مبهمات القرآن
(١) [ما هو المبهم]
المبهم- كما فى «المعجم الوسيط»: هو ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهم إن كان معقولا. والمبهم من الأشياء: الخالص الذى لا شية فيه تميزه. والمبهم من الأجسام: المصمت، ومن الكلام: الغامض لا يتحدد المقصود منه.
والمبهم من الظروف: ما ليس له حدود تحصره، مثل: فوق، وتحت، وأمام، وخلف.
(٢) [المبهم فى كتاب الله]
والمبهم فى كتاب الله- تعالى-: هو ما خفى اسمه أو رسمه أو وصفه أو زمانه أو مكانه ونحو ذلك مما خفيت آثاره، أو جهلت أحواله لسبب من الأسباب الجلية أو الخفية، سواء احتاج المكلفون إلى معرفته بالبحث عن الوسائل التى تزيل خفاءه، وتدفع إشكاله، أم لم يحتاجوا إلى ذلك.
فالمبهمات فى القرآن- على الجملة- نوعان:
١ - نوع ضرب الله عن ذكره صفحا لعدم تعلق التكليف به؛ لخلوه من الفائدة، كمعرفة بقرة بنى إسرائيل التى أمروا بذبحها، فلا ينبغى أن نسأل عن حجمها ولونها، وهل هى عاملة أم غير عاملة؛ فالبحث عن ذلك تكلف لا طائل تحته، بل هو تنطع يدل على فساد العقل والطبع، وسوء الأدب مع الله- ومع كلامه المنزل.
وهذا ما فعله بنو إسرائيل مع نبيهم موسى- ﵇ فقد أمرهم الله على لسان نبيه أن يذبحوا بقرة- أىّ بقرة- ليضربوا بها القتيل ليعلموا من قتله، ولو ذبحوا أى بقرة لتحقق المطلوب ولكنهم سألوه عن سنّها ولونها وعملها، فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ فكلفوا شراء بقرة بملء جلدها ذهبا كما جاء فى الأثر، فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وسنطالع فى هذا الباب أمثلة كثيرة من الأشياء التى أبهمت فى هذا القرآن العظيم لعدم جدوى الإفصاح عنها.
٢ - ونوع أبهمه الله لأسباب كثيرة إليك أهمها:
стр. 597
(٣) (أ) أن يكون المبهم فى موضع استغنى ببيانه فى موضع آخر، كما فى قوله تعالى:
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الفاتحة: (٤). فإنه مبهم على الجملة، بينه الله بشيء من التفصيل فى قوله- جل وعلا- فى سورة الانفطار (١٧ - ١٩):
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩).
وقوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بينه الله بقوله فى سورة النساء: ٦٩: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ.
(ب) أن يكون المبهم معينا باشتهاره عند المخاطبين بأى طريقة من طرق الاشتهار.
فقد أخفى اسم حواء فى القرآن لاشتهاره بين الناس قديما وحديثا، فوصفت بوصف يحدد صلتها بآدم- ﵇ ومصيرها معه فقال- جل وعلا- فى سورة البقرة: ٣٥:
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
(ج) قد يبهم الاسم بقصد الستر عليه؛ ليكون أبلغ فى استعطافه وإظهار منّة الله عليه، وهذا غالب ما جاء فى القرآن.
(د) وقد يكون إبهامه لهوانه على الله وعلى الناس.
(هـ) وقد يكون إبهامه لأن أمثاله فى الناس كثير، فيكون إبهامه مجرد مثل يذكر فيكشف عن طبع أو وضع معين يعرف بالقرائن الظاهرة فيحاكيه الناس فيه إن كان محمودا، ويتقونه إن كان مذموما.
وقد ضرب الزركشى فى «البرهان» أمثلة كثيرة لهذا النوع؛ معتمدا فى ذلك على أسباب النزول.
كقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ البقرة (١٠٠) قيل: هو مالك بن الصّيف.
يروى ابن هشام فى السيرة عن ابن إسحاق، والقرطبىّ فى تفسيره: أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله ﷺ وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه قال: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد، وما أخذ له علينا من ميثاق؛ فأنزل الله فيه:
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً.
(و) أن يكون المبهم سهلا فى إدراكه لا يحتاج إلى إعمال فكر وإنعام نظر، فيكون ذكره- حينئذ- عبئا على الأسلوب من جهة وعدم ثقة فى مدارك العقول من جهة أخرى.
والقرآن من شأنه أن يخاطب العقول الواعية، ويدربها على التأمل والنظر وإدراك الحقائق بالقرائن المتاحة؛ كالنظر فى القرآن
стр. 598
نفسه وفى السنة النبوية، وفى التاريخ القديم، وفى عادات الناس وأحوالهم. وغير ذلك مما يحمل المعانى على محمل يزيل خفاءها ويضعها فى مواضعها.
(ز) ولا يخفى أن وجود المبهم فى القرآن الكريم يدرب الذهن على كشف خفائه وإزالة إشكاله، ومعرفة أسراره القريبة والبعيدة بقدر الطاقة البشرية.
(ح) وهناك سبب وجيه لا ينبغى أن يفوتنى ذكره وهو رعاية التناسب بين ما يذكر هنا وهناك.
ومن أمثلة ذلك: ما جاء فى قصة شعيب- ﵇ فإنه حين أخبر عن مدين ذكر أن شعيبا أخوهم فقال: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، وحين أخبر عن أصحاب الأيكة وهم أهل مدين لم يقل: أخاهم! والحكمة فيه:
أنه لما عرّفهم بالنسب، وهو أخوهم فى ذلك النسب، ذكره، ولما عرّفهم بالأيكة التى أصابهم فيها العذاب لم يقل: أخاهم؛ حيث أخرجه عنهم، (١)(٤) وقد تتبع الإمام السيوطى هذه المبهمات فى القرآن الكريم فصنفها إلى مبهمات فى أفراد الإنسان والملائكة والجان والأقوام والقبائل والحيوان والأمكنة والأزمنة، وما إلى ذلك.
وقد رتبة على ترتيب آى القرآن فى فصل سماه «ذكر آيات المبهمات» تحت النوع السبعون من كتاب «الإتقان».
واعتمد فيه على النقل المجرد، وفيه من الأقوال ما صح سنده وما لم يصح، والعهدة عليه فيما نقل، وسنذكر هنا شيئا من المبهمات فوق ما ذكرناه من قبل؛ تتمة للفائدة؛ اعتمادا على ما نقله المفسرون والمحدّثون وغيرهم ممن عنى بذكرها.
(٥) فى القرآن أفراد من الرجال ذكرهم الله بأوصافهم تعظيما لشأنهم وتقديرا لجهودهم وأبهم أسماءهم؛ إمّا لشهرتهم عند نزول الآية؛ وإمّا لتدريب الذهن على معرفتهم عن طريق أوصافهم لمحاكاتهم فى تحصيل تلك الأوصاف إن استطاعوا أو الاقتداء بهم بقدر طاقاتهم، وتعطير أفواههم بالثناء عليهم والدعاء لهم:
(أ) من ذلك قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور: ٢٢.
قال ابن كثير فى تفسيره نقلا عن البخارى وابن جرير: هو الصديق أبو بكر
стр. 599
- رضى الله عنه- حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعد ما قال فى عائشة ما قال. أه.
فلما تليت عليه هذه الآية رجع فيما عزم عليه وكفّر عن يمينه.
(ب) وفيه نزل قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا التوبة: ٤٠
(ج) وقوله جل شأنه: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ الزمر: ٣٣.
قال السيوطى فى «الإتقان»: والمراد به الصديق فى الكل- أى فى هذه الآيات الثلاثة، وهو مصيب فى الآيتين الأوليين، أما الثالثة فهو قول محتمل، والأصح أن الذى جاء بالصدق- كما قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد-: هو رسول الله ﷺ . وقال السّدى: هو جبريل- ﵇ والذى صدق به أولا هو محمد ﷺ ، وأبو بكر وجميع المسلمين بدليل قوله فى ختام الآية:
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. هذا ما ذكره أكثر المفسرين فى كتبهم.
(د) وممن عظم الله شأنه بالوصف أيضا صهيب بن سنان الرومى، ففيه نزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ البقرة: ٢٠٧.
وذلك أنه لما أراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله فتركه لهم ابتغاء مرضات الله، فلما وفد إلى المدينة تلقاه رسول الله ﷺ وهو يقول: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى».
وهذه الآية تتناول بعمومها كل من كان قد اشترى دينه بدنياه، وباع نفسه لله.
(هـ) وفى زيد بن حارثة نزل قوله- : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الأحزاب: ٣٧.
فقد أبهم اسمه فى أول الآية؛ تعظيما له؛ وتقديرا لشأنه؛ وتذكيرا له بالإنعام عليه، ثم صرح باسمه مبالغة فى تكريمه، وهو الصحابى الوحيد الذى ذكر اسمه صراحة فى القرآن الكريم.
وقد نزلت هذه الآية فى قصة زواجه من زينب بنت جحش- رضى الله عنها-.
(و) وممن عظّم الله شأنه بالوصف وأبهم اسمه للأسباب التى ذكرناها، العبد الصالح الذى أشار إليه- رب العزة- فى قصة موسى معه بقوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا الكهف ٦٥. وأرانا الحق- جل شأنه- من آياته التى أجراها على يديه عجبا.
стр. 600
قال جمهور المفسرين والمحدّثين: إنه الخضر يروون ذلك عن رسول الله ﷺ ، وهذا لقبه الذى اشتهر به واسمه بليا بن ملكان، قاله غير واحد من المفسرين.
وقد أبهم الله اسمه ولقبه لاشتهار قصته عند أهل الكتاب وغيرهم ممن قرأ كتبهم.
ووصفه يغنى عن اسمه ولقبه، فهو من الذين خصّهم الله بالكرامات، ووصفه بالعبودية الخالصة، وعمّه برحمة واسعة وعلم لدنّى تلقاه منه- جل شأنه- ببصيرته.
(ز) وممن أبهم الله اسمه واكتفى بما ساقه فى شأنه مع قومه حبيب النّجار كما جاء فى كتب التفسير.
