← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقد أثبت العلم أن اختلاف كل من تركيب التربة والمراعى التى يسكنها النحل يؤثر تأثيرا كبيرا فى لون العسل، كما أن العلماء لا يزالون يجدّون فى كشف المزيد من الفوائد الغذائية والعلاجية لعسل النحل بعد أن تأكدت فعاليته فى قتل الجراثيم وزيادة المناعة والتئام الجروح. فتبارك الخالق العليم الذى ألهم النحل لتأكل من كل الثمرات وتسلك سبل ربها، على صغر جرمها، ذللا، لطفا بها فيما هى محتاجة إليه ليهنأ عيشها، ثم تخرج ما فى بطونها من شمع أبيض وعسل مختلف ألوانه فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. ٨ - فى عالم الطيور: قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٤١). تلفت هذه الآية الكريمة أنظار المؤمنين إلى آيات الإعجاز فى طيران الطيور، وتدعو أصحاب العقول الراجحة إلى تأمل حكمة الخالق- جلت قدرته- فهو الذى خلق جميع الكائنات الحية والجامدة وأودع فيها خصائصها، وهو الذى خلق قانون الجاذبية بين الأجرام التى يجذب بعضها بعضا، ولكنه، وهو اللطيف الخبير بحاجات خلقه، يسّر الطيور لما خلقت له، فأودع فى أجسامها من آيات الخلق والبناء، ومما فطرها عليه من حسن الأداء، ما يجعلها تتغلب على قانون الجاذبية وتحلق حرة طليقة فى جو السماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ. وتتحلى الطيور عامة بخصائص مهمة لا بدّ من توفرها فى أية آلة طائرة، مثل خفة الوزن ومتانة البناء وانسياب الجسم ودقة الاتزان. فهياكل الطيور العظمية خفيفة للغاية، حيث لاحظ علماء البيولوجيا أن بعض الأجزاء قد اختصر والتحم بعض عظامها ببعض، وتحول معظمها إلى أنابيب رقيقة جوفاء، لكنها فى الوقت نفسه متينة ومرنة وقادرة على تحمل القوى المفاجئة التى يتعرض لها الطائر أثناء مناوراته البهلوانية فى الجو. أما رءوس الطيور فقد صغرت وخلت من الأسنان، ومن ثمّ لم تعد بحاجة إلى فكين ثقيلين وعضلات كبيرة لتحريكهما، فجمجمة الحمامة مثلا تزن سدس ما تزنه جمجمة الفأر الكبير، وطائر الفرقاط (أى الطائر البارجة، أو الطائر العملاق) الذى يبلغ طول ما بين طرفى جناحيه المبسوطين أكثر من مترين، لا يزن هيكله العظمى كله أكثر من ١١٣ جراما تقريبا، أى أقل من وزن ريشه. وقد عبّر أحد العلماء عن الإبداع فى بناء جمجمة الطيور بقوله: إنها شعر منظوم فى عظام.

стр. 702

وأما ريش الطيور فيتميز بأنه مكيف بدقة بالغة لترويح الهواء وتخفيف كثافة الجسم وعزله عزلا جيدا عن الجو، فضلا عن مرونته الفائقة التى تمكنه من الالتواء والانثناء لتلبية حاجات الطيران سريعة التغيّر. وأهم ما يميز الريش أن توزيعه يهذب زوايا الجسم البارزة. وهناك خصائص وظيفية أخرى تتمتع بها الطيور من أهمها ارتفاع معدل العمليات الحيوية فى داخل أجسامها. فهى على سبيل المثال، أقدر من الحيوانات الثديية فى هضم الطعام، وقلبها أقوى وأكبر وأسرع نبضا مع حفظ النسبة، وضغط دمها أقل، ونسبة السكر فيه أكثر، ودرجة حرارتها أعلى، وجهازها التنفسى أكفأ، حيث تتصل الرئتان بمجموعة من الأكياس الهوائية المنتشرة فى أنحاء الجسم، مما ييسر تبريد أجسامها أثناء الطيران، فضلا عن الإسهام فى تخفيف وزنها، وهذا كله يجعل من أجهزتها آلات رائعة لإنتاج الطاقة اللازمة للطيران، فهى تستخدم غذاءها بكفاءة تفوق أضعاف كفاءة أحدث الطائرات فى استخدام وقودها. وبالنسبة لذيل الطائر فتكاد تنحصر مهمته فى التوجيه، ولكنه إذا نشر مبسوطا زادت مساحة السطح، وقد يستغل هذا أحيانا فى الرفع وأحيانا فى تقليل سرعة الهبوط، ويوازن الطائر حركته بواسطة جناحيه، وقد قرر القرآن الكريم- فى بيان معجز- حقيقة أن جناحى الطائر هما جهاز طيرانه الأساسى، وهذا يتفق فى بساطة ووضوح مع ملاحظة الفطرة السليمة والدراسة العلمية المدققة على حد سواء. قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (٤٢). وفى أثناء خفق الجناح تغيّر أجزاؤه، وبخاصة ريشاته القوادم، أشكالها وأوضاعها وزواياها وسرعة حركتها فى كل لحظة مع اختلاف الارتفاع وشدة الهواء واتجاهه ومتطلبات الطيران المتغيرة. وهذا كله يتم بصورة آلية وبسرعة مذهلة لم يستطع العلماء إدراك بعضها إلا بأدق آلات التصوير السريع والعرض البطىء. وليس الطيران بالنسبة للطيور مجرد وسيلة للانتقال المعتاد، فللطائر فيه مآرب أخرى كثيرة، من ذلك أن كثيرا من الطيور يلقف طعامه من الحشرات فى أثناء طيرانه، كما أن بعضها يصيد فريسته من ذوات الجناح وهما محلقان فى الجو، وقد يقذف بعضها إلى بعض الطعام وهى راكبة متن الهواء. وللطيور أفانين كثيرة من العراك واللهو والغزل الطائر. والطيور الصافات، أى التى تبسط جناحيها دون حراك، تستطيع أن تمضى فى

стр. 703

الهواء بجناحين ساكنين إلى أبعد المسافات، وكأن قوى خفية تشدها وتحركها كيف تشاء. وهذه الطيور المتخصصة فى هذا النوع من الطيران تستطيع أيضا أن ترفع جناحيها أو تخفضهما أو تدفعهما إلى أمام أو خلف، أو أن تقلل من مساحتهما بقبضهما قبضا يسيرا، أو أن تديرهما من مفصل الكتف ليقابلا الهواء بزوايا مختلفة تؤثر فى سرعتها، أو تلوى أجزاء منها، وما إلى ذلك، وهى فى أثناء هذا كله تحرك ذيلها بالصورة المناسبة. وتتميز الطيور الصافات باختصار حجم عضلات صدرها التى تحرك جناحيها لقلة الحاجة إلى استخدامها، مع قوة الأوتار والأربطة المتصلة بالجناحين حتى تستطيع بسطها فترات طويلة دون جهد عضلى كبير. ولقد علمت هذه الطيور قدر خالقها، وصدق فيها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤٣). ٩ - فى الآفاق وفى الأنفس: إن مادة الكون هى كل ما خلق الله- فى عالم الشهادة، أى العالم الذى نحسه بحواسنا أو ندركه بما يقوم مقام الحواس ويعزز وظائفها من أجهزة وأدوات، مثل المجاهر (الميكروسكوبات) التى تيسر رؤية الأجسام الدقيقة، والمقاريب (التلسكوبات) التى تمكن الراصد من رؤية الأجسام البعيدة، أو غير ذلك مما لم يتمكن الإنسان بعد من إدراكه والتعرف عليه فى هذا الكون الفسيح الذى لا يعلم مداه إلا الله وحده. ويمثل الضوء نعمة النور الذى تبصر به العين بإذن ربها، فترى العديد من الآيات البينات فى الآفاق وفى الأنفس، التى تذكّر الإنسان بما يحتوى عليه الكون من العجائب والمعجزات وتنير له طريق الهداية والصواب. والطريقة التى تؤدى بها العين وظيفتها فى الإبصار كانت مجهولة حتى عصر الإسلام، فقد كان الاعتقاد السائد عند الفلاسفة القدماء هو أن إبصار الموجودات يتم بخروج النور من عين الإنسان فيحيط بالأشياء ويتم إدراكها بالرؤية المباشرة، أو أن الإبصار يتم بانطباع صور الأشياء من البصر دون أن يرد منها شىء للعين. ومثل هذه الآراء الفلسفية الخاطئة علميا عطلت منهج البحث العلمى السليم وأخّرت ظهور نظرية الإبصار الصحيحة إلى أن جاء عصر الحضارة الإسلامية واستطاع علماؤها الأفذاذ، بفضل المنهج الإسلامى فى البحث والتفكير، أن يسلكوا طريقة استقرائية دقيقة لدحض

стр. 704

الآراء الفلسفية القديمة، وتحقيق نظرية جديدة فى الإبصار على أساس الوجود المستقل للضوء كمؤثر خارجى. وكان الحسن ابن الهيثم فى مقدمة علماء المسلمين الذين وضعوا الأسس العلمية السليمة لعلم الضوء والبصريات. وصنف فى هذا العلم كتابا رائدا أسماه «المناظر» واعتمد عليه علماء أوروبا فى عصر النهضة الحديثة. ووافقت النظرية الجديدة ما سبق أن أخبر به القرآن الكريم من استحالة الرؤية بالعين المجردة فى الظلام، وذلك فى قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (٤٤)، ففي هذه الآية الكريمة يشبه الله- حال المنافقين بمن استوقد نارا، فلما وقع ضوء النار على ما حوله من الأجسام المعتمة ثم تشتت منها كشفها للناظرين. وعند ما ذهب الله بنورهم، أى بذلك الضياء المشتت من الأجسام المعتمة الذى كان يقع على أبصارهم فيعينهم على الإحساس بالرؤية، تولدت ظلمات لا تساعد على الإبصار. وبهذا جعل الله تعالى رؤية الأجسام مرتبطة ارتباطا مباشرا بسقوط النور (أو الضوء) عليها ثم ارتداده منها إلى العين. أما الضوء فى حد ذاته فلا يرى ولا يساعد على رؤية الأشياء دون أن يقع عليها، إذ قد يوجد هذا الضوء بجانب الشيء ولا نراه، مثال ذلك أشعة الشمس التى تمر خلال حجرة مظلمة دون أن تقع على شىء فيها ويكون هواؤها صافيا خاليا من الغبار، فإنها لا تبدد ظلمتها ما لم تقع على شىء يشتتها. والضوء الكشاف الذى يمر فى الليل المظلم بجانب الأجسام المعتمة دون أن يقع عليها فإنه لا يكشفها، ولكنه إذا وقع عليها ثم ارتد إلى الأنظار حدثت الرؤية. لقد سبق القرآن الكريم إذن إلى القول باستحالة الرؤية فى الظلام، أى فى غياب الضوء المشتت عن الأجسام، وقد لاحظ رواد الفضاء حديثا عقب اختراقهم للغلاف الجوى أن السماء فقدت لونها الأزرق الجذاب الذى نراها به من الأرض، وأصبحت سوداء حالكة رغم سطوع الشمس وتلألؤ النجوم، وما ذلك إلا لعدم وجود الجسيمات الدقيقة الكافية لتشتت الضوء وحدوث الإبصار. كذلك لاحظ رواد الفضاء أن سماء القمر مظلمة دائما لانعدام الغلاف الجوى حول سطحه، وأن الأرض تبدو فى الفضاء كرة مضيئة تسبح وسط ظلام دامس. وقد أوضحت الصور التى التقطها رواد الفضاء أثناء رحلاتهم الفضائية أن الأرض والقمر منيران بأشعة الشمس المنعكسة منهما، وأن السواد الذى يعم الصورة ما هو إلا ظلمة السماء وليلها الدائم.

