عند أنفسهم، ولم يذيعوها على الناس فيوقعهم فى حيرة واختلاف، إذا لأراحونا من هذه الحيرة وأراحوا أنفسهم من كلام الناس فيهم، وقذف البعض لهم بالكفر والإلحاد فى آيات الله». (٨٥)
١٩ - التفسير الفلسفى:
ومن العلماء من اتجه فى تفسير القرآن اتجاها فلسفيا.
ففي العهد العباسى شجع العباسيون حركة الترجمة إلى العربية بصورة كبيرة وخطيرة فى الوقت ذاته، حتى أضحت بغداد كعبة علمية وجامعة ثقافية، يفد إليها طلاب العلم من كل حدب ينسلون، ومن الكتب التى ترجمت كتب الفلسفة، التى وقف حيالها علماء المسلمين فريقين:
(أ) فريق معارض محارب، حيث رآها تتعارض مع القرآن الكريم، وكان على قمة هذا الفريق الإمام أبو حامد الغزالى، والفخر الرازى، الذى امتلأ تفسيره بالرد على هذه الفلسفة، فى المواضع المناسبة.
(ب) وفريق أعجب بها إلى حد كبير، رغم هذا التعارض الظاهر، لأنه رأى أنه يمكن التوفيق بين القرآن والفلسفة بإحدى وسيلتين:
١ - الوسيلة الأولى: تأويل النص القرآنى بما يساير أقوال الفلاسفة، وهذا من الخطورة بمكان، لأن فيه ليّا لعنق الآية الكريمة، وإكراه ألفاظها على معان لا تحتملها، وليست مرادة لله- من قرآنه، هذا فوق ما فيه من شطط واضح، وإلحاد ظاهر فى آيات الله.
٢ - الوسيلة الثانية: شرح النصوص القرآنية بآراء الفلاسفة، وتلك أخطر من سابقتها، حيث تجعل كلام الفيلسوف هو الأصل المتبوع، وكلام الله- هو الفرع التابع، وفى هذا قلب للموازين، وإلحاد أعظم وأخطر من سابقه.
ولكن هذا التوفيق رغم الجهد الجهيد من أصحابه، كان فى غاية الضعف والهزال، ولذلك لم يجد من تصدى لهدم تلك الآراء الفلسفية صعوبة فى الإتيان عليها من قواعدها، فخر عليها سقفها من فوقها.
المؤلفات فى التفسير الفلسفى:
المتتبع لمؤلفات من طغت عليهم تلك النزعة التفسيرية، لا يرى لهم تفسيرا كاملا للقرآن الكريم، وإنما هى شروح مبثوثة لهم ضمن مؤلفاتهم، ومن أبرز هؤلاء:
١ - أبو نصر الفارابى المتوفى سنة ٣٣٩ هـ، فى كتابه «فصوص الحكم». (٨٦)
стр. 282
٢ - إخوان الصفا، الذين يمتون فى أغلب الظن بصلة إلى الباطنية الإسماعيلية، حيث كانت لهم رسائل عرفت باسمهم «رسائل إخوان الصفا»، ضمنوها كثيرا من هذه التأويلات الملحدة. (٨٧)
٣ - ابن سينا المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، ويعتبر بطل هذه النزعة، وكان له مسلك خطير فى ذلك، حيث كان يقوم على إلغاء الظاهر، واعتباره رمزا لمعان أخرى، ففسر الجنة والنار والصراط، والملائكة والشياطين، وغير ذلك تفسيرا يخرج بالإنسان عن ملة الإسلام، حيث يسلبه الفهم الصحيح لأركان الإسلام، ومقومات الإيمان. (٨٨)
٢٠ - التفسير الأدبى الاجتماعى:
وهو لون جديد من ألوان التفسير ظهر فى العصر الحديث، أراد به رواده البعد عن المباحث التحليلية الدقيقة، والمصطلحات والتخصصات العميقة، التى ربما تقف حائلا
دون هداية الناس إلى المراد من إنزال القرآن الكريم. فتناولوا بيان النص القرآنى بطريقة تظهر مواضع دقته وبلاغته، بأسلوب شائق جذاب، ثم طبقوا ذلك النص على ما فى الكون من نظم العمران، وسنن الاجتماع، بما يظهر للناس أن سعادتهم فى الدنيا وفوزهم فى الآخرة رهن العمل بهذا القرآن.
رواد هذا الاتجاه:
وأهم رواد هذا الاتجاه:
الشيخ محمد عبده، الذى يعتبر زعيم وعميد هذا الاتجاه، وتلميذه البار به الشيخ الأستاذ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الجامع الأزهر.
ومن أبرز مزايا هذا الاتجاه: (٨٩)
١ - بيان أن القرآن الكريم هو الأصل فى التشريع.
٢ - إظهار ما فى القرآن الكريم من شفاء لكل الأمراض الاجتماعية.
٣ - تفنيد كل الشبهات التى أثيرت حول الإسلام.
٤ - البعد عن الأحاديث الموضوعة والضعيفة.
٥ - تحذير الناس من الإسرائيليات، لما لها من آثار خطيرة فى التفسير، بل فى العقيدة ذاتها، لأنها تصور الإسلام على أنه دين خرافات وأوهام.
ولكن أصحاب هذه الاتجاه، وقعوا فيما حذروا الناس منه، فرأيناهم فى بعض المواضع يروون تلك الإسرائيليات ولا يعقبون عليها، كذلك رأيناهم يرجعون إلى التوراة والإنجيل، ويفسرون بهما مبهمات القرآن
стр. 283
ومجمله، بل تجاوزوا حدهم حينما رأيناهم أحيانا يصرفون المعنى المتبادر من ظاهر النص القرآنى، ليوافق ما جاء فى التوراة.
٦ - عدم الخوض فيما استأثر الله- تعالى- بعلمه، وعدم التكلف- غالبا- فى تعيين مبهمات القرآن، حتى يظل للإسلام نبعه الصافى بعيدا عن الظنون والتخيلات.
٧ - سهولة العبارة وبلاغتها، وعدم استخدام مصطلحات العلوم والفنون، إلا بقدر الضرورة، لأن الزج بتلك المصطلحات يصرف الناس عن تدبر القرآن، والعمل به.
أما عن عيوب هذا الاتجاه فيأتى على رأسها ما يلى:
١ - الحرية المطلقة للعقل فى فهم النصوص الشرعية، فلئن قال الزمخشرى المعتزلى قديما: «امش فى دينك تحت راية السلطان- أى العقل- ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان». (٩٠) فإن عميد هذا الاتجاه وهو الشيخ محمد عبده حيث يقول عن العقل:
«ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه». (٩١)
ويقول أيضا: «إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل». (٩٢)
بل إن الشيخ عبد العزيز جاويش أحد أتباع هذا الاتجاه يقول: «إن من الممكن أن تصل العقول البشرية بالبحث والتنقيب والتجارب إلى ما تصبو إليه النفس الإنسانية من مراتب الكمال فى الأحكام والتصورات، والنظم الاجتماعية، والمسائل العلمية، والآداب الخلقية». (٩٣)
لقد نسى هؤلاء أو تناسوا أنه لا تعارض على الإطلاق بين الدين والعقل، أو بين الدين والعلم، وإذا كان العقل يستطيع أن يصل إلى قمة التشريع فى كل نواحى الحياة فلماذا أرسل الله الرسل؟ ولماذا قال تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]؟
٢ - ونتيجة لهذا الخطأ القاتل وجدناهم يقعون فى خطأ آخر وهو: صرف النصوص الشرعية عن ظواهرها لتتفق مع عقولهم القاصرة، بما أدى بهم فى النهاية إلى إنكار أشياء ثابتة بالشرع ثبوتا حقيقيا، ومتواترة باللفظ والمعنى من جيل إلى جيل، وتذرعوا فى ذلك بالتمثيل والتخييل، فأنكروا الملائكة، والجن، والسحر، والمعجزات الحسية.
٣ - ومن عيوب هذا الاتجاه أيضا: رد الأحاديث الصحيحة، التى تتعارض مع مبادئهم، بزعم أنها أحاديث آحاد، أو باحتمال
стр. 284
أن الصحابة حدثوا بها عن أهل الكتاب، ونحو ذلك من التعليلات الباطلة التى لا تستطيع الصمود أمام النقد العلمى النزيه.
أهم المصنفات فى هذا الاتجاه:
١ - تفسير جزء «عم» للشيخ محمد عبده.
٢ - «تفسير المنار» لرشيد رضا.
٣ - «تفسير المراغى» للشيخ محمد مصطفى المراغى.
٤ - «تفسير القرآن الكريم» للشيخ محمود شلتوت من أول الجزء الأول من القرآن إلى نهاية الجزء العاشر منه.
٢١ - التفسير الموضوعى:
كما اهتم العلماء بدراسة السورة القرآنية كلها من أول آية منها إلى آخر آية فيها، مهما تعددت موضوعاتها، فقد اهتموا كذلك بإفراد موضوع خاص بالبحث والتحليل، وعرف ذلك فى الوسط التفسيرى ب «التفسير الموضوعى».
وقد بدا ذلك الاهتمام فى نواح ثلاث:
١ - دراسة موضوعات تتعلق بمفردات القرآن، أو أساليبه، أو بيان ناسخه ومنسوخه، أو أسباب نزوله، ونحو ذلك. مثل: «مفردات القرآن» للراغب الأصفهانى، و «التبيان فى أقسام القرآن» لابن القيم، و «الناسخ والمنسوخ» لأبى جعفر النحاس، و «أسباب النزول»، لكل من الواحدى والسيوطى.
٢ - الوحدة الموضوعية للسورة، وذلك بالكلام عن السورة ككل، من ناحية أغراضها العامة والخاصة، مع ربط موضوعاتها، بعضها ببعض، حتى تبدو السورة، وهى فى منتهى التناسق والإحكام، وكأنها عقد من لؤلؤ منظوم فى غاية الإبداع.
يقول الشاطبى: «إن السورة الواحدة مهما تعددت قضاياها فهى تكون قضية واحدة، تهدف إلى غرض واحد، أو تسعى لإتمامه، وإن اشتملت على عديد من المعانى». (٩٤)
ومن أبرز من اهتم بهذه الناحية الفخر الرازى- ﵀ فى تفسيره «مفاتيح الغيب» ثم البقاعى فى تفسيره «نظم الدرر» ثم سيد قطب فى تفسيره «فى ظلال القرآن» بصورة لم يسبق إليها، ولم يقاربه فيها أحد إلى الآن، وكذلك الدكتور محمد محمود حجازى فى رسالة الدكتوراة «الوحدة الموضوعية فى القرآن الكريم»، وفى تفسيره المسمى ب «التفسير الواضح».
٣ - جمع الآيات القرآنية التى تتحدث عن موضوع واحد من موضوعات العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها،
стр. 285
وبيانها بالشرح والتحليل والاستنباط، وذلك منهج حديث معاصر، اهتمت به كلية أصول الدين فى جامعة الأزهر، اهتماما عظيما، حيث قعّدت قواعده، وأصّلت أصوله، وخطّت منهجه الواضح من خلال جعله مادة مقررة على طلابها، ومن خلال توجيه همة طلاب الدراسات العليا فى مرحلتى الماجستير والدكتوراة لإعداد رسائل فى موضوعات هذا النوع من التفسير.
وهذه الأنواع الثلاثة التى تهتم بإفراد موضوع خاص من الموضوعات التى تتعلق بالقرآن الكريم لم تظهر فى وقت واحد، وإنما ظهرت على مراحل متدرجة، فأقدمها النوع الأول، يليه الثانى، ثم الثالث، وإن كان الثالث يضرب بجذوره فى القدم، ليصل إلى العهد النبوى، ويدل على ذلك تفسيره ﷺ للظلم المراد فى قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فقد جمع الرسول ﷺ الآيات التى تتحدث عن موضوع واحد وهو الظلم، وخرج لنا بالمعنى المراد لله- تعالى- منه فى سورة الأنعام.
ولكن هذا النوع الثالث، لم تكتمل صورته، ولم يأخذ سماته الأخيرة وشكله النهائى ومنهجه الواضح إلا فى هذا العصر الحديث على أيدى أساتذة كلية أصول الدين جامعة الأزهر كما سبق ذكره.
