← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبرز المؤلفات فى سبب النزول اهتم علماء المسلمين اهتماما بالغا بأسباب النزول، وبرغم أن موضوع هذا الفن يعتبر مبحثا من مباحث علوم القرآن، وقد عولج بالفعل فيما ألف فيها، إلا أنه لأهميته قد أفرده العلماء بالتصنيف، وألفوا فيه مؤلفات استقصت الآيات التى نزلت على سبب، وذكروا هذه الآيات معزوة إلى مصادرها، ولنفس الأهمية توفر العلماء على هذه المؤلفات يحققون مروياتها، ويميزون صحيحها من سقيمها. فقد أفرده بالتصنيف جماعة من العلماء منهم: ١ - على بن المدينى (ت ٢٣٤ هـ) رحمه الله تعالى، ولكن كتابه غير موجود، بل أشار إليه السيوطى- رحمه الله تعالى- عند عده لأبرز المصنفات فى أسباب النزول. ٢ - أبو الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدى النيسابورى (ت ٤٦٨ هـ) رحمه الله تعالى، وكتابه (أسباب النزول) من أشهر ما صنف فى هذا الباب وهو مرجع مهم للعلماء ولطلاب العلم. ٣ - شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر بن على العسقلانى (ت ٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى، ألف كتابا فى أسباب النزول ولكنه مات عنه وهو مسودة لم يكتمل. ٤ - الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد المعروف بالسيوطى (ت ٩١١ هـ) ألف فى أسباب النزول كتابا سماه: (لباب النقول فى أسباب النزول) وهو من أشهر الكتب المسندة فى هذا الفن. يقول السيوطى- ﵀ عن المصنفات فى أسباب النزول، وتطور الكتابة فيها: «أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم على بن المدينى شيخ البخارى، ومن أشهرها: كتاب الواحدى على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبرى، فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئا، وألف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر كتابا مات عنه مسودة فلم نقف عليه كاملا، وقد ألفت فيه كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله فى هذا النوع، سميته: (لباب النقول فى أسباب النزول» (٧). وإضافة إلى ذلك فهناك من اهتم بأسباب

стр. 37

النزول فيما كتب ولكن ليس على استقلال، وإنما جاء ذلك ضمن ما كتبوا فى علوم القرآن أو التفسير، ومن هؤلاء: ٥ - الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى (ت ٧٩٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (البرهان فى علوم القرآن) فقد عنون لأول مباحث هذا الكتاب ب: (معرفة أسباب النزول). ٦ - الإمام أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن على بن الجوزى (ت ٥٩٧ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (زاد المسير فى علم التفسير). ٧ - الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن فرح القرطبى (ت ٦٧١ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن). ٨ - الإمام الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (تفسير القرآن العظيم). ٩ - شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه (روح المعانى) وغير هؤلاء كثير.

стр. 38

طريق معرفة سبب النزول معرفة سبب النزول من الأمور التى لا تقبل اجتهادا بحال من الأحوال، لأن ما ترتبط به هذه الأسباب من ملابسات ليس افتراضا عقليا يقوم على ضرب الأمثال، بل هى أحداث ووقائع حدثت بالفعل فى أوقات محدودة وفى ظروف معينة وملابسات معروفة، وفى مثل هذه الأحوال لا مجال للوقوف على معرفتها إلا بنقل واضح عمن عاصر هذه الأحداث، وشاهد تلك الملابسات. ومن ثم فإن العلماء قد قرروا أن المرجع فى معرفة أسباب النزول يتحتم أن يكون عن طريق النقل الصحيح عن صحابة رسول الله ﷺ لأنهم هم الذين عاصروا الوحى، وعايشوا التنزيل، ووقفوا على الأحداث والوقائع التى أحاطت بما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب، كما أنهم سمعوا من الرسول الكريم ﷺ ما لم يسمعه غيرهم. من أجل ذلك تعين أن ينفرد هؤلاء بكونهم المرجع فى معرفة أسباب النزول، وعليه فإنه لا مجال لعمل العقل فى هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون فى إطار ما ورد من أسباب النزول، ونقل عن الصحابة وتعدد فى الحادثة الواحدة، فإن عمل العقل عندئذ يتمثل فى محاولة الترجيح بين الروايات، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها. ولأن معرفة أسباب النزول يترتب عليها فى مجال التشريع أمور هامة تعميما، أو تخصيصا، أو إثباتا، أو نفيا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ قد احتاطوا لهذا الأمر أشد الحيطة، فلم يقولوا فى شىء مما قالوه برأى أو اجتهاد، ولكنهم قرروا أسباب النزول وأخبروا بها، مستندين إلى قرائن تحتف بقضايا هذه الأسباب وأحداثها. ومع هذا فإنهم ضاعفوا هذه الحيطة عند ما حددوا الألفاظ التى عبروا بها عما أخبروا من أسباب النزول تحديدا واضحا، فإذا كان الصحابى لا يقطع- بناء على ملابسات وقرائن تعيّن ما يخبر به- بأن سبب آية ما هو هذا الحدث بعينه، فإن تعبيره عن سبب النزول يتضح فيه ذلك، فنراه لا يجزم بما قال، بل يقول: أحسب أن هذه الآية نزلت فى كذا، ونحو ذلك. مثال ذلك: ما أورده العلماء فى سبب النزول

стр. 39

قول الله ﵎: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النساء/ ٦٥. فقد ورد فى الحديث عن الزبير بن العوام ﵁، أنه خاصم رجلا من الأنصار فى شراج الحرة (٨) كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصارى: سرّح الماء يمر عليه، فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ (٩): «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك». فغضب الأنصارى وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر». فاستوفى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللأنصارى، فلما أحفظ رسول الله ﷺ الأنصارىّ استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم، قال الزبير: لا أحسب هذه الآية إلا أنزلت فى ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (١٠). ولقد توارثت أجيال العلماء هذا الاهتمام بأسباب النزول، فإذا كان الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- قد احتاطوا للإخبار به هذه الحيطة، فإن العلماء قد احتاطوا أيضا فى التنبيه على أن النقل الصحيح عن هؤلاء الصحابة الأبرار هو المرجع الوحيد فى معرفة أسباب النزول، وحذروا من سلوك غير هذا السبيل فى طلبها. قال الواحدى رحمه الله تعالى: «ولا يحل القول فى أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا فى الطّلاب- أى الطلب» ثم روى عن سعيد بن جبير ﵀ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الحديث إلا ما علمتم، فإن من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١١) ثم قال: «والسلف الماضون كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول فى نزول الآية .. وذكر عن محمد بن سيرين قوله: «سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن، وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا، ويخلق إفكا وكذبا، ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر فى الوعيد للجاهل بسبب الآية» (١٢). قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى بعد أن نقل قول الواحدى السابق معقبا: «وإذا كان هذا قول ابن سيرين وهو من أعلام

стр. 40

علماء التابعين تحريا للرواية، ودقة فى الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولهذا فإن المعتمد من ذلك فيما روى من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول» (١٣). أما قول التابعى فإنه إذا كان صريحا فى سبب النزول، فقد قرر السيوطى رحمه الله تعالى أنه إذا صح سنده يقبل ويكون من قبيل المرفوع أيضا مثل قول الصحابى، لكنه مرسل، خاصة إذا كان القائل من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: كمجاهد بن جبر المفسر رحمه الله تعالى (ت ١٠٤ هـ)، وأبى عبد الله عكرمة المدنى مولى ابن عباس رضى الله عنهما وأحد أوعية العلم رحمه الله تعالى (ت ١٠٥ هـ)، وأبو عبد الله سعيد بن هشام الأسدي رحمه الله تعالى (ت ٩٥ هـ)، أو اعتضد بمرسل آخر (١٤) إن لم يكن من هؤلاء الأئمة الأعلام.