стр. 705

وتتم رؤية الأشياء بواسطة العين نتيجة استقبالها الأشعة الضوئية التى تحمل معها صور المرئيات وألوانها، فتتكون لها صور حقيقية مقلوبة على الشبكية، وتقوم شبكة الأعصاب الحساسة على الشبكية بنقل الصور إلى المخ على هيئتها السليمة فى الواقع. ولا يزال العلم عاجزا حتى الآن عن معرفة حقيقة ما يحدث فى العين ذاتها عند ما ترى منظرا معينا وتحول صورته المقلوبة على الشبكية إلى إحساس بلون خاص مميز. ولا يملك أى عاقل أمام هذا الإعجاز فى خلق العين وأدائها لوظيفتها فى إبصارها للأشياء بألوانها كما هى فى الواقع إلا أن يشكر الله ويحمده على نعمائه، فهو القائل فى محكم التنزيل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٥). ١٠ - قضايا علمية معاصرة: (أ) الاستنساخ: قال تعالى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٤٦). تقرر هذه الآية الكريمة، مع آيات أخرى كثيرة فى القرآن الكريم حقيقة الوحدانية لله- وتفرده بأنه الخالق الواحد لكل شىء، الجدير بالطاعة والعبادة. وعند ما يزعم الإنسان، وهو مخلوق محدود القدرات، أنه قادر على محاكاة الخلق الإلهى ومنافسته فإنه يكون قد ضل الطريق بعيدا عن الإيمان، واستسلم لغرور العقل والمبالغة فى تقديسه إلى درجه التأليه، مع أن العقل وكل ما يتوصل إليه من علوم ومعارف هى من آثار الله خالق كل شىء. لكن عند ما يزعم أمثال هؤلاء بأنهم نجحوا فى ابتكار شىء ما ظنوه خلقا جديدا وحسبوا أنفسهم خالقين، فإن القرآن الكريم يضعهم فى حجمهم الحقيقى الضئيل من الجهل والعجز فى مقابل قدرة الخلاق العالم البارئ المصور، فيقول: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (٤٧). ومن أبحاث العلماء فى خلايا الكائنات أمكن التوصل إلى استنساخ بعض النباتات من خلايا جسدية فى ساق النبات، أو أوراقه، أو جذوره، كما أمكن استنساخ خلايا جسدية، وليست جنسية، وتحقق هذا بالنسبة للضفادع والفئران، وأخيرا الخراف، وتساءل الناس عن إمكانية حدوث نفس الشيء بالنسبة للبشر .. والتساؤل من الناحية العلمية لا يجد جوابا سهلا، فالفكرة التى طبّقت على النبات

стр. 706

والحيوان تجد عوائق كثيرة عند تطبيقها على الإنسان .. وكل ما يحاوله العلماء هذه الأيام هو إيقاظ الخلايا الجسدية من سباتها لتعيش أو تعمل من جديد، وينشط برنامجها الوراثى كله، وكأنما هى تعود إلى حالتها الجنينية وتصبح صالحة لاستنساخ كائن جديد .. هذا ما فعله الباحثون فى حالة النبات والحيوان، فهل سيتحقق فى الإنسان؟! إن القضية على هذا النحو أصبحت ذات أبعاد علمية واجتماعية وعقدية تحتاج إلى ضوابط تحكم مسيرة البحث العلمى فى الطريق السليم الذى يعود على البشرية بالخير والنفع ولا يهدد البنية الاجتماعية المستقرة للمجتمع الإنسانى. (ب) التلوث البيئى: يقول الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨). تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الفساد أو التلوث الذى تعانى منه البيئة والبشرية اليوم برا وبحرا وجوا؛ جاء نتيجة طبيعية لعمل الإنسان، ذلك أن البيئة من المنظور الإسلامى مرتبطة بتحمل الإنسان- دون غيره من المخلوقات- لأمانة الخلافة فى الأرض وترقية الحياة عليها حتى يستكمل حكمة الله من خلقه وخلقها، بعد أن سخّر له كل ما فى الكون من نعم ظاهرة وباطنة لكى ينتفع بها ويمجد بانتفاعها ربّ العالمين. ولا يكون الإنسان جديرا بتحمل أمانة الخلافة إذا أساء استعمال هذه النعم التى تتكون منها عناصر البيئة، أو تصرّف فيها على نحو غير مشروع جريا وراء منفعة خاصة، أو استسلاما لأنانية مقيته. فالخلافة تعنى أول ما تعنى تعمير الأرض بإشاعة الخير والسلام فيها، وبالعمل على إظهار عظمة الخالق وقدرته عن طريق الانتفاع الإيجابى بكل المخلوقات التى سخرها الله لخدمة الإنسان. ويتجلى ذلك فى قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها (٤٩)، أى جعلكم عمارا تعمرونها وتسكنون بها، وهذا لا يتأتى إلا بأمرين: أولهما: أن تبقى الصالح على صلاحه ولا تفسده، وثانيهما: أن تصلح ما يفسد وتزيد إصلاحه، ولا شك أن فى الأمرين خير ضمان لحماية البيئة وسلامتها. ولقد سبق الدين الإسلامى الحنيف إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات التلوث والفساد، ورسم المنهج الإسلامى حدود هذه التشريعات على أساس الالتزام بمبدأين أساسيين يحددان مسئولية الإنسان حيال البيئة التى يعيش

стр. 707

فيها: أما المبدأ الأول: فهو «درء المفاسد» حتى لا تقع بالبلاء على العباد وتسبب الأذى للفرد والمجتمع والبيئة، حيث لا ضرر بالنفس، ولا ضرار بالغير. وأما المبدأ الثانى: فهو «جلب المصالح» وبذل كل الجهود التى من شأنها أن تحقق الخير والمنفعة للجماعة البشرية. وأهم ما يميز المنهج الإسلامى فى الحفاظ على البيئة هو الأمر بالتوسط والاعتدال فى كل تصرفات الإنسان، باعتباره من أهم عوامل الوقاية من الخلل والاضطراب فى منظومة التوازن البيئى المحكم الذى وهبه الله للحياة والأحياء فى هذا الكون. وهذا لا يعنى بطبيعة الحال أن يقف الإنسان مكتوف الأيدى إزاء النظم البيئية المحيطة به، أو أن يعطل أداء واجب الإعمار الذى تقتضيه أمانة الاستخلاف فى الأرض، ولكنه يعنى أن يتعامل الإنسان مع هذه النظم بما يمكنه من تطوير حياته دون إسراف فى استخدام الموارد الطبيعية أو جور على حقوق الآخرين. (ج) احتمالات الحياة على كواكب أخرى فى الكون: قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٥٠). تشير هذه الآية الكريمة إلى وجود كائنات تدب وتتحرك فى السموات والأرض، وهذه الكائنات عاقلة وذكية وعابدة وليست قاصرة على الملائكة. وتقرر هذه الآية الكريمة أيضا أن الله قادر على جمع هذه الأحياء وحدوث الالتقاء بينها أثناء الحياة الدنيا أو فى الآخرة. وهذا الموضوع المتعلق باحتمالات وجود كائنات حية ذكية غير الإنسان فى كواكب أخرى فى هذا الكون الفسيح أصبح من الموضوعات التى تجذب اهتمام الناس وتستحوذ على تفكيرهم، حيث يلهث العلم وراء البحث عن أسباب تسمح بوجود حياة على الكواكب الأخرى غير الأرض فى مجموعتنا الشمسية، أو على الكواكب التى تقع فى أسر جاذبية النجوم الأخرى وتدور حولها. وعادة ما يكون اكتشاف أى آثار تدل على وجود الماء من أبرز الأساليب التى ترجح الاعتقاد بوجود حياة، حيث أن الماء هو الأصل والضرورى لنشأة الحياة واستمرارها، باعتراف علماء البيولوجيا أنفسهم، وبتقرير القرآن الكريم- من قبل ذلك بقرون- فى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٥١). كذلك لا بدّ من توفر درجة حرارة مناسبة لحياة الأحياء، بالإضافة إلى ضرورة توافر عنصر الكربون الذى يمتاز بقابليته وقدرته

стр. 708

على الاتحاد بالعناصر الأخرى فى مركبات أساسية للحياة. أى أن الماء والحرارة المناسبة والكربون شروط ضرورية لقيام حياة كتلك التى نعرفها على الأرض. ولقد أكدت رحلات الفضاء وأبحاث العلماء استحالة وجود حياة كالتى نعرفها على أى كوكب آخر غير الأرض فى مجموعتنا الشمسية، وأصبح مطلوبا البحث عن وجود هذه الحياة الذكية المحتملة بعيدا عن المجموعة الشمسية على كواكب (أو أرضين) شبيهة بأرضنا وتابعة لنجوم (شموس) أخرى غير شمسنا فى عوالم أخرى فى مجرتنا أو المجرات الأخرى. ولقد بذل الإنسان حديثا محاولات للاتصال بالعوالم الأخرى، ومن بينها المركبة بايونير ١٠ التى أطلقت عام ١٩٧٢ م وزميلتها قويجر ٢ التى أطلقت عام ١٩٧٢ المزودتين برسائل رمزية وصورة رجل وامرأة من أهل الأرض يرفعان أيديهما رمزا للسلام، ورسائل صوتية مسجلة بلغات مختلفة وموجهة من شعوب الأرض إلى سكان العوالم الأخرى لتحيتهم وحثهم على الاتصال بنا. لكن هل سيتحقق هذا الذى يبحث عنه العلماء؟ العلم عند الله وحده القائل: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ صدق الله العظيم. ا. د. أحمد فؤاد باشا

