← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. (٧) لقد حفل الكتاب العزيز بآيات كثيرة مبثوثة فى مكانها الملائم لها فى عدد كبير من سوره، ولكن لما كان لهؤلاء المنافقين من خطر على دعوة الإيمان ومن زرع بذور الفتنة بين جموع المؤمنين فقد شاءت الإرادة الإلهية أن تفضحهم، وتستهزئ بهم بصورة متكاملة، دقة وصف وكمال بيان، وجمال عرض، وإعجاز أسلوب، فى هذه المجموعة المتفردة من آيات كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فخلفت عارا لكل منافق، وسبة لكل مخادع عند كل من وقعت عيناه عليها من الذين يتلون كتاب الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويوم يبعثون. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 807

(٦) توصيف القرآن لطوائف الكافرين إن القرآن الكريم حين تناول الكافرين بالحديث عنهم فإن منزّله- لم يترك كبيرة ولا صغيرة عن هذه الطوائف إلا وقد سجل ألوان الضلال التى اتصفت به، وأنواع الشرك الذى مارسته، وفنون الإفك التى اقترفتها، وحيل النفاق التى خاضت فى مزالقها، وأكاذيب الخداع التى أصرّت على الاستمساك بها، والضلالات التى تروت فى أعماقها. لم يكن ذلك- وحاشا لله- افتراء عليهم أو افتئاتا على فضائل صنعوها أو خيرات قدموها؛ ولذلك وصفتهم آيات الكتاب العزيز بالمشركين، والكفار، وأهل الضلالة، والمنافقين، وأتباع الشيطان، والخاسرين، وغير ذلك من صفات أهل النار، ومن ثم كانت الأمثال التى ضربت لحماقاتهم وكفرهم من السمو والإعجاز بمكان يقول الله سبحانه فى تقبيح فكرهم والاستخفاف بعجزهم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. (١) إن هؤلاء الكفار من الغباء والعجز بحيث لا يستطيعون خلق ذبابة وهى من أضعف مخلوقات الله وأقلها شأنا، بل إن تلك المخلوقة الضعيفة لو سلبتهم شيئا فإنهم يعجزون عن استرداده، ومع ذلك فإنهم يكفرون بعبادة الله، ثم تقرع الآية التالية أسماعهم لعلهم يعقلون، وهى قوله جل وعزّ: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. ولكن لقد ضلت أفئدتهم وقست قلوبهم وعميت أبصارهم وبصائرهم فلم يؤمنوا. ويضرب الله مثلا آخر لجمود هؤلاء المكابرين وعناد أولئك الضالين الذين هم على شاكلة سابقيهم فى المثل السابق، وفى هذا المثال ييسر على هؤلاء الضالين طريق الإيمان فى آيتين، ويردف بآية توصيف حال هؤلاء الكافرين بآية ثالثة تظهر إصرارهم على الضلال، ثم يختم بآية رابعة لعلها توقظ حسّ الإيمان فى قلوبهم ونور اليقين فى أفئدتهم ولكنهم لا يهتدون: لقد قدّت قلوبهم من صخر، وسلبت بصائرهم فطرة الإيمان.

стр. 808

يقول الله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ. (٢) يقول ابن عباس (٣) فى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً أى: خوفا من الصواعق وطمعا فى الغيث الذى يعقب البرق فيحيى الأرض وينبت الزرع. وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أنه تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه. بعد هاتين الآيتين اللتين تجمعان بين الوعد والوعيد وإظهار نعم الله الخالق وقدرته على البطش بالكافرين، تجىء الآية التى تصف من لا يستجيبون لدعوته- سبحانه- وهى دعوة الحق لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٤). لقد ضلت أفئدتهم، وقست قلوبهم، وعميت أبصارهم وبصائرهم فلم يؤمنوا. ومثل آخر يضربه الله سبحانه لأعمال الكفار التى قد يكونون قصدوا بفعلها الخير فى الدنيا؛ من صدقة مبذولة أو صلة ذى رحم وبيان أنه لا فائدة منها ما دام فاعلها أو فاعلوها عاشوا على الكفر والإشراك بالله، فمثلها مثل الرماد فى يوم عاصف ذهبت ريحه به فى الهواء، ومن ثم فإن أعمال الكفار لا يقبلها الله بل يمحقها كما تمحق الريح الرماد فى يوم اشتدت رياحه وهاجت عواصفه، يقول رب العزة جلّ ثناؤه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (٥). ومن لطف الله ورحمته يتبع سبحانه هذه الآية- مثلما حدث مع مثيلات لها فى مثل هذا الموقف سبق لنا التمثل بها- بآية تحمل التوجيه الحميد وتهدى إلى الإيمان لو كانوا يعقلون، فيقول جل من قائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. ولكن القوم ضلت قلوبهم وقست أفئدتهم وعميت أبصارهم وبصائرهم فأصروا على الكفر ولم يهتدوا. وفى سورة النور يضرب الله مثلين فى آيتين متتابعتين لأعمال الكفار التى لا طائل من وراء

стр. 809

بذلها ما داموا على كفرهم- إذ لا ثواب للكافرين- والآيتان هما قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٦). وهذان المثالان من آيتى النور لهما مكانة خاصة ومقام متميز بين مثيلتهما من الآيات التى تمثل أعمال الكفار وطبيعتهم- أستغفر الله فكلام الله جميعه على أوفى صورة من التميز- ولكن هاتين الآيتين مسبوقتان بأربع آيات جليلة ترشح للدخول إليهما، ثم تتبع الآيتين موضع التمثيل آيتان أخريان تمثلان خاتمتين إيمانيتين تمجدان الذات الإلهية وتحملان من يقرأها إلى مقاصد الرشاد وسبل الإيمان. فأما الآيات الأربع السابقة على آيتى توصيف أعمال الكفار فهى قول الله- عن ذاته العلية فى أولاها: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٧). إن الآية الأولى من هذه الآيات الأربع لو قرئت على شخص أمّى قد تغيب عنه معانى بعض ألفاظها فإن قلبه ينفتح لذكر نور الله إيمانا وطهرا، فما بالنا لو قرأها عالم بمعانيها وما تضمنته من إعجاز نورانى وبهاء إلهىّ، وأما الآيات الثلاث الأخرى فتجمع ثلة من عناصر الإيمان جمعها الله سبحانه فيها، مثل بيوت الله وهى المساجد ذات المقام الأسمى عند المؤمنين فيها يؤدون الصلوات ويسبحون بحمد ربهم، وهم الذين يسعون فى طلب الرزق حلالا عن طريق التجارة التى لا تلهيهم عن ذكر الله وأداء شعائره: إقامة صلاة وإيتاء زكاة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ.

стр. 810

ثم بعد هذه الآيات المضيئة يضرب الله المثلين لأعمال الكفار فى آيتين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً إلى آخر الآية. والمعنى: أن أعمال الكفار التى يعملونها فى الدنيا بحسبانها أعمالا صالحة نافعة لهم فى الآخرة، لن تجدى فتيلا، فهى كالسراب الذى يظنه الظمآن ماء وهو ليس بماء بل ليس بشيء حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أى حسابه على كفره بربه. والآية الثانية أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها والمعنى، أن أعمال الكفار لا تنفعهم، بل إنها كظلمات كثيفة فى بحر عميق مائج هائج يعلوه سحاب، فإن تراكم طبقات الموج مع طبقات السحاب يحجب الضياء، حتى إن الكافر لا يكاد يرى كفه إذا أخرجها. وليس أشد ظلمة من ظلمة الموج لمن مارس الأسفار فى البحار والمحيطات، وهذا التشبيه العجيب فى نظر الإنسان، وبخاصة إنسان عصر المبعث، حقيقة مخيفة، وأما فى العصر الحديث فقد حملت بحارا غير مسلم إلى الإيمان بالله بعد أن قرأ الآية الكريمة فى ترجمة لمعانى القرآن خاصة بعد أن عرف أن محمدا لم يجرب ارتياد البحار القريبة فضلا عن عبور المحيطات التى تحدث فيها هذه الظاهرة. لقد ختم الله الآية الكريمة- وعمادها وصف كلمة البحار والمحيطات- بقوله : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ وذلك تعقيبا على ظلام عمل الكفار. وفى اجتهاد بعض المفسرين لهاتين الآيتين: أن الله ضرب المثل الأول لعمل صالح قام به الكافر فمثل له بالسراب الخادع، وضرب الثانى ومثل له بالظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض لاعتقاده السيئ وذلك فى الختام الرائع وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٨) إن من المبهر فى السنن الإلهية فى المثلين المتتاليين سالفى الذكر حيال تصوير أعمال الكفار أنهما قد سبقا بآيتى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وأنهما أتبعتا بثلاث آيات إيمانية تسبح له فى أولاها- السموات والأرض، والطير السابحات الصافات بين السماء والأرض- وتفرد الآية الثانية أن لله ملك السموات والأرض، وتشرح الآية الثالثة قدرة الخالق على خلق السحاب ومراحل تكوينه حتى يصير ركاما ينزّل الغيث

