← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات: ٢٢، ٢٣). ويذكر ربنا- ﵎ هذه الخاصية فى معرض تشريفه للحبيب ﷺ .. حينما يقول: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (النجم: ٢ - ٣). هذه الخاصية تنتفى عنهم بعد الوفاة كما يوضح ذلك قوله- تعالى- عن الإنسان فى يوم القيامة: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (المرسلات: ٣٥ - ٣٨). * لديه القدرة على النظر والتفكير: كما منح الله- الإنسان خاصية القدرة على النظر فى آيات الله المبثوثة فى النفس والكون والتاريخ، ودعاه إلى استعمالها والإفادة منها، فى تحقيق ذاته، وحسن عبادته لربه- ، حيث أعطاه القدرة على النظر فى: ١ - كيف بدأ الخلق؟ وكيف يبعثهم؟ حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت: ٢٠). ٢ - ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، حاثا له كذلك على الإفادة من ذلك إذ يقول: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ (الأعراف: ١٨٥). ٣ - آيات الله فى السماء والأرض .. حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (ق: ٦ - ١١). ٤ - آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها، حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الروم: ٥٠). * مخلوق من طين: وهذا واضح قبل خلق الإنسان حيث يقول رب العزة إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (ص: ٧١ - ٧٤).

стр. 772

ثم يخاطب الإنسان موبخا له على جداله وشكّه فى وحدانية الله، مذكرا له بأصل خلقته، حيث يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (الأنعام: ٢). كما يقول سبحانه مصورا مراحل خلقه إذ يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (المؤمنون: ١٢ - ١٤). وقد امتنّ- على الإنسان بالخلق من طين، وذلك فى قوله- : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (السجدة: ٧). وكان هذا الخلق للإنسان من طين سببا فى تكبر إبليس وعدم طاعته لله فى السجود لآدم؛ حيث قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف: ١٢). من صفات الإنسان وصفات الإنسان التى ينفرد ويتميز بها عن غيره كثيرة جدا، ذكرها المولى- فى كتابه الكريم؛ تسجيلا لها، ودعوة لتقييمها، ولفت الأنظار إلى المحافظة على الجيد منها، وعلاج الردىء تخلصا من أضراره، ليستطيع الإنسان أداء رسالته، وحسن القيام بخلافته. ومن هذه الصفات (١٦): * خلقه فى أحسن تقويم: يقول ﵎: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين: ٤). * ضعفه: يقول سبحانه: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (النساء: ٢٨). يقول سبحانه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الروم: ٥٤). * تعجله: يقول رب العزة: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (الإسراء: ١١)، كما يقول : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء: ٣٧). * جداله: يقول تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (الكهف: ٥٤). * يأسه وقنوطه: يقول : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (الروم: ٣٦).

стр. 773

ويقول أيضا: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (فصلت: ٤٩). * بخله: يقول جل وعلا: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (الإسراء: ١٠٠). ويقول أيضا إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) (المعارج: ١٩ - ٢٢). * طغيانه: يقول : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (عبس: ٦ - ٧). * نكرانه للنعم: يقول ﵎: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (يونس: ١٢). ويقول أيضا وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ (النحل:٥٣ - ٥٥). ويقول سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ (الزمر: ٨). ويقول كذلك: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ (الزمر: ٤٩). * فرحه وفخره: يقول : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (هود: ١٠). * خصومته لربه: يقول عز من قائل: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (يس:٧٧). * ظلمه: يقول ﵎: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم: ٣٤). * مبالغته فى كفره: يقول سبحانه: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (الإسراء: ٦٧).

стр. 774

ويقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (الحج: ٦٦). ويقول أيضا: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (الزخرف: ١٥). ويقول ﵎: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (عبس: ١٧). الإنسان والتربية لم يلجأ الإسلام فى تربية الإنسان إلى محاولة إلغاء أصل الطبائع الفطرية فيه، أو إلغاء شىء منها، ليضع بدلا منها طبائع جديدة مكتسبة لم تكن هى ولا الاستعداد إليها من الأمور الفطرية. ولكن اتبع الأسس التربوية النافعة فى التقويم والتحويل والتنمية والتهذيب والتشذيب. ومن هذه الأسس: ١ - التدرج فى التربية. ٢ - التوجيه والتحويل. ٣ - التصعيد. ٤ - إيجاد الحافز الذاتى. وصولا بهذه الأسس إلى تربية الإنسان أولا، وتكوين الجيل الربانى الذى يقود الإنسانية إلى الخير والفلاح ثانيا. ويتم ذلك التكوين لهذا الجيل الربانى على عدة عناصر منها: ١ - التثقيف العقلى. ٢ - اليقظة الروحية. ٣ - الترابط الأخوى. وبيان هذا وذاك على النحو التالى: أولا: الأسس التربوية للإنسان: الأساس الأول- التدرج فى البناء التربوى: إن العملية التربوية ليست عملية تحويل مفاجئ دفعة واحدة، أو خلق تام بمرة واحدة؛ حيث إن هذا لم يختره الله لنفسه فى سنة الخلق، مع أن من قدرته- جل وعلا- أنه إذا أراد شيئا أن يقول له: كن. فيكون؛ ولكنه ﵎ اختار لنفسه سنة الإنشاء المتدرج، كما أن رغبتنا بالإنجاز التام السريع على خلاف طبائع الأشياء معاكسة لسنة الله فى كونه. ومكلّف الأشياء فوق طباعها ... متطلّب فى الماء جذوة نار ومن صفات الله تعالى أنه رب العالمين، أى: مربى العالمين، والتربية هى إنشاء متدرج لإبلاغ الشيء إلى مستوى كماله، وقد خلق الله الدنيا فى ستة أيام من أيامه- ﵎ وكان فى قدرته أن يخلقها بكلمة كن.

