ـ[الموسوعة القرآنية المتخصصة]ـ
المؤلف: مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر
الناشر: وزارة الاوقاف، القاهرة - مصر
عام النشر: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
- أ -
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أ. د. محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف
فى إطار مشروع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لإصدار موسوعات إسلامية متخصصة في مجالات الفكر الإسلامى المتنوعة، قدم المجلس منذ عام مضى المجلد التمهيدى الأول بعنوان: (الموسوعة الإسلامية العامة). والمشروع- كما بينا في مقدمة المجلد المشار إليه- مشروع طموح يشتمل على ستة عشر مجلدا تغطى جميع مجالات الفكر الإسلامي.
واليوم يسعدنا أن نقدم للقارئ الكريم مجلدا آخر من هذه السلسلة بعنوان: (الموسوعة القرآنية المتخصصة) يشتمل على خمسة عشر مدخلا، وتحت كل منها العديد من الموضوعات التى شملت كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، ليس فقط ما يتصل منها بعلوم القرآن التى أخذت حيزا كبيرا في هذا المجلد، وإنما امتد البحث إلى موضوعات أخرى مثل: الإنسان فى القرآن، والسنن الإلهية فى القرآن، والمبادئ العامة والقيم فى القرآن، والإعجاز العلمى والبياني، وغير ذلك من موضوعات لا يجدها القارئ إلا فى العديد من المراجع المختلفة المتخصصة.
ولكننا أردنا أن نجمع كل ذلك فى مجلد واحد تيسيرا على الباحثين والمهتمين بالتعرف على كل ما يتعلق بالقرآن الكريم. وقد
стр. 3
- ب -
اشترك فى كتابه مواد هذه الموسوعة صفوة مختارة من الأساتذة والعلماء المتخصصين، كل فى مجاله، ممن أمضوا الشطر الأكبر من حياتهم فى خدمة القرآن الكريم وعلومه.
وحقيقة الأمر أن القرآن كان ولا يزال، وسيظل إلى آخر الزمان نبعا فياضا لشتى العلوم الدينية والدنيوية، لا ينقطع مدده، ولا يتوقف عطاؤه، ولا تنقضى عجائبه، ويكشف لكل من يتعمق فى بحثه، ويتوفر على دراسته بإخلاص وتجرد الأسرار تلو الأسرار. ومن هنا كانت عناية المسلمين به على مر الزمان عناية لم يحظ بها كتاب سماوى آخر فى أى دين من الأديان. ولا عجب فى ذلك، فقد تكفل الله- بحفظه حين قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
ومن أجل ذلك ظل النص القرآنى منذ نزل بعيدا عن التحريف مبرأ من التبديل والتغيير. ويجد المرء النص القرآنى ذاته دون تغيير حرف أو حركة لدى جميع الفرق الإسلامية مهما تباعدت مسافات الخلاف بينها. فهذه الفرق قد تختلف ربما فى كل شىء إلا فى الإجماع على النص القرآنى الذى يجده الإنسان كما هو حتى لدى الفرق المنشقة.
وقد أردنا، فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بهذا المجلد ألّا نحرم من شرف خدمة القرآن الكريم فكانت هذه الموسوعة التى تقدم خدمة علمية جليلة للباحثين والمتخصصين يجدون فيها ضالتهم، كما يجد فيها القارئ غير المتخصص المعلومات التى تزيده معرفة بالقرآن الكريم.
وإذا كنا، فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، نشعر بسعادة غامرة للتوفيق الربانى الذى صاحب إعداد هذه الموسوعة والذى تم
стр. 4
- جـ -
فى يسر وسهولة، فإننا نود أن نقدم خالص الشكر والتقدير للأساتذة الذين قدموا لنا فى هذه الموسوعة القرآنية خلاصة فكرهم، وما أفاء الله به عليهم من علم خدمة للقرآن الكريم، وخدمة لكل من يريد التعرف على شىء يتعلق بهذا القرآن العظيم.
ولا يفوتنا أن نقدم خالص الشكر أيضا للعديد ممن أسهموا إسهاما بارزا فى إخراج هذا المجلد، ونخص بالذكر الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق، والأخ الكريم الأستاذ الدكتور على جمعة محمد الذى قام بمهمة الإعداد والتحرير، والأستاذ أبو سليمان صالح الذى أشرف على طباعة هذه الموسوعة، ولكثيرين غيرهم ممن أسهموا بشكل أو بآخر فى العمل على إخراج هذا المجلد، فلهم جميعا منا كل الشكر والتقدير، ومن الله الأجر والثواب الجزيل.
وبالله التوفيق .. ،،
стр. 5
- هـ -
كلمة التحرير
هذه هى الموسوعة القرآنية المتخصصة، وهى الكتاب الثانى بعد المجلد التمهيدى الذى صدر تحت عنوان (الموسوعة الإسلامية العامة)، وبذلك يعد أول الموسوعات المتخصصة، والتى ستصدر تباعا إن شاء الله تعالى، وفى هذا المجلد سيجد القارئ الكريم أننا عالجنا فى صورة مقالات مطولة مستفيضة خمسة عشر موضوعا تتعلق كلها بالقرآن الكريم بدأناها بالوحى، ثم أسباب النزول، ثم المبادئ العامة والقيم فى القرآن الكريم، ثم القرآن وما يكتب فيه، ثم السور القرآنية، ثم التفسير والمفسرون ثم القراءات والقراء، ثم علم التجويد، ثم بلاغة القرآن، ثم علوم القرآن، ثم الإعجاز البيانى، ثم الإعجاز المعاصر، ثم الإعجاز العلمى، ثم مفردات قرآنية، ثم الإنسان فى القرآن، ثم السنن الإلهية فى القرآن، ثم ترجمة معانى القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى غير العربية، وقام أساتذة كرام من كبار العلماء بكتابة هذه الموضوعات، وفى نهاية الموسوعة كتبنا فهرسا بالمحتويات، ثم فهرسا هجائيا بمفردات ما ورد فى الموسوعة من مواد، يستطيع القارئ بيسر مراجعة أى موضوع يريده بالبحث فى هذا الفهرس التفصيلى، كما أنه يستطيع أن يراجع أى مقالة بحالها، وهذه الموسوعة تغيّت جمهور خطابها فى المثقفين الذين يريدون أن ينهلوا المعرفة الدقيقة الصافية مع الإحالة إلى المراجع الموثقة بشأن كل جزئية من الجزئيات.
والله نسأل أن ينفع بها وأن يجعلها تسد حاجة طال انتظارها.
أ. د. على جمعة محمد
стр. 6
- و -
السادة العلماء المشاركون فى تحرير الموسوعة (١)
١ - أ. د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة. أستاذ بجامعة الأزهر
٢ - أ. د. أحمد فؤاد باشا. نائب رئيس جامعة القاهرة
٣ - أ. د. جمال مصطفى المجار. أستاذ بجامعة الأزهر
٤ - أ. د. جودة محمد أبو اليزيد المهدى. أستاذ بجامعة الأزهر
٥ - أ. د. السيد إسماعيل على سليمان. أستاذ بجامعة الأزهر
٦ - أ. د. عبد الحى الفرماوى. أستاذ بجامعة الأزهر
٧ - أ. د. عبد السميع هاشم. أستاذ بجامعة الأزهر
٨ - أ. د. عبد العظيم المطعنى. أستاذ بجامعة الأزهر
٩ - أ. د. عبد الغفور محمود مصطفى. أستاذ بجامعة الأزهر
١٠ - أ. د. على جمعة محمد. أستاذ بجامعة الأزهر
١١ - أ. د. محمد بكر إسماعيل. أستاذ بجامعة الأزهر
١٢ - أ. د. محمد رجب البيومى. أستاذ بجامعة الأزهر
١٣ - أ. د. محمد السيد جبريل. أستاذ بجامعة الأزهر
١٤ - أ. د. مصطفى الشكعة. أستاذ بجامعة عين شمس
الإعداد والتحرير:
أ. د. على جمعة محمد
الإشراف الفنى:
أ. أبو سليمان محمد صالح
стр. 7
الوحى
الإيمان بالوحى الإلهى ضرورة حتمية للإيمان بالقرآن وبالرسالة؛ لأن الوحى هو وسيلة إنزال القرآن على قلب النبى ﷺ كما صرح بذلك فى قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (١) ومن ثم كانت قضية الوحى بأبعادها المختلفة لها عظيم الأهمية فى مجال البحث القرآنى مما يستلزم إلقاء الضوء عليها وإزالة اللبس المكتنف لها.
ويعرّف الوحى لغة: بأنه الإعلام فى خفاء، وأصله كما قال الراغب: الإشارة السريعة. ومجمع القول فى معناه اللغوى: أنه الإعلام الخفى السريع الخاص بمن يوجّه إليه بحيث يخفى على غيره (٢). ويتفرع عن هذا المدلول اللغوى عدة معان للوحى كالإشارة والكتاب والرسالة والأمر والتفهيم (٣).
أما الوحى بمعناه الشرعى: فهو إعلام الله تعالى لنبىّ من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه بطريقة خفية غير معتادة للبشر (٤).
وللوحى إطلاقات عديدة ورد بها فى القرآن الكريم مفرعة عن المدلول اللغوى الأصلى لمادة «الوحى» و «الإيحاء»:
فمن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى الإلهام الفطرى للإنسان كما فى قوله تعالى:
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ (٥) وقوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (٦).
ومن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى الإلهام الغريزى للحيوان؛ كما فى قوله تعالى:
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٧).
ومن ذلك: إطلاق الوحى مرادا به الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء كما فى قوله تعالى فى حق نبى الله زكريا- ﵇: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٨).
ومن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى وسوسة الشيطان وتزيينه الشر للإنسان؛ كما فى قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
стр. 8
لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٩).