стр. 811

من خلاله كما ينزل مع الغيث جبالا من البرد مقرونة بسنا برقه الذى يكاد يذهب بالأبصار، وذلك فى قوله جل وعزّ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٩). تلك أمثلة قليلة عن توصيف المولى- جل وعلا- لأعمال الكفار، وهو- ﷻ لا يقدم توصيفا لعمل من أعمال الكافرين إلا ويقدم قبله آية أو آيتين إيمانيتين ترشح قارئها للإيمان رحمة منه وعدلا، وتنبيها للقلوب المغلقة، وإيقاظا للنفوس النائمة فى ظلام الضلال. فأما المثال الأخير المكون من عملين وتوصيفين متتابعين لأعمال الفئات الضالة فقد قدم- ﷻ قبلهما آيتين باهرتين، إحداهما: يوضح فيها نور ذات، ويذكر بيوته المأهولة بمرتاديها من عباده المؤمنين الصالحين. ثم يختم الآيتين- موضع التوصيف والمؤاخذة- بثلاث آيات باهرات هادية إلى اليقين داعية إلى الإيمان. ولكن القوم ضلت قلوبهم وقست أفئدتهم، ويبست مشاعرهم وعميت بصائرهم فأصروا على الكفر وباءوا بخسران مبين. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 812

(٧) تتابع سنّتى الإيمان والعصيان فى آية واحدة أو أكثر ومن السنن الإلهية الإيمانية فى القرآن الكريم أن تأتى سنة الإيمان وجريرة العصيان فى الآية الواحدة أو فى آيتين متجاورتين رحمة من الرحمن الرحيم بخلقه من بنى الإنسان، حيث يضع الحسن والقبيح متجاورين، وينزل الإيمان والكفر متتاليين حتى يكون العبد على بيّنة من أمره، من آمن بالخير اتخذه طريقا، ومن ارتضى العصيان فهو المسئول عن سوء ما ارتضى، والآيات فى هذه السنّة كثيرة شأنها فى ذلك شأن آيات الإيمان وشأن آيات فضل الله على العباد، ولأن هذا النوع من الآيات يبين رحمة الله بخلقه وعدله بين عباده، فقد رأينا أن نقدم نماذج منها، وهذه النماذج وإن تكن قليلة بالقياس إلى ما حفل به الكتاب العزيز منها، فإن قليلا من الخير فى أحيان كثيرة يغنى عن كثيره، وإن كانت هذه القاعدة لا يجمل بنا أن نجعلها مقياسا ونحن نتعامل مع القرآن الكريم، كلام الله الذى أنزل على سيد خلقه وخاتم رسله وأنبيائه. يقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ. (١) ويقول الله- فيمن استجابوا لربهم والذين لم يستجيبوا: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ. (٢) وفى الفرق بين طلاب الدنيا وطلاب الآخرة يقول : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ

стр. 813

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣). والذى يستوقف القارئ المتمعن فى هذه الآيات هو أن منزل الكتاب جلت قدرته حسم القضية فى آية واحدة هى أولى الآيات الثلاث فى إيجاز وإعجاز، ثم يتبع فى الآية الثانية بقصر الكلام على طلاب الدنيا فى إطار من التوبيخ والوعيد، وتكمل أولى كلمات الآية الثالثة وصف حال الظالمين بما يشبه الإشفاق؛ ثم تكون بقية الآية تتويجا لحال من أرادوا حرث الآخرة بأنهم فى روضات الجنات لهم ما يشتهون عند ربهم ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ فشتان- فى القول الإلهى- بين حال الفريقين: لطلاب حرث الآخرة روضات الجنات، وللآخرين عذاب عظيم. ولمن يسلم وجهه إلى الله، وعن من يكفر، يقول رب العزة: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٤). ولا ينبغى لنا ونحن بسبيل العيش فى رحاب كلام الله ألا نشير إلى أن هنا خطابا من العزيز الحميد موجها إلى حبيبه ورسوله يخفف عنه بعض ما يمكن أن يكون قد لحقه من حزن ألمّ به لإصرار بعض أهل الكتاب على شركهم، يجادلون فى توحيد الله وصفاته بغير علم أو برهان. إنّ أحد أكابر المفسرين (القرطبى) قال: إن الآية نزلت فى يهودى جاء إلى النبى ﷺ فقال: يا محمد، أخبرنى عن ربك من أى شىء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته (٥). وهنا ينبغى أن نذكر أن الآيتين موضع الاستشهاد مسبوقتان بآيتين كاشفتين هما قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ. (٦) ومن السنن الحسنة والسيئة التى مثل الله لها فى آيتين متجاورتين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فالأولى دالة على الخير والإيمان، والثانية دالة على الخبث والكفران، وفى ذلك يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ

стр. 814

الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. (٧) وإن ما قد عود الله عباده عليه من قارئى كتابه العزيز، أن هذا القبيل من الآيات التى تتجاور فيها آيات الإيمان مع آيات الكفران تكون مسبوقة حينا بمدخل إيمانى يتمثل فى آية كريمة، وحينا آخر تكون مسبوقة بآية أو آيات إيمانية متسقة مع روح الآية التالية لها ثم متبوعة بآية أو آيات تعزيزية كما هو الحال فى آيات سورة النور التى سبق التمثيل بها، وكما هو الحال هنا فى آيات الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فآية الكلمة الطيبة مسبوقة بآية يقول الله سبحانه فيها: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ. وآية الكلمة الخبيثة جاءت تالية لها آية فى إطراء وتثبيت للمؤمنين وإنذار ووعيد للظالمين فى قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ. (٨) إن خير ما نختتم به هذا الفصل هو قول الله تعالى: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. أ. د. مصطفى الشكعة

стр. 815

(٨) سنن الخلق الله- هو الخالق البارئ المصور، إنه خالق كل شىء بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) (١). لقد أكرمنا الله- سبحانه- ونحن نستعرض فى القرآن الكريم الآيات التى تحمل سنن الخلق وهى كثيرة وخصيبة وهادية ومرشدة وكافية وشافية ومقنعة ومعجزة، ووقفنا أمامها كما ينبغى للعبد أن يقف أمام كلمات خالقه، خالق الكون بكل ما فيه، وتحيرنا بأى الآيات نبدأ هذه الشريحة من آيات سنن الخلق، فإذا بنا ونحن نقرأ سورة الأنعام وما حفلت به من سنن الخلق تقع أعيننا على الآيتين سالفتى الذكر وفيهما تتكرر عبارة خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ففي الآية الأولى يقول جل وعز: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وفى الآية الثانية يقول : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ فاستخرنا الله وجعلنا الآيتين استهلالا للحديث عن سنن الخلق. وإنه بسبب وفرة آيات سنن الخلق وثرائها فى نطاق القداسة الربانية رأينا أن نتناول ما يتيسر تناوله منها فى نطاقين: نطاق الآيات التى يمكن أن نطلق عليها الآيات الكونية، والجانب الآخر هو نطاق الإنسان وما يتصل به باعتبار أن الله- سبحانه- كرمه بين خلقه واستخلفه فى أرضه، وسخر له كل شىء. سنن الله فى الآيات الكونية: إن كلّ الآيات الكونية متضمنة «خلق السموات والأرض» إذ منهما يتشكل الكون الذى عرف الإنسان منه النزر اليسير، وغاب عنه الكثير الوفير، وبمضى الأزمنة يكتشف الإنسان ما يتيسر له اكتشافه بالعقل الذى وهبه الله إياه والعلم الذى فرض الله عليه طلبه. والذى يلاحظه قارئ آيات الكتاب العزيز: أن الآيات الكونية بعد أن يذكر فيها خلق السموات والأرض، يجدها مليئة بعد

стр. 816

ذلك بالعديد المتباين من سنن الله خلقا وإبداعا. يقول الله جل شأنه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٢). بعد استهلال الآية بذكر الله للسماوات والأرض، نجد فيضا من نعم الله التى أنعم بها على خلقه من نزول الغيث وإخراج الثمرات وتسخير الفلك للإنسان تجرى به فى البحار، بل وسخر لهم الشمس والقمر دائبين، وسخر الليل والنهار فلكل منهما شأن ثم أجابهم الله إلى كل ما سألوه من نعمه التى يعجزون عن إحصائها. وعلى النسق نفسه من ذكر سنن الله فى خلقه، وإسباغ نعمه عليهم يقول الله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) (٣). إن هذه الآية من سورة البقرة، تحمل من الألفاظ والمسميات كثيرا مما تحمله الآيات السابقة من سورة إبراهيم، ومن ثم يذهب الظن بل اليقين عند بعض من لا يعرفون العربية وبخاصة من المستشرقين، أن فى القرآن الكريم ما يطلقون عليه ظاهرة التكرار، وقد وقع فى الخطأ نفسه بعض أبناء المسلمين ممن درسوا على تلك الطائفة من المستشرقين، وغاب عنهم أن اللفظ الذى تكرر فى آيات سورة إبراهيم وآية البقرة، يؤدى وظيفة تختلف من حيث الهدف والمنهج عن تلك الوظيفة التى أدتها هناك، فالماء فى الآيات الأولى نزل على أرض خصبة فأخرج من الثمرات رزقا، والماء فى الآية الأخرى نزل على أرض ميتة فأحياها لتكون صالحة للغرس والإثمار، والفلك فى الآية الأولى مسخرة بأمر الله لنفع الناس، والفلك فى الآية الثانية تجرى أيضا بما ينفع الناس. ولكن الهدف من ذكرها هنا كونها آية لبرهان على قدرة الله عند القوم الذين يعقلون، وكذلك الشأن فيما يتعلق بذكر الليل والنهار، فإن ذكرهما فى الآيات من سورة إبراهيم نعمة سخرها الله للناس على النحو الذى بيناه هناك، وأما ذكرهما فى آية البقرة فإنما

