← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

إعراب القرآن قال ابن جنى فى «الخصائص الكبرى»: الإعراب: هو الإبانة عن المعانى بالألفاظ (١). وقال ابن منظور فى «لسان العرب»: أعرب الكلام وأعرب به: بيّنه ... وعرّب منطقه: أى هذّبه من اللحن ... (٢). وقال الراغب فى «مفرداته»: ... إعراب الكلام: إيضاح فصاحته. وخصّ الإعراب فى تعارف النحويّين بالحركات والسكنات المتعاقبة على أواخر الكلم (٣). ومن هذا المنطلق اللغوى يعرّف إعراب القرآن فيقال: هو بيان معانيه باستعمال القواعد النحوية عند الحاجة إليها؛ فالإعراب فرع المعنى كما يقول علماء اللغة. وفى القرآن معان كثيرة يتوقف فهمها على إعراب ألفاظها؛ لمعرفة الفاعل من المفعول، والصفة من الموصوف، والمبتدأ من الخبر، وغير ذلك مما يحتاج إليه المفسر فى الوقوف على المعنى المراد على وجه التحديد أو على وجه التقريب. ويستطيع من خلال معرفة وجوه الإعراب أيضا أن يصحح من أقوال المفسرين ما يراه صحيحا، أو يرجح ما يراه راجحا؛ مستدلا على سلامة قوله بقاعدة أو بأكثر من قواعد الإعراب التى لا خلاف عليها بين المعربين. ولا شك أن علماء النحو قد بذلوا جهودا مضنية فى وضع هذه القواعد وسبكها بدقة وفق مقتضيات اللغة. وكان لأولهم قدم السبق فى تحريرها، وكان لمن جاء بعدهم فضل التحقيق والتطبيق. وقد بذل المفسرون جهودا مشكورة فى استعمال هذه القواعد النحوية؛ لبيان معانى كتاب الله تعالى؛ فكانوا نعم العون للناظرين فيه على اختلاف درجاتهم فى الثقافة والفهم وتنوع مشاربهم فى العلم والمعرفة. فعلماء البلاغة يجدون فيه بغيتهم إذا أرادوا أن يتعرفوا جمال تعبيره ورقة تصويره، وجودة نظمه وروعة بيانه، وأسرار إعجازه فى مناحيه الأربعة: البيانية، والتشريعية، والعلمية، والغيبية. وعلماء الحديث يستعينون على فهمه بالقرآن، ويستعينون على فهم القرآن بعلم الإعراب وعلوم البلاغة.

стр. 562

والمشتغلون بالعلوم الأخرى يستمدون فهم كتاب الله- تعالى- من أولئك المفسرين الذين نبغوا فى هذه العلوم اللغوية التى تعتمد بالدرجة الأولى على قواعد الإعراب. لذا كانت دراسة علم النحو ضرورية لكل من يتصدى لتفسير كتاب الله- تعالى-، وبيان ما تضمنته الأحاديث النبوية أيضا؛ لأن السنة بيان للقرآن، يتوقف فهمه على فهمها بكل الوسائل المستعملة فى ذلك، وأولها معرفة وجوه الإعراب. وقد شرط العلماء لمن يتصدى لعلم التفسير شروطا كثيرة، منها: (أ) أن يقتصر منه على القدر الذى تدعو إليه الحاجة، ويترك ما زاد عليها للمتخصصين فى علم النحو؛ فإن القرآن من أوله إلى آخره كتاب هداية ومنهج حياة، فينبغى أن يكون مبلغ همّ المفسر لآياته بيان معانية ومراميه ومناحى إعجازه، وغير ذلك مما فيه حكم، وحكمة، وعظة، وعبرة. (ب) أن يفهم أولا معنى ما يعربه مفردا كان أو مركبا؛ وذلك بالرجوع إلى كتب التفسير التى عنى أصحابها بالغوص فى المعانى إلى أعماقها واستخراج مكنوناتها ونفائسها، مستعينين فى ذلك بمتن اللغة وفقهها وصورها البيانية وإيحاءاتها فى دقة النظم وجمال التعبير وسلامة الأسلوب تماما من الخلل والزلل. (ج) أن يراعى المعرب المعنى الصحيح الذى دل عليه لفظ الآية وسياقها وما إلى ذلك من أدلة التصحيح، ولو خالف بذلك الصناعة النحوية إذا كانت لا تعينه على المعنى الذى اتفق عليه أكثر المفسرين؛ فالقرآن قد نزل بلسان عربىّ مبين يحكم به ولا يحكم عليه؛ فالحجة فيه لأهل التفسير واضحة جليّة، لا يضرهم من خالفهم من النحويين ولا من غيرهم. وهذا ميدان زلت فيه أقدام كثير من المتكلفين والمقلدين. (د) أن يجتنب الوجوه الضعيفة فى الإعراب ويلزم نفسه بما صحّ منها، ولا سيما إذا كانت هذه الوجوه تخلّ بالمعنى أو توهن من شأنه فى العظة والاعتبار. (هـ) أن يتتبع المعرب ما تحتمله الألفاظ من وجوه الإعراب؛ فيشير إليها، ويختار أحسنها مرجحا قوله بالدليل. (و) أن يراعى الشروط المختلفة بحسب الأبواب؛ فإن العرب يشترطون فى باب شيئا ويشترطون فى آخر نقيض ذلك الشيء، على ما اقتضته حكمة لغتهم وصحيح أقيستهم؛ فإذا لم يتأمل المعرب ذلك اختلطت عليه الأبواب والشرائط.

стр. 563

(ز) ألا يخرّج على خلاف الأصل، أو على خلاف الظاهر لغير مقتض. (ح) وهذه الشروط تقتضى شرطا آخر هو أهمها جميعا، وهو أن يكون المعرب لكتاب الله- تعالى- مستجمعا لشروط المفسر من: سلامة الفطرة، وصحة المعتقد، وصفاء الذهن، وخلوّ قلبه من الهوى، وخبرته الواسعة بفنون لغة العرب وغير ذلك مما هو مذكور فى محله (٤). (٤) وينبغى أن يلتزم المعرب لكتاب الله- تعالى- الأدب فى التعبير عند الإعراب؛ فلا يتفوه بكلمة لا تليق بجلال القرآن أو تخلّ بفصاحته، أو تؤدى إلى شكّ فى سلامة نظمه ومحاسن أسلوبه. (أ) مثل قول بعض المعربين: هذا حرف زائد؛ فإن الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له، وكتاب الله منزّه عن ذلك، فإن الحروف التى يبدو للمعربين أنها زائدة فى كلام الناس لا ينبغى أن يقولوا فيها إن وردت فى كتاب الله: هى زائدة، إلا أن يقولوا: زائدة لملحظ بلاغى وفائدة لا تؤدّى بغيره. أو يقولوا بقول بعض الورعين من المعربين: هذا الحرف صلة أو هو حرف توكيد، أى: جىء به لفائدة لا غنى عنه فى بيانها. (ب) ومثل قول بعض المعربين: «الله» مفعول به منصوب. وهذا لا يليق بجلال الله تعالى. والأولى أن يقال: لفظ الجلالة منصوب على العظمة، كما وجدناه فى بعض كتب المعربين. (٥) (أ) وممن صنّف فى إعراب القرآن أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبرى (٥٣٨ - ٦١٦ هـ/ ١١٤٣ - ١٢١٩ م). فقد وضع فيه كتابا جامعا لسور القرآن كلها، سماه: «التبيان فى إعراب القرآن» - فى جزءين. طبع لأول مرة فى مصر سنة (١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م). وهو كتاب واف فى مقصوده، واضح فى أسلوبه، تميز عن سواه بحل كثير من مشكلات الإعراب فى كتاب الله- تعالى- وأتى فيه بما يشفى ويكفى. قال ﵀ فى مقدمته: (والكتب المؤلفة فى هذا العلم كثيرة جدا، مختلفة ترتيبا وحدّا؛ فمنها المختصر حجما وعلما، ومنها المطول بكثرة إعراب الظواهر، وخلط الإعراب بالمعانى، وقلما تجد فيها مختصر الحجم كثير العلم، فلما وجدتها على ما وصفت، أحببت أن أملى كتابا يصغر حجمه ويكثر علمه، أقتصر فيه على ذكر الإعراب ووجوه القراءات؛ فأتيت به على ذلك).

стр. 564

(ب) وقد صنف أبو محمد: عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصارى المصرى (٧٠٨ - ٧٦١ هـ/ ١٣٠٩ - ١٣٦٠ م) كتابا نفيسا فى هذا الفن سماه/ «مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب» جمع فيه الكثير من قضايا الإعراب ومسائله المتعلقة بكتاب الله- تعالى- فأفاد وأجاد، وصار كتابه هذا مرجعا لا يستغنى عنه نحوى ولا مفسر. قال فى مقدمته: (وضعت هذا التصنيف على أحسن إحكام وترصيف، وتتبّعت فيه مقفلات مسائل الإعراب فافتتحتها، ومعضلات يستشكلها الطلاب فأوضحتها ونقّحتها، وأغلاطا وقعت لجماعة من المعربين وغيرهم فنبهت عليها وأصلحتها). ثم قال: (وينحصر فى ثمانية أبواب: الباب الأول: فى تفسير المفردات وذكر أحكامها. الباب الثانى: فى تفسير الجمل وذكر أقسامها وأحكامها. الباب الثالث: فى ذكر ما يتردد بين المفردات والجمل، وهو الظرف والجار والمجرور، وذكر أحكامها. الباب الرابع: فى ذكر أحكام يكثر دورها، ويقبح بالمعرب جهلها. الباب الخامس: فى ذكر الأوجه التى يدخل على المعرب الخلل من جهتها. الباب السادس: فى التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها. الباب السابع: فى كيفية الإعراب. الباب الثامن: فى ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية). أه. والناظر فيه يجد علما غزيرا بما تضمّنه كتاب الله- تعالى- من الحقائق والدقائق التى لا يستغنى عنها من أراد أن يتفقّه فى كتاب الله- . طبع هذا الكتاب بمطبعة المدنى، ونشره محمد على صبيح بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد. وطبعته المكتبة العصرية ببيروت سنة (١٩٩٢ م/ ١٤١٢). (ج) وصنف فى هذا الفن: الأستاذ/ محمد عبد الخالق عضيمة- كتابا كبير الحجم من أحد عشر جزءا فى النحو والصرف بوجه عام، واهتم كثيرا بإعراب القرآن وبيان ما أشكل على الدارسين من وجوهه المختلفة. سماه: «دراسات لأسلوب القرآن الكريم». وهو كتاب فريد، فى ترتيبه وتهذيبه وجمعه للمسائل النحوية فى الجو القرآنى لا غنى للدارسين فى العلوم العربية والشرعية عن مطالعته.