стр. 775

الأساس الثانى- التوجيه والتحويل: إنه ما من طبع من الطبائع الفطرية إلا يحتاج إليه فى جانب من جوانب الخير، أو فى طريق من طرق الخير، وعمليات التوجيه والتحويل تكون بتعليق رغبات المقصود بالتربية فى جانب من جوانب الخير، أو فى طريق من طرق الخير، وبمحاولة امتصاص شحنات هذا الطبع كلّها أو بعضها فيما وجهت إليه وعلقت به. ومن أمثلة ذلك: أن نأخذ إنسانا ذا طمع مفرط فى متاع الحياة الدنيا وزينتها، ثم نملأ قلبه إيمانا بالله واليوم الآخر، وبما فى اليوم الآخر من جنة ونعيم مقيم، ثم نعمل على توجيه طمعه وتحويله إلى ما عند الله من أجر عظيم، ثم نجرى عمليات تعليق شحنات ما لديه من طمع بذلك، فتنصرف نفسه إليه انصرافا كليا أو جزئيا، وبذلك ينفك شيئا فشيئا عن التعلق بمطامع الحياة الدنيا، طلبا لما هو أجلّ وأعظم، وعندئذ فقد نجده زاهدا قنوعا، أو غير مفرط فى الطمع. وبهذا التحويل الكلى أو الجزئى يعتدل طبعه، ويتكون لديه خلق فاضل، ومع ذلك نلاحظ أن الطمع لم تقتلع جذوره من نفسه، ولكن جرى فيه تحويل إلى ما هو خير. وهكذا نستطيع أن نمارس خطة التوجيه والتحويل فى كثير من الطبائع الفطرية. الأساس الثالث: التصعيد: وهو نوع من تحويل الطبع، أو تحويل التطلع الإنسانى، عن الصغائر والدنايا، وتوجيهه لمعالى الأمور، ولما فيه سعادة خالدة أو مجد حقيقى، ولما فيه كمال، ورفعة بين الناس، وكمال ورفعة عند الله. ومن وسائل التصعيد التشويق والتحبيب، والتحسين والتزيين، والممارسة، ووضع الإنسان فى خبرات عملية يذوق فيها حلاوة ما يراد تصعيده إليه، ولكن بدون إرهاق منفر، ولا تكاليف شاقة مضنية، باستثناء أفراد نادرين يستعذبون المشقات فى أصل طباعهم، ولا يميلون إلى الأمور السهلة الخفيفة. ومن التربية بالتصعيد قول الله- لرسوله ﷺ : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (طه: ٢٠). أزواجا منهم: أصنافا منهم. فأبان الله تعالى أن كل ما يتمتع به الناس فى الحياة الدنيا هو فى واقع حاله كالزهرة، ومن صفات الزهرة أنها تغرى ولكنها قصيرة العمر سريعة الذبول والفناء، فالعاقل يبحث عن نعيم حقيقى باق. وهو أيضا مادة