стр. 817

جاء على سبيل الإقناع إذ الهدف من ذكرهما هو أن كلا من الليل والنهار يخلف أحدهما الآخر بصورة دائمة لا تتبدل ولا تتوقف، ومثل ذلك كثير فى آيات الكتاب العزيز التى لا يفقهها إلا من توفرت لديه أدوات فهم اللغة العربية، فضلا عن أن ثمة شروطا كثيرة حددها علماء الأمة ينبغى توفرها عند من يعرض لتفسير القرآن الكريم. نعود مرة أخرى إلى المنهج الذى سرنا عليه فى ارتباط ذكر خلق السموات والأرض فى آيات كتاب الله الكونية لتتمثل بقول الله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) (٤). وإن وقفة التدبر هنا موقعها معجزة خلق الكون، ممثلا فى السموات والأرض فى ستة أيام، ثم الاستواء على العرش، وفى تتابع الليل والنهار بصورة أكثر تفصيلا، وهى كون الليل والنهار يغشى أحدهما الآخر حثيثا؛ أى أن الليل يغطى على النهار فيذهب بضوئه ويطلبه سريعا حتى يدركه. (٥) وإذا كان الكون كله من إبداع الخالق الأعظم، فمن المقطوع به أن الشمس والقمر والنجوم مسخرة جميعا بأمر الله، والآية جميعها موقوفة على الجزء السماوى من سنن الله الكونية؛ إعجازا وإدراكا لجميع البشر، ومن ثم كان ختامها متسقا مع مدلولاتها وذلك بقول الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. ومعجزة الخلق فى ستة أيام يراها القرطبى أنها مثيلة لأيام الدنيا ويقول: «لو أراد لخلقها فى لحظة، ولكنه سبحانه أراد أن يعلّم العباد التثبّت فى الأمور» (٦). وفى آية أخرى يقول- جل وعزّ- لتأكيد فترة الخلق فى ستة أيام: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) (٧). وموقع التدبر هنا أن عرش الله كان على الماء، ويرى الزمخشرى أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض (٨)، فإذا عدنا إلى الماء موضع التدبر وجدنا فى الآية توبيخا لكفار مكة لأنهم ينكرون البعث والنشور. ومن الآيات الكونية المترعة بالسنن الإلهية- بدون ذكر خلق السموات والأرض- قول الله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي

стр. 818

لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) (٩). تضم هذه الآية أربعة عناصر تمثل سننا إلهية، وهى موضوع اهتمام الخلق جميعا، إنها الليل والنهار والشمس والقمر، وليس عجبا أن كل اثنين من هذه المعالم الأربعة مرتبط بقرين له، فالليل والقمر مرتبط أحدهما بالآخر، وكذلك النهار والشمس مرتبط كلاهما بالآخر، وهى جميعا تمثل سننا إلهية ذكرت كل واحدة منها فى القرآن الكريم عشرات المرات. وفيما يتعلق بذكر الليل والنهار، فإن ثمة نوعا من التكافؤ حادث بينهما إذ لا غنى للعيش بدونهما، وإذا كانت آية الأعراف تضمنت قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً حسبما مرّ بنا قبل قليل، فإن الأمر يختلف هنا، إذ يقول المولى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ، وليس ذلك من قبيل التضاد، وإنما هو من قبيل الموازنة والمساواة بين قيمة كل من الليل والنهار. وأما ذكر الشمس والقمر مقترنين أحدهما بالآخر، فتلك من سنن الله الخالدة الباقية إلى أن تقوم الساعة، ويتجلى ذلك فى قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩). وإذا كان بعض المفسرين لم يصل اجتهاده إلى المعنى القرآنى، فإن المفسرين المحدثين قد وفقوا إلى المراد من الآية؛ وهو أن الشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة فى موضعها ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة فى مكانها، وإنما هى تجرى فى اتجاه واحد فى الفضاء الكونى الهائل، ولا بأس بهذا التفسير، وإنما نحن نوضح أنها فى سيرها محكومة بالمجرة التى تضم ملايين الشموس الأخرى، ولعل شمسنا التى أطلعنا الله عليها، والتى جعلها مصدرا من مصادر حياتنا هى- على ضخامتها الهائلة- من أصغر شموس المجرة التى تحتويها وتعرف بمجرة سكة اللبان، وهذه المجرة التى لا تعرف بدايتها من نهايتها، هى واحدة من ملايين المجرات التى يضمها الكون الذى خلقه الله جلت قدرته بغير حدود. هذا وإن الشمس فى جريانها تتحرك بقدرة السميع العليم. ولا يفوتنا فى هذا المقام الذى جرى فيه توصيف الشمس، أنها مسخرة هى والقمر لعوامل أرادها لهما الخلاق

стр. 819

العظيم وذلك فى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (١٠). ولعل من خير ما جاء به المفسرون من قدامى ومحدثين فى هذا المقام، هو ما قال به أخونا فى الله الشيخ محمد على الصابونى برغم إيجازه الشديد: «أن الله- ذلل الشمس لمصالح العباد، كل يسير بقدرته- تعالى- إلى زمن معين هو زمن فناء الأرض» (١١). على أن أحدث ما كتب فى شأن سنة الله فى تسخير الشمس والقمر، وأقربه إلى المراد القرآنى هو ما سطره أخونا فى الله الدكتور زغلول النجار بقوله: «من معانى تسخير كل من الشمس والقمر ضبط حركة كل منهما لما فيه صلاح الكون واستقامة الحياة على وجه الأرض، ومن معانى أن كلا منهما يجرى إلى أجل مسمى أن الكون ليس بأزلى ولا بأبدى، بل كانت له فى الأصل بداية تحاول العلوم المكتسبة تحديدها، وكل ما له بداية لا بدّ وأن تكون له فى يوم من الأيام نهاية، لها من الشواهد الحسية فى كل من الشمس والقمر ما يؤكد على حتميتها، والحقائق القاطعة بتسخير الشمس عديدة جدا منها: (١) الاتزان الشديد بين تجاذب مكونات الشمس وتمددها ... وقد بقيت الشمس مستمرة فى الوجود تحت هذا التوازن العجيب على مدى عشرة بلايين من السنين على أقل تقدير وإلى أن يرث الله- تعالى- الكون ومن فيه، ولولا هذا التوازن الدقيق لانفجرت الشمس كقنبلة نووية عملاقة أو لانهارت على ذاتها تحت ضغط جاذبيتها خاصة وأنها مجرد كرة ضخمة من الغازات. (٢) تسخير طاقة الشمس من أجل ضبط حركة الحياة على الأرض، ذلك أن الشمس تطلق من مختلف صور الطاقة ما يقدّر بحوالى خمسمائة ألف مليون مليون مليون (ثلاث مرات) حصان فى كل ثانية من ثوانى عمرها، ويصل إلى الأرض من هذا الكمّ الهائل من الطاقة حوالى الواحد فى الألف، وبدون هذه الطاقة الشمسية تستحيل الحياة على كوكبنا؛ لأن كلا من النبات والحيوان والإنسان يعتمد فى وجوده بعد إرادة الله الخالق- على قدر الطاقة الذى يصله من أشعة الشمس، كذلك وإن كل الظواهر الفطرية التى تحدث على الأرض وما حولها تعتمد على الطاقة القادمة إلينا من الشمس، فتصريف الرياح وإرسال السحاب وإنزال المطر وبقية دورة الماء حول

стр. 820

الأرض، وما يصاحب ذلك من تسوية وتمهيد لسطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيها وتفجير للأنهار والجداول من حجارتها، وخزن الماء تحت سطح الأرض، وتكوين التربة والصخور الرسوبية، وحركات الأمواج فى البحار والمحيطات، وعمليات المد والجزر، وغير ذلك من عمليات وظواهر، تحركها طاقة الشمس بإرادة الله. (٣) تكوين نطق الحماية المختلفة للأرض بفعل طاقة الشمس، ذلك أن إرادة الله شاءت أن يحمى الحياة على سطح الأرض بعدد من نطق الحماية التى لعبت أشعة الشمس- ولا تزال- الدور الأول فى تكوينها بعد إرادة الله، منها النطاق المغناطيسى للأرض وأحزمة الإشعاع ونطاق الأوزون، وهذه النطق تتعاون فى حماية الأرض من كل من الأشعة فوق البنفسجية والكونية، ومن الجسيمات الكونية الدقيقة والكبيرة التى منها النيازك والشهب، ولو لم تكن هذه النطق موجودة لاستحالت الحياة على الأرض، وإن وجود هذه النطق صورة من صور التسخير التى لم تكن معروفة فى زمن الوحى بالقرآن الكريم، ولا بعد قرون متطاولة من تنزيله حتى نهايات القرن العشرين الميلادى. (٤) تحديد الزمن، إذ أنه يتحدد كل من الليل والنهار ويوم الأرض وشهورها وفصولها وسنيها بدورة الأرض حول محورها، وبسبحها فى مدارها حول الشمس، وبذلك يستطيع الإنسان إدراك الزمن وتحديد الأوقات والتاريخ للأحداث، فبدورة الأرض حول محورها أمام الشمس يتبادل الليل والنهار ويتحدد يوم الأرض. وبسبح الأرض فى مدارها حول الشمس بمحور مائل على الأفق تتحدد الفصول المناخية من الربيع والصيف والخريف والشتاء، كما تتحدد سنة الأرض التى يتقاسمها اثنا عشر شهرا شمسيا تحددها بروج السماء الاثنا عشر المتتابعة» (١٢). هذا بيان بتفسير سنة الله فى تسخير الشمس، ثم نعود إلى سورة يس مرة أخرى وننعم النظر فى قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. يقول ابن كثير فى تفسير هذه الظاهرة الكونية الإلهية: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ؛ أى جعلناه يسير سيرا آخر- غير سير الشمس- يستدل به على معنى الشهور كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار كما قال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ. ويمضى

