القارئ المعاصر، وقد تصدّر الكتاب ببحوث تتّجه وجهة الأدب الإبداعى، ولكنّها لا تدخل فى صميم المنهج العلمى، وأول صور الإعجاز ما كتبه الرافعى تحت عنوان (آداب القرآن) إذ جعل الأخلاق القرآنية والمسائل التشريعية، والتربية السلوكية إحدى وجوه الإعجاز، والسابقون من أمثال الباقلانى وعبد الجبار وعبد القاهر ممّن خصوا الإعجاز بأبواب مستقلة جعلوا الأسلوب البيانى وحده مدار الارتكاز فى قضية الإعجاز أما الرافعى فافتتح بهذا الفصل موضوعا جديدا مؤكدا أن قواعد الأخلاق قد وجدت من القرآن الركيزة المتبنية لعلم السلوك الإنسانى، فى أسلوب بيانى يجب أن يلتفت إليه معنى ومبنى، وقد قال بصدد ذلك: «وما فرّط المسلمون فى آداب هذا القرآن إلّا منذ فرّطوا فى لغته، فأصبحوا لا يفهمون بيانه، وبالتالى لا يدركون آدابه» (٢).
ثم أخذ يعرض آراء السابقين فى الإعجاز، وقد حمل على المتكلمين حملة لا أرى معه الحقّ فيها، فإذا كانت الشّبه التى تحدّت عنها المتكلمون قد فقدت مضمونها فى هذا العصر، فقد كانت من قبل ذات نقد هادم، فإذا كرّ عليها المتكلمون بالنسف المبيد فقد قاموا بواجب يشكرون عليه، كما رفض القول بالصّرفة على المعنى الشائع العام، وهو مرفوض بداهة وقد سبقت الإشارة إلى المعنى الدقيق فى هذا الاتجاه.
وحين تحدّث الرافعى عن الإعجاز الأسلوبى ذكر أنّ العرب حين ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا أن ألفاظه هى الألفاظ التى يتداولونها، ولكنّ طريقة نظم هذه الألفاظ ووجوه تركيبها ونسق حروفها فى كلماتها، ونسق الكلمات فى الجمل كلّها جديدة فى بابها، فأحسّوا بعجزهم عن احتوائها، ورأوا أن أسلوب القرآن جنس من الكلام غير ما هم فيه، ولا سبيل إلى محاكاته، إذ هو وجه الكمال اللغوى الذى تشرئب إليه أرواحهم (٣).
أما التكرار فى البيان القرآنى فقد خاض فى تعليله كثير من البلغاء ولكنّ الرافعى أتى بالجديد حين ذكر أن التكرار مألوف عند العرب؛ ولكنّه فى النسق القرآنى غير مألوف، إذ أنّ المعنى يتردّد بصور، كلّ صورة منها غير الأخرى وهم عاجزون عن محاكاة الصورة الواحدة فما بالهم بالصّور المتعددة، فكأنّ الرافعى يريد أن يقول لهؤلاء إن القرآن يأتى بالمعنى ويتحداهم أن يأتوا بمثله، فيدركهم
стр. 667
العجز، فيأتى بالمعنى نفسه فى صورة أخرى جديدة، فيدهش السامعون لهذا التكرار الطريف، مع أنّه تكرار. وقد خفى هذا المراد على الملاحدة ومن لا نفاذ لهم فى أسرار العربية، فزعموا المزاعم السخيفة مع أنّهم وأشباههم قد عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله.
وخلص الرافعى إلى تحليل الأسلوب القرآنى، فحصر جهات النظم فى ثلاث. هى الحروف والكلمات والجمل، وخصّ كل جهة بفصل شاف مشفوع بالأدلة الكاشفة، والجديد بها أكثر من أن يحصر. وقد باهى الرافعى بما اهتدى إليه، ولم يلتفت ناقدوه إلى ما اختاره من أمثلة لم تكن من مختارات سابقيه، ممّا يجعلنى أؤكد أن كتاب الرافعى هو الثانى فى بابه بعد كتاب «دلائل الإعجاز» لأن الكتابين اجتمعا فى خاصية واحدة، لم يشركهما فيها مشارك، وهى روعة البيان الأسلوبى وتدفق التحليل.
ومن الجديد الذى اهتدى إليه الرافعى من بارع الأفكار المضيئة فى أفق الإعجاز نستشهد بهذه السطور: « .. كل من يبحث فى تاريخ العرب وآدابهم، وينفذ إلى ذلك من حيث تنفذ به الفطنة، وتأتى حكمة الأشياء، فإنه يرى كل ما سبق على القرآن من أمر الكلام العربى وتاريخه، إنما كان توطيدا له، وتهيئة لظهوره، وتناهيا إليه ودربة لإصلاحهم به، وليس فى الأرض أمة كانت تربيتها لغوية غير أهل الجزيرة، فما كان فيهم كالبيان آنق منظرا وأبدع مظهرا، وأمدّ سببا إلى النفس، وأردّ عليها بالعافية، ولا كان لهم كذلك البيان أزكى فى أرضهم فرعا، وأقوم فى سمائهم شرعا، وأوفر فى أنفسهم ريعا، وأكثر فى سوقهم شراء وبيعا، وهذا موضع عجيب للتأمل، ما ينفد عجبه على طرح النظر وإبعاده، وإطالة الفكر وترداده، وأىّ شىء فى تاريخ الأمم أعجب من نشأة لغوية تنتهى بمعجزة لغوية، وتأتى بها على أكمل الوجوه وأحسنها، ثم يكون الدين والعلم والسياسة، وسائر مقومات هذه الأمة مما تنطوى عليه المعجزة، فتخرج به للدهر أمة كان عملها فى الأمم صورة من تلك المعجزة» (٤).
وهذا الوجه من النشأة اللغوية للأمة العربية قبل مبعث رسول الله ﷺ يراه الرافعى إعجازا للقرآن الكريم، إذ نشأ فى أمّة هذه مقدرتها اللغوية لتكون قادرة على استيعابه، وهى فى الوقت نفسه عاجزة عن الإتيان بمثله، وأنا أرى أن هذه النشأة ليست
стр. 668
معجزة كما قال الرافعى ولكنّها إرهاص بالمعجزة التى تجلّت فى القرآن الكريم، كما عدّ الرافعى نهضة الأمة العربية بعد ضياعها فى العصر الجاهلى وامتداد دولها شرقا وغربا مظهرا من مظاهر الإعجاز القرآنى فى تربية النفوس، وحفز السلوك إلى المثل الأعلى، والإعجاز بهذه الفتوح لا يقف عند الجاهلين من أهل مكة لأنّهم لم يروا ما جدّ من الفتوح فيما بعد، ولكنه شهادة لدوام الإعجاز لدى الخلف بعد انقضاء عهد السلف.
وقد جاء من المؤلفين فى البيان القرآنى وإعجازه بعد وفاة الرافعى من ظهر فى نتاجهم العلمى أثر الإعجاز كما قرر الرافعى من قبل، فكان الرجل بذلك قائد كتيبة علمية وجهت نشاطها إلى حقل القرآن، وأحرزت فخار النصر ورجعت بالأسلاب، (وبعضهم- ولا أدرى لماذا- لم يشيروا إلى كتاب الرافعى الذى استقوا من نبعه وارتووا من مائه، ولو أشاروا إليه لكان ذلك أدلّ على منزعهم الخلقى قبل أن يدل على فهمهم لأصول البحث العلمى، إذ يتسمون بالأمانة العلمية، ولا أنتقل إلى محاولة من رأى أن يعارض الرافعى بعد أن استقى من نبعه، ليقول إنه غير متأثر به، وللقراء عقول تعرف انحرافات الأهواء، وتستّر الميول).
عبد الله عفيفى
كان الأستاذ عبد الله عفيفى من كبار أدباء عصره، وقد ألقى محاضرات على طلبة كلية الشريعة فى الأدب العربى، جمعها تحت عنوان (زهرات منثورة) وفيه خص القرآن الكريم والحديث النبوى بتحليل دقيق، وتعرّض لحديث الإعجاز القرآنى فبسطه بسطا شافيا، ننقل هنا خلاصته.
ذكر الأستاذ أوجها كثيرة للإعجاز فى مقدمتها هذه القوّة الروحية التى تسيطر على المشاعر، وتأخذ بالألباب، وهو مسبوق فى هذا الوجه بالأستاذ محمد فريد وجدى، وقد بسطنا القول فيه من قبل.
أما الوجه الثانى من الإعجاز فقد قال فيه: إنّ العرب لم يكونوا يحسنون من فنون النثر إلا الأسلوب الخطابى الذى يعتمد على التأثير فى النفس باللّفظ الفخم والقول المردد، ولكنهم لم يكونوا من كثير من الأسلوب المنطقى الذى ينتقل من المقدمات إلى النتائج، وينفذ من المعلوم إلى المجهول، أمّا الأسلوب العلمى الذى تساق فيه الحقائق العلمية من
стр. 669
أيسر السبل، وأقرب الموارد، فذلك لم يكونوا منه فى شىء، فجاء القرآن ليواجههم بالأسلوب المنطقى والأسلوب العلمى معا فى سلاسل مفرغة الحلقات، محكمة الصوغ، لا وهى بها، ولا انقطاع لها، فوقفهم بذلك بين شعاب متشابكة لا يستطيعون النفاذ إلى مكنونها (٥).
وقد استشهد الأستاذ لذلك بالآيات الست الأولى من سورة الحج، وبيّن ما بها من أدلة عقلية، وأفكار علمية بيانا شافيا ثم قرنها بأفصح خطبة قيلت فى العصر الجاهلى
وهى خطبة قس بن ساعدة الأيادى التى يقول فيها: «ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا»؛ ليؤكد أن الخطيب الجاهلى قد اعتمد على التأثير العاطفى وحده، أما آيات القرآن فقد جمعت العاطفة والعقل والعلم فى أسلوب سهل ميسور، وأزيد على ذلك بأنها جمعت من التصوير البيانى ما لم يعهد من قبل، ويتجلّى ذلك فى قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٦)
وبعد أن شرح الأستاذ الآيات شرحا أدبيا مصوّرا ما تتضمنه من تفوق البلاغة الرفيعة قال:
«هذا هو الأسلوب الخطابى الذى بلغ الغاية العليا بكل ما فى الخطابة من تأثير، فإذا ملأت منه يدك، وروّيت نفسك فاستمع حديث المنطق والعلم فى قوله جلّ شأنه يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ (٧) إلى آخر الآية، فقد ساق الله دليلين لا يقبلان الشك، فى الوجود بعد الهمود، والحياة بعد الممات، وفى الحالتين استحال التراب بما فيه من الحياة الكامنة، إلى خلق حى يزداد على الأيام نموا وسموا، فتأمل كيف كشف الله حجاب العلم فى قوله تعالى: مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ (٨) فهو يسقط هذه المضغ من الأرحام، ليشرح للإنسان كيف كانت أوّليته، ففي هذه الآيات بسط لأدوار التكوين الإنسانى بما لا يمكن للعرب أن يأتوا بمثله، لأنّه أتاهم بعلم ما لا يعلمون، ومن الدقة البديعة فى الأسلوب
стр. 670
العلمى تعبيره عن تضام ذرات الأرض المتشابهة، واختمارها بعد الحرث والبذر والرى، بقوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ (٩) ثم انظر إلى ما وصل إليه المنطق من جمع الأدلة وسياق المدلول، أو تقديم الأمثلة وتأخير الدعوى فى قوله تعالى بعد أن ساق الدليلين المنطقيّين ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (١٠) وهذا كلّه وأشباهه ممّا لا قبل للعرب به، ولا طوق لهم بتحديه.
هذا لباب ما قاله الأستاذ عبد الله عفيفى، وكان له صدى بعيد بين الدارسين، وطبيعى أن يلقى معارضة من ذوى النقد فالآراء لا تستقرّ دون معارضة يتبعها التمحيص، وقد عارضه الأستاذ الكبير محمود مصطفى أستاذ الأدب بكلية اللغة العربية فذكر أن العرب كانت تعرف هذين اللونين من الأسلوب المنطقى والأسلوب العلمى، والدليل على ذلك أنّهم لو كانوا يجهلونهما ما كان لهما وقع فى نفوسهم، لأن الناس أعداء ما جهلوا (١١)، وقد ساق خطبة منحولة قيلت على لسان قبيصة بن نعيم حين وفد على كسرى، وألفاظ الخطبة وترتيبها يدلّ على إسلاميتها، وأنّ المعانى مما جاء به القرآن الكريم، هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى فإنّ خطبة قبيصة المنحولة تخلو من الأسلوب العلمى الذى أشار إليه الأستاذ عبد الله عفيفى، فكيف يقال: إنّ العرب كانت تعرف هذين الأسلوبين، أما القول بأن العرب لو كانوا يجهلون هذا الأسلوب ما قبلوه فممّا لا يستقيم مع النظر الصحيح؛ لأنّ الجديد الطريف لا يرفض بداهة عند ذوى العقول.
وقد جاء عصرنا الحاضر بفنون من القول لم تكن معروفة فى الأدب العربى مثل الشعر التمثيلى، فلاقت الترحيب المشجّع، وما زال الجديد يفد كلّ يوم بثماره المشتهاة.