وبنفس المعنى يأتى التعبير بالوحى لدلالة وسوسة شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض الجن إلى بعض، أو بعض الإنس إلى بعض، كما فى قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٠)(١١).
وكذلك ورد الوحى- فى التنزيل- بمعنى الإلهام أو الرؤيا المنامية، كما فى قوله تعالى:
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ (١٢)(١٣).
كما جاء إطلاق الوحى- فى التنزيل.
بمعنى الأمر والتعليم، كما فى قوله تعالى:
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا (١٤)(١٥).
وجاء إطلاق الوحى مرادا به إلقاء الله إلى الملائكة من أمره، وإجراء له مجرى القول، وذلك فى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (١٦)(١٧).
ثم لقد جاء إطلاق الوحى بمعناه الشرعى إلى النبى ﷺ وإلى غيره من الأنبياء فى آيات عديدة كما فى قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٨).
كما جاء إطلاق الوحى إلى جميع الرسل السابقين فى قوله عز شأنه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (١٩).
****** ونتوقف عند وحى الله تعالى إلى الملائكة لنتعرف حقيقته:
فقد جاء وحى الله إلى الملائكة فى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (٢٠).
كما صرح القرآن العزيز بأنه تعالى يوحى إلى ملك الوحى ما يوحيه الملك إلى الرسول ﷺ ، وذلك فى قوله سبحانه: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (٢١) أى: أوحى الله تعالى إلى عبده جبريل- ﵇ ما أوحاه جبريل إلى نبيّه سيدنا محمد ﷺ (٢٢).
* ولأن وحى الله تعالى إلى ملائكته من الأمور الغيبية التى لا نعلم كيفيتها إلا
стр. 9
بالتوقيف والنقل عن صحيح السنة ومقبولها، فإننا نعمد إلى ما روى من السنة الصحيحة فى هذا الصدد:
فيروى البخارى عن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- أنه قال: «إذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات شيئا، فإذا فزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق» (٢٣). ولا مرية فى أن أهل السماوات هم الملائكة.
كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبى معاوية أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله- إذا تكلم بالوحى سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزّع عن قلوبهم.
قال: ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟
قال: فيقول: الحق. قال فينادون: الحقّ، الحقّ» (٢٤).
هذا مع الأخذ فى الاعتبار أن الملائكة ذواتهم نورانية علوية، ويعتريهم من أثر الوحى هذا الصعق، كما يعترى السماء ذاتها تلك الصلصلة، ولا عجب فإنه تجلى الحق تعالى بصفة الكلام القديم وأنّى للمحدثات بالصمود لسطوتها!! إنهم من فزعهم يحسبون أن الساعة قد حان مرساها.
فقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود مرفوعا: «إذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيفزعون، ويرون أنه من أمر الساعة» (٢٥)!!
وسيأتى مزيد تبيان لتلقى الملك الوحى سماعا من الله تعالى فى تناولنا للوحى القرآنى خلال هذا البحث بإذن الله تعالى.
****** أنواع الوحى ومراتبه:
فنجد الأصل فى معرفة ذلك- قرآنيا- قوله تعالى شأنه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٢٦). فقد استنبط أساطين المفسرين منها جملة أنواع للوحى الإلهى إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر:
النوع الأول: ما كان الوحى فيه إلقاء فى القلب مناما، وهو ما يعرف بوحى الرؤيا الصادقة، كرؤيا خليل الرحمن- ﵇ التى قصّها القرآن فى قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (٢٧).
وكرؤيا النبى ﷺ أنه يدخل المسجد
стр. 10
الحرام، حيث قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٢٨).
النوع الثانى: ما كان الوحى فيه إلقاء فى القلب يقظة، بالإلهام الذى يقذفه الله تعالى فى قلب مصطفاه، على وجه من العلم الضرورى الذى لا يستطيع له دفعا ولا يجد فيه شكا ولا إشكالا، ومن هذا النوع: ما رواه أبو نعيم عن أبى أمامة والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبى ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث فى روعى: أنه لن
تموت نفس حتى تستوفى رزقها» (٢٩).
النوع الثالث: ما كان الإيحاء فيه يقظة من غير طريق الإلهام. وذلك كإيحاء الزبور لنبى الله داود- ﵇ فقد روى عن مجاهد ﵁ أن الزبور أوحى إليه فى صدره إلقاء فى اليقظة وليس بإلهام، والفرق فى ذلك: أن الإلهام لا يستدعى صورة كلام نفسى حتما فقد وقد، وأما اللفظى: فلا.
وأما إيحاء الزبور فإنه يستدعيه (٣٠).
النوع الرابع: ما كان الوحى فيه بالتكليم مشافهة ومكافحة عيانا بغير حجاب ولا واسطة، كما وقع لنبينا ﷺ ليلة المعراج، فقد استشهد الأئمة من المفسرين لرؤية النبى ﷺ ربه عند تفسير قوله تعالى:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (٣١) بما فى حديث أنس عند البخارى من قوله: « ... ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة .... ». (٣٢)
ومناط هذا الاستدلال: إرجاع الضمائر فى:
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى وكذا الضمير المنصوب فى وَلَقَدْ رَآهُ لله تعالى، ومن ثم يتقرر ثبوت الوحى المباشر مع الرؤية عيانا وهو أرفع أنواع الوحى.
النوع الخامس: ما كان الوحى فيه من وراء حجاب، بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بأن يسمع كلاما من الله من غير رؤية السامع من يكلمه، كما سمع سيدنا موسى- ﵇ من الشجرة، ومن الفضاء فى جبل الطور، قال تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٣) وليس المراد بالحجاب فى قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ: حجاب الله تعالى عن عبده حسّا، إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات الأقدس بلا واسطة (٣٤).
النوع السادس: هو ما كان الوحى فيه
стр. 11
بواسطة ملك يرسله الله تعالى إلى مصطفاه من البشر، وهذا النوع هو المعروف بالوحى الجلىّ، وهو المذكور فى قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.
هذا: ووجه انحصار هذه الأنواع الستة فى الأقسام الثلاثة المذكورة فى الآية الكريمة- التى صدرنا بها هذا المبحث- أن القسم الأول- المستنبط من قوله سبحانه: إِلَّا وَحْياً ينتظم الأنواع الأربعة الأولى، وهى:
الوحى المنامى، والإلهامى- بالنفث فى الروع-، والإلقائى فى الصدر بصورة الكلام النفسى، والتكليم مشافهة مع الرؤية.
والقسم الثانى: المذكور فى قوله تعالى:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ يختص بالنوع الخامس. وكذلك القسم الثالث- المأخوذ من قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يختص بالنوع السادس الأخير.
* تلك هى الأنواع الرئيسية للوحى، على أن الإمام الحليمى قد ذكر أن الوحى كان يأتى النبى ﷺ على ستة وأربعين نوعا، فذكرها، وغالبها من صفات حامل الوحى، ومجموعها يدخل فيما ذكر (٣٥).
* وبناء على ما تقدم، فإن مراتب الوحى يمكن أن تصنّف باعتبارين:
فباعتبار المشافهة والتلقى من المصدر دون حجاب أو واسطة يكون ترتيب الأقسام فى الآية الكريمة أولوية، حيث ذكر أولا: الكلام بلا واسطة بل مشافهة، ويندرج تحته- أولويا-: النوع الرابع- فى تصنيفنا الآنف- ثم النوع الثالث، ثم النوع الثانى، ثم الأول.
ثم ذكر ما كان بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بل من وراء الغيب، وهو النوع الخامس. ثم ذكر ثالثا: الكلام بواسطة الإرسال.
وأما بالاعتبار الثانى- وهو باعتبار الجلاء والخفاء- فإن النوع السادس هاهنا وهو المصطلح على تسميته ب (الوحى الجلى) له الصدارة، إذ هو أشهر الأنواع وأكثرها.
ولذلك كان وحى القرآن الكريم جلّه- على المعتمد الراجح- من هذا النوع. ووجه تفضيله: أنه مخصوص بالأنبياء- ﵈ وليس لأنه أشرف من وحى المشافهة.
ثم يليه الوحى فى اليقظة بدون حجاب سواء كان إيحاء مع استدعاء صورة الكلام النفسى، أم إلهاما بالنفث فى الروع، ثم الإلقاء المنامى فى القلب- الذى أخرج فيه الشيخان- عن النبى ﷺ : «رؤيا الأنبياء وحى» (٣٦). ثم التكليم من وراء حجاب.
стр. 12
صور الوحى إلى النبى ﷺ وكيفياته:
فنجد العلماء قد ذكروا له تسع صور تجسد كيفياته وصفاته:
فالصورة الأولى: أن يأتى ملك الوحى إلى النبى ﷺ فى مثل صلصلة الجرس، فقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن السيدة عائشة- رضى الله تعالى عنها- أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟
فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس- وهو أشده علىّ- فيفصم عنى وقد وعيت ما قال .. ». (٣٧)
لقد شبّه النبى ﷺ صوت الملك لدى مجيئه بالوحى بصوت صلصلة الجرس.
والصلصلة فى الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك لا يدرك فى أول وهلة، ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
والجرس- بفتح الراء- مشتق من الجرس- بسكون الراء- وهو الحسّ، ويطلق على ناقوس صغير أو سطل فى داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحدثت الصلصلة (٣٨).
وقال بعض العلماء: إن الصلصلة صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة فى تقدمه للوحى أن يقرع سمعه ﷺ الوحى فلا يبقى مكان لغيره، ولما كان الجرس لا يحصل صلصلة إلا متداركة، وقع التشبيه به دون غيره من الآلات.
فإن الكلام العظيم له مقدمات تأذن بتعظيمه للاهتمام به، وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع (٣٩).
كذلك أخرج الإمام أحمد فى مسنده عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- أنه قال: سألت النبى ﷺ : هل تحس بالوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم.
أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تفيض» (٤٠). وهذا الحديث يفسر قوله ﷺ فى حديث البخارى المتقدم- عن هذه الكيفية للوحى: «وهو أشده علىّ»!!
ومع هذه الحالة المذكورة يكون النفث من الملك فى روع النبى ﷺ كما تقدم، إذ يقول الحافظ ابن حجر: (وأما النفث فى الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين- أى الصلصلة والتمثل رجلا- فإذا أتاه الملك فى مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ فى روعه) (٤١). وظاهر ذلك خفاء ذات الملك لدى الصلصلة.
стр. 13
وأما الصورة الثانية للوحى: فهى أن يأتى الملك للنبى ﷺ فى صورة رجل، فيكلمه بالوحى، كما قال النبى ﷺ فى تتمة حديث البخارى الذى أوردنا صدره فى بيان الصورة الأولى-: «وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى، فأعي ما يقول» ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقا!!. وقد زاد أبو عوانة فى صحيحه: «وهو أهونه علىّ». كما ذكر فى «الإتقان».
وفى توضيح تمثّل الملك النبى ﷺ رجلا.
قال إمام الحرمين: معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى:
إن ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتى هو جبريل بشكله الأصلى، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك: عاد إلى هيئته.
ثم قال الحافظ ابن حجر معقّبا: والحق أن تمثيل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا:
أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائى فقط. والله أعلم (٤٢).
ونستحضر هنا: أن النفث فى الروع يحتمل أن يكون مع هذه الحالة أيضا كما تقدم.
والصورة الثالثة: هى المقابلة للثانية- وهى أن ينخلع النبى ﷺ عن صورته البشرية، ويدخل فى الصورة الملكية بتمكين الله- تعالى- له ذلك، ويتلقى الوحى من الملك. وهذه- كما ذكر العلماء- أصعب الحالتين (٤٣).
ثم الصورة الرابعة: أن يوحي رب العزة إلى النبى ﷺ فى المنام بلا واسطة، كما جاء فى سنن الترمذي مرفوعا: «أتانى الليلة ربى ﵎ فى أحسن صورة فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .... » (٤٤) الحديث.
ومما يجب التنبيه إليه هنا أن الحق- تعالى- منزه عن الصورة الحسية، فإذا رئى- سبحانه- على وصف يتعالى عنه كان لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما نقل الحافظ ابن حجر عن الواسطى: أن من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأى، وغير ذلك (٤٥).
والصورة الخامسة: أن يأتى ملك الوحى جبريل إلى النبى ﷺ فى النوم فيوحى إليه بما أمره الله تعالى به. وقد عدّ بعض العلماء من هذا القبيل سورة (الكوثر)، بيد أن التحقيق أنها نزلت فى اليقظة (٤٦)، كما سيأتى فى تناول الوحى القرآنى فى محله.
والصورة السادسة: أن يأتى الملك
стр. 14
جبريل- ﵇ إلى النبى ﷺ يقظة على صورته الأصلية تماما بلا تمثل ولا تغير بانضمام ونحوه، فيراه بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، ويوحى إليه على تلك الهيئة الملكية الأصلية كما نقله الإمام العينى عن السهيلى فى بيان صورة الوحى من (عمدة القارى) (٤٧).
ويؤيده ما رواه الإمام مسلم عن السيدة عائشة- رضى الله عنها- مرفوعا: «لم أره- يعنى جبريل- على الصورة التى خلق عليها إلا مرتين .. ». وفى رواية الترمذى عن السيدة عائشة: «لم ير محمد جبريل فى صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد». كما نقل الحافظ ابن حجر عن سيرة (سليمان التيمى): «أن جبريل أتى النبى ﷺ فى حراء، وأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثم انصرف، فبقى مترددا، فأتاه من أمامه فى صورته فرأى أمرا عظيما» (٤٨)!!
ثم الصورة السابعة: هى وحى الملك إسرافيل إلى النبى ﷺ فقد جاء فى «مسند أحمد» - بإسناد صحيح- عن الشعبى: «أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل- ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته
جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة ... » (٤٩)
وقد نقل الإمام السيوطى- عقب هذه الرواية- قول ابن عساكر: والحكمة فى توكيل إسرافيل: أنه الموكل بالصور الذى فيه هلاك الخلق وقيام الساعة، ونبوته ﷺ مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحى (٥٠).
والصورة الثامنة للوحى: أن يكلم الله تعالى رسوله ﷺ فى اليقظة كفاحا بلا واسطة ويسمعه كلامه، كما حدث فى ليلة الإسراء والمعراج حيث أوحى إلى الرسول ﷺ خواتيم سورة البقرة، وقد استدل الإمام السيوطى لذلك بما أخرجه الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال:
«لما أسرى برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى ... ». إلى أن قال: «فأعطى رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا «المقحمات» أى: الكبائر التى تقحم أهلها فى النار» (٥١).
ثم الصورة التاسعة: هى النفث فى الرّوع، بأن ينفث فى روع النبى ﷺ الكلام نفثا، أى ينفخ فى قلبه الوحى كما قال ﷺ :
«إن روح القدس نفث فى روعى ... ». وقد مرّ بتخريجه متفرعا عن النوع الثانى من أنواع الوحى وهو الإلقاء الإلهامى فى اليقظة.
ومن ثم: كانت الكيفيات والصور الوصفية
стр. 15
أخص من الأنواع لا مطابقة لها. وقد عده الإمام السيوطى فى كيفيات الوحى- وكذا الحافظ فى «الفتح» عدّه فى فنون الوحى الذى يأتى بحامل، وذكرا أنه يحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين (أى الصلصلة وتمثل الملك رجلا). ولا يخفى أن التعبير بالاحتمال ونحوه لا يحصل النفث فيهما، بل يحتمل أن يكون فى حالة ثالثة مغايرة للحالتين.
وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن للوحى حالات مغايرة لها، وهى: إما من صفة الوحى، كمجيئه كدويّ النحل، والنفث فى الروع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من صفة حامل الوحى كمجيئه فى صورته التى خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسى بين السماء والأرض، وقد سدّ الأفق. (٥٢)
الوحى القرآنى:
أما عن (الوحى القرآنى) بخصوصه، فإن له خصائص فى نوعيته وكيفية تلقيه والحالة التى يتنزل بها على النبى ﷺ .
فالخصيصة الأولى: أن جميع القرآن قد تلقاه النبى ﷺ فى اليقظة، ولم يكن شىء منه فى المنام- على وجه الاستقلال- على القول الراجح والمعتمد لدى أساطين علماء التنزيل.
ولئن ذهب قوم إلى أن بعض الوحى القرآنى كان مناميا احتجاجا بما رواه مسلم عن سيدنا أنس أنه قال: «بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
فقال: أنزل علىّ آنفا سورة، فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)».
فإن هذا مردود عليه: بما نقله الإمام السيوطى (٥٣) عن الإمام الرافعى فى «أماليه» إذ قال: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت فى تلك الإغفاءة، وقالوا: من الوحى ما كان يأتيه فى النوم؛ لأن رؤيا الأنبياء وحى.
قال: وهذا (أى أن رؤيا الأنبياء وحى) صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل فى اليقظة، وكأنه خطر له فى النوم سورة الكوثر المنزلة فى اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذى نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسّرها لهم.
ثم قال: وورد فى بعض الروايات أنه أغمى عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحى، ويقال لها برحاء الوحى. انتهى.
(ثم عقّب الإمام السيوطى بقوله): قلت:
الذى قاله الرافعى فى غاية الاتجاه، وهو الذى كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه،
стр. 16
والتأويل الأخير أصح من الأول؛ لأن قوله:
«أنزل علىّ آنفا». يدفع كونها نزلت قبل ذلك.
بل نقول: نزلت تلك الحالة، وليس الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التى كانت تعتريه عند الوحى، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا (٥٣). وكذلك قال الإمام السيوطى عند ذكر الوحى المنامى: (وليس فى القرآن من هذا النوع شىء فيما أعلم) (٥٤).
ومن ثم: يترجح أن القرآن الكريم قد نزل كله على النبى ﷺ فى حالة اليقظة ولم يكن شىء من الوحى القرآنى مناما.
والخصيصة الثانية: أن القرآن الكريم كله من قبيل ما اصطلح عليه علماء التنزيل ب (الوحى الجلى)، فكما أنه لم يقع شىء من الوحى القرآنى مناما كذلك لم يكن شىء منه من قبيل الإلقاء الإلهامى الذى يقذف فى القلب، مع أنه يكون على وجه من العلم الضرورى الذى لا يداخله الشك أو الاشتباه، ولكن الحق- تعالى- جعله من قبيل التكليم الظاهر؛ للمبالغة فى توثيقه على أكمل وجه وأوضحه (٥٥).
ولسنا- من هذا المنطلق- مع قول من زعم أن الوحى القرآنى لم يكن شىء منه من قبيل التكليم الشفاهى من الحق- تعالى- لرسوله ﷺ كفاحا من غير حجاب ولا واسطة ملك، فقد ذكر الإمام السيوطى أن الآيتين من آخر سورة البقرة نزلتا ليلة المعراج، كما عدّ من هذا النوع أيضا: بعض سورة (الضحى)، وأَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؛ واستدل بحديث ابن مسعود- الذى أوردناه فى الصورة الثامنة للوحى، وبما أخرجه ابن أبى حاتم من حديث عدى بن ثابت عن النبى ﷺ أنه قال:
«سألت ربى مسألة؛ وددت أنى لم أكن سألته؛ قلت: أى ربّ، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلّمت موسى تكليما؟ فقال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويت؟ وضالا فهديت؟ وعائلا فأغنيت؟ وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معى؟» (٥٦).