стр. 821

المفسر فى حديثه عن كل من الشمس والقمر إلى أن يقول: أما القمر فقدره منازل يطلع فى أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور ثم يزداد نورا فى الليلة الثانية ويرتفع منزله، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسا من الشمس حتى يتكامل نوره فى الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع فى النقص إلى آخر الشهر حتى يصير «كالعرجون القديم». قال ابن عباس: هو أصل العذق، وقال مجاهد: العرجون القديم أى: العذق اليابس. يعنى أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى (١٣). ويجيء تفسير الجلالين- بالرغم من منهجه إيجازا فيزيد الظاهرة تفصيلا فيقول: قدرناه من حيث سيره منازل ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، وليلة إن كان تسعة وعشرين يوما، حتى عاد فى آخر منزله «كالعرجون القديم»، تعود الشماريخ جمع شمراخ وهو عيدان عنقود النخيل الذى عليه الرطب إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصغر (١٤). ويقول مثل ذلك صاحب صفوة التفاسير (١٥). ثم يعرض الأستاذ الدكتور زغلول النجار لتفسير هذه الآية فى ضوء التقدم الكبير فى علم الفلك فى السنوات الأخيرة، فيتحدث عن منازل القمر فى علم الفلك حديثا مسهبا ويزيد الأمر وضوحا فى إيضاح الإعجاز العلمى فى الآية الكريمة فيقول: «نظرا للارتباط الشديد بين مراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول إلى البدر، ثم إلى الأحدب الثانى ثم الهلال الثانى ثم المحاق إلى الهلال الجديد فى الشهر القمرى الجديد وبين منازل القمر الثمانية والعشرين وهى مواقعه اليومية المتتالية فى السماء بالنسبة إلى نجوم تبدو مواقعها قريبة ظاهريا، فإن التعبير بمنازل القمر يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية وعلى منازله المتواقعة مع تلك المراحل- أى مواقعه المتتالية فى السماء- باعتبار المنازل- جمع منزل- وهو المنهل والدار. وإن تقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقة القدرة الإلهية ما فيه لأهميته فى معرفة الزمن وتقديره وحسابه باليوم والأسبوع والشهر والسنة، وفى التأريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق، ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطا دقيقا؛ من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه، أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهى إلى نهاية لا يعلمها إلا الله وفى الوقت نفسه الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره، فإذا زادت

стр. 822

إحداهما قلّت الأخرى بنفس المعدل. ويمضى الأستاذ العالم الدكتور زغلول النجار قائلا: ولما كانت سرعة دوران الأرض فى تناقص مستمر بمعدل جزء من الثانية فى كل قرن من الزمن، فإن سرعة دوران القمر فى تزايد مستمر بنفس المعدل تقريبا، مما يؤدى إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاثة سنتيمترات فى كل سنة، وهذا التباعد سوف يخرج القمر فى يوم من الأيام من إسار جاذبية الأرض ليدخله فى نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقا للنبوءة القرآنية التى يقول فيها الحق ﵎: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. (١٦) ومن هنا كانت هذه الإشارة القرآنية المعجزة إلى وصف مراحل القمر المتتالية فى كل شهر، والتى يقول فيها ربنا : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. ويمضى الأستاذ الدكتور زغلول قائلا: ويضاف إلى هذه المعجزات القرآنية التى لا تنتهى أبدا، وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الشهرية للقمر؛ بالعرجون القديم: وهو العنقود من الرطب (العذق) إذا يبس وانحنى واصفر لونه، وهو عند يبوسه على النخلة ينحنى تجاهها، فكذلك الهلال الثانى ينحنى بطرفيه تجاه الأرض، بينما الهلال الوليد ينحنى بهما بعيدا عنها فما أروع هذا التشبيه القرآنى. ويختم الدكتور زغلول بقوله: هذه الحقائق عن القمر لم يدركها العلم الكسبى إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء وعشرات القرون، وورودها فى آية واحدة من كتاب الله الذى أنزل على نبى أمىّ وفى أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، ومن قبل ألف وأربعمائة سنة، مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذى أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وتعهد بحفظه حفظا كاملا. (١٧) وقوله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ «يس: ٤٠» هو سنة إلهية عظمى من سنن الله فى خلقه، ذلك أن الشمس والقمر إذا اجتمعا محا ضياء الشمس نور القمر، لأن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها، والحال نفسها تحدث إذا سبق الليل النهار، ولكن نتيجة ذلك تكون مضادة لنتيجة اجتماع الشمس والقمر، إذ الحال فى سبق الليل النهار أن تكون الأوقات ليلا وحينئذ يختل نظام الحياة على الأرض؛ لأن إرادة الله جعلت طبيعة الحال على كوكب الأرض ينقسم اليوم فيها إلى ليل ونهار، ولليل

стр. 823

طبيعته ووظيفته، وللنهار طبيعته ووظيفته، وقد بينا ذلك تفصيلا فى تفسير آية تسخير الشمس والقمر، والله سبحانه هو الذى سخرهما لصالح الحياة على الأرض، فالشمس لها مدار لا تتجاوزه، والقمر له مدار ومنازل لا يحيد عنها ولا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يكون الجمع بينهما إلا يوم القيامة تبعا لقوله- فى سورة القيامة: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) (الآيات: ٧ - ١٢). اتساع الكون وزيادته بغير حدود . قبل أن ننهى الحديث عن الكون والسماوات وسنن الله فيهن، ننبه إلى ما يقوله علماء الفلك والباحثون فى شئون الكون المعاصرين وأحاديثهم عن المجرات التى لا يعرفون مداها، وأن كل مجرة من هذه المجرات الملايين لا يستطاع تحديد سعتها، حتى إنهم قالوا: إن المجرة التى توجد فيها شمسنا وما يسير فى مدارها من كواكب تضم ملايين الشموس التى تعد شمسنا وما يتبعها من كواكب هى أصغر الشموس حجما ومن أقلها شأنا، وأن هذا الكون الذى يضم ملايين المجرات دائم الاتساع بغير حدود، والجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء ليسوا من المسلمين بل إن أكثرهم من الماديين، وما عرفوا أن القرآن الكريم قد سجل الله فيه ما توصلوا إليه بعد طول البحث والتفانى فى بذل الجهد لمعرفة شىء يعلل ما قد توصلوا إليه من أن الكون يزيد اتساعا. يقول الله- جل وعز- فى سورة الذاريات: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وموضع الدهشة يكمن فى الآية الأولى، فقد فهمها المفسرون القدامى على النحو الذى توصل إليه دارسو الكون من العلماء المعاصرين، ولو أنهم أو بعضهم قرأ القرآن لسارع إلى الإيمان واعتناقه، مثلما فعل عدد غير قليل من غير المسلمين الذين قرءوا القرآن ووقعت أعينهم على الكثير من السنن الإلهية التى يحفل بها الكتاب العزيز، وقد عرفنا كثيرا من هؤلاء العلماء والمستنيرين الذين أسلموا طوعا واقتناعا بعد قراءتهم القرآن الكريم مترجما إلى لغاتهم. يقول المفسرون فى قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أى شيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوة وقدرة. وقال ابن عباس: بأيد: يعنى بقوة. ويقولون فى وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أى لموسعون فى خلق الملائكة (١٨) وتلك

стр. 824

تفسيرات غريبة «أغرب منها ما قاله قتادة من زيادة الخلق الملاحة فى العينين والحسن فى الأنف والحلاوة فى الفم (١٩). ومن المحدثين من المفسرين تنبه الشهيد الأستاذ سيد قطب إلى أن الأيدى هى القوة، والقوة أوضح ما ينبئ عنها بناء السماء الهائل التناسق بأى مدلول من مدلولات كلمة السماء سواء أكانت تعنى مدارات النجوم والكواكب أم تعنى مجموعة من المجموعات النجمية التى يطلق عليها اسم المجرة، وتحوى مئات الملايين من النجوم (٢٠). ولو أن المرحوم سيد قطب نسئ له فى أجله الذى مضى على انقضائه نحو سبع وثلاثين سنة، واطلع على الاكتشافات العلمية الحديثة لأكمل الصورة كاملة لمداومة اتساع الكون بحول من الله خالقه . وفى حقيقة اتساع الخلق والزيادة فيه، يستفتح المولى- سورة فاطر بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إن دليل الحسم على ما تعبر عنه الآية هنا هو ذلك الشطر من الآية بقوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ومعنى الخلق هنا هو عملية الخلق. والأمر العجيب: إن عددا من المفسرين لم يوفق إلى مدلول الآية ومن ثم كان الخطأ الذى وقعوا فيه، فابن الجوزى على سبيل المثال يرى أن زيادة الخلق مقصود به الملائكة، والفهم نفسه يقول به القرطبى الذى يفسر يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أى: يزيد فى خلق الملائكة كيف يشاء. وغير ذلك كثير من سوء الفهم الذى أدى إلى خطأ التفسير، وإن الذى يقرأ الآية بعمق وإمعان حتى من المحدثين- وإن كان بعض مشهورى المفسرين المحدثين وقعوا فى الخطأ نفسه- ينتهى إلى الفهم الذى هو أقرب إلى الصواب، ومرة أخرى نعرض لنص الآية وهى قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ فقصر المفسرون الزيادة فى الخلق على الملائكة دون السموات والأرض اللذين تتلاءم زيادة الخلق فيهما أكثر من ملاءمتها لزيادة الملائكة. ومن ثم تكون جملة يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ الأقرب إلى الصواب الذى يعنى اتساع الكون منه إلى قصر زيادة الخلق على الملائكة، والسموات بالذات هى ما نراه أرجح قصدا لانسجامها مع بنية الآية، ولقول الله فى سورة النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ

стр. 825

خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٢١). والحق أن الحديث عن السنن الإلهية فى خلق السموات حديث طويل يحوى من نعم الله- سبحانه- ما لا يتسع له المقام فى هذا البحث، الذى روعى فيه الإيجاز، لأسباب اقتضتها طبيعة الموضوع الكبير الذى يشكل بحثنا هذا جزءا منه. أ. د. مصطفى الشكعة

стр. 826

(٩) السنن الإلهية فى خلق الأرض الأرض هى الكوكب الوحيد الذى خصه الله- بعنايته وفضله بين ملايين الكواكب والنجوم، فى ملايين المجرات التى يضمها الكون، الذى لا يعرف حقيقته إلا الله الذى خلقه. لقد هيأ الله الأرض للحياة بكل أنواعها لجميع من منّ عليهم بالحياة فيها برا وبحرا وجوا وظاهرا وباطنا، وشرفها بما لم يشرف به كوكبا آخر مع قدرته غير المتناهية على خلق ما يشاء، وذلك طبقا لمعلوماتنا المحدودة كبشر، المستمدة من كتابه العزيز وسنة رسوله وخاتم أنبيائه ﷺ . لقد أراد الله- أن تكون الأرض مستقرا لآدم وذريته من البشر، بعد أن وسوس الشيطان لكل من آدم وزوجته أن يقربا الشجرة التى حرّمها الله عليهما وذلك فى قول الله : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (١). ولما كانت قصة آدم وخروجه وزوجته من الجنة وهبوطهما إلى الأرض من الأهمية بمكان، فقد وردت مرة أخرى فى سياقها من سورة البقرة فى قول الله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (٢). لقد اقتضت المناسبة والإرادة الإلهية تذكيرا للبشرية بوجودها فى الأرض، ذلك

стр. 827

الحوار الذى أجراه المولى مع ملائكته على النحو الذى ذكرنا فقال جل ثناؤه: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣). وإذا كانت الآيات السابقة قد اقتصر الخبر فيها على نزول آدم إلى الأرض واستقراره وزوجته فيها إلى حين، فإن الآيات الأخرى من الكتاب العزيز قد أوضحت أن الله- سبحانه- قد خلق البشر من الأرض، ثم يعيدهم إليها بعد الموت، ثم يخرجهم منها مرة أخرى يوم النشور، جاء ذلك فى الحوار الذى جرى بين موسى وهارون من ناحية وفرعون من ناحية أخرى فى قوله : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٤). ذلك خبر نزول آدم وزوجته إلى الأرض، ومن وجود البشر جميعا فيها: مولدا ومستقرا وبعثا ونشورا، وإذا كان بعض البشر يرون فى خروج آدم من الجنة وإنزاله إلى الأرض حرمانا لهم من البقاء فى الجنة التى أخرج آدم منها وشرا أصابهم، فإنهم بذلك يكونون قد ارتكبوا خطأ وإثما كبيرا، لأن تلك إرادة الله والإرادة الإلهية لا يصدر عنها إلا ما فيه صالح البشرية، وصالح البشرية يقتضى- وقد وهبهم الله العقل وأرسل إليهم النبيين والمرسلين- أن يعملوا بتعاليمه التى حملها إليهم المرسلون، فمن آمن فقد استحق الجنة ومن لم يؤمن فحسابه عند ربه، وربنا لا يظلم مثقال ذرة مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥). أما وقد جعل الله الأرض سكنا ومستقرا لعباده من الجن والإنس فقد جرت مشيئته بتحصينها وكمال السيطرة عليها وعلى ساكنيها، فلا يستطيعون العبث بها أو النفاذ منها أو الانعتاق من بقائهم بين ظهرانيها إلا بسلطان هو باعثه ومسيطر عليه، جاء ذلك فى صيغة التحدى من القول والحسم فى الخطاب، حيث يقول جل شأنه: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦).

стр. 828

ويتبع المولى- سبحانه- هذا التحدى الحاسم بتسجيل ألوهيته المكينة فى تثبيت قدرته المتينة فى أن كل شىء فى السموات والأرض يسجد له، من شمس وقمر ونجوم وجبال ودواب وأناس إلا من انحرف من البشر عن الصراط القويم فيقول عز من قائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٧). وفى إطار من مزيد تأكيد قدرته وتمكين إرادته إزاء خلقه الذين منهم المؤمن الطائع والمنكر، فيسجل قدرته العظمى فى خلق السموات وبنائها وبسط الأرض وإثرائها وذلك فى قوله جل وعز: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٨). بهذا الخطاب القرآنى المعجز الحاسم يبدى منزل القرآن آياته الحاسمة حكما، القاطعة مشيئة، المترعة بفضله وكرمه، وبيان مننه الإلهية ليس على الإنسان وحده، وإنما هى للإنسان وما يملك من أنعام وحيوان. هذه الأرض التى خلقها ومنّ بها على الإنسان خلقا من طينها ومستقرا فى بيوتها ومساكنها واستمتاعا بخيرها من زرع وضرع، ثم بعد ذلك استخلافا فيها وثواء فى ثراها، قد غمره تكريما وأنعم عليه بالمنة العظمى، بأن جعل لذاته العلية بيتا فيها يؤمه الناس حجا وعمرة وصلاة وعكوفا، وينزل الآيات البينات فى تكريم بيته وتأمين من يعيشون حوله، رزقا فى الدنيا وثوابا فى الآخرة. لقد كرم الله الأرض وساكنيها بأن جعل لذاته العلية أول بيت بنى فيها، إنه كما وصفه الله مبارك وهدى للعالمين، وأن فيه مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنا، وأن على كل مسلم مستطيع أن يحج إليه، وكيف لا يكون آمنا من دخله وهو بيت الرحمن، وأن كل من حج إليه أو طاف به فهو ضيف الرحمن، فهل هناك منة إلهية فى هذا المجال أعظم وأجلّ من تلك المنة التى سجلها القرآن الكريم بقول الله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩). ويؤكد المولى- سبحانه- أن الكعبة هى البيت الحرام- وجعلها قياما للناس وصلاحا

стр. 829

لحالهم واطمئنانا لمعاشهم، وفى هذا البيت يلوذ الخائف ويأمن المطارد ويربح التاجر، وكذلك جعل الله الشهر الحرام- وهو شهر ذى الحجة وتلحق به ثلاثة شهور أخرى- حرمة وأمنا وهى ذو القعدة والمحرم ورجب، يقول الله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠). ومرة أخرى يزيد الله بيته تكريما، وهو دعاء يدعو به المسلم أول ما يقع بصره على الكعبة، فيدعوا الله كما كان يدعوه رسول الله ﷺ : «اللهم زد بيتك هذا تعظيما وإجلالا وتكريما». يقول الله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١١). فى الآية السابقة يذكر المولى- سبحانه- أنه- تكريما لإبراهيم وإسماعيل- أمرهما بتطهير بيته- جل وعلا- من الأصنام والأوثان حتى تقر أعين الطائفين حول البيت والمعتكفين فيه والراكعين والساجدين من أن تقع على علامات الشرك وذرائع الكفر، ثم تكون بعد ذلك منة ما يعرف عند المسلمين بدعوة إبراهيم التى سأل فيها رب العزة قائلا: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تلك الدعوة التى استجاب الله لها، وهذه الاستجابة ماثلة إلى يومنا هذا وإلى يوم تقوم الساعة، واستجابة المولى لدعوة إبراهيم هذه من المنن العظمى لأن هذا البلد- مكة- آمن إلى يوم الدين، وأهله مرزوقون رزقا موسعا بإذنه تعالى إلى يوم الدين. وتتجلى عظمة الخالق وفيض كرمه بألا يقف أثر دعوة إبراهيم على من آمن منهم بالله واليوم الآخر، بل يقول رب العزة: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا أى فى الدنيا، لأن هؤلاء الكافرين يسرى عليهم كرم الله لأنهم يعيشون فى كنف بيته الآمن، ولأنه تعالى يرزق المؤمن والكافر فى الدنيا فهو الرزاق الكريم، فإذا ما حلت الآخرة كان جزاء الكافرين متكافئا مع كفرهم، أما المؤمنون فجزاؤهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.

стр. 830

ثم تتواكب الآية التالية مع أخواتها الآيات السالفات الذكر من كلام رب العالمين، وهى ليست آيات متواكبة متتابعة وحسب، وإنما هى منن عظمى متتالية متزاحمة يجود به رب العزة على إبراهيم وذريته- ونحن جميعا وقراء هذه الكلمات منهم بإذن الله- وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢). إن ضمن هذه الآيات المتواكبة بل المنن المتوالية دعوة عظمى أخرى لسيدنا إبراهيم، ذلك أنه دعا ربنا أن يبعث فيهم- أى فى ذريته- رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم كتابك والحكمة ويزكيهم، فاستجاب له ربنا وبعث فينا محمدا ﷺ فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ووضعنا على المحجة البيضاء: تلا علينا آياتك وعلمنا كتابك ووجهنا إلى صراطك المستقيم، وهو الرسول الخاتم الذى اخترته مبلغا لأسمى رسالة: خاتمة الرسالات التى سوف تظل تحرسها بهدى من كتابك العظيم، ويسهم فى التذكير بها والعمل على حفظها ونشرها من اخترته من أتباع دينك المستقيم، إلى أن ترث اللهم الدنيا ومن عليها وأنت أكرم الأكرمين وخير الوارثين. السير فى الأرض: إن الأرض التى خلقها الله للإنسان لكى تستقر حياته فيها مليئة بمنن الله على خلقه، مكتظة بآيات خالقها التى ما إن يتفكر الإنسان فيها وفيما تقع عليه عيناه فى أرجائها الواسعة لن يملك إلا أن يؤمن بالله ربا واحدا خالقا مبدعا، هذا فضلا عن آيات أخرى كثيرة، ومنن ربانية لا حصر لها، فيكون بين أمرين لا ثالث لهما: إيمان، وحسن جزاء، أو نكران وسوء عقاب، وإذن فلا مفر له من أن يطيع أمر خالقه بالسير فى أكناف الأرض حتى لا يكون له عند الله حجة إذا لم يستجب لأمره ويذعن إلى الاتجاه إلى الخالق الأعظم. يقول جل شأنه وتباركت مشيئة، (الخطاب هنا موجه إلى الرسول ﷺ : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (١٣).