أما الوجه الثالث من وجوه الإعجاز عند الأستاذ عبد الله عفيفى فهو الإفاضة فيما كان يجهله العرب من أحداث التاريخ من قبل ومن بعد، فأخبار الأمم السابقة لم تكن معروفة لدى العرب، وقد قال الله تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا (١٢) ولو
стр. 671
كان قوم الرسول يعلمون شيئا من هذه الأنباء لصاحوا به، نحن نعلم، ولكن كان قصاراهم أن يقولوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (١٣)
وندع أخبار التاريخ إلى ما استفاض به القرآن من أمور التشريع، فقد كان العرب فى جاهليتهم لا ينزعون إلى شريعة مفروضة فجاءهم القرآن من جانب التشريع بما دهشوا، كذلك لم يكونوا يعرفون شيئا عن المعاد وأمور البعث والحساب والملائكة والجن والجنة والنار فأتى لهم بما يجهلون، ثم هذا التصوير الأدبى الرائع الذى أعجزهم كل الإعجاز فى مثل قول الله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ. (١٤)
ولم يسق الأستاذ هذه الآيات مجردة من التحليل الأدبى الشائق، والعرض الأسلوبى البديع، بل بلغ من ذلك مبلغا حميدا- ﵀.
الدكتور محمد عبد الله دراز:
ألّف الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز كتاب «النبأ العظيم» ليثبت إعجاز القرآن بما لا يدع مجالا للريب، والكتاب فى القمة من الأدب العالى (وقد طبع عدة مرات وأرجو أن يكون فى مكتبة كل مسلم) لما تضمن من حقائق جديدة، أكثرها من بنات فكره الخاص مع تمتعه بأسلوب نادر يجذب القارئ حتى ليخاله شعرا، (وهو فى رأيى أقرب إلى نفوس القراء من كتاب الرافعى- ﵀ على عظم تقديرنا إياه، لأنّ الرافعى يتعمّق فى التصوير والتعبير حتى يحوج القارئ إلى التثبت، أما النهر المتسلسل الدفاق فهو ما انهمر من يراع الدكتور دراز، وكأنه غيث نزل من السماء فأحيا به الله الأرض).
لقد رصد المؤلف الخصائص القرآنية للأسلوب البيانى فى كتاب الله فحدّها فى أربعة أمور هى سر الإعجاز، وأول هذه الخصائص هو (البيان والإجمال معا) (١٥) فهما خارقة عجيبة من خوارق التعبير لأنّ الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع إلى تأويل، وإذا أجملوها ذهبوا بها إلى الإبهام أو الإلباس، ولا يكاد يجتمع لهم هذان
стр. 672
الطرفان فى كلام واحد، ولكنك تقرأ القطعة من القرآن فتجد فى ألفاظها من الشفوف والملاسة والإحكام، والخلو من كلّ غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر، أو استعارة حديث، كأنك لا تسمع كلاما ولغات بل ترى صورا وحقائق ماثلة ثم يخيّل إليك أنّك أحطت به خبرا، ووقفت على معناه محدودا، ولكن لو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذى سبق إليه فهمك أول مرة، حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوها عدّة كلها صحيح، أو محتمل الصحة، كأنما هى فصّ من الماس يعطيك كلّ ضلع منه شعاعا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة، بهرتك بألوان من الطيف، لا تدرى ماذا تأخذ منها وما تدع ولعلّك لو وكلت النظر فيها لغيرك لرأى فيها أكثر مما رأيت، وهكذا نجد كتابا مفتوحا مع الزمان يأخذ منه كل فرد ما تيسّر له، بل ترى محيطا مترامى الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال، ألم تر كيف وسع الفرق الإسلامية على اختلاف وسائلها فى القديم والحديث، وهو على لينه للعقول والأفهام صلب متين، لا يتناقض ولا يتبدل، يحتج به كل فريق لرأيه، ويدّعيه لنفسه، وهو فى سمّوه فوق الجميع يطلّ على معاركهم حوله، وكأنّ لسان حاله يقول قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (١٦)، وثانية هذه الخصائص هى (إقناع العقل وإمتاع العاطفة) (١٧): والحديث عن اجتماع العقل والعاطفة فى أسلوب واحد لا يقنع به إلا دارس مكين تغلغل فى خوانى علم النفس فاهتدى إلى أسرار صارت مصباحا فى يده يضيء الطريق، فقد عرفنا كلام الحكماء والعلماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء وهؤلاء إلا غلوّا فى جانب وقصورا فى جانب، فأما الحكماء فإنهم يؤدون إليك ثمار عقولهم، غذاء لعقلك، ولا تتوجّه نفوسهم إلى استهواء نفسك، واختلاف عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم، لا يأبهون لما فيها من جفاف وعرى، ونبوّ عن الطباع، أما الشعراء فيسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، ولا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيا أو رشادا، وأن يكون حقيقة أو تمثيلا، فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويطربون وإن كانوا لا يطربون، وكل امرئ حين يفكر إنما هو فيلسوف صغير، وكل امرئ حين يحس إنما
стр. 673
هو شاعر صغير، فهل رأيتم أحدا تتكافأ فيه قوة التفكير، وقوة الوجدان، وسائر القوى النفسية على حد سواء، واذا كانت الإجابة بالنفى فكيف تطمع من إنسان أن يهب لك الطّلبتين معا، وهو لم يجمعهما فى نفسه على حد سواء، وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من تلك الأحوال.
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به كل إنسان، وحكم أى القوتين كان خاضعا لها، حين قال وكيّف، فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية، أو وصف طريقة عملية، قلت:
هذه ثمرة الفكرة، وإن رأيته يعتمد إلى تحريض النفس أو تغييرها وقبضها وبسطها، واستثارة كوامن لذاتها وآلامها، قلت: هذه ثمرة العاطفة، فإذا رأيته انتقل من أحد هذين الضّربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطرا من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت ذلك من تعاقب الشعور والتفكير على نفسه، فأمّا أنّ أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا، ويجمع بين يديك هذين الطرفين معا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أزهارا وأثمارا وأوراقا معا، وكما يسرى الروح فى الجسد، والماء فى العود الأخضر، فذلك ما لا نظفر به فى كلام بشر، ولا هو من سنن الله فى النفس الإنسانية، فمن لك بهذا الكلام الذى يحى من الحقيقة البرهانية الصارمة بحيث يرضى حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، وبين المتعة الوجدانية بحيث يرضى هؤلاء الشعراء المرحين. ذلك الله رب العالمين، فهذا الذى لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان واحد، وأن يخرج الحقّ والجمال معا يلتقيان فلا يبغيان، وهذا هو ما تجده فى كتابه الكريم حيثما توجهت، ألا تراه فى نسجه قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة، ألا تراه وهو فى معمعة براهينه وأحكامه، لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، يبث الله ذلك فى مطالع آياته، ومقاطعها وتضاعيفها.
وثالثة هذه الخصائص القرآنية لدى الدكتور دراز هى ما حصره الباحث فى (خطاب العامة والخاصة) (١٨) إذ هذان الخطابان يمثلان غايتين أخريين متباعدتين عن الناس، فلو أنّك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذى تخاطب به الأغبياء، لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه فى الخطاب لأنفسهم، ولو أنّك خاطبت العامة باللمح والإشارة لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه
стр. 674
عقولهم، فلا غنى لك إذا أردت أن تعطى كلتا الطائفتين حظها من كمال بيانك أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى، فأما أنّ جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقدرة على قياس عقله، وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا تجده إلا فى كتاب الله.
أما الخاصية الرابعة، فهى (القصد فى اللفظ والوفاء بحق المعنى) فقد جلاها الدكتور أحسن تجلية واستشهد لها بآيات كريمة أحسن تحليلها وإيضاح مراميها، ولا يحسن تلخيص ما جاء به هنا، لأنّه يطفئ من نور الكتاب إذا أوجز واختصر، فليرجع القارئ إليه.
ولا بدّ من كلمة أقولها هى أن الدكتور ﵀ مبتكر مبدع فى أكثر ما انتحاه من التحليل، وبذلك أضاف كتابه ثروة طريفة للدراسات القرآنية الجادة، ثم هو بذلك يعطى المثل لمن يريد أن يبحث وجوها من الإعجاز القرآنى، إذ لا يقتصر على الترديد، بل يحاول أن يأتى بالجديد.
سيد قطب:
احتفل الشهيد سيد قطب بكتاب الله احتفالا تجلّى فى موسوعة (فى ظلال القرآن) وقد تواضع فذكر أنه يعيش فى الظلال فحسب، أى أنه لم يقدم تفسيرا يتجاوز الظلال إلى الأعماق، وهذا غير ما يحسّه قارئ الظلال، فقد كتبه الأستاذ بفكره وشعوره معا، شعوره المتقد بما نزل بالمسلمين من محن فى عهودهم الأخيرة، وفكره الوثّاب المشرئب لآفاق فسيحة يحلق فيها بقوته الخارقة.
وسأتجاوز كتاب الظلال فى حديث الإعجاز إلى كتاب (التصوير الفنى فى القرآن) لأنه ذو تنظير قاعدىّ يلتفت إلى جهات الإعجاز كما تصوّره، وهو يشترك مع الدكتور محمد عبد الله دراز فى شىء ملحوظ: هو أنّ كليهما يعتمد على ذهنه وروحه وإحساسه قبل أن يعتمد على مقررات الإعجاز فى الكتب السابقة، فالجديد الطريف لديهما
كثير.
تحدّث الأستاذ الشهيد عن تأثير القرآن فى نفسه وهو طفل صغير إذ أخذ فى مكتب القرية يحسّ بروعة تملك عليه أقطار نفسه
стр. 675
دون أن يدرك سرها، ونما هذا الإحساس فى نفسه كما تنمو البذرة الجيدة فى الأرض الطيبة، حتى إذا درس فنون النقد الأدبى فيما بعد، راجع كتاب الله فرأى من فنون الإعجاز ما لم يحم حوله أحد من السابقين، وهو التصوير الفنى للقرآن، وقد شرح وجهة نظره فى ذلك فقال:
«إن التصوير الفنى هو الأداة المفضلة فى أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة عن المعنى الذهنى، والحالة النفسية، ثم عن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنسانى، والطبيعة البشرية، ويرتقى بالصورة التى رسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجدّدة، فإذا المعنى الذهنى حركة أو هيئة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج النفسى شاهد حىّ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية، أما الحوادث والمشاهد، وأما القصص والمناظر، فيردّها شاخصة حاضرة فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار، فقد استوت كل عناصر التخيل، فما يكاد يبدأ العرض، حتى يحيل السامعين نظّارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول، الذى وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة، إنها الحياة هاهنا، وليست حكاية الحياة» (١٩).
وقد وفّى الشهيد- ﵀ بما وعد، والاستشهاد الكامل متعذر هنا، ولكنّنا ننقل مثلا تطبيقيا لسورة من قصار السور، التى ربما حسبها البعض سجعا مرصوفا، وهى سورة الفلق، إذ قال عنها المؤلف:
ما الجو المراد إطلاقه هنا؟ إنه جو التعويذة بما فيه من خفاء وهيمنة، وغموض وإبهام، فاسمع: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)(٢٠) فما الفلق الذى يستعيذ بربه؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر لأنه أنسب فى الاستعاذة من ظلام ما سيأتى، ممّا خلق، ومن الغاسق، ومن النفاثات فى العقد، ومن شر حاسد إذا
стр. 676
حسد، ولأن فيه إبهاما خاصا ستعلم حكمته بعد قليل، يعوذ برب الفلق من شر ما خلق، هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة، وفى هذا التنكير والشمول، يتحقق الغموض، والظلام المعنوى فى العموم، «ومن شر غاسق إذا وقب»، الليل حين يدخل إلى كلّ شىء وحين يمسى مخوفا مرهوبا، «ومن شر النفاثات فى العقد»، وجوّ النفث فى العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام، بل هنّ لا ينفثن غالبا إلا فى الظلام، «ومن شر حاسد إذا حسد»، والحسد انفعال باطنى مغمور فى ظلام النفس، غامض مرهوب كذلك، فالجوّ كله رهبة وغموض، وهو يستعيذ من هذا الظلام بالله، والله رب كل شىء، فلماذا خصصه بالفلق، لينسجم مع جو الصورة كلها، ويشترك فيه، وكان المتبادر للذهن أن يعوذ من الظلام برب النور، ولكنّ الذهن ليس هنا المحكّم- إنما المحكم هنا آلة التصوير الدقيقة فالنور يكشف الغموض المرهوب، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث فى العقد، ولا مع جو الحسد، والفلق يؤدى معنى النور من الوجهة الذهنية، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية، التى تجمع بين النور والظلمة، ولها جوّها الغامض المسحور.
ثم ما أجزاء الصورة هنا؟ أو محتويات المشهد، هى من ناحية الفلق والغسق مشهدان من مشاهد الطبيعة، ومن ناحية النفاثات فى العقد والحاسد إذا حسد مخلوقان آدميّان ...
فالجو قائم على أساس من هذه الوحدة فى الأجزاء والألوان، وليس فى هذا البيان شىء من التمحل، وليست هذه الدقة بلا هدف، وليس الهدف حلية عابرة، فالمسألة ليست مسألة ألفاظ، أو تقابلات ذهنية، وإنما هى مسألة لوحة وجو وتنسيق، وتعاملات تصويرية تعدّ فنا رفيعا من التصوير يلفت النظر إذا أداه مجرد التعبير (٢١).
هذا النص يدل على كثير غيره، بل هناك ما هو أجود منه فى التحليل الأدبى وبخاصة فيما كتبه الأستاذ عن القصة القرآنية فقد جاء كلامه رائعا فائقا غير مسبوق.