стр. 776

لامتحان الناس وابتلائهم، وليس لتكريمهم لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ. بعد هذا التزهيد فى زهرة الحياة الدنيا قال تعالى: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى. وفى هذا توجيه صاعد لما هو خير حقيقى باق، وهو رزق الله للمتقين والأبرار والمحسنين، فى جنات النعيم، وفى الدنيا بسعادة الروح وراحة الفؤاد. الأساس الرابع- إيجاد الحافز الذاتى: الحافز الذاتى هو القوة الداخلية فى الإنسان، المحركة لعواطفه، والموجهة لإرادته، والدافعة له حتى يمارس سلوكا معينا داخليا أو خارجيا، وعن طريق تكرار ممارسة هذا السلوك تتكون العادة النفسية الباطنة، أو العادة الجسدية الظاهرة، فإذا كان هذا السلوك من نوع السلوك الخلقى كان خلقا مكتسبا، وكان المؤثر الأول فى اكتسابه هو إيجاد الحافز الذاتى لدى مكتسبه. ولإيجاد الحافز الذاتى عدة طرق، منها الطرق التالية: ١ - طريق الإيمان بالله واليوم الآخر وبقضاء الله وقدره: فمتى بنيت القاعدة الإيمانية الإسلامية فى أعماق كيان الإنسان استطاعت هذه القاعدة أن تهيمن على فكره وقلبه وعواطفه وإرادته، وأن تعمل على ربط إرادته بما يرضى الله تعالى، ولا يخفى ما للإرادة الحازمة فى الإنسان من تأثير على مراكز الخلق فى نفسه، وقدرة على التحكم فى أنواع سلوكه. إن تركيز القاعدة الإيمانية الإسلامية فى الكيان الداخلى للإنسان يرتبط به اليقين المهيمن بأنه لا حكم إلا لله، وبأن الله لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر، وبأن مصلحة الإنسان مرتبطة بفعل ما يأمر الله به، وترك ما ينهى الله عنه. ويرتبط به أيضا اليقين بأن الله تعالى يجازى على الخير خيرا وعلى السوء سوءا، وفق قانون الحق والعدل والفضل الربانى، ويرتبط به أيضا اليقين بأن الله تعالى لا يجرى فى مقاديره لعباده إلا ما هو خير لهم، فالمؤمن يقابل مقادير الله بالرضا والتسليم فيصبر، ولا يغضب ولا يضجر، ولا يحسد ولا يستكبر، وهكذا. فالحافز الذاتى الذى يولده الإيمان بالله واليوم الآخر وبقضاء الله وقدره حافز مؤثر وفعال جدا فى دفع كل فرد مؤمن إلى فعل الخير والالتزام به، إنه حافز محرك ودافع وحارس ورقيب ذاتى، يصاحب الإنسان الذى يملك وعيه مصاحبة دائمة، فهو معه فى جميع أوقاته، وفى جميع أحواله، إذا كان بين الناس وإذا كان فى خلواته، إذا كان منكشفا فى الأضواء وإذا كان مستترا فى الظلمات،

стр. 777

وحيث يظن أنه لا يراقبه أحد، وحيث لا تراقبه رقابة قانونية بشرية، ولا تمتد إليه سلطة قضائية، ولا تردعه هيئة اجتماعية. إن الحافز الذاتى الذى يولده الإيمان بالله واليوم الآخر قوة فوق كل القوى، إنه يقبض على زمام العقل بالحق والبرهان من الله، ويقبض على ناصية القلب بعاطفة محبة الله وابتغاء محبة الله وابتغاء رضاه والثقة بحكمته، ويقبض على زمام النفس بعاملى الخوف من عقاب الله والطمع بثوابه العظيم. إنه يقود الإنسان ويسوقه من جميع أركانه الداخلية، فهو قوة عجيبة لا تدانيها قوة أخرى فى الوجود كله، ولكن مقدار قوتها فى داخل الفرد مناسب لمقدار قوة الإيمان فى قلبه زيادة ونقصانا، فكلما زادت نسبة قوة الإيمان زادت قوة هذا الحافز، وكلما نقصت هذه النسبة نقصت قوة الحافز فى نفس الفرد المسلم، وهذا الحافز فى مستواه الأعلى يوصل الإنسان إلى مرتبة الإحسان فى معظم أعماله، ويجعله من السابقين فى الخيرات بإذن الله. إن الإيمان بالله واليوم الآخر وبقضاء الله وقدره يمثل الجذر الرئيسى لإصلاح الإنسان من أعمق كيانه الداخلى، وعليه تتجمع جذور النفس الإنسانية كلها، وذلك لأن الإنسان متى أيقن بالله حق اليقين، غدا متعطشا لبلوغ كمالاته بسرعة، ومطمئنا إلى أن الله هو العليم الحكيم، الذى يعلم أين يكون الخير، ويعلم أين يكون الشر، وهو بعباده رءوف رحيم، ينزل بهم ما يقتضيه خيرهم، ويرشدهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، فيأخذ وصايا الله بالتسليم التام، ويلتزمها التزاما صادقا، قبل أن يعرف بالتفصيلات الجزئية والحجج والبراهين ما فى كل فرد من أفرادها من خيرات ومصالح وثمرات كريمة. هذه الثقة بالله القائمة على اليقين به لا تعادلها ثقة أخرى فى الوجود، علما بأن الثقة من حيث ذاتها سائق يسوق الإنسان إلى الاتباع والطاعة والرضا والتسليم، دون شعور بعقبة من عقبات المعارضة النفسية. نحن نلاحظ فى واقعنا الإنسانى، أننا متى وثقنا بإنسان- بعد أن خبرنا فيه نضج التفكير والتدبير وصدق النصيحة- سلّمنا له من غير أن نطالبه بالحجة، مع أن ثقتنا به- مهما عظمت- لا تبلغ درجة الاعتقاد بعصمته عن الخطأ، ولكننا نرجح أن صوابه أكثر من خطئه. فكيف بمن نعتقد به كمال العصمة، ونحن موقنون بأنه رءوف رحيم، يحب لنا الخير ويكره لنا الشر؟ لذلك فالنفوذ إلى أعماق النفس الإنسانية بعناصر الإيمان الأساسية، يوجد فى الإنسان