стр. 41

الصيغ التى يرد بها سبب النزول أهمية بحث هذه المسألة مبعثها أن صيغة سبب النزول هى التى يتوقف عليها كيفية الجمع أو الترجيح بين الروايات المختلفة عند تعدد أسباب النزول للآية أو الآيات، كما سيأتى بحثه فيما بعد. ولقد قرر العلماء انطلاقا من تتبع أسباب النزول فى القرآن الكريم أن العبارات الدالة على أسباب النزول تأتى على وجهين، لأنها إما أن تكون صريحة فى كون الحادثة أو نحوها سببا فى نزول الآية، فعندئذ تكون تلك الصيغة نصا فى السببية لا يقبل التأويل أو الاحتمال، وإما أن تكون العبارة غير صريحة فى السببية فتكون عندئذ محتملة، فيجوز أن تكون تعبيرا عن السبب، كما يصلح أن تكون تعبيرا عن تفسير الآيات، وبيان معناها وما تضمنته من أحكام، وفيما يلى بيان كل من الصيغتين فى التعبير عن سبب النزول: الصيغة الأولى: هى التى يقول الصحابى مثلا: سبب نزول هذه الآية كذا. فهذه العبارة صيغة صريحة فى السببية، وكذلك إذا أتى بفاء التعقيب، وقرنها بعبارة الإنزال بعد ذكر حادثة أو سؤال، كأن يقول: حدث كذا وكذا، فأنزل الله تعالى آية كذا، أو فنزلت آية كذا، أو يقول: سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت آية كذا، فهذه الصيغة كذلك صريحة فى السببية، لأن قائلها أوضح فيها أن نزول الآية أو الآيات ترتب على وقوع تلك الحادثة، أو توجيه هذا السؤال، ومعنى ذلك أن سبب النزول هو هذه الحادثة، أو ذلك السؤال. مثال قول الصحابى: «حدث كذا فنزلت آية كذا». ما ثبت فى الصحيح (١٥) عن مسروق قال: سمعت خباب بن الأرت يقول: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقا لى عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا، حتى تموت ثم تبعث، قال: إنى لميت ثم مبعوث؟ فقلت: نعم، فقال: إن لى هناك مالا وولدا فنزلت: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً مريم/ ٧٧. وأما قول الصحابى: «سئل رسول الله ﷺ عن كذا فأنزل الله آية كذا» فمثاله ما جاء

стр. 42

عن أنس بن مالك ﵁: «أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوهن فى البيوت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : «جامعوهن فى البيوت، واصنعوا كل شىء غير النكاح» (١٦). وفى مقابل هذه الدلالة الصريحة على سببية النزول هناك من العبارات ما هو صريح فى التفسير، لا يحتمل السببية بوجه، كأن يقول الصحابى مثلا: المراد من هذه الآية كذا، أو تدل هذه الآية على كذا، أو يؤخذ منها كذا. فهذه العبارات وأمثالها غير صريحة فى السببية. مثال ذلك، ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير قول الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ السجدة/ ٢١. قال: «قال ابن عباس: يعنى بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وآفاتها وأسقامها، وما يحل بأهلها مما يبتلى الله به عباده ليتوبوا إليه .. وفى رواية عنه: يعنى إقامة الحدود عليهم» (١٧). الصيغة الثانية: هى التى تكون العبارة فيها محتملة، فتصلح لأن يراد بها سبب النزول، كما تصلح أن يراد بها التفسير، كأن يقول الصحابى ﵁: «نزلت هذه الآية فى كذا» لكن لا ينبغى أن يفهم احتمال هذه العبارة للأمرين معا دفعة واحدة فى الموضع الواحد، بل المراد أنها إما أن يراد بها سبب النزول، أو يراد بها التفسير، فتارة يراد منها السبب، وتارة يراد منها بيان ما تشتمل عليه الآية، وعندئذ يتوقف فهم المراد منها على دليل أو قرينة توضح هذا المراد. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قولهم: نزلت هذه الآية فى كذا. يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء فى قول الصحابى: نزلت هذه الآية فى كذا، هل يجرى مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذى أنزلت من أجله، أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند؟ فالبخارى ﵀ يدخله فى المسند، وغيره لا يدخله فى المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند» (١٨).

стр. 43

ونعود إلى بيان القرينة التى تحدد المراد، فإذا ذكر الصحابى فى عبارته بعد حرف الجر (فى) شخصا أو حادثة، أو ما يماثل ذلك، كأن يقول: نزلت هذه الآية فى فلان، أو فى قوم مثلا، أو فى حادثة، كان المقصود بها ذكر سبب النزول. أما إذا ذكر بعد حرف الجر معنى تشتمل عليه الآية، أو حكما شرعيا مأخوذا منها، فالمقصود بعبارته التفسير فى هذه الحالة. مثال ذلك، قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ المائدة/ ١٠١. فإنه إذا قيل: هذه الآية نزلت فى رجل (١٩) قال: يا رسول الله، من أبى؟ فقال: أبوك فلان. كان ذلك بيانا لسبب نزولها، وإذا قيل: هذه الآية نزلت فى النهى عن كثرة مسائلتهم لرسول الله ﷺ لأن السؤال عما لا يعنى ولا تدعو إليه الحاجة قد يكون سببا فى عنت السائل والمشقة عليه، كان ذلك تفسيرا لها وبيانا لما تشتمل عليه. والظاهر غلبة استعمال هذه العبارة فى المعنى الثانى المراد به التفسير، ومن أجل ذلك يقول بدر الدين الزركشى رحمه الله تعالى: «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية فى كذا، فإنه يريد أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب فى نزولها» (٢٠). وقد سبق ذكر ما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكم هذا التفسير من جهة اعتباره مسندا أو غير مسند.

стр. 44

تنوع أسباب النزول تنقسم أسباب النزول من حيث ما نزل القرآن فى شأنه إلى قسمين: الأول: أسباب عامة على مستوى السور. الثانى: أسباب خاصة على مستوى الآيات. وفيما يلى بيان المقصود بكل قسم مع ذكر أمثلة توضح المراد منه: أما القسم الأول: وهو المتعلق بالأسباب العامة: فالمراد به الأسباب أو الحوادث التى نزلت فيها سور بتمامها (٢١) وذلك موجود فى القرآن الكريم فى أكثر من سورة، ولما كان المجال ليس مجال حصر لهذه السور فسوف نكتفى بذكر أمثله لهذا النوع مما صح النقل فيه تبين المراد منه، وهى كما يلى: ١ - سورة الأنفال: فقد ذكر العلماء أن هذه السورة نزلت فى شأن غزوة بدر الكبرى، التى حدثت فى شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى (ت ١٥١ هـ) عقب ذكره لأحداث تلك الغزوة، وذكر من شهدها من المسلمين والكفار: «فلما انقضى أمر بدر أنزل الله فيه من القرآن الأنفال بأسرها» (٢٢). وأخرج البخارى رحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير ﵀ قلت لابن عباس رضى الله عنهما: «سورة الأنفال (٢٣)؟ قال: نزلت فى بدر» (٢٤). ٢ - سورة الفتح: أورد العلماء أنها نزلت فى شأن الحديبية. فعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: «أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة فى شأن الحديبية من أولها إلى آخرها» (٢٥). ٣ - سورة الحشر: ذكر المفسرون أنها نزلت فى بنى النضير. فعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: « ... قلت لابن عباس رضى الله عنهما: ... سورة الحشر؟ قال: نزلت فى بنى النضير» (٢٦). وأما القسم الثانى: وهو المتعلق بالأسباب الخاصة، فالمراد به الأسباب أو الحوادث التى نزلت فيها آية أو جملة من الآيات، وهذا هو

стр. 45

الأعم الأغلب فى أسباب النزول، وفيما يلى أمثلة لهذا النوع: ١ - ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا الأحزاب/ ٢٣. فقد أخرج مسلم- رحمه الله تعالى- عن ثابت قال: «قال أنس: عمّى الذى سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه، وإن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرانى الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد ابن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد فى جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال: فقالت أخته عمتى الرّبيع بنت النضر: فما عرفت أخى إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه» (٢٧). ٢ - ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر/ ٩. فقد أخرج البخارى- ﵀ عن أبى هريرة ﵁: «أن رجلا أتى النبى ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : من يضم- أو يضيف- هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمى ضيف رسول الله ﷺ فقالت: ما عندنا إلا قوت صبيانى، فقال: هيئى طعامك، وأصبحى سراجك، ونومى صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: ضحك الله الليلة- أو عجب- من فعالكما، فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٨).