ومما أخذ على الأستاذ أنه اعتبر الأداء الوجدانى هو سرّ الإبداع فى الإعجاز، وقد عارضه الأستاذ عبد المنعم خلاف فوضّح أن المنطق العقلى جناح آخر للإعجاز، وهذا ما وافق عليه الأستاذ قطب مؤكدا أنه لم يغفل جانب المنطق، ولكن هذا الجانب لا يأتى جافا كما فى كتب العلوم بل يضيء بشعاع التصوير الأدبى فلا خلاف (٢٢) وقد ظهر هذا الاتجاه
стр. 677
فيما كتبه الأستاذ قطب فى «ظلال القرآن» حيث فسح المجال للمنطق العقلى والمنطق الوجدانى معا فكانا أداتى الإقناع والإمتاع فى كتاب الله العزيز.
(وبعد) فهذه صور من الإعجاز القرآنى فى الفكر العربى الحديث تضاف إلى ما سبقت الإشارة إليه من صور الإعجاز فى الفكر العربى القديم (وفى حدود هذه الصفحات لم ألم بكل ما قيل، ولكنّى اكتفيت بما كانت له جدواه الحقيقية عند الدارسين مقدرا ما كتبه غير هؤلاء من أفاضل الباحثين فهو قوى رائع فى بابه، وقد يأتى من يتناول كل ما قيل فى مجلد مستقل، فالحقل العلمى حافل بكرام الباحثين).
أ. د. محمد رجب البيومى
مراجع البحث، وفق ورودها: (١) البيان القرآنى للدكتور محمد رجب البيومى- الدار المصرية اللبنانية للنشر ٢٠٠٠ م.
(٢) إعجاز القرآن للأستاذ مصطفى صادق الرافعى- الطبعة السادسة- سنة ١٩٥٦ - مطبعة الاستقلال.
(٣) رسائل الجاحظ بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون- مكتبة الخانجى سنة ١٩٧٩.
(٤) البيان والتبيين بتحقيق الأستاذ حسن السندوبى- مطبعة مصطفى محمد التجارية.
(٥) كتاب الحيوان بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون- ط ٣ سنة ١٩٦٩ طبعة بيروت.
(٦) خطوات التفسير البيانى للدكتور محمد رجب البيومى (سلسلة مجمع البحوث الإسلامية) سنة ١٩٧١ م.
(٧) ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن- تحقيق محمد خلف الله أحمد، ومحمد زغلول سلام- ط دار المعارف ١٩٦٢ م.
(٨) البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقى ضيف- ط دار المعارف سنة ١٩٦٥.
(٩) إعجاز القرآن للباقلانى- تحقيق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى الطبعة الأولى مطبعة صبيح.
(١٠) أمالي المرتضى- الطبعة الأولى- دون تاريخ طبعة هندية.
(١١) تلخيص البيان فى مجاز القرآن- للشريف الرضى- تحقيق محمد عبد الغنى حسن- مطبعة عيسى الحلبى سنة ١٩٥٥ م.
(١٢) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجانى- تحقيق السيد محمد رشيد رضا مطبعة المنار سنة ١٩٦٧ م- ط رابعة.
(١٣) تفسير الكشاف- الطبعة الأولى- سنة ١٣٥٤ هـ- طبعة مصطفى محمد.
(١٤) بديع القرآن لابن أبى الإصبع- الطبعة الأولى تحقيق الدكتور حفنى شرف.
(١٥) دائرة معارف القرن العشرين- الطبعة الأولى جزء (٧) للعلامة محمد فريد وجدى- مطبعة دار المعارف.
(١٦) زهرات منثورة فى الأدب العربى للأستاذ عبد الله عفيفى مطبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٣٢ م.
(١٧) الأدب العربى وتاريخه ج (١) للأستاذ محمود مصطفى- مطبعة عيسى البابى الحلبى سنة ١٩٤٤.
(١٨) النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧ م.
(١٩) التصوير الفنى للقرآن للأستاذ سيد قطب- ط دار المعارف سنة ١٩٤٤ م.
стр. 678
الإعجاز العلمى للقرآن الكريم
تعريف الإعجاز العلمى:
الإعجاز لغة: مشتق من العجز. والعجز:
الضعف أو عدم القدرة.
والإعجاز مصدر «أعجز»: وهو بمعنى الفوت والسبق (١).
والمعجزة فى اصطلاح العلماء: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدى، سالم من المعارضة (٢).
وإعجاز القرآن: يقصد به إعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله، أى نسبة العجز إلى الناس بسبب عدم قدرتهم على الإتيان بمثله.
ووصف الإعجاز بأنه علمى نسبة إلى العلم.
والأصل فى معنى «العلم عند العرب هو الإدراك الصحيح لحقائق الأشياء، وهو معنى مطلق غير مقيد بتخصيص بعينه، والإطلاق:
يفيد الشمول والتعميم. أما تصنيف العلوم إلى دينية ودنيوية، أو نقلية وعقلية، أو شرعية وكونية، أو نظرية وتجريبية، أو إنسانية وطبيعية، أو غير ذلك، فهو تصنيف يعتمد على الصفات المعبّرة عن موضوعات العلم، أو مصادره، أو الطرائق التى يتم تحصيله بها بحسب تناسبها وقرب بعضها من بعض. وقد يخصص العلم بموضوع معين، فيقال: «علم التفسير» أو «علم اللغة» أو «علم التاريخ» أو «علم الفلك» أو «علم الأحياء»، أو غير ذلك من مختلف فروع العلم (٣).
والمقصود بالعلم الذى ينسب إليه مصطلح «الإعجاز العلمى للقرآن الكريم» هو العلوم الكونية التجريبية الباحثة فى ظواهر الكون والحياة.
وعليه: فإن «الإعجاز العلمى» للقرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة هو إخبارهما بحقيقة كونية أثبتها العلم التجريبى، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية فى زمن الرسول ﷺ مما يظهر صدقه فيما بلّغ عن رب العزة (٤). ووصف الإعجاز هنا بأنه علمى نسبة إلى العلم التجريبى المعنىّ بدراسة الظواهر المطردة فى الآفاق وفى الأنفس وصولا إلى القوانين التى تفسر سلوكها وتعلل حدوثها بحيث تنكشف
стр. 679
حقائق الأشياء انكشافا تاما، وتتجلى حقيقة الحقائق متمثلة فى الإيمان الخالص على هدى وبصيرة بالخالق الواحد، مصداقا لقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥).
والعلاقة بين آيات الحق فى القرآن والكون تجمع فى ترابط محكم بين إعجاز السبق والبيان فى كتاب الإسلام الخالد، وإعجاز القدرة الإلهية فى كتاب الكون اللانهائى، ليدلى كل إعجاز بشهادة تسليم وتصديق للآخر، وليكون فى الإعجازين عبرة لكل ذى عقل رشيد، أو لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فكما أن الأدلة القاطعة برهنت على أن القرآن الكريم لا يمكن إلا أن يكون من عند الله الواحد، بدليل عدم الاختلاف بين آياته، كذلك فإن النظام الكونى المعجز بكل ما فيه من تدبير وإحكام لا يمكن إلا أن يكون من صنع الله الذى أتقن كل شىء.
وينبغى أن ندرك هنا أن المعجزة نوعان ينبغى التمييز بينهما، كى نطلب المعجزة التى يجب أن تطلب، ونتورع عن طلب المعجزة التى لا تجدى أحدا من العقلاء (٦).
أما النوع الأول فهى المعجزة التى تتجه إلى العقل، وهى موجودة يلتقى بها من يريدها حيثما التفت إليها، متمثلة فى الإطراد المنتظم لظواهر الكون والحياة التى لا تتبدل ولا تتحول، قال تعالى: ... فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٧).
وأما النوع الثانى فهى المعجزة التى تكون من خوارق العادات، فهى التى تدهش العقل وتضطره بالإفحام القاهر إلى التسليم، وهى ليست بحاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التى نشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وكل ساعة. والعالم الحق أحرى أن يعرف موضع العجب فيما يشاهده من سنن الله الكونية المألوفة فى دوران الأفلاك وخصائص المادة وسلوك الكائنات والظاهرات، فليست ألفته لها مما يصح أن يبطل العجب منها، ومن قال هذا فهو هازل مستخف بالمعجزة التى تخاطب العقل وتستثير ملكاته، وهو أيضا عاجز عن أن يجد فى هذه المعجزة يد العناية الإلهية التى تسيّر حركة الكون والحياة.
وقد غاب مثل هذا التمييز الواضح بين نوعى المعجزة عن كثير من الباحثين الذين يقفون بتفكيرهم عند حد «التفسير العلمى» للظاهرة الكونية، أو الذين يقحمون أنفسهم فيما لا يدركه العقل البشرى المحدود من خوارق العادات التى لا تخضع للنواميس الطبيعية ولا للتجارب البشرية.
стр. 680
كذلك أدّى غياب هذا التمييز الواضح بين نوعى المعجزة إلى الخلط أحيانا بين الإعجاز العلمى الذى يقصد به سبق القرآن الكريم إلى الإخبار بحقيقة كونية قبل أن يكتشفها العلم التجريبى، وبين «التفسير العلمى للقرآن الكريم» الذى يراد به الكشف عن معان جديدة للآية القرآنية، أو الحديث النبوى، فى ضوء ما ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية، دون إسراف فى التأويل، بمعنى أن تكون هذه العلوم فى خدمة تفسير القرآن والسنة مثلما خدمته علوم اللغة والأصول والفقه وغيرها من مجالات العلوم الشرعية.
وكان طبيعيا أن يظهر فى مجال الدراسات الإسلامية مبحث خاص من مباحث علوم القرآن يعنى بدراسة الآيات الكونية فى إطار من توافق الحقائق العلمية مع ما أنبأ به القرآن أو أشار إليه، سواء كان غرض هذه الدراسة هو الكشف عن أوجه الإعجاز العلمى للقرآن الكريم فى بيان حكم التوجيهات الإلهية فيما يتعلق بالحلال من الطيبات والحرام من الخبائث والمحرمات، أو كشف وجوه الهداية القرآنية فى آفاق النفس والكون بصورة عامة.
* الترقى فى فهم الإعجاز العلمى للقرآن الكريم:
لقد شاءت حكمة الله- تعالى- أن يكون إرشاد الناس وهدايتهم بوسائل متنوعة، وهو- خبير بعباده، فهو تارة يخاطبهم بما يمس قلوبهم مسا رقيقا رفيقا، وهو تارة أخرى يقرع عقولهم قرعا قويا شديدا، وكان من أبرز ما جلى به أبصارهم وأنار بصائرهم حضّه إياهم على التدبر فى آيات خلقه. وهذا ما شجع العلماء الذين يرون فى الإعجاز العلمى للقرآن الكريم لونا من التفسير فيه فتح جديد وتجديد فى طريق الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى دين الله.
ولما كان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التى أيد الله بها رسوله محمدا- ﷺ لتبقى بين أيدى الناس إلى قيام الساعة، مصداقا لقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (٨)، فقد ظهرت مباحث فى علوم القرآن تعنى بجوانب الإعجاز القرآنى البلاغية والتشريعية والتربوية والعلمية وغيرها. وفى بيان المعجزة العلمية من حيث طبيعتها الباقية بين يدى الناس، وتجددها مع كل كشف بشرى فى ميادين العلوم، وكذلك فى المعارف ذات الصلة بمعانى الوحى الإلهى، يقول الله تعالى:
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٩).
وجاء فى تفسير هذه الآية الكريمة: أنزله
стр. 681
بعلمه: أى فيه علمه الذى أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب، من الماضى والمستقبل (١٠).
كذلك وعدنا الحق جل وعلا بأن يرينا آياته، فيتحقق لنا العلم الدقيق بها، وذلك فى قوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها (١١)، وقوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (١٢). ومن آيات الله فى الآفاق وفى الأنفس كل مخلوقاته التى خلقها فى شتى آفاق الأرض والسماء، مصداقا لقوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ (١٣).
والقرآن الكريم حافل بذكر آيات الله فى خلقه متخذا من التفكير فيها مدخلا رحيبا إلى الإيمان الخالص بالله عن طريق الاستشعار بوحدانيته سبحانه وبقدرته وبديع صنعه. ويتخذ القرآن الكريم أساليب بلاغية متنوعة فى الدعوة إلى النظر فى آيات الله والاحتفال بذكر السموات والأرض، والشمس والقمر ومنازله، والمشارق والمغارب، والبروج والنجوم والكواكب، والليل والنهار والفجر والغسق، والظلمات والضياء والنور، والبحار والأنهار والعيون، والرياح اللواقح، والسحاب الثقال والمركوم والمنبسط، والبرق والرعد والمطر، والجبال الراسيات والجدد البيض والحمر والغرابيب السود، والأرض الهامدة والأرض المهتزة الرابية، والجنات والنخيل والأعناب والتين والزيتون، والطلح والسدر واليقطين، والنمل والنحل والبعوضة والعنكبوت، والطير الصافات، والإبل والخيل والأنعام، واللبن يخرج من بين الفرث والدم، والشراب الشافى يخرج من بطون النحل، وخلق الإنسان من تراب ومن ماء مهين، وتطوره فى ظلمات الرحم خلقا من بعد خلق، وشفتيه ولسانه وسمعه وبصره وفؤاده، وإخراج الحى من الميت والميت من الحى ...
وهذه كلها أمثله قليلة بعيدة عن تمام الحصر مما يوجهه القرآن الكريم لأولى الألباب الذين يعقلون ويتفكرون ويتدبرون.