стр. 778

فاعليات ذاتية، تحرضه على التحلى بمكارم الأخلاق، وسلوك السبيل الأقوم فى الحياة. ٢ - طريق الإقناع الفكرى: ويكون الإقناع الفكرى عن طريق التعليم المباشر أو غير المباشر، أو عن طريق الجدال بالتى هى أحسن. فمن شأن المعرفة التى تدرك بها الفضائل والرذائل، وتعلم بها آثارها المحمودة والمذمومة، وثمراتها العاجلة والآجلة، أن تولد الحافز الذاتى على التطبيق، لا سيما إذا كان مضمون المعرفة يتعلق بما ينفع الإنسان أو يضره، كقضايا السلوك الإنسانى. فمعرفة الفضائل الأخلاقية معرفة صحيحة لا بدّ أن تبرز ما فيها من كمال وجمال، ولا بدّ أن تورث اليقين بفوائدها وثمراتها الطيبات وخيراتها الحسان المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، وذلك يولد فى النفس استحسانها، ثم الرغبة الصادقة بالتحلى بها، ومع هذه الرغبة الصادقة تكون النفس طيّعة للتخلق بالخلق الكريم المنشود. ومعرفة الرذائل والنقائص الأخلاقية معرفة صحيحة لا بدّ أن تبرز ما فيها من نقص وقبح، ولا بدّ أن تورث اليقين بمضارها ونتائجها السيئة، وذلك يولد فى النفس استقباحها والنفور منها، ثم الرغبة الصادقة باجتنابها، ومع هذه الرغبة الصادقة تكون النفس طيّعة للكف عنها، والتخلق بالخلق الكريم المضاد لها. وللإقناع الفكرى شروط من شأن الأخذ بها تخفيف العقبات النفسية، التى قد تقف دون بلوغ القناعة الحقيقية إلى داخل النفس. ويمكن تلخيص أهم هذه الشروط بما لخصها به القرآن الكريم من الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتى هى أحسن. كما يعلم ذلك من قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: ١٢٥). ويندرج فى الحكمة كل الأساليب الفكرية المنطقية الهادئة السليمة، التى من شأنها أن توصل الحقيقة إلى موقع القناعة فى النفس. وللناس مستويات فكرية وعلمية، وعلى من يريد الإقناع بحقيقة من الحقائق أن يخاطب كل فريق من الناس بما يناسب مستواه الفكرى والنفسى. ويندرج فى الموعظة الحسنة كل الأساليب التى تؤثر فى النفس الإنسانية، والتى من شأنها أن توجه عوامل الأنفس فى جهة الاقتناع بالحقيقة. والإقناع الفكرى من أول الطرائق التى سلكها القرآن وسلكها الرسول صلوات الله عليه فى معظم الحقائق التى اشتمل عليها الإسلام، ومنها موضوعات الأخلاق.

стр. 779

٣ - طريق الترغيب والترهيب: لا ينكر الأثر الكبير الذى يتم بتحريك محورى الطمع والخوف فى النفس الإنسانية، بالترغيب والترهيب، والتشجيع بالإكرام والمكافأة، والتقويم والزجر بالإهانة والعقوبة عند الضرورة. إنه طريق مؤثر وفعال جدا، ومولد لحافز ذاتى داخل النفس الإنسانية. وقد اعتمد الإسلام فى منهجه التربوى اعتمادا كبيرا على طريق الترغيب والترهيب، بعد اعتماده على الهداية للتى هى أقوم، بوسيلة التعليم والإقناع الفكرى ويدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الإسراء: ١٧). ونصوص الترغيب والترهيب كثيرة جدا فى الكتاب والسنّة. ٤ - طريق تربية الوجدان الأخلاقى: وتكون هذه التربية بتعريض الوجدان لخبرات ومشاهد يحس فيها حلاوة الفضائل الأخلاقية، ومرارة الرذائل الأخلاقية. إن الوجدان الأخلاقى ينمو ويتضخم بمختلف الخبرات والمشاهد التى تفجر فيه انفعالات استحسان الفضائل والكمالات الأخلاقية، عند تذوق حلاوتها والشعور بالمسرات التى تحصل بسببها، وتفجر فيه انفعالات استقباح الرذائل والنقائص الأخلاقية عند تذوق مرارتها والشعور بالآلام التى تحصل بسببها. وعند ما ينمو الوجدان الأخلاقى ويتضخم يغدو قادرا على تحريك العواطف وتوجيه الإرادة، والدفع إلى السلوك الأخلاقى الكريم، إيجابيا كان أو سلبيا، فى داخل النفس والقلب، أو فى مجال السلوك العملى الظاهر. فمن أمثلة ذلك ما يلى: أ- إكرام الإنسان بالعطاء وهو راغب فيه أو عرض مشهد من مشاهد العطاء أمامه، حتى يشعر وجدانه بحلاوة العطاء، وبأنه فضيلة من الفضائل الأخلاقية، وحرمان الإنسان من العطاء مع حاجته إليه، أو عرض مشهد من مشاهد الشح أمامه، حتى يشعر بأن الشح رذيلة من الرذائل الأخلاقية. ب- تعريض الإنسان لحادثة من حوادث الظلم، أو مشهد من مشاهده، حتى يشعر وجدانه بمرارة الظلم، وبأنه رذيلة من الرذائل الخلقية، وتعريضه لرائعة من روائع العدل، أو مشهد رائع من مشاهده، حتى يشعر وجدانه بحلاوة العدل وإكباره، وأنه فضيلة من الفضائل الخلقية.

