سببا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشارع تركه، أو ذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه، أو نفى محبته أو محبة فاعله، أو الرضا به أو عن فاعله، أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء أو كراهية، أو استعاذة الأنبياء منه أو أبغضوه، أو جعله سببا لنفى الفلاح، أو لعذاب عاجل أو آجل، أو لذم أو لوم أو ضلالة أو معصية، أو وصف بخبث أو

стр. 172

رجس، أو لعن أو غضب، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزى أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله ومحاربته، أو لاستهزائه أو سخريته، أو جعله الله سببا لنسيانه فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه أو بالحلم، أو بالصفح عنه، أو دعاء إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نسبه إلى عمل الشيطان أو تزيينه، أو تولى الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه أو من فاعله، أو شكوا إلى الله من فاعله، أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسى والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة وما فيها، أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو بأن الله عدوه، أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمّل فاعله إثما، أو قيل فيه: لا ينبغى هذا أو لا يكون، أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاده أو بهجر فاعله، أو تلاعن فاعلوه فى الآخرة أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعا بعضهم على بعض أو وصف فاعله بالضلالة وأنه ليس من الله فى شىء أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل اجتنابه سببا للفلاح، أو جعله سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل: هل أنت منته، أو نهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعادا أو طردا أو لفظة «قتل من فعله» أو «قاتله الله»، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه ولا يزكيه، ولا يصلح عمله ولا يهدى كيده أو لا يفلح، أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لإزاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله وسؤاله عن علة الفعل. فهو دليل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة. وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ونفى الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة، ومن الإذن فيه والعفو عنه، ومن الامتنان بما فى الأعيان من المنافع ومن السكوت عن التحريم ومن الإنكار على من حرم الشيء مع الإخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والإخبار عن فعل من قبلنا من غير ذم لهم عليه، فإن اقترن بإخباره مدح دل على مشروعيته وجوبا أو استحبابا). انتهى كلام الشيخ عز الدين (٩). الأحكام الشرعية بين القطعية والظنية: إن الأحكام الشرعية منها ما هو قطعى ومنها ما هو ظنى. فالقطعى قسمان: قسم يكفر جاحده وهو المعلوم من الدين بالضرورة؛ كوجوب الصلاة والزكاة وحرمة الزنا. وقسم

стр. 173

لا يكفر جاحده، وتتحقق القطعية فيه بأحد أمرين: بالإجماع، ويكون لا سند له غيره كإجماعهم على أن الرق من موانع الإرث، ولم يكفر جاحده للاختلاف الشديد فى مسائل الإجماع (وقوعه- وجوازه)، أو بالتواتر عند قوم وعدمه عند آخرين كالبسملة آية من أول كل سورة. والظنى: وهو كل حكم دلّ عليه الظنى الثبوت أو الدلالة، وهو كثير جدا فى الفروع، وله أثر عظيم فى اجتهاد الأمة، ومن فوائده العظيمة: ١ - تحقيق رحمة الأمة بتوسيع الأمر على أفرادها من خلال الفقهاء، حتى يأخذ كل فرد ما يلائمه، ما لم يكن بلغ درجة الاجتهاد. وقد عنى عدد من العلماء بهذه الفائدة فصنف فيها أبو عبد الله الدمشقى (رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة)، والشيخ عبد الوهاب الشعرانى (الميزان الكبرى). ٢ - ما قدمه علماء الأمة من مسائل فقهية فرضية تفيد بشدة فى واقعنا المعاصر سواء بأحكام أم بطرق معالجة الفقهاء فيها لعملية استنباط الأحكام. والله أعلم. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة مصادر البحث والاستزادة فى الموضوع (١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى. (٢) البرهان فى علوم القرآن للزركشى. (٣) الجامع الصحيح للبخارى. (٤) جمع الجوامع لابن السبكى. (٥) حاشية الشيخ بخيت المطيعى على نهاية السول للأسنوى، ط السلفية. (٦) شرح الكوكب المنير لابن النجار تحقيق الدكتور محمد الزحيلى والدكتور نزيه حماد، مكتبة العبيكان الرياض السعودية. (٧) مختصر ابن الحاجب. (٨) منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوى. (٩) الموافقات لأبى اسحاق الشاطبى، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الطبعة الأولى، نشر دار ابن عفان، الخبر، العقربية، السعودية.