стр. 46

فوائد معرفة أسباب النزول قد عرفنا فيما سبق ما هو سبب النزول، وما الذى يرجع إليه فى معرفته، وما صيغته التى يرد بها، وقد آن لنا أن نعرف ما هى الثمرة المرجوة، والفائدة المأمولة من وراء هذا البحث. الحق أن البحث فى سبب النزول وفوائد معرفته بحث مهم، ولهذا نرى أن علماء الأمة قد أولوه عنايتهم كما سبقت الإشارة إليه فى كلام السيوطى- رحمه الله تعالى- فى بيان من أفرد هذا الموضوع بالبحث، كما نرى واحدا من أعلام هؤلاء العلماء، وهو بدر الدين الزركشى- رحمه الله تعالى- قد بدأ مصنفه القيم فى علوم القرآن الذى يعتبر عمدة فى هذا الفن، وهو كتاب (البرهان فى علوم القرآن) (٢٩) ببحث هذا الموضوع، فجعل النوع الأول مما بحثه فى كتابه من موضوعات: (معرفة أسباب النزول). وإنه لمخطئ من يظن أنه ليس من وراء البحث فى أسباب النزول من فائدة؛ إذ يبنى ظنه على أن هذا الموضوع من قبيل ما يجرى مجرى التاريخ الذى مرت أحداثه، وانتهت ملابساته، وعليه فإن معرفة سبب النزول لا تزيد عن كونها نوعا من الاطلاع والعلم المجرد بما وقع من أحداث، وكان سببا فى نزول بعض الآيات. ولا شك أن هذا الظن خاطئ، بل لمعرفة أسباب النزول فى القرآن الكريم فوائد جليلة، منها ما يلى: أولا: بيان الحكمة الباعثة على تشريع كثير من الأحكام، ومن ثم إدراك أن روح التشريع الإسلامى وجوهره يقوم على مراعاة هذا التشريع الحكيم لمصالح العباد فى معالجة ما يعرض لهم من أحداث ووقائع، وأن مراعاة هذه المصالح أمر ينطلق من رحمة الله ﵎ بعباده، ورأفته بهم، وتيسيره عليهم. ولقد تجلت هذه الحكمة واضحة فيما ورد فى حادثة سبب نزول آية التيمم من جهة، وفى النص عليها فى نفس الآية من جهة أخرى، وهذه الآية هى قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

стр. 47

وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المائدة/ ٦. فعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة- رضى الله عنها- زوج النبى ﷺ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لى، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق ﵁ فقالوا: أترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ﵁ ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء! قالت عائشة- رضى الله عنها-: فعاتبنى أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعننى بيده فى خاصرتى، ولا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذى، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير ﵁: ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر قالت: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فإذا العقد تحته» (٣٠). والمقصود بآية التيمم هنا: هى آية المائدة التى مر ذكرها قبل قليل، لأنه قد ورد فى نفس الباب عند البخارى رواية من طريق ابن وهب: عن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فى نفس القصة جاء فى نهايتها قول أم المؤمنين- رضى الله عنها-: «ثم إن النبى ﷺ استيقظ وحضرت الصبح- أى صلاة الصبح- فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبى بكر، ما أنتم إلا بركة لهم». وقد أشكل على العلماء المقصود بآية التيمم فى قول أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- وقد ساق ابن حجر- رحمه الله تعالى- هذا الإشكال من خلال مقولات العلماء فى المقصود بالآية، ثم حقق أنها آية المائدة، قال رحمه الله تعالى: «قال ابن العربى: هى معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنا لا نعلم أى الآيتين عنت عائشة- رضى الله عنها- قال ابن بطال: هى آية النساء (٣١) أو آية المائدة. وقال القرطبى: هى آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء،

стр. 48

وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم. وأورد الواحدى فى (أسباب النزول) (٣٢) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا، وخفى على الجميع ما ظهر للبخارى من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقوله: فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية» (٣٣). ثانيا: تخصيص الحكم- فيما نزل بصيغة العموم- بصورة السبب التى نزل فيها- أى بالحادثة التى كان وقوعها سببا فى نزول الحكم- وذلك عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. ومعنى هذا الكلام: أن النص العام الوارد على سبب خاص لا يبقى على عمومه بعد نزوله على سببه الخاص، بل يكون مقصورا على حالة هذا السبب، بمعنى أن استفادة الحكم فى هذا السبب بذاته مما نزل تكون بطريق النص، فإذا عمل بهذا الحكم فى حادثة أو حوادث تشابه حادثة صورة السبب كان استفادة الحكم فى هذه الحوادث المشابهة بطريق القياس لا بطريق النص، ولكن هذا التخصيص مسألة خلافية سوف نعرض لها بالتفصيل عند بحث مسألة عموم اللفظ وخصوص السبب. ثالثا: إذا كان اللفظ النازل فى سبب ما عاما، وقام الدليل على تخصيصه، فإن معرفة سبب النزول تجعل التخصيص الوارد قاصرا على ما عدا الحادثة التى كانت صورة السبب، ذلك لأن صورة حادثة السبب لا يجوز إخراجها بالاجتهاد قياسا على صورة أخرى لا يجرى فيها الحكم الوارد فى ذلك النص، ذلك أن دخول الحادثة التى هى صورة السبب فى اللفظ العام قطعى، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد وهو ظنى. مثال ذلك: ما ذكره المفسرون فى سبب نزول قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ النور/ ٢٣. فقد أوردوا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وابن عباس رضى الله عنهما: أن هذه الآية نزلت فى رماة عائشة رضى الله عنها خاصة، أو فيها وسائر أزواج النبى ﷺ عامة (٣٤) وهو وعيد لهؤلاء الرماة، عام فى عذابهم فى الدنيا والآخرة، مما يفيد عدم قبول توبتهم، ولكن هذا العموم قد خصص بقبول توبة من يقذف غيرهن من المؤمنات إذا تاب بدليل قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا

стр. 49

بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور/ ٤، ٥. فهذه الآية مخصّصة لعموم الآية السابقة، ولكن لا ينبغى أن يقاس فى هذا التخصيص قبول توبة من يقذف عائشة رضى الله عنها أو إحدى أمهات المؤمنين على قبول توبة قاذف غيرهن، لأن قذف أزواج النبى ﷺ هو صورة السبب التى نزل عليها الحكم فى قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ الآية، وعليه فيمتنع أن تخرج صورة السبب من النص العام النازل عليها بالتخصيص الوارد فى الآية الثانية، بل يقتصر هذا التخصيص على ما عدا صورة السبب، فلا يكون لقاذف أزواج النبى ﷺ توبة. قال السيوطى رحمه الله تعالى: «إن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعى، وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه القاضى أبو بكر فى التقريب، ولا التفات إلى من شذ فجوّز ذلك» (٣٥). لكن الآية التى معنا قد تخرّج على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها إنما هو لمن أصرّ على القذف ولم يتب، وأن ذلك يكون فى حق القاذف المصرّ عموما سواء كان قذفه لأزواج النبى ﷺ أو لغيرهن. كما يمكن تخريجها على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها خاص بمن قذف عائشة رضى الله عنها، أو احدى أمهات المؤمنين رضى الله عنهن جميعا، بعد نزول ما نزل فى شأن عائشة رضى الله عنها من القرآن. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبّها- يعنى بذلك عائشة رضى الله عنها- بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذى ذكر فى هذه الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن وفى بقية أمهات المؤمنين قولان، أصحهما: أنهن كهى، والله أعلم» (٣٦). رابعا: من أهم فوائد معرفة أسباب النزول، بل من دواعى هذه المعرفة والحاجة إليها: أنها تعين فى كثير من المواطن على فهم معنى الآيات، وإزالة ما قد يبدو فيها من إشكال، وبدون معرفة سبب النزول يمكن أن يخطئ المفسر فى فهم معنى الآية فيحمله على غير المراد، وقد لا يعرفه على الإطلاق، وفى هذا من الخطورة ما فيه، لأن الجهل فى هذا الصدد يفتح الباب على مصراعيه أمام

стр. 50

الفتاوى الخاطئة، ويلبس على المؤمنين أمر دينهم، ولهذا نبه العلماء على أهمية معرفة سبب النزول من هذه الحيثية. فقد أشار الواحدى- رحمه الله تعالى- إلى امتناع معرفة تفسير الآية، ومعرفة ما تعنيه، دون الوقوف على قصتها والعلم بسبب النزول (٣٧). وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: «بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن» (٣٨). وقال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٣٩). وهناك أمثلة كثيرة من أسباب النزول توضح كيفية إزالة الإشكال فى فهم كثير من آيات القرآن الكريم، التى لم يكن يتأتى فهم معناها بدون معرفة هذه الأسباب. ومن بين الآيات التى يتضح فيها ذلك ما يلي: ١ - قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ البقرة/ ١٥٨. فإن ظاهر هذه الآية لم ينص على فرضية السعى بين الصفا والمروة، مما يفهم منه أن السعى بينهما مباح، من شاء فعله، ومن شاء تركه ولا حرج عليه، لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الإلزام، وهذا الفهم قد تبادر إلى عروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٤ هـ) رحمه الله تعالى، وصرّح به لخالته أم المؤمنين الصديقة عائشة- رضى الله عنها-، فلما سمعت منه ذلك بينت له ما تفيده الآية الكريمة على الوجه الصحيح، وكان ذلك ببيان سبب نزولها. وقد أوردت الصحاح قصة طويلة فى بيان ذلك نوردها بتمامها لما فيها من الفائدة. فعن ابن شهاب الزهرى رحمه الله تعالى: قال عروة: «سألت عائشة رضى الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فو الله ما على أحد جناح ألّا يطّوف بالصفا والمروة؟ قالت: بئس ما قلت يا ابن أختى، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألّا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ يتحرج أن يطّوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطّوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، قالت عائشة رضى الله