стр. 780

ج- تعريض الإنسان لمشهد من مشاهد الشجاعة المحمودة، أو معونته بحادثة من حوادث الشجاعة المحمودة، حتى يشعر وجدانه بإكبار الشجاعة وحلاوتها، وبأنها من الفضائل الأخلاقية، وتعريضه لمشهد من مشاهد الجبن، أو التخلى عن معونته بحادثة من حوادث الجبن، حتى يشعر وجدانه بحقارة الجبن ويتقزز منه، ويحس بأنه نقيصة من النقائص الخلقية. وقد تقع القصة المحكية موقع المشهد المرئى، فتؤثر مثل أثره. وهكذا يتربى الوجدان الأخلاقى ويكون باستطاعته أن يحرك ويوجه ويؤثر، ويكون أحد الحوافز الذاتية فى كيان الإنسان الداخلى (١٧). ثانيا: العناصر التكوينية للجيل الربانى: جعل الإسلام أكبر همه طوال العهد المكى هو تكوين الجيل الربانى، والرعيل القرآنى الأول، من خلال تعهد دائم، وصحبة مباركة، ومراقبة إيجابية، وكانت (دار الأرقم) فى مكة هى أشهر دار للتربية الأساسية التى خرّجت أول أجيال الإسلام وأفضلها، الذين وصفوا بأنهم (رهبان الليل وفرسان النهار). وأنهم (يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع) (١٨). وأعظم ما وصفوا به ما جاء فى كتاب الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (الفتح: ٢٩). وهذا التكوين يقوم على عناصر، أهمها ثلاثة: ١ - التثقيف العقلى: العنصر الأول فى التكوين هو: ما يتعلق بتثقيف الفكر، وتنوير العقل، فالإسلام دين ينشئ (العقلية العلمية) ويرفض (العقلية الخرافية) أو (العامية) التى تعتمد على الظن فى موضع اليقين، أو تعتمد على الهوى والعواطف فى مقام لا يغنى فيه إلا الحقائق الموضوعية، وهو ما يرفضه القرآن الكريم، الذى يذم المشركين بقوله: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (النجم: ٢٨) ويقول فى نفس السورة: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (النجم: ٢٣) وفى سورة أخرى يقول: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (محمد: ١٦).

стр. 781

والعقلية العلمية هى التى ترفض التقليد الأعمى، سواء أكان للأجداد والآباء، كما فى قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (البقرة: ١٧٠) أم كان للسادة والكبراء كما قال تعالى: وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (الأحزاب: ٦٧، ٦٨). وقد تكرر هذا المعنى فى جملة سور من القرآن الكريم. والعقلية العلمية التى ينشئها الإسلام هى التى تؤمن بوجوب النظر والتفكير فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، فالكون كله مسرح للفكر والتأمل، وكذلك التاريخ ومصاير الأمم. وكذلك الإنسان بكل آفاقه الروحية والمادية. يقول تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ (الأعراف: ١٨٥) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (العنكبوت: ٢٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الأنعام: ١١) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (الذاريات: ٢٠، ٢١). ولا تقبل العقلية الإسلامية دعوى بلا بينة، فهى تعتمد البرهان فى العقليات، والتوثيق فى النقليات، والتجربة فى الحسيات. يقول القرآن لأصحاب العقائد: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (البقرة: ١١١ والنمل: ٦٤) وفى مقام النقل: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (الأحقاف: ٤) وفى مقام آخر يقول: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (الأنعام: ١٤٣). ومن ثم كان بدء الوحى القرآنى بهذه الآيات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق: ١ - ٥) والقراءة باب العلم ومفتاحه. ٢ - الإيقاظ الروحى: والعنصر الثانى هو (الإيقاظ الروحى) الذى يعنى بتجديد الإيمان بالله تعالى، واليقين بالآخرة، وتقوية المعانى الربانية فى القلب، من التوكل على الله، والإنابة إليه، والإخلاص له، والمحبة له ولأوليائه، والأنس بذكره، والرجاء فى رحمته، والخشية من عذابه، والاعتزاز بالانتماء إليه، والثقة بنصره وتأييده، والحياء معه، والشعور برقابته، والشكر لنعمائه، والصبر على بلائه، والرضا