стр. 709

المصادر والمراجع: (١) القرآن الكريم. (٢) مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق: محمد على الصابونى، دار القرآن الكريم بيروت. (٣) التفسير الكبير، أو مفاتيح الغيب للإمام فخر الدين الرازى، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ١٤١١ هـ- ١٩٩٠ م. (٤) المنتخب فى تفسير القرآن الكريم، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط- ١٨، القاهرة ١٤١٦ هـ- ١٩٩٥ م. (٥) محمد فؤاد عبد الباقى، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مؤسسة جمال للنشر بيروت لبنان. (٦) المفردات للراغب الأصفهانى، ط- دار المعرفة، بيروت. (٧) تفسير القرطبى، ط- إحياء التراث العربى. (٨) فتح البارى، ط- دار المعرفة، بيروت. (٩) عبد المجيد الزندانى، الإعجاز العلمى تأصيلا ومنهجا، مجلة الإعجاز، هيئة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامى، مكة المكرمة، العدد الأول صفر ١٤١٦ هـ- ١٩٩٥ م. (١٠) د. أحمد فؤاد باشا، رحيق العلم والإيمان، دار الفكر العربى، القاهرة ١٤٢٢ هـ- ٢٠٠٢ م. (١١) لسان العرب لابن منظور. (١٢) د. عبد الحافظ حلمى محمد، العلوم البيولوجية فى خدمة تفسير القرآن الكريم، مجلة عالم الفكر، المجلد الثانى عشر، العدد الرابع، الكويت ١٩٨٢ م. (١٣) د. أحمد الشرباصى، قصة التفسير، دار العلم، القاهرة ١٩٦٢. (١٤) عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، منشورات المكتبة العصرية، بيروت- صيدا. (١٥) د. محمد إبراهيم شريف، هداية القرآن فى الآفاق وفى الأنفس وإعجازه العلمى، دعوة ضرورية ومنهج واجب، ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م. (١٦) د. أحمد فؤاد باشا، فى فقه العلم والحضارة، سلسلة قضايا إسلامية (٢٠)، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م. (١٧) د. أحمد فؤاد باشا، دراسات إسلامية فى الفكر العلمى، دار الهداية، القاهرة ١٤١٨ هـ- ١٩٩٧ م. (١٨) محمد أحمد الغمراوى، الإسلام فى عصر العلم، الرسالة والرسول والقرآن والإعجاز العلمى، دار الإنسان، القاهر ١٤١١ هـ-، ١٩٩١ م. (١٩) كريس موريسون، الله يتجلى فى عصر العلم، ترجمة: الدمرداش عبد المجيد سرحان. (٢٠) عبد الحليم الجندى، القرآن والمنهج العلمى المعاصر، دار المعارف، القاهرة ١٩٨٤ م. (٢١) د. منصور حسب النبى، الكون والإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، دار الفكر العربى، ١٩٩١ م. (٢٢) أعداد مجلة المسلم المعاصر. (٢٣) أعداد مجلة الإعجاز العلمى وأعمال مؤتمرات الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة رابطة العالم الإسلامى. (٢٤) قاموس القرآن الكريم، مؤسسة الكويت للتقدم العلمى، الكويت (سلسلة معاجم). (٢٥) د. أحمد فؤاد باشا، الاسلام والعولمة: مفاهيم وقضايا، كتاب الجمهورية، دار التحرير، القاهرة، ٢٠٠٠ م.

стр. 710

مفردات قرآنية ١ - الأرض المقدسة مركّب إضافى .. ورد ذكره فى القرآن الكريم مرة واحدة فقط (١)، ومعناه: الأرض المطهرة المباركة. واختلف العلماء فى تعيين هذه الأرض المقدسة .. على النحو التالى (٢): ١ - هى الطور، وما حوله .. قال ذلك: مجاهد. ٢ - هى الشام .. قال ذلك: قتادة. ٣ - هى أرض أريحاء .. قال ذلك: ابن زيد، والسدى، وابن عباس. ٤ - وقيل: هى .. دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن. قال ابن جرير: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب: أن يقال: هى الأرض المقدسة، كما قال نبى الله موسى ﵇، وذلك: لأن القول فى ذلك، بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها: لن تخرج من أن تكون .. من الأرض التى ما بين الفرات، وعريش مصر؛ لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار، على ذلك. هذا ... والموضع الذى ورد ذكر الأرض المقدسة فيه من كتاب الله هو قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (المائدة: ٢٠ - ٢٦).

стр. 711

٢ - الآزفة من: أزف، يأزف، أزفا، وأزوفا .. اقترب. وكل شىء اقترب: فقد أزف أزفا، أى: دنا. وقد ورد هذا الاسم فى القرآن الكريم: مرتين فقط (١). الأولى: فى قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (غافر: ١٨). والثانية: فى قوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (النجم: ٥٧، ٥٨). يقول الإمام الفخر الرازى (٣): ذكروا فى تفسير (الآزفة) وجوها: الأول: أنها القيامة .. سميت بذلك: لقربها، وإن استبعد الناس مداها (٤). وقيل: سميت بذلك لدنوّها من الناس، وقربها منهم؛ ليستعدوا لها، وكان بعضهم يتمثل ويقول (٥): أزف الرحيل وليس لى من زاد غير الذنوب لشقوتى ونكادى وعليه: ف يَوْمَ الْآزِفَةِ فى آية غافر: يوم القيامة، وأَزِفَتِ الْآزِفَةُ فى آية النجم: اقتربت القيامة. الثانى: أنها المسارعة إلى دخول النار؛ حيث إنه عند ذلك ترتفع القلوب عن مقارّها من شدة الخوف: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ. وعليه: ف يَوْمَ الْآزِفَةِ فى آية غافر: يوم المسارعة إلى دخول النار، وأَزِفَتِ الْآزِفَةُ فى آية النجم: اقتربت المسارعة إلى دخول النار. الثالث: أنها المنيّة، وحضور الأجل .. بدليل: أنه أنذرهم يوم القيامة، ووصفه بأنه يَوْمَ التَّلاقِ (غافر: ١٥) ويَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (غافر: ١٦) ثم أنذرهم- بعد ذلك- ب يَوْمَ الْآزِفَةِ (غافر: ١٨)، فوجب أن يكون هذا اليوم غير هذا اليوم. وكذلك: هذه الصفة، كون الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ مخصوصة فى سائر الآيات، بيوم الموت، قال تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (الواقعة: ٨٣، ٨٤) وقال: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (القيامة: ٢٦). وأيضا: فوصف يوم الموت بالقرب .. أولى من وصف يوم القيامة بالقرب. وكذلك: الصفات المذكورة بعد قوله: الْآزِفَةِ لائقة بيوم حضور الموت؛ لأن المرء عند معاينة ملائكة العذاب: يعظم خوفه،

стр. 712

فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف ويبقوا كاظمين ساكنين عن ذكر ما فى قلوبهم من شدة الخوف، ولا يكون لهم حميم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق. وعليه: ف يَوْمَ الْآزِفَةِ فى آية غافر: يوم الموت، وأَزِفَتِ الْآزِفَةُ فى آية النجم: اقتربت المنية. ٣ - أساطير الأولين ذكرت هذه المادة فى القرآن الكريم: تسع مرات (١)، ويلاحظ: أنها جميعا وردت فى القسم المكى فى القرآن الكريم، وعلى ألسنة المشركين: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنعام: ٢٥) يعنى: قريشا. قال ابن مسعود: «قالوا: للنضر بن الحارث .. ما يقول محمد؟ قال أرى تحريك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين، مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر صاحب قصص وأسفار، فسمع أقاصيص فى ديار العجم، فكان يحدثهم بها» (٦). والأساطير: جمع أسطورة، كأراجيح وأرجوحة. والمراد بها: الأباطيل، وهى: أحاديث لا نظام لها كتبت كذبا وزورا، فيما زعموا (٧): وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفرقان: ٥). قال الزجاج: وقالوا الذى جاء به أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ومعناه: ما سطر الأولون وكتبوه كذبا وزورا (٨). وكان الواحد من هؤلاء الكفار، إذا سمع القرآن أو تلا عليه قال: ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأحقاف: ١٧) عنادا منهم وتكبرا وكفرا (٩). ٤ - الأسباط الأسباط: جمع سبط، وهو ولد الولد؛ كأنه امتداد الفروع، وعلى ذلك فالسبط: الجماعة والقبيلة، الراجعون إلى أصل واحد. والأسباط: ولد يعقوب ﵇، وهم اثنا عشر ولدا، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس، واحدهم: سبط. ومن هنا: فالسبط فى بنى إسرائيل. بمنزلة القبيلة فى ولد إسماعيل. وسموا الأسباط من السّبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: سموا بذلك من السّبط، وهو الشجر، أى: هم فى الكثرة، بمنزلة الشجر، قال أبو إسحاق الزجاج: ويبين لك هذه الكثرة، ما قاله ابن عباس: «كل الأنبياء من بنى إسرائيل، إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وعليهم جميعا وسلم» (١٠).