стр. 831

هكذا يكون مصير الخلق، من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فقد وطأ لنفسه مكانا فى الجنة، وهو ما تشير إليه الآية المعقبة على الآيتين السابقتين، وذلك فى قول الله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (الروم: ٤٥). ويقول المولى موجها الخطاب مرة أخرى وفى نفس الغرض إلى عبده ورسوله ومبلغ رسالته، أن يطلب إلى الذين لا يؤمنون أن يسيروا فى الأرض ليتفكروا كيف بدأ الله الخلق، وكيف أن الله يميتهم ثم يحييهم مرة أخرى أو ينشئهم نشأة أخرى، وأنهم جميعا إليه ينقلبون قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٤). ويظل التوجيه الإلهى بصيغة الخطاب الموجه من الله إلى عبده ورسوله، فى إطار من التشجيع والمواساة وذلك فى قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (الأنعام: ١٠). ويتكرر الخطاب إلى الرسول ﷺ أن يظل على صيغة أمر الكفار بالسير فى الأرض لتتسع آفاق المعرفة عندهم فيعرفوا عاقبة المكذبين قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الأنعام: ١١) ويظل النهج القرآنى العظيم على رسله فى خطاب الرسول ولكن بصيغة «قل» وذلك فى قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٥). وتتخذ آيات الكتاب العزيز نهجا متغايرا فى السير فى الأرض، فبعد أن كان «السير» أمرا صار خبرا استنكاريا؛ ذلك أن عقاب الله حاق بالكافرين لأنهم ساروا فى الأرض وعلموا خبر الذين كفروا وخبر الذين آمنوا، ومع ذلك ظلوا مستمسكين بكفرهم، فدمر الله عليهم أسباب حياتهم، وذلك فى قوله تعالى فى سورة محمد: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٦).

стр. 832

إن الأمر الإلهى للناس بالسير فى الأرض ليؤمنوا منّة كبرى، لأن الذين يسيرون فى الأرض فينظرون حكمة الله فى خلقه وعظم آياته فى الكون يسارعون إلى الإيمان، والذين يفعلون ذلك ثم لا يؤمنون لا يكون لهم على الله حجة فى كفرهم، فقد رأوا مفاتيح الإيمان وبدائع صنع الله وظلوا على نكرانهم، وإن من فضل الله على الأمة الإسلامية أن جعل طلب العلم فريضة على المسلمين دون سائر الأمم السابقة، والعلم عند المسلمين لا تكتمل أسبابه إلا بالرحلة أو السير فى الأرض بلغة القرآن الكريم، وإن كبار علماء المسلمين لم تكتمل لهم أسباب النبوغ العلمى- سواء أكان علما دينيا أو علما دنيويا- وكلاهما مطلوب- إلا بالرحلة، وإن حديث العلم والعلماء فى الإسلام وما قاموا به من رحلات وأسفار وسير فى الأرض سوف يكون له مكانة فى هذا البحث بمشيئة الله بعد قليل. منحة إلهية مقرونة بمعجزات ربانية: إن معجزات الخالق- كلها منن على خلقه، منها ما تفضل ربنا علينا مقرونا بمعجزة، ومنها ما جاء فضلا منه ورزقا وكرما منه ولطفا. فمن المعجزات المقرونة بمننه قوله جل وعز: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (١٧). أما المعجزة فهى أن السماوات والأرض كانتا جسما واحدا ضخما متماسكا ففصل الله بقدرته بينهما، وجعل السماوات مستقلة والأرض كذلك، وتدخل معجزة «الرتق والفتق» فى سلك معجزات الخلق الأولى، وبمعجزة الفتق يسّر الله الأرض للناس وأنعم عليها بالماء الذى لا حياة فيها إلا به، وبغير الماء لا تكون حياة، وإتماما لمننه على الأرض وساكنيها ثبت أركان الأرض، وثبت كيانها بالجبال الضخمة التى جاء المصطلح القرآنى فسماها «رواسى»؛ لأنها تجعل الأرض فى ثبات واتزان، وجعل فى هذه الجبال سبلا وفجاجا يسلكها الناس فى تحركاتهم وتنقلاتهم وأسفارهم، وذلك فضل الله يلمسه كل من عاش أو زار أقطارا فى الأرض جبلية. ومن المعجزات المقرونة بالمنن الإلهية أيضا قول الله : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨).

стр. 833

الله- سبحانه- يذكّر الناس بالرواسى التى ألقاها فى الأرض، للسبب الذى سلف ذكره فى الآية السابقة، وكذلك السبل التى شقها فيها تيسيرا على الناس، ثم يضيف المولى- سبحانه- منة خلق الأنهار التى يرتوى منها البشر والحيوان والنبات، وخلق النجوم التى يهتدون بها فى سفرهم ليلا برا وبحرا. ثم يوبخ المولى- سبحانه- الذين لم يؤمنوا به فى كل من الآيتين، ففي معجزة «الرتق والفتق» تكون مؤاخذة الله للكفار فى صيغة السخرية بهم وبعقولهم، وفى الآية التى نحن بصددها تكون السخرية أيضا فى صيغة الاستفهام الاستنكارى فى قوله : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ثم تكون الإضافة القرآنية الشريفة تقريعا للكافرين وتذكيرا للمؤمنين فى قوله جل وعز: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. صدق ربى جلت قدرته فمن الذى يستطيع إحصاء نعمه وأفضاله ومننه وعطاياه. وفى المقام نفسه يلفت المولى- سبحانه- عباده عن معجزة خلق السماوات، وما ميزها به من نجوم وكواكب جعلها زينة لها، ومعجزة خلق الأرض وتثبيتها بالجبال الرواسى وما منّ به من خلالها على الناس من الغيث يتنزل من السماء، فأنبت فيها كل ما تشتهيه الأنفس من حدائق ونخيل، وبعث الحياة فى الأرض الميتة، وتلك من المعجزات الكبرى، ويجعل ذلك مثالا للبعث الذى كذب به الكافرون، هذا فضلا عن بلاغة الإعجاز فى وصف مننه سبحانه على تعدد أنواعها تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وفى ذلك كله يقول جل من قائل: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١٩). ويتمثل الإعجاز القرآنى المعبر عن المنن الإلهية فضلا عن خلق الأرض وإنبات الثمر والزرع فى جنات وأعناب وزرع ونخيل، أنها جميعا تسقى من ماء واحد مع أنها تختلف طعما وتتفاوت حسن مذاق، وهى قدرة لا يستطيع إنجازها إلا الله القادر الخلاق العظيم، لقد أنعم الله على خلقه بتلك المنن لتكون آيات للعاقلين على أن الله هو- وحده- الخلاق العظيم. يقول جلت قدرته فى كتابه

стр. 834

العزيز: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٠). ويزيد المولى من الإنعام بمننه الكثيرة بالتذكير ببعض ما ورد فى آيات سابقات وبالجديد منها ما يمثل عبرا للعباد مثل عبرة الأنعام فى إخراج لبنها من بين فرث ودم، ومثل معجزة النحل التى أوحى فيها إلى تلك الحشرة البديعة السخية بالعطاء أن تتخذ بيوتها فى الجبال والشجر الكثيف، وأن تسلك سبيل ربها فى جمع طعامها من كل الثمرات والأزهار، وإن سبيل خالقها فى ذلك لا يكون إلا الطعام الطاهر النظيف الذى ينتهى بإخراج شراب مختلف ألوانه من بطونها فيه شفاء للناس، إنه النعمة الكبرى المتمثلة فى العسل المختلف الألوان والنكهة والتى تسهم فى شفاء الأجسام وإبراء السقام. يقول جل شأنه: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١). إن الله- سبحانه- لطيف بعباده يغمرهم بفضله وينعم عليهم بمننه، ولا يحب لهم إلا الطيب من الطعام، وينأى بهم عن الأطعمة المحرمة لأنها من دس الشيطان ووسوسته، إن الشيطان لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. يقول جلت قدرته وتباركت أسماؤه ودامت نعمه ومننه: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٢). ومن المنن الكبرى التى أنعم الله بها على الإنسان تلك الأنعام التى نتخذ من جلودها بيوتا، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا، يقول الله- : وَاللَّهُ جَعَلَ