стр. 782

بقضائه، وحسن الأدب معه، واستشعار تقواه فى كل عمل وكل حال. إلى آخر ما يعنى به رجال التصوف الصادقون. والوصول إلى هذا ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى رياضة مستمرة، ومجاهدة طويلة، لهذه النفس الأمارة بالسوء، وتصميم على تزكية النفس بالتخلية والتحلية: التخلية من رذائل الشرك والنفاق والجاهلية، والتحلية بفضائل التوحيد والإيمان والإسلام والإحسان، وهذا هو أساس الفلاح فى الأولى والآخرة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس: ٧ - ١٠). ولا يتم هذا إلا فى مناخ يساعد عليه، يجد فيه المرء المرشد الموجه إلى الله، والبيئة النظيفة المعينة على الخير، كما يجد الأخ الصالح، الرفيق فى الدرب، حامل مسك الهدى، الذى يدل على الله منطقه، ويذكر بالآخرة حاله، ويرغب فى الخير سلوكه. ٣ - الترابط الأخوى: والعنصر الثالث من عناصر (التكوين) الأساسية هو: الترابط الأخوى. يقول تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (الزخرف: ٦٧). ويقول ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يقذف فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار». متفق عليه عن أنس. وقوله: «سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله- وذكر منهم- ورجلان تحابا فى الله- اجتمعا عليه، وتفرقا عليه». متفق عليه عن أبى هريرة. ويقول ﷺ : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم فى ظلى يوم لا ظل إلا ظلى». رواه مسلم عن أبى هريرة. فإذا كان الناس تربطهم فى هذه الدنيا روابط شتى، رابطة الدم والنسب، أو رابطة الطين والأرض، أو رابطة اللغة واللسان، أو رابطة المصلحة المشتركة، أو غير ذلك من الروابط المادية والدنيوية الزائلة، أو المعرضة دوما للزوال. فإن رابطة الأخوة الإيمانية هى الأخلد والأبقى، وهى الأعز والأقوى، لأنها رابطة قامت لله وفى الله، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله، انقطع وانفصل. لقد حث الإسلام المسلمين على العمل الجماعى لنصرة الدعوة الإسلامية، وتحرير الأرض الإسلامية، وتوحيد الأمة الإسلامية، وتحقيق آمالها الكبرى فى النهوض والبناء والترقى، وأداء دورها الربانى فى هداية العالم إلى نور الله.

стр. 783

ولهذا كانت الأوامر والتوجيهات القرآنية والنبوية محرضة على التوحيد والتعاضد والتعاون والتضامن، فإن اليد وحدها لا تصفق، ويد الله مع الجماعة، والشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. يؤكد هذا: أن القوى المعادية للإسلام وأمته لا تعمل بصورة فردية، أو بقوى متناثرة أو مبعثرة، بل تعمل فى صورة جماعات وتكتلات منظمة، حددت غاياتها، وعينت طرائقها، واختير رجالها وقادتها، ورصدت لها مصادر التمويل الدائمة والطارئة. فلا يجوز أن نقابل هذه القوى المتجمعة بأعمال فردية متفرقة، تعجز أن تنصر صديقا أو تقهر عدوا. وما دامت الجماعة- على حد تعبيرنا- فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع: فلا بد لهذه الجماعة من رابط قوى يربط بين أفرادها، أشبه بما نسميه (المونة) أو (الإسمنت) الذى يربط (لبنات البناء) بعضها ببعض، حتى يكون كما جاء فى الحديث: «يشد بعضه بعضا»، أو كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف: ٤). وهذا الرباط هو الأخوة الصادقة، التى هى صنو الإيمان ودليله، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: ١٠). وكما فى الحديث الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه (أى لا يتخلى عنه) ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته». ولا تكون الأخوة صادقة إلا إذا تجردت عن أعراض الدنيا، وتمحضت للدين، وخلصت لوجه الله تعالى، وهذا هو الحب فى الله، الذى كثرت فى فضله الأحاديث. ومن ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبى ﷺ قال: «إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء! قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله، من غير أرحام ولا أنساب (أى لا تجمعهم قرابة ولا نسب) وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس: ٦٢)». وقال رجل لمعاذ بن جبل: والله إنى لأحبك لله! فقال: الله؟ قال الرجل: قلت: لله، فأخذ بحبوة ردائى، فجذبنى إليه، وقال: أبشر، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: وجبت محبتى للمتحابين فىّ، والمتجالسين فىّ، والمتزاورين فىّ».