стр. 565

طبع هذا الكتاب سنة (١٩٨٨ م) فى مطبعة حسّان بالقاهرة. (د) وظهر مؤخرا كتاب بعنوان: «إعراب القرآن الكريم وبيانه» لمحيى الدين درويش. طبع عدة مرات. المرة الثالثة منها فى المطبعة اليمانية، وطبع أيضا فى دار الإرشاد- حمص- سوريا. يقع الكتاب فى عشرة أجزاء، مرتب على حسب السور، يتكلم فيه المؤلف عن معانى الألفاظ بإيجاز ثم يعربها. (هـ) وممن صنف فى إعراب القرآن- أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج المتوفى سنة (٣١١ هـ/ ٩٢٣ م) كتابه المسمى: «معانى القرآن وإعرابه». تناول فيه إعراب القرآن كله بإيجاز. يقع الكتاب فى أربعة أجزاء، حققه الدكتور: عبد الجليل عبده شلبى، وطبع فى عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. (و) وقد صنف أبو جعفر النحاس المتوفى سنة (٣٣٨ هـ/ ٩٤٨ م) كتابه المسمى: «إعراب القرآن». وهو كتاب يعنى بإعراب القرآن عناية موسعة، ذكر فيه أقوال النحويين ووجوه القراءات التى دندن حولها المعربون. يقع الكتاب فى خمسة أجزاء طبع فى عالم الكتب الطبعة الثانية (١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م) بتحقيق د/ زهير غازى زاهر. (ز) وصنف فى هذا الفن: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنبارى (٥١٣ هـ/ ٥٧٧ هـ/ ١١١٩/ ١١٨١ م) كتابا أسماه: «البيان فى غريب إعراب القرآن». وقد حققه د/ طه عبد الحميد طه وراجعه الأستاذ: مصطفى السقا طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة (١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م). (ح) «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه» للشيخ: محمد على طه الدرة ط دار الحكمة- دمشق- بيروت. (ط) «مشكل إعراب القرآن» لمكى بن أبى طالب القيسى (٣٥٥ - ٤٣٧ هـ/ ٩٦٦ - ١٠٤٥ م). يقع فى جزءين طبع فى مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م) بتحقيق: ياسين محمد السوّاس. (ى) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل» للزمخشرى: محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمى (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ/ ١٠٧٥ - ١١٤٤ م) وهو كتاب يكشف عن جمال النظم القرآنى وسحر بلاغته وفنون إعرابه، يقع فى أربعة مجلدات. (ك) «تفسير البحر المحيط» لأبى حيان: محمد بن يوسف (٦٥٤ - ٧٤٥ هـ/ ١٢٥٦ - ١٣٤٤ م) وهو كتاب حافل بمسائل الإعراب المتعلقة بكتاب الله- تعالى- يستدرك فيه ما

стр. 566

فات الزمخشرى وغيره من المعربين، ويبين من خلال وجوه الإعراب ما تضمنته الآيات من المعانى مع بيان إعجاز القرآن فى بلاغته ونظمه وجمال تعبيره ودقة تصويره وعذوبة بيانه؛ حتى بدا وكأنه كتاب نحو وبلاغة. يقع هذا الكتاب فى ثمانى مجلدات كبار، وهو مطبوع متداول، طبعته دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع عدة طبعات. الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ- ١٩٨٣ م. وبهامشه: ١ - «تفسير النهر الماد من البحر» لأبى حيّان نفسه وهو مختصر «للبحر المحيط». ٢ - كتاب «الدرّ اللقيط من البحر المحيط» للإمام: تاج الدين الحنفى النحوى تلميذ أبى حيّان (٦٨٢ - ٧٤٩ هـ/ ١٢٥٣ - ١٣١٩ م). (ل) «الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدّقائق الخفية» تأليف: سليمان بن عمر العجيلى الشافعى الشهير بالجمل، (المتوفى ١٢٠٤ هـ/ ١٧٩٠ م). يقع فى أربعة مجلدات كبار طبعته مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر بدون تاريخ. وبهامشه كتابان: ١ - «تفسير الجلالين» لجلال الدين السيوطى، وجلال الدين المحلى. ٢ - «إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات فى جميع القرآن» لأبى البقاء: عبد الله بن الحسين العكبرى المتقدم ذكره. وهذا الكتاب لا يقل شأنا عن كتاب البحر المحيط، بل هو أوسع منه دائرة فى بعض المواضع؛ فقد أفاد منه ومن غيره ممن جاء بعده إلا أنه لا يخوض فى أعماق المسائل النحوية المعقدة كما صنع أبو حيّان فى كتابه. وطالب العلم لا يستغنى عن هذا وذاك؛ فإنه إن لم يجد ضالته فى كتاب وجدها فى آخر؛ فقد يوجد فى النهر ما لا يوجد فى البحر. أ. د./ محمد بكر إسماعيل

стр. 567

محكم القرآن ومتشابهه (١) [الاحكام فى اللغة] الإحكام فى اللغة: الإتقان والمنع. قال ابن منظور فى «لسان العرب» (١): أحكم الأمر: أتقنه، وحكم الشيء وأحكمه: منعه من الفساد. أه. والمحكم: هو المتقن الذى لا يعتريه لبس ولا خلل. (٢) [الاحكام فى الاصطلاح] وقد عرّفه علماء الشريعة بتعريفات كثيرة: فقال بعضهم: المحكم: هو الحكم الشرعى الذى لم يتطرق إليه النسخ. وقال بعضهم: المحكم: هو ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالا على معناه بوضوح لا خفاء فيه. وقال كثير من أهل السنة: المحكم: ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل. ونسب إلى ابن عباس فى تعريف المحكم: أنه الذى لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل. وقيل: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد ﵁. وقيل: المحكم ما كانت دلالته راجحة، وهو النص والظاهر. وينسب هذا القول للفخر الرازى، واختاره كثير من المحققين. (٣) [التشابه فى اللغة] والتشابه فى اللغة: التماثل المؤدّى إلى الالتباس غالبا. والمتشابه: هو الملتبس بغيره لمشاكلته له فى بعض أوصافه. والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى. فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده. وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق،

стр. 568

ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه فى الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما. والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو «الأبّ» وهو نبات ترعاه الإبل و «يزفون» يسرعون. وإما من جهة مشاركة فى اللفظ كاليد والعين. (فإن اليد تطلق على العضو، وعلى القدرة، وعلى النعمة، والعين، تطلق على عضو الإبصار والجاسوس، والذهب والفضة، وعين الماء وغير ذلك). والثانى: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (النساء: ٣). فإن المراد باليتامى فى الآية: اليتيمات، فلما جاء اللفظ عاما أشكل على بعض الصحابة ارتباط الشرط بالجواب؛ فأخبرتهم عائشة رضى الله عنها بأن المراد به ما ذكرنا. وضرب لبسط الكلام نحو: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى: ١١). لأنه لو قيل؛ ليس مثله شىء، كان أظهر للسامع، لكن فى هذا التعبير معنى بلاغى لا يخفى على علماء التفسير، وهو نفى مثل المثل. وضرب لنظم الكلام، نحو: أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً (الكهف: ١). تقديره: الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا. والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة؛ فإن تلك الصفات لا تتصوّر لنا؛ إذ كان لا يحصل فى نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه. والتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمّية، كالعموم والخصوص نحو: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ. والثانى: من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ. والثالث: من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (آل عمران: ١٠٢) فإنه منسوخ على ما قيل:

стр. 569

بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن: ١٦). والرابع: من جهة المكان والأمور التى نزلت فيه نحو: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (البقرة: ١٨٩) وقوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (التوبة: ٣٧). فإن من لا يعرف عادتهم فى الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية. والخامس: من جهة الشروط التى بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح. وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون فى تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال: المتشابه (الم). وقول قتادة: المحكم هو الناسخ. والمتشابه: هو المنسوخ. وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة، ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته. كالألفاظ الغريبة، والأحكام الغلقة. وضرب متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين فى العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله- ﵊ لابن عباس: «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل». وإذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقف على قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ووصله بقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ جائز، وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. وقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (الزمر: ٢٣) فإنه يعنى ما يشبه بعضه بعضا فى الأحكام والحكمة واستقامة النظم. أه. هذا ما أفاده الراغب فى «مفرداته» (٢) مع إضافات توضيحية على بعض ما قال، وهو كما ترى قد أنهى إلينا ما كنا نبتغيه فى تفسير المتشابه، وتمييزه عن المحكم بتعريف جامع لأطرافه ومسائله، مانع من دخول الغير فيه. فقد عرفه بالحد والرسم والتقسيم؛ فأفاد وأجاد وحقق المراد. (٤) [نسبة المتشابه] ونسبة المتشابه، وإن كثرت أقسامه وفروعه، بالنسبة للمحكم من نصوص

стр. 570

الشريعة قليل، وذلك لأمور: أحدها: النص الصريح على أن الآيات المحكمات أم الكتاب، وذلك فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ (آل عمران: ٧). وأمّ الشيء: معظمه وعامته، والأم أيضا الأصل والعماد، كما فى القاموس. ولذلك قيل لمكة: (أم القرى) لأن الأرض دحيت من تحتها. فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ إنما يراد بها القليل. والثانى: أن المتشابه لو كان كثيرا لكان الالتباس والإشكال كثيرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى. وقد نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس، والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى، ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها لم يصح القول به، وما جاء فيه من ذلك المتشابه الذى لم يتعلق به حكم بالمكلفين من جهته زائد على الإيمان به يجب أن نقرّه على ما جاء، ولا نخوض فى تأويله. الثالث: استقراء المجتهد إذا نظر فى أدلة الشريعة جرت له على قانون النظر، واتسقت أحكامها، وانتظمت أطرافها على وجه واحد، كما قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود: ١). وقال تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (يونس: ١). وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (الزمر: ٢٣). يعنى يشبه بعضه بعضا، ويصدّق أوله آخره، وآخره أوله، أعنى أوله وآخره فى النزول (٣) أه. (٥) [مواقع التشابه] والتشابه لا يقع فى القواعد الكلية، ولكن يقع فى الفروع الجزئية. وقد عرف ذلك بالاستقراء والتتبع لأصول الشريعة أصلا أصلا، وإنما كان التشابه فى الفروع والجزئيات دون الكليات؛ لأن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه. وقد عرفنا فى المسألة السابقة أن المتشابه بالنسبة إلى المحكم قليل، وبسط هذه المسألة فى كتب الأصول. وقد يسأل سائل فيقول: ما الحكمة من وجود المتشابه فى القرآن؟، فيكون الجواب أن لله فى كل شأن حكمة قد يطلعنا عليها أو على شىء منها، وقد يخفيها عنا لحكمة يعلمها. ونستطيع أن نفهم جانبا من الحكمة فى وجود المتشابه فى القرآن الكريم إذا عرفنا أنه كتاب هداية ومنهج حياة، أنزله الله وافيا