(ملاحظة): مصطلح التفسير الموضوعى إذا أطلق الآن لم يرد منه إلا هذا النوع الثالث، الذى نستطيع وضع تعريف له على النحو التالى:
التفسير الموضوعى هو: بيان مراد الله- تعالى- بقدر الطاقة البشرية- فى موضوع معين من موضوعات القرآن الكريم، عن طريق جمع الآيات الخاصة به، ودراستها وفق منهج خاص، يبرز لنا هدف هذا الموضوع وأبعاده، ويبين غنى الإسلام تماما عن كل منهج سواه، ويوضح أن السعادة كل السعادة فى اتباع المنهج الإلهى، والشقاء كل الشقاء فى الإعراض عنه.
منهج الدراسة فى التفسير الموضوعى:
تتمثل أبرز نقاط هذا المنهج فى الخطوات الآتية:
١ - اختيار الموضوع القرآنى المراد دراسته دراسة موضوعية، ووضع اسم خاص له.
٢ - حصر آيات هذا الموضوع مكيها
стр. 286
ومدنيها، وعدم ترك آية منه، فقد تمثل تلك الآية الحكم النهائى فى الموضوع، فيخرج الحكم خاطئا.
٣ - ترتيب آيات هذا الموضوع ترتيبا زمانيا قدر الإمكان، حسب نزولها على النبى ﷺ .
٤ - الاستعانة بأسباب نزول هذه الآيات.
٥ - الاستعانة بالأحاديث النبوية وآثار السلف الخاصة بالموضوع.
٦ - بيان مناسبة كل آية من هذه الآيات فى سورها.
٧ - دراسة هذه الآيات دراسة موضوعية متكاملة، يراعى فيها التوفيق بين مطلقها ومقيدها، وعامها وخاصها، ودفع ما يوهم التعارض بين ظاهرها، والتنبيه على ناسخها ومنسوخها، بحيث تلتقى الآيات وما استعين به من أحاديث وآثار فى مصب واحد، دون لىّ عنق إحداها على معنى لا تحتمله.
٨ - وفى النهاية يصاغ الموضوع صياغة جيدة بأسلوب شائق، ويوضع فى إطار جميل، وهيكل متناسق.
المصنفات فى التفسير الموضوعى:
والمصنفات فى التفسير الموضوعى بمعناه الشائع الذى وضحناه بلغت من الكثرة ما يفوق الحصر، خاصة بعد أن حذت الجامعات الإسلامية، وأقسام الدراسات الإسلامية
والعربية فى مصر وفى جميع أنحاء العالم حذو- كلية أصول الدين- بجامعة الأزهر فى هذا الاتجاه، وفتحت أعين المهتمين بالدراسات القرآنية فى هذا المجال، بالدرجة التى يستحيل على أى باحث حصر الإنتاج العلمى العالمى فى التفسير الموضوعى، ولكننا نذكر على سبيل المثال بعضا من هذه المصنفات:
١ - «المرأة فى القرآن الكريم»، لعباس العقاد.
٢ - «الربا فى القرآن الكريم»، لأبى الأعلى المودودى.
٣ - «الوصايا العشر»، لشيخ الأزهر الأسبق، الشيخ محمود شلتوت.
٤ - «البداية فى التفسير الموضوعى»، للدكتور/ عبد الحى الفرماوى.
٥ - «الجدل فى القرآن الكريم»، للدكتور/ زاهر عواض الألمعى.
٦ - «الجيش المسلم، غايته وقيادته وجنده فى ضوء القرآن الكريم»، للدكتور/ جمال مصطفى عبد الحميد النجار.
٢٢ - الترجيحات فى التفسير:
قلنا سابقا إن الاختلاف بين المفسرين قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد،
стр. 287
واختلاف التنوع يمكن لنا الجمع بين الأقوال فيه، أما اختلاف التضاد فلا يمكن لنا الجمع فيه بين تلك الأقوال.
وموقفنا مع روايات السلف التى لا يمكن الجمع بينها كالآتى:
(أ) إن كان فى الروايتين أو الروايات صحيح وضعيف، قدم الصحيح على الضعيف.
(ب) وإن كانت الروايات كلها صحيحة رجحنا ما كان منها معتمدا على الشرع، فإن لم يكن شرع يقوى أيا منها أخذنا ما اعتمد على دليل من اللغة أو غيرها.
فإن تعارضت الأدلة أو لم نستطع ترجيح قول على آخر بأى وسيلة فوضنا الأمر لله- تعالى- وآمنا بما جاء فى كتابه، ويعامل هذا النص القرآنى معاملة المتشابه.
قال الإمام أبو طالب الطبرى- فيما ينقله عنه السيوطى فى شأن اختلاف الصحابة:
«وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل، نحو أن يتكلم على الصراط المستقيم، وأقوالهم فيه ترجع إلى شىء واحد، فيدخل منها ما يدخل فى الجمع، فلا تنافى بين القرآن، وطريق الأنبياء، وطريق السنة، وطريق النبى ﷺ ، وطريق أبى بكر وعمر، فأى هذه الأقوال أفرده كان محسنا.
وإن تعارضت رد الأمر إلى ما ثبت فيه السمع، فإن لم يجد سمعا وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدها رجح ما قوى الاستدلال فيه، وإن تعارضت الأدلة فى المراد، علم أنه قد اشتبه عليهم، فيؤمن بمراد الله- تعالى- ولا يتهجم على تعيينه، وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه». (٩٥)
هذا كله إذا كانت الروايات واردة عن شخصين أو أكثر، فإن كانت واردة عن شخص واحد قدمنا الصحيح على غيره، فإن كانت مستوية فى الصحة قدم المتأخر على المتقدم، فإن لم نعرف المتأخر من هذه الروايات الصحيحة سلكنا معها مثل ما سلكنا مع الروايات الصحيحة الواردة عن شخصين أو أكثر.
ويرى بعض العلماء- كالزركشى- أنه إذا تعذر الجمع بين أقوال الصحابة قدم قول ابن عباس- رضى الله عنهما- على غيره، لدعاء النبى ﷺ له، بينما يرى الشافعى- ﵀ تقديم قول زيد بن ثابت فى مسائل المواريث، لشهادة رسول الله ﷺ له فيها. (٩٦)
المرجحات فى التفسير (٩٧):
بالإضافة إلى ما قررناه الآن يوجد عدة مرجحات يرجع إليها، لترجيح رأى على غيره، ويأتى على رأس هذه المرجحات:
стр. 288
١ - مرجحات قرآنية.
٢ - مرجحات حديثية.
٣ - مرجحات إجماعية.
٤ - مرجحات تاريخية.
٥ - مرجحات لغوية.
أولا: مرجحات قرآنية:
وأبرز هذه المرجحات ما يأتى:
١ - قبول ما وافق القرآن، ورد ما خالفه.
٢ - ترجيح ما تأيد بالقرآن على غيره.
٣ - قبول القول المبنى على قراءة متواترة، ورد ما بنى على قراءة شاذة.
٤ - القول المبنى على قراءة ثابتة مقدم على القول المبنى على ردّ هذه القراءة.
٥ - ترجيح ما وافق رسم المصحف، على ما خالفه.
٦ - ترجيح ما كان موافقا للسياق القرآنى على غيره.
ثانيا: مرجحات حديثية:
وأبرزها ما يلى:
١ - القول المؤيد بالحديث مرجح على غيره.
٢ - ترجيح ما وافق السنة على ما خالفها.
٣ - القول المؤيد بسبب النزول مقدم على غيره.
ثالثا: مرجحات إجماعية:
ويأتى على رأسها: كل ما خالف الإجماع فهو مردود.
رابعا: مرجحات تاريخية:
ويأتى على رأسها: القول المؤيد بالتاريخ مقدم على المخالف للتاريخ.
خامسا: مرجحات لغوية:
ويأتى على رأسها:
١ - تقديم ما كان موافقا لظاهر اللفظ القرآنى المعهود، على ما كان مخالفا له.
٢ - تقديم المعهود من كلام العرب على غيره.
٣ - تقديم المعنى الشرعى على المعنى اللغوى.
٤ - القول بالحقيقة مقدم على القول بالمجاز، إن لم تكن قرينة تؤيد المجاز.
٥ - تقديم المعنى العرفى على المعنى اللغوى.
٦ - الأصل وجوب حمل الكلام على الترتيب دون ادعاء تقديم أو تأخير فى الألفاظ.
стр. 289
٧ - متى صح القول بعدم القلب فلا يجوز القول به. (٩٨)
٨ - القول بعدم الزيادة أرجح من القول بها.
٩ - القول بالتغاير أولى من القول بالترادف.
١٠ - تقديم القول بالعموم على القول بالخصوص، بدون دليل.
١١ - تقديم القول بالإطلاق على القول بالتقييد بدون دليل.
١٢ - القول بعدم الحذف مقدم على القول بالحذف.
١٣ - ترجيح المؤيد بالتصريف أو الاشتقاق على غيره.
١٤ - الأصل فى الأمر الوجوب، وفى النهى التحريم.
١٥ - تقديم القول بالتأسيس على القول بالتأكيد.
٢٣ - الدخيل فى التفسير:
حينما يسمع الإنسان كلمة (دخيل) يتبادر إلى ذهنه كلمة (أصيل)، وبيانهما هنا فى غاية الأهمية، لأننا لا نستطيع أن نقف على الدخيل فى التفسير إلا إذا وقفنا على الأصيل فيه. وكلمة الأصيل لغة تطلق على عدة معان يجمعها قدر مشترك، وهو: ما له أساس متين، وأصل ثابت مكين. (٩٩)
أما فى مجال التفسير فيطلق على: ما ثبت عن طريق القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة أو التابعين ثبوتا مقبولا، وعلى ما ورد عن طريق التفسير بالرأى المحمود.
وذلك لأن نظر المفسر يتجه أول ما يتجه فى بيان المراد إلى القرآن ذاته فإن لم يجد فيه ما يفسر به نظر إلى السنة، فإن لم يجد فيها اتجه إلى أقوال الصحابة ثم أقوال التابعين، فإن لم يجد، أعمل رأيه وكدّ ذهنه للوصول إلى المراد بعد توافر شروط وأدوات وعلوم المفسر فيه.
أما الدخيل فيطلق لغة على عدة معان، يقول ابن منظور: «والدّخل: ما داخل الإنسان من فساد فى عقل، أو جسم، والدّخل والدّخل: العيب الداخل فى الحسب، وفلان دخيل فى بنى فلان، إذا كان من غيرهم، فتدخل فيهم». (١٠٠)
وعلى ذلك فالدخيل لغة: يطلق على ما ليس له أصل ثابت، ولم يقم على أساس متين أو ركن ركين، فى ذلك المجال الذى اقتحمه.
وبناء على تقسيمنا الأصيل إلى الأصيل فى المأثور (القرآن والسنة وأقوال الصحابة
стр. 290
والتابعين) وأصيل فى الرأى، وهو الرأى المحمود، فإننا نستطيع أن نقسم الدخيل إلى دخيل فى المأثور، ودخيل فى الرأى، ونقول إن الدخيل فى الاصطلاح هو:
ما نسب كذبا إلى الرسول ﷺ ، أو إلى صحابى، أو تابعى، أو ما ثبتت روايته عن صحابى أو تابعى، ولكن هذه الرواية فقدت شروط القبول، وعلى ما صدر عن رأى فاسد، لم تتوافر فيه شروط التفسير بالرأى المحمود.
أنواع الدخيل فى المأثور:
ويضم الدخيل فى المأثور الأنواع التالية:
١ - الأحاديث الموضوعة على الرسول ﷺ .
٢ - الأحاديث الضعيفة، خاصة إذا كان ضعفها لا ينجبر بحال، وفق ما قرره علماء الحديث.
٣ - الإسرائيليات المخالفة للقرآن والسنة، وكذلك التى يعبر عنها بالمسكوت عنه، حيث لا مؤيد لها ولا مخالف لها فى شرعنا.
٤ - ما نسب إلى الصحابة ولم يثبت عنهم.
٥ - ما نسب إلى التابعين ولم يثبت عنهم.
٦ - ما تعارض من أقوال الصحابة أو أقوال التابعين مع القرآن أو السنة أو العقل تعارضا حقيقيا لا يمكن الجمع بينه وبين هذه الأشياء.
أنواع الدخيل فى الرأى:
تتعدد أنواع الدخيل فى الرأى وفقا لسبب الخطأ فى التفسير بالرأى، فهذه الأسباب متعددة يأتى على رأسها ما يلى:
١ - الإلحاد فى آيات الله- تعالى- مع سوء القصد.