стр. 174

قصص القرآن القصص: مصدر كالقص أو اسم مصدر منه. وقصّ فلان الشيء- من باب قتل- إذا تتبع أثره، وفى التنزيل: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (١)، وخرج فلان فى إثر فلان قصصا ومنه: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٢)، وقصّ الخبر: حدث به على وجهه، والقصة- بالكسر- الشأن والأمر، ولم يأت فى القرآن لفظ القصة ولكن أتى لفظ (القصص): إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (٣)، وسواء كان هذا اللفظ مصدرا أو اسم مصدر فهو بمعنى المفعول أى: الخبر المقصوص المحدّث به على وجهه. وقد أخطأ بعض الباحثين عند ما يطلبون فى القصص القرآنى أن يستكمل أركان القصة بالمعنى المحدث التى هى مستمدة من الخيال ومبنية على قواعد فنون الكتابة (٤)؛ وذلك لأنهم لم يفرقوا بين القصة بمعنى الحكاية والقصة بمعنى الخبر المحدث به على وجهه، والثانى هو المراد فى القصص القرآنى؛ لأن الأشخاص والزمان والمكان ليست بالضرورة أركانا للخبر المحدث به، فقد يبهم المكان والزمان كما فى قوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (٥)، وقد يبهم الزمان كما فى قوله تعالى: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٦)، وقد يبهم الشخص أو الأشخاص كما فى قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (٧)، فالذى يجب وجوده فى القصص القرآنى هو الحدث والعبرة، أما بقية عناصر القصة المحدثة فإنما توجد بحسب الحاجة إليها وأهميتها فى القصة (الخبر)، فلو كان للشخصية مدخل كبير فى الحدث فإنها تذكر كمريم- ﵍ فى قصتها، والهدهد فى قصة سبأ، وكثيرا ما تأتى الشخصية بصورة التنكير كما فى قصة النملة، لأن الحدث مبناه منطق النملة وسماع سليمان ﵇ لها. وقد يهتم بإبراز الزمان كما فى قصة أهل الكهف فى قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٨) وكذلك فى قوله تعالى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ (٩) فالزمان المذكور إنما يذكر بمقدار ما يحتاجه الحدث.