ومن يتأمل الخطاب القرآنى فى الدعوة إلى النظر فى آيات الله؛ يجد أنه ينزل فى نفوس المؤمنين منزلة الأمر، فالمسألة عندهم إذن مسألة فريضة وتكليف (١٤)، لكن من البديهى أن يتفاوت هذا التكليف بالنظر فى آيات الله من مؤمن إلى مؤمن، ومن قارئ إلى قارئ، إذ أن نظرهم هذا يتفاوت بتفاوت استعدادهم ومقدرة إدراكهم وحصيلة معارفهم، فالسماوات مثلا آيات رائعة معجزة عند الأمىّ وعند عالم الفلك المتخصص على
стр. 682
السواء، وإن كان العالم أقدر على الإحاطة بجلال الإعجاز فى خلقها، ومن ثمّ كانت خشيته العميقة لخالقها مصداقا لقوله تعالى:
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (١٥).
فمن هنا كان النظر الفطرى البسيط والنظر العلمى المتأمل العميق، وكلاهما مطلوب ومشروع ومفيد.
وهذا سر من أسرار بلاغة القرآن، بيد أن التعمق بالبحث العلمى السليم لا يتوافر إلا للقادرين عليه والمؤهلين له، فهو إذن فرض كفاية عليهم، كما أنهم مكلفون أيضا بتبصرة غيرهم بما انتهى إليه نظرهم، فقد أمرنا أن نتعلم ونعلم، ونهينا عن كتمان العلم.
والناس يتفاوتون فى فهمهم للقرآن بحسب درجاتهم وأحوالهم واستطاعتهم، وهم فى عصرنا أحوج من أى عصر مضى إلى أن يتعلموا من مأدبته ما استطاعوا، وأن يفيدوا من كنوزه وأسراره فى إصلاح دنياهم والفوز بنعيم أخراهم. يقول الراغب الأصفهانى فى كتابه «مقدمة التفسير»: ثم إن القرآن- وإن كان فى الحقيقة هداية للبرية- فإنهم لن يتساووا فى معرفته، وإنما يحظون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم، فالبلغاء تعرف من فصاحته، والفقهاء من أحكامه، والمتكلمون من براهينه
العقلية، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المتخصص بفنه. وقد علم أن الإنسان بقدر ما يكتسب من قوته فى العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه .. (١٦). وأهل الاختصاص فى فروع العلوم- بطبيعة الحال- ليسوا بدعا بين هؤلاء الذين ذكرهم الأصفهانى، فكل ما يساعد من حقائق العلم على تعميق فهمنا لمعانى القرآن الكريم وتعاليمه وأحكامه، هو ما يجب الأخذ به. وكم فى القرآن الكريم من آية إذا مستها يد العلم أبانت أسرارها وأظهرت إعجازها. ذلك أن القرآن الكريم له أسلوبه الحكيم فى الدلالة على آيات الله فى الكون، والهداية التى جاء أصلا من أجلها تقتضى ألا يخاطب الناس عن الكون بما ينكرون، أو بما يستعصى على أفهامهم، فيقوم ذلك حجابا بينهم وبين قبول دعوته، وحاملا على التكذيب بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
كذلك تقتضى الهداية القرآنية ألا يوافق القرآن الناس على باطل معتقداتهم الكونية فى عصر نزول الوحى به، فيقوم ذلك حائلا دون قبول دعوته فى عصور التقدم العلمى والتقنى التى علم منزّل القرآن أنها ستكون.
وتجنب هذين العائقين عن قبول هداية القرآن هو من بدائع إعجاز أسلوبه ومن أكبر الدلائل على أنه حقا من عند الله فاطر الناس وفاطر الكون.
стр. 683
وينبغى الترقى فى فهم آيات القرآن والكون إلى درجة الفقه حتى ندرك الحكمة وراء إعجازها، ونبلغ نهاية درجة الإحسان فى قراءة الكتابين: المسطور والمنظور. أما نهاية الإحسان فى قراءة آيات القرآن فتعنى تجاوز حدود الأصوات والألفاظ، واختراق حاجز الزمان والمكان، وصولا إلى الاستمتاع من المتكلم الأزلى ﷻ . فالنفس الشفافة، والإحساس المرهف، لهما أثر جلىّ فى قراءة القرآن، أو الاستماع إليه، وبذلك تتجلى أنوار القرآن على قلب القارئ أو السامع. ولهذا كانت نصيحة العارفين: «اقرأ القرآن كأنه يتنزل عليك».
وأما نهاية الإحسان فى قراءة آيات الكون- كتاب الله المنظور- فتعنى تجاوز حدود البحث العلمى الآلى، بعناصره ووسائله وأدواته. واختراقه عالم النظريات والقوانين العلمية بصياغاتها اللفظية، وصولا إلى إدراك أنه كل علم من العلوم الباحثة فى ظواهر الكون والحياة، هو فى حقيقته علم يبحث بلغته الخاصة عن الله خالق الكون والحياة، ويستند فى غاية منتهاه إلى اسم من أسماء الله الحسنى .. فعلوم الطب والصيدلة تصل إلى كمالها بمشاهدة التجليات الرحيمة لاسم «الشافى» فى كل حبة دواء. وعلوم الفيزياء والفلك والكيمياء والنبات والحيوان تبحث فى حقيقة الموجودات باستنادها إلى ما يناسبها من أسماء العليم الحكيم القادر المقدر الذى أوجد هذا العالم على أعلى درجة من الترتيب والنظام والكمال والجمال. وبهذا تكون العلوم فى حقيقتها غير مقصودة لذاتها، وإنما هى ضرورات حيوية وحاجات معرفية وعقلية تحيط الهداية الإيمانية بأبعاد جديدة، وترى فى كل مشهد كونى آية ناطقة بقدرة الخالق ووحدانيته، ومظهرا معبرا من مظاهر تجليات أفعال الله تعالى وأسمائه الحسنى.
ولا شك أن البحث فى الإعجاز العلمى لآيات القرآن الكريم على هدى وبصيرة يؤتى ثماره الحقيقية ببلوغ نهاية الإحسان على سلم الترقى فى فهم آيات الله المنبثة فى القرآن الكريم، وفى جنبات الكون الفسيح، وفى أسرار النفس البشرية وباقى الموجودات.
كما أن ارتقاء العلوم الحديثة ونجاحاتها فى استكشاف حقائق جديدة عن الكون من العوامل التى ساعدت على الاجتهاد فى تسخير العلم الكونى لتجلية معان جديدة لآيات القرآن الكريم، شريطة أن يكون الاجتهاد فى ذلك المجال وفق منهاج رصين محدد ينبغى الالتزام به فى ضوء ما هو معروف عن معنى الحقيقة العلمية وحدودها.
стр. 684
* ضوابط (منهج) البحث فى الإعجاز العلمى للقرآن الكريم:
إذا كانت قضية الربط بين القرآن والعلم تتعرض لنقد لاذع بسبب إفراط بعض المتحمسين، أو تفريط البعض الآخر من الرافضين والمعارضين، وأمام الحاجة الماسة إلى هذا النوع من الدراسات القرآنية لتنشيط حركة الدعوة الإسلامية المعاصرة، فإنه أصبح ضروريا أن يكون للبحث فى مجال الإعجاز العلمى للقرآن منهاج، وأن يوضع للمجتهد ضوابط وشروط، وأن ينبّه إلى مزالق الخطأ وموارد الزلل وكبوات الاجتهاد.
ويمكن إيجاز الإطار العام الذى توصل إليه الباحثون لترشيد البحث فى مجال الإعجاز العلمى للقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة فيما يلى:
١ - علم الله هو العلم الشامل المحيط الذى لا يعتريه خطأ ولا يشوبه نقص، وعلم الإنسان محدود، يقبل الازدياد، ومعرّض للخطأ. ولقد نزلت نصوص الوحى بألفاظ جامعة تحيط بكل المعانى الصحيحة فى مواضيعها التى قد تتتابع فى ظهورها جيلا بعد جيل. وإذا جمعت نصوص الكتاب، والسنة الصحيحة، وجدت بعضها يكمل بعضها الآخر، فتنجلى بها الحقيقة، مع أن هذه النصوص قد نزلت مفرقة فى الزمن، وفى مواضيعها من القرآن الكريم، وهذا لا يكون إلا من عند الله الواحد الذى يعلم السر فى السموات والأرض، ومن ثم فإنه لا يوجد تعارض بين نصوص الوحى القاطعة التى تصف الكون وأسراره، على كثرتها، وبين الحقائق العلمية المكتشفة، على وفرتها.
٢ - الحقيقة العلمية التى يعرف رجال العلم معناها وحدودها لا تبطل مع الزمن، ولكنها قد تزداد مع جهود العلماء المتتابعة تفصيلا ووضوحا وجلاء. كل ما فى الأمر أن القوانين العلمية تعبر عادة عن حقائق علمية محدودة، وليس من الصواب أبدا أنه تعتبر هذه الحقائق الجزئية دليلا على قصور العلم أو منقصة فيه، فطبيعة المعرفة العلمية تتميز بالنمو المطرد فى اكتشاف القوانين التى تلقى الضوء شيئا فشيئا على حقائق الواقع الثابت فى الكون بعد أن أشارت إليها آيات من القرآن العظيم.
٣ - يجب التّقيد بما تدل عليه اللغة العربية، فلا بد من:
(أ) أن تراعى معانى المفردات كما كانت فى اللغة إبّان نزول الوحى، ويراعى كذلك فقه استعمالها.
(ب) أن تراعى القواعد النحوية ودلالاتها.
стр. 685
(ج) أن تراعى القواعد البلاغية ودلالاتها، خصوصا قاعدة «ألا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية».
٤ - يجب البعد عن التأويل فى بيان الإعجاز العلمى للقرآن والسنة، ولا ينبغى الإسراف فى ذلك.
٥ - يجب ألا تجعل حقائق القرآن موضع نظر، بل تكون هى الأصل، فما وافقها قبل، وما عارضها رفض، ذلك أن المرجعية يجب أن تكون للحقائق القرآنية، وليس للعلم التجريبى، فالحقائق العلمية تحتكم إلى القرآن ولا تزكيه، فإن وافقته فبها ونعمت، وإن تعارضت معه رفضت، لأن النص القرآنى وحى من الذى أحاط بكل شىء علما.
٦ - يجب على المجتهدين من العلماء أن يكونوا ملمين من علوم القرآن بالقدر الكافى وأن يكون لديهم استعداد شخصى يعززه رجوعهم إلى أمهات كتب التفسير رجوع المتعلم التأنى، لا اطلاع القارئ العجول، فإذا تعذر عليهم هذا كان عليهم أن يسألوا أهل الذكر والاختصاص، فهذا أقل مقتضيات التحرى وعدم التورط فى الكلام فى كتاب الله بغير علم.
٧ - كذلك يجب على المجتهدين من الباحثين فى الإعجاز العلمى للقرآن الكريم والسنة المطهرة (البيان النبوى) أن يكونوا على معرفة تامة بالظاهرة العلمية قيد البحث وتاريخ المصطلحات الفنية المتعلقة بها.
إن هذه الضوابط والشروط المنهجية ضرورية لترشيد البحث فى الإعجاز العلمى للقرآن والسنة، وينبغى توافرها فى كل من يتعرض للاجتهاد بما يناسب جلال القرآن وقدسيته، وكتاب الله العزيز كله معجز، ويستطيع العلماء أن يتلمسوا دلائل إعجازه فى شتى المجالات، فإذا ما كنا بصدد «إعجازه العلمى» تحتم علينا أن نتوخى الدقة التامة، فلا نفتعل مناسبة، أن نتشبث بلفظة ونحملها فوق ما تحتمل، أو نجهل أو نتجاهل حقائق التاريخ، وينبغى أن يكون لنا فى الأئمة السابقين أسوة حسنة حين نرى دقة مناهجهم العلمية عند ما تناولوا القرآن الكريم من نواحيه اللغوية والبلاغية والتشريعية وغيرها.
وإذا علمنا أهمية هذه الأبحاث فى تعميق اليقين الإيمانى عند المؤمنين، ودفع الفتن التى ألبسها الكفار ثوب العلم، عن بلاد المسلمين، وفى دحض محاولات التستر بالعلم لإثارة الشبهات حول الإسلام والمسلمين، وفى دعوة غير المسلمين وتوصيل الحقائق الإسلامية إليهم على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، وفى حفز المسلمين للأخذ بأسباب النهضة العلمية، وفى تعميق فهم ما خوطبنا به فى
стр. 686
القرآن والسنة، تبين من ذلك كله أن القيام بهذه الأبحاث من أهم فروض الكفايات، خاصة أن أهل عصرنا ممن يريدون الحق من سائر الأجناس لا يذعنون بشيء مثل إذعانهم للعلم ومنهجه وبيناته ودلائله.
* من أوجه الإعجاز العلمى للقرآن الكريم:
١ - فى آيات السماء:
يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (١٧).
تشير هذه الآية القرآنية الكريمة إلى بعض الظواهر الكونية التى أخبر بها الله- لتدل على كمال قدرته وبالغ حكمته، ومنها أنه خلق السموات مرتفعات بغير عمد، أى دعائم، يمكن رؤيتها بالبصر، وقد جاء فى تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد والحسن أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى. ولو قيل (بغير عمد) فحسب لكان ذلك نفيا مطلقا للعمد، مرئية وغير مرئية. والنفى المطلق يخالف الواقع الذى أودع الله تعالى فيه سننه ونواميسه وآياته التى وعد- سبحانه- بإظهارها مستقبلا على أيدى من يشاء من عباده، وبهذا يكون المعنى العام أن الله- خلق السموات ورفعها وربط بين أجزائها وحفظ اتزانها فى مواقعها التى قدّرها لها من غير دعائم مرئية، لأن هذه الدعائم من شأنها وطبيعتها التى أوجدها الله عليها أنها لا ترى أصلا.