стр. 784

علاقة الإنسان بالشيطان * العداوة: الشيطان: هو العدو الأول، اللدود، لبنى الإنسان. وعداوته: قديمة، حديثة. قديمة جدا: منذ أن قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (البقرة: ٣٤) قديمة جدا: منذ أن قال له رب العزة: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (الحجر: ٣٢ - ٤٤) قديمة جدا: منذ أن عاقبه رب العزة، على هذا الإباء، والتكبر، وعدم الامتثال، إذ قال له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (الحجر: ٣٤ - ٣٨) قديمة جدا: منذ أن هدد وتوعد لبنى الإنسان، حينما قال: قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (الحجر: ٣٩: ٤٤). وقد كان .. !! زين الشيطان .. وما يزال. وأغوى الكثير، والكثير من بنى الإنسان وما يزال. وأصبح للشيطان: أعوان، وإخوان، وأنصار، وأشياع، وأذناب: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (المجادلة: ١٩). وما يزال الشيطان يغوى، ويزين، وينفذ وعيده القديم، وتهديده الدائم. وما يزال حزبه الذى استحوذ عليه، يزداد كفرا وعصيانا ونسيانا وتناسيا لذكر الله تعالى. ولنشاط الشيطان وأعوانه، القديم والحديث؛ نبه المولى- وينبه دائما على هذه العداوة القديمة والحديثة، إذ يقول: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (الإسراء: ٥٣). ولنشاط الشيطان وأعوانه، القديم والحديث؛ نبه المولى- وينبه دائما، أحبابه، وأولياءه الذين هم حزب الله، على هذه العداوة القديمة الحديثة:

стр. 785

إذ يقول لهم: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (الزخرف: ٦٢). ولخطورة الشيطان على أولياء الله- تعالى- وحزبه؛ أمر المولى- : بالحيطة الشديدة منه، والتنبه الدائم له، واتخاذه عدوا، واليقظة الكاملة لمكر هذا العدو ودهائه، والاستعداد لمواجهة هذا العدو والانتصار عليه. إذ يقول لهم: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (فاطر: ٦) ولخطورة حزب الشيطان- كذلك- على أولياء الله تعالى وحزبه؛ أمر المولى- بقتالهم، بشتى أسلحة القتال. إذ يقول: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (النساء: ٧٦) ومع ذلك فالشيطان لا ينى، ولا يتخاذل، ولا يهدأ. فعن جابر: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يبعث الشيطان سراياه، فيفتنون الناس؛ فأعظمهم عنده منزلة، أعظمهم فتنة». (مسلم: ك صفات المؤمنين، باب تحريش الشيطان) وأعوانه كذلك لا يتخاذلون، ولا يهدءون. وفوق ذلك: فهو: «يجرى من ابن آدم مجرى الدم». (١٩) فتنة، وغواية، وإضلالا. ولوعورة هذه الحرب، بين الطائفتين- الشيطان وحزبه من جانب- وأولياء الله من الجانب الآخر: فقد علّمنا- الاستعانة به، واللجوء إليه، فى هذه الحرب الدائمة، القديمة، الحديثة، حينما قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (فصلت: ٣٦). وحينما قال: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (المؤمنون: ٩٧، ٩٨). وفوق هذا فقد تكفل بالوقوف فى صف أوليائه ونصرتهم فى هذه الحرب الدائمة، القديمة، الحديثة، حينما قال للشيطان: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (الحجر: ٤٢) ولكل هذا: يجب على أولياء الله- وأتباع محمد ﷺ ، اليقظة الكاملة، والاستعداد الدءوب لهذا العدو، الذى حذر منه، وأمر بمعاداته. وعلى ورثة الأنبياء- وهم أولى الناس بهذه اليقظة وأحق الناس لهذا الاستعداد، وأعلمهم وأقواهم على هذا العداء والانتصار فيه، تبصير الناس بسهام هذا العدو، وتحذيرهم- دائما- منها.

стр. 786

* الوسوسة: بيد أنه: لا يعدو الشيطان فى حياة الإنسان سوى أن يكون مخلوقا باستطاعته أن يوسوس فى صدر الإنسان بالشر، ويزين له ارتكاب الخطيئة فقط، ثم إن الإنسان هو الذى يرتكب الخطيئة بإرادته، ويعتبر مسئولا عنها مسئولية تامة. ففي المفاهيم الإسلامية عدة حقائق عن الشيطان تبين موقعه فى حياة الإنسان، وأثره على إرادته، والحكمة الربانية من وجوده: الحقيقة الأولى: تتلخص فى أن الشيطان ليس له سلطان على إرادة الإنسان، إلا من سلّم قيادة نفسه له وتبعه مختارا لنفسه طريق الغواية. ونجد الدليل على هذه الحقيقة فى عدة نصوص قرآنية: منها: قول الله تعالى يخاطب إبليس رأس الشياطين: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (الحجر: ٤٢). إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (الإسراء: ٦٥). فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (النحل: ٩٨ - ١٠٠). فمن الظاهر فى هذه النصوص أن الله ﵎ لم يجعل للشيطان سلطانا على الإنسان، وأن سلطانه لا يكون إلا على الذين يتولونه، ويجعلونه قائدا لهم، ويتبعونه مختارين لأنفسهم طريق الغواية. ومن أجل ذلك فإن الشيطان سيعلن هذه الحقيقة يوم القيامة للذين استجابوا لوساوسه فى الدنيا، يدل على ذلك قول الله تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (إبراهيم: ٢٢). ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي: أى ما أنا بقادر على إغاثتكم وما أنتم بقادرين على إغاثتى، حينما يصرخ كل منا طالبا من صاحبه أن يغيثه فيرفع عنه عذاب الله. الحقيقة الثانية: تتلخص فى أن وظيفة الشيطان فى حياة الإنسان إنما هى الوسوسة فى صدره وليس له قدرة على أكثر من ذلك،