وفيه نزل قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى إلى قوله- جل شأنه:
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ يس: ٢٠ - ٢٧.
ومثله مؤمن آل فرعون، فقد قص الله علينا من أمره فى سورة غافر ما فيه عظة وعبرة لكل مؤمن يتصدى للدعوة، وينصر الحق بما أوتى من علم وحكمة.
وقصته تبدأ من قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وتنتهى بقوله- جل شأنه:
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا غافر: ٢٨ - ٤٥.
ومع هذا لم يذكر اسمه، فالأسماء مجرد أعلام على أصحابها لا تدل على شىء وراء ذلك- فى الغالب، وذكر الاسم مع الأوصاف العظيمة لا يلتفت إليه العقلاء، وإن غاب عنهم لا يسألون عنه إلا أن المفسرين أولعوا بالبحث عنها من باب الترف العلمى، وهو أمر لا يحمد ولا يذم.
قال السيوطى فى «الإتقان»: هو شمعان، وقيل شمعون، وقيل جبر، وقيل حبيب، وقيل:
حزقيل. وزعم أنه هو الذى جاء من أقصى المدينة يسعى.
وكثرة الأسماء التى ذكرها تدل على غموض اسمه على المؤرخين، وما كان ضرهم لو تركوا ما لم يحيطوا بعلمه، وما لا يترتب على ذكره فائدة؛ ترفعا عن التهافت والاشتغال بما لا يضيف إلى المعانى القرآنية شيئا ذا بال.
فماذا يفيد ذكر اسم هذا الرجل مع هذه الأوصاف التى أثنى الله عليه بها، وهذا الجهد الذى بذله فى دعوة آل فرعون إلى اتباع موسى- ﵇.
(٦) وممن عظّم الله شأنهن من النساء:
(أ) حواء، فقد أبهم الله اسمها لاشتهارها فى الخليقة- كما أشرنا من قبل عند ذكر أسباب الإبهام، واكتفى- جل شأنه- بوصفها فى سياق الحديث عن آدم- ﵇.
стр. 601
قال تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ البقرة: ٣٥ وقال جل شأنه يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ الأعراف: ١٩. وقال- عز شأنه: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى طه: ١١٧.
(ب) بلقيس، أبهم الله اسمها لعدم جدواه فى تعظيم شأنها بالأوصاف التى ذكرها.
فقد قال- رب العزة- فى شأنها ما قال فى سورة النمل من قوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إلى قوله: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢٢ - ٤٤
(ج) وقد ذكر الله مريم باسمها فى سورة التحريم: ١٢ فقال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ
بينما ذكرها فى سورة الأنبياء بالوصف فقال- جل شأنه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ آية: ٩١ حملا على ما جاء فى سورة التحريم، ولاشتهارها بما وصفت به من كونها هى وابنها آية للعالمين.
ونص على اسمها فى سورة التحريم واسم أبيها لأنها سيقت مساق العظة والعبرة لأمهات المؤمنين، فقد ذكر الله من أوصافها ما يحملهن على التحلى بها، وهن كذلك إلّا أن الله جعلها لهن مثلا للمرأة التى فاقت كثيرا من الرجال فى الطاعة والانقياد، ولم تكن زوجا لأحد، فكيف بهن وهن أزواج خير خلق الله، وخاتم رسله.
(د) وقد أبهم الله ذكر اسم أم موسى واكتفى بالحديث عنها وعن وليدها لعدم الحاجة إلى معرفة اسمها.
قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ القصص: ٧
وقال- جل شأنه: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ القصص: ١٠.
قال السيوطى فى «الإتقان»: اسمها يحانذ بنت يصهر بن لاوى، وقيل: ياء وخا، وقيل: أباذخت (٢).
وقيل: اسمها لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب، وقيل: يوكابد، وهو الاسم المشهور فى كتب التاريخ والسير.
стр. 602
(هـ) وأبهم أيضا أخت موسى فى قوله سبحانه: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص: ١١
واسمها- كما قال السيوطى فى «الإتقان»:
مريم وقيل: كلثوم.
والأصح: أن اسمها مريم لقول الله- تعالى- حكاية عن مريم ابنت عمران، إذ عيّرها قومها بقولهم كما حكى الله عنهم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا مريم: ٢٨ يعنون أنها أخته فى الفضل والصلاح تعريضا بها، وأخته أيضا من حيث إن له أختا بهذا الاسم، وقيل: إنها كانت من نسله، والله أعلم.
وقد أبهم الله اسمها كما أبهم اسم أمها اكتفاء بنسبتها إلى أخيها موسى- ﵇ واكتفاء بذكر ما قامت به من عمل جليل تذكر به فى القرآن على مر الزمان.
وقد وصفها الله بالحكمة وبعد النظر، وحسن الحيلة فى جلب أخيها من قصر فرعون إلى بيتها ليعيش فى سرور وحبور بعيدا عن الطاغية، ونكاية فيه.
(و) وأبهم الحق- جل شأنه- اسم امرأة فرعون واكتفى بذكر دعائها تعظيما لشأنها معه؛ فهذا الدعاء يدل دلالة قاطعة على أنها أخلصت له دينها واختارت جواره، واستغاثت به من شر كل كفار أثيم، وظالم لنفسه وللمؤمنين.
قال جل شأنه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ التحريم: ١١.
واسمها آسية بنت مزاحم كما جاء فى كتب التفسير.
وعدم ذكر اسمها فى القرآن لا يضيرها، ولا يضير من جهله، فالوصف أقوى بكثير من ذكر الاسم فى كثير من المواطن، كما هو معروف عند أهل اللغة بوجه عام، وعند المتخصصين فى دراسة لغة القرآن بوجه خاص.
ونسبها إلى فرعون للدلالة على أنها آثرت ربها الذى خلقها على هذا الفرعون الذى أغدق عليها من نعم الدنيا ما لم تجده امرأة سواها؛ لتكون عبرة لغيرها وقدوة لأمثالها.
(ز) وممن أبهم الله ذكرهن تعظيما لهن وسترا عليهن، التى جادلت رسول الله ﷺ فى زوجها، ورفعت شكواها إلى الله- وهى خولة بنت ثعلبة.
قال الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ المجادلة: ١
стр. 603
فقد أنصفها ربها، وعذر زوجها، وأنزل أحكاما تتعلق بالظهار حلا للإشكال الذى وقع فيه زوجها، ولكل من يظاهر امرأته مع تحريم الظهار والتغليظ فى وصفه، فكان هذا التشريع من بركاتها.
وقد أبهم ذكر زوجها سترا عليه، وهو أوس ابن الصامت.
(ح) وممن أبهم الله اسمها زينب بنت جحش، سترا عليها وفى الستر تعظيم لشأنها.
قال- جل شأنه: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها الأحزاب: ٣٧
وصرح باسم زوجها تعظيما له، ومبالغة فى التنصيص على حرمة التبنى وإباحة زوج المتبنّى بعد أن كانت محرمة فى الجاهلية وفى صدر الإسلام.
(ط) وقد أبهم الله اسم التى أسر إليها النبى حديثا فنبأت به، ولم يذكر اسم التى تلقت هذا السر منها؛ وذلك سترا عليهما وحفظا لمكانتهما من رسول الله ﷺ .
قال- عز شأنه: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ التحريم: ٣، ٤.
ولا يخفى ما فى هذا الإبهام من أدب التعبير؛ فإن ذكر المرأة هنا باسمها لا يتعلق به فائدة، فضلا عن كونه إفشاء لسر يحرص العاقل الراشد على طيه، ونحن نعلم من أحوال بعض العرب ستر أسماء النساء بالألقاب والكنايات؛ تنزيها لهن وسموا بمكانتهن، وفى نثرهم وشعرهم من ذلك الكثير.
ثم إنه كيف يليق أن يصرح- سبحانه- باسم المرأة هنا، وهو يلومها على التصريح بالحديث الذى أمرها الرسول ﷺ بكتمانه- أليس فى التصريح باسمها إفشاء للسر؟
وقد درج القرآن الكريم فى الحديث عن النساء على طى أسمائهن والتعبير عنهن بالوصف غالبا. (٣)(٧) وممن عظّم الله شأنهما من الرجال:
(أ) رجلان أنعم الله عليهما بالإيمان وحسن التوكل ذكرهما- جل شأنه- مبهمين
стр. 604
فى قوله تعالى قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المائدة: ٢٣.
قال ابن كثير فى «تفسيره» (٤): هما يوشع ابن نون، وكالب بن يوفنا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدى والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف والخلف.
(ب) ومن الذين عظم الله أحدهما وحقّر شأن الآخر ما جاء فى قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المائدة: ٢٧.
قال كثير من المفسرين: هما قابيل وهابيل، والمعظم منهما هابيل فهو التقى الذى تقبل الله قربانه.
(ج) وفى قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ فى سورة الكهف (٣٢)، يقول السيوطى فى «الإتقان» - والعهدة عليه- هما تمليخا- وهو الخيّر، وفطروس.
(د) وفى قوله تعالى: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ (٨٢) من سورة الكهف، يقول السيوطى هما أصرم وصريم
(هـ) وفى قوله- جل شأنه- فى سورة يس: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ يس: ١٤.
يقول السيوطى: هما شمعون ويوحنا، والثالث بولس، وقيل: هم صادق وصدوق وشلوم (٥).
(٨) وممن عظم الله شأنهما من النساء:
(أ) ما جاء فى قوله تعالى من سورة القصص (٢٣): وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
يقول السيوطى: هما هماليّا وصفوريا وهى التى نكحها موسى.
(٩) وممن أبهم الله أسماءهم من الجموع تعظيما لشأنهم:
(أ) الأسباط، وقد ورد ذكرهم فى خمسة مواضع من القرآن، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر: يوسف، وروبيل، وشمعون، ولاوى، ودان، ويهوذا، ونفتالى، وجاد، وأشير، ويشجر وريالون، وبنيامين.
هذا ما قاله السيوطى فى «الإتقان» وهو غير مسلّم، فهؤلاء أولاد يعقوب مباشرة، والأسباط أحفادهم.