ويمكن تصور هذه الدعائم غير المرئية- من منظور العلم الحديث- بأنها من نوع القوى المجالية التى تعمل وفق قانون محدد من أجل حفظ الاتزان الكونى والإمساك بالأجرام السماوية فى أفلاكها ومنعها من الانفراط فى الفضاء أو الوقوع على بعضها البعض. ذلك أن الأجرام السماوية تتحرك تحت تأثير قوى جاذبة للربط بينها، وقوى رافعة لحفظها من السقوط.
وحيث إن قوى التجاذب الرابطة من شأنها أن تقرب وتجمع بين الأجرام، فى حين تعمل طاقة حركتها (المكتسبة من القوى الرافعة) على انطلاقها بعيدا عن أعماق الفضاء طبقا لخصائص تأثير القوى فى الأجسام، فإن تقرير حفظ هذه الأجرام من السقوط على بعضها البعض واستمرار دورانها فى أفلاك ثابتة يستلزم بالضرورة العقلية أن يكون تأثير قوى التجاذب مساويا ومضادا (أى معادلا) لتأثير طاقة الحركة، وتصير الأجرام بذلك
стр. 687
على أبعاد ثابتة فى مجموعاتها التى تنتمى إليها، أى أن الله- قد عادل وساوى بين تأثير قوى التجاذب الرابطة للأجرام السماوية وتأثير حركاتها المكتسبة من قوى الخلق والرفع، فحفظها ذلك من السقوط بتأثير القوى الرافعة، كما حفظها من التفرق بتأثير القوى الرابطة، وهكذا انتظمت مكونات الكون الهائل فى نظام بديع يحكم حركتها، ويمنع تصادمها رغم كثرتها، ويحفظ اتزانها واستقرارها فى أفلاكها إلى ما شاء الله. قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (١٨).
ويؤكد القرآن الكريم فى آيات أخرى هذه الحقيقة الكونية وارتباط الاتزان الكونى بإرادته ومشيئته المطلقة، فيقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (١٩) ويقول جل وعلا:
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠).
ولم يتوصل العلم إلى إظهار هذه الحقيقة الكونية عن اتزان الأجرام السماوية إلا بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من ألف عام، وذلك عند ما اكتشف العالم الإنجليزى «إسحاق نيوتن» فى عام ١٦٦٧ م قانون الجذب الكونى بين جميع الكتل المادية لتفسير حركة الكواكب حول الشمس، وحركة الأقمار حول الكواكب، ثم أثبتت التجارب العملية صحة هذا القانون فى عالم القياسات العادية. وقام على أساسه الكثير من الكشوف والاختراعات التى أفادت منها البشرية فى مختلف المجالات، وخاصة فى مجال تطوير أبحاث الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية التى تدور حول الأرض فى مدارات مختلفة بحسب الأغراض التى صنعت من أجلها.
ويخبرنا الحق- بأن نهاية العالم عند ما تحين الساعة ستكون بإيقاف هذه السنن والنواميس والقوانين التى اهتدى الإنسان إلى معرفة بعضها. من ذلك مثلا: أن تعطيل قوانين الحركة والجاذبية بأمر من الله من شأنه أن يحدث انشقاقا واختلالا فى توازن النظام الكونى يتبعه اضطراب فى حركة الأجرام السماوية بعد انقطاع خيط الجاذبية الكونية الذى كان يربط بينها.
ولا يمكن للعلم البشرى أن يحيط بحقائق هذا اليوم العصيب، ولا يملك أن يزيد شيئا إلا من خلال ما توحى به النصوص القرآنية فى ضوء ما يتوصل إليه العلماء من حقائق.
علمية، فمن المقبول عقلا أن يؤدى انفراط عقد الأجرام السماوية إلى تناثرها وتصادمها
стр. 688
مصداقا لقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢١). كذلك من المقبول عقلا أن يؤدى الاضطراب فى نظام الكون إلى حدوث زلزال شديد وارتجاج هائل تنهار معه كل الجبال وتتبدد صلابتها، كما تدك معه الأرض وتخرج ما فى باطنها من أثقال، مصداقا لقوله تعالى: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٢٢).
وقوله تعالى: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (٢٣). وقوله سبحانه:
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥). (٢٤).
ويؤكد القرآن الكريم فى مواضع كثيرة على أن هذا الكون بمجراته ونجومه وكواكبه وأقماره، زمامه فى يد خالقه، ونواميس الحركة والحياة فيه من تدبير هذا الخالق الواحد الذى يقول للشيء كن فيكون. كذلك يؤكد كتاب الإسلام أن القيامة سوف تحدث بغتة بإذن الله، وأن حضارة الإنسان على الأرض سوف تذهب بها رجفة من رجفات الاضطراب الكونى يوم الدمار الأكبر لكل شىء إلا ما شاء الله. قال تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٥).
ومن العجب ألا يؤمن الكفار بالآخرة، ويعتقدون فقط فى الحياة الدنيا دون بعث، إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٦)، وكأن الحياة فى نظرهم مجرد أرحام تدفع وأرض تبلع ولا خلود ولا جزاء. لكن هذا الاعتقاد يتنافى مع حقيقة العالم الآخر الراسخة فى الضمير البشرى لأنها ترضى الجانب النفسى والأخلاقى للإنسان، ومن هنا فإن دعوة الإسلام إلى الإيمان بحقيقة الآخرة تحقق الاتزان النفسى للإنسان، فى مقابل إيمانه بحتمية الموت فى الدنيا. قال تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٢٧).
٢ - فى آيات الأرض:
وردت كلمة «الأرض فى القرآن الكريم فى مواضع عديدة لتدل على الكوكب الأرضى بمجمله، كما فى قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٨)، أو تدل على ذلك الغلاف
стр. 689
الصخرى من القشرة الأرضية التى نعيش عليها، كما فى قوله تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٢٩)، أو تدل على خاصية مميزة فى الأرض تستحق التأمل والتفكر لأهميتها فى حياة الإنسان، وباعتبارها من دلائل القدرة الإلهية على الخلق والإبداع، كما فى قوله تعالى:
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (٣٠).
و «الصدع Fault « فى اللغة العربية يعنى الشق، وكمصطلح علمى يطلق على أى كسر فى الأرض تتحرك على مستواه من الجانبين كتل الصخور، وهو ينشأ من تصدّع (أى تكسّر أو تشقق) الصخور بقوة الضغط أو الشد.
ويرى العلماء المفسرون أن آية وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ توضح صفة هامة لقشرة الأرض وطبيعتها التى يتوقف عليها كثير من التغيرات التى تطرأ على سطحها، وهى قابليتها للتشقق والتصدع. ويقسم الحق ﵎ بهذه الصفة للأرض لبيان أهميتها والحث على معرفة حكمتها.
فهم الأولون من هذا الوصف القرآنى للأرض بأنها ذاتِ الصَّدْعِ معنى انصداعها (أى انشقاقها) بعد ارتوائها بالمطر ليخرج منها مختلف صور النبات وما تحمله تلك النباتات من خيرات وثمار لولاها لم تستقم الحياة على الأرض. كما أن الأرض أيضا ذات الصدوع التى ساعدت على وجود منافذ فى القشرة الأرضية لخروج المياه الجوفية والغاز الطبيعى والبترول إلى سطحها. كذلك تعتبر الشقوق (أو الصدوع الأخرى) فى وجه الأرض الرقيق وسيلة من وسائل تهوية التربة وتجديد خصوبتها.
ويلقى علم الجيولوجيا الحديث بعض الضوء على أسرار القسم الإلهى بالأرض ذات الصدع، فيكتشف العلماء فى أواخر الستينات من القرن العشرين أن الغلاف الصخرى للقشرة الأرضية ممزق بشبكة من الصدوع الطولية والعرضية الممتدة لمئات الآلاف من الكيلومترات، مقسمة على ١٢ (اثنى عشر) لوحا كبيرا وعدد من الألواح أو الصفائح Plates الصغيرة، وأن تلك الصدوع تنتشر أكثر ما تنتشر فى قيعان البحار والمحيطات، وأنها توجد أيضا فى القارات بنسبة أقل، ويزيد عمقها عن ١٠٠ كيلومتر (وهو متوسط سمك الغلاف الصخرى للأرض).
وقد ثبت بالملاحظة المباشرة وغير المباشرة أن تلك الكتل الصخرية الضخمة، التى تعرف باسم «ألواح الغلاف الصخرى»، تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة يسمى «نطاق الوهن (الضعف) الأرضى»، وتتميز مادته بكثافة أعلى من كثافة الألواح
стр. 690
الطافية فوقها، وبحالة واضحة من المرونة واللدونة تجعل الألواح تنزلق فوقها بسهولة ويسر نتيجة لدوران الأرض حول محورها أمام الشمس. ويصبح سطح الأرض فى هذه الحالة بالنسبة للإنسان أشبه بالفراش المريح أو المهاد الممتد اللذين هيأهما الله تعالى لتسهيل الحياة، وامتنّ بهما على عباده فى قوله تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٣١).
كذلك أثبتت أبحاث العلماء أن مراكز كل من الهزات الزلزالية والفورانات البركانية تحتشد حول الصدوع الفاصلة بين ألواح الغلاف الصخرى للأرض، حيث يحدث اللقاء بين هذه الألواح (الصفائح) على امتداد حوافها أو أطرافها، أو يحدث التباعد عن بعضها البعض، أو يحدث أن يتحرك أحد الألواح بمحاذاة الآخر جنبا إلى جنب بدون تقابل أو تباعد. وفى ضوء هذه الحركات يمكن الربط بين السلوك الداخلى للأرض وبين كل العمليات الأساسية التى تشاهد على سطحها وتغيّره منه بصورة مستمرة. مثال ذلك ما أثبته العلماء عند خطوط التباعد بين ألواح القشرة الأرضية، حيث تتسع قيعان البحار والمحيطات، وتندفع الصهارة الأرضية من نطاق الوهن (الضعف) الأرضى لتملأ الحيز الناشئ عن تباعد تلك الألواح، مكونة شريحة من صخور بازلتية جديدة تضاف لقاع المحيط الذى يواصل عملية الاتساع، ثم تنشق هذه الشريحة البازلتية فى منتصفها من جديد بفعل عملية التصدع المستمرة فى قشرة الأرض، ويندفع نصفاها متباعدين عن بعضهما البعض ليمتلئ الحيز الناشئ بينهما بصهارة بازلتية جديدة، تيبس لتتصدع فى وسطها من جديد، وتتكرر العملية بمعدلات بطيئة ولكنها تؤدى فى النهاية إلى استمرار اتساع قيعان البحار والمحيطات لأقصى مدى ممكن، ثم تتوقف عملية الاتساع وتعود البحار والمحيطات إلى الانغلاق بعملية معاكسة حتى تتلاشى تماما من فوق سطح الكرة الأرضية، كذلك تعمل صدوع الأرض على إثراء الغلاف الصخرى بمختلف العناصر والمركبات على هيئة العديد من المعادن والركازات التى تندفع من الحمم البركانية الصاعدة إلى سطح الأرض عبر تلك الصدوع التى لولاها ما استقامت حياة الأحياء.
فتبارك الحكيم العليم الذى خلق الأرض ذات الصدع، وجعل من صدوعها مقوما أساسيا من مقومات الحياة واستمرارها على سطحها.
٣ - فى آيات الجبال:
من أوجه الإعجاز العلمى للقرآن الكريم فى آيات الجبال ما يتعلق بنشأتها وتكوينها
стр. 691
وسبب اختلاف ألوانها الذى يعود إلى اختلاف المواد التى تكوّن صخورها. فالجبال البيضاء تتكون أساسا من الطباشير والحجر الجيرى، والجبال السوداء يكثر فيها المنجنيز والفحم، والجبال الحمراء غنية بالحديد، وغير ذلك من الجبال النارية تتكون من الجرانيت والبازلت، وتحتوى على عروق الحديد والنحاس والذهب ومعادن أخرى تؤدى إلى تعدد ألوان الجبال وأنواعها. ومن دلائل القدرة الإلهية هنا أن التباين فى أحوال الجبال وألوانها وأنواعها، رغم أنها ترجع أصلا إلى أرض واحدة كانت تكوّن مع الشمس والسموات رتقا واحدا، يشير إلى الله الواحد القهار الذى أوجد هذا التباين أيضا فى الناس والدواب والثمار، وحث العلماء على اكتشاف الحكمة من ورائه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٣٢).
من ناحية أخرى، ورد تشبيه الجبال بالأوتاد فى قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٣٣)، وفى هذا إعجاز علمى رائع، فالجبال فيما يتبادر إلى الذهن تشبه الأوتاد من ناحية البروز عن سطح الأرض ومن ناحية الرسوخ فيها. ولقد كشف العلم حديثا أن للجبال جذورا تمتد إلى الأغوار العميقة إلى عمق يصل إلى حوالى ٧٥ كيلومترا. وغرس الجبال على هذا النحو فى الطبقة اللزجة التى تحت طبقة الصخور هو الذى يساعد على تثبيت القارات ويمنعها أن تطوف أثناء دوران الأرض، فهذه الأوتاد المغروسة فى الطبقة اللزجة التى تحت القارات تعمل على تثبيت القارات كما يثبّت الوتد الخيمة إذا غرس فى تراب الأرض.
كذلك يعمل بروز الجبال على استقرار سطح الأرض، حيث تبرز قشرة الأرض فى موضع ما فتصبح جبالا نتيجة ضغوط أثرت على أطراف طبقات أفقية من الصخور، ثم تستقر القشرة الأرضية على هذا الوضع.