كما نقل عن الهذلى أنه قال فى «الكامل»:
«نزلت آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخرها بقاب قوسين» (٥٧)!!
وقد قدّمنا أن هذا النوع هو أشرف أنواع الوحى، فلا غرو أن يكون للوحى القرآنى منه حظ معلوم.
بيد أن فريقا من العلماء قد قرر- بعد التسليم بهذا الوحى القرآنى الشفاهى لما مر من الأدلة- أنه يجوز أن يكون جبريل ﵇ قد نزل بهذه الآيات التى أوحى بها مشافهة مرة أخرى على سبيل التأكيد والتقرير، فتكون مما تكرر نزوله، ومن ثم تتقرر:
стр. 17
الخصيصة الثالثة للوحى القرآنى:
وهى أن الله تعالى قد وكل به جميعه أمين الوحى جبريل- ﵇ خاصة دون ملك سواه، لقوله تعالى شأنه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٥٨).
فالروح الأمين هو سيدنا جبريل- ﵇ بإجماع المفسرين، وقد سماه الله تعالى روحا لأنه جسم لطيف روحانى خلق من الرّوح، أو لأنه روح كله لا كالناس الذين فى أبدانهم روح، أو لأنه لمجيئه بالوحى والدين بمثابة الروح الذى تثبت معه الحياة (٥٩).
وقد نعت بالأمين: لأنه الحفيظ المؤتمن على وحى الله، ومبلغه لأنبيائه.
كذلك سماه الله تعالى (روح القدس) فى قوله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا (٦٠).
وذلك لأنه الروح المطهرة من أدناس البشرية، فالقدس: هو الطهر والنقاء، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وقد نقل عن النحاس أن القدس: هو الله تعالى، والمعنى: أن جبريل روح الله تعالى- والإضافة للملكية- لأنه كان بتكوين الله تعالى له من غير ولادة (٦١)، وفى كل هاتيك المعانى كان لجبريل مزيد اختصاص بها من بين سائر الملائكة، إذ هو منهم كالرسول ﷺ من أفراد أمته، ولذلك اختاره الله- سبحانه- لأشرف المهام، فوكله بالكتب والوحى إلى الأنبياء، وبالنصر عند الحروب، وبالمهلكات إذا أراد أن يهلك قوما، وقد أخرج ابن أبى حاتم عن عطاء: «أول ما يحاسب جبريل؛ لأنه كان أمين الله على رسله» (٦٢).
* وإذا ما تساءلنا عن كيفية تلقى الأمين جبريل- ﵇ وحى القرآن من الله تعالى، وهل تلقاه مباشرة أو بواسطة؟ فإننا نجد للعلماء أقوالا أربعة فى هذا الصدد:
أولها: أن جبريل- ﵇ قد تلقف التنزيل من الله تعالى تلقفا روحانيا، قال بذلك العلامة الطيبى، والقطب الرازى فى حواشيه على «الكشاف»، حيث قال:
(والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفا روحانيا .... ) (٦٣).
وثانيها: أن جبريل- ﵇ قد أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به على النبى ﷺ . وهذا هو المعنى الثانى لإنزال الكتب على الرسل، حيث قال الطيبى: (لعل نزول القرآن على الملك: أن يتلقفه تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به على النبى ﷺ فيلقيه إليه) (٦٤).
стр. 18
وثالثها: ما نقل عن الماوردى من أن الحفظة نجّمت القرآن على جبريل فى عشرين ليلة، وأن جبريل نجّمه على النبى ﷺ فى عشرين سنة (٦٥).
ورابعها: أن جبريل- ﵇ قد أخذ القرآن عن الله تعالى سماعا، فقد قال البيهقى فى معنى قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (يريد والله أعلم: إنا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع ... ) (٦٦).
وقد رجح الحافظ السيوطى هذا القول الأخير بقوله: (ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى: ما أخرجه الطبرانى- من حديث النواس بن سمعان مرفوعا- «إذا تكلم الله بالوحى أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجّدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهى به على الملائكة، فكلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهى به حيث أمر» (٦٧).
ولا شك أن هذا القول أحرى بالقبول، لقوة دليله من جهة، ولاقتضائه عدم الوساطة بين الله تعالى وبين جبريل فى التلقى من جهة أخرى، والتحرّز به من دعوى إنزال معناه دون لفظه بما تقضى إليه من موهمات من جهة ثالثة.
* فلقد رصد الإمام السيوطى لعلماء التنزيل فى بيان ما نزل به جبريل على النبى ﷺ من الوحى القرآنى ثلاثة أقوال؛ نثبتها بمزيد تبيان وتحليل على النحو التالى:
القول الأول: أنه نزل بلفظ القرآن ومعناه، حيث إنه من المرجح أن جبريل قد تلقف القرآن سماعا من الله تعالى، وتكليما نفسيا بالصفة القديمة مع إلهامه بالألفاظ الدالة على المعانى القائمة بذاته تعالى، كما هو محصل تقريرى الأصفهانى- فى مقدمة تفسيره- والقطب الرازى.
أو أن جبريل- ﵇ قد حفظ القرآن- بلفظه ومعناه- من اللوح المحفوظ، الذى أوجد الله تعالى فيه الكلمات والحروف الدالة على معنى القرآن القائم بذات الله ﵎، فنزل به لفظا ومعنى على النبى ﷺ (٦٨).
والقول الثانى: أن جبريل- ﵇ قد ألقى إليه المعنى فقط، وأنه عبر عنها بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك على النبى صلوات الله وسلامه عليه. ولم يثبت لأصحاب هذا الزعم الفاسد دليل عليه!!
والقول الثالث: أن جبريل قد نزل على النبى ﷺ بالمعانى خاصة، وأنه ﷺ علم تلك المعانى وعبر عنها بلغة العرب!!
стр. 19
وقد استدل الذاهبون إلى هذا الرأى المتهافت بظاهر قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ (٦٩). حيث إن تخصيص النزول بالقلب- على أن المراد به العضو المخصوص- موجه بأن المعانى الروحية تنزل على الروح ثم تنتقل به إلى القلب، لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة.
بيد أن هذا خلاف القول الصحيح عند المفسرين والمحدثين، الذين وجّهوا لتخصيص القلب بالنزول: بأنه المدرك والمكلف دون سائر الجسد، وهو المخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز.
وقد يقال: إنه لما كان له ﷺ جهتان: جهة ملكية يستفيض بها، وجهة بشرية يفيض بها، جعل الإنزال على روحه ﷺ المعبر عنها بالقلب، حيث قال الراغب: إنها أحد إطلاقاته؛ لأنها المتصفة بالصفات الملكية التى يفيض بها من الروح الأمين. وقد أشار إلى ذلك تعبير القرآن ب (على قلبك) دون (عليك).
وكذلك وجّه تخصيص الإنزال بالقلب؛ بأنه إشارة إلى كمال تعلقه ﷺ وفهمه ذلك المنزل، حيث لم تعتبر واسطة فى وصوله إلى القلب الذى هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات والأحاديث (٧٠).
ومن ثم يترجح القول الحق: وهو أن القرآن الكريم بلفظه ومعناه من عند الله تعالى لا مدخل لجبريل ولا لغيره فى ألفاظه، فالله- سبحانه- هو الذى أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتّفهّم، كما نبرز نحن كلامنا اللفظى- ولله المثل الأعلى- على وفق كلامنا النفسى لأجل التفهيم والتفهم، ولا ينسب الكلام بحال إلا إلى من رتبه فى نفسه أولا دون من اقتصر على حكايته وقراءته، وإننا لنؤازر العلامة الزرقانى فى حكمه على زعم أن ألفاظ القرآن من عند جبريل أو النبى ﷺ بقوله: (وعقيدتى أنه مدسوس على المسلمين فى كتبهم؛ وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟ مع أن الله يقول: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٧١).
وللإمام الجوينى تقرير فى قضية الوحى القرآنى يؤكد فيه صدوره عن الله لفظا ومعنى؛ يقول فيه: (كلام الله المنزل قسمان:
قسم قال لجبريل: قل للنبى الذى أنت مرسل إليه: إن الله يقول: افعل كذا وكذا .... ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبى، وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان:
стр. 20
يقول لك الملك: اجتهد فى الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملك:
لا تتهاون فى خدمتى، ولا تترك الجند تتفرق، وحثّهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير فى أداء الرسالة.
وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبى هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا) (٧٢).
وقد عقب على ذلك الإمام الحجة السيوطى شارحا وموضحا وموجها ومدللا فقال: (قلت: القرآن هو القسم الثانى، والقسم الأول: هو السنة كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداه بالمعنى ولم تجز بالقراءة (أى فى القرآن) بالمعنى؛ لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى. والسر فى ذلك: أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتى بلفظ يقوم مقامه، وإن تحت كل حرف منه معانى لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتى بدله بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين، قسم يروونه بلفظ الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشقّ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف. فتأمل) (٧٣).
ولست أرى ما ارتآه العلامة الزرقانى فى نقده لكلام الإمام الجوينى المتقدم من أنه لا يوجد أمامنا دليل على أن جبريل كان يتصرف فى الألفاظ الموحاة إليه فى غير القرآن، كيف وقد قال الإمام السيوطى عقب تعقيبه السابق مباشرة: (وقد رأيت عن السلف ما يعضد كلام الجوينى، وأخرج ابن أبى حاتم من طريق عقيل عن الزهرى، أنه سأل عن الوحى فقال: الوحى ما يوحى الله إلى نبى من الأنبياء، فيثبته فى قلبه، فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته، ولكنه يحدّث به الناس حديثا، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه) (٧٤).