стр. 571

بمطالب البشر جميعا على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم. ومطالب الحياة كثيرة، وحاجات الإنسان لا تحصى ولا تنحصر، فلا يكفيها تشريع تحتويه ملايين الصفحات. فكان من حكمة الحكيم الخبير أن ينزل من القرآن نصوصا تحتمل وجوها من البيان، كل وجه منها يمس جانبا من جوانب الحياة، ويقضى مطلبا من مطالب الإنسان، ويفتح له بابا من أبواب التيسير؛ فيدفع عنه حرجا، أو يجعل له مخرجا مما يعانى منه أو يحبسه عن تحقيق أهدافه المشروعة، حتى يبدو وكأن النص الواحد جمع فى طيّاته نصوصا كثيرة، تأمر وتنهى، وتوصى وترشد؛ فأغنى ذلك عن كتاب عظيم لا تستقصى صفحاته، ولا تنقضى كلماته وتشريعاته. وقد أدى هذا التشابه إلى خلاف محمود العواقب بين العلماء الأفاضل، وجد الناس فيه رحمة من الله واسعة؛ لأنه خلاف لم ينشأ بسبب تناقض فى النصوص القرآنية أو اختلاف بين أحكامها، كلا، كلا. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: ٨٢). ولكنه خلاف مبنى على قرائن شرعية وعقلية استنبطوها من الكتاب نفسه، ومن السنة المطهرة تجعل كل إمام يرجح وجها على آخر. والاجتهاد واجب على علماء الأمة بشروط مبسوطة فى كتب أصول الفقه، لم يخرجوا بحمد الله عنها؛ فكان لمن أصاب منهم أجران، ولمن أخطأ أجر واحد. وقد وجد الناس فى هذا الخلاف تيسيرا وتوسعة أرادها لهم ربهم- . قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: ١٨٥). هذه حكمة سامية لوجود المتشابه فى القرآن الكريم وفى السنة المطهرة. وفى وجود المتشابه- أيضا- تدريب للعقول على التأمل والنظر، وفى هذا التدريب لذة لا يعرفها إلا أولو الألباب، فكلما أدرك العالم بعقله وجها من وجوه الترجيح وفق ما لديه من القرائن- شعر بنشوة غامرة، ورغبة ملحة فى مواصلة البحث والاستنباط. ولا شك أن البحث عن الحقائق من أوجب الواجبات، وهو يؤدى- إن شاء الله تعالى- إلى الوصول إليها من غير تقليد، فيكون إيمانه بها أتم وأكمل من إيمان المقلد قطعا. قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (الزمر: ٩).

стр. 572

وفى وجود المتشابه- كذلك- نوع ابتلاء من الله تعالى؛ ليعلم العبد من نفسه هل هو مؤمن بما أخبره الشارع به من الأمور الغيبية التى لا مجال للعقل فيها، أم هو لا يزال فى الطريق إلى هذا الإيمان السامى الذى جعله الله أول أوصاف المتقين فى سورة البقرة حيث قال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. وهذه الحكمة ظاهرة فى المتشابه الذى استأثر الله بعلمه وما ليس للعباد فيه علم كاف بوقته وقدره ونوعه وحقيقته (٤). (٧) [المتشابه الذى استأثر الله بعلمه] والمتشابه الذى استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطعة فى فواتح بعض السور، وكآيات الصفات التى لا ينبغى حملها على ظواهرها- اختلف العلماء فى تأويلها على ثلاثة مذاهب. الأول: مذهب السلف- رضوان الله عليهم- وهو أقومها طريقة، وأهداها سبيلا؛ فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات، وتفويض أمر العلم بها إلى الله- تعالى- ورسوله واجب، مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد؛ لقيام الأدلة القطعية على خلافه. فما دلت عليه النصوص الشرعية الصريحة عملوا به، وما تشابه عليهم وفهم المراد منه- وكان متعلقا بالعقيدة- آمنوا به وأجروه على ظاهره وفوّضوا علم كمّه وكيفه وحقيقته إلى الله- تعالى- وأثبتوا له- جل شأنه- ما أثبته لنفسه من غير خوض فى تفصيله؛ تأدبا مع خالقهم- جل وعلا- ووقاية لأنفسهم من وعيد من أفتى بغير علم، وتقوّل على الله ما لم يقله. فالمتشابهات بوجه عام لا يتعين المراد منها على التحقيق إلا بنص صحيح من الشرع، وحيث لا يكون هناك نص صحيح صريح بقى المتشابه على حاله، فتكون دلالته على المراد ظنيّة، والأمور الاعتقادية لا يكفى فيها الظن، بل لا بد فيها من اليقين، ولا سبيل إلى معرفة اليقين فى معرفة المتشابه من الصفات، وهى من الأمور العقدية، فوجب التوقف فيها وعدم الخوض فى تأويلها وردها فى جملتها إلى المحكم الذى لا يحتمل إلا وجها واحدا. وعماد المحكم فى باب الصفات قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. هذا هو خلاصة مذهب السلف الصالح من أصحاب النبى ﷺ والتابعين لهم بإحسان. وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال علمائهم الأعلام، ووجدوا فيها السلامة لدينهم والنجاة من عذاب ربهم.

стр. 573

أما الكتاب فقوله تعالى من سورة (آل عمران: ٧) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. فقد أخبر الله- أنه لا يتبع المتشابه، ولا يعمد إلى تأويله ابتغاء الفتنة إلا الذين فى قلوبهم زيغ، وأما الراسخون فى العلم فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ولا يخوضون فى تأويل ما لا علم لهم به على التعيين. ويقفون فى قراءة الآية على لفظ الجلالة، ويبتدئون بقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا. وقد جاءت فى أفضلية الوقف على لفظ الجلالة فى الآية روايات عن القراء من الصحابة، ذكرها ابن جرير وابن كثير فى تفسيريهما. وجوز بعض العلماء الوقف على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بناء على أنهم يعلمون المتشابه. ولكن هذا فيما لم يستأثر الله بعلمه، أما ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه أحد سواه. الثانى: مذهب الخلف، ويسمى مذهب المؤوّلة- بتشديد الواو وكسرها- وهم فريقان: فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين، ثابتة له- تعالى- زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين. وفريق يؤولها بمعان نعلمها على التعيين، وذلك بأن يحمل اللفظ الذى استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة، ويليق بالله عقلا وشرعا. فقد قالوا فى تأييد مذهبهم هذا: إن المطلوب شرعا هو صرف اللفظ عن مقام الإهمال؛ إذ لم يخاطب الله المكلفين بشيء لا يفهمون معناه، ولا يعقلون المراد منه على الجملة. وما دام فى الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم؛ فالنظر قاض بوجوبه؛ انتفاعا بما ورد عن الحكيم العليم. الثالث: مذهب المتوسطين بين السلف والخلف. وهؤلاء يقولون: إن التأويل نوعان: تأويل قريب، وتأويل بعيد. فالقريب نقول به، والبعيد نتوقف عنه. وقد نسب السيوطى فى «الإتقان» (٥) هذا المذهب إلى ابن دقيق العيد، ونقل عنه قوله: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم

стр. 574

ينكر، أو بعيدا توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذى أريد به مع التنزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب- قلنا به من غير توقيف، كما فى قوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ- فنحمله على حق الله وما يجب له. أه. وقد اتفق هؤلاء وأولئك على أمرين: الأول: صرف هذه الآيات عن ظواهرها المستحيلة فى حق الله- تعالى- لكونه مغايرا لجميع الخلق، كما هو معلوم من قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى: ١١). وحملها على معان تليق بذاته- جل وعلا- وذلك برد المتشابهات إلى المحكمات، وهى التى لا تحتمل إلا وجها واحدا من التأويل، وهو الوجه الذى يريده الشارع الحكيم دون سواه. الثانى: أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا- وجب القول به إجماعا. وذلك مثل قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ. فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا، وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد، وهو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة. وكقوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (الزمر: ٥٦). فالمراد بجنب الله: حقه وما يجب له، كما تقتضيه لغة العرب، ليس له معنى يجب أن يحمل عليه غيره. (٨) [القرآن الكريم كله محكم] والقرآن الكريم كله محكم باعتبار أنه متقن فى نظمه وأسلوبه وأحكامه، مانع من دخول غيره فيه، ومن طروء الخلل فى ألفاظه والتناقض فى معانيه. وكله متشابه باعتبار أنه متماثل فى فصاحته وبلاغته وحلاوته وطلاوته. وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار أن بعضه أحكام نصية، لا تحتمل إلا وجها واحدا، ولا يختلط الأمر فى فهمها من هذا الوجه على أحد، وبعضه أحكام تحتمل أكثر من وجه لحكمة سامية، ذكرناها من قبل، وهى التى يقع فيها الاشتباه ويتأتى فى فهمها الاختلاط والالتباس عند النظرة الأولى فى ألفاظه ومعانيه. ويدل على أن القرآن محكم كله بهذا الاعتبار قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود: ١).