قال ابن كثير فى «تفسيره»: قال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب
стр. 605
اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط فى بنى إسرائيل، كالقبائل فى بنى إسماعيل (٦).
(ب) النقباء الاثنا عشر، عظم الله شأنهم وأبهم أسماءهم فى قوله- جل شأنه- من سورة المائدة: ١٢ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ.
(ج) أبناء إبراهيم- ﵇ المذكورون فى قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ البقرة: ١٣٢.
قال السيوطى: هم إسماعيل، وإسحاق ومدين، وزمران، وسرح، ونفش، ونفشان، وأميم، وكيسان، وسورح، ولوطان، ونافش.
(د) أصحاب الكهف، أبهم الله أسماءهم وعظّم شأنهم، وجعل قصتهم عبرة لمن اعتبر.
قال السيوطى: هم تمليخا، وتكسلمينا، ومرطوش، وبراشق، وأيونس، وأريسطانس، وتسلططيوس.
(هـ) أولو العزم من الرسل، فى قوله جل وعلا: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الأحقاف: ٣٥.
قال السيوطى: أصح الأقوال أنهم نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ .
وقد نص الله عليهم فى آيتين، فقال- فى الأحزاب: ٧: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
وقال تعالى فى سورة الشورى: ١٣:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
وقيل: المراد جميع الرسل، وهو الراجح عندى، وعلى ذلك تكون (من) فى قوله: «من الرسل» لبيان الجنس، والله أعلم.
(و) أهل البيت، عظم الله شأنهم وأبهم أسماءهم إما للعلم بهم، أو لأن كلمة أهل فى اللغة تعنى عندهم طائفة مخصوصة من ذوى القربى، لا يدخل فيهم من ليس منهم، والقرآن نزل بلغتهم، فأبهم أفراد الأهل اعتمادا على أفهامهم.
قال- جل شأنه- فى سورة الأحزاب ٣٣:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
قال السيوطى: (٧) هم: على، وفاطمة، والحسن، والحسين، وهو أصح الأقوال.
стр. 606
ومنهم من أدخل نساء النبى فى أهله مراعيا فى ذلك أسباب النزول.
فقد قال الله- فى حق نسائه ﷺ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ يعنى بوجه عام، بل منهم من خص الآية بنساء النبى لأنها نزلت فيهن.
قال ابن كثير: (٨) فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر.
(١٠) وممن حقّر الله شأنهم من الرجال:
(أ) من قال الله فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ البقرة: ٢٠٤
قال السيوطى فى «الإتقان»: هو الأخنس ابن شريق، وهو قول السدى، وقيل: هو عام فى المنافقين، قال ابن كثير: وهو الصحيح.
أقول: ربما كان الأخنس هذا أعذبهم لسانا فى الباطل، وأشدهم نفاقا فخص بالذكر من دونهم فى كتب التفسير والسير.
(ب) من ورد ذكره مبهما فى قوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ البقرة: ٢٥٨.
قال أكثر المفسرين: هو نمروذ بن كنعان، وكان ملك بابل كما يذكر ابن كثير فى تفسيره.
(ج) ومن قال الله فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي التوبة: ٤٩.
قال السيوطى: هو الجد بن قيس.
وبذلك قال كثير من المفسرين نقلا عن ابن إسحاق وغيره.
والآية تشمل بعمومها كل من كان على شاكلته.
(د) ومن جاء فى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ التوبة: ٥٨.
قال السيوطى: هو ذو الخويصرة، واسمه حرقوص- كما قال ابن كثير- لما اعترض على النبى ﷺ حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل.
(هـ) ومن جاء فى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ التوبة: ٧٥.
قيل: هو ثعلبة بن حاطب الأنصارى، وقصته مشهورة عند المفسرين والمحدثين.
(و) ومنهم أبو عامر الراهب الخزرجى الذى تنصر فى الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وبارز النبى ﷺ والمسلمين بالعداوة
стр. 607
وخرج فارّا إلى كفار قريش يمالئهم على حرب رسول الله ﷺ ، وهو المشار إليه فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ التوبة: ١٠٧.
والذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا ذكر ابن كثير أسماءهم وأنسابهم عند تفسير هذه الآية.
(ز) من أشير إليه فى قوله تعالى:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً مريم: ٧٧
نزل فى العاص بن وائل كما قال أكثر المفسرين نقلا عن المحدثين.
(١١) وممن أبهم الله أسماءهن تحقيرا لشأنهن:
(أ) امرأة أبى لهب: أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان.
(ب) امرأة نوح وامرأة لوط.
ضربهما الله مثلا للذين كفروا فى سورة التحريم، وقد ذكر السيوطى أن اسم الأولى والعة، واسم الثانية والهة، وقيل: واعلة.
(١٢) ومن المجموع التى أبهم الله أسماءهم احتقارا لشأنهم.
(أ) ما جاء فى قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ التوبة: ١٢ وهم كثير، ذكر السيوطى منهم: أبا سفيان، وأبا جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة ابن ربيعة.
قال ابن كثير فى «تفسيره»: والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركى قريش فهى لهم ولغيرهم.
(ب) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الحجر: ٩٥
قال سعيد بن جبير- كما ذكر السيوطى:
هم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والحارث بن قيس، والأسود ابن عبد يغوث.
(ج) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ النساء: ٤٤.
قال السيوطى- نقلا عن عكرمة: نزلت فى: رفاعة بن زيد بن التابوت، وكردم بن زين، وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبى رافع، وبحرى بن عمرو، وحيىّ بن أخطب.
والأفضل بقاء العموم على عمومه ليدخل فيهم من هو على شاكلتهم، لكن المفسرين أولعوا بذكر أشهر الأفراد من الذين نزلت فيهم الآية، فيقصرونها عليهم، وأحيانا يبقونها على عمومها، ويذكرون من العموم
стр. 608
ما وسعهم أن يذكروه نقلا عن المحدثين وأصحاب السير.
(١٣) ومما أبهم الله ذكره من الأماكن:
(أ) ما جاء فى قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها البقرة: ٢٥٩.
قال ابن كثير فى «تفسيره»: هى بيت المقدس. أه.
أما الذى مر عليها فقد اختلفوا فيه، وأشهر الأقوال أنه العزير.
(ب) وهى بيت المقدس أيضا فى قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً البقرة: ٥٨.
(ج) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الأعراف: ١٦٣.
هى أيلة على شاطئ بحر القلزم كما نقل ابن كثير عند تفسيرها.
(د) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يوسف: ٨٢.
قال القرطبى عند تفسيرها: «يريدون بالقرية مصر، وقيل: قرية من قراها نزلوا بها، وامتاروا منها- أى أخذوا الميرة وهى الطعام. وقيل المعنى: «واسأل القرية» وإن كانت جمادا؛ فأنت نبى الله وهو ينطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار». أه.
(هـ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً النحل: ١١٢.
قال ابن كثير فى «تفسيره»: (هذا مثل أريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مستقرة ..
فكفرت بأنعم الله .. وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم .. فاستعصوا عليه وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم .. فأصابتهم سنة أذهبت كل شىء لهم). أه.
وبهذا قال كثير من المفسرين. والقرية نكرة، والنكرة تعم، فالأولى فى نظرى أن تظل على عمومها مثلا لكل قرية كفرت بأنعم الله.
(و) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ يس: ١٣.
قال أكثر المفسرين: هى «أنطاكية».
(ز) حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما الكهف: ٧٧.
قيل: «هى أبلّة، وقيل أنطاكية، وقيل غير ذلك. والأصح أنها أنطاكية- كما ذكر كثير من المفسرين.
وقد سماها الله مدينة فى سورتى: يس والكهف، لذكر الرجلين الصالحين فيهما.
стр. 609
فالأول: هو حبيب النجار، الذى قال الله فيه وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
والثانى: هو أبو الغلامين اليتيمين؛ فقد وصفه الله بالصلاح فقال: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً.
فالقرية تطلق أحيانا على المدينة، والمدينة تطلق أحيانا على القرية بهذا الاعتبار، وهو أسلوب قرآنى تميز به القرآن عن كلام الناس.
(ح) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزخرف: ٣١.
هما مكة والطائف كما قال أكثر المفسرين، ويعنون بالرجلين: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود من الطائف.
أو هما عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عمرو بن مسعود من الطائف، أو غيرهم ممن يعظمونهم فى أنفسهم.
(ط) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى النجم: ٥٣.
يعنى: مدائن قوم لوط، وهى التى أشار الله إليها بقوله فى سورة الحاقة وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ آية: ٩.
قال قتادة: (إنما سمّيت قرى قوم لوط «مؤتفكات» لأنها ائتفكت بهم، أى انقلبت).
وذكر الطبرى عن محمد بن كعب القرظى قال: (خمس قريات صعبة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، وهى القرية العظمى). (٩)
(ك) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ النمل: ١٨.
زعم بعض القصاصين أن هذا الوادى بأرض الشام، بل زعموا أن اسم النملة حرس، ووصفوها بأوصاف خيالية، وما كان أغناهم عن ذلك لو نزهوا كتاب الله عن ذكر ما طواه الله عنا.
قال ابن كثير فى «تفسيره» عند هذه الآية:
ومن قال من المفسرين إن هذا الوادى كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها.
(ل) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي الأعراف: ١٤٣.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الأعراف: ١٧١.
стр. 610
الجبل فى الموضعين هو الطور، يدل على ذلك قوله تعالى فى سورة البقرة ٦٣: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
(١٤) ومما أبهمه الله فى كتابه من الأزمنة:
(أ) (الحين) فى قوله تعالى فى سورة إبراهيم: ٢٥ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.
وفى قوله- جل شأنه- فى سورة الروم:
١٧. فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
وقوله فى سورة ص ٣: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.
وقوله فى سورة الإنسان: ١ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.
قال الراغب فى «مفرداته» (١٠): (الحين:
وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى، ويتخصّص بالمضاف إليه، نحو قوله تعالى:
وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، ومن قال: حين (يعنى بغير إضافة)؛ فيأتى على أوجه:
للأجل، نحو: وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ، وللسّنة نحو قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، وللساعة نحو: حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وللزمان المطلق، نحو: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ- وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
وإنما فسر ذلك بحسب ما وجد ....