стр. 835

لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٢٣). ومن آيات الله العظمى، ومننه الكبرى: الرواسى؛ التى هى الجبال التى تشكّل ميزانا للأرض فى حركتها وثباتها؛ فضلا عما تضمه هذه الجبال من نعم يتأمل العابد أمرها، وذلك فى قول الله : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) (٢٤). إلى هذه النعم الكبرى التى احتوتها الآيتان سالفتى الذكر الدواب والأنعام التى خلقها المولى ورزقها، وجعل منها رزقا لعباده فى مختلف بقاع الأرض، وتصديقا لهذا القول فإن الله- يقول فى سورة هود وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) (٢٥). وقد يعرف الإنسان مكان الدواب التى ينتفع بها ويتملكها، ولكن ثمة دواب أخرى لا يعلم مستقرها ومستودعها إلا الله، فتلك المخلوقات التى تعيش فى باطن الأرض وبين الأحجار، وبعضها لا يعيش إلا داخل الحجر نفسه، وتلك آية من آيات الله التى لا يقدر عليها إلا الخالق الأعظم الذى خلق كل شىء، ورزق كل شىء. ومنن الله- فى الأرض لا حدود لها، ففيها ألقى الرواسى، وفيها أنبت كل شىء مما يحتاجه العباد فى معاشهم؛ بل إن الله- أرسل الرياح لتعمل عملها بين السحاب الذى ينزله الله من السماء ماء لسقيا خلقه من إنسان، وحيوان، ونبات؛ بل إنه- سبحانه، يخزن بعضا من هذا الماء فى جوف الأرض لكى يتفجر من بين الأحجار ماء عذبا ذلالا يجرى فيصنع أنهارا يستقى منها الإنسان والحيوان والنبات، ويتمثل ذلك فى قول الله- : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)

стр. 836

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) (٢٦). وفى فضل الجبال التى تعد معلما خالدا من معالم الأرض، يقول الله- : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) (٢٧). ولا يغيب عن فطنة القارئ لكتاب الله، الربط بين الجبال والمياه، لأن الجبال يتفجر منها المياه العذبة كما أوضحنا فى الآيات السابقة. وفى تسخير الخالق الأعظم ومننه التى منّ بها على عباده؛ خلقه البحار والمحيطات التى تجرى فيها الفلك كالأعلام، وأنه من فضله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، رأفة منه بخلقه، ورحمة منه لعباده، وفى ذلك يقول- جل وعز: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) (٢٨). وإن الأرض على الرغم من مساحتها الواسعة التى يتخذ الناس منها معاشا، وسكنا، ومستقرا، يغلب عليها فى ساحاتها الواسعة عنصر الماء، بحيث أن هذا الماء يغطى نحو ثلاثة أرباع الأرض، وإن النعم التى تزخر بها البحار لمما يستعصى على الإنسان حتى اليوم إحصاؤه والتعرف عليه، وقد أخبرنا الله- ببعضه، وذلك فى قوله- : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) (٢٩). والماء الذى فى البحار أكثره مالح وأقله عذب، وفى ذلك يقول- جل وعلا: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) (٣٠). وهكذا كل من البحرين العذب الفرات والملح الأجاج يسوق المولى من كل منهما لخلقه، يأكلون أنواع الأسماك والأطعمة الأخرى؛ فضلا عن الحلى التى تستخرج من كل من البحرين، وبخاصة اللؤلؤ الذى يعيش فى الماء العذب مثلما يعيش فى الماء الملح.

стр. 837

ومن المنن الكبرى التى ضمنها الله- كتابه العزيز قوله- سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) (٣١). وتلك الحقيقة من آيات الله العظمى، ومننه الكبرى بحيث يتدفق الماء العذب الفرات، ويموج الملح الأجاج، ويخلق بينهما فاصلا قد لا يكون من الأرض، بل كثيرا ما يكون من الماء نفسه، وهذه الحقيقة تتبدى بوضوح عند مصبات الأنهار الكبرى، مثل نهر الأمازون فى أمريكا الجنوبية، الذى يندفع الماء العذب بين أحضان الماء المالح لمسافة تمتد لنحو ثلاثمائة كيلومتر فى قلب المحيط، يستطيع الإنسان فى أى موقع من هذه المسافة الطويلة أن يشرب ماء عذبا سائغا، دون أن يختلط به قطرة واحدة من الماء المالح، وكنا نحن قبل ثلاثة عقود من الزمان نرى ذلك فى نهر النيل أيام فيضانه الذى كان يستطيع صائدو الأسماك أن يشربوا مياه عذبة داخل البحر الأبيض المتوسط لعديد من الكيلومترات داخل البحر المالح الذى يغذوه الماء العذب، ويشكل برزخا وحجرا محجورا. بل إن هذا الأمر- أمر الماء العذب الفرات والملح الأجاج- لا يقتصر عليهما مرج البحرين- العذب والمالح- وإنما يحدث ذلك بين البحار الملحة، ويتضح ذلك فى قول الله تعالى فى سورة الرحمن: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) (٣٢). وهذه الحقيقة تتضح فى لقاء البحر الأحمر ببحر العرب الذى هو جزء من المحيط الهندى، ذلك أن مياه البحر الأحمر أشد ملوحة، وأكثر حرارة من تلك التى فى بحر العرب، فلا يمتزج ماؤهما عند اللقاء، وإنما يجلف ماء البحر الأحمر- لطبيعته السالف ذكرها- إلى أسفل مياه بحر العرب، كما قرر العلماء المختصون بعلوم البحار. والظاهرة نفسها تتكرر عند لقاء مياه البحر الأبيض المتوسط عند خليج جبل طارق بمياه المحيط الأطلنطى الكبير. على أن هذه الحقيقة الكبرى تتمثل بشكل ظاهر للعيان عند رأس الرجاء الصالح فى جنوب إفريقيا حيث تلتقى مياه المحيط الأطلنطى بمياه المحيط الهندى فتشكل حاجزا مائيا ضخما ممتدا جنوبا إلى مرمى البصر، ولقد قام بمحاولة مشاهدة هذه الظاهرة الفذة كاتب هذه السطور، حينما زار مدينة الكاب ممثلا لفضيلة الإمام الأكبر شيخ

стр. 838

الأزهر، فى احتفال المسلمين هناك بمضى مائة عام على بناء أول مسجد فى جنوب إفريقيا، وكان تفسير العلماء هناك لهذه الظاهرة أن ماء المحيط الأطلنطى بارد بمقدار ثلاث درجات عن مثيلاتها من مياه المحيط الهندى فيتخلق هذا البرزخ المائى العظيم بسبب هذا الفرق الواضح بين درجتى حرارة المحيطين العظيمين. إن منن الله العظمى فى المياه التى تكسو وجه الأرض لا يمكن أن تحصى أو تستقصى. ومن خير ما نختتم به منة الله فى كتابه العزيز بالمياه عامة، وبالعذبة منها خاصة. تلك المنة العظمى من الخالق الأعظم الذى يجعل المياه العذبة تتفجر من الحجارة الصلدة عذبة ذلالا سائغة للشاربين تروى الظمأ، وتحيى الأرض الميتة، وذلك فى قوله- فى وصف قسوة قلوب اليهود: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٣٣). وهذه المنة الكبرى متعددة الظهور خاصة فى المناطق الجبلية فى جبال الشام، وجبال أوروبا وأمريكا، ولقد أنعم الله على كاتب هذه السطور بأن رأى كميات المياه العظيمة العذبة الباردة تتفجر من جبل فى سهل البقاع بلبنان من أرض الشام، فتصنع نهرا كبيرا مشهور ومعروفا، يشق سطح الأرض المنبسطة حينا، والجبلية حينا لمسافة مئات من الكيلومترات حتى تصل إلى الأراضى التركية فى شمال بلاد الشام، فتصنع الخضرة والرّى والنماء فى تلك البقعة المباركة من أرض المسلمين. نهاية الحياة الدنيا، وقيام الساعة إن الله- هو خالق الموت والحياة، ولقد قدّم الموت على الحياة لارتباطه بالحياة الآخرة وهى الدار الباقية، ومثابة الخلود، وفيها ينال المحسن إحسانه فيكون من أهل الجنة، ويلقى المسيء جزاءه بما قدّمت يداه عدلا من الله وحقا، ومن هنا كان على المرء من عباد الله أن يتدبر هذا اليوم تدبرا موصولا حتى يكثر من الخير، ويبتعد عن الشر، وأن يظل مؤمنا بأن للكون خالقا قادرا بيده مقاليد الدنيا والآخرة، ومن ثم كان من منن الله الكبرى فى كتابه العزيز أن نبّه الناس إلى ذلك اليوم الذى تنتهى فيه الحياة الأولى، ويكون البعث، والنشور، والحساب، والمصير إلى جنة عرضها السموات والأرض، أو إلى جهنم التى أعدت للكافرين.