стр. 51

عنها: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس- إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلّ بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة فى القرآن قالوا: يا رسول الله، كنّا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطّوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت فى الفريقين كليهما: فى الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا فى الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما فى الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت» (٤٠). ٢ - قول الله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الآية، الطلاق/ ٤. فقد أشكل معنى هذا الشرط (إن ارتبتم) على البعض، حتى قال الظاهرية (٤١) بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب (٤٢) وسبب ذلك أنهم فهموا أن الشرط مرتبط بالحيض، فحسبوا أن المعنى: إن ارتبتم فى حيضهن. ولكن ما ورد فى سبب نزول هذه الآية يزيل هذا الإشكال، لأنه يجعل الارتياب فى حكم عدة الآيسة وليس فى حيضها. فقد أخرج الحاكم (٤٣) وصححه عن أبىّ ابن كعب ﵁ قال: «لما نزلت الآية التى فى سورة البقرة فى عدد من عدد النساء، قالوا: قد بقى من عدد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار، ولا من انقطعت عنهن الحيض، وذوات الأحمال، فأنزل الله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ». ٣ - قول الله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ آل عمران/ ١٨٨. فقد أشكل أمر هذه الآية على مروان بن الحكم، فأرسل إلى عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما، فأجابه فيها ببيان سبب النزول، الذى أزال الإشكال واللبس.

стр. 52

فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن مروان ابن الحكم قال: «اذهب يا رافع- لبوّابه- إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى- فى رواية مسلم: فرح بما أتى- وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون، قال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت هذه فى أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ وتلا: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ثم قال ابن عباس: سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه» (٤٤). ٤ - قول الله ﵎: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ البقرة/ ١٨٩. فإن هذه الآية يصعب التوصل إلى المقصود فيها من قول الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها إلا بمعرفة سبب نزولها، أو فى أى شىء نزلت. وبالفعل فإنه قد ورد سبب يوضح المعنى المراد، أخرج البخارى (٤٥) عن أبى إسحاق السبيعى قال: سمعت البراء ﵁ يقول: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها (٤٦) فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عيّر بذلك فنزلت: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. خامسا: ومن الفوائد المترتبة على معرفة سبب النزول: ما ذكره الزركشى من دفع توهم الحصر المتبادر من بعض الآيات، وقد فصل ذلك بقوله: (قال الشافعى ما معناه فى معنى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- الآية ١٤٥ من سورة الأنعام: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة

стр. 53

والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة، لا النفى والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. قال إمام الحرمين: و «هذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكر فى الآية» أ. هـ. ما قاله الزركشى (٤٧). قلت: وهذا يتوقف على ورود سبب صحيح فى نزول الآية، يقضى بأن الكفار أحلوا ما حرمته تلك الآية فجاءت الآية ردا عليهم، ولكن الزركشى لم يورد مثل هذا السبب صريحا، كما أن السيوطى فى نقله ذلك عنه لم يصرح بهذا السبب كذلك، بل نقل عبارة الزركشى بنصها كما ذكرها صاحبها فى البرهان.

стр. 54

عموم اللفظ وخصوص السبب عنى بتحقيق هذه المسألة كثير من العلماء، ومن أشدهم عناية بذلك الأصوليون والمفسرون، أما الأولون فلأن بحثهم فى مجالهم يقوم على الاستدلال بألفاظ القرآن الكريم على الأحكام الشرعية، وأما الآخرون فلأن البحث فى ذلك يساعدهم على فهم المعنى المراد من الآيات القرآنية. واستقراء ما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب فى ضوء مطابقة ألفاظ النازل لأفراد السبب من حيث التعميم أو التخصيص ينكشف عن أربع صور عقلية، لأن اللفظ النازل إما عام وإما خاص، والسبب الذى نزل عليه اللفظ إما عام وإما خاص كذلك، فتنتج هذه الصور التى نذكرها فيما يلى: أولا: قد يكون سبب النزول عاما، واللفظ الذى نزل عاما كذلك، ولا إشكال فى هذه الصورة، لأن الحكم الوارد فى الآية عام، وهو ثابت لكل أفراد السبب العام بطريق النص، وهذا محل اتفاق بين العلماء نظرا للتطابق بين اللفظ والسبب. مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله ﵎: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة/ ٢٢٠. فعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: «لما أنزل الله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- الإسراء/ ٣٤ - وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية- النساء/ ١٠ - انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم» (٤٨). ثانيا: قد يكون سبب النزول خاصا واللفظ الذى نزل فى شأنه خاصا كذلك، وهذا مثل سابقه لا إشكال فيه كذلك، لأن الحكم الخاص الوارد فى الآية ثابت للفرد الخاص الذى نزل فى شأنه، وذلك للتطبيق

стр. 55

بينهما فى جهة الخصوص ولا خلاف بين العلماء فى ذلك. مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ إلى آخر سورة المسد. فقد أخرج البخارى (٤٩) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبى ﷺ الصفا، فجعل ينادى: يا بنى فهر، يا بنى عدى- لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. ثالثا: قد يكون السبب عاما واللفظ خاصا: «وتلك صورة فرضية غير واقعة فى القرآن، لأنها تتنافى وبلاغته، لعدم وفاء اللفظ للسبب، إذ السبب بمنزلة السؤال، واللفظ المنزل بمنزلة الجواب، وقصور الجواب عن مطلوب السؤال مخل بالبلاغة» (٥٠). رابعا: قد يكون سبب النزول خاصا، واللفظ الذى نزل فى شأنه عاما، وهذه الصورة هى موضع خلاف العلماء، وقد تكررت هذه الصورة فى القرآن الكريم فى أكثر من سورة. واختلاف العلماء فى شأن هذه الصورة يدور حول ما يعتبر عندهم، ويعتد به من الأمرين: هل تكون العبرة بعموم اللفظ؟ وعندئذ يكون اللفظ العام باقيا على عمومه، فيتناول أفراد السبب الخاص وكل ما يكون مشابها له من أفراد غيره، أو تكون العبرة بخصوص السبب؟ فلا يكون اللفظ باقيا على عمومه بل يكون مقصورا على أفراد السبب الخاص، ولا يدخل ما سوى ذلك فى الحكم إلا بدليل آخر غير النص. ولنذكر أولا مثالا تتضح فيه صورة هذا الخلاف، ثم نذكر ما قاله العلماء فى هذا الصدد مقرونا بالأدلة، ثم نبين أى القولين أولى بالاعتبار. ففي الصحيح: عن ابن عباس- رضى الله عنهما: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن السحماء، فقال رسول الله

стр. 56

صلّى الله عليه وسلم: «البينة وإلا حدّ فى ظهرك». قال: فقال هلال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته، أيلتمس البينة؟ فجعل رسول الله ﷺ يقول: «البينة وإلا فحد فى ظهرك» قال: فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلن الله فى أمرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فقرأ حتى بلغ: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ النور/ من الآية: ٦ - ٩ قال: فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبى ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالوا لها: إنها موجبة فقال ابن عباس: فتلكأت ونكست حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضح قومى سائر اليوم، فقال النبى ﷺ : «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين (٥١) سابغ الأليتين (٥٢) خدلج الساقين (٥٣) فهو لشريك بن السحماء». فجاءت به كذلك، فقال النبى ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لنا ولها شأن» (٥٤). فالحديث كما هو واضح يصرح بأن سبب النزول هنا خاص، وهو قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن السحماء، والآيات المذكورة نزلت بحكم اللعان بلفظ عام، لأنها مبدوءة بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، واسم الموصول من صيغ العموم وموضوع خلاف العلماء هنا هو: هل لفظ الآية العام يتناول بنصه كل قاذف لزوجته من غير شهود يشهدون معه؟ ولا حاجة مع هذا النص إلى أدلة أخرى من اجتهاد أو قياس فى تعميم هذا الحكم على غير هلال بن أمية، أى أن العبرة بعموم اللفظ فى الآيات، لا بخصوص السبب النازلة عليه، أو أن لفظ الآيات العام قاصر فى حكمه على سببه الخاص، وهو قذف هلال بن أمية امرأته، وأما من عداه ممن يفعل فعله فلا ينطبق عليه الحكم من خلال لفظ الآيات، وإنما ينطبق عليه بدليل آخر هو القياس، والعبرة عندئذ تكون بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؟ رأيان للعلماء: ذهب إلى الأول منهما جمهور العلماء، وذهب إلى الثانى فريق منهم. وقبل أن نستعرض أدلة كل فريق ينبغى التأكيد على أن الجميع متفقون على تعميم أحكام الآيات التى نزلت بألفاظ العموم، وإن كان سببها خاصا، ما دامت قد خلت عن قرينة تمنع من هذا التعميم، بمعنى أن اللفظ العام