стр. 575

والدليل على أنه متشابه كله قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (الزمر: ٢٣). والدليل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (آل عمران: ٧). فلا تعارض- كما علمت- بين هذه الآيات؛ لأن كلا منها قد وصف فيها القرآن بالأوصاف التى تخصه على وجه من الوجوه اللغوية السابقة. فالمحكم من الآيات- بهذا الاعتبار- يجب العمل به. والمتشابه- بهذا الاعتبار- قد جاء للإيمان به والاجتهاد فى معرفة تأويله على النحو الذى يردّ فيه إلى المحكم. فقوله تعالى- مثلا- يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (الأنعام: ١٠٣) لا يترتب عليه حكم شرعى يجب العمل به، بل هو من الأمور الاعتقادية التى يكفى الإيمان بها مع التوقف فى تأويلها أو تأويلها على المعنى الذى لا يتعارض مع قوله- جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ودليل ذلك قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. والراسخون فى العلم هم المتثبّتون فى العلم، لا تزيغ قلوبهم عن الحق ولا تدفعهم أهواؤهم إلى التأويل البعيد، ولا يطلبون للمتشابه علة بل يؤمنون به؛ لأنه من عند الله وكفى. أ. د/ محمد بكر إسماعيل

стр. 576

المكى والمدنى (١) [معنى المكى والمدنى] للعلماء فى معنى المكى والمدنى ثلاثة اصطلاحات: الأول: وهو الأولى والأشهر: أن المكى ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدنى ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا التعريف جامع مانع، روعى فيه زمان النزول، وهو أولى من رعاية المكان؛ لأن معرفة التدرج فى التشريع ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد، متوقفة على معرفة المتقدم والمتأخر فى الزمان، لهذا كان هذا التعريف هو المعتمد عند أكثر أهل العلم. وعليه تكون آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً المائدة: ٣ - مثلا- مدنية، مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة فى حجة الوداع. وكذلك آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها النساء: ٥٨ - فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة فى جوف الكعبة عام الفتح الأعظم. وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره- ﵊ كفاتحة سورة الأنفال، وقد نزلت ببدر- فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور. الثانى من المصطلحات: أن المكى ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة، ويدخل فى مكة ضواحيها؛ كالمنزّل على النبى ﷺ بمنى وعرفات والحديبية، ويدخل فى المدينة ضواحيها أيضا، كالمنزل عليه فى بدر وأحد، وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزول كما ترى. وهذا التعريف لما روعى فيه المكان لم يكن ضابطا صحيحا لاختلاف الأماكن التى نزل فيها القرآن، بخلاف التعريف الأول؛ فإنه يحدد المكى بزمان معين، وهو ما قبل الهجرة، ويحدد المدنى بزمان معين، وهو ما كان بعد الهجرة، ونحن نعلم أن من القرآن ما لم ينزل بمكة ولا بالمدينة بل أنزل بأماكن أخرى متباعدة. فقوله تعالى- مثلا- فى سورة التوبة: ٤٢ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ

стр. 577

وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ نزلت بتبوك، كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وقوله جل شأنه فى السورة نفسها: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ آية: ٦٥ - نزلت فى غزوة تبوك، كما أخرجه ابن أبى حاتم عن ابن عمر. إلى غير ذلك من الآيات التى ذكر السيوطى فى «الإتقان» (١) أنها نزلت فى مواطن مختلفة غير مكة والمدينة وضواحيهما. الثالث: أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة. وعليه يحمل قول من قال: إن ما صدر فى القرآن بلفظ يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو مكى؛ وما صدّر فيه بلفظ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدنى؛ لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة فخوطبوا بيا أيها الناس، وإن كان غيرهم داخلا فيهم. ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة، فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، وإن كان غيرهم داخلا فيهم أيضا. وألحق بعضهم صيغة: يا بَنِي آدَمَ بصيغة: يا أَيُّهَا النَّاسُ. أخرج أبو عبيد فى «فضل القرآن» عن ميمون بن مهران قال: ما كان فى القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ أو يا بَنِي آدَمَ فإنه مكى، وما كان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فإنه مدنى) أه (٢). وهذا التعريف غير ضابط؛ لأنه لوحظ فيه المخاطبون، فإن فى المكى ما صدر بيا أيها الذين آمنوا، وفى المدنى ما صدّر بيا أيها الناس، وفيهما ما لم يصدر بأحدهما. سورة الحج- مثلا- مكية وفى آخرها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ آية: ٧٧. وسورة النساء مدنية وأولها: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ. ومن ذلك فى المكى والمدنى كثير. ويمكننا أن نقول: إن هذا التعريف يجرى مجرى الغالب، إلا أنه من شأن التعريف أن يكون جامعا مانعا، وجريانه مجرى الغالب لا يجعله كذلك؛ فالمراد لا يدفع الإيراد، كما يقولون) أه (٣). (٢) [المعول عليه فى معرفة المكى والمدنى] والمعول عليه فى معرفة المكى والمدنى النقل الصحيح عن الصحابة ثم عن التابعين ومن بعدهم. ولكن هناك ضوابط كلية يعرف بها المكى والمدنى على الجملة، مبناها على الغالب والكثير يرجع إلى اللفظ وإلى المعنى.

стр. 578

وإليك بعض هذه الضوابط بإيجاز: (أ) كل سورة فيها لفظ «كلّا» فهى مكية باتفاق وقد تكرر هذا اللفظ ثلاثا وثلاثين مرة فى النصف الثانى من القرآن؛ ردعا وزجرا لأهل مكة، لأن أكثرهم كانوا طغاة جبارين. (ب) كل سورة فى أولها حرف من حروف المعجم مثل: (المص- ق- ن) فهى مكية إلا البقرة وآل عمران، وفى الرعد خلاف، والأصح أنها مكية. (ج) كل سورة فيها سجدة فهى مكية. (د) كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الماضية فهى مكية سوى البقرة وآل عمران. (هـ) كل سورة ذكر فيها الجهاد وما يتعلق به فهى مدنية. (و) كل سورة فيها ذكر المنافقين فهى مدنية، ما عدا سورة العنكبوت. والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الأولى منها، وهى إحدى عشرة، فإنها مدنية، وهى التى ذكر فيها المنافقون. (ز) كل سورة فيها ذكر الحدود والفرائض فإنها نزلت بالمدينة، والمراد بالفريضة هنا: فريضة الميراث لا مطلق الفريضة، وإلا ففي المكى فرائض كثيرة كالصلاة والعدل، والتواصى بالحق، والتواصى بالصبر، والوفاء بالعهد وغيرها. وقد اشتهرت أحكام الميراث باسم الفرائض، حتى قال ﷺ كما روى الإمام أحمد بإسناد صحيح: «أفرضكم زيد». (٣) [تميز المكى عن المدنى] ويتميز المكى عن المدنى بخصائص غلبت عليه وشاعت فى طياته. ويتميز المدنى عن المكى بخصائص يعرف بها- وتسمى هذه الخصائص بالضوابط المعنوية. وإليك أولا خصائص المكى: (أ) يتميز المكى بتأصيل العقيدة الصحيحة التى بعث بها جميع الرسل، ومحاربة العقائد الفاسدة التى توارثها أهل مكة ومن حولهم من القرى، كعبادة الأصنام والتقرب إليها بالقرابين، والتضرع إليها كلما اشتد بهم الكرب أو نزل بهم القحط. (ب) وعنى القرآن المكى- أيضا- بالقضاء على ما كانوا عليه من أخلاق سيئة وعادات فاسدة، كسفك الدماء، ووأد البنات، وأكل مال اليتيم، والتطفيف فى الكيل والميزان، وغير ذلك من الرذائل. ودعاهم إلى أصول التشريعات العامة، والآداب السامية، بوصفها برهانا عمليا على سلامة الفطرة وصحة الاعتقاد.

стр. 579

(ج) ولتثبيت هذه الأصول والمعتقدات الصحيحة فى قلوب الناس جميعا مؤمنين وكافرين، عنى القرآن المكى عناية فائقة بأخبار الأنبياء والأمم السابقة؛ لما فيها من عظات وعبر، وتبيان لسنة الله- تعالى- فى هلاك المكذبين، ونجاة المؤمنين. ولقد كان إيراد القصص فى القرآن المكى بكثرة من أبلغ الأدلة على أن القرآن كان وحيا من الله تعالى. فلو تأخر إيراده إلى العهد المدنى؛ لقال الكفار: تعلمه محمد ﷺ من أهل الكتاب. ولكان لقولهم هذا مبرر على نحو ما؛ لأن أهل الكتاب كانوا على علم ما بقصص الأنبياء وأخبار الأمم. ولقد قال المشركون فى مكة: إنما يعلمه بشر، وادعوا أنه يخلو إلى غلام روميّ، ويتلقى عنه هذا القرآن، ولم يكن لقولهم هذا شاهد من العقل، ولا من الواقع. قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النحل: ١٠٣. فلو قالوا عن القرآن المدنى: تعلمه محمد من اليهود حين جاورهم، واتصل بهم، قيل لهم: ومن الذى علمه القرآن الذى نزل عليه بمكة، متضمنا من أخبار الأولين والآخرين ما لا يعلمه اليهود ولا غيرهم. (د) ومن خواص هذا القسم قصر معظم آياته وسوره ولا سيما أوائل ما نزل، ولعل ذلك كان كذلك ليتمكن المؤمنون من حفظه بسهولة ويسر، فهم فى أول عهدهم به لم تتعود ألسنتهم على النطق به مرتلا كما أمر الله- تعالى- أن يتلى، وفيهم الشيخ الكبير، والمرأة المسنة، والطفل الصغير، وأكثرهم أميون، فكيف يستطيعون قراءة الآيات الطويلة المقاطع، وهم لم يتعودوا بعد على مثل ذلك؛ فكان من رحمة الله بهم أن أنزل الله هذه السور القصيرة فى آياتها ومقاطعها ليتمكنوا من حفظها وتلاوتها فى يسر ونشاط. وأما خصائص المدنى فإننا نوجزها فيما يلى: (أ) بيان الأحكام العقدية والشرعية بالتفصيل بيانا يكشف دقائقها وأسبابها وشروط صحتها والحكمة من تشريعها. (ب) ظهرت فى العهد المدنى تشريعات لم تكن فى العهد المكى، مثل مشروعية الصوم، ومشروعية القتال، وفريضة الحج، وتحريم الخمر، وتحريم الربا وغير ذلك. (ج) الكشف عن أحوال المنافقين الذين كانوا أشد الناس خطرا على الإسلام والمسلمين، وبيان ما انطوت عليه نفوسهم من