٢ - الأخذ بظاهر المنقول، دون النظر إلى ما يليق بذاته- تعالى- وما لا يليق.
٣ - تحريف النصوص الشرعية عن مواضعها، وتعطيلها وصرفها عن ظواهرها.
٤ - التنطع فى استخراج معان من بطون النصوص، دون دليل عليها.
٥ - التنطع فى اللغة والنحو، والخروج عن القواعد المألوفة فيهما.
٦ - تفسير القرآن مع فقد شروط وأدوات وعلوم المفسر.
٧ - التكلف فى التوفيق بين النصوص القرآنية، ومكتشفات العلم الحديث.
وبناء على تلك الأسباب، فإن لكل سبب نوعا من أنواع الدخيل على النحو التالى:
стр. 291
١ - الدخيل عن طريق الملاحدة، ويأتى على رأس هؤلاء فرق الباطنية قديما، والبهائية والقاديانية حديثا.
٢ - الدخيل عن طريق المشبّهة والمجسّمة.
٣ - الدخيل عن طريق الفرق الإسلامية المبتدعة، كالشيعة والمعتزلة والخوارج.
٤ - الدخيل عن طريق الشطحات الصوفية.
٥ - الدخيل عن طريق اللغة والنحو.
٦ - الدخيل عن طريق افتقاد المفسر لأدوات التفسير.
٧ - الدخيل عن طريق التفسير العلمى، كما وقع ويقع لكثير ممن يتحدثون فى الإعجاز العلمى للقرآن، بدعوى أن القرآن سبق العلماء بأكثر من أربعة عشر قرنا فى الحديث عن أمور تتعلق بالكون والنفس، ولم يعرف عنها العلماء شيئا إلا فى أيامنا هذه.
٢٤ - الإسرائيليات فى التفسير:
هذا النوع من أخطر أنواع الدخيل فى التفسير بالمأثور.
ولفظة (الإسرائيليات) جمع، مفردها إسرائيلية، وهى فى أصل إطلاقها حكاية أو قصة تذكر عن مصدر إسرائيلى، نسبة إلى بنى إسرائيل، وبنو إسرائيل ينسبون إلى جدهم الأعلى إسرائيل ﵇، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله تعالى.
ولفظ بنى إسرائيل يطلق على كل من جاء من ذرية إسرائيل ﵇ إلى عصر رسول الله ﷺ ، ولكن غلب إطلاق لفظ اليهود على من تناسل من أبناء يعقوب ولم يؤمن بعيسى ﵇، أما من آمن بعيسى منهم فيطلق عليهم النصارى.
وقد توسع العلماء فى إطلاق تلك التسمية (الإسرائيليات) حتى صارت تطلق على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة، يهودية أو نصرانية وغيرها، وعلى ما لا أصل له فى مصدر قديم، وعلى ما دسّه أعداء الإسلام كذبا وزورا ليشوهوا به صورة هذا الدين العظيم.
وإنما غلّب اللون اليهودى على غيره، لأن غالب ما دخل من الخرافات والأباطيل فى كتب التفسير كان عن طريق اليهود.
وكان من أبرز أسباب دخول الإسرائيليات فى حقل الثقافة الإسلامية ما يأتى:
١ - اعتناق طائفة من اليهود الإسلام نفاقا، ليحاربوا الإسلام، من داخل صفوفه بعد أن عجزوا عن محاربته وجها لوجه، كما حدث من عبد الله بن سبأ اليهودى.
стр. 292
٢ - اعتناق جماعة من أهل الكتاب الإسلام عن حب واقتناع، مثل عبد الله بن سلام، وتميم الدارى، وكعب الأحبار، وجلوس بعض من المسلمين إليهم ليحدثوهم عن تفصيل بعض ما أجمل فى القرآن، من قصص الأنبياء، والأمم السابقة.
أقسام الإسرائيليات:
تنقسم الإسرائيليات من حيث صدقها وكذبها إلى ثلاثة أقسام:
١ - القسم الأول: ما جاء موافقا لما فى شرعنا، فهذا نؤمن به ونصدقه، ومثاله: ما جاء فى «صحيح البخارى» وغيره فى صفة رسول الله ﷺ فى التوراة، وأنه موصوف فيها كصفته فى القرآن، حيث قال عطاء بن يسار لعبد الله بن عمرو: «أخبرنى عن صفة رسول الله ﷺ فى التوراة، فقال له: والله إنه لموصوف فى التوراة كصفته فى القرآن ... ».
الخ (١٠١)
٢ - القسم الثانى: ما جاء مخالفا لما فى شرعنا، كتلك الروايات التى تصف الله- تعالى- ورسله- ﵈ بما لا يليق، كتعب الله- تعالى- من خلق السموات والأرض، وحزنه على خلق الإنسان لما رأى كثرة ذنوبه، وزنا لوط بابنتيه، وحملهما وإنجابهما منه، وزنا داود بامرأة أوريا وحملها منه سفاحا، وصنع هارون العجل الذى عبده بنو إسرائيل، فهذا القسم مرفوض مردود، لا يجوز تصديقه بحال من الأحوال.
٣ - القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لعدم وجود دليل فى شرعنا يؤيده، أو يرفضه، وهذا القسم غالبه مما لا فائدة فيه، مثل تعيين بعض البقرة الذى ضرب به قتيل بنى إسرائيل، والشجرة التى أكل منها آدم- ﵇. وهذا القسم نتوقف فى الحكم عليه، فلا نصفه بالصدق أو الكذب، لعدم وجود دليل يبين لنا صدقه من كذبه، وعليه يحمل حديث «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم». (١٠٢)
حكم رواية الإسرائيليات:
١ - القسم الأول وهو الموافق لشرعنا:
تجوز روايته، وعليه يحمل حديث: «وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج». (١٠٣) وسائر النصوص المشابهة.
٢ - أما القسم الثانى وهو المخالف لشرعنا: فلا تجوز روايته، ولا يعقل أن تحمل عليه النصوص الدالة على التحديث عنهم، لأن رواية المكذوب لا تجوز إلا إذا اقترنت ببيان كذبها.
٣ - أما القسم الثالث وهو المسكوت عنه:
стр. 293
فإن بعض العلماء، كابن تيمية والدكتور محمد الذهبى (١٠٤) - رحمهما الله تعالى- يرى جواز روايته، استنادا لما فهموه من الإباحة فى حديث «حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج» ولكن بعضا من العلماء رفضوا رواية هذا القسم، وقالوا كما توقفنا فى تصديقه نتوقف فى روايته، فأى تصديق لرواياته أقوى من أن نقرنها بالقرآن الكريم، فيتوهم القارئ أن فيها تفصيلا لما أجمل، وتبيينا لما أبهم؟ وعلى رأس هؤلاء الرافضين الدكتور محمد أبو زهو، والشيخ أحمد شاكر والدكتور/ عبد الوهاب عبد الوهاب فائد- ﵏ جميعا- (١٠٥) وهو رأى فى غاية القوة، وأحق أن يتبع، سدا للذريعة، وصيانة لصورة الإسلام العظيم، وكتابه الحكيم.
٢٥ - بدع التفاسير وغرائبه:
ويقصد بهذا العنوان تلك المفاهيم التى استحدثها بعض الناس، ووضعوها لمعان عجيبة ودخيلة على فهم السلف الصالح، وعلماء الأمة المعتدّ بهم، فى بيان المعنى المراد من النص القرآنى.
وعلى هذا: فإن بدع التفاسير وغرائبه تعتبر من الدخيل فى التفسير بالرأى.
أسباب هذه البدع والغرائب:
يمكننا أن نعتبر كل ما ذكرناه من أسباب الدخيل فى التفسير بالرأى أسبابا لهذه البدع والغرائب، ولكننا نخص بعضها هنا بالذكر، وعلى رأسها ما يأتى:
١ - عدم اجتناب الأمور التى يجب على المفسر اجتنابها.
٢ - تفسير القرآن باللغات الغريبة النادرة.
٣ - تخريج إعراب القرآن على الوجوه الضعيفة أو الشاذة.
٤ - عدم مراعاة سياق الآية.
٥ - تحريف الكلم عن موضعه، بتقطيع اللفظة الواحدة إلى لفظتين، أو تحويل اللفظتين إلى لفظة واحدة.
ومن أمثلة تلك البدع والغرائب:
١ - ما ذكره الزمخشرى والمعتزلة فى تفسير قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] بأن المراد بالكرسى: علم الله تعالى.
٢ - ما ذكره بعض المتصوفة فى الآية نفسها، فى قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بأن المعنى (من ذلّ)، من الذل (ذى) يعنى النفس (يشف) من الشفاء، (ع) من الوعى، فقطعوا الكلمة الواحدة إلى أجزاء، وعلى عكس ذلك جعلوا
стр. 294
الكلمتين كلمة واحدة، فى تفسير قوله تعالى:
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] حيث جعلوا من (اللام) و (مع) التى تفيد المعية كلمة واحدة، من اللمعان، فقالوا: إن (لمع) بمعنى أضاء. (١٠٦)
٣ - وما ذكره بعضهم فى تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] من أن إبراهيم كان له صديق وصفه بأنه قلبه، أى ليسكن هذا الصديق إذا عاين الإحياء. (١٠٧)
ومن الكتب التى اهتمت ببيان هذه البدع والغرائب كتاب «العجائب والغرائب» لمحمود الكرمانى، وكتاب «بدع التفاسير» لعبد الله الغمارى، وخصص لها السيوطى النوع التاسع والسبعين فى إتقانه.
٢٦ - ضوابط سلامة التفسير:
لكى يضمن المفسر سلامة تفسيره، عليه أن يراعى الضوابط الآتية:
١ - أن يتجنب ما يأتى:
(أ) التفسير من غير حصول العلوم التى يجوز معها التفسير.
(ب) تفسير المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله تعالى.
(ج) التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل مذهبه أصلا، وتفسيره فرعا.
(د) التفسير مع الجزم بأن مراد الله كذا، من غير دليل قاطع.
(هـ) التفسير بالهوى والاستحسان. (١٠٨)
٢ - مراعاة سبب النزول، فإن كثيرا من الآيات يتوقف فهمها على معرفته.
٣ - مطابقة التفسير لهدى النبى ﷺ وسيرته.
٤ - مراعاة ما هو معروف، من نظام الكون، وسنن الاجتماع، وتاريخ البشرية العام وتاريخ العرب الخاص، ووقت نزول القرآن.
٥ - مراعاة المؤاخاة بين المفردات فى النص القرآنى.
٦ - ملاحظة المعانى المستعملة زمن نزول القرآن الكريم.
٧ - مراعاة المعنى الحقيقى والمعنى المجازى، فقد يكون أحدهما هو المراد دون الآخر، مع ملاحظة أن الأصل هو تقديم المعنى الحقيقى، إلا لقرينة ترجح المعنى المجازى.
٨ - مراعاة سياق الكلام.
٩ - مراعاة الغرض الذى سيق له الكلام.
стр. 295
١٠ - تقديم المعنى الشرعى على المعنى اللغوى.
١١ - تقديم المعنى العرفى على المعنى اللغوى.
١٢ - عدم القول بالترادف ما أمكن، فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد.
١٣ - اجتناب ادعاء التكرار ما أمكن، فإن التركيب يحدث معنى زائدا، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ.
١٤ - ترك ما لا يصح سنده من أسباب النزول وأحاديث الفضائل، ففيما صحّ غنية عما لم يصح.
١٥ - ترك الإسرائيليات المخالفة لما فى شرعنا، وكذلك المسكوت عنها، ففيها من الخطر على العقيدة والإسلام الكثير والكثير.
١٦ - استعمال قواعد الترجيح، إذا تعددت الأقوال.
١٧ - عدم التسرع إلى التفسير بظاهر العربية، من غير نظر إلى القرآن نفسه، والمنزل عليه، والمخاطب.
١٨ - حمل كلام الله- تعالى- على المعنى الأغلب والأشهر من اللغات، دون توجيهه إلى الأنكر أو الشاذ، ما وجد إلى ذلك سبيلا.
١٩ - حمل كلام الله تعالى على عرف القرآن الخاص، ومعانيه المعهودة دون غيرها.
٢٠ - الاعتناء بتدبر الألفاظ، ومعانى الدلالات، ومعرفة معانى الأدوات، من الأسماء والأفعال والحروف والظروف، لأن الأداة ترد بمعان مختلفة، يختلف معها المعنى باختلاف موقعها.