стр. 175

وكذلك المكان كمصر والأحقاف والكهف، وهذه تعدّ الميزة الأولى فى القصص القرآنى التى تميزه عن سائر القصص. أما الميزة الثانية للقصص القرآنى فهى الواقعية الصادقة الحقة، فليس فيه شىء من نسج الخيال والأساطير، أو ما يكذبه الواقع أو التاريخ، وسواء فى هذا الصدق ما جاء لضرب المثل أو لم يكن كذلك، وإن جوّز بعض علمائنا التقدير فى الأول فى المثل مع احتمال التحقيق، منهم: العلامة أبو السعود العمادى فى قصة القرية الآمنة فى سورة النحل (١٠) وفى قصة الرجلين (١١)، ولكن هذا لا يصح، فإن مجرد القراءة بدون تأمل تكشف زيف احتمال التقدير فى القصتين. ولكنّ العلامة أبا السعود لم يكن يعلم أن خبث الطوية سيدفع بعضهم إلى ادعاء تبنى الإسلام للأساطير متبعين فى ذلك خطوات أعداء الإسلام. وثالثة هذه الميزات تغيى القرآن فى قصصه أسمى الغايات، فلا يستهدف كغيره من القصص الترويح ولا الإيناس حتى ولو طلب بعض أصحاب النبىّ ﷺ ذلك منه، فيردهم القرآن عن ذلك بقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (١٢). وكذلك عند ما قالوا له ﷺ : لولا حدثتنا. فنزل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (١٣) ورويت روايات أخرى فى سبب نزول الآية- مع التسليم بفرض صحتها- نجد أن الصحابة إنما سألت ذلك لدفع الملال، فدلهم- سبحانه- على أحسن القصص. وكذلك لا يقصد القصص القرآنى سرد الأحداث التاريخية لمجرد ذكر التاريخ أو المساهمة فى دراسات العمران البشرى، بل يقصد ما هو أسمى، وهو وضع المعيار لما يجب أن يكون وكيف تكون عاقبة من يخالفه. ولقد استوفى صاحب «التحرير والتنوير» المزيد مما ذكرنا من ميزات القصص القرآنى، فقد ذكر أن القصص القرآنى لا تقف أهدافه عند العبرة والعظة مما يقع لأهل الصلاح وأهل الفساد وعاقبة كل، بل يتعدى ذلك ليأخذ من كل قصة أشرفها وأسماها ليكون منزها عن التفكه؛ ولذا تأتى القصص متفرقة على غير سنن كتب التاريخ لمناسبة الفوائد العظيمة في كل موضع، وهذا يجعل القصة القرآنية تكتسب صفتين هما: صفة البرهان، وصفة البيان. وذكر من ميزات القصص القرآنى نسجه على أسلوب الإيجاز يجعله شبيها بالتذكير أقوى، مثال ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (١٤) فجاء قوله لهم موجزا ليناسب مقام التذكير.

стр. 176

ومن ميزاته أيضا التى ذكرها: طىّ ما يقتضيه الكلام الوارد فى قوله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ (١٥) فقد طوى حضور سيدها وطرقه للباب وإسراعهما إليه لفتحه. ومن ميزاته أيضا: أنه- القصص- مثبت بأسلوب بديع إذ ساقها فى مظان الإيقاظ مع المحافظة على الغرض الأصلى من تشريع، فتوفرت فى ذلك عشر فوائد: الأولى: كانت غاية علم أهل الكتاب نقل أخبار الأولين، فلما جاء القرآن بقصصه متحديا ومعجزا لهم؛ لأن هذه الأخبار كان لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم منهم فقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا (١٦) فنفى عن المسلمين صفة الأمية التى ادعتها اليهود، وصفة الجهل التى ادعتها النصارى. الثانية: تكليل هامة التشريع الإسلامى بذكر تاريخ المتشرعين وذلك من أدب الشريعة؛ لأنه لا يتعرض لقصص السابقين إلا لذكر ثبات إيمانهم وصبرهم، كما ذكر فى قصة أهل الكهف، ولا يذكر نسبهم ولا حسبهم. الثالثة: فائدة ظهور المثل العليا فى الفضيلة وزكاء النفوس كفائدة من التاريخ وترتب الأحداث والعلاقة بين التعمير والتخريب والشر والخير. الرابعة: عظة المشركين بإعلام ما حدث لأسلافهم ليعودوا لربهم فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧). الخامسة: استخدام القصص القرآنى لأسلوب التوصيف والمحاورة الذى لم يعتده العرب، فهم يعترفون بأنه أسلوب بديع، ولكنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله. السادسة: توسيع علم العرب الذين كانوا يتصفون بالجهل والأمية باطلاعهم على أحوال الأمم السابقة ليساعدهم ذلك فى تطهير أخلاقهم وتهذيبها. السابعة: تعويد المسلمين على سعة العالم وعظمة الأمم، والاعتراف لكل ذى حق بحقه؛ فإذا علمت الأمة ذلك جمعت ميزات هذه الأمم وما يلائم حياتها. الثامنة: إنشاء همة السعى إلى سيادة العالم فى نفوس المسلمين كما سعى إلى ذلك أمم سابقة. التاسعة: معرفة أن قوة الله فوق كل قوة، فيساعد ذلك المسلمين على التمسك بوسيلتى البقاء: الاستعداد، والاعتماد، وهما وسيلتا السلامة.