ومن ثم نقف على حقيقة الوحى القرآنى ونستيقن نزوله بلفظه ومعناه وبما حفل به من العظمة وقوة التأثير وجلال التنزيل، وتبارك منزّله- جل وعلا- إذ يقول: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٧٥). قال بعض المفسرين فى تفسيرها: (لو كانت الجبال مقام الإنسان فى الخطاب (أى القرآنى) لتدكدكت الجبال وتزررت، وانفلقت الصخور
стр. 21
الصّمّ، وانهدمت الشامخات العاليات فى سطوات أنواره ووجوم سنا أقداره)!! (٧٦).
ولعلنا نتصور حالة العالم قبل الوحى الشرعى ومدى احتياجه إليه، ولا سيما فى بداية النصف الثانى من القرن السادس الميلادى حيث كان العالم مترديا فى حضيض
الظلمة والضياع، واستبدت به أسباب الفساد من كل جانب، وعصفت به رياح الشرك والكفران، فتداعى بناؤه العقدى والخلقى، وسادته جاهلية عمياء، وصار يترقب الهدم الذى يعقبه البناء، إذ عمه الفساد فى كل الأرجاء كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٧)، لقد فسر الإمام قتادة ﵁ الفساد فى الآية الكريمة: بالضلالة والظلم (٧٨)، وهذا تفسير محكم، لأن الضلالة تعنى فساد القوة النظرية، لفقدان نور الوحى الإلهى، والظلم:
يعنى فساد القوة العملية والجانب السلوكى، لفقدان استرشادهما بالإشعاع المعرفى اليقينى الذى يضيء القوة النظرية، فصلاح القوتين إذن متوقف على الوحى الذى هو هدى الله لعباده.
* من ثم: كان العالم قبل البعثة المحمدية متعطشا مستشرفا للوحى الذى يتوقف عليه رشده وصلاحه، أو بالأحرى: روحه ونوره، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٩).
فالتعبير عن الوحى القرآنى- فى الآية الكريمة- بالروح يشير إلى أن العالم قبل هذا الوحى كان جثة هامدة بلا روح، وكذا التعبير عن هذا الوحى بأنه نور يشير إلى الظلمة الحالكة التى كان يرزح العالم فيها فى الجاهلية، ثم يشير قوله تعالى: نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا من الضلال الذى كان سائدا قبل الوحى المحمدى فى شتى الجوانب العقدية والسلوكية.
* وتتجسد حالة العالم قبل الوحى إليه جليا فى افتقاد مصدر الهداية فيما لا سبيل للعقل الوصول إليه من الجانب الغيبى فى أمور العقيدة، وأعلاها معرفة الله تعالى وصفاته القدسية وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز فى حقه تعالى.
كما تتجسد تلك الحاجة- فى توقف إدراك ما وراء الطبيعة من عالم ما بعد الموت من البرزخ والبعث والحساب والجزاء- على الأدلة السمعية التى تأتى بطريق الوحى.
وكذلك الهداية التشريعية التى تنظم
стр. 22
العلاقة مع الله- تعالى- بالعبادات ومع الخلق بالمعاملات، ومع النفس بتزكيتها بالأخلاق الصالحة واقتلاع الأخلاق السيئة، كل ذلك عجزت عنه عقول البشر، لأن حقائق الأشياء وسبل إصلاحها لا يحيط بها- على الحقيقة- إلا موجدها، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ (٨٠)
إن منطق العقل والتجربة يقضى بالرجوع- فى صيانة كل صنعة وإصلاحها- إلى صانعها لتظل فى وضعها الأمثل، وقد أودع الخالق- جل وعلا- منهج إصلاح الخليقة فى دستوره العظيم (القرآن المجيد) الذى هو مصدر الهداية والكمال الأعلى، وقد صرح بذلك- سبحانه- فى قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٨١).
ولقد اتفقت كلمة ذوى العقول الصحيحة على أن العقل والعلم البشرى لا يغنيان إطلاقا عن هداية الرسل بما أوحاه الله إليهم، مهما ارتقت مدارك الحكماء والمفكرين فى معارفهم العقلية، فإن حكمتهم وآراءهم وعلومهم إنما هى آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول (٨٢)!! وهى عرضة للخطأ والتخطئة والخلاف فيها على أية حال. وأحكامها نسبية، فإلام التحاكم إذا عند الاختلاف الذى هو من سنن الأحكام الاجتهادية؟
هنا تتجسد ضرورة الوحى والبيان النبوى لحسم النزاع والخلاف، كما نطق التنزيل فى قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٣).
وإذا تحصل لنا من جملة ما سبق: أن صلاح البشر بالدين مبنى على الإيمان بالغيب والوقوف فيه عند خبر الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ولا يمكن إصلاحهم بالعلوم المادية الكسبية وحدها، فإنه يقع فى دائرة اليقين أنه لا سبيل إلى إنقاذ البشرية فى هذا العصر إلا بإثبات الوحى المحمدى الموحد لإنسانيتهم، المزكى لأنفسهم واتباع هديه الذى هو مناط السعادتين الدنيوية والأخروية (٨٤)، وهو المخرج الوحيد لكل ما تعانيه الإنسانية من شقاء وظلم وعناء وجموح واستبداد، وقد أوضح التنزيل منهج الهداية والنجاة بقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٥).
*****
стр. 23
[كيف بدا الوحى]
ولعلنا نتساءل عن (بدء الوحى): متى وكيف بدأ؟؟
ولقد تكفلت السنة الصحيحة فى الجواب عن ذلك، فيروى الشيخان والترمذي والنسائى وغيرهم بإسنادهم عن السيدة عائشة أم المؤمنين- رضى الله تعالى عنها- أنها قالت:
«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد- رضى
الله عنها- فقال: زمّلوني ... زملونى ... فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى نزّل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذع، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحى» (٨٦).
* ولنا فى هذا الحديث الجامع وقفات عدة:-
فالوقفة الأولى: عند توقيت أوّليّة الوحى وسرّ نوعيّته فى هذا البدء: فقد روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك على النبى ﷺ بغار حراء كان يوم الاثنين لسبع عشرة خلت
стр. 24
من رمضان، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن أربعين سنة. ونقل الحافظ ابن حجر عن البيهقى أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر. وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحى اليقظة وقع فى رمضان (٨٧).
* أما عن حكمة بدء الوحى بالرؤيا الصادقة، فقد ذكر الإمام العينى أن النبى ﷺ ابتدأ بها لئلا يفجأه الملك، ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها القوى البشرية، فبدأ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا مع سماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ورؤية الضوء، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك إليه فى اليقظة وكشف له عن الحقيقة كرامة له (٨٨).
* والوقفة الثانية: عند سر تحبيب الخلوة إليه ﷺ فى غار حراء خلال فترة الوحى المنامى وقبل ظهور الملك بالوحى الجلى، يقول العلماء: إن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له، ومن ثم: فهى معينة له ﷺ على التفكر والتأمل إذ بها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه، فإن البشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، ثم إن الخلوة مبعث الصفاء الروحى الذى تستقبل الروح به فيوضات الأنوار الإلهية. وإنما كانت الخلوة والتعبد بجبل حراء بالذات؛ لأنه كان يرى منه بيت ربه وهذه الرؤية عبادة! (٨٩)
* والوقفة الثالثة: عند حكمة غطّه ﷺ ثلاث مرات، فقد قيل: إنها التهيئة لتلقى الوحى القرآنى، ليظهر فى ذلك الشدة والاجتهاد فى الأمور، وإنما تكرر ثلاثا للمبالغة فى التثبت (٩٠).
* والوقفة الرابعة: للجواب عن تساؤل:
من أين علم رسول الله ﷺ أن الجائى إليه هو جبريل- ﵇؟ وبما عرف أنه حق لا باطل؟
فقد أجيب عن ذلك: بأن الحق- تعالى- قد أقام للنبى ﷺ دليلا يقينيا على أن الجائى إليه ملك لا شيطان، كما أقام المعجزة دليلا لنا على صدق الرسول ﷺ (٩١).
وأقول أيضا: إن الله تعالى أوجد فى قلب النبى ﷺ علما ضروريا بأنه ملك الوحى جبريل، وهذا العلم مستغنى عن الدليل.
* ثم الوقفة الخامسة: عند قول الملك له ﷺ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حيث استدل الجمهور على أن سورة (اقرأ) هى أول ما نزل من القرآن الكريم، وفيها دليل فقهى على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله.
عند بعض العلماء كما قال السهيلى، وإن كان محل خلاف.
стр. 25
* والوقفة السادسة: عند قول ورقة:
(هذا الناموس الذى نزّل الله على موسى) فإن الناموس فى اللغة: هو صاحب سر الخير وهو هنا جبريل ﵇، وقد سمى به لخصوصه بالوحى والغيب. وإنما خصص بالناموس الذى أنزله الله على موسى ﵇ دون غيره من الأنبياء مع أن لكل نبى ناموسا؛ لأنه أنزل عليه كتاب التوراة الذى هو أكبر كتب الأنبياء قبل القرآن، بخلاف سائر الأنبياء فإن منهم من نزل عليه صحف، ومنهم من نبئ بإخبار جبريل- ﵇.
* وأما الوقفة السابعة: فهى مع أول من آمن بالوحى المحمدى وبالرسول ﷺ ؛ وعايشه مع أول شعاع الإسلام!
إنها السيدة خديجة- رضوان الله عليها- التى شهد حديث بدء الوحى بكمالها وجزالة رأيها وقوة نفسها، وعظم فقهها؛ حيث جمعت للرسول الأعظم ﷺ جميع أنواع أصول المكارم وأمهاتها فى وصفها له وهى تهدئ روعه.