стр. 713

وقد ذكر الله تعالى (الأسباط) فى القرآن الكريم: خمس مرات (١). فى سورة البقرة الآيتان ١٣٦، ١٤٠، آل عمران الآية ٨٤، النساء الآية ١٦٣، الأعراف الآية، ١٦٠. ٥ - الإفك هو: كل مصروف عن وجهه الذى يحق أن يكون عليه. ومنه قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (التوبة: ٣٠) أى: يصرفون عن الحق فى الاعتقاد إلى الباطل، وعن الصدق فى المقال إلى الكذب، وعن الجميل فى الفعل إلى القبيح. ولما اعتقدت عاد: أن هودا ﵇ .. يصرفهم عن الحق إلى الباطل بما جاءهم به، حينما قال لهم: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قالوا له: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا؟ (الأحقاف: ٢١، ٢٢) أى: أنك تكذب علينا. واستعمل (الإفك) فى الكذب (١١). ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (النور: ١١) أى بالكذب على السيدة عائشة، رضى الله عنها، ومنه كذلك: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (الجاثية: ٧). ٦ - الأكنّة الأكنان والأكنة: جمع، مفرده: الكنّ، والكنان. والكنّ: ما يحفظ فيه الشيء. أيضا ما يردّ الحر والبرد من الأبنية والمساكن وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (النحل: ٨١). والكنان: الغطاء، الذى يكن فيه الشيء، والأكنة: جمع كنان، مثل: الأسنة والسّنان، والأعنة، والعنان (١٢). وقد وردت بهذا المعنى فى القرآن الكريم .. حيث يقول رب العزة: جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً (الأنعام: ٢٥، الإسراء ٤٦، الكهف ٥٧). الأكنّة: الأغطية. والمعنى: أن الكفار لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون إلى الحق، كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم. ولذلك: فعلنا بهم هذا جزاء على كفرهم. وليس المعنى: أنهم لا يسمعون ولا يفقهون؛ حيث تبجحوا ببيان ما يؤيد ذلك إذ: قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ (فصلت: ٥). ٧ - أصحاب الأيكة الأيكة: الشجر الكثير الملتف.

стр. 714

وأصحاب الأيكة: جماعة كانوا يسكنون غيضة كثيرة فى الشجر؛ فنسبوا إليها (١٣). وهم: أهل «مدين» قوم شعيب ﵇. وكانوا قوما من العرب، يسكنون فى الحجاز، مما يلى جهة الشام، قريبا من «خليج العقبة» من الجهة الشمالية منه. يقول الطبرى: إن بين أرض مدين ومصر .. ثمان ليال. ويظهر: أنها فى الأرض المسماة الآن ب «معان» جنوب فلسطين. هذا: ويرى بعض المفسرين: أن «أصحاب الأيكة» قوم آخرون، غير أهل مدين، أرسل الله إليهم شعيبا ﵇ بعد هلاك «مدين» فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ (الشعراء: ١٨٩). والصحيح: أن أهل «مدين» هم أنفسهم (أصحاب الأيكة) حيث إن سورة الشعراء وضحت أنهم كانوا يطففون المكيال والميزان، يقول تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (الشعراء: ١٧٦ - ١٨٣). وهذا وصفهم: فقد كانوا يجمعون بين الزراعة والتجارة، وكانت أراضيهم كثيرة الأشجار، وافرة الثمار، وفيها الحدائق الغناء؛ ومن هنا: سموا بأصحاب الأيكة، كما كانوا كفارا، يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، خاصة مع نبيهم. وقد جعل الله تعالى عليهم- لكفرهم- أنواعا من العقوبات، وصنوفا من المثلات، وأشكالا من البليات؛ وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات. سلط الله عليهم رجفة شديدة، أسكنت منهم الحركات، ثم: صيحة عظيمة أخمدت منهم الأصوات، ثم: ظلة، أرسل عليهم منها شرر النار، من سائر أرجائها والجهات (١٤). ولقد ورد ذكرهم فى القرآن الكريم صريحا (١) فى سور: الحجر الآية ٧٨، والشعراء الآية ١٧٦، و (ص) الآية ١٣، و (ق) الآية ١٤. ٨ - أصحاب الكهف وهم: مجموعة من الشباب، لجئوا إلى غار فى الجبل، فرارا بدينهم من أقوامهم، الذين كانوا يعبدون الأصنام، وحدثت لهم بهذا الغار الأعاجيب. وقد عرفوا ب (أصحاب الكهف) نسبة إلى هذا الغار. ذكرهم القرآن الكريم فى سورة سميت باسم كهفهم، وهى: سورة «الكهف».

стр. 715

يذكر الله تعالى قصتهم باختصار فى قوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (الكهف: ٩ - ١٢). ثم يفصل قصتهم بعد هذا الإجمال فى أربعة عشرة آية بعد ذلك، من نفس السورة (الكهف: ١٣ - ٢٦). يقول عنهم الإمام ابن كثير (١٥): هم: فتية، ألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، واعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو. ويقول: ذكر غير واحد من المفسرين- من السلف والخلف- أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما فى بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع فى السنة يجتمعون فيه، فى ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم؛ عرفوا أن هذا الذى يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم، والذبح لها لا ينبغى إلا لله الذى خلق السماوات والأرض. فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم، ويتبرز عنهم ناحية. فكان أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر. ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك، الذى جمع قلوبهم على الإيمان، كما جاء فى الحديث: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (١٦). وجعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه، خوفا منهم، ولا يدرى أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون- والله يا قوم- إنه ما أخرجكم من قومكم، وأفردكم عنهم، إلا شىء، فليظهر كل واحد منكم ما بأمره، فقال الآخر: أما أنا فإنى والله رأيت ما قومى عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذى يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به شىء؛ هو الله الذى خلق السماوات والأرض وما بينهما. فقال الآخر: وأنا والله، وقع لى كذلك. وقال الآخر: كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة. فصاروا يدا واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدا، يعبدون الله فيه. فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه، فسألهم عن

стр. 716

أمرهم، وما هم عليه؛ فأجابوه بالحق، ودعوه إلى الله- . ولهذا: أخبر تعالى عنهم بقوله: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً الآيات. يقال: إن ملكهم- هذا- لما دعوه إلى الإيمان أبى عليهم، وتهددهم، وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم، الذى كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظر فى أمرهم، لعلهم يراجعون دينهم الذى كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم فى تلك النظرة: توصلوا إلى الهرب منه، والفرار بدينهم من الفتنة، فلما وقع عزمهم على الذهاب، والهرب من قومهم، واختار الله لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك، فى قوله تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أى فارقتموهم بأديانكم ففارقوهم- أيضا- بأبدانكم فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أى: يبسط لكم رحمة يستركم بها من قومكم وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ الذى أنتم فيه مِرفَقاً أمرا ترتفقون به. فعند ذلك: خرجوا هرابا إلى الكهف، فأووا إليه ففقدهم قومهم من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك، فلم يظفر بهم، وعمى الله عليهم خبرهم. وباقى قصتهم فى آيات سورة الكهف، مبسوطة فى كتب التفسير بالمأثور (١٧). ٩ - الإنابة ناب فلان إلى الله تعالى، وأناب إليه إنابة، فهو منيب: أى أقبل وتاب ورجع إلى الطاعة. وقيل: ناب: لزم الطاعة، وأناب: تاب ورجع. والإنابة: الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة وإخلاص العمل. يقول : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (الرعد: ٢٧). أى: ويهدى إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه. ويقول تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (الروم: ٣١) أى راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شىء من أمره. ويقول تعالى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ (الزمر: ٥٤) أى توبوا إليه وارجعوا (١٨). وقد وردت هذه المادة فى القرآن الكريم ثمان عشرة مرة. ١٠ - الأنصاب والأزلام الأنصاب: جمع نصب وهى: كل ما عبد من دون الله تعالى. قال ابن سيده: والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة، تنصب، فيهلّ عليها ويذبح لغير الله.

стр. 717

يقول تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة: ٩)، ويقول تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة: ٣). وأما الأزلام: جمع زلم والزلم: هى السهام التى كان أهل الجاهلية يستقسمون بها، يقول تعالى: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ (المائدة: ٣). والأزلام: كانت لقريش فى الجاهلية، مكتوب عليها: أمر أو نهى، وأفعل ولا تفعل، قد سوّيت ووضعت فى الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا، أتى السادة، فقال: أخرج لى زلما، فيخرجه وينظر إليه، فإذا خرج قدح الأمر، مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهى، قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان، وضعهما فى قرابة؛ فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما (١٩). ١١ - الباقيات الصالحات ورد ذكر «الباقيات الصالحات» فى كتاب الله تعالى مرتين (١): واحدة فى قوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا (الكهف: ٤٦). والثانية: فى قوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (مريم: ٧٦). وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى ب الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ (٢٠). ١ - فقال بعضهم: هى الصلوات الخمس .. ومن هؤلاء: ابن عباس، وسعيد بن جبير. ٢ - وقال بعضهم: هى ذكر الله بالتسبيح، والتقديس، والتهليل، ونحو ذلك. ومن هؤلاء: عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، وعطاء ابن أبى رباح، ومجاهد، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدرى. ٣ - وقال بعضهم: هى الكلم الطيب. ومن هؤلاء: ابن عباس. ٤ - وقال بعضهم: هى النيّات والهمّات، حيث إن بها تقبل الأعمال، وترفع. ومن هؤلاء: الحسن البصرى. ٥ - وقال بعضهم: هن البنات. ومن هؤلاء: عبيد بن عمير؛ حيث يدل عليه أوائل الآية، قال تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ثم قال: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ

стр. 718

يعنى: البنات الصالحات، هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا فى الآخرة، إن أحسن إليهن. ٦ - وقال بعضهم: هى ما أريد به وجه الله وحده من طاعة الله ورسوله، وجميع أعمال الخير ومن هؤلاء: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، حيث إن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو «الباقيات الصالحات». كما أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك. يقول الإمام ابن جرير: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: هن جميع أعمال الخير؛ لأن ذلك كله من الصالحات، التى تبقى لصاحبها فى الآخرة، وعليها يجازى ويثاب، وإن الله لم يخصّص من قوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا بعضا دون بعض .. فى كتاب، ولا بخبر عن رسول الله ﷺ . ١٢ - البحيرة ورد ذكرها فى القرآن الكريم مرة واحدة فقط (١) فى قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (المائدة: ١٠٣). وهى من الأشياء الحلال التى حرمها الناس على أنفسهم، ولم يحرمها الله تعالى عليهم. ومن المعلوم أن قضية التحريم والتحليل لا تكون إلا لله ، ويجب الامتثال، لشرعه- سبحانه- تحليلا، وتحريما، ومن تدخل فيها، أو خالف لها فهو معتد على حق من حقوق الله تعالى، يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (المائدة: ٨٧، ٨٨). والبحيرة هى: الناقة، التى كانوا يشقون فى أذنها شقا، يقال: بحرت أذن الناقة بحرا، إذا شققتها وخرقتها. قال ابن سيده: بحر الناقة والشاة يبحرها بحرا، شق أذنها بنصفين، وقيل: بنصفين طولا. وكانت العرب تفعل بهما ذلك، إذا نتجتا عشرة أبطن، فلا ينتفع منهما بلبن، ولا ظهر، وتترك البحيرة ترعى وترد الماء، ويحرم لحمها على النساء، ويحلّل للرجال، فنهى الله تعالى عن ذلك (٢١). وعن سعيد بن المسيب: «هى الناقة، التى يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس» (٢٢).