стр. 177

العاشرة: تحصيل الفوائد التبعية مثل معرفة تاريخ التشريعات والحضارات الذى يفيد فى الإلمام بفوائد المدنية. كعلمنا بأن الشريعة القبطية كان يسترق فيها السارق من قصة يوسف فى قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (١٨). ثم أجاب عن تساؤل: لماذا لم يكتف بالقصة الواحدة فى تحصيل المقصود منها، وما فائدة التكرار فى سور كثيرة؟ فذكر أن هذا الهاجس قد يكون تطرق من المناهج الإلحادية فى نظرتها للقرآن. ولكننا نقول: إن القرآن أقرب إلى الوعظ منه إلى التأليف، فالخطيب لو قام يعظ لو أعاد المعانى لم يعد الألفاظ، فالقرآن تارة تأتى القصة للبرهان وتارة للتبيان فيحصل بها مقاصد الخطبة والوعظ وتحصل معه مقاصد أخرى: أحدها: الرسوخ فى الأذهان. الثانى: إظهار البلاغة بتعدد الأساليب البديعة فى التعبير عن الغرض الواحد، فذلك وجه من وجوه الإعجاز. الثالث: أن يسمع من تأخر إسلامه القصة التى نزلت فى وقت سبق إسلامه؛ لأن سماعه للقصة عند نزولها أوقع فى نفسه. الرابع: لم يكن المسلمون كلهم يحفظون القرآن بأكمله، بل يحفظ البعض بعض السور، وعليه يكون من حفظ سورة فيها القصة لم يفت الآخر الذى حفظ سورة أخرى معرفة نفس القصة؛ لأنها مكررة فى السورة التى حفظها. الخامس: أن فى كل مرة تكرر فيها القصة يذكر فيها ما لم يذكر فى غيرها؛ وذلك تجنبا للتطويل ومناسبة للحالة المقصودة من سامعيها، فتارة تساق للمؤمنين، وتارة تساق للكافرين، وبذلك يتفاوت الأسلوب بين الإطناب والإيجاز على حسب المقام، فقصة موسى ﵇ التى بسطت فى سورة طه والشعراء أوجزت فى سورة الفرقان فى آيتين هما: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (١٩) انتهى. تحرير الطاهر بن عاشور. ولا شك أن الفوائد التى ذكرها بعضها أعظم من بعض، وإن لاحظنا العموم عليها بحيث تشمل جميع القصص القرآنى، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لكل قصة فائدتها الخاصة بها. ومن أراد ذلك فليطالع على سبيل المثال ما ذكره القاسمى فى تفسيره لسورة يوسف فى الآية الأخيرة منها. أ. د./ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 178

مصادر البحث والاستزادة فى الموضوع (١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم للعلامة أبى السعود العمادى، ط القاهرة. (٢) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور. (٣) تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلانى، تحقيق الشيخ محمد عوامة- نشر دار الرشيد- سوريا، حلب. (٤) جامع البيان عن تأويل آى القرآن، لابن جرير الطبرى. (٥) الفن القصصى فى القرآن، للدكتور محمد خلف الله. طبع القاهرة. (٦) القاموس المحيط للفيروزآبادى وشرحه، تاج العروس للزبيدى. (٧) القصص القرآنى فى مفهومه ومنطوقه للأستاذ عبد الكريم الخطيب، ط دار المعرفة، بيروت. (٨) المستدرك على الصحيحين لأبى عبد الله الحاكم وتلخيصه للحافظ الذهبى. (٩) محاسن التأويل للقاسمى ط مؤسسة التاريخ العربى بيروت، لبنان. (١٠) المعجم الوسيط، وضع مجمع اللغة العربية- القاهرة.