وثمّة نقطة علمية أخرى هى أن أول ما برد من الأرض أثناء تكوينها هى قشرتها الخارجية فتجمدت وظل باطنها ساخنا على هيئة سائل وغاز، وأثناء برودة القشرة تغضنت، فما ارتفع من أجزائها كوّن الجبال والهضاب، وما انخفض كوّن السهول والوديان وقيعان المحيطات. فلولا بروز الجبال لتشققت القشرة وظهرت بها فجوات وفتحات كثيرة، ولثارت البراكين واضطربت الأرض
стр. 692
اضطرابا عظيما وزلزلت زلزالا شديدا، فكأن الجبال حافظة لما تحتها مانعة له من الاضطرابات والزلازل والثوران، وفى هذا المعنى يقول الله تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣٤).
ولقد فطن بعض العلماء المفسرين إلى الإيحاءات العلمية لكلمة «رواسى» التى أخبر بها القرآن الكريم فى مواضع كثيرة باعتبارها وصفا للجبال، وعلاقتها باتزان الأرض أثناء حركتها. فالواقع العلمى يشهد بأن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، ومن المعروف أن أيّ جسم يدور فى حركة مغزلية حول محوره لا يميد ولا يضطرب إلا إذا كان هناك تماثل فى الكتلة حول محور الدوران، وحيث أن الأرض لا تميد بنا أثناء دورانها، بدليل عدم شعورنا بهذا الدوران، فإنه لا بدّ أن تكون الجبال الرواسى من أهم عوامل اتزان الأرض وتماثل كتلتها على جانبى محور الدوران.
ولنتأمل كذلك ما تدل عليه كلمة «رواسى» من مقارنة تقتضى أن يكون جوف الأرض سائلا، وأن تستقر الجبال عليه مثلما تستقر السفينة الراسية على ماء البحر. وسيولة جوف الأرض حقيقة علمية تظهر فى ما نشاهده فى بعض البراكين عند ثورانها من قذفها بالحمم والصخر المنصهر. كما أن هناك حقيقة علمية أخرى تقابل المعروف من أن متوسط كثافة السفينة (أى وزنها مقسوما على حجمها) هو أقل من كثافة ماء البحر أو النهر، وإلا لما طفت عليه ولغرقت فيه. وأثبت علماء الجيولوجيا أن الجبال لها جذور منغمسة فى منصهر سائل مادته أكثف من مادتها، فبطن الأرض السائل أكثف حتى من مادتها، فبطن الأرض السائل أكثف حتى من جبالها، حيث يبلغ متوسط كثافة مادة الجبال نحو ٦، ٢ جم/ سم ٣، بينما يبلغ متوسط كثافة مادة الأرض نحو ٥، ٥ جم/ سم ٣.
فما أعظم التوافق بين حقائق العلم والقرآن، وما أروع أن نهتدى بهما معا لتعميق إيماننا بالله- على هدى وبصيرة.
٤ - فى آيات البحار:
قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٣٥).
يمدنا العلم الحديث ببعض الحقائق التى تلقى مزيدا من الضوء على معانى هذه الآية الكريمة من سورة النور، فيخبرنا علماء
стр. 693
البحار بأن درجة الحرارة فى الأعماق التى تزيد على الألف متر تتراوح بين ١ - ٢ درجة مئوية، أى أعلى بدرجة أو درجتين فقط من درجة الصفر المئوى التى يتجمد عندها الماء العذب. ويلاحظ أن ماء البحر- على خلاف الماء العذب- لا يتجمد عند درجة الصفر المئوى، بل عند درجة أدنى بكثير من ذلك، لأن الأملاح الذائبة فى الماء تزيد من كثافته وتمنعه من التجمد عند درجة الصفر. وتتميز البيئة البحرية على هذه الأعماق البعيدة بأنها لا تعرف تقلبات الفصول من صيف وخريف وشتاء وربيع، مثلما هى لا تعرف ضوء النهار ولا تصلها أشعة الشمس، فضلا عن أنها بيئة باردة فى برودة الثلج، لا تتأثر بموقعها من خطوط العرض المختلفة بين القطبين وخط الاستواء، ومن ثمّ فهى بيئة متجانسة الخصائص إلى حد كبير.
وفى أوائل القرن العشرين تمكن العلماء من اكتشاف نوع من الأمواج الداخلية العملاقة، غير الأمواج السطحية التى نراها واضحة أمامنا على الشاطئ وتؤثر مباشرة على هدوء السطح أو اضطرابه. وقد دعمت أبحاث الأقمار الصناعية هذا الاكتشاف باستخدام تقنية «الاستشعار عن بعد» سنة ١٩٧٣ م. وأمكن بالفعل تصوير أمواج البحر الداخلية والتأكد من وجودها عمليا عند السطح البينى الذى يفصل بين الطبقة الكثيفة السفلى فى البحر والطبقة العليا الأقل كثافة، ويعزى اختلاف كثافة كل من الطبقتين إلى اختلافهما فى درجة الحرارة ودرجة الملوحة.
وهناك عدة عوامل تسبب اندفاع الماء فى أمواج داخلية بالبحر أهمها:
تغير الضغط الجوى، وحركة المد والجزر، واختلاف شدة الرياح من مكان لآخر. ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع من الأمواج الداخلية يسود فى البحار والمحيطات العميقة، مثل المحيط الهادى الذى يعتبر أكثر محيطات العالم عمقا، وفيه أخدود «المارياناز» الذى يبلغ عمقه نحو أحد عشر كيلومترا. وهنا نتأمل دقة التعبير القرآنى الذى تحدث عن وجود هذه الظاهرة فى «بحر لجى» أى عميق كثير الماء كالمحيط الهادى وليس أى بحر.
من ناحية أخرى، نعرف أن مناطق البحار والمحيطات العميقة يخيم عليها دائما سحب كثيفة معتمة بسبب عمليات التبخير المستمر، ومن يتتبع مسار الأشعة الضوئية القادمة من الشمس فى هذه المناطق يجد أن جزءا كبيرا منها يتم انعكاسه أو امتصاصه بواسطة السحاب، ثم ينعكس جزء آخر بواسطة
стр. 694
موجات البحر السطحية التى تعمل بسبب ميلها كأنها مرايا عاكسة، ويتم امتصاص الجزء الباقى من الأشعة الضوئية بواسطة طبقات مياه البحر الداخلية على أبعاد معينة تحت السطح، حيث يبدأ امتصاص ألوان الطيف المرئى تباعا حسب أطوالها الموجية، فتمتص الأشعة الحمراء ذات الموجات الطويلة قريبا من سطح البحر لعدم قدرتها على اختراق الماء إلى أعماق كبيرة، وفى أغلب الأحيان يتم امتصاص الأشعة الحمراء فى العشرين مترا الأولى تحت سطح البحر، ويحدث عندئذ ما يمكن أن نسميه «إظلام اللون الأحمر»، ونعنى به انعدام رؤية الأجسام الحمراء. فلو كان هناك غواص يسبح على عمق حوالى ٢٠ مترا فإنه لا يرى الدم الذى ينزف من جرح فى يده مثلا.
ويتوالى بعد ذلك امتصاص باقى ألوان الطيف المرئى: البرتقالى، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلى، البنفسجى، وتتكون ظلمات الألوان بعضها فوق بعض، ويتلاشى أثر الضوء بعد ذلك، بحيث يخيم الظلام الدامس فى المناطق اللجية (أى العميقة) من البحر أو المحيط، ولا يستطيب العيش هناك إلا لكائنات حية عمياء لا حاجة لها إلى عيون
الإبصار، مثل حيوان الإسفنج وبعض أنواع الأسماك.
ولقد أمكن التأكد عمليا من هذه الحقائق العلمية عام ١٩٣٤ م بعد أن تمكن عالمان أمريكيان من تصميم كرة معدنية تتحمل ضغوطا عالية، بها نافذة من البلور السميك محكمة القفل، ليهبط بها إلى قاع البحر على أغوار بعيدة، وليدرسا طبيعة الأحياء الموجودة هناك بالقرب من جزيرة برمودا فى المحيط الأطلسى، حيث لاحظا اختفاء الضوء الأحمر عند عمق نحو ١٨ مترا، والأصفر على عمق ١٠٠ متر، وتلاشى الجزء الأخضر والأزرق من الطيف عند عمق ٢٤٠ مترا، ثم غاصا فى ظلام دامس بين عمق ٥٢٠ إلى ٥٨٠ مترا.
إن هذه الحقائق العلمية القطعية تؤكد أن معجزة القرآن الخالدة تتجدد مع تقدم العلم، فمن الثابت أن رسول الله ﷺ لم يغادر الجزيرة العربية ولم يسافر قط عبر تلك المحيطات العميقة حيث يذكر مثل هذا الوصف العلمى الدقيق لظلمات بعضها فوق بعض، أو يرى ما تم اكتشافه حديثا من أمواج داخلية عملاقة، من فوقها أمواج سطحية من فوقها سحاب.
٥ - فى عالم النبات:
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ
стр. 695
طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٦).
تنبه هذه الآية الكريمة إلى دلائل القدرة الإلهية فى عالم النبات الذى يزخر بالكثير من الآيات الناطقة بعظمة الخالق وجلاله. ذلك أن النباتات جميعها تتغذى وتنمو فى وجود الماء والضوء والكربون والأكسجين والهيدروجين والنيتروجين والفوسفور والكبريت والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم والحديد .. ومع أن الغذاء بهذه المواد والعناصر واحد إلا أن الأرض ينبت فيها التفاح الحلو والحنظل المر والقطن الناعم والصبار الشائك والقمح والشعير والبرتقال والليمون والنخيل والعنب والزيتون والرمان ..
تربة أرضية واحدة وعناصر غذائية واحدة وماء واحد وبذور متناهية فى الصغر تنبت آلاف الأنواع من النبات والثمار .. وتتعدد الأشكال والألوان والروائح والطعوم.
وقد ربطت الآية الكريمة بين الماء والإنبات، والماء شرط ضرورى وأساسى لعملية الإنبات، وقد تظل البذرة أو الحبة فى التربة سنوات عدة، لا تنبت ولا تتحرك إلى أن ينزل عليها الماء، فتبدأ عملية الإنبات العجيبة التى قد يجريها طفل عند ما يضع البذور فوق قطعة مبللة بالماء، وهو لا يدرى أنه يهيئ الظروف لعملية إنبات بالغة التعقيد.
إن من ينظر إلى شجرة التوت الضخمة، أو شجرة الكافور العملاقة، أو شجرة الجميز المعمرة، يجد أن بذورها الصغيرة التى لا تتجاوز الواحدة منها حجم رأس الدبوس غنية بالعمليات والمعلومات التى يعجز عن حملها أدق الحاسبات العملاقة، فقد أودع الله فى هذه البذور الدقيقة شروط إنباتها، ومواقيت خروج جذيرها ومراحل انقسامه واتجاه نموه، بالإضافة إلى نوع الغذاء المطلوب تركيبه ومتطلباته ويكمن فيها شكل الأوراق وألوانها وحجم الشجرة وتشريحها الداخلى ووظيفة كل عضو فيها، ومتى تزهر وتثمر .. وغير ذلك من بلايين البلايين من العمليات.
وأعجب ما توصل إليه العلم الحديث فى هذا المجال ملاحظة امتداد الجذر على استقامة الساق عند ما وضعت عدة أصناف من أنواع الحبوب والبذور المختلفة فى سفن الفضاء لدراستها فى منطقة انعدام الوزن، حيث لا أرض تجذب الجذر ولا شمس يتجه نحوها الساق.
وإذا توقفنا قليلا عند بعض ما جاء فى القرآن الكريم عن أشجار النخيل وثمارها- على سبيل المثال- نجد أن العلم قد كشف
стр. 696
عن الكثير من الفوائد والحقائق التى أشار إليها الخطاب القرآنى بألطف العبارات، ومنها قوله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً (٣٧).
وفى هذه الآيات الكريمة إشارة واضحة إلى أهمية بلح الرطب فى عملية الولادة. ذلك أن احتواء التمر على نسبة عالية من المواد السكرية يعطى طاقة عالية للمرأة الحامل والمرضع، ويعوض ما أصابها من ضعف أثناء الوضع ويعيد لها نشاطها، كما أن التمر يعوض نقص المعادن والفيتامينات، علاوة على ما ثبت طبيا من فائدته فى إدرار لبن المرضع.
ومعظم السكريات التى فى التمر من نوع سكر الفاكهة (فركتوز) وسكر العنب (جلوكوز)، وهى سكريات بسيطة سهلة الهضم والامتصاص والاحتراق لإمداد الجسم بالطاقة إثر تناولها بفترة قصيرة، فإن أخذتها المرأة أثناء المخاض كان ذلك من أحسن الأغذية لها، حيث إن عضلة الرحم من أضخم عضلات الجسم وتقوم بمجهود شاق أثناء الولادة التى تستهلك كمية كبيرة من الطاقة وتتطلب تعويضها بكميات جيدة ونوعية خاصة من السكريات سهلة الهضم سريعة الامتصاص والتمثل، كتلك التى فى الرطب.
كما أن الرطب من المواد الملينة المنظفة للأمعاء، وذلك مما يساعد على الولادة لأن الأمعاء الغليظة والمستقيم الممتلئ بالنفايات، يعيق حركة الرحم وانقباضه. ومن المعروف طبيا أن الملينات النباتية تفيد فى تسهيل وتأمين عملية الولادة بتنظيفها للأمعاء الغليظة على وجه الخصوص، ولذا يحرص أطباء النساء والولادة على إعطاء الحامل عند بداية المخاض حقنة شرجية لتنظيف المستقيم والأمعاء الغليظة.