стр. 57

الذى نزل بحكم ما على سبب خاص لا خلاف فى تعميم حكمه على كل الحالات التى يتناولها، من أفراد السبب وغيرها، لكن الخلاف فى كيفية استفادة الحكم بالنسبة لأفراد غير السبب (٥٥): فالجمهور يرى أن استفادة الحكم فيها بطريق النص كما فى أفراد السبب، أما غيرهم فيرون أن الحكم فى صورة غير السبب يكون بطريق القياس وليس بالنص، بمعنى أنهم لا يقولون بامتناع ثبوت الحكم فى غير صورة السبب مما هو من نوعه بل يقولون بتعديته إليه بطريق القياس، أما أدلتهم فهى كما يلى: أولا: أدلة الجمهور: (أ) أن المعوّل فى الاحتجاج على لفظ الشارع وحده- أى النص القرآنى- لا على السؤال أو السبب الذى نزلت الآيات فى شأنه؛ لهذا نرى أن اللفظ القرآنى فى بعض الأحوال قد يعدل بالجواب عن سنن السؤال وذلك لحكمة وفائدة فى مجال التوجيه والتربية، كأن يرد السؤال عن شىء بذاته، فيوجه الجواب السائل إلى شىء آخر هو أولى بالاهتمام وهو الذى كان من المفروض أن تتحرّى معرفته، وذلك كما فى قول الله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ البقرة/ ٢١٥. فالسؤال فى الآية قد توخى معرفة ما ينبغى أن ينفق، والجواب توخى الإعلام بالجهات التى ينبغى أن توجه إليها النفقة لأنه أنسب فى هذا الموضع. (ب) أن اللفظ القرآنى عام فيجب بقاؤه على عمومه، لأن الأصل فى الألفاظ حملها على معانيها الأصلية المتبادرة، ولا يجوز صرف اللفظ عن معناه الذى وضع له إلا لقرينة تمنع بقاءه على هذا الأصل، وكون اللفظ القرآنى قد نزل على سبب خاص، فذلك ليس قرينة على التخصيص، لأنه لا مانع أن يكون السبب الخاص وسيلة لبيان حكمه، وحكم كل ما هو على شاكلته، بل إن العدول- فى ذاته- عن ربط الحكم بالخاص إلى ربطه بالعام دليل على قصد العموم. (ج) أن الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- ومن بعدهم قد تمسكوا- فيما نزل على أسباب خاصة- بما أفادته ألفاظ القرآن النازل من العموم، واحتجوا بذلك على وقائع لم تكن أسبابا لنزول الآيات، بل شابهتها، وذلك من غير حاجة إلى دليل آخر كالقياس ونحوه. فنراهم قد استدلوا على حكم الظهار، وما

стр. 58

ينبغى أن يفعله من يظاهر من زوجته- عند العود- من الإتيان بالكفارة: من تحرير الرقبة، أو الصيام، أو الإطعام، وأن ذلك لكل مظاهر. أقول: استدلوا على ذلك بعموم ما ورد فى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ ٣، ٤. مع أن السبب فى نزول هذه الآيات هو فعل أوس بن الصامت ﵁، لما ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة كما سيأتى بيانه فى موضع قادم إن شاء الله تعالى. والصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- من العرب الخلّص، الذين يعرفون بسليقتهم ما تفيده الألفاظ العربية، ولو كان ورود العام على سبب خاص يستلزم قصره عليه- فيما عهدوه من لغتهم- لما ذهبوا إلى هذا التعميم ولوقفوا عند مقتضى التخصيص، ولكن ذلك لم ينقل عنهم. بل أصرح من هذا: أنه قد ورد عنهم ما ينص على هذا التعميم، قال ابن جرير الطبرى رحمه الله تعالى: «حدثنى محمد بن أبى معشر، قال: أخبرنى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبرى يذاكر محمد بن كعب، فقال: إن فى بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، لبسوا منسوك الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أعلى يجترئون، وبى يغترون؟ وعزتى لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا فى كتاب الله جل ثناؤه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة/ ٢٠٤، ٢٠٥ فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل فى الرجل ثم تكون عامة بعد» (٥٦). وشبيه بذلك ما صرح فيه عقب نزول بعض الآيات باعتبار عموم لفظه، على الرغم من خصوص سببه كما جاء فى الحديث التالى: عن ابن مسعود ﵁: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام، فأتى النبى ﷺ فسأله عن كفارتها فنزلت: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ

стр. 59

وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ- سورة هود/ ١١٤ فقال الرجل: ألى هذه يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «لك ولمن عمل بها من أمتى». وفى بعض الروايات: فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: «بل للناس عامة» (٥٧). ثانيا: أدلة المخالفين: أما المخالفون: فليس لهم أدلة سوى بعض المحاذير التى يرون أنها تترتب على القول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهى محاذير يمكن الرد عليها جميعا، ومن بين هذه المحاذير: (أ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: ألا يكون هناك فائدة لأسباب النزول، أو لبيانها على الرغم من اجتهاد العلماء فى نقل هذه الأسباب، واهتمام علماء التفسير بها، ولا تظهر الفائدة من ذلك إلا بالقول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. ويمكن الرد على ذلك: بأن لمعرفة أسباب النزول كثيرا من الفوائد الهامة غير هذه الفائدة التى أوردها هؤلاء مثل معرفة حكمة التشريع، وإزالة ما قد يكون فى الآيات من إشكال، وغير ذلك مما عالجناه فى موضع آخر. (ب) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: أنه يحنث من قال: والله لا آكل، جوابا لمن قال: كل فاكهة. إذا حدث وأكل خبزا، لأن قوله: لا آكل. يعم كل أكل، مع أن الفقهاء على أنه لا يحنث، فثبت أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ. والرد على ذلك: أن التخصيص فى هذا المثال إنما جاء من العرف، الذى يقضى بأن الحالف فى مثل هذه الحالة لا يقصد نفى الأكل مطلقا، وإنما يقصد نفى أكل الفاكهة، فالتخصيص جاء من قرينة قضت به، لا من خصوص السبب، ولا نزاع فى ذلك، إنما النزاع عند عدم القرينة. (ج) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: أن لا يكون لربط نزول الآية بسببها فائدة، لأن هذا الربط دليل على أن العبرة بخصوص السبب، ولولا ذلك كانت الآيات تنزل إما قبل حدوث هذه الأسباب، أو بعدها بوقت طويل، حتى ينفك هذا الارتباط، فدل ذلك التعاقب على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. والرد على ذلك: أن هذا التعاقب بين السبب والآيات النازلة فى شأنه يؤدى إلى تثبيت الحكم الشرعى وإظهار حكمة التشريع، وتوضيح المراد من الآيات عند ما يشكل

стр. 60

معناها، وليس المراد منه قصر الحكم على سببه الخاص. (د) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: جواز إخراج صورة السبب من اللفظ العام إذا ورد ما يخصصه لأنه حينئذ كأى فرد من أفراده، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز إخراج صورة السبب من العام فى هذه الحالة فدل ذلك على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. ويجاب عن ذلك: بأن عدم جواز إخراج صورة السبب بما ورد من التخصيص إنما هو لمزية فى صورة السبب ليست فى سائر الأفراد، وهى مع ذلك تدخل دخولا أوليا، وقد عولج ذلك بالتفصيل فى بيان فوائد معرفة أسباب النزول. (هـ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: عدم مطابقة اللفظ العام الذى هو بمنزلة الجواب للسبب الذى هو بمنزلة السؤال، لأن السبب خاص واللفظ عام، فلا تطابق بينهما، مع أن التطابق فى مثل ذلك ضرورى، انطلاقا من قواعد البلاغة، وإذا لم يتحقق هذا التطابق يكون مخلا ببلاغة القرآن، وهو عندئذ نقص يتنزه عنه القرآن الكريم. والجواب على ذلك: أن التطابق المنشود يتحقق فى حالة عموم اللفظ، لأنه يتضمن بيان حكم السبب الخاص، وهذا قدر متيقن، ويزيد عليه بيان حكم ما يشابهه، ولا يخل بأعلى مراتب البلاغة أن يكون اللفظ العام جوابا شاملا للسبب ولغيره، بل إن هذه مزية، لأنها فائدة زائدة ترفع من شأن الكلام، وتزيد من قيمته. وحيث زالت هذه المحاذير بما لا تكلف فيه: فإنه لا يبقى لهؤلاء دليل على رأيهم، وتبقى أدلة الجمهور سالمة ناطقة بصواب ما ذهبوا إليه، وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإذا كان لهذا الخلاف من ثمرة: فإن الثمرة تنحصر فى تحديد مأخذ الحكم فى غير صورة السبب الخاص وهى- كما قدمنا- مندرجة تحت الحكم قطعا، ولكن جماهير العلماء يرون مأخذ الحكم فيها بطريق النص نفسه بينما يرى البعض مأخذه بطريق القياس، فالحكم فى غير صورة السبب قائم فى كلتا الحالتين على دليل شرعى (٥٨).