стр. 719

وقال الراغب: هى الناقة، إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها، فيسيبونها، فلا تركب، ولا يحمل عليها (٢١). وعن ابن عباس: «إذا نتجت الناقة خمسة أبطن .. نظروا إلى الخامس؛ فإن كان ذكرا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا أذانها، فقالوا هذه بحيرة» (٢١). وقال الأزهرى: قال أبو إسحاق النحوى: أثبت ما رويناه عن أهل اللغة، فى البحيرة، أنها: الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أى شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تحلأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعيى المنقطع به: لم يركبها. والصواب: هو الأول. أى الناقة التى ولدت عشرة أبطن (٢١). وعن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ ، قال (٢٢): «قد عرفت أول من بحر البحائر، رجل من بنى مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله. ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته فى النار، يؤذى أهل النار ريح قصبه» (٢٣). ١٣ - البرّ قال الراغب الأصفهانى: البرّ خلاف البحر، وتصوّر منه التوسع، فاشتق منه البرّ. وعلى ذلك: فالبرّ، التوسع فى فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تارة، نحو إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (الطور: ٢٨). وإلى العبد تارة، فيقال: برّ العبد ربّه، أى: توسع فى طاعته. فهو من الله: الثواب، ومن العبد: الطاعة. وهو ضربان: ضرب فى الاعتقاد، وضرب فى الأعمال، وقد اشتمل عليهما قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ .. الآية (البقرة: ١٧٧)؛ حيث إن الآية متضمنة: للاعتقاد، والأعمال والفرائض، والنوافل (٢٤). وقد اختلف العلماء فى معنى البر على أقوال، قال بعضهم: البر: الصدق والطاعة. وقال بعضهم: البر: الصلاح. وقال بعضهم: البر: الخير. وقال بعضهم: البر: التقى. وقال بعضهم: البر: كل ما تقرب به إلى الله تعالى. وقال بعضهم: البر: خير الدنيا والآخرة. فخير الدنيا: ما ييسّره الله ﵎ للعبد من الهدى والنعمة والخير، وخير الآخرة: الفوز بالنعيم الدائم فى الجنة (٢٥). وقد ذكر (البر) ومشتقاته فى القرآن الكريم ٢٠ مرة ١، وفى حديث النبى ﷺ كثيرا (٢٦).

стр. 720

١٤ - التقوى التقوى: هى جعل النفس فى وقاية مما يخاف، وحفظها عما يؤذيها ويضرها. وهى فى الشرع: حفظ النفس عما يؤثّم، وذلك بترك المحظور (٢٧). وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبيّا عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمّرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. وفيها: جماع الخير كله، وهى. وصية الله تعالى فى الأولين والآخرين بل هى خير ما يستفيده الإنسان (٢٨)، وعلى أساسها يتفاضل البشر، يقول تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: ١٣). وقد ذكرت مادة «التقوى» فى القرآن الكريم (٢٥٨ مرة) منها (٧٠ مرة) وردت بصيغة الأمر بها (٢٧) من الله تعالى لعباده كما فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة: ١١٩)، كما أمر بها جميع الرسل أقوامهم، فهذا نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ﵈ على سبيل المثال- يقول كل واحد منهم لقومه: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الشعراء الآيات: ١٠٧، ١٠٨/ ١٢٥، ١٢٦/ ١٤٣، ١٤٤/ ١٦٢، ١٦٣/ ١٧٨، ١٧٩). كما بين القرآن صفات المتقين، إرشادا إليها، وحثّا على التحلى بها، فى كثير من آياته الكريمة .. حيث جعل من صفاتهم أنهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة: ٣ - ٥) وكذلك: المتقى .. هو مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ (البقرة: ١٧٧) والمتقون كذلك: هم الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (البقرة: ١٧٧) وهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وهم المحسنون الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ فى ثقة منهم أنه ليس هناك مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: ١٣٤، ١٣٥) وهم الذين: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ

стр. 721

(الأعراف: ١٠٢) وهم الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء: ٤٩)، وهم الذين: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (الذاريات: ١٧ - ١٩). ولأن التقوى حفظ النفس، ووقايتها عما يؤثم، فمجالاتها عديدة لا يحصرها إحصاء، ولا يحيط بها عدّ؛ حيث إنها تطبع الإنسان بطابع خاص مميز، فى جميع المجالات. ومن ذلك: ١ - فى ميدان الجهاد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران: ٢٠٠). ٢ - فى قتال الأعداء: .. وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة: ٣٦). ٣ - فى العدل مع الخصوم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (المائدة: ٨). ٤ - فى المعاملات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران: ١٣٠). ٥ - فى الحلال والحرام: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة: ١٠٠). ٦ - فى الأحوال الشخصية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ .. (الطلاق: ١). وثمرات التقوى وآثارها: كثيرة، كثيرة .. نذكر منها المقتطفات التالية: ١ - نوال معية الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (النحل: ١٢٨). ٢ - نوال حب الله تعالى: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (آل عمران: ٧٦). ٣ - نوال نصر الله تعالى: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (الأعراف: ١٢٨). ٤ - نوال رحمة الله، وهدايته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الحديد: ٢٨).

стр. 722

٥ - الخروج من الأزمات، وسعة الرزق، وتيسير الأمر: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (الطلاق: ٢، ٣)، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (الطلاق: ٤). ٦ - النجاة من مس الشيطان: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (الأعراف: ٢٠١). ٧ - النجاة من السوء والأحزان: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (الزمر: ٦١). ٨ - النجاة من الخوف والحزن: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (الأعراف: ٣٥) ٩ - تكفير السيئات وغفران الذنوب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الأنفال: ٢٩). ١٠ - الفلاح فى الدنيا والآخرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة: ٣٥). ١١ - دخول جنات النعيم ونوال رضوان الله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (آل عمران: ١٥). وانظر الآيات: فى آل عمران ١٣٣، ١٣٦، ١٩٨، الحجر ٤٥ - ٤٨، النحل ٣٠ - ٣٥، مريم ٦٣، ص ٤٩ - ٥٣، الزمر ٢٠، ٧٣، الزخرف ٦٧ - ٧٣، الدخان ٥١ - ٥٧، محمد ١٥، ق ٣١ - ٣٥، الذاريات ١٥ - ١٦، الطور ١٧ - ٢٠، القمر ٥٤، ٥٥، القلم ٣٤، المرسلات ٤١ - ٤٤، النبأ ٣١ - ٣٦. ١٥ - التنابز بالألقاب التنابز بالألقاب: هو التداعى بها، بمعنى: أن يلقّب بعضهم بعضا، وكثر فيما كان ذمّا. والنّبز بالتحريك: اللّقب، والنّبز بالتسكين: المصدر. وقد ورد فى القرآن الكريم بصيغة النهى عنه مرة واحدة (٢٩)، وذلك فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ

стр. 723

الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الحجرات: ١١). ويلاحظ: أن النهى عن ذلك فى الآية الكريمة، ورد ضمن النهى عن بعض الأمور التى تتضمنها منظومة الآداب الإسلامية، فقد نهت الآية عن سخرية المؤمن بالمؤمن، ثم نهت- ثانيا- أن يعيب المؤمن مؤمنا ويطعن فيه بلسانه، كما نهت- ثالثا- عن أن يدعو الإنسان أخاه المؤمن بلقب لا يحبه؛ لكونه ذمّا له، أو مشعرا بذلك. قال النووى: اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء كان صفة له، أو لأبيه، أو لأمه، أو غيرهما (٣٠). ومن التشديد فى تحريم ذلك فى الإسلام، أن الآية جعلت التنابز بالألقاب فسقا يرتكبه الإنسان، كما هددت من لم يكف عنه، ويتب منه بوصفه بالظالم. ولكن يستثنى من ذلك التحريم من غلب عليه الاستعمال كالأعرج، والأحدب، ولم يقصد به الذم، أو التعيير، ولا يجد من ذلك صاحبه حرجا، حيث جوّزته الأمة، واتفق على فعله أهل الملة (٣٠). وعلى هذا المعنى ترجم البخارى- ﵀ فى كتاب «الأدب» من صحيحه، باب (ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل، والقصير، وقال النبى ﷺ : «ما يقول ذو اليدين»؟ وما لا يراد به شين الرجل). يقول ابن حجر صاحب «فتح البارى»: هذه الترجمة معقودة لبيان حكم الألقاب وما لا يعجب الرجل أن يوصف به مما هو فيه، وحاصله: أن اللقب إن كان ما يعجب الملقّب ولا إطراء فيه، مما يدخل فى نهى الشرع، فهو جائز أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلا إن تعين طريقا إلى التعريف به، حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره (٣١). وعلى هذا: يمنع الإسلام من تلقيب الإنسان بما يكره، وجوز تلقيبه بما يحب. وقد لقب النبى ﷺ عمر بالفاروق، وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذى النورين، وخزيمة بذى الشهادتين .. إلخ. ١٦ - التوبة أصل تاب إلى الله: عاد إلى الله ورجع عن المعصية وأناب، يقول تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (النور: ٣١).