وإنه الصدّيق الأعظم سيدنا أبو بكر ﵁ الذى جاء فى السيرة عن عمرو بن شرحبيل أنه دخل على السيدة خديجة إبان بدء الوحى القرآنى فذكرت له ما رآه النبى
ﷺ قالت له:
«يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة» - وذلك فى مرة أخرى غير التى ذهبت فيها معه إلى ورقة- وإنه للحبر الجليل ورقة الذى شهد للنبى ﷺ بالوحى وبالرسالة، وقال فيه النبى ﷺ فيما روى الحاكم فى «مستدركه» عن السيدة عائشة- رضى الله عنها-: «لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان».!! (٩٢)
ثم كانت (فترة الوحى) التى صرح بها حديث بدء الوحى فى نهايته، حيث قال النبى ﷺ : «ثم لم ينشب ورقة- أى لم يلبث- أن توفى وفتر الوحى». فما المقصود بفترة الوحى؟ وما مدتها؟ وما حكمتها؟.
* أما من حيث المعنى اللغوى: فالفترة مرة من الفتور، وفى مفردات الراغب: الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة (٩٣).
وأما المقصود بفترة الوحى: فقد ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه ليس المراد بفترة الوحى عدم مجىء جبريل إليه؛ بل تأخر نزول القرآن فقط (٩٤).
* ومن ذلك يعلم: أن فترة الوحى القرآنى لا تعنى إطلاقا انقطاع اتصال النبى ﷺ بربه أو بملك الوحى جبريل ﵇، ولذلك لما تأخر الوحى عن الرسول ﷺ وفهم
стр. 26
المشركون من ذلك أن الله ودّعه وقلاه أنزل الله تعالى قوله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، وذلك ردا على زعمهم الخاطئ، وثمة مرويات أخرى تعاضد ذلك فى سبب النزول، منها ما أخرجه الشيخان عن جندب أنه قال: «قالت امرأة من قريش للنبى ﷺ ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فنزل: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» (٩٥).
* وأما عن مدة فترة الوحى: فقد قال الحافظ ابن حجر: (وقع فى تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبى: أن مدة فترة الوحى كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، ثم قال:
(وليس المراد بفترة الوحى المقدرة بثلاث سنين- وهى ما بين نزول (اقرأ) و (يا أيها المدثر) عدم مجىء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط) (٩٦).
ثم نقل عن السهيلى أنه قال: (جاء فى بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا).
ثم عقب عليه بقوله: (وهذا الذى اعتمده السهيلى من الاحتجاج بمرسل الشعبى لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما) (٩٧)، وهو يشير بهذا إلى رواية ابن سعد عن الإمام ابن عباس حيث قال: ( ......... مكث أياما بعد مجىء الوحى لا يرى جبريل) (٩٨).
ثم حسم الحافظ الأمر بقوله- عند شرح أحاديث سبب نزول سورة (والضحى):
(والحق أن الفترة المذكورة فى سبب نزول سورة (والضحى) - غير الفترة المذكورة فى ابتداء الوحى؛ فإن تلك دامت أياما، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا) (٩٩).
* وأما عن حكمة فترة الوحى: فقد ذكر العلماء فيها وجوها عدة:
فمنها: ما ذكره الحافظ ابن حجر: (أن هذه الفترة كانت من مقدمات تأسيس أمر النبوة، ليتدرج فيه وليمرن عليه، وقد شق عليه فتوره حيث لم يكن خوطب عن الله بعد:
أنك رسوله ومبعوثه إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لم يرد استمراره.
فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه، فتح الله له من أمره بما فتح) (١٠٠).
ومنها: ما ذكره شيخ الإسلام العينى: من أن فتور الوحى مدة إنما كان كذلك ليذهب ما كان- ﵊ وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود).
ومنها كذلك: دلالة قاطعة على أن هذا الوحى من عند الله- تعالى- وأن التنزيل
стр. 27
القرآنى مصحوب بانمحاء الإرادة الشخصية للرسول ﷺ وانسلاخه من الطبيعة البشرية حتى ما بقى له- صلوات الله وسلامه عليه- اختيار فيما ينزل عليه أو ينقطع عنه، فقد يتتابع الوحى ويحمى حتى يكثر عليه، وقد يفتر عنه وهو أحوج ما يكون إليه، فهو وحى الله تعالى لا ريب فيه (١٠١).
وإننا لنلمس- فى دهشة- مدى حب النبى ﷺ للوحى التنزيلى، وشوقه إليه فى فترته، إلى ذلك الحد الذى صوره حديث السيدة عائشة إذ تقول- رضى الله عنها- فى تتمة الحديث المار فى بدء الوحى: « ........ وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد؛ إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك» (١٠٢).
وقد يقال هاهنا: كيف عزم النبى ﷺ على إلقاء نفسه من الجبل مع أن ذلك يوجب قتلها، والعزم عليه من الكبائر، والأنبياء جميعا ولا سيما حضرته ﷺ معصومون من جميع المعاصى قبل البعثة وبعدها؟؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الخبر من بلاغات الزهرى كما جزم بذلك ابن حجر، وأنه لو صح لكان مجرد تصوير مجازى لشوق النبى ﷺ للوحى، وحزنه العميق على تأخره.
***** [كتاب الوحى]
ثم نتعرف على (كتّاب الوحى للنبى ﷺ :
فنجد من عناية الله بكتابه المجيد أن وجه الهمم ووفر الدواعى على تدوينه فى السطور، كما وجه عناية النبى ﷺ وأصحابه إلى حفظه واستظهاره فى
الصدور، فتحقق بالأمرين وعد الله- تعالى- بحفظه فى قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٠٣)، فقد تضافرت الصورتان، وعاضدت كل منهما الأخرى فى الصحة والتوثيق، حيث كان النبى ﷺ ينزل عليه القرآن شيئا فشيئا، وكان كلما نزل منه شىء بادر بتبليغه لأصحابه وحث على تعلمه وتعليمه، وكان يأمر كتّاب الوحى بكتابة كل شىء ينزل من القرآن عقب نزوله مباشرة، فتمت كتابة القرآن كله فى عهده ﷺ ، وقد استنبط علماء التنزيل ما يدل على أن الكتابة من الصفات اللازمة للقرآن فى ذلك العهد من
стр. 28
قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (١٠٤).
كما سجلت السنة الصحيحة أمر النبى ﷺ بكتابة القرآن: فيما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث الإمام ابن عباس عن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ مما يأتى عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا فى السورة التى يذكر فيها كذا» (١٠٥).
* هذا: وقد تعددت أقوال العلماء فى عدد كتّاب الوحى لسيدنا رسول الله ﷺ ، فالعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز يذكر أن العلماء الثقات قد ذكروا أن عدد كتاب الوحى قد بلغ تسعة وعشرين كاتبا (١٠٦).
وقام المستشرق (بلاشير) باستطلاع كتّاب الوحى فى عديد من المصادر العربية والغربية ومن تلك المصادر: ما ورد فى طبقات ابن سعد وما كتبه الطبرى والنووى والحلبى، وكذا شفالى وبهل وكازانوفا، واستطاع أن يبلغ بكتّاب الوحى إلى أربعين كاتبا (١٠٧).
[اقسام كتاب الوحى]
ولقد قسم العلماء وأصحاب السير كتاب الوحى إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: كتّاب الوحى فى العهد المكى ومن أبرزهم:
١ - الصحابى الجليل شرحبيل بن حسنة السهمى أو الكندى المتوفى سنة ١٨ هـ وله سبع وستون سنة، وقد نص الحافظ الشامى فى سيرته على أنه أول من كتب لرسول الله ﷺ (١٠٨).
٢ - الصحابى الجليل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى المتوفى يوم موقعة أجنادين سنة ١٣ هـ كما ذكره الذهبى فى السير (١٠٩). وكان خامسا فى الإسلام وأول من كتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما رواه الذهبى عن ابنته أم خالد (١١٠).
٣ - الصحابى الجليل أمير مصر عبد الله ابن سعد أبى السرح (ت ٣٦ هـ) وهو من السابقين الأوّلين- كما ذكر ابن العماد فى ترجمته- وقد نص الحافظ ابن حجر على أنه أول من كتب للنبى ﷺ بمكة من قريش، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح وحسن إسلامه، وفتح الله على يديه شمال إفريقية وبعض بلاد السودان (١١١).
стр. 29
٤ - الصحابى الجليل حنظلة بن الربيع بن صيفى بن رباح الأسيدى. قال صاحب (أسد الغابة) فى ترجمته: (ويقال له حنظلة الأسيدى والكاتب؛ لأنه كان يكتب للنبى ﷺ ، وهو ابن أخى أكثم بن صيفى) (١١٢)، وهو الذى أرسله النبى ﷺ إلى أهل الطائف قائلا لهم:
(أتريدون صلحا أم لا؟ فلما توجه إليهم قال رسول الله ﷺ : ائتموا بهذا وأشباهه!!)، ثم انتقل إلى قرقيسيا- وهى بلد على الفرات فمات بها (١١٣)، وقد رجح قدم إسلامه بمكة بناء على تلك القرائن بالإضافة إلى كونه ليس أنصاريا (١١٤).
والقسم الثانى: من كتب له ﷺ فى الجملة- على حد تعبير الحافظ ابن حجر- وترجح اشتراك كل منهم فى كتابة الوحى للنبى ﷺ بمكة:
وهم سادتنا الصحابة الأجلاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والأرقم بن أبى الأرقم، وحاطب بن عمرو، وعامر بن فهيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعيقيب الدوسى (١١٥) - رضى الله عنهم أجمعين.
وأما القسم الثالث: فهم كتّاب الوحى للنبى ﷺ فى العهد المدنى، ومن أبرزهم:
١ - سيدنا أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى النجارى ﵁ (ت سنة ٣٠ هـ) - وهو الملقب بسيد القراء، وقد نص الحافظ ابن حجر وغيره على أنه أول من كتب للنبى ﷺ بالمدينة، ونص أيضا على أنه كتب له قبل زيد بن ثابت (١١٦) - رضى الله تعالى عنهما.