стр. 61

تعدد الروايات فى سبب النزول كثيرا ما يجد المفسر نفسه- فيما يتعلق بمعانى الآيات، أو بملابسات نزولها- فى مواجهة روايات بأسباب متعددة لنزول الآية الواحدة، وسبيله عندئذ أن ينظر فى الصيغ التى وردت بها تلك الروايات والقرائن التى تصاحبها، وهذه الصيغ أو تلك القرائن هى التى تحدد إمكان الجمع أو الترجيح بين هذه الروايات المتعددة، وقد تتبع العلماء أوجه هذا التعدد فوجدوها تأتى على النحو التالى: (أ) أن تكون الصيغ الواردة ليست نصا فى سبب النزول: بأن يقول بعضهم: (نزلت هذه الآية فى كذا) ويذكر شيئا من مضمونها، ويقول الآخر: (نزلت هذه الآية فى كذا) ويذكر شيئا آخر مما يحتمله مضمون الآية. فهاتان الصيغتان تقبلان معا على أنهما للتفسير والبيان، وليس لبيان سبب النزول، وذلك ما لم تقم قرينة على صيغة منهما تعينها سببا لنزول الآية، فلو قامت هذه القرينة تعينت تلك الصيغة سببا للنزول دون غيرها. مثال ذلك: قول الله ﵎: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة/ ٢٧٤. فقد ورد فيها بيان لكل من ابن عباس رضى الله عنهما، وقتادة بن دعامة السدوسى (ت ١١٧ هـ) رحمه الله تعالى، فلو تأملنا فيها قول ابن عباس رضى الله عنهما: إنها فى الذين يعلفون الخيل فى سبيل الله تعالى. وكذلك قول قتادة: إنها فيمن أنفقوا فى سبيل الله الذى افترض عليهم فى غير سرف ولا إملاق ولا تبذير (٥٩)؛ لكان كل من القولين صحيحا، لأن الآية تتضمن هذا وذاك، ولا منافاة بينهما. ومن هذا القبيل: ما يمكن أن يقال عند تدبر قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ آل عمران/ ١٦٩، ١٧٠.

стр. 62

فلو قال قائل: إن هذه الآية نزلت فى بيان منزلة الشهداء عند الله تعالى، وأنها من أعلى المنازل فى الجنة اعتبارا بما فى أول الآيات، وقال آخر: نزلت هذه الآيات فى الترغيب فى الجهاد لنيل الشهادة اعتبارا بما فى آخرها. لكان كل من القولين صحيحا، لأن الآيات تتضمن هذا وذاك، ولا تعارض بينهما. (ب) أن تكون إحدى الصيغتين نصا فى سبب النزول: بمعنى أن يكون فيها ما يدل على ذلك مثل فاء التعقيب، وتكون الأخرى ليست نصا فى السببية، بل جاءت بعبارة: نزلت الآية فى كذا، فإن الصيغة الأولى عندئذ تعتمد سببا لنزول الآية، أما الثانية فتحمل على أنها نوع من التفسير أو الاستنباط من الآية حسب فهم من سيقت عنه. مثال ذلك: قول الله ﵎: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ البقرة/ ١٩٧. فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٦٠) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى». كما ورد فى الآية كذلك أنها: فى الأمر بأخذ الزاد عند السفر، والإخبار والإعلام بأن خير ما يتزود به هو تقوى الله تعالى، حكاه الإمام عبد الرحمن بن الجوزى (ت ٥٩٧ هـ) عن أبى إسحاق الزجاج (ت ٣١١) رحمه الله تعالى (٦١). فحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعتبر سببا فى نزول الآية لصراحة عبارته فى ذلك، وأما قول الزجاج فإنه يحمل على تفسير الآية. (ج) أن يأتى فى الآية روايتان: وتكون كل منهما نصا فى سبب نزولها، ولكن إحداهما إسنادها صحيح دون الأخرى، فالمعتمد عندئذ فى سبب النزول هو الرواية التى صح إسنادها. مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى سورة الضحى/ ١ - ٥. فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٦٢) عن جندب بن سفيان ﵁، قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءت امرأة- أى من الكفار- فقالت: يا محمد إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره

стр. 63

قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله : وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى». وروى الواحدى (٦٣) عن حفص بن سعيد القرشى، قال: حدثتنى أمى عن أمها خولة، وكانت خادمة رسول الله ﷺ . «أن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبى الله ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة ما حدث فى بيتى؟ جبريل ﵇ لا يأتينى، قالت خولة، لو هيأت البيت وكنسبته فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا شىء ثقيل، فلم أزل حتى أخرجته فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبى الله ﷺ ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحى استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة دثرينى. فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى». وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن هذه القصة رواها الطبرانى بإسناد فيه من لا يعرف، ثم قال: «وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت السرير مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ مردود بما فى الصحيح، والله أعلم» (٦٤). (د) أن يأتى فى الآية روايتان صحيحتان: وكل منهما نص فى سبب نزولها، لكن فى إحداهما ما يرجحها على الأخرى مثل كونها أصح من الأخرى، أو أن راويها كان حاضرا مشاهدا للقصة بخلاف الآخر، فعندئذ يؤخذ فى سبب النزول بالرواية الراجحة دون الرواية المرجوحة. مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥. فقد أخرج البخارى (٦٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث، وهو متكئ على عسيب (٦٦) - إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ - وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». وأخرج الترمذى (٦٧) وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، قال: فسألوه عن

стр. 64

الروح، فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. فالرواية الأولى تقتضى أن الآية نزلت بالمدينة، والثانية تقتضى أنها نزلت بمكة. وقد رجح العلماء الأولى لكونها من رواية البخارى، وما رواه أصح، وبأن ابن مسعود كان حاضرا مشاهدا للقصة. (هـ) أن يأتى فى الآية روايتان كل منهما نص فى سبب النزول: وكل منهما مساوية للأخرى فى الصحة ولا مرجح عندئذ لإحداهما، لكن يمكن الجمع بينهما، لتقارب الزمن بين القصتين، فتكون الآية نازلة فى السببين أو الأسباب معا على هذا الوجه وذلك الاعتبار. مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ الآيات سورة النور/ ٦ - ١٠. فقد أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت فى هلال بن أمية لما قذف زوجته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء، وقد مرت هذه الرواية بالتفصيل من قبل عند بحث مسألة: عموم اللفظ وخصوص السبب. كما أخرج البخارى ومسلم (٦٨) من رواية سهل بن سعد الساعدى: أنها نزلت فى عويمر العجلانى، لما سأل رسول الله ﷺ قائلا: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزل الله فيك وفى صاحبتك». فأمرها رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله فى كتابه. إلى آخر الحديث. فيمكن الجمع بين الحادثتين: بالقول بأن حادثة هلال بن أمية وقعت أولا، وصادف مجىء عويمر كذلك فنزلت الآية فى شأنهما معا بعد حادثتيهما، إذ لا يجوز أن نرد الروايتين معا لصحتهما، كما لا يجوز أن نرد إحداهما ونأخذ بالأخرى، لأنه لا مرجح بينهما، فبقى أن نأخذ بهما معا كما قرر العلماء، سيما مع قرب زمانيهما.

стр. 65

(و) أن يأتى فى الآية روايتان صحيحتان: كل منهما نص فى سبب النزول، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ولا يمكن الجمع بينهما على اعتبار قرب الزمان، لأن زمانهما متباعد، وعندئذ يحمل العلماء مثل هذه الصورة على تكرر النزول. وقد مثل الزركشى لذلك- فى البرهان- بما ورد فى سبب النزول لقول الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ هود/ ١١٤، من أنها نزلت- كما فى الصحيحين (٦٩) فى رجل أصاب من امرأة قبلة، فسأل النبى ﷺ عن كفارتها، فنزلت الآية. قال الزركشى معلقا: «والرجل قد ذكر الترمذى أو غيره (٧٠) أنه أبو اليسر، وسورة هود مكية باتفاق، ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا، ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة» (٧١). والحق أن هذا الإشكال لا يحتم القول بتكرر النزول كما قال الزركشى، لأن كون السورة مكية لا يمنع أن تكون بعض آياتها مدنية، لأن الاعتبار فى تصنيف السور إلى مكى ومدنى بالأعم الأغلب، والقرآن نزل منجما فى مكة والمدينة، والراجح أن هذه الآية مدنية، وهذا ما قرره السيوطى ﵀ ونص عليه فى بيان أن بعض السور التى نزلت بمكة فيها آيات نزلت بالمدينة، ذكر منها سورة هود، فقال: «هود: استثنى منها ثلاث آيات: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ قلت: دليل الثالثة ما صح من عدة طرق أنها نزلت فى المدينة فى حق أبى اليسر» (٧٢). كما ساق الزركشى مثالا آخر لتكرر النزول فقال: «وكذلك ما ورد فى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة» (٧٣). وعلل لتكرار النزول بقوله: «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل فى الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة وأخرى بالمدينة» (٧٤). وعلى كل ففي القول بتكرار النزول أقوال للعلماء، ولم يتفقوا جميعا على القول به، بل منهم من أنكر وقوعه (٧٥). هذه هى الأوجه التى تتأتى فى تعدد الروايات فى أسباب النزول، وهذه هى أمثلتها مقرونة بما يتأتى فيها من الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض، مع بيان دواعى هذا الترجيح.