стр. 580

خبث ومكر وخداع، وحرص وطمع، وإعلام المسلمين بمآلهم بعد إعلامهم بحالهم، وإيصائهم باتخاذ الحيطة والحذر من كيدهم وألا عيبهم، ومراقبتهم فى جميع تصرفاتهم المغرضة، ومجاهدتهم بالحجة والبرهان والإغلاظ عليهم فى القول والمعاملة، مع بذل النصح لهم بالرجوع إلى الله- تعالى- والتمسك بدينه الحنيف. (د) دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، ومجادلتهم بالحجة والبرهان فى معتقداتهم الباطلة، وشبههم المزيفة، وبيان جناياتهم على الكتب السماوية بالتحريف والتبديل، وردهم عن غيهم إلى الرشد الذى جاءهم به الإسلام. (٤) [الاقوال فى تعيين السور المكية والمدنية] وقد نقل السيوطى فى «الإتقان» أقوالا كثيرة فى تعيين السور المكية والمدنية، من أوفقها ما ذكره أبو الحسن الحصار فى كتابه الناسخ والمنسوخ إذ يقول: (المدنى باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكى باتفاق. ثم نظم فى ذلك أبياتا رقيقة جامعة، وهو يريد بالسور العشرين المدينة بالاتفاق: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والجمعة، والمنافقون، والطلاق، والتحريم، والنصر. ويريد بالسور الاثنتى عشرة المختلف فيها: سورة الفاتحة، والرعد، والرحمن، والصف، والتغابن، والمطففين، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، والإخلاص، والمعوذتين. ويريد بالسور المكية باتفاق ما عدا ذلك وهى اثنتان وثمانون سورة. وإلى هذا القسم المكى يشير فى منظومته بقوله: وما سوى ذاك مكىّ تنزله ... فلا تكن من خلاف الناس فى حصر فليس كلّ خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر (٤) (٥) [فوائد معرفة المكى والمدنى] بعد أن عرفنا ما هو المكى والمدنى، وخصائص كل منهما- يجدر بنا أن نختم هذا البحث ببيان ما يعود على الباحثين فيه من الفوائد فنقول: (أ) تمييز الناسخ من المنسوخ، فيما لو وردت آيتان أو أكثر مختلفة الحكم، وعلمنا أن إحداهما مكية والأخرى مدنية، فإننا نحكم حينئذ بأن المدنية ناسخة للمكية لتأخرها عنها.

стр. 581

(ب) معرفة تاريخ التشريع، والوقوف على سنة الله فى التدرج بالأمة من الأصول إلى الفروع، ومن الأخف إلى الأثقل، وهو أمر يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة فى تربية الفرد والجماعة. (ج) تفيد هذه الدراسة فى الوقوف على الخصائص البلاغية لكل من المكى والمدنى، والكشف عن ظواهرها المختلفة، ومقارنة بعض هذه الظواهر ببعض، والبحث عن مواضع الجمال فى كل منهما من غير تفضيل ولا موازنة؛ لأن القرآن كله متساو فى الفصاحة والبلاغة، والحلاوة والطلاوة والجمال. لهذا عنى المسلمون عناية فائقة بتتبع ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة، بل عنى بعضهم بتتبع جهات النزول فى أماكنها وأوقاتها المختلفة وبذلوا فى ذلك جهودا مضنية. وفى ذلك دليل على سلامة القرآن من أى تغيير أو تحريف، فقد تلقاه الجمع الغفير من التابعين عن الجمع الغفير من الصحابة، وتلقاه الأواخر عن الأوائل بالمشافهة والتلقين مع الوقوف على أماكن نزوله وأوقاته، وأسبابه، وغير ذلك مما يتصل بألفاظه ومعانيه ومقاصده. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر: ٩ أ. د/ محمد بكر إسماعيل

стр. 582

نزول القرآن الكريم (١) [حقيقة النزول] أثبت الله القرآن فى اللوح المحفوظ ثم أنزله إلى بيت العزة فى السماء الدنيا جملة واحدة فى ليلة مباركة من شهر رمضان- هى ليلة القدر، ثم أنزله على نبيه- ﵊ بواسطة جبريل- ﵇ فى نحو ثلاثة وعشرين عاما هدى للناس وتبيانا لكل شىء. ودليل إثباته فى اللوح المحفوظ قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) البروج: ٢١ - ٢٢. ودليل نزوله إلى بيت العزة جملة قوله- جل وعلا: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ البقرة: ١٨٥. وقوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ القدر (١). (٢) والحكمة فى تنزيله مفرقا تتلخص فيما يأتى: (أ) تثبيت قلب النبى ﷺ ، وتسليته ومواساته، ورفع الحرج عنه، وإزالة ما يعترى صدره من ضيق وحزن، وإدخال السرور عليه الفينة بعد الفينة، ومده بالقوة التى تدفعه إلى المضى فى دعوته، وتبليغ رسالته على خير وجه وأكمله، وتهون عليه ما يلقاه من قومه من أذى، وعنت، وصدود، وليدفع عنه شبح اليأس كلما حام حوله، واعترض طريقه لتظل همته دائما فى الذروة العليا. (ب) ومن أهداف التنجيم أيضا تيسير حفظ هذا القرآن العظيم على النبى ﷺ وعلى أصحابه، وقد كان أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب ولا عهد لهم بمثل هذا الكتاب المعجز؛ فهو ليس شعرا يسهل عليهم حفظه، ولا نثرا يشبه كلامهم يسهل عليهم نقله وتداوله، وإنما هو قول كريم ثقيل فى معانيه ومراميه، يحتاج المسلم فى حفظه وتدبره إلى تريث وتؤدة وإمعان نظر. (ج) ومن أهم الأهداف التى أنزل من أجلها القرآن مفرقا: التدرج بالأمة فى تخليهم عن الرذائل، وتحليهم بالفضائل، والترقى بهم فى التشريعات، فلو أنهم أمروا بكل الواجبات، ونهوا عن جميع المنكرات دفعة واحدة لشق عليهم، ولضعفت الهمم الصغيرة عن التجاوب والمسايرة.

стр. 583

تماما كالطبيب الذى يعطى المريض دواءه على جرعات ولو أعطاه له مرة واحدة لتحقق أحد أمرين، إما رفض المريض للدواء والصد عنه، وإما القضاء عليه. (د) نزل القرآن منجما لمواكبة الحوادث، وهى متجددة متعددة. فكان كلما جدّ جديد من الأمور المصلحية التى تتعلق بمصالح العباد فى العاجل والآجل، جاء حكم الله فيها؛ فيرسخ فى النفوس، وتتجاوب معه وترتضيه. وفى القرآن آيات كثيرة نزلت على سبب أو أكثر، إذا جهل سببها لا يعرف حكمها؛ فكان ما نزل فيها تقريرا شافيا، وحكما عادلا، لا يستطيع أحد رده، ولا يسع المسلمين إلا قبوله والرضا به. (هـ) الرد على شبه المشركين، ودحض حجج المبطلين؛ إحقاقا للحق، وإبطالا للباطل. وفى ذلك رد لكيدهم فى نحورهم أولا بأول، حتى لا يتمادوا فى غيّهم وإضلالهم لضعفاء النفوس منهم، وحتى لا يتأثر أحد من المسلمين بأقوالهم، فينعكس ذلك على إيمانه وطاعته لله رب العالمين. والقلوب تحتاج دائما إلى تطهير من الشبهات والوساوس الشيطانية والهواجس النفسية، فكان القرآن الكريم كفيلا بذلك كله كما قال- جل شأنه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً الإسراء: ٨٢ (و) وهناك أمر آخر يغفل عنه كثير من أهل العلم فى حكمة التنجيم، وهو الدلالة على الإعجاز البيانى والتشريعى للقرآن (١) فإنه- وإن كان قد نزل مفرقا فى نحو ثلاثة وعشرين عاما وفى أوقات متباينة، وأحكام مختلفة، وحوادث متعددة. قد رتب ترتيبا عجبا لا ترى فيه بترا ولا خللا بين آياته، ولا تنافرا بين ألفاظه، ولا تناقضا فى معانيه، ولا اختلافا فى مقاصده ومراميه كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود (١). وقد بيّن الله هذه الحكم السامية فقال: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الإسراء: ١٠٦. وقال- جل شأنه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً الفرقان: ٣٢ - ٣٣. ٣ - وقد التقى أول ما نزل بآخر ما نزل فى إحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فكان الختام توكيدا لأوله وجماعا لفضائله وآثاره وتشريعاته كلها. وأول ما نزل على الإطلاق: الآيات الخمسة الأول من سورة العلق، وآخر ما نزل

стр. 584

على الصحيح: قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ البقرة: ٢٨١. ومن هنا نعلم: أن القرآن الكريم وحدة عضوية وموضوعية، يرتبط أوله وآخره برباط واحد. فمن نظر فيه من أوله إلى آخره نظرة متعمقة آمن إيمانا لا يخالجه شك أن هذا القرآن آخذ بعضه بحجز بعض فى تناسق تام وانسجام فريد يؤكد أن أعلاه مثمر وأسفله مغدق، وأنه يعلو ولا يعلى عليه. شهد بذلك كل منصف له فهم ثاقب بأسرار البلاغة وأساليب البيان. وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء ١٩٢ - ١٩٥. ٤ - وأول ما نزل من القرآن الكريم بإطلاق- عند جمهور المحققين- أوائل سورة العلق إلى قوله جل شأنه: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. وذلك لما رواه البخارى ومسلم (واللفظ للبخارى) عن عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث- يتعبد- فيه الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ؛ فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ من الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ؛ فقلت: ما أنا بقارئ؛ فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الحديث» (٢). (٢) [اول ما نزل من القرآن] وقيل: إن أول ما نزل من القرآن أوائل سورة المدثر. واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخارى ومسلم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر ابن عبد الله: أى القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ؛ فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وفى رواية نبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «إنى جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى- زاد فى رواية: فنوديت فنظرت أمامى وخلفى، وعن يمينى وعن شمالى- ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعنى جبريل- زاد فى رواية: جالس على

стр. 585

عرش بين السماء والأرض- فأخذتنى رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى؛ فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ المدثر: ١ - ٢». لكن هذه الرواية ليست نصا فيما نحن بسبيله من إثبات أول ما نزل من القرآن إطلاقا، بل تحتمل أن تكون حديثا عما نزل بعد فترة الوحى، وذلك هو الظاهر من رواية أخرى رواها الشيخان أيضا عن أبى سلمة عن جابر أيضا: فبينما أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء؛ فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجثثت- أى ثقل جسمى عن القيام- حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلى؛ فقلت: زملونى، فزملونى فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. فظاهر هذه الرواية يدل على أن جابرا استند فى كلامه على أن أول ما نزل من القرآن هو المدثر- إلى ما سمعه من رسول الله ﷺ ، وهو يحدث عن فترة الوحى، وكأنه لم يسمع بما حدّث به رسول الله ﷺ عن الوحى قبل فترته من نزول الملك على الرسول ﷺ فى حراء بصدر سورة اقرأ كما روت عائشة- رضى الله عنها- فاقتصر فى إخباره على ما سمع ظانا أنه ليس هناك غيره؛ اجتهادا منه، غير أنه أخطأ فى اجتهاده بشهادة الأدلة السابقة فى القول الأول، ومعلوم أن النص يقدم على الاجتهاد، وأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال؛ فبطل إذا القول الثانى وثبت الأول (٣). أقول: لعل جابر بن عبد الله أراد أن أوائل المدثر نزل فى أول الرسالة، وآيات سورة العلق نزلت فى بدء النبوة، وبذلك يرتفع الإشكال بدليل قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ. أو أن آيات المدثر من أوائل ما نزل، لا أول ما نزل على الإطلاق. والله أعلم. واختلف العلماء فى آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق اختلافا كثيرا، لعدم وجود أثر صحيح مسند إلى رسول الله ﷺ يعتمد عليه فى تحقيق ذلك على وجه يقطع الخلاف ويزيل الالتباس، وقد انتهت أقوال العلماء فى هذا الأمر إلى عشرة أقوال أشهرها أربعة: الأول: آخر ما نزل قوله- تعالى- فى سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ البقرة: الآية: ٢٨١. أخرجه النسائى من طريق عكرمة عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن أبى حاتم قال: آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وعاش النبى ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول.