٢١ - أن يراعى ضوابط إعراب القرآن. (١٠٩)
٢٢ - معرفة موضوع القرآن وهدفه، فهدف القرآن: هداية الناس إلى أحسن حال، وأفضل مآل، وكذلك التدليل على صحة نبوة النبى ﷺ ، فإخراجه عن هذين الهدفين لا يجوز بحال من الأحوال، كما يلتمس بعض أصحاب التفسير العلمى لكل نظرية علمية آية من القرآن.
٢٣ - الوقوف على عادات العرب، فإن بعض الآيات لا يمكن فهمها إلا من خلال معرفة هذه العادات.
٢٤ - استحضار جميع الآيات التى تندرج ضمن موضوع واحد، قبل البدء فى تفسير أى آية منها، حتى يخرج بحكم صحيح.
٢٥ - مراعاة الربط بين الآية وتذييلها، فهذا يساعد على إدراك الإعجاز القرآنى.
стр. 296
٢٦ - الوقوف على موهم الاختلاف والتناقض، ومعرفة إزالة هذا التناقض الظاهرى.
٢٧ - معرفة الكليات والأفراد فى القرآن الكريم، والمراد بالكليات: الألفاظ والأساليب الواردة فى القرآن على معنى مطرد، أما الأفراد: فهى تلك الألفاظ أو الأساليب التى أتت بمعنى غير المستعمل عادة.
٢٧ - خطوات المنهج الأمثل فى التفسير:
بعد أن يراعى المفسر:
١ - توافر شروط المفسر فيه وإلمامه بالعلوم المطلوبة منه.
٢ - واجتنابه الأمور المحظورة فى التفسير.
٣ - والضوابط المطلوبة لسلامة تفسيره، والتى تحدثنا عن كل منها سابقا، عليه اتباع ما يلى:
أولا: المرور بمصادر التفسير بالمأثور، على الترتيب الواجب، فيطلب المعنى أولا من القرآن نفسه، فإن لم يجده فمن السنة، وإلا فمن أقوال الصحابة، ثم من أقوال التابعين، على التفصيل الذى بيناه فى موضعه.
ثانيا: إن لم يجد المفسر المعنى فى مصادر التفسير بالمأثور، فعليه إعمال عقله، مستعينا بالعلوم المطلوبة للمفسر، مراعيا الأمور المحظورة، وضوابط السلامة السابقة.
ثالثا: ذكر مناسبة الآية لما قبلها.
رابعا: ذكر سبب النزول.
وقد وقع خلاف بين العلماء فى بأيهما يبدأ؟ ولعل التفصيل الذى ذكره الزركشى فى «البرهان» هو الأفضل، حيث قال- ﵀: «واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث فى أنه أيهما أولى البداءة به، بتقديم السبب على المسبب؟ أو بالمناسبة؟ لأنها المصححة لنظم الكلام وهى سابقة على النزول، والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول، كالآية السابقة فى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨]، فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب، لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة». (١١٠)
خامسا: ثم البداءة بعد ذلك بالمفردات، من جهة اللغة والتصريف والاشتقاق.
سادسا: ثم التعرض لما يتعلق بتراكيب الكلام، فيبدأ بإعراب ما يتوقف المعنى على إعرابه، ثم ما يتعلق بعلوم البلاغة الثلاثة،
стр. 297
المعانى، فالبيان، فالبديع، لإظهار أسرار الإعجاز البلاغى.
سابعا: ثم يبين المعنى المراد بعبارة سلسة بليغة، مطابقة للنص المفسّر، دون تزيد على معناه، أو إنقاص شىء من محتواه.
ثامنا: استنباط ما يمكن استنباطه، من أمور تتعلق بالعقيدة، أو بالأحكام الفقهية، أو البلاغية، أو غير ذلك، فى حدود القوانين الشرعية، والقواعد اللغوية.
مع ملاحظة أمرين فى غاية الأهمية:
أولهما: اجتناب كل ما يعتبر من قبيل الحشو، فلا يشحن تفسيره بمسائل الإعراب، وعلل النحو، ودلائل أصول الفقه، ودلائل مسائل الفقه، فكل ذلك مقرر فى تأليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلما به فى علم التفسير، دون استدلال عليه.
ثانيهما: التركيز على العنصر العملى فى القرآن، ببيان أن القرآن ليس كتاب تلاوة وثقافة فقط، ولكنه كتاب علم وعمل، فيجب على المسلمين أن يتحركوا به فى دنيا الواقع، كما فعل الرسول ﷺ وصحابته الكرام- رضى الله عنهم أجمعين.
٢٨ - طبقات المفسرين ومدارسهم:
لما أنزل الله- تعالى- القرآن على رسول الله ﷺ أمره بتبليغ ألفاظه، وتبيين ما احتاج الناس إلى بيانه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، وقال أيضا: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
فامتثل النبى ﷺ لأمر ربه، فبين لهم ما كان خافيا عليهم، وأزال عن قرآنه ما التبس منه، ففهم الصحابة قرآن ربهم وعملوا به، ولما انتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه ترك عبء الدعوة الإسلامية، وتبليغ كتاب الله- وتبيينه على عاتق أصحابه الكرام، فكان هؤلاء الصحب عند حسن الظن بهم، فانتشروا فى البلاد شرقا وغربا، وأسسوا للناس مدارس، تعلمهم كتاب ربهم، وتفقههم فى أمور دينهم.
وقد اشتهر من بين هؤلاء الصحابة:
الخلفاء الراشدون الأربعة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبىّ بن كعب، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعائشة، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله.
ثم جاء بعد طبقة الصحابة طبقة التابعين الذين تتلمذوا على أيدى صحابة رسول الله ﷺ ، وما هى إلا سنوات قلائل إلا وقد وجدنا
стр. 298
لجهد الصحابة الثمرة المرجوة منه، حيث لم يخلد هؤلاء الصحابة للراحة فى المدينة أو فى الأمصار المفتوحة، وإنما كانوا منارات علم وتعليم، فأسسوا المدارس من أجل إنشاء جيل صار خير الأجيال بلا منازع بعد جيل الصحابة- رضى الله عن الجميع.
وكان من أبرز تلك المدارس ثلاث مدارس، أثرت فى الحركة التفسيرية تأثيرا منقطع النظير، هذه المدارس هى:
(أ) مدرسة مكة: وكان أستاذها عبد الله ابن عباس، وكان أبرز طلابها: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة أبو عبد الله البربرى، وعطاء بن أبى رباح، وطاوس بن كيسان.
(ب) مدرسة الكوفة: وأستاذها عبد الله ابن مسعود، وكان من أبرز تلاميذ هذه المدرسة الذين صاروا أئمة فى التفسير:
علقمة بن قيس، وزر بن حبيش، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة بن عمرو، وعبيد بن نضيلة، والأسود بن يزيد، وأبو عبد الرحمن السلمى، وعامر الشعبى، والحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السّدوسى.
(ج) مدرسة المدينة: ومؤسسها وأستاذها أبىّ بن كعب، ومن أبرز تلاميذ هذه المدرسة الذين صاروا أئمة فى التفسير: أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظى، وزيد بن أسلم.
ثم بعد هذه الطبقة جاءت طبقة أخرى اهتمت بجمع أقوال الصحابة والتابعين فى التفسير، وعلى رأس هذه الطبقة: سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، وآخرون.
ثم جاءت بعدها طبقة أخرى، وعلى رأسها: محمد بن جرير الطبرى، وابن أبى حاتم، وابن ماجة، والحاكم، وابن مردويه، وابن حبان، وابن المنذر، وهذه التفاسير كلها بالمأثور، ليس فيها غيره، إلا تفسير ابن جرير الطبرى، فإنه فى معظم الأحيان يتعرض لتوجيه الأقوال التى يذكرها ويرجح بعضها على بعض، كما يتعرض للمسائل الفقهية، وأصول الفقه والقراءات والإعراب وغير ذلك، مما جعل تفسيره فى غاية الأهمية لدى المشتغلين بالمأثور وبالرأى على حد سواء، وإن كانت الصبغة المأثورية هى الغالبة عليه.
وبعد هذه الطبقة التى كانت تهتم بذكر السند جاءت طبقة أخرى، أهملوا الإسناد، فالتبس الصحيح بالعليل، وتسلل الدخيل إلى التفسير.
إلى أن جاءت طبقة أخرى كان الواحد
стр. 299
منهم أشبه بحاطب ليل، ثم خطا المفسرون بعد ذلك خطوة متخصصة، أو قريبة منها، حيث رأينا الواحد منهم يصبغ تفسيره بالصبغة التى برع فيها، أو طغت عليه، فوجدنا بعضهم يهتم بالإعراب وقواعد النحو وفروعه، كما هو صنيع الزجاج، والواحدى، وأبى حيان، ووجدنا آخرين جعلوا كل همهم سرد القصص عن السابقين، بصرف النظر عن صحتها أو بطلانها، كما فعل الثعلبى، ووجدنا صنفا آخر صب اهتمامه على مسائل الفقه، وكأنه أراد بتفسيره أن يكون موسوعة فقهية، كما فعل القرطبى، كما رأينا صنفا آخر جعل العلوم العقلية والفلسفية بؤرة اهتمامه فى التفسير، كالفخر الرازى.
أما أصحاب البدع، كالمعتزلة والخوارج، فمتى لاحت لهم شاردة تخدم بدعتهم وخيّل لهم أن لها موضعا فى تفسير الآية سارعوا فى وضعها، كما فعل الزمخشرى فى كشافه، وكذلك فعل الملاحدة، كالباطنية فى تفاسيرهم.
ومع امتداد الزمان وتنوع العلوم، ووقوف العلماء على كثير من أسرار هذا الكون، ومع تعدد نظم الاجتماع والعمران، رأينا فى كل عصر طبقة تهتم بناحية أو أكثر من نواحى القرآن.
أ. د./ جمال مصطفى عبد الحميد عبد الوهاب النجار
стр. 300
مراجع الاستزادة: للاستزادة والتوسع فى موضوعات هذا المدخل يرجع إلى:
(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى.
(٢) الإسرائيليات فى التفسير والحديث للدكتور/ محمد الذهبى.
(٣) أصول الدخيل فى تفسير أى التنزيل، للدكتور/ جمال مصطفى النجار.
(٤) البرهان فى علوم القرآن للزركشى.
(٥) التفسير بالرأى، للدكتور/ جمال مصطفى النجار.
(٦) التفسير بالمأثور، للدكتور/ جمال مصطفى النجار.
(٧) التفسير والمفسرون، للدكتور/ محمد الذهبى.
(٨) الدخيل فى تفسير القرآن الكريم، للدكتور/ عبد الوهاب فائد.
(٩) دراسات فى مناهج المفسرين، للدكتور/ إبراهيم خليفة.
(١٠) لمعة الاعتقاد، لابن قدامة.
(١١) مدخل إلى مناهج المفسرين، للدكتور/ محمد جبريل.
(١٢) مقدمة فى أصول التفسير، لابن تيمية.
(١٣) مناهل العرفان فى علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى.
стр. 301
القراءات والقراء
حقيقة القراءات، وحدّها:
القراءات لغة:
جمع قراءة. وهى (مصدر قرأ أى نطق باللفظ. فهى: التلفظ) (١).
(وتستعمل بمعنى اسم المفعول، فيراد بها:
اللفظ المنطوق) (٢).
وقراءات القرآن هى:
(صور نظم كلام الله تعالى من حيث وجوه الاختلافات المتواترة، المنسوبة إلى أئمة معينين ناقلين لها) (٣)، كقراءات نافع، وابن كثير، وأبى عمرو.
فقراءة القرآن الواحدة هى:
(صورة نظم كلام الله تعالى من حيث ما فيها من وجوه الاختلافات المتواترة، المنسوبة إلى إمام معين ناقل لها)، كقراءة نافع، أو ابن كثير، أو أبى عمرو.
- وقد يراد من القراءات: الصور الواردة بالتبادل على اللفظ، كقولنا: قراءات لفظ الصِّراطَ (الفاتحة: ٦) ثلاث: الصاد الخالصة، والصاد المخلوطة بصوت الزاى، والسين (٤).