стр. 66

تعدد المنزّل من القرآن والسبب واحد وكما تتعدد الروايات فى أسباب الآية الواحدة، فإنه قد تتعدد الآيات النازلة على سبب واحد. مثال ذلك: ما أخرجه الحاكم (٧٦) وصححه عن مجاهد، عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: «قلت يا رسول الله: يذكر الرجال، ولا يذكر النساء؟ فأنزل الله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية- الأحزاب/ ٣٥ - وأنزل: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ آل عمران/ ١٩٥». ومن هذا القبيل: ما ورد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما (٧٧) قال: كان رسول الله ﷺ فى ظل حجرة، وقد كاد الظل أن يتقلص، فقال رسول الله ﷺ : «إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور، فقال حين رآه دعاه رسول الله ﷺ فقال: علام تشتمنى أنت وأصحابك؟ فقال: ذرنى آتك بهم، فانطلق فدعاهم، فحلفوا ما قالوا وما فعلوا ... فأنزل الله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ المجادلة/ ١٨». وفى القصة نفسها أورد ابن جرير: عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله: «كان رسول الله ﷺ جالسا فى ظل شجرة، فقال: «إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعينى شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه». فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «علام تشتمنى أنت وأصحابك؟» فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما فعلوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا التوبة/ ٧٤» ثم نعتهم جميعا إلى آخر الآية (٧٨).

стр. 67

أثر الجهل بسبب النزول سبق فى بحث مسألة العبرة فى سبب النزول هل هى بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ بيان اتفاق الجميع على شمول الحكم فى اللفظ العام لسبب النزول وغيره، وأن القائلين بقصر العام على سببه لا يقولون بقصر الحكم على ذلك السبب وانتفاء شموله لما عداه، لأن اللفظ العام الوارد فى الآية وإن ارتبط عند هؤلاء بمعين، وهو السبب الذى نزل عليه، إلا أن الحكم لا يرتبط عندهم بعمل ذلك المعين بذاته بل بنوعه، كل ما فى الأمر: هو التفريق فيما يتعلق باستفادة الحكم للسبب المعين وغيره. فالقائلون بعموم اللفظ: يرون أن استفادة الحكم فى الجميع بطريق النص، والقائلون بخصوص السبب: يرون أن استفادة الحكم فى السبب بطريق النص، وفى غيره بطريق القياس. ويتفرع عن ذلك: أنه إذا كان المعتبر فى تطبيق الحكم نوع العمل فى أفراده، لا صورة السبب بذاتها- وذلك لما بين صورة السبب وغيرها من التشابه- فإن الجهل بسبب النزول لا يتأتى أن يترتب عليه تعطيل العمل بالحكم الوارد فى الآية، فليس معنى عدم الوقوف على أن هذه الآية قد نزلت فى هذا الشخص بذاته، أو هذه الحادثة بعينها ألا يطبق الحكم الذى تضمنته على من وجدت فيه علة تطبيق هذا الحكم، وذلك يشبه أن يكون مسلّمة فى مجال الاستدلال الشرعى. لكن البعض ذهب إلى أن عدم معرفة سبب نزول الآية يترتب على الجهل بمن نزلت فيه أولا، وبما أن صورة السبب هى الأصل الذى يقاس عليه، فإن العمل يتعذر فيمن نزلت فيه من جهة لعدم معرفته، ويتعذر فى غيره لتعذر إمكان القياس على المجهول من جهة أخرى، وبذلك يؤدى الجهل بسبب النزول على التحديد إلى تعطيل العمل بما تضمنته الآيات من أحكام. وممن ذهب إلى ذلك: الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى رحمه الله تعالى، فنراه يقول فى معرض حديثه عن رأى من يقول بخصوص السبب لا بعموم اللفظ: «فآيات الظهار فى مفتتح سورة المجادلة سببها أن

стр. 68

أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة، والحكم الذى تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما- على هذا الرأى- أما غيرهما فيعلم بدليل آخر: قياسا أو سواه، وبدهى أنه لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه إلا إذا علم السبب، وبدون معرفة السبب تصير الآية معطلة خالية عن الفائدة» (٧٩). والحق أن الشيخ رحمه الله تعالى قد أسرف فى هذا الحكم، كما أن المثال الذى ساقه لا يساعده فى تقرير ما ذهب إليه، لأنه كما سبق مرارا: الحكم فى الآية منوط بأمر معين، إذا وقع هذا الأمر طبق الحكم، وذلك فى الجميع (صورة السبب وغيرها) إلا أنه فى صورة السبب بالنص، وفى غيرها بالقياس، وما دام الأمر كذلك فمن التجاوز القول بإهمال العمل بحكم الآية، لأن ما يجرى الحكم فيه نصا لم يتميز عما يجرى الحكم فيه قياسا، ما دام الاتفاق على ثبوت الحكم فى الجميع بدليل شرعى هو: النص أو القياس. وبعبارة أخرى: فبالنسبة للمثال الذى ساقه الشيخ (٨٠): هل من المقبول: القول بإهمال العمل بما تضمنته الآية من حكم الظهار، وما جاء فيها من وصفه بأنه منكر من القول وزور، وما ينبغى على المظاهر من الكفارة المبينة قبل أن يمس امرأته .. إلى آخر ما فى الآية. أقول: هل من المقبول إهمال العمل بهذا الحكم رأسا إذا لم نعرف أن من نزلت فيه هذه الآية اسمه أوس بن الصامت، وأن زوجته اسمها خولة بنت ثعلبة، مع أن الحكم فى الآية ليس منوطا بمعرفة من نزلت فيه، بل بمن يظاهر من زوجته بالصيغة المعروفة. وهل من المعقول كذلك: أن نهمل مثلا العمل بحكم اللعان الوارد فى قول الله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ النور/ ٦ - ٩، ما لم نعرف أن من نزلت فيه الآيات اسمه هلال بن أمية، أو عويمر العجلانى، أو هما معا كما سبق .. اللهم لا. لكن .. لعله يكون لما قاله الشيخ الزرقانى، ومن قال برأيه وجه فيما قدمناه عند الكلام عن فوائد معرفة أسباب النزول من أنه: قد يتوقف فهم الآية ذاتها على معرفة سبب

стр. 69

نزولها، أو يشكل أمرها ما لم يعرف هذا السبب، كما ذكرنا من قبل على سبيل المثال، فى قول الله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ البقرة/ ١٨٩. وكذلك فى قول الله ﵎: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ البقرة/ ١٥٨. فالصحيح إذن: أن الجهل بسبب نزول الآية- أى آية- لا ينبغى أن يؤدى إلى تعطيل العمل بمقتضى هذه الآية، وما تضمنته من أحكام عند القائلين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ .. فضلا عن غيرهم.