ويقال: عاملته محاينة حينا وحينا، وأحينت بالمكان أقمت به حينا، وحان حين كذا أى قرب أوانه، وحيّنت الشيء جعلت له حينا، والحين عبّر به عن حين الموت). أهـ.
(ب) أخبر الله- فى آيات كثيرة أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، ولا ندرى هل هذه الأيام الستة كأيامنا هذه أم هى أيام أطول من ذلك بكثير، فهذا الإبهام يفسره- جل وعلا- بقوله:
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الحج: ٤٧.
وهذا التشبيه فى الآية- أيضا- فيه إبهام لأنه أمر تقديرى تقريبى يرضى فضولنا إلى حد ما.
وهذا الإبهام يدعونا إلى التفويض فى مثل هذه الأمور؛ لأنها لا تخضع لعقولنا، ولكنها مع ذلك تفتح لنا أبوابا واسعة للتأمل والنظر فى هذا الكون الفسيح؛ لنعرف الأطوار التى مر بها، والأحوال التى لابسته منذ بدأ.
والله- يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ العنكبوت: ٢٠
стр. 611
(ج) وقد أبهم الله الليلة التى أنزل فيها القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا جملة واحدة.
فقال- جل وعلا- فى سورة الدخان ٣:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
ثم زادها إيضاحا فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى آخر السورة.
ثم أخبرنا أنها فى شهر رمضان بقوله فى سورة البقرة ١٨٥: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
ومع ذلك ظلت الليلة مبهمة، هل هى فى أوائل شهر رمضان أم فى وسطه، أم فى أواخره، وأى ليلة هى على وجه التحديد. وقد وردت أحاديث تفيد أنها فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان.
وهذا الإبهام يحملنا على تحريها فى العشر الأواخر كلها، بل يحملنا على الاجتهاد فى العبادة من أول الشهر إلى آخره، فكان هذا الإبهام خيرا لنا فى دنيانا وآخرتنا.
(١٥) وقد أبهم الله ما ورد فى كتابه من الدواب لأنه لا يتعلق بوصفها فائدة.
والبحث عن أوصافها وأنواعها، وغير ذلك مما يتعلق بها لا طائل تحته، وذلك مثل ناقة صالح وهدهد سليمان، والنملة التى قالت:
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ وحمار عزير أو غيره، وكلب أصحاب الكهف، وغير ذلك.
والقرآن الكريم كتاب هداية ومنهج حياة، وليس فيه من وراء ذلك مطلب؛ لهذا أبهم ما لا يتعلق بإظهاره فائدة، ولم يكلفنا الله بالبحث عنه لما فى ذلك من شغل القلب بما لا ينبغى أن يشغل به، ومضيعة الوقت فيما لا طائل تحته.
أ. د/ محمد بكر إسماعيل
стр. 612
موهم الاختلاف والتناقض
(١) هذا باب عقده علماء التفسير؛ ليدفعوا عن القرآن شبها ترد على أذهان بعض من لا خبرة لهم بأساليبه ومقاصده وأصول تفسيره.
وهذه الشّبهة التى عملوا جاهدين على تفنيدها ودحضها- بالحجة القاطعة والبرهان الساطع- هى مجرد خواطر ترد على الأذهان ثم لا تجد لها فى القرآن مكانا تستقر فيه؛ فتزول من تلقاء نفسها، أو بعد شىء من التدبر، أو بسؤال أهل العلم؛ فلا يبق لها أثر، لأنها من قبيل الوهم.
والوهم- كما تقول كتب اللغة: ما يقع فى الذهن من الخاطر؛ يقال: وهم فلان: ذهب وهمه إلى الشيء وهو يريد سواه.
والقرآن الكريم كتاب أحكمت آياته إحكاما لا يقبل التناقض بحال، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والتناقض فى القول: هو الاختلاف والتعارض
والنقيضان فى الكلام: (ما لا يصح أحدهما مع الآخر، نحو: هو كذا وليس بكذا فى شىء واحد وحال واحدة) (١).
قال أبو بكر الصيرفى فى شرح «رسالة الشافعى»: (جماع الاختلاف والتناقض: أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض.
وإنما التناقض فى اللفظ: ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يوجد فى الكتاب ولا فى السنة شىء من ذلك أبدا؛ وإنما يوجد فيه النسخ فى وقتين، بأن يوجب حكما ثم يحلّه، وهذا لا تناقض فيه.
وتناقض الكلام لا يكون إلا فى إثبات ما نفى، أو نفى ما أثبت، بحيث يشترك المثبت والمنفى فى الاسم والحدث والزمان والأفعال والحقيقة؛ فلو كان الاسم حقيقة فى أحدهما وفى الآخر مستعارا، ونفى أحدهما وأثبت الآخر- لم يعدّ تناقضا.
هذا كله فى الأسماء، وأما المعانى- وهو باب القياس، فكلّ من أوجد علة وحررها
стр. 613
وأوجب بها حكما من الأحكام، ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم، فقد تناقض) (٢).
(٢) [اسباب توهم التعارض]
وقد ذكر العلماء لتوهم التعارض أسبابا ترجع فى جملتها إلى ما يأتى:
الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى:
(أ) فقد أخبر الله- أنه خلق آدم من تراب. فقال إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ الآية: ٥٩ من آل عمران.
وأخبر أنه خلقه من طين، فقال: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ الآية: ٧ من سورة السجدة.
وأخبر أنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون، فقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحجر: ٢٦.
وأخبر أنه من صلصال كالفخار، كما جاء فى سورة الرحمن.
فهذه أطوار خلقه بداية من التراب إلى الصلصال الذى يشبه الفخار، ذكر كل طور فى الموضع الذى يناسبه فى السياق والمضمون والنظم وغير ذلك من المناحى البلاغية.
فالجمع بين ما ورد فى هذه الآيات وما يماثلها ممكن وبالتالى لا يكون بينها تعارض.
(ب) وأخبر- جل شأنه- عن عصا موسى حين ألقاها بخبرين يتوهم متوهم أنهما متعارضان، وذلك فى قوله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ الشعراء ٣٢.
وقوله جل شأنه: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ الآية: ٣١ من سورة القصص.
(والجان: الصغير من الحيات، والثعبان:
الكبير منها؛ وذلك لأن خلقها كخلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفّته) (٣). قاله الزركشى فى «البرهان»، ونقله عنه السيوطى فى
«الإتقان».
يضاف إلى هذين الخبرين خبر آخر جاء فى سورة طه: (٢٠). قال- جل شأنه:
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى.
فهذه الأخبار الثلاثة تدل على أطوار العصا فى تقلّبها؛ فهى فى أول أمرها بدت للناظرين حية صغيرة دقيقة، ثم تورّمت وتضاعف جرمها حتى صارت ثعبانا، فلا تعارض إذن فى هذه الأخبار.
الثانى من الأسباب: اختلاف الموضوع أو الموضع:
стр. 614
(أ) كقوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ الأعراف: ٦، وقوله جل شأنه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ الصافات ٢٤. مع قوله جل وعلا: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ المؤمنون: ١٠١، وقوله سبحانه: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ الرحمن: ٣٩.
فباعتبار الموضوع يكون المعنى فى الآية الأولى: فلنسألنهم عن التوحيد وتصديق الرسل، ولنسألن المرسلين عن أحوال أممهم معهم فى شأن ما جاءوا به من ربهم.
ويكون المعنى فى الآية الثانية: إنهم مسئولون عما كانوا يعبدون، وهذا المعنى قريب من الأول؛ لأنه يستلزم سؤالهم عن أحوالهم مع المرسلين الذين دعوهم إلى التوحيد الخالص فأعرضوا وكذبوا.
وأما الثالثة فمعناها: لا يتساءلون بالأرحام كما كانوا يفعلون فى الدنيا.
وأما الرابعة فمعناها: أنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة؛ فهى كقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (الآية: ٧٨ سورة القصص) هذا باعتبار الموضوع.
أما باعتبار الموضع، فهم فى موضع يسألون وفى موضع لا يسألون؛ فيوم القيامة طويل- كان مقداره فى علم الله خمسين ألف سنة؛ فإنهم حين يعرضون يسألون ويحاسبون، فإذا انتهى الحساب ذهب فريق إلى الجنة وذهب فريق إلى السعير.
وقيل: (إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ، والمنفى سؤال المعذرة وبيان الحجة) قاله السيوطى فى «الإتقان»، وهو يرجع إلى اختلاف الموضوع والموضع معا.
فالله- لا يسألهم سؤال إخبار؛ فهو أعلم بهم من أنفسهم؛ فتعين أن يكون السؤال نوعا من التعذيب.
وهذا السؤال له موضع أو مواضع يكون فيها مثبتا ومواضع أخرى يكون منفيا:
(ب) مثل قوله تعالى فى سورة البقرة آية ١٧٤: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مع قوله- سبحانه- فى سورة الحجر: ٩٢ - ٩٣:
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فالمنفى كلام التلطف والإكرام، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة.
الثالث من الأسباب: اختلاف جهتى الفعل:
(أ) كقوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى الآية ٧ من سورة الأنفال.
стр. 615
فإنه يبدو لغير المتأمل أن فى هذا اجتماع الضدين، والجمع بين الضدين محال.
والجواب: أن الجمع بين الضدين باعتبارين مختلفين جائز.
فقد أضاف الله تعالى القتل إليهم والرمى إليه ﷺ على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.
(أى: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بنصركم وتسلطكم عليهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم. وما رميت تلك الرمية التى نتج عنها هذه الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة). أفاده أبو السعود فى تفسيره (٤).
(ب) ومثله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة: ٢٩، وقوله سبحانه: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها مع قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النازعات:
٢٧ - ٣٠.
فهذه الآيات تبدو لمن لا علم له بأساليب البيان فى القرآن أنها متعارضة، مع أن الجمع بينها ممكن فنقول:
إن الله- بيّن لنا فى آية البقرة أنه خلق الأرض وما فيها إجمالا، ثم خلق سبع سماوات لم يبين لنا كيف بناها وكيف أغطش ليلها وأخرج ضحاها؛ بناء على ما تقدم نزوله فى سورتى فصلت والنازعات.