стр. 724

وتاب الله عليه: أى وفقه للتوبة، وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة، يقول تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ (التوبة: ١١٧)، ويقول تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ (غافر: ٣). والتوبة: ترك الذنب على أبلغ الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت. ولا رابع لذلك. وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة فى الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. والتائب يقال لباذل التوبة، ويقال- أيضا- لقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ (التوبة: ١١٢). والله: تائب على عبده ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (التوبة: ١١٨). والتوّاب: العبد الكثير التوبة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة: ٢٢٢). وقد يقال ذلك لله تعالى: لكثرة قبوله التوبة (٣٢) إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (الحجرات: ١٢). ١٧ - الجبت والطاغوت الجبت: النذل الذى لا مروءة له ولا خير فيه. وقال الشعبى: هو السحر. وقيل: هى كلمة تقع على الصنم، والكاهن، والساحر. وعلى كل فهى تقال لكل ما عبد من دون الله (٣٣). والطاغوت: عبارة عن كل متعبّد، وكل معبود من دون الله. ويستعمل فى الواحد والجمع على السواء قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ (البقرة: ٢٥٦) وقال كذلك: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ (البقرة: ٢٥٧). والطاغوت: هو الشيطان. وقيل: هو الساحر، وقيل: الكاهن، وقيل: المارد من الجن. وعلى كل فهو كل صارف عن طريق الخير (٣٤). وقد وردت هذه العبارة بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فى القرآن الكريم مرة

стр. 725

واحدة ٣٣. وذلك فى قوله تعجبا من أمر أهل الكتاب: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (النساء: ٥١، ٥٢). والمعنى: أن اليهود الذين أعطوا نصيبا من الكتاب يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ أى: بما عبد من دون الله وَالطَّاغُوتِ أى: الشيطان، أو كل من تجاوز حدود الله. وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أنتم أهدى طريقا. وأصح دينا من محمد وأصحابه. هؤلاء أبعدهم الله من رحمته، وليس لهم من دون الله نصيرا يعتد بنصره. ١٨ - الجوابى الجوابى: جمع الجابية، وهى القدر العظيمة، أو الحوض الكبير، الذى يجبى فيه الشيء، أى يجمع (٣٥). وقد وصفت بها الجفان، التى كان يصنعها الجن لسليمان ﵇، بعد أن سخر الله له فريقا منها. والجفان: جمع جفنة، وهى: وعاء الأطعمة. وقد ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك فى قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (سبأ: ١٢، ١٣). ١٩ - الحاقّة الحاقة: اسم من أسماء يوم القيامة؛ ولا نزاع فى ذلك. ولكنهم اختلفوا فى سبب هذه التسمية، قال ابن كثير: لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، وقال أبو مسلم: لأنها واجبة الوقوع، ولا ريب فى مجيئها، وقيل: لأن الأمور تعرف فيها على حقيقتها، وقيل: لأن فيها تكون حواق الأمور الواجبة الحصول، من الثواب والعقاب، وغيرهما من أحوال القيامة، وقيل: غير ذلك (٣٦). وقد ذكر هذا الاسم ليوم القيامة فى القرآن الكريم ثلاث مرات، فى قوله ﵎ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة: ١ - ٣).

стр. 726

٢٠ - حدود الله تعالى الحدود: الحواجز، وهى: جمع حدّ، والحد: الحاجز بين الشيئين، الذى يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه، المميز له عن غيره، والحدّ كذلك: المنع، ومنه سمى الحديد حديدا؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن، وكذلك: حد الزنا والخمر سمى به؛ لكونه مانعا لمتعاطيه من معاودة مثله، ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه. وحدود الله: هى التى تمنع أن يدخل فى أحكامه تعالى ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها، قال تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (الطلاق: ١). وشرعت الحدود فى المعاصى؛ لأنها تمنع أصحابها من العود إليها، أو إلى مثلها، قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها (البقرة: ٢٢٩). قال الراغب: وجميع حدود الله، على أربعة أوجه: إما شىء لا يجوز أن يتعدّى بالزيادة عليه ولا القصور عنه، كأعداد ركعات صلاة الفرض. وإما شىء تجوز الزيادة عليه، ولا يجوز النقصان عنه، وذلك كمقدار الزكاة. وإما شىء لا تجوز الزيادة عليه، ويجوز النقصان عنه، وذلك مثل: التزوج بأربع فما دونها. وإما شىء يجوز عليه كلاهما، أى الزيادة والنقصان، مثل: صلاة الضحى، فإنها ثمان، وتجوز الزيادة عليها، والنقصان منها (٣٧). ٢١ - الحرث الحرث: العمل فى الأرض زرعا كان أو غرسا، بإلقاء البذر فى الأرض، وتهيئتها للزراعة. والحرث كذلك: نفس الزرع، يقول تعالى: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ (البقرة: ٧١)، ويقول تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ (آل عمران: ١١٧)، ويقول تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (الواقعة: ٦٣، ٦٤)، ويقول تعالى: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (القلم: ٢١، ٢٢). والحرث: متاع الدنيا يقول تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ

стр. 727

كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (الشورى: ٢٠). والحرث: الثواب والنصيب يقول تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ (الشورى: ٢٠). والحرث: النساء يقول تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة: ٢٢٣) وذلك على سبيل التشبيه، فبالنساء زرع ما فيه بقاء نوع الإنسان، كما أن بالأرض زرع ما فيه بقاء أشخاصهم (٣٨). ٢٢ - الحنفاء من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة. والحنيف: هو المائل إلى ذلك، كما فى قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (النحل: ١٢٠)، وقوله تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (آل عمران: ٦٧). وجمع الحنيف: حنفاء أى: المائلون عن الضلال إلى الاستقامة، قال تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (الحج: ٣٠، ٣١). وسمّت العرب كل من حج البيت أو اختتن: حنيفا؛ تنبيها على أنه على دين إبراهيم (٣٩). واشتهرت كلمة (الحنفاء) على عدد من العرب، لم تعجبهم عبادة الأصنام؛ حيث رأوها لا تنفع ولا تضر، ولا تملك لنفسها شيئا، وأن هناك- بالضرورة- قوة قادرة تمد العالم بالحياة، وأن هذه المعبودات من الأصنام التى آمن بها العرب لا توصلهم إلى الله الحق أبدا، فمالوا عنها، وأخذوا يبحثون بعقولهم عن الله الواحد . ومن هؤلاء: ورقة بن نوفل، ابن عم السيدة خديجة، والذى ورد ذكره فى حديث بدء الوحى للنبى ﷺ (٤٠)، وكذلك: زيد بن عمرو ابن نفيل، ابن عم عمر بن الخطاب (٤٠)، الذى كان يقول: أرب واحد أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير فلا العزى أدين ولا بنتيها ... ولا صنمى بنى عمرو أزور ولكن أعبد الرحمن ربى ... ليغفر ذنبى الرب الغفور

стр. 728

٢٣ - الحمولة الحمولة: بفتح الحاء، على وزن فعولة، ولا واحد له. والمراد بها: ما يحمل الأثقال من الأنعام، وعن أبى زيد: كل ما احتمل عليه الحمل، من: حمار، أو بغل، أو بعير، سواء كانت عليه الأحمال، أو لم تكن، ثم قيل: يختص اللفظ بالإبل، وقال الضحاك: الحمولة: من الإبل، والبقر، وقال الحسن: الحمولة: الإبل، وقال ابن عباس: الحمولة: كل ما حمل من الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والحمير. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيها أن (الحمولة): المسخرة، المذلّلة. وقد وردت هذه اللفظة فى القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وذلك حينما شرع المولى فى تفصيل حال الأنعام، وإبطال ما تقوّل على الله فى شأنها المتقولون بالتحريم والتحليل (٤١) فى قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (الأنعام: ١٤٢). ٢٤ - الحميم الحميم: الماء الشديد الحرارة .. يقول تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (محمد: ١٥). والحميم: القريب المشفق، الذى تهتم لأمره، ويهتم لأمرك، يقول تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (المعارج: ٨ - ١٠) قال الفراء: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم يعرفونهم ساعة، ثم لا تعارف بعد تلك الساعة. ويقول تعالى: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (الشعراء: ١٠٠، ١٠١)، وأصل هذا من الحميم: وهو الماء الحار. قال قتادة: يذهب الله- يوم القيامة مودة الصديق، ورقّة الحميم (٤٢). وقال ابن سيده: الحميم: المطر الذى يأتى بعد أن يشتد الحر؛ لأنه حار، والحميم: القيظ، والحميم: العرق (٤٣). ٢٥ - الحواريون الحواريون: جمع حوارى، والحوارى: الناصر، قال رسول الله ﷺ «إن لكل نبى حواريا، وإن حوارىّ: الزبير بن العوام» (٤٤). وعلى ذلك: فالحواريون: أصحاب عيسى ابن مريم، ﵇ وأنصاره، وكانوا اثنى عشر رجلا، قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ (الصف: ١٤)، أى: قال عيسى ابن مريم: من أنصارى فى السبيل إلى الله،

стр. 729

فيضم نصرته إلى نصرة الله- لأظهر الدعوة، وأنشر الدين؟ قال الحواريون: نحن أنصار نبيه ودينه. واختلف فى تسميتهم بذلك على أقوال: قال ابن عباس: سموا بذلك؛ لبياض ثيابهم. وقيل: سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس، بإفادتهم الدين والعلم، المشار إليه، فى قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: ٣٣)، وقال قتادة والضحاك: سموا بذلك؛ لأنهم كانوا خاصة الأنبياء؛ لصفاء ونقاء قلوبهم. واختلف فى أصلهم- كذلك- على أقوال: فقيل: كانوا صيادين، يقول الراغب: وإنما كانوا كذلك لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة، وقودهم إلى الحق. وقيل: كانوا قصارين للثياب وصباغين. وأراد معلّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندى ثياب كثيرة، مختلفة الألوان، وقد علمتك الصبغة فاصبغها، فطبخ عيسى وعاء واحدا، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال: كونى بإذن الله على ما أريد منك. فقدم الحوارى: هو معلم الصباغة، والثياب كلها فى هذا الوعاء الواحد، فقال لعيسى: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوبا أحمر، وثوبا أصفر، وأخضر، إلى غير ذلك، مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه، فعجب الحوارى، وعلم أن ذلك من الله، ودعا الناس إليه، فآمنوا به. فهم الحواريون. وقيل: كانوا ملوكا، وذلك أن الملك صنع طعاما، ودعا الناس إليه، وكان عيسى على قصعة، فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم، قال: إنى أترك ملكى هذا، واتبعك، وانطلق بمن اتبعه مع عيسى ﵇. فهم الحواريون (٤٥). ٢٦ - الحور العين ورد ذكر (الحور العين) فى القرآن الكريم بهذا الاسم: ثلاث مرات. فى قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (الدخان: ٥١ - ٥٤). وفى قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (الطور: ١٧ - ٢٠). وفى قوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ

стр. 730

مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (الواقعة: ١٧ - ٢٢). وبوصف (عين) فقط: فى قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (الصافات: ٤٨، ٤٩). وبوصف (حور) فقط: فى قوله تعالى حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (الرحمن: ٧٢). والحور: جمع أحور وحوراء. والحور: قيل ظهور قليل من البياض فى العين من بين السواد، وذلك نهاية الحسن من العين (٤٦)، والحوراء: ما كانت كذلك، وقيل: الحور .. أن تسودّ العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر، وليس فى بنى آدم حور، وإنما قيل للنساء: حوراء؛ لأنهن يشبهن الظباء والبقر. وقيل: الحوراء: هى التى يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه فى كعبها، من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون. عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، ومن تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر فى الزجاجة البيضاء. وقال مجاهد: إنما سميت الحور حورا؛ لأنهن يحار الطرف فى حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن (٤٧). والعين: جمع عيناء، والمعنى: عظام العيون وواسعتها، كما قال السدى، وقال مجاهد: حسان العيون، وقال الحسن: الشديدات بياض العين، الشديدات سوادها، والأول أشهر فى اللغة. وقد وصف القرآن الكريم (الحور العين) بعدة أوصاف: الأول: أنهن قاصِراتُ الطَّرْفِ (الصافات: ٤٨) أى: قد قصرن طرفهن على أزوجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم. الثانى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (الصافات: ٤٩) أى: كأنّهنّ مثل بيض النعام، المغطى بالريش، والذى لم تمسه الأيدى، والمصون عن الكسر، أى: أنهن عذارى. الثالث: مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (الرحمن: ٧٢) أى: مستورات فى الخيام، لسن بالطوافات فى الطرق، وقد قصرن على أزواجهن فلا يردن بدلا منهم. الرابع: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (الرحمن: ٧٤) لم يمسسهن قبل أزواجهن فى الجنة إنس غيرهم ولا جان. الخامس: أنهن كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (الواقعة: ٢٣) أى هن فى ذواتهن مثل اللؤلؤ، الذى لم تسمه الأيدى، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء وتلألؤا.

стр. 731

واختلف أيهما أفضل فى الجنة: نساء الآدميات أو الحور العين؟ قال بعضهم: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن فى الدنيا. وقيل: إن الحور العين أفضل؛ لقوله ﵊ فى دعائه: «وأبدله زوجا خيرا من زوجته» (٤٨). ٢٧ - الخلود هذه اللفظة (الخلود) وردت فى القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك فى قوله تعالى ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (ق: ٣٤). كما وردت مشتقاتها- فى آيات القرآن الكريم- ست وثمانين مرة. والمراد بها: البقاء الذى لا انتهاء له أبدا (٤٩). والخلود فى اللغة: هو تبرؤ الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التى هو عليها، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب ب «الخلود»، يقول تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (الشعراء: ١٢٨، ١٢٩)، يقال: خلد يخلد خلودا أى: بقى وأقام. ولا يكون الخلود إلا فى الجنة، أو فى النار. والعياذ بالله (٥٠). يقول تعالى فى وصف أهل الجنة: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (الزمر: ٧٣). ويقول- فى وصف أهل النار إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها (البينة: ٦). ٢٨ - الخير الخير (٥١): ما يرغب فيه الكل، كالعقل، والعدل، والفضل، والشيء النافع عامة، وضده: الشر. والخير ضربان: خير مطلق، وخير مقيد. فالخير المطلق: ما كان مرغوبا فيه بكل حال، وعند كل أحد، كما فى قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: ٢٦). والخير المقيد: ما كان مرغوبا فيه فى بعض الأحوال، وعند بعض الآحاد، أى: ليس فى كل حال، وليس عند كل أحد، مثل: المال، الذى ربما كان خيرا لزيد وشرا لعمرو، ولذلك: وصفه الله تعالى بالأمرين، فقال فى موضع خير: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ

стр. 732

الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ١٨٠) فالخير هنا: هو المال من غير خلاف، وقال فى موضع آخر: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ (المؤمنون: ٥٥، ٥٦). والخير- كذلك- يقال على وجهين: أن يكون اسما، وأن يكون وصفا. فالاسم: كما فى قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (آل عمران: ١٠٤)، والوصف: كما فى قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى (البقرة: ١٩٧) ومن جهة ثالثة: يقابل الخير .. تارة بالسوء، وتارة بالشر، وتارة بالضر. فيقابل بالسوء كما فى قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (آل عمران: ٣٠)، ويقابل بالشر: كما فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (النور: ١١)، ويقابل بالضر: كما فى قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنعام: ١٧). ٢٩ - الدين القيم الدين القيم: أى الثابت المقوّم لأمور المعاش والمعاد. وهو: دين الإسلام، القيم المستقيم (٥٢)، الذى فطر الله الناس عليه، وتعبدهم بمبادئه وتعاليمه. يقول سبحان: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (يوسف: ٣٩). ويقول سبحانه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الروم: ٣٠). ويقول سبحانه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (الروم: ٤٣). ويقول سبحانه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (التوبة: ٣٦). وأما دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة: ٥) أى: دين الأمة القائمة بالقسط، وهى المشار إليها بقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران: ١١)، وقوله تعالى:

стр. 733

كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ (النساء: ١٣٥). ٣٠ - روح القدس الروح: اسم للنفس، وذلك: لكون النّفس بعض الروح، من باب تسمية النوع باسم الجنس، نحو تسمية الإنسان بالحيوان. وجعل اسما للجزء الذى به تحصل الحياة والتحرك، واستجلاب المنافع، واستدفاع المضار. وبه سمى أشراف الملائكة- ﵈، نحو: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ (النبأ: ٣٨). وبه كذلك سمى جبريل ﵇: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (الشعراء: ١٩٣). والقدس: من التقديس، وهو التطهير الإلهى، وليس هو التطهير المقصود به إزالة النجاسة المحسوسة. وعلى هذا: ف (روح القدس) هو: جبريل ﵇؛ وسمى بذلك من حيث إنه ينزل بالقدس من الله، أى بما يطهر نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهى. وقد ورد هذا الاسم فى القرآن الكريم أربع مرات (٥٣). فى قوله تعالى: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (البقرة: ٨٧، ٢٥٣). وقوله تعالى: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا (المائدة: ١١٠). وقوله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (النحل: ١٠٢). ٣١ - الزقوم الزقوم (٥٤): مشتق من التزقم، وهو البلع على جهد ومشقة، وكراهية، وهو: شجر كريه المنظر، كريه الطعم. واختلف فى هذا الشجر، هل هو من شجر الدنيا، الذى تعرفه العرب، أو لا. على قولين: أحدهما: أنها من شجر الدنيا، وهى: شجرة مرة، من أخبث الشجر تكون بتهامة، من أرض الجزيرة، وقال بعضهم: إنها نبات قاتل. ثانيهما: أنها ليست من شجر الدنيا، بل هى طعام أهل النار. وهى شجرة خلقها الله فى جهنم، إذا جاء أهل النار فالتجئوا إليها، وأكلوا منها، تغلى فى بطونهم، كما يغلى الماء الحار، وشبه ما يصير منها فى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب من الغليان. ومن العجيب: أنها تحيا بلهب النار، كما يحيا شجر الدنيا بالماء، ولا مناص لأهل النار من أكلها .. ينحدر إليها من كان منهم فوقها، ويصعد إليها من كان أسفلها؛ لهذا الغرض.

стр. 734

ولما نزل قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (الدخان: ٤٣ - ٤٦) لم تعرفها قريش، فقال أبو جهل: إن هذا لشجر ما ينبت فى بلادنا، فمن منكم يعرف الزقوم .. ؟ فقال رجل قدم عليهم من إفريقية: (الزقوم) بلغة إفريقية: الزبد بالتمر، فقال أبو جهل: يا جارية .. !! هاتى لنا تمرا وزبدا نزقمه، فجعلوا يأكلون منه، ويقولون: أفبهذا يخوفنا محمد فى الآخرة .. ؟ فبين الله هذه (الشجرة) فى موضع آخر بصفتها، حيث قال ﵎: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (الصافات: ٦٢ - ٦٧). فقد بين تعالى: ١ - أنها فتنة لهم واختبار. ٢ - وأصلها: تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. ٣ - وشكلها: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ. ٤ - وأنهم يأكلون منها لا محالة: فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ. ٥ - أنهم يحاولون إطفاء لهيبها بالحميم: إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ. وقد سماها ب (الشجرة الملعونة) - كذلك- فى قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (الإسراء: ٦٠). وهدّد- الكافرين بالأكل منها فى قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (الواقعة: ٥١ - ٥٦). ٣٢ - السائبة هى الناقة التى تسيّب فى المرعى، فلا ترد عن حوض ولا علف، وذلك إذا ولدت خمسة أبطن، وقال ابن إسحاق: هى الناقة إذا تابعت بين عشر إناث- أى: فى ولادتها- ليس بينهن ذكر، لم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف. وقيل: السائبة: هى البعير، يسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزله أن يفعل ذلك، فلا تحبس عن رعى ولا ماء، ولا يركبها أحد. وقد يسيّبون غير الناقة.