وتحتاج الحامل فى حالة المخاض أيضا إلى السوائل، وذلك لأن شرب الماء يعتبر مذيبا للمواد الغذائية. ويحرص أطباء التوليد على أن يقدموا للحامل وهى بحالة المخاض الماء والسكر بشكل سوائل سكرية، ومن هنا فإن أكل الرطب وشرب الماء لإذابة المواد الموجودة فيه وتسهيل امتصاصها، فضلا عن أن مجهودا شاقا مثل الولادة يتطلب سوائل، كل هذا، خير معين للمرأة أثناء المخاض والوضع، مما يوضح إحدى صور الإعجاز العلمى الرائع فى قوله تعالى: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً، خاصة وأن أبحاث العلماء قد
стр. 697
أوضحت أن البلح يضفى السكينة والهدوء على النفوس المضطربة والقلقة، ويساعد على الحيوية والانتعاش.
٦ - فى عالم الحيوان:
قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨).
تنبه هذه الآية الكريمة إلى دلائل القدرة الإلهية فى عالم الأحياء، ويوافقها ما أكدته بحوث العلماء الذين يدرسون كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية لكل حيوان يسعى فى الأرض أو يطير فى السماء، من أن الكائنات الحية شعوب وقبائل وأمم تربطها صلات وعلاقات وثيقة، فهى لا تختلف فى أسلوب حياتها ونشاطها عن أمم البشر الذين لا يعمرون الأرض إلا بقدر ما يميزها عن باقى الأنواع. وقد أصبح من المعروف حاليا أنه يوجد حوالى مليون نوع من الحيوانات المختلفة التى توصل العلم إلى معرفتها، ولا شك أن هذا العدد الضخم من الحيوانات يحتاج فى دراسته العلمية إلى ترتيب وتبويب.
لذلك نشأ علم خاص بهذه الموضوعات أطلق عليه اسم «علم تصنيف الحيوان». واجتهد علماء الأحياء والتشريح فى وضع المؤلفات التى تبين نتائج أبحاثهم فيما يتعلق بشعب الحيوانات وما يتفرع منها من طوائف ورتب وفصائل وأجناس وأنواع، مما لا يدع مجالا للشك فى أنها أمم مثل أمم البشر، سواء فى حالات السلم والحرب، أو فى السعى لطلب الغذاء، أو فى رعاية الصغار والضعفاء، أو ما تلجأ إليه من حيل للتغلب على ما يواجهها من مصاعب وأخطار، أو فى انقيادها لما هيأه لها الخالق العظيم العليم من طبيعة تتلاءم مع تكوينها وبيئتها.
وإذا اخترنا الإبل- على سبيل المثال- من بين الحيوانات التى ورد ذكرها فى القرآن الكريم، نجد أن الله- يحثنا حثا رقيقا، يقع عند المؤمنين موقع الأمر، على التفكر والتأمل فى خلقها، باعتباره خلقا دالّا على عظمة الخالق، وكمال قدرته، وحسن تدبيره، وذلك فى قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (٣٩).
وأول ما يلفت الأنظار فى الإبل خصائص البنيان والشكل الخارجى الذى لا يخلو تكوينه من لطائف تأخذ بالألباب. فالعينان محاطتان بطبقتين من الأهداب الطوال تقيانهما القذى والرمال. أما الأذنان فصغيرتان قليلتا البروز.
стр. 698
فضلا عن أن الشعر يكتنفهما من كل جانب ليقيهما الرمال التى تذروها الرياح، ولهما القدرة على الانثناء خلفا والالتصاق بالرأس إذا ما هبّت العواصف الرملية. كذلك المنخران يتخذان شكل شقين ضيقين محاطين بالشعر وحافتهما لحمية فيستطيع الجمل أن يغلقهما دون ما قد تحمله الرياح إلى رئتيه من دقائق الرمال.
أما قوائم الجمل فهى طويلة لترفع جسمه عن كثير مما يثور تحته من غبار كما أنها تساعده على اتساع الخطوة وخفة الحركة، وتتحصن أقدام الجمل بخف يغلفه جلد قوى غليظ يضم وسادة عريضة لينة تتسع عند ما يدوس الجمل بها فوق الأرض، ومن ثمّ يستطيع السير فوق أكثر الرمال نعومة، وهو ما يصعب على أية دابة سواه ويجعله جديرا بلقب «سفينة الصحراء». ومما يناسب ارتفاع قوائم الجمل طول عنقه، حتى يستطيع أن يتناول طعامه من نبات الأرض، كما أنه يستطيع السير فوق أكثر الرمال نعومة، وهو ما يصعب على أية دابة سواه ويجعله جديرا بلقب «سفينة الصحراء». ومما يناسب ارتفاع قوائم الجمل طول عنقه، حتى يستطيع أن يتناول طعامه من نبات الأرض، كما أنه يستطيع قضم أوراق الأشجار المرتفعة حين يصادفها، هذا فضلا عن أن هذا العنق الطويل يزيد الرأس ارتفاعا عن الأقدام ويساعد الجمل على النهوض بالأثقال.
وحين يبرك الجمل للراحة أو يناخ ليعدّ للرحيل يعتمد جسمه الثقيل على وسائد من جلد قوى سميك على مفاصل أرجله، ويرتكز بمعظم ثقله على كلكله، حتى أنه لو جثم به فوق إنسان أو حيوان طحنه طحنا. وهذه الوسائد إحدى معجزات الخالق التى أنعم بها على هذا الحيوان العجيب، حيث إنها تهيئه لأن يبرك فوق الرمال الخشنة الشديدة الحرارة التى كثيرا ما لا يجد الجمل سواها مفترشا له فلا يبالى بها ولا يصيبه منها أذى. والجمل الوليد يخرج من بطن أمه مزود بهذه الوسائد المتغلظة، فهى شىء ثابت موروث وليست من قبيل ما يظهر بأقدام الناس من الحفاء أو لبس الأحذية الضيقة.
ومن خصائص الإبل الوظيفية الصبر على الجوع والعطش. وحقيقة الأمر، كما تؤكدها أبحاث العلم الحديث، هو أن الجمل يقتصد فى استخدام ما عنده من ماء وغذاء غاية الاقتصاد بأساليب معجزة، منها أن الجمل لا يتنفس من فمه ولا يلهث أبدا مهما اشتد الحر أو استبد به العطش، وهو بذلك يتجنب بخر الماء من هذا السبيل. كذلك يمتاز الجمل بأنه لا يفرز إلا مقدارا ضئيلا من العرق عند الضرورة القصوى بفضل قدرة جسمه على التكيف مع المعيشة فى ظروف الصحراء.
ويضيف علماء الأحياء ووظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) سببا جديدا يفسر قدرة الإبل على تحمل الجوع والعطش عن طريق إنتاج الماء الذى يحتاجه من الشحوم الموجودة فى
стр. 699
سنامه (أو سناميه) بطريقة كيميائية يعجز الإنسان عن مضاهاتها. ومن حكمة خلق الله فى الإبل أن جعل احتياطى الدهون فيها كبيرا للغاية يفوق أى حيوان آخر. ولهذا يستطيع الجمل أن يقضى حوالى شهر ونصف بدون ماء يشربه.
وهناك أسرار أخرى عديدة فى خلق الإبل لم يتوصل العلم بعد إلى معرفة حكمتها، وخاصة ما يتعلق بألبانها، من حيث تركيبها وفوائدها كغذاء ودواء.
٧ - فى عالم الحشرات:
النحل من بين الحشرات التى ورد ذكرها فى القرآن الكريم وسميت إحدى سوره بسورة النحل، وفيها يقول تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٠).
وهنا يلخص القرآن الكريم تاريخ حياة النحل فى كلمات معدودات فيها جوامع الكلم.
فقد اتخذ النحل بوحى من الله بيوتا من الجبال فى بادئ الأمر، ثم انحدر منها إلى الأشجار، ثم تطور إلى المعيشة فى الخلايا التى يصنعها على نحو ما نعرفها اليوم. وإن بعض العلماء الذين كرّسوا جهودهم لدراسة حياة الحشرات وقفوا على حقائق عجيبة وافقت صحة ما جاء فى القرآن الكريم، منها أن هناك فصائل برية من النحل تسكن الجبال، وتتخذ من مغاراتها مأوى لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار سكنا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة فى جذوع الأشجار وتتخذ منها بيوتا تأوى إليها. ولما سخر الله النحل لمنفعة الإنسان أمكن استئناسه فى حاويات من الطين أو الخشب.
وتدل الدراسات العلمية المستفيضة لمملكة النحل أن إلهام الله- لها يجعلها تطير لارتشاف رحيق الأزهار، فتبعد عن خليتها آلاف الأمتار، ثم ترجع إليها ثانية دون أن تخطئها وتدخل خلية أخرى غيرها، علما بأن الخلايا فى المناحل تكون متشابهة ومرصوصة بعضها إلى جوار بعض، وذلك لأن الله- قد ذلل لها الطرق وسهلها، ومنحها من قدرات التكيف الوظيفى والسلوك ما يعينها فى رحلات استكشاف الغذاء وجنيه ثم العودة بعد ذلك إلى البيت.
وفى رحلة الاستكشاف لجمع الغذاء الطيب تستعين النحلة العاملة بحواسها التى منحها الله إياها، فهى مزودة بحاسة شم قوية عن طريق قرنى استشعار فى مقدم
стр. 700
رأسها، كما أنها تتمتع بحاسة إبصار جيدة تميز البياض والسواد وبعض الألوان وعلى الأخص اللونين الأزرق والأصفر، وهى تمتاز على العين البشرية فى إحساسها بالأشعة فوق البنفسجية، ولذا فهى ترى ما لا تراه عيوننا مثل بعض المسالك والنقوش التى ترشد وتقود إلى مختزن الرحيق ولا يمكننا الكشف عنها إلا بتصويرها بالأشعة فوق البنفسجية. ثم إذا حطّت النحلة على زهرة يانعة وبلعت رحيقها استطاعت أن تتذوقه وتحدد بحكم فطرتها مقدار حلاوته.
وفى رحلة العودة تهتدى النحلة إلى مسكنها بحاستى النظر والشمّ معا. أما حاسة الشم فتتعرف على الرائحة الخاصة المميزة للخلية. وأما حاسة الإبصار فتساعد على تذكر معالم رحلة الاستكشاف، إذ يلاحظ أن النحلة عند ما تغادر البيت تستدير إليه وتقف أو تحلق أمامه فترة وكأنها تتفحصه وتتمعنه حتى ينطبع فى ذاكرتها، ثم هى بعد ذلك تطير من حوله فى دوائر تأخذ فى الاتساع شيئا فشيئا، وعند ما تعود إلى البيت تخبر عشيرتها بتفاصيل رحلتها، وتدل زميلاتها على مكان الغذاء فينطلقن تباعا لجنى الرحيق من الزهور والإكثار منه لادخار ما يفيض عن الحاجة العاجلة لوقت الشتاء ببرده القارس وغذائه الشحيح.
وقد أوضحت أبحاث العلماء حديثا أن للنحل لغة خاصة يتفاهم بها عن طريق الرقص، وأن للنحلة الشغالة فى جسمها من الأجهزة ما يجعلها تستطيع قياس المسافات والأبعاد والزوايا بين قرص الشمس والخلية، ثم إنها تستخدم لغة سرية للتخاطب عن طريق رقصات خاصة معبرة تنبئ بها أخواتها عن وجود الرحيق الحلو وتحدد لهن موضعه تحديدا دقيقا من حيث زاوية الاتجاه إليه وبعده عن بيتها. فمثلا الرقص الدائرى يعنى وجود مكان غنى بحبوب اللقاح يقع بالقرب من موقع خلية النحل، بينما يعنى الرقص المتعرج الاهتزازى أن مركز الخلية بعيد عن موقع الرحيق.
وتستطيع العشيرة الواحدة من النحل أن تجمع نحو ١٥٠ كيلوجراما من العسل فى الموسم الواحد. والكيلو جرام الواحد من العسل يكلف النحلة ما بين مائة وعشرين ألف إلى مائة وخمسين ألف حمل من الرحيق تجمعها بعد أن تطير مسافة تعادل محيط الكرة الأرضية عدة مرات فى المتوسط.
وتستطيع النحلة أن تطير بسرعة ٦٥ كيلومترا فى الساعة، وهو ما يعادل سرعة القطار. وحتى لو كان الحمل الذى تنوء به يعادل ثلاثة أرباع وزنها فإنها يمكن أن تطير بسرعة ٣٠ كيلومترا فى الساعة.
стр. 701
وقد أثبت العلم أن اختلاف كل من تركيب التربة والمراعى التى يسكنها النحل يؤثر تأثيرا كبيرا فى لون العسل، كما أن العلماء لا يزالون يجدّون فى كشف المزيد من الفوائد الغذائية والعلاجية لعسل النحل بعد أن تأكدت فعاليته فى قتل الجراثيم وزيادة المناعة والتئام الجروح. فتبارك الخالق العليم الذى ألهم النحل لتأكل من كل الثمرات وتسلك سبل ربها، على صغر جرمها، ذللا، لطفا بها فيما هى محتاجة إليه ليهنأ عيشها، ثم تخرج ما فى بطونها من شمع أبيض وعسل مختلف ألوانه فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
٨ - فى عالم الطيور:
قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٤١).