وبين لنا فى سورة فصلت أنه خلق الأرض فى يومين وجعل لها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى يومين آخرين بالإضافة إلى اليومين الأولين فيصير مجموع الأيام أربعة، ثم بيّن أنه استوى إلى السماء وهى دخان فقضاهن سبع سماوات فى يومين.
وبذلك يزول بعض الإشكال، ويبقى بعضه، وهو ما يتعلق بالجمع بين هذه الآيات وآيات النازعات.
والجواب أن يقال: إن الله- تعالى- خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا فى يومين،
стр. 616
ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسى والأنهار وغير ذلك، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء، يدل لهذا أنه قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ولم يقل خلقها، ثم فسر دحوه إياها بقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها.
وقد نسب هذا القول لابن عباس رضى الله عنهما وغيره، وبهذا يزول ما تبقى من الإشكال، والحمد الله.
الرابع من الأسباب: الاختلاف فى الحقيقة والمجاز:
(أ) كما فى قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا الآية ٥١ الأعراف، وقوله سبحانه: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ الآية ٦٧ من سورة التوبة، وقوله- جل شأنه: وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى الآية ١٢٦ من سورة طه، وقوله تبارك اسمه:
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ الآية ٣٤ من سورة الجاثية. فإنه لا يتعارض مع قوله عز جاهه:
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى الآية ٥٢ من سورة طه، وقوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا الآية ٦٤ من سورة مريم. لأن معنى:
«فاليوم ننساهم» ونحوه: نتركهم فى العذاب محرومين من كل خير.
(ب) ومثله قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ الآية: ٢ من سورة الحج.
أى: سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة.
الخامس من الأسباب: أن يأتى الكلام محتملا لوجهين فيحمل كل وجه على اعتبار يناسبه ولا يتناقض مع غيره:
(أ) كقوله تعالى: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ الآية ٢٢ من سورة ق، مع قوله تعالى:
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ الآية ٤٥ من سورة الشورى.
فيحمل البصر فى الآية على العلم لا على النظر بالعين، ويدل على ذلك قوله فى الآية:
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فبذلك التأويل يزول الإشكال.
(ب) ومثله قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الرعد: ٢٨، مع قوله- :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الأنفال: ٢.
فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة، وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند
стр. 617
خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك.
وقد جمع بينهما فى قوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ الآية ٢٣ من سورة الزمر، فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، فانتفى عنهم الشك (٥). أه.
هذه هى أهم الأسباب التى تؤدى إلى توهم التعارض بين بعض النصوص القرآنية.
وقد عرفنا طريقة الجمع بين ما يبدو لغير المتأمل أنه متعارض، وذكرنا قول الصيرفى فى هذا.
ونضيف إليه ما قاله أبو إسحاق الإسفرايينى فى تعذر الجمع؛ تتمة للفائدة.
قال- ﵀: (إذا تعارضت الآى، وتعذر فيها الترتيب والجمع؛ طلب التاريخ وترك المتقدم منها بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا له، وإن لم يوجد التاريخ وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل به. ولا يوجد فى القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين). (٦) أهـ.
(٣) وخلاصة هذا البحث: أن من تدبّر فى كتاب الله- تعالى- وكان مزوّدا بالعلم ونور البصيرة- لن يجد فيه تناقضا ولا اختلافا أبدا.
يقول الله- : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
وفى دعوة القرآن إلى تدبره تكريم للإنسان وتنبيه له إلى الوظيفة التى خلق من أجلها، وشهادة له من الله- ﵎ على قدرته فى استقبال ما يراه وما يسمعه بفكر لو استعمله بحق لعرف قدر نفسه، وأدرك الحكمة من خلقه، واستوعب الدرس من كتاب ربه، وعلم علم اليقين أن هذا القرآن كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقد نزل على الرسول ﷺ بحضرة رجال كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا أو مطعنا، وهم أصحاب ملكات قوية فى الفصاحة والبيان، وقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا كل العجز؛ فدل ذلك على أن غيرهم أعجز، فلا يدّعى مدّع أن فى هذا القرآن شيئا ما من التناقض. فمن فعل فقد سفه نفسه وفقد حسه وتولى كبره.
стр. 618
ومن الإنصاف للحق أن الإنسان إذا سوّلت له نفسه أن شيئا فى القرآن يثير تساؤلا، أن يعمل عقله مستعينا بعقل غيره إن لم يسعفه عقله، ثم يعيد النظر مرة بعد مرة متجردا من المذهبية والتقليد والهوى؛ فإنه سيؤمن إيمانا لا يخالجه شك بهذه الحقيقة التى استقرت فى قلب كل منصف وإن لم يكن مسلما؛ فالحق واحد لا يتعدد ولا يتناقض ولا يختلف عليه اثنان على مر الزمان.
وقد صنف فى هذا الباب رجال نبغوا فى العلوم الشرعية واللغوية، ونالت مصنفاتهم شهرة وقبولا عند أهل العلم قديما وحديثا، وأرى من الخير أن أذكر هنا ما تيسر لى الاطلاع عليه منها:
(أ) «الرد على الملحدين فى تشابه القرآن» تأليف الإمام محمد بن المستنير بن أحمد، أبو على الشهير بقطرب المتوفى سنة (٢٠٦ هـ ٨٢١ م) ذكره الزركشى فى «البرهان».
(ب) «تأويل مشكل القرآن» تأليف أبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢١٣ - ٢٧٦ هـ ٨٢٨ - ٨٨٩ م) شرحه ونشره السيد أحمد صقرط الثانية (١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م) بدار التراث بالقاهرة.
وقد جمع ابن مطرف الكنانى بين كتابيه:
مشكل القرآن وغريبه فى كتاب واحد من جزءين أسماه: «القرطين». طبعته مكتبة الخانجى بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة:
١٣٥٥ هـ، وهو أيسر للباحث المبتدئ فى تناول ما يريده؛ لأن ابن مطرف رتبه على السور بخلاف ترتيب المؤلف.
وقد خطأه فى ذلك السيد أحمد صقر وعاب عليه سوء صنيعه فى مقدمة تحقيقه لكتاب التأويل.
(ج) «تنزيه القرآن عن المطاعن» لقاضى القضاة: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذانى ت (٤١٥ هـ ١٠٢٥ م).
طبعته دار النهضة الحديثة- بيروت- لبنان.
(د) «الأنموذج الجليل فى أسئلة وأجوبة من غرائب آى التنزيل» للإمام زين الدين: محمد ابن أبى بكر بن عبد القادر بن عبد المحسن الرازى الحنفى- ت (٦٦٦ هـ- ١٢٦٨ م).
طبعته شركة مصطفى البابى الحلبى بتحقيق الشيخ إبراهيم عطوة عوض، تحت عنوان: «مسائل الرازى وأجوبتها من غرائب آى التنزيل». وصدرت طبعته الأولى سنة:
(١٣٨١ هـ ١٩٦١ م). وقد نشره الأزهر تباعا فى أجزاء صغيرة هدية على مجلته الغراء بعنوانه الذى اختاره له المؤلف، بداية من شهر المحرم (١٤١٠ هـ ١٩٨٩ م) إلى رجب من العام نفسه، توفر على مراجعته لجنة من محررى المجلة.
стр. 619
(هـ) «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» تأليف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكنى الشنقيطى (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ ١٩٠٧ - ١٩٧٣ م) الناشر مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.
(و) «فتح الرحمن بكشف ما يلتبس فى القرآن» تأليف قاضى القضاة شيخ الإسلام أبى يحيى: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصارى (٨٢٣ - ٩٢٦ هـ ١٤٢٠ - ١٥٢٠ م). حققه وقدم له وعلق عليه، وتقدم به إلى كلية أصول الدين بالقاهرة لنيل درجة التخصص (الماجستير) فى التفسير وعلوم القرآن- عبد السميع محمد أحمد حسنين، ثم طبع فى مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية عام ١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤ م.
ومن المفيد فى هذا الموضوع الرجوع إلى كتب التفسير بالمعقول والمنقول، ومن أهمها:
- «جامع البيان عن تأويل آى القرآن»، لابن جرير الطبرى.
- «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازى.
- «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، لعبد الله ابن عمر البيضاوى.
- «الجامع لأحكام القرآن»، للقرطبى.
- «تفسير القرآن العظيم»، لابن كثير.
أ. د/ محمد بكر إسماعيل
стр. 620
النسخ فى القرآن
(١) [معانى النسخ فى اللغة]
معانى النسخ فى اللغة تدور حول: الرفع والإزالة، والنقل والتبديل والتحويل (١).
يقال: نسخت الشمس الظّلّ أى: أزالته ورفعته؛ فإن الظل لا يبقى فى ذلك المكان بعد وجود الشمس فيه.
ويقال: نسخت الكتاب، أى نقلت مثل ذلك المكتوب إلى محل آخر.
وقد استعمل القرآن الكريم مادة النسخ فى هذه المعانى وما يماثلها.
أما الرفع والإزالة فقد جاء فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ١٠٦. وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ الحج: ٥٢.
وأما النقل فقد جاء فى قوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: ٢٩.
أى: ننقله بعناية ودقة، ونثبته فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وأما التبديل والتحويل فقد جاء فى قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ النحل: ١٠١.
(٢) [اختلاف العلماء فى تعريف النسخ]
وقد اختلف علماء الفقه والأصول فى تعريف النسخ اختلافا كثيرا، نختار أهمها وأولاها بالقبول:
(أ) عرفه السمرقندى فى كتابه «ميزان الأصول» (٢) بقوله: (هو بيان انتهاء الحكم الشرعى المطلق- الذى فى تقدير أوهامنا استمراره لولاه- بطريق التراخى) أهـ.
(ب) وعرفه الآمدى فى كتابه: «الإحكام فى أصول الأحكام» (٣) فقال: (هو عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعى سابق). أهـ.