стр. 839

ولقد نبهنا الله- إلى أن للآخرة علامات، وأن لنهاية الدنيا معالم، ذكرت فى آيات كثيرة من كتاب الله العزيز، وفى ذلك يقول الحق- ﷻ : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة: ٢٥١). إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣٤). وتبصيرا للعباد بذلك اليوم العصيب التى تزلزل فيه أركان الأرض إيذانا بنهايتها وانتهاء الحياة على وجهها، تحدث الزلزلة الكبرى التى يتزلزل معها الكيان الإنسانى وذلك فى قول الله- جل وعز- فى سورة الزلزلة: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). (٣٥) ويصف الله- خالق الخلق- وبارئ الأرض والسماء، وملك يوم الدين، هذا اليوم بيوم الفصل، ويفصّل- ﷻ أحداث ذلك اليوم، وما يمن به على المحسنين من عباده من حسن الجزاء، وعلى العاصين أتباع الشيطان وما يقع عليهم من عقاب، فيقول جلت قدرته، وتباركت أسماؤه: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً إلى نهاية الآية رقم ٣٠ من سورة النبأ. ومن الصور القرآنية التى تناول المولى فيها- جلت قدرته- وصف فزع الكون ممن فى السموات والأرض، والجبال الراسيات وهى تمر مر السحاب فى قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (سورة النحل: ٨٧، ٨٨). وفى موضع آخر من الكتاب العزيز يتجلى المولى على خلقه بمزيد من المنن فى وصفه خطر هذا اليوم تذكيرا للغافلين، وتنبيها للمنكرين، وتفزيعا للكافرين فهو يوم الفزع الأكبر الذى مقداره خمسون ألف سنة فيقول- جلت قدرته: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)

стр. 840

فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (٣٦). وفى صورة جليلة من سور القرآن الكريم يجرى إطلاق اسم «الواقعة» على هذا اليوم الرهيب الذى ترجّ فيه الأرض رجّا، وتبث فيه الجبال بثا، ويصنّف الخلق فيه تصنيفا يتسق مع أعمالهم: إن شرا فهم من أصحاب المشأمة، وإن خيرا فهم المقربون فى جنات النعيم، وذلك فى قوله- : إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٧). ومن آيات الله العظمى وآياته الكبرى أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ فإذا دعاهم دعوة من الأرض أسرعوا خارجين. فهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو القاهر فوق عباده فيقول تباركت أسماؤه: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٨). والله- عدلا منه وإنصافا يصف المقصر بتقصيره، والمفسد بفساده تذكيرا بذلك اليوم العظيم، وتنبيها إلى القيامة، ومجىء الآخرة ونهاية الدنيا، ثم ينبه إلى النفس المطمئنة التى عملت أعمالا صالحة فيزيل عنها الروع، ويبعث فى أعطافها الاطمئنان كل ذلك يتضمنه قوله الكريم: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) (٣٩). أ. د. مصطفى الشكعة

стр. 841

ترجمة معانى القرآن الكريم (١) ويتناول فيها: ١ - تعريف الترجمة لغة وعرفا. ٢ - تقسيم الترجمة، وبيان بعض خواصها. ٣ - كلمة عن الحاجة إلى الترجمة. ٤ - بيان الجائز من هذه الأقسام من غير الجائز منها. ٥ - الصلاة بالمترجم. ٦ - تجربة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

стр. 842

١ - تعريف الترجمة الترجمة لغة (٢): بالنظر للفظة «ترجمة» نجد أنها استعملت فى لغة العرب للدلالة على الكشف والبيان عن حقيقة اللفظ المترجم. يقال: ترجم الكلام، بمعنى: بينه، وترجم عنه: أوضح أمره، وترجم لهذا الباب بكذا: عنون له، وترجم لفلان: بين تاريخه وسيرته. وعلى ذلك فقد وضعت لفظة «الترجمة» لتدل على معان عدة كلها تدور حول الكشف والبيان عن حقيقة اللفظ المترجم، ومن هذه المعانى: (أ) تبليغ الكلام لمن لم يبلغه مطلقا- أى سواء كان ذلك بنفس اللغة أم بغيرها (٣). ومنه قول الشاعر: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (ب) تفسير الكلام بلغته التى جاء بها (٤)، وعليه فقد قيل فى ابن عباس- ﵁: إنه ترجمان القرآن. (ج) تفسير الكلام بلغة غير لغته، قال ابن منظور (٥): «ويقال: قد ترجم كلامه: إذا فسره بلسان آخر». وفى «مختار الصحاح» (٦): «وترجم كلامه: إذا فسره بلسان آخر». (د) نقل الكلام من لغة إلى أخرى (٧)، جاء فى «الرائد»: «الترجمة: نقل الكلام من لغة إلى أخرى». وفى «المرجع» للعلايلى: «الترجمة: النقل من لسان إلى آخر». وفى «المعجم العربى الأساسى»: «ترجم الكتاب: نقله من لغة إلى أخرى». ومما سبق فقد تبين لنا أن المعنى العام للترجمة هو مطلق البيان والتعبير، وإذا ما أطلقت الترجمة فلا تدل على معانى القرآن الكريم إلا بقرينة قاطعة. الترجمة عرفا: يقصد بالعرف هنا: عرف التخاطب العام، لا عرف طائفة خاصة ولا أمة معينة. وهذا العرف العام الذى تواضع عليه الناس جميعا- من القدم حيث كان العرب يترجمون كتب اليونان والرومان ويسمونها بنفس أسمائها- قد خص الترجمة بالمعنى الرابع اللغوى المذكور آنفا، وهو: نقل الكلام من لغة إلى أخرى.

стр. 843

أى التعبير عن معناه بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع مقاصده ومعانيه، كأن الكلام فيها قد نقل من لغته الأولى إلى اللغة الثانية، مع أن الواقع ونفس الأمر يشهدان بأن الكلام نفسه لا ينقل من لغته بحال (٨). وعلى ذلك فيمكننا أن نعرف الترجمة فى هذا العرف العام بأنها عبارة عن: التعبير عن معنى كلام فى لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده. فكلمة: «التعبير» جنس وما بعده من القيود فصل. وقولنا: «عن معنى كلام» يخرج به التعبير عن المعنى القائم بالنفس حين يخرج فى صورة اللفظ أول مرة. وقولنا: «بكلام آخر» يخرج به التعبير عن المعنى بالكلام الأول نفسه، ولو تكرر ألف مرة. وقولنا: «من لغة أخرى» يخرج به التفسير بلغة الأصل، ويخرج به- أيضا- التعبير بمرادف مكان مرادفه، أو بكلام بدل آخر مساو له على وجه لا تفسير فيه، واللغة واحدة فى الجميع. وقولنا: «مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده» يخرج به تفسير الكلام بلغة غير لغته، فإن التفسير لا يشترط فيه الوفاء بكل معانى الأصل المفسر ومقاصده، بل يكفى فيه البيان ولو من وجه (٩). وقد عرفت الترجمة- أيضا- اصطلاحا بأنها (١٠): نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى عن طريق التدرج من الكلمات الجزئية إلى الجمل والمعانى الكلية وهذا التعريف يحتوى على عنصرين: الأول: أن الترجمة عبارة عن نقل للكلام، فبينما يكون الكلام فى لغة من اللغات يتحول- بواسطة الترجمة- إلى لغة أخرى. الثانى: أن الترجمة تتم عن طريق التدرج من الكلمات الجزئية إلى الجمل والمعانى الكلية، فإن هذا العنصر يدل على شرط استيفاء الترجمة للكلام المترجم، فلا بد من ترجمة المفردات واحدة واحدة، والملاءمة بينها وبين المعنى الأصلى للكلام. والنتيجة المنطقية لهذا التعريف (١١): أن الترجمة لا بدّ فيها من نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى مع الوفاء بجميع مقاصده ومعانيه كأنك نقلت الكلام نفسه من لغته الأولى إلى لغته الثانية. فيفهم الناس من الترجمة أنها كالأصل ذاته تقوم مقامه فى كل ما هو مقصود به،

стр. 844

فإذا ترجم كتاب فى الرياضيات إلى لغة أخرى فإن الترجمة تقوم مقام الأصل فيما هو مقصود به تماما من علوم رياضية، وكذا الأمر فى سائر العلوم، حتى إذا ما وصلت الترجمة إلى أيدى الناس اعتقدوا- عرفا واصطلاحا- أن ما بين أيديهم يتضمن ما فى الكتاب الأصلى تماما ولكنه باللغة التى يفهمونها. فالترجمة لغة إن كانت تشمل المعانى الأربعة المتقدمة لكنها عرفا تنحصر فى النوع الرابع وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى مع اقتناع الناس بأن الكلام المنقول هو الكلام الأصلى تماما بتمام دون زيادة ولا نقصان. هيئة التحرير

стр. 845

٢ - أقسام الترجمة تنقسم الترجمة إلى قسمين (١٢): ترجمة حرفية، وأخرى تفسيرية. فالترجمة الحرفية: هى نقل الكلمات واحدة واحدة دون نظر إلى المعنى، أى تستبدل كل كلمة بما يقابلها من اللغة الثانية، فهى التى تراعى فيها محاكاة الأصل فى نظمه وترتيبه. وهذه الترجمة متعذرة ومستحيلة؛ لأنه لا يوجد فى اللغات مفردات تقابل بعضها بعضا، وإن وجد فإنه يختلف طريقة ترتيب الكلام من لغة إلى أخرى. وهذا النوع يسميه البعض ترجمة لفظية، وآخرون يسمونه ترجمة مساوية. والترجمة التفسيرية: هى نقل الكلمات واحدة واحدة مع النظر إلى المعنى. فهى التى لا تراعى فيها تلك المحاكاة أى محاكاة الأصل فى نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعانى والأغراض كاملة، ولهذا قد تسمى- أيضا- بالترجمة المعنوية. وعليه فيتضح أنها كالترجمة الحرفية فى نقل الكلمات واحدة واحدة، ولكن الاختلاف إنما يتأتى فى النظر إلى المعنى هنا دون مراعاة له فى الترجمة الحرفية. مثال (١٣): على الفرض بإمكان الترجمة فلنضرب مثالا عليها فى آية من الكتاب الكريم، وهو قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ... (١٤). فإنك إذا أردت ترجمتها ترجمة حرفية أتيت بما يقابل كلماتها من اللغة الثانية فأتيت بما يقابل قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وبما يقابل قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وقوله: وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ولكن هذا الأسلوب من التعبير قد لا يفهمه من ترجم الكلام إلى لغته فيتساءل ما معنى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ؟ وما معنى: وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ؟ فيخفى المعنى عليه. وإذا أردت ترجمتها ترجمة تفسيرية أو معنوية قلت: لرزقوا من كل جهة، ودللت
следующие страницы →