стр. 586

الثانى: أن آخر ما نزل هو قول الله- تعالى- فى سورة البقرة أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ البقرة آية: ٢٧٨. أخرجه البخارى عن ابن عباس، والبيهقى عن ابن عمر. الثالث: أن آخر ما نزل آية الدين فى سورة البقرة أيضا، وهى قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ إلى قوله سبحانه: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة الآية: ٢٨٢. وهى أطول آية فى القرآن. وأخرج ابن جريج عن سعيد بن المسيب: (أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين). وأخرج أبو عبيد فى «الفضائل» عن ابن شهاب قال: (آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين). ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بما قاله السيوطى ﵁ من أن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف؛ لأنها فى قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح. قال الزرقانى فى «مناهل العرفان» (٤) بعد أن سرد هذه الأقوال: (ولكن النفس تستريح إلى أن آخر هذه الثلاثة نزولا هو قول الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وذلك لأمرين: أحدهما: ما تحمله هذه الآية فى طياتها من الإشارة إلى ختام الوحى والدين، بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم المعاد، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله واستيفاء الجزاء العادل من غير غبن ولا ظلم، وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة فى سياقها. ثانيهما: التنصيص فى رواية ابن أبى حاتم السابقة على أن النبى ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليال فقط، ولم تظفر الآيات الأخرى بنص مثله) أهـ. الرابع: أن آخر ما نزل هو سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ رواه مسلم عن ابن عباس. ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبى ﷺ . ويؤيده ما روى من أنه ﷺ قال حين نزلت: «نعيت إلى نفسى». وكذلك فهم بعض كبار الصحابة كما ورد أن عمر ﵁ بكى حين سمعها وقال: «الكمال دليل الزوال».

стр. 587

ويحتمل أيضا أنها ما نزل من السور فقط، ويدل عليه رواية ابن عباس: «آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. ويظن بعض أهل العلم أن آخر آية نزلت هى قوله تعالى فى سورة المائدة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. والحق أنها ليست آخر ما نزل بإطلاق. والبحث فى أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن يعتمد على النقل والتوقيف، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها، شأنه فى ذلك شأن كثير من مباحث علوم القرآن، كمعرفة المكى والمدنى وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. الخامس: ولهذا البحث فوائد منها: (أ) تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد، وكان الحكم فى إحدى هذه الآيات يغاير الحكم فى الأخرى. (ب) معرفة تاريخ التشريع الإسلامى، ومراقبة سيره التدريجى، والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته فى أخذه الناس بالهوادة والرفق، والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف؛ سواء فى ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل، وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق. (ج) إظهار مدى العناية التى أحيط بها القرآن الكريم حتى عرف فيه أول ما نزل وآخر ما نزل، كما عرف مكيه ومدنيه، وسفريه وحضريه إلى غير ذلك. ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثقة به، ودليل على سلامته من التغيير والتبديل. لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. (د) ويضاف إلى هذه الفوائد فائدة أخرى، وهى معرفة الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم، عن طريق ربط أول ما نزل منه بآخره، فإن من ينظر فى أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل يعرف الصلة الوثيقة بين آياته كلها فى ألفاظها ومعانيها ومراميها، ويتبين له بوضوح أن أول ما نزل مقدمة تقود الباحث إلى ما فى هذا الكتاب العزيز من مقاصد وعبر وأحكام وحكم، وآخر ما نزل يوجز كل ما ورد فيه من تلك المقاصد والعبر، والأحكام والحكم فيلتقى الآخر بالأول فى نسق واحد، ونسج فريد لا تناقض فيه ولا اختلاف، كما عرفنا ذلك عند معرفة أول ما نزل من الآيات وآخر ما نزل على الصحيح من أقوال المحققين. السادس: وقد اهتم الكثير من علماء التفسير وعلماء الفقه والأصول بمعرفة جهات النزول وهى الأماكن التى نزل فيها على النبى ﷺ كمكة والمدينة والجحفة وبيت المقدس والطائف والحديبية وتبوك وغيرها.

стр. 588

وبذلوا جهدا مشكورا فى هذا البحث معتمدين على الروايات الصحيحة التى نقلها التابعون عن ائمة الصحابة وعلمائهم؛ ليستعينوا بمعرفتها على فهم الأحكام الشرعية التى تضمنتها الآيات، وليعرفوا الناسخ منها والمنسوخ وغير ذلك مما ذكرنا فى معرفة المكى والمدنى. وقد نقل السيوطى فى «الاتقان» (٥) عن أبى القاسم النيسابورى فى كتابه (التنبيه على فضل علوم القرآن) قوله: (من أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدنى، وما نزل بالمدينة وحكمه مكى، وما نزل بمكة فى أهل المدينة وما نزل بالمدينة فى أهل مكة، وما يشبه نزول المكى فى المدنى، وما يشبه نزول المدنى فى المكى، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيعا، وما نزل مفردا، والآيات المدنيات فى السور المكية، والآيات المكيات فى السور المدنية، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدنية إلى أرض الحبشة، وما أنزل مجملا، وما نزل مفصلا، وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدنى وبعضهم مكى. فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم فى كتاب الله تعالى). أه. أقول: فى هذا الكلام شىء من المبالغة؛ لأن معرفة هذه الوجوه كلها لا يترتب عليها فوائد ذات بال. ومعرفتها جميعا من فضول العلم لا من أصوله، وقوله: (من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم فى كتاب الله تعالى) حكم غير صحيح، فإن أراد بعضها، كمعرفة المكى والمدنى فمسلّم. والصحابة- رضوان الله عليهم- لم يكونوا يعرفون هذه الوجوه جميعا، ومع ذلك كانوا يتكلمون فى كتاب الله- تعالى- بما انتهى إليه علمهم عن الصادق المصدوق ﷺ ، أو وصل إليه فهمهم للآيات إذا لم يكن فيها بيان عنه ﷺ بقول منه أو بفعل. نقل الزركشى فى «البرهان» (٦) عن القاضى أبى بكر فى «الانتصار»: (أن هذا يرجع إلى حفظ الصحابة وتابعيهم .. غير أنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، وفضله كذا، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة.

стр. 589

وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذى تضمنها؛ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ ، وقوله هذا هو الأول المكى، وهذا هو الآخر المدنى. وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى، وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى، ولم يجب على من دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية. فيجوز أن يقف فى ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا، أو شهرته فى الناس، ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه). أهـ. لهذا لا يجب أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن كل هذه الوجوه التى ذكرها أبو القاسم النيسابورى، ولكننا نكتفى بما تتعلق به فائدة فى معرفة حكم من أحكام الدين. وأشهر ما يعنى به العلماء من هذه الوجوه معرفة المكى والمدنى، ومعرفة ما نزل قبل وما نزل بعد، ومعرفة أسباب النزول من أجل ترتيب الأحكام ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يحتاج إليه علماء الفقه والأصول فى الجمع والترجيح. أ. د/ محمد بكر إسماعيل

стр. 590

الوجوه والنظائر فى القرآن (١) [الوجوه والنظائر فى اللغة] وجوه الكلام فى اللغة: مقاصده ومعانيه. ونظائره: أمثاله وأشباهه فى كل شىء. وللباحثين فى علوم القرآن تعريف جامع لكل منهما يتميز به عن الآخر، بسطه ابن الجوزى- فى مقدمة كتابه: «نزهة الأعين النواظر فى علم الوجوه والنظائر» (١) - فقال: (اعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة واحدة، ذكرت فى مواضع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة، وأريد بكل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت فى موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة فى الموضع الآخر، وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الأخرى هو الوجوه. فالنظائر: اسم للألفاظ، والوجوه: اسم للمعانى) أهـ. وهذا التعريف للوجوه والنظائر تعريف جامع لهما فى سياج واحد مؤتلف فى الألفاظ، مختلف فى المعانى. (٢) [فائدة معرفة الوجوه والنظائر] ومعرفة الوجوه والنظائر فى القرآن الكريم؛ وسيلة من أعظم الوسائل لفهم معانيه وفقه مقاصده ومراميه. فلا ينبغى لمن يتصدى لعلم التفسير أن يهمل هذه الدراسة الميدانية التى تعاون فى تأصيلها علماء اللغة، وعلماء التأويل، وعلماء الأصول وغيرهم ممن كرسوا جهودهم لخدمة كتاب الله- تعالى- ونصرة دينه. فهو علم يكشف عن مراد الله- تعالى- من كلامه العزيز فى مواضعه المختلفة بحسب ما يؤدى إليه سوابق الكلام ولواحقه؛ إذ كل لفظ فى موضع قد يختلف عن مثله فى موضع آخر أو فى عدة مواضع، فلو حمل اللفظ على معنى واحد فى كل المواضع لأدى ذلك إلى التعارض والتناقض والجهل بما وراء المعانى من المقاصد. ولا يكفى فى نظرى أن يكون المفسر بحرا زاخرا فى اللغة العربية دون أن يكون علّامة فى الحديث والفقه والأصول وغيرها من العلوم التى يحتاج إليها أحيانا فى التصحيح والترجيح والتنقيح. ولا ريب أن من أجاد البحث فى وجوه القرآن ونظائره، وتفقّه فيه وكان سليم المعتقد قوى الحجة- استطاع بحول الله وقوته