(ج) والتعريف الأشهر والأيسر أن يقال فيه: هو رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر عنه.
стр. 621
فهذا التعريف قد أخرج تخصيص العام، وتقييد المطلق بالاستثناء أو بالصفة أو بالحال أو بالزمان أو بالمكان، وغير ذلك من أنواع التخصيص والتقييد.
ومعنى رفع الحكم الشرعى: قطع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو؛ فإنه أمر واقع، والواقع لا يرتفع.
والحكم الشرعى: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو الكف أو التخيير. وإما على سبيل كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو صحيحا أو فاسدا.
والدليل الشرعى: هو وحى الله مطلقا متلوا أو غير متلو، فيشمل الكتاب والسنة.
وهذا التعريف أراه جامعا لأركانه وشروطه، مانعا من دخول الغير فيهما.
وبسط ذلك فى الكتب المطولة.
(٣) [استدلال جمهور العلماء على جواز النسخ]
واستدل جمهور العلماء على جواز النسخ بالعقل والنقل والتاريخ.
أما العقل فلا يمنع جوازه؛ لأنه لا يترتب على وقوعه محال.
والواقع التاريخى- أيضا- يؤكد وقوع النسخ بنوعيه: نسخ الشرائع السابقة بالإسلام، ونسخ الحكم فى شريعة الإسلام بحكم آخر متأخر عنه، والوقوع خير شاهد على الجواز. وقد اعتمد المجوّزون له على ثلاث آيات من القرآن الكريم:
الأولى: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ١٠٦.
الثانية: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ الرعد: ٣٩.
الثالث: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ النحل: ١٠١.
فإذا قرأت أكثر كتب المفسرين، وجدتهم يحملون النسخ فى آيتى البقرة والنحل على نسخ الحكم، ووجدت بعضهم يحمله على نسخ الحكم والتلاوة.
أما آية الرعد، فقد حملها أكثرهم على نسخ الشرائع، فكل شريعة تنسخ الأخرى، وشريعتنا ناسخة لجميعها، بمعنى، أنها نسخت كثيرا من الأحكام الجزئية التى لا تتفق مع مصالحنا الدنيوية والأخروية.
فالشريعة السماوية لا تنسخ الأصول العامة ولا القواعد الكلية؛ لأنها متفقة عليها، لا تختلف فيها شريعة عن أخرى.
стр. 622
على أن المحو والإثبات فى الآية يتناول كل ما من شأنه أن يمحى، وكل ما من شأنه أن يثبت؛ فيدخل فيها نسخ الأحكام الجزئية فى شريعتنا بمقتضى هذا العموم.
لهذا جعلها كثير من العلماء من أدلة الجواز.
(٤) [امور لا بدّ منه فى تحقيق النسخ]
(ولعلك تدرك مما سبق أنه لا بدّ فى تحقيق النسخ من أمور أربعة:
أولها: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا.
ثانيها: أن يكون دليل رفع الحكم دليلا شرعيا.
ثالثها: أن يكون هذا الدليل الرافع متراخيا عن دليل الحكم الأول غير متصل به، كاتصال القيد بالمقيد والتأقيت بالمؤقت.
رابعها: أن يكون بين ذينك الدليلين تعارض حقيقى.
تلك أربعة لا بدّ منها لتحقق النسخ باتفاق جمهرة الباحثين، وثمة شروط اختلفوا فى شرطيتها: منها أن يكون ناسخ القرآن قرآنا وناسخ السنة سنة، ومنها كون النسخ مشتملا على بدل للحكم المنسوخ، ومنها كون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الأمر للنهى والمضيّق للموسّع، ومنها كون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، إلى غير ذلك مما يطول شرحه) (٤) أه.
(٥) [موقع النسخ]
ولا يقع النسخ إلا فى الأحكام الشرعية العملية الثابتة بالنص غير المؤقتة بوقت؛ لأنها تنتهى بوقتها المحدد لها، ولا فى الأحكام المنصوص على تأبيدها؛ لأن النسخ فيها يتناقض مع التأبيد بشرط أن يكون التأبيد منصوصا عليه.
ولا يلحق القواعد الكلية التى تندرج تحتها الفروع الجزئية؛ لأن هذه القواعد مقاييس تبنى عليها الأحكام.
ولا نسخ فى الأمور الاعتقادية المتعلقة بذات الله- تعالى- وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
ولا نسخ فى الأصول الأخلاقية؛ لأنها من الأمور المتفق عليها فى الشرائع السماوية.
ولا نسخ فى أصول العبادات والمعاملات؛ لأن الشرائع كلها لا تخلو منها وهى متفقة فيها.
ولا يدخل النسخ الخبر الصريح الذى ليس بمعنى الطلب، كالقصص والوعد والوعيد.
(٦) [طرق معرفة الناسخ والمنسوخ]
والطرق التى يعرف بها الناسخ والمنسوخ كثيرة، ينبغى أن نعلم قبل أن نذكرها إجمالا أن النسخ يتضمن رفع حكم تقرر من جهة
стр. 623
الشارع وإثبات حكم، ومثل هذا لا يحل لمسلم أن يقول فيه إلا بيقين.
فمن قال فى شىء: إنه منسوخ؛ فقد أوجب ألا يطاع هذا الأمر الصادر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، ولا يجوز أن نسقط طاعة أمرنا بها الله- تعالى- ورسوله إلا ببرهان.
وفى هذا يقول ابن الحصار: (إنما يرجع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ ، أو عن صحابى يقول: آية كذا نسخت كذا.
وقال: ولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح.
ثم قال: والناس فى هذا بين طرفى نقيض؛ فمن قائل: لا يقبل فى النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفى فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب: خلاف قولهما) (٥).
وتوضيح ذلك: أنه لا سبيل إلى معرفة نسخ آية أو حديث بغير أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: النص الصريح الصحيح بأن هذا الأمر ناسخ لكذا، أو أمر صريح بترك الأمر الأول.
مثاله: قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ البقرة: ١٤٣.
ثم قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها.
فهذا دليل واضح على أن القبلة التى كانت قبل هذه منسوخة.
ومثل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ البقرة:١٨٧.
فهذا النص صريح فى نسخ النهى عن الوطء فى ليل رمضان على رأى من قال بالنسخ.
الوجه الثانى: إجماع الأمة بلا خلاف يعتد به على أن أمر كذا منسوخ.
ومن المعلوم أن الإجماع يستند دائما إلى دليل.
الوجه الثالث: تعارض الأدلة المتساوية تعارضا تاما مع معرفة الأمر المتقدم زمنا من المتأخر، وتفصيل المسألة: أن النصين إما أن يتعارضا من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه، فإن تعارضا من وجه دون وجه جمع بينهما. وإن تعارضا من جميع الوجوه فإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، أو كان أحدهما
стр. 624
أقوى من الآخر فى الثبوت عمل بالأقوى، وأهمل الآخر.
وإن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافئا فى الثبوت وعلم الأمر المتقدم منهما والمتأخر صرنا إلى النسخ.
أما إن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافئا فى الثبوت، ولم يعلم المتقدم والمتأخر فلا يصار إلى النسخ بالاجتهاد؛ بل يجب التوقف عنهما أو التخير بينهما.
وعلى هذا فلا يعتمد على: (الاجتهاد من غير دليل، ولا على أقوال المفسرين من غير سند، ولا على مجرد التعارض الظاهرى بين النصوص، ولا على ثبوت أحد النصين فى المصحف بعد الآخر؛ لأنه ليس على ترتيب النزول) (٦).
(هذا كله إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه التخصيص والتأويل، وإلا وجب الجمع؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال دليل وإهدار آخر، ولأن الأصل فى الأحكام بقاؤها وعدم نسخها فلا ينبغى أن يترك استصحاب هذا الأصل إلا بدليل بيّن) (٧).
(٧) [اقسام النسخ]
وقسم بعض العلماء النسخ أقساما متعددة باعتبارات مختلفة، نذكر بعضها بإيجاز فنقول كما قالوا:
(أ) ينقسم النسخ باعتبار التلاوة والحكم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخت تلاوته وبقى حكمه:
فقد روى أنه كان فى سورة النور آية ثم نسخت تلاوتها وبقى حكمها وهى: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله».
وروى أن عمر قال: «لولا أن يقول الناس:
زاد عمر فى كتاب الله لكتبتها بيدى».
وقد أنكر كثير من العلماء هذا الضرب لعدم فهمهم الحكمة منه؛ ولضعف دليله لأنه من قبيل أحاديث الآحاد التى يتطرق إليها الاحتمال فيسقط به الاستدلال.
وقد بالغ الدكتور مصطفى زيد فى إنكار هذا الضرب بالطعن فى صحة النصوص الواردة فى ذلك فقال فيما قال: (أما الآثار التى يحتجون له بها .. وهى تنحصر فى آيتى رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا، وتحريم الرضعات الخمس- فمعظمها مروى عن عمر وعائشة رضى الله عنهما، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما، بالرغم من ورودها فى الكتب الصحاح؛ فإن صحة السند لا تعنى فى كل الأحوال سلامة المتن.
على أنه قد ورد فى الرواية عن عمر قوله بشأن حد الرجم فيما زعموا: «ولولا أن
стр. 625
يقال: زاد عمر فى المصحف لكتبتها» وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظا أيضا مع أنهم يقولون: إنها منسوخة اللفظ باقية الحكم.
كذلك ورد نص الآية فى الروايات التى أوردته بعبارات مختلفة، فواحدة منها تذكر قيد الزنا بعد ذكر الشيخ والشيخة، وواحدة لا تذكره، وثالثة تذكر عبارة «نكالا من الله» ورابعة لا تذكرها.
وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها.
وفى بعض هذه الروايات جاءت بعض العبارات التى لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمين (٨).
الثانى من الأقسام: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته:
وهو كثير فى الكتاب والسنة، ومن أجله صنفت الكتب، ولا سيما إذا أخذنا فى اعتبارنا مفهومه الواسع المنسوب إلى الصحابة وكثير من التابعين؛ إذ أدخلوا فيه تخصيص العام وتقييد المطلق كما سيأتى بيانه فيما بعد.