- وقد يراد من القراءات: الكلمات والكيفيات الواردة فى قراءة واحد معين- كابن كثير مثلا- المختلفة عما ورد فى قراءة غيره، كقولنا: قراءات ابن كثير فى سورة الفاتحة هى: الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: ٣ - ٤) بإظهار الميمين- خلافا لمن أدغمهما-، و (ملك) بدون ألف- خلافا لمن قرأها (مالك) بالألف، و (الصراط) بالسين من رواية قنبل عنه- خلافا لمن قرأها بالصاد الخالصة، وخلافا لمن قرأها بالصاد المخلوطة بصوت الزاى-، و (عليهم) بكسر الهاء- خلافا لمن ضمها-، وبصلة ميم الجمع- خلافا لمن أسكنها (٥).
- ويتبين مما سلف أن حقيقة هذا المركب:
(قراءات القرآن) تعنى الأجزاء، والكيفيات المخصوصة الداخلة فى ذات القرآن وصفاته (٦).
стр. 302
وهى- حينئذ-: ما يستحق أن يسمى قراءات حقيقة، ويسمى قرآنا، وهى المتواترة، المجمع عليها، المعمول بها فى التلاوة التعبدية، لا غير ذلك.
- وهذه أمثلة من (صور النظم، والكلمات، والكيفيات)، أى من (القراءات):
- فمن صور النظم: (قراءة فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (البقرة: ٣٧) بنصب (آدم)، ورفع (كلمات) لابن كثير، وبرفع (آدم)، ونصب (كلمات) بالكسر لغيره) (٧).
- ومن الكلمات المختلفة المتواردة على الموضع الواحد: الواو فى قراءة وَلا يَخافُ عُقْباها (الشمس: ١٥) بالواو لغير نافع وابن عامر وأبى جعفر، والفاء فى قراءتها بها لهؤلاء الثلاثة) (٨).
- ومن الكيفيات: إدغام الميمين فى الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ (الفاتحة: ٣ - ٤) لبعض القراء العشرة، والإظهار للبعض الآخر (٩)، وضم الهاء فى عَلَيْهِمْ (الفاتحة: ٧) لحمزة، وكسرها لغيره (١٠).
الحروف:
قد تسمى القراءات- أعنى الكلمات المختلفة وما إليها- حروفا، فيقال: حروف القرآن، حروف القراء السبعة- مثلا- حروف نافع.
- وقد أطلق العلماء لفظ حرف، وحروف، وقراءة، وقراءات بأكثر من إطلاق، فعلينا أن نتعرف على المراد من اللفظ المستعمل بمعونة السياق والمقام، فقد يراد من لفظ (القراءات) مثلا ما هو أعم من المتواترات، وإليك بيان المراد من قولهم فى كتب الفن:
فرش الحروف:
قال ابن القاصح: «القراء يسمون ما قل دوره من حروف القراءات المختلف فيها فرشا، لأنها لما كانت مذكورة فى أماكنها من السور فهى كالمفروشة، بخلاف الأصول، لأن الأصل الواحد منها ينطوى على الجميع، وسمى بعضهم الفرش فروعا، مقابلة للأصول» (١١).
ومن أمثلة الفرش: إمالة التَّوْراةَ (آل عمران: ٣) لأبى عمرو والكسائى ومن وافقهما إمالة كبرى، والفتح لعاصم ومن وافقه (١٢).
ومن أمثلة الأصول: إمالة كل ألف بعدها راء متطرفة مكسورة لأبى عمرو ومن وافقه، وفتحها لابن كثير ومن وافقه، مثل عُقْبَى الدَّارِ (الرعد: ٢٢) إلى آخر ما يشبه ذلك (١٣).
...
стр. 303
توقيف القراءات:
القراءات العشر المعمول بها، المعروفة فى هذا الفن توقيفية.
ومعنى التوقيف: التعليم.
وهو تعليم النبى ﷺ للأمة.
والأدلة على التوقيف عديدة، والفقرات التالية تتضمن قدرا من تلك الأدلة:
- قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) فالقرآن منزل من عند الله تعالى، ولا قرآن بدون قراءة، والقراءات العشر متساوية- كما بيّناه فى موضعه- فهى منزلة من عند الله تعالى، فهى توقيفية، والذى علّمها لنا هو الله تعالى، وقد قال سبحانه: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (الرحمن: ١ - ٢). وأول من تعلم القرآن من البشر هو النبى ﷺ ، وقد قال الله تعالى له: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (القيامة: ١٧ - ١٨).
وقام الرسول ﷺ بتعليم الأمة، قال تعالى:
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (الإسراء: ١٠٦).
وأمر الله الأمة بقبول تعليم القرآن والشريعة، قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (الحشر: ٧). وأمر الله تعالى نبيه ﷺ بتلاوة القرآن، كما دلّ عليه قوله تعالى:
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١ - ٩٢)، كما أمر سبحانه الأمة بقراءته فقال: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (المزمل: ٢٠)، ومدح المشتغلين بتلاوته فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فاطر: ٢٩ - ٣٠). فقامت الأمة بواجبها، واتبعوا، ولم يبتدعوا، وتعلموا من نبيهم ﷺ ، ثم علّم بعضهم بعضا، ويبقى أمر التوقيف على نمطه هذا إلى ما شاء الله تعالى.
- واشتملت كتب الحديث على جزئيات كثيرة من القراءات، مسندة إلى الرسول ﷺ ، سالكة طرقا غير طرق القراء، إذ هى طرق المحدثين- ولكل قوم طرقهم، وهذه طائفة من تلك الجزئيات نذكرها تدليلا على التوقيف، واستئناسا- وإن كانت هى وسائر ما رووه لم يقصدوا به رواية ختمة:
عن أنس- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قرأ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: ٤) بالألف.
وعن أم سلمة- رضى الله عنها- أنه قرأه بدون ألف. (والضمير فى (أنه) هنا وفيما يأتى للنبى- ﵊.
стр. 304
وروى أبىّ- رضى الله عنه- أنه قرأ وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ (البقرة: ٤٨، ٥٨) بالتاء: ولا تقبل.
وأنه قرأ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (البقرة:
٢٨٣) بدون ألف، وبضم كل من الراء والهاء.
وأنه أقرأه بقراءتين: الياء، والتاء، فى:
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٨).
وأنه أقرأه فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (الكهف: ٨٦) بالهمز.
وروى أيضا عنه ﷺ : حامية بالألف بدون همز.
وقرأ ﷺ : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (الكهف: ٧٧) بتشديد التاء الأولى فى لَاتَّخَذْتَ، وإدغام الذال فى التاء، وقرأها أيضا لتخذت بحذف همزة الوصل، وتخفيف التاء، وإظهار الذال، وكسر الخاء.
وكل ذلك فى قراءات العشرة.
إلى غير ذلك من جزئيات كثيرة فى أكثر من مائة وأربعين حديثا شريفا (١٤).
- واشتملت المصاحف العثمانية على جزئيات كثيرة من القراءات كان الرسم نصا فيها، وكلها فى قراءات العشرة، وهى منقولة من صحف الصدّيق- رضى الله عنه- ومن مصاحف الصحابة التى كتبت بين يدى النبى ﷺ ، كما أن صحف الصدّيق منقولة مما كان فى بيوت أزواج النبى ﷺ مما كتب بحضرته، ومما كان مع الصحابة مما كتبوه أيضا بين يديه- ﵊ (١٥).
وهذه طائفة منها لخدمة هذا الغرض بنحو ما أشرنا إليه آنفا من تدليل، واستئناس:
كتب: أَرَأَيْتَ (العلق: ٩) مثلا بألف بعد الراء فى بعض المصاحف العثمانية، وبدونها فى بعضها الآخر، وبهما قرئ (١٥).
وكتب: نَخْشى (المائدة: ٥٢) بالياء فى بعض المصاحف، وبالألف فى بعضها، وقرئ بالإمالة إلى الياء، وبالفتح (١٦).
وكتب: إِلَّا قَلِيلٌ (النساء: ٦٦) قليلا بالألف فى المصحف الشامى، وبدونها فى بقية المصاحف، وقرئ بالنصب، والرفع (٨٦).
وكتب: مَنْ يَرْتَدَّ (المائدة: ٥٤) بدال واحدة فى المكى والبصرى والكوفى، وبدالين فى البقية، وقرئ بالإدغام، والفك (٨٧).
وكتب: وَيَقُولُ الَّذِينَ (المائدة: ٥٣) بواو العطف فى العراقية، وبدونها فى البقية، وبهما قرئ (١٧).
стр. 305
وكتب: ذُو الْجَلالِ (الرحمن:) بالواو فى غير المصحف العثمانى الشامى، وبالياء فى الشامى، وبهما قرئ (١٨).
إلى غير ذلك من الجزئيات المكتوبة فى المصاحف العثمانية الستة، نصا، أو إشارة (١٩).
- وأسانيد القراء العشرة، وطرق قراءاتهم التى بلغت زهاء ألف طريق مفصلة متصلة مرفوعة إلى رسول الله ﷺ بتلاوة كل واحد على الآخر، وكلهم ثقات، متقنون، آخذون بالتوقيف البالغ الغاية فى الدقة، الواصل إليهم من رسول الله ﷺ ، عن جبريل- ﵇ عن اللوح المحفوظ، عن رب العالمين- جل
جلاله (٢٠).
وقد فصل ابن الجزرى تلك الأسانيد فى كتابه الكبير «النشر فى القراءات العشر» فى حوالى مائة صفحة (٢١).
وذكر شارح «مسلّم الثبوت» أن أسانيد القراء العشرة صحيحة بالإجماع، متلقاة بالقبول، وأنها أصح الأسانيد، وأن غيرها إذا عارضها فإنه يكون سندا لا يعبأ به (٢٢).
وهناك غير ذلك من الأدلة الدالة على أن القراءات المعمول بها مروية بالتوقيف (٢٣).
تواتر القرآن:
التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، كما يؤمن وقوع الكذب منهم فى المنقول وقوعا اتفاقيا بدون تواطؤ فى كل طبقة، من أول السند إلى منتهاه.
والقرآن الكريم منقول بهذه الصفة فى كل طبقة. والأدلة على تواتر القرآن عديدة، نسوقها فى فقرات، تنطوى كل فقرة منها على بعضها، على النحو التالى:
١ - قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (المائدة: ٦٧).
والبلاغ العام إنما هو بالتواتر (٢٤) وقد كان.
ويلاحظه من يلاحظ القرون.
وقال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (الأعلى: ٦) كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) وأجمعت الأمة على أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجوه الغلط والتخليط (٢٥) والحفظ إنما يتحقق بالتواتر (٢٦). وهذا النص القرآنى قد صارت به الأمة آمنة من أن يكون نقل القرآن آحاديا فى وقت من الأوقات (٢٧).
٢ - وقد عرض القرآن على رسول الله ﷺ السادة عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وأبى بن كعب وعبد الله بن مسعود
стр. 306
وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وأبو الدرداء (٢٨) وقد حفظوه فى حياة النبى ﷺ ، وأخذ عنهم عرضا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة (٢٩).
وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبى زيد وسالم مولى أبى حذيفة وعبد الله بن عمر وعتبة بن عامر (٣٠).
وعرض القرآن على بعض من ذكروا السادة أبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن السائب والمغيرة بن شهاب المخزومى والأسود بن يزيد النخعى وعلقمة ابن قيس وأبو عبد الرحمن السلمى وأبو العالية الرياحى (٣١).
ومن لاحظ العصور وأحوال الرجال وجد الحصر للأعداد الكثيرة الناقلين للقرآن الكريم غير ممكن، ووجد الدقة والإتقان وسعة العلم أمرا راسخا يقطع به على تواتر كتاب الله وسلامته، بل وجد عددا يبلغ أضعاف أضعاف ما يطلبون للتواتر من عدد (٣٢).
فهذا هو أبو الدرداء- ﵁ يقرأ عنده نيّف وستمائة وألف، لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء- ﵁ يكون عليهم قائما، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبى الدرداء ﵁ (٣٣).
وهذا ابن مسعود يأمر قارئا متعجّلا بالترتيل.
«قال إبراهيم النخعى: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال: فداك أبى وأمى رتّل، فإنه زين القرآن (٣٤)». هذا مع أنها عجلة- كما يبدو- لم تصل إلى درجة الإخلال بشيء فى القراءة.
وكان ابن مسعود يقرئ رجلا، فقرأ الرجل:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ (سورة التوبة الآية ٦٠)، مرسلة فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن، فقال: أقرأنيها:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ، فمدها (٣٥).