стр. 70

الفور أو التراخى فى سبب النزول قد عرفنا- فى أول هذا البحث- مما قاله العلماء فى تعريف سبب النزول أنه: (ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه .. ) إلى آخر التعريف، وبينا أنه لكى تعتبر الحادثة سببا للنزول لا بدّ من مزامنتها لعصر نزول القرآن، أو بعبارة أخرى: وقوعها فى عهد النبى ﷺ وقد اكتفى فى التعريف بهذا القيد. أما السؤال المطروح هنا فهو: هل ينبغى أن تقوم هذه المعاصرة على تقارب زمنى واضح بين السبب ونزول الآيات فيه؟ أو بتعبير آخر: هل يشترط نزول الآيات فور حدوث سببها؟ أو يجوز أن يتراخى النزول عن الحدوث زمنا، وهل يتحتم تقدم السبب على النزول؟ أو يجوز تقدم النزول على حدوث السبب، وهل هناك فى أسباب النزول المروية ما يدل لهذه الصور عند وجودها؟ إن الجواب على هذه الأسئلة يتطلب نوعا من التتبع لأسباب النزول، وهذا التتبع يسفر عن عدم التلازم بين وقوع الحادث وفورية النزول، بل قد تنزل الآية أو الآيات فور حدوث السبب، وقد يتأخر النزول زمنا، وكل ذلك يعرف بالقرينة أو بالنص وقد لا يصرح بالفورية أو بالتراخى، ولا تقوم على أى منهما قرينة. وعليه: فإنه يمكن تقسيم أسباب النزول باعتبار الفورية أو التراخى إلى أقسام: الأول: ما صرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب، ومثاله: ما ورد فى سبب نزول قول الله ﵎: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

стр. 71

فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ ١ - ٤. فقد أخرج ابن ماجة (٨١) عن عروة بن الزبير: قال: «قالت لى عائشة رضى الله تعالى عنها: تبارك الذى وسع سمعه كل شىء، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علىّ بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول: يا رسول الله أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبرت سنى، وانقطع ولدى ظاهر منى، اللهم إنى أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهذه الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ». ومن أمثلة هذا القسم أيضا: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥. فقد أخرج البخارى (٨٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح: فقال: ما رابكم إليه- وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى ﷺ فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». فقد ورد فى سياق هذا الحديث، وحديث عائشة رضى الله تعالى عنها الذى قبله: ما يدل على نزول الآيات فى نفس الموقف أثناء حدوث أسباب النزول ودواعيها. الثانى: ما صرح فيه بتراخى نزول الآيات عن حدوث سببها، بل وأكثر من ذلك حددت مدة هذا التراخى وذلك كما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ سورة النور/ ١١ - ٢٠. فقد أخرج البخارى (٨٣) عن عائشة زوج النبى ﷺ ورضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه». والحديث طويل مفصل، ذكرت فيه أم المؤمنين رضى الله عنها قصة خروجها مع النبى ﷺ فى غزوة بنى المصطلق، وقصت ما

стр. 72

ذكره المنافقون فى شأنها، وما رموها به من حديث الإفك وإشاعة ذلك بين الناس، وأنها لما عرفت الأمر بعد فترة بكت بكاء شديدا، حتى ظن أبواها أن البكاء يفلق كبدها ... إلى أن قالت: «فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله ﷺ ، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى» وذكرت ما قاله رسول الله ﷺ وما أجابت به، حتى قالت: «ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ فى النوم رؤيا يبرؤنى الله بها، قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه ... » إلى أن قالت: «وأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ العشر الآيات كلها». فقول أم المؤمنين رضى الله عنها: (وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى) صريح فى تراخى نزول الآيات عن حدوث السبب، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «حكى السهيلى أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوما، فألغى الكسر فى هذه الرواية. وعن ابن حزم: أن المدة كانت خمسين يوما أو يزيد، ويجمع بأنها المدة التى كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن فى قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر: فهو المدة التى أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر» (٨٤). ولعل تأخر النزول فى هذه الحادثة- والله أعلم- كان نوعا من الابتلاء لمجتمع المؤمنين، ليمحّص إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق الذين فى قلوبهم مرض، وليتم إعداد المؤمنين لتلقى الدرس الذى نزلت به الآيات فى شأن الأعراض وحرمتها، والتشنيع على من ينتهك تلك الحرمة وبيان قبح فعله، وعظيم عقوبته، وذلك يتمثل فى قول الله تعالى ضمن الآيات النازلة: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. كما أن فيه تكريما لأم المؤمنين رضى الله عنها، بنزول براءتها فى القرآن الكريم، مع زيادة أجرها ومثوبتها لما عانته من الأذى فى هذه الفترة العصيبة. أما نزول آيات الظهار فور وقوع الحدث: فلعل من حكمته- والله تعالى أعلم- تلبية دواعى التشريع فى هذا الأمر الطارئ، الذى بدت فيه حاجة المرأة الماسة، وظروفها المتمثلة فى: كبر سنها، وضعف ذريتها، وقد تبدى ذلك كله فى مراجعتها لرسول الله ﷺ كما تذكر بعض الروايات، وكما جاء فى نص الآية الكريمة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما الآيات.

стр. 73

الثالث: ما لم يصرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب أو بتراخى هذا النزول، فهو يحتمل الأمرين معا. ومثال ذلك: ما ورد فى شأن نزول قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الفتح/ ٢٤. فقد أخرج مسلم (٨٥) عن أنس بن مالك ﵁: «أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرّة النبى ﷺ ، فأخذهم سلما فاستحياهم، فأنزل الله : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً». فليس فى لفظ الحديث ما يدل على فورية النزول أو تراخيه، ولكنه على كل حال تم بعد وقوع السبب، هذا هو الشأن فيما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب: أن يتقدم السبب على ما ينزل فيه من الآيات. ولكن الزركشى رحمه الله تعالى ذكر أنه: قد يتقدم نزول الآيات على ما نزلت فى شأنه، وذكر أمثلة لذلك فقال: «واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم» وهذا كقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الأعلى/ ١٤. فإنه يستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقى بسنده: أنها فى زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعا نحوه، وقال بعضهم: لا أدرى ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة. (وأجاب البغوى فى تفسيره: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ سورة البلد/ ١، ٢. فالسورة مكية وظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال ﵇: «أحلت لى ساعة من نهار» (٨٦). وكذلك نزل بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ القمر/ ٤٥. قال عمر بن الخطاب: «كنت لا أدرى أى الجمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر» أ. هـ. كلام الزركشى رحمه الله تعالى (٨٧). وما ساقه الزركشى هنا- فيما عدا الآية الأولى التى قالوا إنها فى شأن زكاة الفطر- يمكن حمله على أنه من باب الإخبار بالمغيبات التى وقعت كما أخبر القرآن عنها تماما، وذلك من أوجه إعجاز القرآن الكريم.

стр. 74

من نزل فيهم القرآن المتتبع لأسباب النزول فى القرآن الكريم، يجد أنها تتنوع من جهة من نزلت فيهم آيات من القرآن، ويمكن تقسيم أسباب النزول بهذا الاعتبار إلى قسمين: الأول: ما يتعلق بالمؤمنين. الثانى: ما يتعلق بالكافرين: (من المشركين، والمنافقين، واليهود، والنصارى). ولما كان المجال ليس مجال تفصيل لقصص النزول وأسبابه فى جميع من أنزل الله تعالى فيهم قرآنا، فإنا سوف نكتفى بذكر مثالين ممن ذكرنا تفصيلا، ثم نشير إجمالا إلى أكثر من أنزل الله فيهم قرآنا من هؤلاء، ذاكرين أسماءهم، وأرقام الآيات التى قال المفسرون إن الله تعالى أنزلها فيهم، وأسماء سورها، وفيما يلى بيان ذلك كله: أولا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فيهم قرآنا من المؤمنين: ١ - أبو بكر الصديق: ﵁. وهو عبد الله بن أبى قحافة، أول السابقين إلى الإسلام من الرجال، خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه فى الغار ورفيقه فى الهجرة (ت ١٣ هـ). مما أنزل الله تعالى من القرآن فى شأن أبى بكر ﵁: قول الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور/ ٢٢. أما قصة نزول هذه الآية: فإن المنافقين لما رموا الصديقة عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنها بما رموها به من حديث الإفك، كان ممن وقع من المسلمين فى هذا الأمر، وتكلم فيه: قريب لأبى بكر يسمى (مسطح بن أثاثة ابن عبّاد) وأمه بنت خالة أبى بكر الصديق (٨٨)، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره، فلما أنزل الله تعالى براءة عائشة، أخذ أبا بكر ﵁ من الألم النفسى والغضب البشرى ما حمله على أن يحلف على قطع النفقة عن مسطح. فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٨٩) فى سياق حديث قصة الإفك، عن عائشة رضى الله تعالى عنها قولها: « ... فلما أنزل

стр. 75

الله فى براءتى، قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ما قال. فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى والله إنى أحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى النفقة التى كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا». ٢ - قيس بن صرمة الأنصارى: ﵁ أحد صحابة رسول الله ﷺ نزل فى شأنه قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ البقرة/ ١٨٧. فقد أخرج الترمذى (٩٠) عن البراء ﵁، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى، وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق اطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ففرحوا بها فرحا شديدا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ». ثانيا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فى شأنهم قرآنا من الكافرين: (أ) المشركون: ١ - أبو جهل: أبو الحكم عمرو بن هشام. كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وللمسلمين، واستمر على ذلك حتى قتل فى غزوة بدر الكبرى سنة ٢ هـ وقذف فى قليبها مع بقية القتلى من المشركين. مما نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الأنفال/ ١٩.
следующие страницы →