стр. 179

محاورات القرآن وجدله المحاورة: مصدر من (حاور) بمعنى تراجعا الكلام تقول: حاور الرجل صاحبه أى: راجعه الكلام. كذا فى «المصباح». وفيه أيضا: جدل الرجل جدلا، من باب تعب: إذا اشتدت خصومته، وجادل مجادلة وجدالا: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب. وفى لسان حملة الشرع: مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق وإلّا فمذموم. والمحاورة: تكون خصومة أو لا، وكذلك تكون فى مقابلة دليل أو لا. أما الجدل فعلى خلاف المحاورة فى الاثنين. فكل جدل حوار لا العكس. ومن استعمال الحوار فى الخصومة قوله تعالى: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ (١)، ومن مقابلة الدليل قصة المجادلة لزوجها فى الظهار، فى قوله تعالى: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما (٢). ولم يأت الحوار الخالى من الخصومة ومن مقابلة الدليل فى القرآن. والمحاورة المستعملة فى لغة الكاتبين فى عصرنا لا يكادون يستعملونها فى معنى الجدل، وكأن الجدل ليس فردا من أفرادها؛ لأنهم يقصرونه على اللدد فى الخصومة، مع أن الجدل منه ما هو محمود حسن، ومنه ما هو مذموم قبيح، فمن المذموم: جدال الكفار بغير علم وهم أتباع للشيطان فيه؛ لأنه هو الذى بدأه فى استكبار السجود لآدم قال تعالى فى هذا النوع: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (٣) ومن الجدل المحمود الحسن: ما كان مبعثه الرحمة والشفقة، كما فى قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٤)، والجدال فى نصفة النفس كما فى قصة المرأة المجادلة عن نفسها. وأعظم الجدل المحمود هو ما كان فى نصرة الحق ودحض الباطل كما فى أمره لنبيه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٥)، إذا كان الخصم ليس لددا مصرا، أما إذا كان كذلك فيكون الصواب قوله تعالى: وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦).

стр. 180

ومن الكاتبين من خصوا هذا النوع السابق باسم الجدل فى القرآن. ولقد أجاد الإمام السيوطى فى كلامه عن هذا النوع من علوم القرآن فذكر ما ملخصه: أن نجم الدين الطوفي أفرد الجدل فى القرآن بالتصنيف، ونقل عن العلماء: أن القرآن اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، ولكن أوردها على عادة العرب مبتعدا عن دقائق طرق المتكلمين لأمرين هما: قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٧)، وأن مخاطبته فى محجة خلقه جاءت فى أجلى صورة ليفهمها العامة لا القليلون، فتلزم الجميع الحجة. ونقل عن ابن أبى الأصبع أن الجاحظ زعم أن المذهب الكلامى لا يوجد منه شىء فى القرآن. ورد عليه بأنه مشحون به. ثم عرف الجدل بأنه: (احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام). ومنه نوع منطقى تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة، فالإسلاميون ذكروا أن أول سورة الحج إلى قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٨) خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات: قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ (٩)؛ لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها، وذلك مقطوع بصحته، لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته، منقول إلينا بالتواتر، فهو حق، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق، فالله هو الحق. وأخبر تعالى أنه يحيى الموتى؛ لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى، ليشاهدوا تلك الأهوال التى يعملها الله من أجلهم؛ وقد ثبت أنه قادر على كل شىء، ومن الأشياء إحياء الموتى، فهو يحيى الموتى، وأخبر أنه على كل شىء قدير، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين، ومن يجادل فيه بغير علم يذقه عذاب السعير، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شىء قدير، فهو على كل شىء قدير، وأخبر أن الساعة آتية لا ريب فيها، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (١٠)، وضرب لذلك مثلا بالأرض الهامدة التى ينزل عليها الماء، فتهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج، ومن خلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت، ثم يعيده بالبعث، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق، ثم أماتها بالجدب، ثم أحياها بالخصب، وصدق خبره فى ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على المتوقع الغائب؛ حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره فى الإتيان بالساعة، ولا يأتى بالساعة إلا من
следующие страницы →