وعدد من ذكرت من الصحابة أقل من نصف عدد المذكورين فى لطائف الإشارات للقسطلانى، ولم يرد الحصر بل أشار إلى أن هناك غيرهم من الصحابة القراء أيضا (٣٦).
وذكر الذهبى واحدا وعشرين من التابعين القراء وجعلهم الطبقة الثالثة، وهو كغيره لا يريد، ولا يدعى، ولا يمكنه الحصر (٣٧).
ومعلوم أن الإسلام فى امتداد، والقراء فى ازدياد.
وهذه «غاية النهاية» لابن الجزرى، بلغت ترجمات القراء فيها ما يقرب من أربعة آلاف
стр. 307
ترجمة، فإذا كان هذا عدد القراء المقرئين فكم يكون عدد التلاميذ الحفاظ؟!
وإن لنا أن نعتبر بعدد تلاميذ أبى الدرداء المذكور آنفا، وطائفة قرأت على ابن مسعود (٣٨)، وأولاد جمعهم سيدنا عمر- رضى الله عنه-، فى المكتب، ليحفظوا القرآن (٣٩) وبلوغ عدد التابعين إلى أربعين فى عد «الإتقان» (٤٠)، وأربعة وأربعين فيما نعده فى النشر (٤١) ونعتبر بالازدياد كما أشرنا، فنعلم أن التواتر والصحة
فى جميع العصور من بدهيات الأمور، ونعلم أن المستقبل على نمط الماضى.
٣ - ولا غرو بعد وضوح هذا الواقع التاريخى للناس، المبين لما أشرنا إليه أن يجمع المسلمون، وتتفق الكلمة على أن القرآن متواتر صحيح يمتاز فى ذلك عن كل ما عداه.
قال فى «تيسير التحرير»: (والقرآن كله متواتر إجماعا) (٤٢).
وذكر ابن أمير الحاج فى «شرح التحرير»:
(أن جميع القرآن متواتر إجماعا) (٤٣).
وقال النويرى: (القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة، منهم الغزالى وصدر الشريعة، وموفق الدين المقدسى وابن مفلح والطوفى، هو: ما نقل بين دفتى المصحف نقلا متواترا. وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله ﷺ للإعجاز بسورة منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر- كما قال ابن الحاجب ﵀ للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله، والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به. وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت- بعد الفحص الزائد- وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسى فى تفسيره، والنووى والسبكى والإسنوى والأذرعى والزركشى والدميرى والشيخ خليل وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم ﵏. وأما القراء فأجمعوا فى أول الزمان على ذلك، وكذلك فى آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكى، وتبعه بعض (٤٤) المتأخرين).
ثم جوّز النويرى أن يكون الإجماع انعقد قبل مكى، بل قال النويرى: (بل هو الراجح لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك، كأبى عمرو بن العلاء وأعلى منه، بل هو الحق الذى لا محيد عنه) (٤٥).
٤ - والعلم الضرورى- من وراء تلك الأدلة النقلية- حاصل والضرورى لا يحتاج إلى دليل
стр. 308
- بأن القرآن الكريم مصون، ونقلته يفوقون الحصر.
وفى القرطبى: أنه يعلم على القطع والبتات، أن قراءة القرآن تلقينا متواترة عن كافة المشايخ، جيلا فجيلا، إلى العصر الكريم، إلى رسول الله ﷺ (٤٦).
وذكر عبد الجبار أن كون القرآن منقول بالتواتر، معلوم بالضرورة (٤٧).
٥ - والأصل أن القرآن متواتر بتفاصيله وجوبا.
ودليل هذا الأصل: أن القرآن الكريم لكونه كلام الله تعالى ولكونه مشتملا على الأحكام الشرعية ولكونه معجزا، فإنه مما تتوافر الدواعى على نقله بتفاصيله، وتقضى العادة بحفظه، فلا بد من تواتره بتفاصيله.
هكذا قرّر أهل الأصول التواتر (٤٨).
والتفاصيل المتواترة وجوبا- أو التى دلّ الدليل على وجوب تواترها- هى إجمالا:
المتن، والهيئة، وعدم الزيادة، وعدم النقصان، بل يدخلان فى الهيئة.
وقال الغزالى: (حد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتى المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. ونعنى بالكتاب القرآن المنزّل.
وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا فى الاحتياط فى نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط، وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره. «ونقل إلينا متواترا، فنعلم أن المكتوب فى المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل فى العرف والعادة مع توافر الدواعى على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه». ثم قال: فإن قيل: لم شرطتم التواتر؟.
قلنا: ليحصل العلم به، لأن الحكم بما لا يعلم جهل، وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقى ليس بوضعى، حتى يتعلق بظنّنا، فيقال: إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا، أو حلّلنا لكم، فيكون التحريم معلوما عند ظنّنا، ويكون ظنّنا علامة لتعلق التحريم به، لأن التحريم بالوضع، فيمكن الوضع عند الظنّ، وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقى، ليس بوضعىّ، فالحكم فيه بالظن جهل) (٤٩).
وقال محب الله، وعبد العلى: (قالوا اتفاقا:
ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعى على نقله، لتضمّنه التحدى، ولأنه أصل الأحكام، باعتبار المعنى والنظم جميعا، حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة، ولأنه يتبرك به فى كل عصر بالقراءة
стр. 309
والكتابة، ولذا علم جهد الصحابة فى حفظه بالتواتر القاطع. وكل ما تتوافر دواعى نقله ينقل متواترا عادة، فوجوده ملزوم التواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتقى الملزوم قطعا، والمنقول آحادا ليس متواترا فليس قرآنا) (٥٠).
- وقال السيوطى: (لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فى أصله وأجزائه، وأما فى محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققى أهل السنة. للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله، لأن هذا المعجز العظيم، الذى هو أصل الدين القويم، والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعى على نقل جمله وتفاصيله. فما نقل آحادا، ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن) (٥١).
- وبهذا اتضحت دلالة النقل، والعقل، والواقع الماثل للعيان على تواتر القرآن وجوبا، جملة، وتفصيلا، مادة وهيئة، ومحلا.
- ويؤخذ من التواتر القطع بأنه لا وصف لشىء من القرآن وراء التواتر البتة من شهرة أو صحة غير مصحوبة بالتواتر، فضلا عما دون ذلك.
- ويؤخذ مما سلف- وخصوصا من كلام الغزالى- أن تواتر القرآن يدفع فرية الزيادة فيه، وفرية النقص منه، ويقطع دابرهما.
- ويؤخذ من جملة الأدلة أنه لا سبيل أصلا إلى القطع بنموذج لقرآن منسوخ التلاوة، لأنه لا تدعى قرآنيته اليوم، ولا يدل دليل قطعى على أنه كان متواترا، فكيف يقال إنه كان قرآنا؟!، أو يجب الإيمان بأنه كان قرآنا؟!. هكذا يقال فى كل نموذج على حدته.
- أما إذا بلغ عدد النماذج إلى ما يفيد التواتر المعنوى فإنه يفيد القطع- فى الجملة- بأن من القرآن ما نسخت تلاوته.
وأما إذا ثبت نموذج ثبوتا ظنيا، وأفاد هذا النموذج حكما عمليا فإن الأخذ به يصح عند الجمهور، شأنه شأن العمل بالقراءة الشاذة (٥٢).
هل قرئ بالشاذ على أنه قرآن ؟
لم يقرأ بالشاذ- بحال- على أنه قرآن.
هذا هو حال أهل الحق. والشاذ آحادي- قطعا، والقرآن متواتر- قطعا- فكيف يلتقيان؟!
ومن انحرف عن حال أهل الحق فقد أدبوه، واستتابوه، فتاب، وأناب (٥٣).
القرآن والقراءات:
إذا قرأت القرآن ثلاث مرات- مثلا- بثلاث قراءات، لأبى جعفر، ويعقوب، وخلف
стр. 310
العاشر وجدت المرّة الأولى مشتملة على تشديد الْمَيْتَةَ (البقرة: ١٧٣)، وكسر الطاء فى فَمَنِ اضْطُرَّ (البقرة: ١٧٣)، وحذف الهمز ونقل حركته إلى النون، مع كسرها فى مِنْ أَجْلِ ذلِكَ (المائدة: ٣٢)، وغير ذلك مما فى قراءة أبى جعفر (٥٤).
ووجدت المرة الثانية مشتملة على إثبات الياء وقفا فى وَاخْشَوْنِ (المائدة: ٣)، وفتح الفاء دون تنوين فى فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (المائدة: ٦٩)، وغير ذلك مما فى قراءة يعقوب (٥٥).
ووجدت المرة الثالثة مشتملة على قراءة هُزُواً (المائدة: ٥٧) بسكون الزاى، وهمز مفتوح بعدها، وغير ذلك مما فى قراءة خلف (٥٦).
وتجد القرآن واحدا فى الجميع، وما الفرق بينها وبينه إلا أنها صور مختلفة له، يفترق بعضها عن بعض بما تشتمل عليه كل ختمة فى مواضع منها من وجوه تخصها، وتجعل لها صورة تفترق بها عن غيرها.
وننظر إلى القراءات التى تتوارد على الموضع القرآنى وننظر إلى القرآن فى ختمة فنقول: القراءات التى دخلت فى الختمة أجزاء دخلت فى القرآن، وهو كل لها- فالفرق بينهما هو الفرق بين الكل وأجزائه.
والقراءات التى لم تدخل فى هذه الختمة أجزاء للقرآن فى غير هذه الختمة (٥٧).
...
القراءات والأحرف السبعة:
أنزل الله تعالى القرآن على سبعة أحرف لتيسير تلاوته على الأمة (والراجح فى معنى الأحرف السبعة أنها سبع لغات من أفصح لغات العرب، كلغة قريش، ولغة تميم، ولغة أسد. ولكل واحد أن يقرأ بما تيسر له منها كما علّم.
ومن تعلمها وميز بعضها عن بعض استطاع أن يقرأ سبع ختمات كل ختمة على حرف.
واللغة الواحدة تشتمل على أكثر من وجه فى بعض الألفاظ، وفى بعض الأساليب، فالحرف الواحد يتسع لأكثر من قراءة تشتمل كل قراءة منها على بعض الوجوه التى تميزها مفترقة عن صورة غيرها. فمن قرأ ختمتين بقراءتين فى ظل حرف وجد- بوضوح- أن عدد القراءات يزيد عن عدد الأحرف واتضح أن الفرق بينهما هو أن القراءات فروع عن الأحرف، كفروع الشجرة، فهى منها، والشجرة أصلها. وإذا كانت هذه الزيادة فى ظل الحرف الأول مثلا فقس ذلك تجد مزيدا من القراءات والأصل واحد وهو الأحرف السبعة.
стр. 311
وهذا مثال توضيحى: قرئ لفظ لِجِبْرِيلَ (البقرة: ٩٧) مثلا- بالهمز- والهمز ينسب إلى لغة تميم- وبدونه- وهذا فى لغة قريش، وفى المهموز قراءتان: (جبرئيل) بفتح كل من الجيم والراء، وبياء ممدودة بعد الهمزة، وبدون هذه الياء. فهذان وجهان وقراءتان فى لغة من الهمز. وفى غير المهموز قراءتان (جبريل) بكسر كل من الجيم والراء، وبياء ممدودة بعد الراء، وبفتح الجيم فهذان وجهان وقراءتان فى لغة من لا يهمزون. ولزيادة عدد القراءات عن عدد الأحرف سبب آخر، وهو تداخل الأحرف، إذ لم يرد منعه، ويظهر أن النبى ﷺ علّم من علّم بعض القرآن على حرف، وبقية القرآن على حرف آخر، فينتج من ذلك صورة ختمة مفترقة عن كل واحدة من السبع التى تكون كل واحدة منها على حرف واحد.
ولا تخفى الكثرة الكاثرة من القراءات التى تنشأ عن تغيير مواضع الانتقال فى الختمة من حرف أول إلى حرف ثان، ومن حرف أول إلى حرف ثالث، وهلم جرا. والحديث الصحيح لا يأبى هذا التداخل، إذ يقول:
( .... إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) (٥٨) ولم يقل منها، فكان أوضح فى العموم، إذا المعنى: فاقرءوا ما تيسر من المنزل- وهو السبعة، أعم من
أن تكون مميزة واحدا واحدا أو متداخلة.