٢ - سيدنا زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الخزرجى النجارى الأنصارى ﵁ (ت ٤٥ هـ) عن ست وخمسين سنة كما حكاه الذهبى عن الواقدى (١١٧)، وذكر أيضا أنه لما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة أسلم زيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبى ﷺ أن يتعلم خط اليهود ليقرأ له كتبهم وقال: «فإنى لا آمنهم» (١١٨).
وروى الطبرانى بإسناد حسن إليه أنه قال:
«كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحى بعث إلىّ فكتبته» (١١٩).
كما روى البخارى بإسناده أن ابن السباق قال: «إن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر ﵁ قال: إنك كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن، فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة- آيتين- مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدهما مع غيره» (١٢٠)، ومن ثم كان هو الذى جمع القرآن فى صحف فى
عهد الصديق ﵁ كما ندبه سيدنا
стр. 30
عثمان ﵁ إلى كتابة المصحف العثمانى أيضا (١٢١).
هذا وقد حقق الأثبات أن سيدنا عثمان ابن عفان- رضى الله تعالى عنه- كان من أوثق مصادر التسجيل الفورى للوحى القرآنى ولا سيما فى العهد المدنى أيضا، حيث قالت السيدة عائشة- رضى الله عنها-: «كان عثمان قاعدا عند رسول الله ﷺ ورسول الله مسند ظهره إلىّ وجبريل يوحى إليه القرآن، وهو يقول: «اكتب يا عثيم».!! (١٢٢)
ثم هنالك ثلة من الصحابة الأجلاء الذين اشتركوا فى كتابة الوحى للنبى ﷺ بالمدينة المنورة، ومن أبرزهم السادة الأجلاء:
أبان بن سعيد بن العاص (ت سنة ١٣ هـ)، وبريدة بن الحصيب الأسلمى، وثابت بن قيس، ومعاوية بن أبى سفيان، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن رواحة، وسعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول وغيرهم- رضى الله تعالى عنهم أجمعين- وبعض هؤلاء وصفتهم المصادر بالكتابة للنبى ﷺ دون تقييد بعهود أو رسائل، ولم يكونوا قديمى الإسلام بمكة المكرمة (١٢٣).
***** ونتوقف أخيرا عند نقطة: إثبات الوحى وإبطال دعوى منكريه بالاستدلال العقلى بعد أن قدمنا نصوص الإثبات نقلا من الكتاب والسنة، فنقول: قد أخبر بثبوت وقوع الوحى الصادق المعصوم سيدنا محمد ﷺ المؤيد بالمعجزة، وكل ما أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فهو حق ثابت.
فإن المعجزة- وهى الأمر الخارق للعادة الخارج عن حدود الأسباب المعروفة يظهره الله على يد مدعى النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه- إنما هى بمثابة قول الله تعالى: (صدق عبدى فى كل ما يبلغه عنى، ومن ذلك أنه يوحى إليه منى)!!
ومن ثم: نستطيع أن نقرر بوثوق: أن الوحى القرآنى بإعجازه هو بنفسه دليل عقلى على مصداقيته، وذلك بما توافر له من براهين إعجازه بعد التحدى به وإعلان عجز الثقلين عن الإتيان بمثله، وصدق الله القائل فى كتابه المعجز: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً!! (١٢٤)
* ثم لقد قدم العلماء- لإثبات الوحى بالعلم التجريبى والفكر الفلسفى- دلائل
стр. 31
ساطعة على جوازه وإمكانه فى مواجهة من ينكرون أدلة الشرع.
ومنها التنويم المغناطيسى الذى كشفه الدكتور (مسمر) فى القرن الثامن عشر، واعترف به العلماء، وأثبتوا بواسطته أن للإنسان عقلا باطنا أرقى وأسمى من عقله المعتاد، وأنه فى حالة التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع، ويقرأ من وراء حجب، ويخبر عما سيحدث مما لا يوجد فى عالم الحس علامة لحدوثه.
ثم إننا فى عصرنا الحديث وقد أصبح أمامنا التلفاز والراديو واللاسلكى وغير ذلك مما نشاهد ونتخاطب به عبر المسافات البعيدة، أنستبعد بعد ذلك على قدرة الله- تعالى- إعلام الله- تعالى- لخواص عباده بما شاء من وحيه؟؟
ثم كيف نذعن لقول كبار الفلاسفة كأفلاطون أن هناك عبقرية، وقد عرفها بأنها إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر، ويقرر الفلاسفة أنها لا شأن للعقل فيها، ثم نستبعد على خلّاق القوى والقدر أن يمد بوحيه الإلهى من شاء من عباده؟ (١٢٥)
وهناك الكثير والكثير من الأدلة التى بسطها العلماء للاستدلال لصحة وقوع الوحى والجواب عن الشبهات الواردة عليه فى العديد من المصادر القرآنية؛ «كالنبإ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، و «الوحى المحمدى» للشيخ محمد رشيد رضا، و «مناهل العرفان» للعلامة الزرقانى وغيرها، فضلا عن أمهات التفاسير؛ للفخر الرازى والقرطبى والآلوسي وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
أ. د./ جودة محمد أبو اليزيد المهدى هوامش موضوع الوحى
стр. 32
أسباب النزول
حقيقة سبب النزول (تعريف سبب النزول)
من خصائص نزول القرآن الكريم أنه لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ ولكنه نزل مفرقا فى مدة الرسالة النبوية، سواء كان ذلك فى آياته أو سوره، وقد أشار القرآن الكريم إلى الحكمة من هذا التفريق فى النزول، وهى تتمثل فى تيسير قراءته وحفظه، وفهمه والعمل به، وذلك فى قول الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الإسراء/ ١٠٦.
كذلك فإن من خصائص نزول القرآن الكريم: أن منه ما نزل فى مواجهة الوقائع والأحداث والمناسبات ولكن ليس معناه أن نلتمس لكل آية فى القرآن سببا لنزولها، أو قصة تلابس هذا النزول، بل إن منه ما كان كذلك، ومنه ما نزل ابتداء من غير سبب، وقد نبه العلماء فى عبارة واضحة إلى هذا التقسيم، قال الإمام برهان الدين ابن عمر الجعبرى (ت سنة ٧٣٢ هـ): «نزل القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال» (١).
وهذا القسم الأخير فى مقولة الجعبرى هو مدار البحث فى سبب النزول.
وبداية فإنه لا يتسنى بحث تفاصيل هذا الموضوع ما لم يتحدد مفهوم سبب النزول بطريقة واضحة، ومن ثمّ فإن أول ما ينبغى معالجته فى هذا الصدد هو: تعريف سبب النزول، فما هو؟
جماع ما قاله العلماء فى تعريفه أنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه:
بيانا لحكمه إذا كان حادثة أو نحوها، أو جوابا عنه إذا كان سؤالا موجها إلى النبى ﷺ » (٢).
وفى التعريف أمران يحتاج كل منهما إلى بيان:
الأمر الأول: معاصرة السبب لما نزل فى شأنه من الآيات:
وهو ما عبر عنه فى التعريف بأنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه».
فالحادثة التى تعتبر فى اصطلاح العلماء سببا لنزول آية أو آيات من القرآن هى تلك الحادثة التى تكون قد وقعت فى عهد النبى ﷺ
стр. 33
سواء نزل القرآن عقب حدوثها مباشرة، أو تراخى عن ذلك الحدوث زمنا لحكمة، ما دام الحدث قد وقع فى عهد النبى ﷺ .
وعليه فإنه من التوسع الذى لا يتفق وهذا التحديد فى التعريف ما فعله بعض العلماء، أو ذهب إليه بعض المفسرين من اعتبار الحوادث الماضية، والوقائع الغابرة التى نزل بها القرآن، وساقها فى مجال العظة والعبرة من قبيل أسباب نزول ما جاء فى حكايتها وفى تفصيلها من الآيات، فما حدث بين الأنبياء السابقين وأقوامهم من اتّباع هؤلاء الأقوام لهم، أو صدّهم عن رسلهم، ومن تصديقهم أو تكذيبهم إياهم، وما تخلل ذلك من إيذاء للرسل، لا يعتبر شىء من ذلك سببا لما نزل بحكايته من آيات القرآن الكريم، بل إذا كان هناك من سبب للنزول فى أمثال هذه القصص فإنه بالقطع ليس تلك الأحداث فى ذاتها، وإنما ما سيقت لأجله من العظة والعبرة للمؤمنين من جهة، ولتهديد الكافرين من جهة أخرى، ولتثبيت قلب النبى ﷺ من جهة ثالثة، وكثيرا ما نرى هذه الأسباب مصرحا بها فى القرآن الكريم نفسه.
وذلك كما جاء فى قول الله تعالى عقب حديث عن المشركين من قريش فيه تعريض بهم، وتهديد لهم: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف/ ١٠٩ - ١١١.
ومن هذا القبيل: ما جاء عقب حديث القرآن الكريم عن أطراف من قصص نوح وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، من قول الحق ﵎:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ هود/ ١٢٠.
ومنه كذلك ما جاء تسلية لرسول الله ﷺ وهو قول الله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
стр. 34
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ الأنعام/ ٣٣، ٣٤.
فهذه الآيات- كما تقدم- تصرح بأسباب نزول هذه القصص التى تتعلق بالوقائع الماضية، وليست تلك الوقائع فى ذاتها سببا لنزول هذه الآيات، قال السيوطى ﵀
تعالى: «والذى يتحرر فى سبب النزول: أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدى فى تفسيره فى سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول فى شىء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك فى قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا النساء/ ١٢٥ - سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى» (٣).
كما أنه لا يعد من قبيل سبب النزول ما اشتملت عليه بعض آيات القرآن من الأمور المستقبلة كأحوال اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب أو عقاب (٤) نحو ما جاء فى قول الله سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا الفرقان/ ٢٥ - ٢٩.