стр. 735

وهذه التسمية ليست من الله فى شىء، بل ما سنّ الله هذا الفعل حكما، ولا تعبد به شرعا، إنما هو مما أطلقه العرب، ومارسوه فى الجاهلية، وقالوا: إن الله أمر بتحريمها، وزعموا أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم. وقد كذبوا .. فطاعة الله إنما تعلم من قوله وشرعه، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول ولا شرع، فكان ذلك مما يفترونه على الله (٥٥). هذا .. وقد ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم .. مرة واحدة فقط، وذلك فى قوله ﵎: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (المائدة: ١٠٣). ٣٣ - السبع الطرائق وهى: عبارة وردت فى القرآن الكريم، مرة واحدة، وذلك فى قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (المؤمنون: ١٧). والسبع: هى العدد المعروف، والطرائق: جمع طريق، كما فى قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (الجن: ١١)، إشارة إلى اختلافهم فى درجاتهم، وأطباق السماء يقال لها- كذلك- طرائق. وقال الخليل، والزجاج، والفراء: (سبع طرائق) أى: سبع سماوات، كقوله: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (نوح: ١٥). كل سماء طريقة وإنما قيل لها: طرائق، لتطارقها، بمعنى كون بعضها فوق بعض، يقال: طارق الرجل نعليه. إذا أطبق نعلا على نعل، وطارق بين ثوبين. إذا لبس ثوبا فوق ثوب. وقال على بن عيسى: سميت بذلك؛ لأنها طرائق للملائكة فى العروج والهبوط والطيران. وقال آخرون: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها (٥٦). ٣٤ - السكينة السكينة: هى السكون والوقار والطمأنينة وزوال الرعب، وقيل: هى الرحمة، وقيل: هى النصر، وقيل: هى الوقار وما يسكن به الإنسان. وقد وردت فى القرآن: ست مرات (٥٧). اثنتان فى سورة التوبة فى قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ

стр. 736

وثلاث فى سورة الفتح: فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ (الفتح: ٤)، وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (الفتح: ١٨). وقوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى (الفتح: ٢٦). وكل واحدة ذكرت فى هذه الآيات فهى بمعنى الطمأنينة- كما قال ابن عباس- إلا التى فى البقرة. وهى المرة السادسة، وهى قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ (البقرة: ٢٤٨). فقد اختلف العلماء فى معنى (السكينة) فى هذه الآية قيل: هى مثل نظائرها، والمعنى: هو- أى التابوت- سبب سكون قلوبكم وطمأنينتها؛ حيث كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت- لذلك- تسكن إليه النفوس، وتأنس به وتقوى. وقيل: هى روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا فى أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت فى الحرب، كان لهم النصر والظفر، وقيل: هى ريح هفافة- أى سريعة المرور فى هبوبها- لها وجه كوجه إنسان، وقيل: هى حيوان كالهر، له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم، وقيل: هى طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. والصحيح القول الأول (٥٨)، وفى غيره من الأقوال آثار الوضع، ورائحة الإسرائيليات. ٣٥ - شعائر الله والشعائر: جمع شعيرة، وهى كل شىء لله تعالى فيه أمر، أو نهى، أشعر به وأعلم، ومنه: شعار القوم فى الحرب، أى علامتهم التى يتعارفون بها، ومنه كذلك: إشعار البدنة، وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل منه الدم؛ فيكون علامة، وتسمى: شعيرة، بمعنى: مشعورة، أى: معلّمة. والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، يقال: أشعر هديه أى جعل له علامة ليعرف بها أنه هدى، ومنه: المشاعر، أى: المعالم، واحدها مشعر، وهى المواضع التى قد أشعرت بالعلامات، ومنه: الشاعر؛ لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره. ومنه: الشعير؛ لشعرته التى فى رأسه (٥٩). وقد اختلف العلماء فى المراد من (شعائر الله) على أقوال، أبرزها قولان (٦٠): الأول: ما قاله عطاء والحسن، قال عطاء ابن أبى رباح: هى جميع ما أمر الله به، ونهى

стр. 737

وقد اختلف العلماء فى المراد من (شعائر الله) على أقوال، أبرزها قولان (٦٠): الأول: ما قاله عطاء والحسن، قال عطاء ابن أبى رباح: هى جميع ما أمر الله به، ونهى عنه، وقال الحسن: هى دين الله كله، ويشهد لهما: قوله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: ٣٢). والثانى: ما قاله ابن عباس، ومجاهد. قال ابن عباس: هى جميع مناسك الحج ومعالمه. وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدى، والبدن كل ذلك من الشعائر، ويشهد لهما: أن المشركين كانوا يحجون، ويعتمرون، ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً (المائدة: ٢)، أى: لا تتعدوا حدود الله فى أمر من الأمور، ولا فى شعيرة من شعائره. كما يشهد لهما: قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ (البقرة: ١٥٨)، وكذلك: قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ (الحج: ٣٦). قال القرطبى: والقول الأول هو الراجح الذى يقدم على غيره؛ لعمومه. ٣٦ - الشهر الحرام الشهر: مدّة مشهورة بإهلال الهلال، أو باعتبار جزء من اثنى عشر جزءا من دوران الشمس من نقطة إلى نقطة، وهو مشتق من الإشهار؛ لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده. والحرام: أى ما حرم الله فيه كثيرا مما لم يحرم فى غيره (٦١). والمراد ب الشَّهْرُ الْحَرامُ: ذو القعدة، وذلك فى قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ (البقرة: ١٩٤)؛ حيث أقبل رسول الله ﷺ للعمرة فى ذى القعدة من العام السادس للهجرة، فصده المشركون، وتصالحوا، على أن يعود للعمرة فى العام المقبل، وقد عاد، وأخلى له أهل مكة البلد، وأقام فيها ثلاثا، ثم خرج منصرفا إلى المدينة، فقال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذا القعدة، الذى اعتمرتم فيه بقدرة الله ب الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذا القعدة الذى صدكم فيه مشركو مكة عن العمرة، فى العام الذى كان قبله (٦٢). وكذلك فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً (المائدة: ٢)، قال زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ

стр. 738

الآية، أى: لا تعتدوا على هؤلاء العمّار، بسبب أن صدكم أصحابهم، ومن المعلوم .. أن رسول الله ﷺ ، كان هو وأصحابه بالحديبية، حين صده المشركون عن البيت فى ذى القعدة. والمراد به- كذلك- رجب. وذلك فى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: ٢١٧)، حيث بعث رسول الله ﷺ بعثا من المهاجرين، فقتلوا عمرو بن الحضرمى، فى آخر يوم من رجب، وأسروا رجلين، واستاقوا عيرهم، فقال النبى ﷺ ، لم آمركم بالقتال فى الشهر الحرام، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام»، فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، إلى قوله: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أى: قد كانوا يفتنوكم- يقتلونكم- وأنتم فى حرم الله، بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم فى الشهر الحرام مع كفرهم بالله (٦٣). والمراد به- ثالثا- الأشهر الأربعة المشار إليها فى قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (التوبة: ٣٦). وهذه الشهور .. هى: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، الذى بين جمادى الآخرة وشعبان، وذلك فى قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ (المائدة: ٩٧)، حيث قرر الله تعالى فى قلوبهم: حرمتها، فكانوا لا يروّعون فيها نفسا، ولا يطلبون فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى فيها قاتل أبيه وابنه وأخيه، فلا يؤذيه، واقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة، ومجالا للسياحة فى الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحدا منفردا فى نصف العام؛ دركا للاحترام، وهو شهر رجب (٦٢). ٣٧ - الصاخّة هى: الصّيحة التى تصخّ الأسماع، أى: تقرعها وتصمّها. قال ابن سيده: هى صيحة تصخّ الأذن، أى تطعنها، فتصمّها لشدتها، ومنه سميت القيامة. وقال أبو إسحاق: هى الصيحة التى تكون فيها القيامة، تصخّ الأسماع، أى: تصمّها، فلا تسمع إلا ما تدعى به للأحياء. وأصل الكلمة فى اللغة: الصك الشديد. وهى عبارة عن القيامة (٦٤)، حسب المشار إليه فى قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (الأنعام: ٧٣، طه: ١٠٢، النمل ٨٧، النبأ

стр. 739

١٨)، قال ابن كثير: الصاخّة اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذّره عباده. وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البغوى: الصاخة: يعنى صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أى تبالغ فى إسماعها، حتى تكاد تصمّها (٦٥). وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس: ٣٣ - ٣٧). ٣٨ - الصاعقة هى: الهدّة الكبيرة، والصوت الشديد من الجو، ويكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، ولكنها فى ذاتها شىء واحد. ولذلك قال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه (٦٦): ١ - بمعنى النار: كما فى قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (البقرة: ١٩). قال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد، وكما فى قوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ (الرعد: ١٣)، ذكر الماوردى عن ابن عباس وعلى بن أبى طالب ومجاهد: أنها نزلت فى يهودى قال للنبى ﷺ : أخبرنى من أى شىء ربك؟ أمن لؤلؤ؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. ٢ - بمعنى العذاب: كما فى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (فصلت: ١٣) أى: خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد وثمود، وقوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (فصلت: ١٧) أى: العذاب المهلك. ٣ - بمعى الموت: كما فى قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أى: أماتتكم الصاعقة ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة: ٥٥، ٥٦)، وكما فى قوله تعالى: فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ (النساء: ١٥٣). وكما فى قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (الزمر: ١٦). وكما فى قوله تعالى عن ثمود: فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أى: ماتوا فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (الذاريات: ٤٤، ٥٤).

стр. 740

٣٩ - صبغة الله الصّبغ: تلوين الشيء بلون ما، والصّبغة: ما يصبغ به، وقيل: الهيئة المكتسبة بالصّبغ (٦٧). و (صبغة الله) وردت فى كتاب الله تعالى، فى قوله : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (البقرة: ١٣٨). وقد اختلف فى المراد من (صبغة الله) على أقوال: (٦٨) الأول: أن المراد دين الله؛ وذلك أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر، يسمونه «المعمودية»، ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك .. قال: الآن صار نصرانيا. فقال الله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وهى: الدين والإسلام، لا صبغتهم. الثانى: أن المراد فطرة الله؛ وذلك كقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (الروم: ٣٠). ومعنى هذا: أن الإنسان موسوم فى تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، وعلى هذا: فهذه الآثار كالصبغة له والسمة اللازمة. الثالث: أن المراد: الختان، الذى هو تطهير. أى: كما أن المخصوص الذى للنصارى تطهير لهم، فكذلك الختان، تطهير للمسلمين. الرابع: أن المراد: حجة الله. الخامس: أن المراد: الاغتسال لمن أراد الدخول فى الإسلام، بدلا من «معمودية» النصارى. عن أبى عبيدة: والقول الجيد هو الأول. ٤٠ - الصيحة الصّيحة: رفع الصوت. من صاح يصيح صيحة وصياحا، ويكون ذلك من الناس وغيرهم. يقول تعالى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ (ق: ٤٢)، وقال الشاعر: وصاح غراب البين وانشقت العصا ... ببين كما شقّ الأديم الصوانع (٦٩). والصيحة فى القرآن الكريم .. على معان: فهى بمعنى: العذاب، كما فى قوله تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (هود: ٦٧) والمراد ب الَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: ثمود، قوم صالح ﵇. وكما فى قوله تعالى: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ والمراد، ب (الذين ظلموا) هنا: أصحاب الأيكة، قوم شعيب ﵇.
следующие страницы →