وهذا مثال توضيحى: (قرأ حفص: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها (هود: ٤١) بإمالة مَجْراها، وفتح مُرْساها، (٥٩)، والإمالة لغة عامة أهل نجد، والفتح لغة أهل الحجاز) (٦٠)، وهى قراءة- كغيرها من سائر قراءات العشرة من الروايات والطرق المعيّنة- مسندة إلى رسول الله ﷺ ، ومتواترة، فدل ذلك على أن القراءة الواحدة اشتملت فى بعض الجزئيات على حرف ولغة، وبعضها الآخر على حرف آخر ولغة أخرى وهذا هو التداخل، وبه زاد عدد القراءات على عدد الأحرف السبعة، وتفرع الكثير عن القليل، وكان الفرق- على نحو مما سبق- كالفرق بين أجزاء من الشيء وجملة ذلك الشيء) (٦١).
- وبهذا ظهر اتحاد القراءات مع الأحرف السبعة اتحاد الأجزاء المعنية للشيء مع الشيء وسائر أجزائه، ونعنى بسائر أجزاء القرآن أجزاءه التى تنطق على وجه واحد فى كل القراءات وفى كل اللهجات التى نزل عليها القرآن الكريم، مثل ألفاظ سورة الفاتحة التى بهذه الصفة كلفظ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ، الرَّحِيمِ، يَوْمِ الدِّينِ،
стр. 312
مع ألفاظها الأخرى المقروءة بقراءات تنتسب إلى لهجات، أو تنتسب- بعبارة أخرى- إلى حرفين فأكثر من الأحرف السبعة.
...
تواتر القراءات العشر:
- المراد بالقراءات العشر: القراءات المعمول بها فى التلاوة التعبدية، المجمع عليها، المعروفة فى كتب الفن «كالشاطبية» «والدرة» «والطيبة»، أو ما يتضمن ما تضمنته هذه الكتب الثلاثة.
- ومعنى التواتر مبين فى موضوع (تواتر القرآن) من هذا البحث.
- والفقرات التالية تتضمن الدليل تلو الدليل على أنها متواترة حرفا حرفا:
- القراءات العشر أجزاء مادية، وصورية للقرآن، وقد قام الدليل على وجوب تواتره مادة وهيئة، فهى متواترة.
- وهى سواء فى ذلك وفى صحة النقل من باب أولى، ليست إحداها أقل من غيرها فى هذا الشأن، فالمعنى الذى يقوم ببعضها فيوجب تواتره موجود فى البعض الآخر، فثبت أنها سواء، متواترة كلها (٦٢).
- والوجوه المقروء بها حتى من قبل ظهور القراء العشرة، كقراءات لفظ الصِّراطَ بالصاد الخالصة، وبالصاد المخلوطة بصوت الزاى، وبالسين (٦٣) هذه وغيرها من سائر جزئيات القراءات العشر جاءتنا كل جزئية منها من طريق وهو طريق القرآنية، وهو طريق واحد، لا يمر به إلا ما كان موصوفا بوصف القرآنية، ولم تأت من طرق بأوصاف مختلفة، وما دام الطريق واحدا فكل جزئية من العشر قرآن، وبالتالى كل منها متواتر. وإلا فلو قلنا: إن إحداها متواترة دون غيرها- مع أن طريق الورود واحد لكان ذلك تحكما باطلا، وتضمن ترجحا لإحدى المتساويات على غيرها دون مرجح، وهو باطل.، فحينئذ تكون الوجوه كلها متواترة، وهو المطلوب (٦٤).
- والواقع يشهد بالتواتر، فإن جزئيات القراءات قد رواها معظم الصحابة- رضى الله عنهم- عن رسول الله ﷺ ، ورواها عن الصحابة التابعون، وأتباع التابعين عن سلفهم، ومن هؤلاء وهؤلاء أئمة الأداء وشيوخ الإقراء، ورواها عنهم أمم لا يحصون عددا، وهكذا فى جميع العصور والأمصار، إلى يومنا هذا، ويستمر ذلك إلى ما يشاء الله.
وأسماء الرجال الذين نقلوا العشر فى كل طبقة- فى كتب الطبقات وما إليها- أكثر مما يعتبر فى عدد التواتر. هذا مع اعتراف
стр. 313
المؤلفين فى الرجال بأنهم لم يستقصوا كل رواة العشر (٦٥).
- والإجماع قائم على قبول القراءات العشر، وعلى تواترها (٦٦).
- والعلم الضرورى بتواترها حاصل لدى العلماء، وما علم بالضرورة لا يحتاج إلى دليل، كما قاله صاحب «فواتح الرحموت» (٦٧)، وأشار على من كان فى ريب أن يلاحظ القرون (٦٨).
- وانحصار عدد القراء الأئمة فى عشرة أمر اتفاقى لا يقدح فى تواتر أى جزئية من جزئيات قراءاتهم، وذلك لما سلف آنفا من أدلة التواتر.
وهناك من الأمور ما قد يوهم عدم التواتر، ولو فى بعض من قراءات العشرة، وفيما يلى بيان ذلك، وإزالة الشبهة فيه.
وببيانه وإزالة الشبهة فيه يزداد أمر تواتر القراءات العشر اتضاحا. وها هو البيان:
التواتر وآحادية المخرج:
تواتر قراءات العشرة ليس عن طريق ما دوّن فى الأسانيد، لأنها ترجع إلى عدد محصور، ولكن إذا نظرت إلى أن هذا العدد المحصور لم يختص بها، بل كانت روايته هذه يقرأ بها غيره ممن لا حصر لهم- غاية الأمر أن المدوّنين اقتصروا على هؤلاء ليضبطوا ما دوّنوه ويحرروه- فإنك تعلم قطعا أنها كانت متواترة ولا تزال متواترة. فليست القراءات كالحديث مخرجها كمخرجه إذا كان مدارها على واحد كانت آحادية- ليس الأمر كذلك- ولكنها إنما نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحا، وإلا فأهل كل بلدة كانوا يقرءونها أخذوها أمما عن أمم، ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل العلم بالقراءات لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها (٦٩).
تواتر ما اختلفت الطرق فى نقله وما انفرد بعضها به:
ليس المعتبر فى العلم بصحة النقل والقطع على ثبوته أن لا يخالف فيه مخالف، وإنما المعتبر فى ذلك مجيئه عن قوم بهم يثبت التواتر وتقوم الحجة، سواء اتفق على نقلهم
أو اختلف فيه (٧٠).
فإذا تحقق التواتر بالطرق الناقلة عن القراء فلا أثر لغيرها، سواء نفى (٧١) فيه نسبة شىء من المعمول به إلى قارئه أو سكت فيه عنها، لأن غاية النفى أنه ظنى، وهو ملغى مع القطع الحاصل بالتواتر (٧٢). وعلى هذا فمن الباطل الزعم بأن ما اختلفت الطرق فى نقله قرآن غير متواتر. ولا يشفع لهذا الزاعم
стр. 314
أنه يوجب قبوله إذا اشتهر (٧٣) واستفاض فهذا الحكم ثابت عندنا من التواتر الذى طالعنا دليله أكثر من مرة. ونحو ذلك يقال فى انفرادات باقية فى المعمول به (٧٤).
التواتر وقبيل الأداء:
المد والإمالة- مثلا- من صفات الأداء المتواترة، ومن أجزاء القرآن كما سبق فى بيان تواتر القراءات، إذ اللفظ مادة وهيئة، والهيئة تسمى صفة، وصورة. أما قبيلها: فقبيل المد هو ذلك الاختلاف فى قدره، وقبيل الإمالة هو ذلك الاختلاف فى قدر ما تنحى به الإمالة (٧٥). وقس على ذلك بقية صفات الأداء وقبيلها (٧٦).
وما كان من هذا القبيل واضحا فهو منقول متواتر لأنه جزء من القرآن، كزيادة المد المتصل على الطبيعى. وما كان دقيقا غامضا ككون هذه الزيادة بمقدار زمنى من الثوانى هو كذا وكذا، أو ككون نطقى بالمد فى طوله كنطق شيخى بلا أدنى زيادة ولا أدنى نقصان، أو ككون نطقى بالمد فى المرة الثانية جاء على طول المرة الأولى التى رضيها شيخى بلا أدنى زيادة ولا أدنى نقصان، فإن هذا القبيل الدقيق الغامض نوع آخر ليس من نوع ما يتواتر أو لا يتواتر، وليس داخلا فيما يقع به التكليف، بل الأمر فيه على السعة واليسر بدون إفراط ولا تفريط.
والخلاصة أن ما أدركه القراء بآذانهم وشعورهم ونقلوه فى التلاوة فهو من أجزاء القرآن المتواترة، من قبيل الأداء كان ومن الهيئة أو من قبيل جواهر الألفاظ، كمد مالِكِ، وقصرها، والصاد المخلوطة بالزاى فى الصِّراطَ، والإمالة الكبرى، والإمالة الصغرى.
وما كان من الأمور الغامضة والعسيرة والمتعذرة فلا كلام فيه.
وما كان من إفراط فى المد مثلا، أو مبالغة فى الإمالة حتى صارت كسرا أو صارت قريبة منه جدا فإنه من نوع قبيل الأداء، لكنه القبيل الذى أدركه أهل الصنعة وأدركوا أنه غير منقول، فمنعوا منه (٧٧).
ثم ننبه إلى أمر، وهو:
الشاذ المروى عن بعض العشرة- فنقول:
المعمول به فى التلاوة التعبدية هو المتواتر عن القراء العشرة، وما شذ عن المعمول به فهو شاذ- كما سبق- حتى لو كان منسوبا إلى بعض العشرة.
وذلك أن الإمام منهم كان يقرئ بالوجوه
стр. 315
المتواترة، وكان يعلّم وجوها أخرى غير متواترة، لا ليتعبّد بها، ولكن لتستفاد- ما دامت صحيحة السند- فإنها تتضمن لغة، أو تفسيرا، أو غير ذلك، كما سيأتى فى بيان أثر القراءات الشاذة. والرواة مميزون غاية التمييز بين المتواتر والشاذ، ولا يمكن أن يلتبس ما هو قرآن بغيره. وعلى هذا فلا نستغرب ولا يشكل علينا أن يوصف وجه بالشذوذ وهو ينسب إلى بعض العشرة، ولا أن يوصف وجه بالشذوذ ويحتج به فى التفسير أو غيره، فما هو إلا الشذوذ الذى يعنى الخروج عن المعمول به، المتواتر، وهذا لا يمنع الاستفادة به فى غير التلاوة التعبدية.
وهذه نماذج منه:
مَعايِشَ (الأعراف: ١٠) قرأها نافع معايش بالهمز.
بُشْراً (الأعراف: ٥٧) قرئت بالباء وضمتين والتنوين فى وجه عن عاصم (٧٨).
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ (الحاقة: ١٤) بتشديد الميم عن ابن عامر (٧٩).
لا تُضَارَّ (البقرة: ٢٣٣) بتشديد الراء مع تسكينها لأبى جعفر (٨٠).
فمثل هذا يستفاد به فى غير التلاوة التعبدية إذا كان منقولا نقلا يرتضيه العلماء، ولا يتلى على أنه قرآن.
... أنواع اختلاف القراءات العشر:
اختلاف القراءات العشر اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض، فإن هذا محال أن يكون فى كلام الله تعالى، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: ٨٢).
وأنواع اختلاف القراءات العشر ثلاثة:
- الأول: اختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى.
مثل قراءة الصِّراطَ (الفاتحة: ٦) بالصاد، وقراءتها بالسين، فالمعنى واحد، واللفظ مختلف.
- الثانى: اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما فى شىء واحد، مثل قراءة مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: ٤) بالألف، وقراءتها بدون ألف، فالقراءتان مختلفتان فى اللفظ، ومعنى
الملك يختلف عن معنى المالك- كما هو واضح والمراد فى القراءتين هو الله تعالى، لأنه مالك يوم الدين، وملكه، فالاسمان والوصفان مجتمعان له تعالى.
- الثالث: اختلافهما جميعا مع امتناع
стр. 316
جواز اجتماعهما فى شىء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضى التضاد، مثل: قراءة عَلِمْتَ بضم التاء للمتكلم، وقراءتها بفتحها للمخاطب، فاللفظ مختلف، والمعنى مختلف. ولا تناقض، فإن المتكلم يعلم، والمخاطب يعلم. وبيان ذلك أن قوله تعالى:
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ (الإسراء: ١٠٢) على القراءة بفتح التاء يعنى أن الله تعالى لما آتى موسى- ﵇ تسع آيات بينات، وهى اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنون، ونقص الثمرات، ومع ذلك أصر فرعون على الكفر، قال له موسى: لقد علمت يا فرعون أن هذه الآيات ما أنزلها إلا الله تعالى للعبرة، ولكنك تعاند. ففرعون هو الذى أضيف إليه العلم فى هذه القراءة.