من أجل هذا كان النص فى التعريف على معاصرة السبب لما نزل فى شأنه من الآيات، والذى عبر عنه بأنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه» قيدا يحترز به عن مثل هذه الآيات التى وردت فيما سبق.
الأمر الثانى: مجىء سبب النزول فى إحدى صورتين:
الصورة الأولى: مجيئه فى صورة حادثة تحدث فينزل القرآن ببيان الحكم، ومن هذا القبيل ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ الآية- الأحزاب/ ٥٣.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «بنى رسول
стр. 35
الله ﷺ بامرأة من نسائه- فى رواية البخارى: هى أم المؤمنين زينب بنت جحش رضى الله عنها- فأرسلنى فدعوت قوما إلى الطعام، فلما أكلوا وخرجوا قام رسول الله ﷺ منطلقا قبل بيت عائشة رضى الله عنها، فرأى رجلين جالسين فانصرف راجعا، وقام الرجلان فخرجا، فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ (٥) (الأحزاب/ ٥٣)». وفى الحديث قصة.
الصورة الثانية: مجىء السبب فى صورة سؤال يوجه إلى النبى ﷺ فى مسألة ما، فينزل القرآن بجواب هذا السؤال، ومن هذا القبيل ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة/ ٢٢٢.
فعن أنس ﵁: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت- أى ولم يخالطوهن ولم يساكنوهن فى بيت واحد- فسأل أصحاب النبىّ ﷺ النبىّ ﷺ فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شىء إلا النكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما- أى غضب عليهما- فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ فأرسل فى آثارهما فسقاهما، فعرفنا أن لم يجد عليهما (٦)».
وهذه الصورة وما قبلها هى ما عبر عنها فى التعريف بأن الآيات تنزل: «بيانا لحكمه إذا كان حادثة أو نحوها، أو جوابا عنه إذا كان سؤالا موجها إلى النبى ﷺ ».
стр. 36
أبرز المؤلفات فى سبب النزول
اهتم علماء المسلمين اهتماما بالغا بأسباب النزول، وبرغم أن موضوع هذا الفن يعتبر مبحثا من مباحث علوم القرآن، وقد عولج بالفعل فيما ألف فيها، إلا أنه لأهميته قد أفرده العلماء بالتصنيف، وألفوا فيه مؤلفات استقصت الآيات التى نزلت على سبب، وذكروا هذه الآيات معزوة إلى مصادرها، ولنفس الأهمية توفر العلماء على هذه المؤلفات يحققون مروياتها، ويميزون صحيحها من سقيمها.
فقد أفرده بالتصنيف جماعة من العلماء منهم:
١ - على بن المدينى (ت ٢٣٤ هـ) رحمه الله تعالى، ولكن كتابه غير موجود، بل أشار إليه السيوطى- رحمه الله تعالى- عند عده لأبرز المصنفات فى أسباب النزول.
٢ - أبو الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدى النيسابورى (ت ٤٦٨ هـ) رحمه الله تعالى، وكتابه (أسباب النزول) من أشهر ما صنف فى هذا الباب وهو مرجع مهم للعلماء ولطلاب العلم.
٣ - شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر بن على العسقلانى (ت ٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى، ألف كتابا فى أسباب النزول ولكنه مات عنه وهو مسودة لم يكتمل.
٤ - الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد المعروف بالسيوطى (ت ٩١١ هـ) ألف فى أسباب النزول كتابا سماه: (لباب النقول فى أسباب النزول) وهو من
أشهر الكتب المسندة فى هذا الفن.
يقول السيوطى- ﵀ عن المصنفات فى أسباب النزول، وتطور الكتابة فيها: «أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم على بن المدينى شيخ البخارى، ومن أشهرها: كتاب الواحدى على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبرى، فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئا، وألف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر كتابا مات عنه مسودة فلم نقف عليه كاملا، وقد ألفت فيه كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله فى هذا النوع، سميته: (لباب النقول فى أسباب النزول» (٧).
وإضافة إلى ذلك فهناك من اهتم بأسباب
стр. 37
النزول فيما كتب ولكن ليس على استقلال، وإنما جاء ذلك ضمن ما كتبوا فى علوم القرآن أو التفسير، ومن هؤلاء:
٥ - الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى (ت ٧٩٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (البرهان فى علوم القرآن) فقد عنون لأول مباحث هذا الكتاب ب: (معرفة أسباب النزول).
٦ - الإمام أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن على بن الجوزى (ت ٥٩٧ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (زاد المسير فى علم التفسير).
٧ - الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن فرح القرطبى (ت ٦٧١ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن).
٨ - الإمام الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (تفسير القرآن العظيم).
٩ - شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه (روح المعانى) وغير هؤلاء كثير.
стр. 38
طريق معرفة سبب النزول
معرفة سبب النزول من الأمور التى لا تقبل اجتهادا بحال من الأحوال، لأن ما ترتبط به هذه الأسباب من ملابسات ليس افتراضا عقليا يقوم على ضرب الأمثال، بل هى أحداث ووقائع حدثت بالفعل فى أوقات محدودة وفى ظروف معينة وملابسات معروفة، وفى مثل هذه الأحوال لا مجال للوقوف على معرفتها إلا بنقل واضح عمن عاصر هذه الأحداث، وشاهد تلك الملابسات.
ومن ثم فإن العلماء قد قرروا أن المرجع فى معرفة أسباب النزول يتحتم أن يكون عن طريق النقل الصحيح عن صحابة رسول الله ﷺ لأنهم هم الذين عاصروا الوحى، وعايشوا التنزيل، ووقفوا على الأحداث والوقائع التى أحاطت بما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب، كما أنهم سمعوا من الرسول الكريم ﷺ ما لم يسمعه غيرهم.
من أجل ذلك تعين أن ينفرد هؤلاء بكونهم المرجع فى معرفة أسباب النزول، وعليه فإنه لا مجال لعمل العقل فى هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون فى إطار ما ورد من أسباب النزول، ونقل عن الصحابة وتعدد فى الحادثة الواحدة، فإن عمل العقل عندئذ يتمثل فى محاولة الترجيح بين الروايات، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.
ولأن معرفة أسباب النزول يترتب عليها فى مجال التشريع أمور هامة تعميما، أو تخصيصا، أو إثباتا، أو نفيا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ قد احتاطوا لهذا الأمر أشد الحيطة، فلم يقولوا فى شىء مما قالوه برأى أو اجتهاد، ولكنهم قرروا أسباب النزول وأخبروا بها، مستندين إلى قرائن تحتف بقضايا هذه الأسباب وأحداثها. ومع هذا فإنهم ضاعفوا هذه الحيطة عند ما حددوا الألفاظ التى عبروا بها عما أخبروا من أسباب النزول تحديدا واضحا، فإذا كان الصحابى لا يقطع- بناء على ملابسات وقرائن تعيّن ما يخبر به- بأن سبب آية ما هو هذا الحدث بعينه، فإن تعبيره عن سبب النزول يتضح فيه ذلك، فنراه لا يجزم بما قال، بل يقول: أحسب أن هذه الآية نزلت فى كذا، ونحو ذلك.
مثال ذلك: ما أورده العلماء فى سبب النزول
стр. 39
قول الله ﵎: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النساء/ ٦٥.
فقد ورد فى الحديث عن الزبير بن العوام ﵁، أنه خاصم رجلا من الأنصار فى شراج الحرة (٨) كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصارى: سرّح الماء يمر عليه، فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ (٩): «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك». فغضب الأنصارى وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر». فاستوفى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللأنصارى، فلما أحفظ رسول الله ﷺ الأنصارىّ استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم، قال الزبير: لا أحسب هذه الآية إلا أنزلت فى ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (١٠).
ولقد توارثت أجيال العلماء هذا الاهتمام بأسباب النزول، فإذا كان الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- قد احتاطوا للإخبار به هذه الحيطة، فإن العلماء قد احتاطوا أيضا فى التنبيه على أن النقل الصحيح عن هؤلاء الصحابة الأبرار هو المرجع الوحيد فى معرفة أسباب النزول، وحذروا من سلوك غير هذا السبيل فى طلبها.
قال الواحدى رحمه الله تعالى: «ولا يحل القول فى أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا فى الطّلاب- أى الطلب» ثم روى عن سعيد بن جبير ﵀ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الحديث إلا ما علمتم، فإن من كذب
علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١١) ثم قال: «والسلف الماضون كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول فى نزول الآية .. وذكر عن محمد بن سيرين قوله: «سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن، وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا، ويخلق إفكا وكذبا، ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر فى الوعيد للجاهل بسبب الآية» (١٢).
قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى بعد أن نقل قول الواحدى السابق معقبا:
«وإذا كان هذا قول ابن سيرين وهو من أعلام
стр. 40
علماء التابعين تحريا للرواية، ودقة فى الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولهذا فإن المعتمد من ذلك فيما روى من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول» (١٣).
أما قول التابعى فإنه إذا كان صريحا فى سبب النزول، فقد قرر السيوطى رحمه الله تعالى أنه إذا صح سنده يقبل ويكون من قبيل المرفوع أيضا مثل قول الصحابى، لكنه مرسل، خاصة إذا كان القائل من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: كمجاهد بن جبر المفسر رحمه الله تعالى (ت ١٠٤ هـ)، وأبى عبد الله عكرمة المدنى مولى ابن عباس رضى الله عنهما وأحد أوعية العلم رحمه الله تعالى (ت ١٠٥ هـ)، وأبو عبد الله سعيد بن هشام الأسدي رحمه الله تعالى (ت ٩٥ هـ)، أو اعتضد بمرسل آخر (١٤) إن لم يكن من هؤلاء الأئمة الأعلام.