(وقد أنكر قوم هذا الضرب بدعوى أن التلاوة والحكم متلازمان، فلا يصح رفع أحدهما مع بقاء الآخر، ورفع الحكم بجعل التلاوة خالية من الفائدة فلا يجوز.
ثم إن نسخ الحكم مع بقاء التلاوة .. يوهم بقاء الحكم؛ فيعرض المكلف للجهل والخلط فى الشريعة والأحكام.
وردّ على هذه الشبهة برد دعوى التلازم، فالآية بعد نسخ حكمها لا تكون خالية من الفائدة، بل معناها قائم عطل العمل به دليل آخر؛ وفى ثبوتها تذكير بنعمة الله- تعالى- إذا كان الحكم المنسوخ أشد، واختبار بالانصياع والتسليم إذا كان الحكم المنسوخ أخف، ثم فى تلاوتها تعبد وأجر.
أما شبهة إيهام بقاء الحكم، وتعريض المكلف للجهل والخلط فهى مردودة بأن النسخ لا يصار إليه إلا بدليل معلوم للمكلف، وإذا علم الدليل الناسخ زال الجهل وبعد احتمال الخلط فى الأحكام) (٩).
والثالث من الأقسام: نسخ الحكم والتلاوة معا:
قال الزركشى فى «البرهان» (١٠): (فلا تجوز قراءته ولا العمل به، كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس؛ قالت عائشة- رضى الله عنها: «كان مما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفّى رسول الله ﷺ وهى مما يقرأ من القرآن» (١١).
وقد تكلموا فى قولها: «وهى مما يقرأ» فإن ظاهره بقاء التلاوة؛ وليس كذلك، فمنهم
стр. 626
من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفى وبعض الناس يقرؤها.
وقال أبو موسى الأشعرىّ: «نزلت ثم رفعت».
وجعل الواحدى من هذا ما روى عن أبى بكر ﵁ قال: «كنا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر». وفيه نظر.
وحكى القاضى أبو بكر فى «الانتصار» عن قوم إنكار هذا القسم؛ لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها.
وقال أبو بكر الرازى: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه فى المصحف، فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التى ذكرها فى قوله:
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى الأعلى: ١٨ - ١٩.
ولا يعرف اليوم منها شىء، ثم لا يخلو ذلك من أن يكون فى زمن النبى ﷺ حتى إذا توفّى لا يكون متلوا فى القرآن؛ أو يموت وهو متلوّ موجود فى الرسم، ثم ينسيه الله ويرفعه من أذهانهم، وغير جائز نسخ شىء من القرآن بعد وفاة النبى ﷺ .
وقال السمرقندى فى «ميزان الأصول» (١٢):
(أما الجواز فإن نسخ التلاوة- هو صرف القلوب عن حفظ القرآن الدال على كلام الله تعالى- فجائز أن ينتهى الحكم لانتهاء المصلحة وتنسى التلاوة.
أما عين كلام الله تعالى: فلا يتصور عليه النسخ؛ فإنه قديم. قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ الأعلى: ٦.
ولكن هذا فى حال جواز النسخ، وهو حال حياة الرسول ﷺ .
فأما بعد وفاته- فلا؛ لأن الله- تعالى- أخبر أنه هو الحافظ لهذا القرآن بقوله:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أى نحفظه منزلا لا يلحقه تغيير ولا تبديل؛ صيانة للدين الحق إلى آخر الدهر.
(٨) وينقسم النسخ. أيضا. إلى قسمين: نسخ ببدل، ونسخ بغير بدل .
أما القسم الأول: فلا خلاف فيه بين العلماء، وأمثلته كثيرة سيأتيك كثير منها إلى جانب ما قد مضى ذكره.
ومعناه: أن الشارع الحكيم إذا نسخ حكما أبدله بحكم أخف منه أو أثقل منه، أو مساو له؛ لحكمة نعلمها أو لا نعلمها.
стр. 627
أما النسخ إلى غير بدل فقد وقع فيه الخلاف بين الأصوليين، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه.
ومن المانعين له الشافعى ﵁، وهو أول من وضع علم الأصول على الراجح من أقوال المؤرخين.
فقد قال فى «الرسالة» (١٣): (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة، وكل منسوخ فى كتاب وسنة هكذا).
ومن المجوزين له: الآمدى فهو يقرر فى كتاب «الإحكام» (١٤) أن مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل خلافا لمن شذ منهم.
واستدل على وقوعه بأدلة كثيرة، وضرب لذلك أمثلة من القرآن، منها:
(أ) قوله تعالى فى سورة المجادلة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ آية: ١٢.
ثم نسخ حكمها فى الآية التى بعدها، دون أن يأتى بتكليف آخر يحل محل التكليف الأول، وذلك فى قوله جل شأنه: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ آية: ١٣.
(ب) ونسخ الله الاعتداد بحول كامل فى حقّ المتوفّى عنها زوجها، بقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة: ٢٤٠.
وقد كانت أربعة أشهر وعشرا، كما فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً البقرة آية: ٢٣٤.
(ج) ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة فى القتال فقال: جل شأنه أولا: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الأنفال: ٦٥.
ثم قال بعدها مباشرة: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
إلى آخر ما قال.
(د) ونحن إذا نظرنا إلى خلاف العلماء حول النسخ إلى غير بدل وجدناه فى الحقيقة
стр. 628
خلافا حول مفهوم البدل نفسه، لا حول اشتراطه، فإن مفهوم البدل ومعناه العام يشمل أمرين: الرد إلى ما كان قبل شرع الحكم المنسوخ وهو البراءة الأصلية، أو الإباحة.
ونقل الحكم المنسوخ إلى حكم آخر، فكلاهما يسمى بدلا، فلا إشكال إذن ولا خلاف؛ لأن رد الحكم إلى الإباحة هو نسخ إلى بدل؛ لأن الإباحة نوع من أنواع الخطاب.
(٩) وينقسم النسخ من جهة أخرى إلى ثلاثة أقسام:
الأول: نسخ الأثقل بالأخف، وهو الغالب والكثير.
والثانى: نسخ الحكم بحكم آخر مساو له.
كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ البقرة: ١٤٤.
والثالث: نسخ الأخف بالأثقل، وهو قليل.
كنسخ حبس الزوانى بالجلد والرجم، ولا شك أن الضرب بالحجارة حتى الموت أثقل من الحبس.
ومنع بعض العلماء هذا النوع بدعوى أن الله يريد بنا اليسر فى تشريعاته كلها، كما قال جل شأنه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
وقال عز من قائل: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ.
والجواب عن هذه الشبهة أن العسر واليسر والخفة والثقل من الأمور الإضافية، فما من أمر خفيف إلا وهو ثقيل بالإضافة إلى ما هو أخف منه، وما من أمر ثقيل إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه، وكل ما أمر الله- تعالى- به يسر لنا إذ فوقه ما هو عسير وعسير، وكل ما نقلنا إليه من أحكام تخفيف علينا بالنسبة لما فى علمه من مشاق، ولو أن المقصود التخفيف المطلق، واليسر المطلق لكانت ركعة واحدة فى الصلاة مثلا أخف بكثير مما هى عليه، ثم إنه قد وقع النسخ بالأشد فلا سبيل إلى إنكاره ومنعه.
(١٠) قال السيوطى فى «الإتقان»: (قال بعضهم:
سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام:
قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهو ثلاث وأربعون: سورة الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم،
стр. 629
والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين والعصر والكافرون.
وقسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون: البقرة وثلاث بعدها، والحج، والنور وتاليها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والمدثر، والتكوير، والعصر.
وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ست: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى.
وقسم فيه المنسوخ فقط، وهو الأربعون الباقية) (١٥).
هذا. والسور التى ذكر السيوطى أنها تشتمل على ناسخ فقط، أو ناسخ ومنسوخ معا، يحمل على النسخ بمعناه الواسع الذى يشمل ما كان مطلقا فقيد إطلاقه، وما كان عاما فخصص عمومه بنوع من أنواع التخصيص، أو كان مبهما فأزيل إبهامه، أو كان غير مؤقت فأقت، ونحو ذلك.
وهو مفهوم الصحابة للنسخ كما سيأتى بيانه.
(١١) الآيات التى قيل إنها منسوخة عدها السيوطى اثنتين وعشرين آية بعد أن ضيق مفهوم النسخ بعض الشيء وبين الناسخ لها ونظمها فى قصيدة لتحفظ.
وإليك هذه الآيات وما ذكره فى شأنها- مع مناقشته فى بعض ما ذهب إليه.
الأولى: قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (البقرة): ١٨٠.
قيل: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وقيل: بحديث «لا وصية لوارث» (١٦)، وقيل:
بالإجماع، حكاه ابن العربى.
وقد نازعه فى نسخ هذه الآية جماعة من أهل العلم، وقالوا: إنها محكمة، وهو الظاهر لى.
قال القاسمى فى «محاسن التأويل» (١٧) بعد أن ذكر ما ذهب إليه السيوطى: (ذهبت طائفة إلى أن الآية محكمة لا تخالف آية المواريث، والمعنى: كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ.
أو كتب على المحتضر: أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم .. ولو فرض المنافاة لأمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية، بإبقاء القريب الذى لا يكون وارثا لأجل صلة الرحم ....
стр. 630
قالوا: ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها فى غيرهم).
الثانية: قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ. ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
واعتمدوا فيما ذهبوا إليه على آثار كثيرة وردت فى صحيح البخارى ومسلم ومسند أحمد.
لكن قد ورد ما يفيد أنها محكمة؛ فقد روى البخارى فى التفسير عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول فى هذه الآية: «ليست منسوخة، وهو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكينا».
الثالثة: قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ البقرة: ١٨٧.
قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فقد روى أن شهر رمضان قد فرض على الذين من قبلنا على الوجه الذى كان مفروضا على المسلمين قبل نزول هذه الآية الناسخة، بمعنى أنهم قد كتب عليهم أنه إذا صلّى أحدهم العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها من الليلة المقبلة.
وهذا ما رواه أبو جعفر الرازى عن الربيع ابن أنس عمن حدثه عن ابن عمر.