والمعنى على القراءة بالضم أن موسى- ﵇ هو الذى أضيف إليه العلم، أضافه موسى إلى نفسه، وأخبر بعلمه بذلك، يعنى أن العالم بذلك ليس مسحورا أى مجنونا أو مخدوعا أو مغلوبا على عقله، فاختلفت القراءتان فى اللفظ وفى المعنى، ولم يمكن اجتماعهما فى شىء واحد، ومع ذلك لم يتضادا، لأنهما اجتمعا من وجه، وهو حصول العلم بالغرض من الآيات لكل من موسى ﵇، وفرعون- لعنه الله.
- وعلى هذا فليس فى شىء من القراءات تناف، ولا تضاد، ولا تناقض (٨١).
- وقد ينظر فى تنويع اختلاف القراءات- مع النظر إلى اللفظ والمعنى- إلى صورة الخط، والإثبات وعدمه، والتقديم والتأخير، فيخرج الناظر بهذه الطريقة بأنواع سبعة، وهى:
- الاختلاف فى الحركات، بلا تغير فى المعنى والصورة، مثل يَحْسَبُ (سورة الهمزة: ٣ - وجميع النظائر) بفتح السين وكسرها.
- الاختلاف فى الحركات، مع التغير فى المعنى، وعدم التغير فى الصورة، مثل فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (البقرة: ٣٧) بضم ميم (آدم) وكسر تاء (كلمات)، وبفتح الميم، وضم التاء.
- الاختلاف فى الحروف مع التغير فى المعنى لا الصورة، مثل تَبْلُوا (يونس: ٣٠)، وتتلوا.
- الاختلاف فى الحروف والتغير فى الصورة دون المعنى، مثل الصِّراطَ (الفاتحة: ٦)، و (السراط) (وإن كانت صورة
стр. 317
السين ليست فى المصاحف العثمانية فى هذا اللفظ ونحوه).
- الاختلاف فى الحروف وتغير المعنى، وتغير الصورة، مثل: أَشَدَّ مِنْكُمْ.
وأَشَدَّ مِنْهُمْ (غافر: ٢١).
- الاختلاف فى التقديم والتأخير، نحو فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (التوبة: ١١١) ببناء الأول للمعلوم والثانى للمجهول، وبتأخير المبنى للمعلوم وتقديم المبنى للمجهول.
- الاختلاف فى الإثبات، وعدمه، كإثبات واو العطف، وحذفها فى وَسارِعُوا (آل عمران: ١٣٣) (٨٢).
وكل هذه القراءات، وسائر المعمول به للعشرة على ما ذكرنا من البراءة من أى اختلاف ضارّ. وتوجيهها، وبسط معانيها مكفول فى كتب التفسير، وكتب التوجيه.
وهذا الاختلاف الثابت- بأنواعه- أشار إليه السكاكى فى خاتمة «المفتاح» إشارة العارف بما هو سائغ: مروى أنزله الله تعالى فى الأحرف السبعة ونزّه كتابه العزير عن كل شائبة.
فوائد اختلاف القراءات العشر:
للقراءات العشر أثر يظهر بفوائده الكثيرة فى مجالات عديدة، وإليك بيان ذلك:
فى العقائد وكتب علم الكلام:
- قرأ عاصم، والكسائى، ويعقوب، وخلف العاشر قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: ٤) بالألف، والباقون ملك بدون ألف (٨٣).
فأفادت كل قراءة اسما من أسمائه تعالى، مركبا إضافيا، جزؤه الثانى يَوْمِ الدِّينِ، وهذا هو مناط هذه الفائدة، وإلا ففي القرآن الكريم. مالِكَ الْمُلْكِ (آل عمران: ٢٦)، وفيه مَلِكِ النَّاسِ (الناس: ٢).
والاسمان المستفادان من القراءتين لم يذكرهما البيهقى فى كتابه «الأسماء والصفات».
- وقوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (البروج: ١٥) قرأ المجيد بالجر حمزة والكسائى وخلف- نعتا للعرش- والباقون بالرفع- نعتا لله تعالى (٨٤). ومعنى المجيد:
الرفيع العالى، والكريم (٨٥). فاستفيد من القراءتين جواز إطلاق هذا الاسم الدال على صفة الرفعة والعلو والكرم على الله تعالى، على وجه الكمال المطلق فى الصفة، وعلى العرش، لكن على وجه الكمال المحدود بحدود المخلوق.
стр. 318
وقوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (التكوير: ٢٤) قرأه بالضاد نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وروح عن يعقوب وخلف، وقرأه الباقون بالظاء (٨٦).
والمعنى على قراءة الضاد: وما هو على الغيب ببخيل بل هو معصوم من البخل بما أنزل إليه من ربه. فهذه القراءة تثبت عقيدة العصمة من الكتمان، وتثبت وجوب التبليغ، والأمانة.
والمعنى على قراءة الظاء: وما هو على الغيب بمتهم، بل هو معصوم من الوهم والخطأ والنسيان، وكل ما يسبب تهمة له فيما يبلغه من وحى الله تعالى، فهذه القراءة تثبت عقيدة العصمة فى هذا الشأن، عقيدة الصدق المطابق للحق بلا أدنى شائبة، وعقيدة الفطانة المنافية للغفلة، وما أثبتته القراءتان ثابت بأدلة كثيرة، ففائدتهما إثباته مرة أخرى، وتوكيده، اهتماما به، وتعميقا له فى نفوس المؤمنين، مع هذا الإيجاز البليغ المعجز.
- وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها (البقرة: ١٤٨) قرأها بالياء من عدا ابن عامر، وقرأه ابن عامر مولاها:
بالألف.
ومعنى القراءة الأولى أن لكل قاصد جهة يتجه إليها، ويوليها وجهه.
ومعنى القراءة الثانية أن غيره هو الذى يوجهه إليها، ويوليها وجهه.
والفاعل هنا هو الله تعالى فاعل التولية، وفاعلها فى القراءة الأولى هو العبد، فأفادت القراءتان أن الفعل الواحد يصح أن ينسب إلى الفاعل المختار- ﷻ وإلى العبد، وهو كذلك فإنه ينسب إلى الله تعالى إيجادا، وخلقا، وإلى العبد تلبسا وكسبا، أو اكتسابا، كما هى عقيدة أهل السنة والجماعة.
- وللقراءات أثر ضئيل فى كتب علم الكلام، «كشرح المواقف»، «والإنصاف» للباقلانى، «وشرح الفقه الأكبر» للقارى.
وينبغى أن يتناول علم الكلام بين دفتيه القراءات بتوسع، لوجوب احترامها، والإيمان بها حرفا حرفا، فإنها قرآن من القرآن (٨٧).
فى الأحكام الشرعية:
- قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (البقرة: ١٢٥) قراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء، وباقى العشرة بكسرها (٨٨).
والقراءة بالفتح تفيد الإخبار عن متبعى سيدنا إبراهيم ﵇ بأنهم اتخذوا من الحجر الذى تعرفه الناس اليوم مصلى يصلون عنده (٨٩) ركعتى طواف القدوم، كما هو فى شريعتنا.
стр. 319
والقراءة بالكسر تفيد الأمر بذلك (٩٠) حتى قال المالكية بوجوبهما (٩١).
- وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (البقرة: ١٩١)، قرأه حمزة والكسائى وخلف العاشر بدون ألف، أى ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم (٩٢).
وجاء فى التفسير أن معناها: ولا تبدءوهم بالقتل حتى يبدءوكم به فإن بدءوكم بالقتل فاقتلوهم (٩٣). وهذه القراءة نص فى مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل فيه (٩٤).
وقرأه الباقون بالألف (٩٥)، فيكون نهيا عن سبب القتل، فهو نهى عن القتل من باب أولى (٩٦).
- وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (البقرة: ٢٢٢) قرأه بسكون الطاء وضم الهاء حفص ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب، وقرأه بفتح الطاء والهاء مع تشديدهما الكسائى وخلف العاشر وأبو بكر شعبة: (٩٧). أفادت القراءة الأولى أن غاية الحل الطهر فلا يقربها زوجها حتى ينقطع دم الحيض، وأفادت القراءة الثانية أن الغاية التطهر فلا يقربها حتى تغتسل. قال الشوكانى: «إن الله سبحانه جعل للحل غايتين كما تقتضيه القراءتان:
إحداهما: انقطاع الدم، والأخرى: التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة، على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها. وقد دل أن الغاية الأخرى هى المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك:
فَإِذا تَطَهَّرْنَ (البقرة: ٢٢٢) فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر لا مجرد انقطاع الدم.
وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين» (٩٨).
- وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (النساء: الآية ٢٥) قرأه حمزة والكسائى وخلف وأبو بكر أُحْصِنَّ بفتح الهمزة، وفتح الصاد، وقرأه الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد (٩٩).
ومعنى القراءة الأولى: فإذا أسلمن. جاء ذلك مرويا فى التفسير، وهو قول الجمهور، وعليه فلا تحدّ المملوكة الكافرة إذا زنت- وهو قول الشافعى- ولكن تضرب تأديبا.
ومعنى القراءة الثانية: فإذا أحصنهنّ أزواجهن فعليهن نصف ما على المحصنات- بمعنى المسلمات غير المتزوجات- من العذاب أى الحد، والنصف خمسون جلدة.
стр. 320
والإحصان يفسر فى كل موضع بما يناسبه، وهذا الحكم لا يلغى الحكم المستفاد من القراءة الأولى وإنما يبيّن أن الأمة المسلمة التى تحدّ وإن لم تتزوج كما هو مقتضى القراءة الأولى تحد نفس الحدّ إذا تزوجت، وهو خمسون جلدة، ولا يزيدها الزواج وإن كان يزيد الحرة، فإن الحرة المسلمة التى لم تتزوج تجلد مائة جلدة (١٠٠)، والتى
تزوجت ترجم. فأفادت القراءة الأولى الحكم المذكور، وأفادت القراءة الثانية أنه هو هو فى صورة فيها زيادة وصف قد يظنّ منه أنه يفيد حكما زائدا.
- وقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (النساء: ٤٣) قرأه هكذا بالألف من عدا حمزة وخلفا العاشر والكسائى، وقرأه هؤلاء الثلاثة بدونها (١٠١). والقراءة الأولى تفيد حكم الجماع، لأن الملامسة هى الجماع، والقراءة الثانية تفيد حكم التقاء بشرة الرجل ببشرة المرأة، لأن اللمس هو الجس باليد، لكن توسع فيه فليس قاصرا على خصوص اليد. فمن لم يجد الماء وقد أصابه الحدث الأكبر بالملامسة، أو الأصغر باللمس، أجزأه التيمم، فأفادت كل قراءة حكما شرعيا (١٠٢).
وقال بعض العلماء: إن اللمس لا يختصّ بالجماع فتكون الملامسة كذلك لتتفق القراءتان، فتحمل الملامسة على الأعم، ويكون أولى، لأن قراءة اللمس تدل عليه بخلاف حملها على الأخص، وهو الإجماع، فليس له قراءة أخرى تؤيده (١٠٣). فنراه نزّل قراءة الألف على قراءة ترك الألف، وبيّن أن أثر القراءة بالألف هذا الحكم الفقهى حكم الجس باليد ونحوه، وأن أثر القراءة الثانية هو تأييد ذلك الحكم.
- وقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (المائدة: ٦) قرأه نافع وابن عامر والكسائى ويعقوب وحفص بنصب الأرجل، وقرأه الباقون بالخفض (١٠٤). وقراءة النصب ظاهرة فى الغسل لأن الأرجل حينئذ عطف على المغسول فى الآية فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، وقراءة الخفض ظاهرة، فى المسح؛ لأن الأرجل حينئذ عطف على الممسوح فى الآية:
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وظهور كل منهما فيما دلت عليه متساو، مما جعل الطبرى وداود يذهبان إلى أن الحكم من الواجب المخير، فيغسل أو يمسح، كالتخيير فى كفارة اليمين بين الإطعام والكسوة وعتق رقبة (١٠٥).
وذهب بعض العلماء إلى أن الحكم المستفاد