стр. 591

وتوفيقه أن يدفع عن القرآن شبهات أوردها على ألفاظه أو على معانيه قوم خيّم عليهم الجهل، وضرب على آذانهم فلم يعقلوا منه شيئا يذكر لهم. واستطاع أيضا بقوة حجته أن يعمق الإيمان فى قلوب زاغت عن الحق بسبب من الأسباب التى سنذكرها. وكلما ازداد المفسر لكتاب الله- تعالى- علما فى الوجوه والنظائر- نبغ فى تأصيل الأصول، ورد الفروع إليها، ومحاكمة المخالفين فيها إلى الحق المجرد عن الهوى. (ولا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة، بأن يرى اللفظ الواحد يحتمل معانى متعددة؛ فيحمله عليها إذا كانت غير متضادة، ولا يقتصر به على معنى واحد) (٢). (٣) [اسباب انتشار الالفاظ المشتركة فى لغة العرب] ومن المعلوم لدينا أن الألفاظ المشتركة ذات المعانى المتعددة قد انتشرت فى لغة العرب انتشارا واسعا لأسباب كثيرة، منها: (أ) اختلاف القبائل العربية فى وضع الألفاظ لمعانيها؛ فقد تضع قبيلة اللفظ لمعنى، وأخرى تضعه لمعنى آخر، وثالثة تضعه لمعنى ثالث؛ فيتعدد الوضع وينقل إلينا اللفظ مستعملا فى هذه المعانى دون أن ينص علماء اللغة على تعدد الوضع أو الواضع. (ب) قد يوضع اللفظ لمعنى، ثم يستعمل فى غيره مجازا، ثم يشتهر استعمال المجازى، حتى ينسى أنه مجازى، فينقل إلينا على أنه موضوع للمعنيين: الحقيقى، والمجازى. (ج) أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى مشترك بين المعنيين؛ فيصح إطلاق اللفظ على كليهما، ثم يغفل الناس عن هذا المعنى المشترك الذى دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين؛ فيظنون أن اللفظ من قبيل المشترك اللفظى، كلفظ القرء؛ فإنه فى اللغة يطلق على كل زمان اعتيد فيه أمر معين، فيقال للحمّى: قرء، أى زمان دورى معتاد تكون فيه. وللمرأة قرء، أى وقت دورى تحيض فيه، ووقت دورى آخر تطهر فيه. وكالنكاح، لفظ وضع لمعنى الضم، فصحّ إطلاقه على العقد ذاته؛ لأن فيه ضم اللفظين: الإيجاب والقبول، وصح إطلاقه على الوطء أيضا. ولكن اشتهر إطلاقه على العقد؛ فظن البعض أنه حقيقة فيه مجاز فى غيره، وظن البعض الآخر أنه فى الوطء حقيقة وفى العقد مجاز. (د) أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى فى اللغة، ثم يوضع فى الاصطلاح لمعنى آخر، كلفظ (الصلاة) وضع لغة للدعاء، ثم وضع فى اصطلاح الشرع للعبادة المعروفة (٣) أه.

стр. 592

وقد نزل القرآن على أفصح هذه اللغات التى نطق بها العرب ليس فيه لفظ ينكرونه، ولا معنى لا يفقهونه. ولو كان فيه شىء من ذلك لتصيده سفهاؤهم وأذاعوا به. (٤) [طائفة من الالفاظ المشتركة] وإليك طائفة من الألفاظ المشتركة ذات المعانى المختلفة، نقلا عن أهم المراجع وأوثقها: (أ) (أمّة) تأتى فى القرآن على تسعة أوجه أشهرها خمسة: ١ - (القوم)، كما فى قوله تعالى فى سورة النحل (٩٢): أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ. ٢ - (الملة) كما فى قوله تعالى فى سورة البقرة (٢١٣): كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً. ٣ - (المدة) كما فى قوله تعالى فى سورة هود (٨): وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ، وقوله فى سورة يوسف (٤٥): وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ. ٤ - (الإمام) كما فى قوله تعالى فى سورة النحل (١٢٠): إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً. ٥ - (الخلق من كل جنس) كما فى قوله تعالى فى سورة الأنعام (٣٨): وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ. (ب) (الأهل) تأتى فى القرآن على ثمانية أوجه أشهرها سبعة: ١ - (ساكنو القرى) كما فى قوله تعالى فى سورة الأعراف (٩٧): أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى. ٢ - (قرّاء التوراة والإنجيل) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (١٧١): يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. ٣ - (الأصحاب) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (٥٨): إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها. ٤ - (الزوجة والأولاد) كما فى قوله تعالى فى سورة القصص (٢٩): فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً. ٥ - (القوم والعشيرة) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (٣٥): فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. ٦ - (المختار له) كما فى قوله تعالى فى سورة الفتح (٢٦): وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها. ٧ - (المستحق) كما فى قوله تعالى فى سورة المدثر (٥٦): هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ. (ج) (الأم) تأتى فى القرآن على خمسة أوجه:

стр. 593

١ - (الأصل) كما فى قوله تعالى فى سورة آل عمران (٧): هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ. ٢ - (المرجع والمصير) كما فى قوله تعالى فى سورة القارعة (٩): فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. ٣ - (الوالدة بعينها) كما فى قوله تعالى فى سورة طه «٤٠»: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ. ٤ - (المرضعة) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء «٢٣»: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ. ٥ - (أمهات المؤمنين: أزواج النبى ﷺ كما فى قوله تعالى فى سورة الأحزاب (٦): وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ. (د) (السبيل) تأتى فى القرآن على أحد عشر وجها: ١ - (الطريق) وهو المعنى الحقيقى فى اللغة، كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (٩٨): لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وقوله جل شأنه فى سورة القصص (٢٢): عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. ٢ - (الطاعة) كما فى قوله تعالى فى سورة البقرة (١٩٥): وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. وقوله تعالى فى سورة النساء (٧٦): الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ٣ - (البلاغ) كما فى قوله تعالى فى سورة آل عمران (٩٧): وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ٤ - (المخرج) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (١٥): أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. وقوله تعالى فى سورة الإسراء (٤٨): فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ٥ - (المسلك) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (٢٢): إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا. وقوله تعالى فى سورة الإسراء (٣٢): وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. ٦ - (العلل) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (٣٤): فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. ٧ - (الدّين) كما فى قوله تعالى فى سورة النحل (١٢٥): ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. ٨ - (الحجة) كما فى قوله تعالى فى سورة النساء (١٤١): وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

стр. 594

٩ - (العدوان) كما فى قوله تعالى فى سورة الشورى (٤١، ٤٢): فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ١٠ - (الإثم) كما فى قوله تعالى فى سورة آل عمران (٧٥): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. وقوله تعالى فى سورة التوبة (٩١): ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. ١١ - (الملة) كما فى قوله تعالى فى سورة يوسف (١٠٨): قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. (٥) وإن أردت المزيد فى معرفة الوجوه والنظائر فى القرآن فارجع إلى الكتب الآتية: ١ - «الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز» لأبى عبد الله الحسن بن محمد الدامغانى المتوفى سنة (٤٧٨ هـ- ١٠٨٥ م). طبع ببيروت فى دار العلم للملايين بتحقيق عبد العزيز سيد الأهل الطبعة الرابعة أبريل (١٩٨٣ م) تحت عنوان: «قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر فى القرآن الكريم». فى مجلد واحد. وطبع بتحقيق: محمد حسن أبو العزم الزفيتى ١٤١٦ هـ- ١٩٩٦ م. طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية. فى مجلدين. تتميز هذه الطبعة بالدقة فى التحقيق والتعليق وغير ذلك من المميزات. ٢ - «نزهة الأعين النواظر فى علم الوجوه والنظائر» لجمال الدين: أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزى (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ ١١١٤ - ١٢٠١ م) دراسة وتحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضى. يقع فى مجلد واحد، طبعته دار الرسالة ببيروت. الطبعة الأولى (١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤ م). ٣ - «المفردات فى غريب القرآن» لأبى القاسم: الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى ت (٥٠٢ هـ ١١٠٨ م). تحقيق: محمد سيد كيلانى ط مصطفى البابى الحلبى سنة ١٣٨١ هـ ١٩٦١ م. يقع فى مجلد واحد، وهو كتاب عظيم الشأن ينفع الطالب لمعانى لغة القرآن ووجوه كلماته، لا يستغنى عنه مفسر. ٤ - «بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز»، تأليف مجد الدين محمد ابن يعقوب الفيروزآبادى (٧٢٩ - ٨١٧ هـ ١٣٢٩ - ١٤١٥ م) ط المجلس الأعلى للشئون

стр. 595

الإسلامية بجمهورية مصر العربية ط ١٣٨٣ هـ. يقع فى ست مجلدات كبار، حقق الأجزاء الأربعة الأول الأستاذ/ محمد على النجار. وحقق الجزءين الأخيرين الأستاذ/ عبد العليم الطحاوى. وهو كتاب عظيم الشأن مفيد فى بابه، لا يستغنى عنه باحث فى تفسير القرآن وعلومه. أ. د/ محمد بكر إسماعيل

стр. 596

مبهمات القرآن (١) [ما هو المبهم] المبهم- كما فى «المعجم الوسيط»: هو ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهم إن كان معقولا. والمبهم من الأشياء: الخالص الذى لا شية فيه تميزه. والمبهم من الأجسام: المصمت، ومن الكلام: الغامض لا يتحدد المقصود منه. والمبهم من الظروف: ما ليس له حدود تحصره، مثل: فوق، وتحت، وأمام، وخلف. (٢) [المبهم فى كتاب الله] والمبهم فى كتاب الله- تعالى-: هو ما خفى اسمه أو رسمه أو وصفه أو زمانه أو مكانه ونحو ذلك مما خفيت آثاره، أو جهلت أحواله لسبب من الأسباب الجلية أو الخفية، سواء احتاج المكلفون إلى معرفته بالبحث عن الوسائل التى تزيل خفاءه، وتدفع إشكاله، أم لم يحتاجوا إلى ذلك. فالمبهمات فى القرآن- على الجملة- نوعان: ١ - نوع ضرب الله عن ذكره صفحا لعدم تعلق التكليف به؛ لخلوه من الفائدة، كمعرفة بقرة بنى إسرائيل التى أمروا بذبحها، فلا ينبغى أن نسأل عن حجمها ولونها، وهل هى عاملة أم غير عاملة؛ فالبحث عن ذلك تكلف لا طائل تحته، بل هو تنطع يدل على فساد العقل والطبع، وسوء الأدب مع الله- ومع كلامه المنزل. وهذا ما فعله بنو إسرائيل مع نبيهم موسى- ﵇ فقد أمرهم الله على لسان نبيه أن يذبحوا بقرة- أىّ بقرة- ليضربوا بها القتيل ليعلموا من قتله، ولو ذبحوا أى بقرة لتحقق المطلوب ولكنهم سألوه عن سنّها ولونها وعملها، فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ فكلفوا شراء بقرة بملء جلدها ذهبا كما جاء فى الأثر، فذبحوها وما كادوا يفعلون. وسنطالع فى هذا الباب أمثلة كثيرة من الأشياء التى أبهمت فى هذا القرآن العظيم لعدم جدوى الإفصاح عنها. ٢ - ونوع أبهمه الله لأسباب كثيرة إليك أهمها:

стр. 597

(٣) (أ) أن يكون المبهم فى موضع استغنى ببيانه فى موضع آخر، كما فى قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الفاتحة: (٤). فإنه مبهم على الجملة، بينه الله بشيء من التفصيل فى قوله- جل وعلا- فى سورة الانفطار (١٧ - ١٩): وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩). وقوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بينه الله بقوله فى سورة النساء: ٦٩: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ. (ب) أن يكون المبهم معينا باشتهاره عند المخاطبين بأى طريقة من طرق الاشتهار. فقد أخفى اسم حواء فى القرآن لاشتهاره بين الناس قديما وحديثا، فوصفت بوصف يحدد صلتها بآدم- ﵇ ومصيرها معه فقال- جل وعلا- فى سورة البقرة: ٣٥: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. (ج) قد يبهم الاسم بقصد الستر عليه؛ ليكون أبلغ فى استعطافه وإظهار منّة الله عليه، وهذا غالب ما جاء فى القرآن. (د) وقد يكون إبهامه لهوانه على الله وعلى الناس. (هـ) وقد يكون إبهامه لأن أمثاله فى الناس كثير، فيكون إبهامه مجرد مثل يذكر فيكشف عن طبع أو وضع معين يعرف بالقرائن الظاهرة فيحاكيه الناس فيه إن كان محمودا، ويتقونه إن كان مذموما. وقد ضرب الزركشى فى «البرهان» أمثلة كثيرة لهذا النوع؛ معتمدا فى ذلك على أسباب النزول. كقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ البقرة (١٠٠) قيل: هو مالك بن الصّيف. يروى ابن هشام فى السيرة عن ابن إسحاق، والقرطبىّ فى تفسيره: أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله ﷺ وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه قال: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد، وما أخذ له علينا من ميثاق؛ فأنزل الله فيه: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً. (و) أن يكون المبهم سهلا فى إدراكه لا يحتاج إلى إعمال فكر وإنعام نظر، فيكون ذكره- حينئذ- عبئا على الأسلوب من جهة وعدم ثقة فى مدارك العقول من جهة أخرى. والقرآن من شأنه أن يخاطب العقول الواعية، ويدربها على التأمل والنظر وإدراك الحقائق بالقرائن المتاحة؛ كالنظر فى القرآن

стр. 598

نفسه وفى السنة النبوية، وفى التاريخ القديم، وفى عادات الناس وأحوالهم. وغير ذلك مما يحمل المعانى على محمل يزيل خفاءها ويضعها فى مواضعها. (ز) ولا يخفى أن وجود المبهم فى القرآن الكريم يدرب الذهن على كشف خفائه وإزالة إشكاله، ومعرفة أسراره القريبة والبعيدة بقدر الطاقة البشرية. (ح) وهناك سبب وجيه لا ينبغى أن يفوتنى ذكره وهو رعاية التناسب بين ما يذكر هنا وهناك. ومن أمثلة ذلك: ما جاء فى قصة شعيب- ﵇ فإنه حين أخبر عن مدين ذكر أن شعيبا أخوهم فقال: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، وحين أخبر عن أصحاب الأيكة وهم أهل مدين لم يقل: أخاهم! والحكمة فيه: أنه لما عرّفهم بالنسب، وهو أخوهم فى ذلك النسب، ذكره، ولما عرّفهم بالأيكة التى أصابهم فيها العذاب لم يقل: أخاهم؛ حيث أخرجه عنهم، (١) (٤) وقد تتبع الإمام السيوطى هذه المبهمات فى القرآن الكريم فصنفها إلى مبهمات فى أفراد الإنسان والملائكة والجان والأقوام والقبائل والحيوان والأمكنة والأزمنة، وما إلى ذلك. وقد رتبة على ترتيب آى القرآن فى فصل سماه «ذكر آيات المبهمات» تحت النوع السبعون من كتاب «الإتقان». واعتمد فيه على النقل المجرد، وفيه من الأقوال ما صح سنده وما لم يصح، والعهدة عليه فيما نقل، وسنذكر هنا شيئا من المبهمات فوق ما ذكرناه من قبل؛ تتمة للفائدة؛ اعتمادا على ما نقله المفسرون والمحدّثون وغيرهم ممن عنى بذكرها. (٥) فى القرآن أفراد من الرجال ذكرهم الله بأوصافهم تعظيما لشأنهم وتقديرا لجهودهم وأبهم أسماءهم؛ إمّا لشهرتهم عند نزول الآية؛ وإمّا لتدريب الذهن على معرفتهم عن طريق أوصافهم لمحاكاتهم فى تحصيل تلك الأوصاف إن استطاعوا أو الاقتداء بهم بقدر طاقاتهم، وتعطير أفواههم بالثناء عليهم والدعاء لهم: (أ) من ذلك قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور: ٢٢. قال ابن كثير فى تفسيره نقلا عن البخارى وابن جرير: هو الصديق أبو بكر

стр. 599

- رضى الله عنه- حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعد ما قال فى عائشة ما قال. أه. فلما تليت عليه هذه الآية رجع فيما عزم عليه وكفّر عن يمينه. (ب) وفيه نزل قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا التوبة: ٤٠ (ج) وقوله جل شأنه: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ الزمر: ٣٣. قال السيوطى فى «الإتقان»: والمراد به الصديق فى الكل- أى فى هذه الآيات الثلاثة، وهو مصيب فى الآيتين الأوليين، أما الثالثة فهو قول محتمل، والأصح أن الذى جاء بالصدق- كما قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد-: هو رسول الله ﷺ . وقال السّدى: هو جبريل- ﵇ والذى صدق به أولا هو محمد ﷺ ، وأبو بكر وجميع المسلمين بدليل قوله فى ختام الآية: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. هذا ما ذكره أكثر المفسرين فى كتبهم. (د) وممن عظم الله شأنه بالوصف أيضا صهيب بن سنان الرومى، ففيه نزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ البقرة: ٢٠٧. وذلك أنه لما أراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله فتركه لهم ابتغاء مرضات الله، فلما وفد إلى المدينة تلقاه رسول الله ﷺ وهو يقول: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى». وهذه الآية تتناول بعمومها كل من كان قد اشترى دينه بدنياه، وباع نفسه لله. (هـ) وفى زيد بن حارثة نزل قوله- : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الأحزاب: ٣٧. فقد أبهم اسمه فى أول الآية؛ تعظيما له؛ وتقديرا لشأنه؛ وتذكيرا له بالإنعام عليه، ثم صرح باسمه مبالغة فى تكريمه، وهو الصحابى الوحيد الذى ذكر اسمه صراحة فى القرآن الكريم. وقد نزلت هذه الآية فى قصة زواجه من زينب بنت جحش- رضى الله عنها-. (و) وممن عظّم الله شأنه بالوصف وأبهم اسمه للأسباب التى ذكرناها، العبد الصالح الذى أشار إليه- رب العزة- فى قصة موسى معه بقوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا الكهف ٦٥. وأرانا الحق- جل شأنه- من آياته التى أجراها على يديه عجبا.

стр. 600

قال جمهور المفسرين والمحدّثين: إنه الخضر يروون ذلك عن رسول الله ﷺ ، وهذا لقبه الذى اشتهر به واسمه بليا بن ملكان، قاله غير واحد من المفسرين. وقد أبهم الله اسمه ولقبه لاشتهار قصته عند أهل الكتاب وغيرهم ممن قرأ كتبهم. ووصفه يغنى عن اسمه ولقبه، فهو من الذين خصّهم الله بالكرامات، ووصفه بالعبودية الخالصة، وعمّه برحمة واسعة وعلم لدنّى تلقاه منه- جل شأنه- ببصيرته. (ز) وممن أبهم الله اسمه واكتفى بما ساقه فى شأنه مع قومه حبيب النّجار كما جاء فى كتب التفسير. وفيه نزل قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى إلى قوله- جل شأنه: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ يس: ٢٠ - ٢٧. ومثله مؤمن آل فرعون، فقد قص الله علينا من أمره فى سورة غافر ما فيه عظة وعبرة لكل مؤمن يتصدى للدعوة، وينصر الحق بما أوتى من علم وحكمة. وقصته تبدأ من قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وتنتهى بقوله- جل شأنه: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا غافر: ٢٨ - ٤٥. ومع هذا لم يذكر اسمه، فالأسماء مجرد أعلام على أصحابها لا تدل على شىء وراء ذلك- فى الغالب، وذكر الاسم مع الأوصاف العظيمة لا يلتفت إليه العقلاء، وإن غاب عنهم لا يسألون عنه إلا أن المفسرين أولعوا بالبحث عنها من باب الترف العلمى، وهو أمر لا يحمد ولا يذم. قال السيوطى فى «الإتقان»: هو شمعان، وقيل شمعون، وقيل جبر، وقيل حبيب، وقيل: حزقيل. وزعم أنه هو الذى جاء من أقصى المدينة يسعى. وكثرة الأسماء التى ذكرها تدل على غموض اسمه على المؤرخين، وما كان ضرهم لو تركوا ما لم يحيطوا بعلمه، وما لا يترتب على ذكره فائدة؛ ترفعا عن التهافت والاشتغال بما لا يضيف إلى المعانى القرآنية شيئا ذا بال. فماذا يفيد ذكر اسم هذا الرجل مع هذه الأوصاف التى أثنى الله عليه بها، وهذا الجهد الذى بذله فى دعوة آل فرعون إلى اتباع موسى- ﵇. (٦) وممن عظّم الله شأنهن من النساء: (أ) حواء، فقد أبهم الله اسمها لاشتهارها فى الخليقة- كما أشرنا من قبل عند ذكر أسباب الإبهام، واكتفى- جل شأنه- بوصفها فى سياق الحديث عن آدم- ﵇.
следующие страницы →