ونحن لا ندرى على وجه اليقين أن الصوم قد فرض على الذين من قبلنا على هذا النحو، فيكون الأصح الذى تطمئن إليه النفس أن هذه الآية ناسخة للسنة التى كان عليها المسلمون فى أول الإسلام.
الرابعة: قوله جل شأنه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ البقرة: ٢١٧.
ذكر القرطبى وغيره من المفسرين: (أن العلماء اختلفوا فى نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين فى الأشهر الحرم مباح.
واختلفوا فى ناسخها:
فقال الزهرى: نسخها وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً التوبة ٣٦.
وقيل: نسخها غزو النبى ﷺ ثقيفا فى الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس فى الشهر الحرام.
وكان عطاء يقول: الآية محكمة، ولا يجوز القتال فى الأشهر الحرام، ويحلف على ذلك؛
стр. 631
لأن الآيات التى وردت بعد عامة فى الأزمنة، وهذا خاص، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق) (١٨).
الخامسة: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة: ٢٤٠.
(قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً البقرة: ٢٣٤. وهى متقدمة عليها فى الترتيب مؤخرة عنها فى النزول.
وذهب جماعة من المفسرين إلى أنها محكمة لا نسخ فيها وهو الراجح عندى.
وبيان ذلك: أن الآية الأولى فى ترتيب المصحف فرضت على المرأة أن تعتد فى بيت الزوجية أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، لا تخرج فيها من بيتها إلا لحاجتها الضرورية، ولا تتزين للرجال، ولا تتعرض لهم من أجل الزواج، حتى تنقضى عدتها.
والآية الثانية فى الترتيب أقرت حكم الآية الأولى من وجوب العدة أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، مع إفادة استحباب أن تكون العدة حولا.
وهذا الاستحباب إما أن يكون وصية من الله للورثة؛ مبالغة فى تكريم المرأة وإنعاما منه فى رفع المعاناة عنها، وتطييبا لنفسها ووفاء لزوجها، وإما أن يكون وصية من الزوج قبل موته، وإما أن يكون وصية من الورثة بعضهم لبعض.
وأما النفقة فليست مرفوعة بميراثها من زوجها؛ لأن هذه الوصية على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، فآية المواريث نقلت الحكم من الوجوب إلى الاستحباب ولم ترفعه بالكلية.
ومن هنا نفهم أن النسخ فى هذه الآية يحمل على معناه الواسع الذى قال به السلف، والخلاف بين الفريقين لفظى أو اصطلاحى ولا مشاحة فى الاصطلاح، وكل من الفريقين على الصواب- إن شاء الله تعالى.
ومن نظر فى هاتين الآيتين وجد الأمر كما قررناه، فالآية الأولى فيها ذكر التربص وهو الانتظار والحبس عن الزواج حتى تنتهى العدة، بخلاف الآية الثانية، وبذلك تكون الآية الأولى خاصة بالزمن الذى لا تتعرض فيه المرأة إلى خطبة الأزواج، وما تبقى من الحول وهو سبعة أشهر وعشرين يوما تكون المرأة فيه مخيرة بين الانتقال من بيت الزوج المتوفى والتزوج بآخر والمكث فى بيت زوجها المتوفى
стр. 632
عنها دون أن تتزوج بآخر؛ وفاء لزوجها الأول ومبالغة فى تكريمه، وعندئذ تكون أهلا لإكرام أهل زوجها لها، واعتزازهم بوجودها بينهم.
وحيث أمكن الجمع فلماذا نعدل عنه إلى القول الذى يرتضيه قوم وينكره آخرون.
السادسة: قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ البقرة:
٢٨٤.
قيل إنها منسوخة بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها البقرة: ٢٨٦.
والأصح أنها ليست منسوخة، فالآية الثانية بيان لها؛ فقد وقع فى نفوس المؤمنين أنهم سيحاسبون على كل ما يخطر فى ضمائرهم من سوء؛ كما يحاسبون على كل ما تبديه أنفسهم من شر وإن لم يمكنهم دفعه؛ فبيّن الله- فى الآية الثانية أنه لا يحاسبهم إلا على ما يمكنهم دفعه من الخواطر؛ إذ على المؤمن أن يدفع وساوس الشيطان
أولا بأول، ولا يسمح لها أن تتحول إلى إرادة ثم إلى عزم ثم إلى فعل؛ عملا بقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ الأعراف: ٢٠٠/ ٢٠١.
والدليل على ما ذكرناه من عدم النسخ ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائى وغيرهم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ- دخل قلوبهم منها شىء، فقال النبى ﷺ : «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» قال: فألقى الله الإيمان فى قلوبهم فأنزل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قال: قد فعلت رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: قد فعلت. وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ قال: قد فعلت.
واستدل القائلون بالنسخ بما رواه أحمد فى مسنده عن أبى هريرة ﵁ قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ :
«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا:
стр. 633
سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله فى إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل:
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.
والمراد بالنسخ هنا من قبيل بيان المجمل وتقييد المطلق على حسب مفهوم المتقدمين من الصحابة والتابعين لا على حسب مفهومه عند المتأخرين، فالقول بعدم النسخ أسلم) (١٩).
السابعة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ آل عمران ١٠٢.
قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن: ١٦.
فإن كان النسخ بمعنى بيان المجمل وتقييد المطلق- كما هو مفهوم المتقدمين للنسخ- فلا مانع من القول به؛ لأن الآية الثانية بيان للأولى وتقييد لمطلقها؛ فمن المعلوم شرعا أن الطاعة على قدر الطاقة.
الثامنة: قوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً النساء: ٨.
قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس فى العمل بها.
والأصح: أنها محكمة لم تنسخ بآية المواريث كما قال بعضهم؛ وذلك لما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس فى الآية قال: «هى محكمة وليست بمنسوخة»، وفى لفظ عنه: «هى قائمة يعمل بها».
التاسعة والعاشرة: قوله تعالى:
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً النساء: ١٥ - ١٦.
هاتان الآيتان منسوختان عند جمهور المفسرين والمحدثين، ودليل النسخ فيهما ظاهر، لكن هذا النسخ هو من قبيل التدرج فى التشريع؛ رعاية لمصالح العباد فى العاجل والآجل.
فالآية الأولى تنص على عقوبة الزانية بكرا كانت أم ثيبا بحبسها فى البيت حتى يتوفاها الله أو يجعل لها مخرجا بآية أخرى أو حديث.
والآية الثانية تنص على عقوبة الرجال من
стр. 634
الأيامى والأبكار، وهى الإيذاء بالأيدى والنعال والتقريع بالألسنة وما إلى ذلك من أنواع الإيذاء المناسب لهذه الجريمة، وهى جريمة الزنا واللواط كما يرى بعض المفسرين.
قال ابن كثير فى تفسيره: (كان الحكم فى ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست فى بيتها فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ..
فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ؛ لذلك قال ابن عباس: «كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم»، وكذا روى عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخرسانى، وأبى صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه).
ثم ساق الحديث الذى رواه أحمد فى مسنده، ومسلم فى صحيحه وغيرهما من أصحاب السنن، وفيه قال رسول الله ﷺ :
«خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفى سنة».
الحادية عشرة: قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ النساء: ٣٣.
منسوخة بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ الأنفال ٧٥ (وقيل إنها غير منسوخة، لأنها تدل على توريث مولى الموالاة، وتوريثهم باق غير أن رتبتهم فى الإرث بعد رتبة ذوى الأرحام، وبذلك يقول فقهاء العراق).
والأصح: أنها منسوخة؛ لكثرة الآثار الواردة فى ذلك عن الصحابة والتابعين.
الثانية عشرة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ المائدة: ٢.
قيل إن قوله: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ منسوخ بمقتضى عموم قوله:
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً التوبة: ٣٦، وقد سبق القول فى هذا، فالحق عدم النسخ.
فالحكم باق كما هو، فلا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا عدوهم فى الأشهر الحرم، إلا إذا اضطروا لذلك.
الثالثة عشرة: «قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ المائدة: ٤٢ منسوخة بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ المائدة: ٤٩.
وقد قيل بعدم النسخ، وأن الآية الثانية متممة للأولى، فالرسول ﷺ مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم، وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية، وهذا ما نرجحه، لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع.
стр. 635
الرابعة عشرة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ المائدة: ١٠٦.
قيل: قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ منسوخ بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ الطلاق: ٢.
قال الزرقانى (٢٠): «وقيل إنه لا نسخ؛ لأن الآية الأولى خاصة بما إذا أنزل الموت بأحد المسافرين، وأراد أن يوصى فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين، أو غيرهم؛ توسعة على المسافرين، لأن ظروف السفر ظروف دقيقة، قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها، فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر وربما ضاعت الوصية، أما الآية الثانية فهى القاعدة العامة فى غير ظروف السفر».
الخامسة عشرة: قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الأنفال: ٦٥.
قيل: إنها منسوخة بقوله سبحانه الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ الأنفال: ٦٦.
ووجه النسخ: أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة، وأن الثانية أفادت وجوب الواحد للاثنين، وهما حكمان متعارضان فتكون الثانية ناسخة للأولى- على ما تقدم بيانه عند الكلام على نسخ الأثقل بالأخف- والنسخ هنا ظاهر- ولكن قد يقال إن هذا النسخ هو انتقال من الواجب إلى الرخصة.
السادسة عشرة: قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا التوبة: ٤١.
قيل: نسخت بآيات العذر، ومنها قوله:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ التوبة: ٩١.
والأصح أنه لا نسخ فى الآية، فكأنه قيل:
انفروا خفافا وثقالا إلا من كان معذورا لا يستطيع القتال لكونه ذا عاهة من مرض أو عرج، أو عمى أو زمانة، ونحوها من المعوقات، مع بقاء طائفة تقوم بما يحتاج إليه القاعدون من أولى الضرر، كتعليم وإرشاد وغير ذلك.
السابعة عشرة: قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ النور: ٣.
قيل: منسوخة بقوله سبحانه وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