تلفت هذه الآية الكريمة أنظار المؤمنين إلى آيات الإعجاز فى طيران الطيور، وتدعو أصحاب العقول الراجحة إلى تأمل حكمة الخالق- جلت قدرته- فهو الذى خلق جميع
الكائنات الحية والجامدة وأودع فيها خصائصها، وهو الذى خلق قانون الجاذبية بين الأجرام التى يجذب بعضها بعضا، ولكنه، وهو اللطيف الخبير بحاجات خلقه، يسّر الطيور لما خلقت له، فأودع فى أجسامها من آيات الخلق والبناء، ومما فطرها عليه من حسن الأداء، ما يجعلها تتغلب على قانون الجاذبية وتحلق حرة طليقة فى جو السماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ.
وتتحلى الطيور عامة بخصائص مهمة لا بدّ من توفرها فى أية آلة طائرة، مثل خفة الوزن ومتانة البناء وانسياب الجسم ودقة الاتزان.
فهياكل الطيور العظمية خفيفة للغاية، حيث لاحظ علماء البيولوجيا أن بعض الأجزاء قد اختصر والتحم بعض عظامها ببعض، وتحول معظمها إلى أنابيب رقيقة جوفاء، لكنها فى الوقت نفسه متينة ومرنة وقادرة على تحمل القوى المفاجئة التى يتعرض لها الطائر أثناء مناوراته البهلوانية فى الجو. أما رءوس الطيور فقد صغرت وخلت من الأسنان، ومن ثمّ لم تعد بحاجة إلى فكين ثقيلين وعضلات كبيرة لتحريكهما، فجمجمة الحمامة مثلا تزن سدس ما تزنه جمجمة الفأر الكبير، وطائر الفرقاط (أى الطائر البارجة، أو الطائر العملاق) الذى يبلغ طول ما بين طرفى جناحيه المبسوطين أكثر من مترين، لا يزن هيكله العظمى كله أكثر من ١١٣ جراما تقريبا، أى أقل من وزن ريشه. وقد عبّر أحد العلماء عن الإبداع فى بناء جمجمة الطيور بقوله: إنها شعر منظوم فى عظام.
стр. 702
وأما ريش الطيور فيتميز بأنه مكيف بدقة بالغة لترويح الهواء وتخفيف كثافة الجسم وعزله عزلا جيدا عن الجو، فضلا عن مرونته الفائقة التى تمكنه من الالتواء والانثناء لتلبية حاجات الطيران سريعة التغيّر. وأهم ما يميز الريش أن توزيعه يهذب زوايا الجسم البارزة.
وهناك خصائص وظيفية أخرى تتمتع بها الطيور من أهمها ارتفاع معدل العمليات الحيوية فى داخل أجسامها. فهى على سبيل المثال، أقدر من الحيوانات الثديية فى هضم الطعام، وقلبها أقوى وأكبر وأسرع نبضا مع حفظ النسبة، وضغط دمها أقل، ونسبة السكر فيه أكثر، ودرجة حرارتها أعلى، وجهازها التنفسى أكفأ، حيث تتصل الرئتان بمجموعة من الأكياس الهوائية المنتشرة فى أنحاء الجسم، مما ييسر تبريد أجسامها أثناء الطيران، فضلا عن الإسهام فى تخفيف وزنها، وهذا كله يجعل من أجهزتها آلات رائعة لإنتاج الطاقة اللازمة للطيران، فهى تستخدم غذاءها بكفاءة تفوق أضعاف كفاءة أحدث الطائرات فى استخدام وقودها.
وبالنسبة لذيل الطائر فتكاد تنحصر مهمته فى التوجيه، ولكنه إذا نشر مبسوطا زادت مساحة السطح، وقد يستغل هذا أحيانا فى الرفع وأحيانا فى تقليل سرعة الهبوط، ويوازن الطائر حركته بواسطة جناحيه، وقد قرر القرآن الكريم- فى بيان معجز- حقيقة أن جناحى الطائر هما جهاز طيرانه الأساسى، وهذا يتفق فى بساطة ووضوح مع ملاحظة الفطرة السليمة والدراسة العلمية المدققة على حد سواء. قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (٤٢). وفى أثناء خفق الجناح تغيّر أجزاؤه، وبخاصة ريشاته القوادم، أشكالها وأوضاعها وزواياها وسرعة حركتها فى كل لحظة مع اختلاف الارتفاع وشدة الهواء واتجاهه ومتطلبات الطيران المتغيرة. وهذا كله يتم بصورة آلية وبسرعة مذهلة لم يستطع العلماء إدراك بعضها إلا بأدق آلات التصوير السريع والعرض البطىء.
وليس الطيران بالنسبة للطيور مجرد وسيلة للانتقال المعتاد، فللطائر فيه مآرب أخرى كثيرة، من ذلك أن كثيرا من الطيور يلقف طعامه من الحشرات فى أثناء طيرانه، كما أن بعضها يصيد فريسته من ذوات الجناح وهما محلقان فى الجو، وقد يقذف بعضها إلى بعض الطعام وهى راكبة متن الهواء. وللطيور أفانين كثيرة من العراك واللهو والغزل الطائر.
والطيور الصافات، أى التى تبسط جناحيها دون حراك، تستطيع أن تمضى فى
стр. 703
الهواء بجناحين ساكنين إلى أبعد المسافات، وكأن قوى خفية تشدها وتحركها كيف تشاء.
وهذه الطيور المتخصصة فى هذا النوع من الطيران تستطيع أيضا أن ترفع جناحيها أو تخفضهما أو تدفعهما إلى أمام أو خلف، أو أن تقلل من مساحتهما بقبضهما قبضا يسيرا، أو أن تديرهما من مفصل الكتف ليقابلا الهواء بزوايا مختلفة تؤثر فى سرعتها، أو تلوى أجزاء منها، وما إلى ذلك، وهى فى أثناء هذا كله تحرك ذيلها بالصورة المناسبة. وتتميز الطيور الصافات باختصار حجم عضلات صدرها التى تحرك جناحيها لقلة الحاجة إلى استخدامها، مع قوة الأوتار والأربطة المتصلة بالجناحين حتى تستطيع بسطها فترات طويلة دون جهد عضلى كبير.
ولقد علمت هذه الطيور قدر خالقها، وصدق فيها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤٣).
٩ - فى الآفاق وفى الأنفس:
إن مادة الكون هى كل ما خلق الله- فى عالم الشهادة، أى العالم الذى نحسه بحواسنا أو ندركه بما يقوم مقام الحواس ويعزز وظائفها من أجهزة وأدوات، مثل المجاهر (الميكروسكوبات) التى تيسر رؤية الأجسام الدقيقة، والمقاريب (التلسكوبات) التى تمكن الراصد من رؤية الأجسام البعيدة، أو غير ذلك مما لم يتمكن الإنسان بعد من إدراكه والتعرف عليه فى هذا الكون الفسيح الذى لا يعلم مداه إلا الله وحده.
ويمثل الضوء نعمة النور الذى تبصر به العين بإذن ربها، فترى العديد من الآيات البينات فى الآفاق وفى الأنفس، التى تذكّر الإنسان بما يحتوى عليه الكون من العجائب والمعجزات وتنير له طريق الهداية والصواب.
والطريقة التى تؤدى بها العين وظيفتها فى الإبصار كانت مجهولة حتى عصر الإسلام، فقد كان الاعتقاد السائد عند الفلاسفة القدماء هو أن إبصار الموجودات يتم بخروج النور من عين الإنسان فيحيط بالأشياء ويتم إدراكها بالرؤية المباشرة، أو أن الإبصار يتم بانطباع صور الأشياء من البصر دون أن يرد منها شىء للعين. ومثل هذه
الآراء الفلسفية الخاطئة علميا عطلت منهج البحث العلمى السليم وأخّرت ظهور نظرية الإبصار الصحيحة إلى أن جاء عصر الحضارة الإسلامية واستطاع علماؤها الأفذاذ، بفضل المنهج الإسلامى فى البحث والتفكير، أن يسلكوا طريقة استقرائية دقيقة لدحض
стр. 704
الآراء الفلسفية القديمة، وتحقيق نظرية جديدة فى الإبصار على أساس الوجود المستقل للضوء كمؤثر خارجى. وكان الحسن ابن الهيثم فى مقدمة علماء المسلمين الذين وضعوا الأسس العلمية السليمة لعلم الضوء والبصريات. وصنف فى هذا العلم كتابا رائدا أسماه «المناظر» واعتمد عليه علماء أوروبا فى عصر النهضة الحديثة.
ووافقت النظرية الجديدة ما سبق أن أخبر به القرآن الكريم من استحالة الرؤية بالعين المجردة فى الظلام، وذلك فى قوله تعالى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (٤٤)، ففي هذه الآية الكريمة يشبه الله- حال المنافقين بمن استوقد نارا، فلما وقع ضوء النار على ما حوله من الأجسام المعتمة ثم تشتت منها كشفها للناظرين. وعند ما ذهب الله بنورهم، أى بذلك الضياء المشتت من الأجسام المعتمة الذى كان يقع على أبصارهم فيعينهم على الإحساس بالرؤية، تولدت ظلمات لا تساعد على الإبصار. وبهذا جعل الله تعالى رؤية الأجسام مرتبطة ارتباطا مباشرا بسقوط النور (أو الضوء) عليها ثم ارتداده منها إلى العين. أما الضوء فى حد ذاته فلا يرى ولا يساعد على رؤية الأشياء دون أن يقع عليها، إذ قد يوجد هذا الضوء بجانب الشيء ولا نراه، مثال ذلك أشعة الشمس التى تمر خلال حجرة مظلمة دون أن تقع على شىء فيها ويكون هواؤها صافيا خاليا من الغبار، فإنها لا تبدد ظلمتها ما لم تقع على شىء يشتتها. والضوء الكشاف الذى يمر فى الليل المظلم بجانب الأجسام المعتمة دون أن يقع عليها فإنه لا يكشفها، ولكنه إذا وقع عليها ثم ارتد إلى الأنظار حدثت الرؤية.
لقد سبق القرآن الكريم إذن إلى القول باستحالة الرؤية فى الظلام، أى فى غياب الضوء المشتت عن الأجسام، وقد لاحظ رواد الفضاء حديثا عقب اختراقهم للغلاف الجوى أن السماء فقدت لونها الأزرق الجذاب الذى نراها به من الأرض، وأصبحت سوداء حالكة رغم سطوع الشمس وتلألؤ النجوم، وما ذلك إلا لعدم وجود الجسيمات الدقيقة الكافية لتشتت الضوء وحدوث الإبصار. كذلك لاحظ رواد الفضاء أن سماء القمر مظلمة دائما لانعدام الغلاف الجوى حول سطحه، وأن الأرض تبدو فى الفضاء كرة مضيئة تسبح وسط ظلام دامس. وقد أوضحت الصور التى التقطها رواد الفضاء أثناء رحلاتهم الفضائية أن الأرض والقمر منيران بأشعة الشمس المنعكسة منهما، وأن السواد الذى يعم الصورة ما هو إلا ظلمة السماء وليلها الدائم.
стр. 705
وتتم رؤية الأشياء بواسطة العين نتيجة استقبالها الأشعة الضوئية التى تحمل معها صور المرئيات وألوانها، فتتكون لها صور حقيقية مقلوبة على الشبكية، وتقوم شبكة الأعصاب الحساسة على الشبكية بنقل الصور إلى المخ على هيئتها السليمة فى الواقع. ولا يزال العلم عاجزا حتى الآن عن معرفة حقيقة ما يحدث فى العين ذاتها عند ما ترى منظرا معينا وتحول صورته المقلوبة على الشبكية إلى إحساس بلون خاص مميز. ولا يملك أى عاقل أمام هذا الإعجاز فى خلق العين وأدائها لوظيفتها فى إبصارها للأشياء بألوانها كما هى فى الواقع إلا أن يشكر الله ويحمده على نعمائه، فهو القائل فى محكم التنزيل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٥).
١٠ - قضايا علمية معاصرة:
(أ) الاستنساخ:
قال تعالى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٤٦).
تقرر هذه الآية الكريمة، مع آيات أخرى كثيرة فى القرآن الكريم حقيقة الوحدانية لله- وتفرده بأنه الخالق الواحد لكل شىء، الجدير بالطاعة والعبادة.
وعند ما يزعم الإنسان، وهو مخلوق محدود القدرات، أنه قادر على محاكاة الخلق الإلهى ومنافسته فإنه يكون قد ضل الطريق بعيدا عن الإيمان، واستسلم لغرور العقل والمبالغة فى تقديسه إلى درجه التأليه، مع أن العقل وكل ما يتوصل إليه من علوم ومعارف هى من آثار الله خالق كل شىء. لكن عند ما يزعم أمثال هؤلاء بأنهم نجحوا فى ابتكار شىء ما ظنوه خلقا جديدا وحسبوا أنفسهم خالقين، فإن القرآن الكريم يضعهم فى حجمهم الحقيقى الضئيل من الجهل والعجز فى مقابل قدرة الخلاق العالم البارئ المصور، فيقول: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (٤٧).
ومن أبحاث العلماء فى خلايا الكائنات أمكن التوصل إلى استنساخ بعض النباتات من خلايا جسدية فى ساق النبات، أو أوراقه، أو جذوره، كما أمكن استنساخ خلايا جسدية، وليست جنسية، وتحقق هذا بالنسبة للضفادع والفئران، وأخيرا الخراف، وتساءل الناس عن إمكانية حدوث نفس الشيء بالنسبة للبشر ..
والتساؤل من الناحية العلمية لا يجد جوابا سهلا، فالفكرة التى طبّقت على النبات