стр. 787

ويشعر الإنسان بهذه الوسوسة فى صورة خواطر تزين له الإثم والمعصية، وتزين له الانحراف عن سواء السبيل، وقد تصوغ له ذلك بحجج مغرية. قال الله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) (الناس). وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (محمد: ٢٥). أى: غرهم بالأمانى والآمال فى وساوسه وتسويفاته، وهذا ما فعله مع آدم وحواء، إذ كانا فى الجنة فوسوس لهما فأخرجهما من الجنة. فكيد الشيطان فى الإضلال كيد ضعيف، وبذلك وصفه الله بقوله إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (النساء: ٧٦). الحقيقة الثالثة: تتلخص فى أن الله- ﵎ جعل الشيطان فى حياة الإنسان لإقامة التوازن بين دوافع الخير ودوافع الشر والمحرضات عليهما، وليطرح الإنسان عليه قسما من مسئولية الخطيئة التى يقع بها، فيجد لنفسه عذرا بأن فعل الشر ليس من فطرته، وإنما كان بتأثير وساوس قرينه الشيطان الملازم له. وبهذا لا تظل صورة الخطيئة القبيحة ماثلة فى نفس الإنسان، إذ يشعر بأن القبح فى العمل ليس من شأنه. وهذا الشعور الذى يشعر به المخطئ، قد يساعده على تقويم نفسه، مستعيذا بالله من الشيطان، ساعيا فى التخلص مما علق به من أدناس المعاصى، كما يساعده على نسيان خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه؛ إذ من وسائل الإصلاح التربوى فتح باب العذر لمن نربيه إذا ارتكب الخطيئة، ولو عاقبناه عليها نظرا إلى مسئوليته، ذلك لنبقى له مجالا يحتفظ فيه بصورة الكمال التى يجب أن يتصورها الناس فيه، ولنبقى له مجالا للارتقاء فى مراتب الكمال الإنسانى. العلاج الدينى للتخلص من وساوس الشيطان: وللتخلص من وساوس الشيطان وتسويفاته علاج دينى أرشدنا القرآن إليه، وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (الأعراف: ٢٠٠: ٢٠١).

стр. 788

فمتى استعاذ الإنسان بالله من الشيطان ونزغته، قويت بالله إرادته، وخنس الشيطان وخاب وخسئ، وحينما يقع الإنسان فى الخطيئة ثم يستغفر الله فيغفر له، فإن الشيطان يصاب بالخزى والخيبة، وضياع الجهد فى الإغواء (٢٠). نهاية الإنسان * تمهيد: نهاية الإنسان فى الدنيا: هى الموت. والموت: موضوع كريه، مزعج، لا يشجع على التفكير، أو الحديث فيه. وقد وصف القرآن حدوثه «بالمصيبة»، فى قوله تعالى: فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ (المائدة: ١٠٦). وهو كريه مزعج، لأن الإنسان بطبيعته يخشى الموت، ويحب الحياة. وفى الحديث الشريف: «قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال» (٢١). وفى أحاديث الفتن: « .. ينزع الله المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل فى قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (٢٢). ولذلك ينفر الإنسان من سماع هذا الاسم، وينفر كذلك من دراسة هذا الموضوع. ودليل بسيط على ذلك: أنك تجد من الناس من يشكو مرّ الشكوى مما فى هذه الحياة الدنيا من: ألم، ومعاناة، وبؤس، وشقاء .. إلخ، لكنه رغم ذلك كله يتشبث بها بقوة، حتى إنه يستعيذ بالله إذا طرقت أذنه كلمة الموت، بل إن المحتضر نفسه وهو على فراش الموت يكره أن يسمع كلمة الموت. وهذا الكلام لا يصدق على الإنسان العادى فحسب، بل إنه يصدق- كذلك- على المفكرين والفلاسفة (٢٣). * مواقف الناس من هذه النهاية: اعلم أن المنهمك فى الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه- لا محالة- عن ذكر الموت فلا يذكره. وإذ ذكّر به كرهه ونفر منه، أولئك هم الذين قال الله فيهم: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجمعة: ٨). ثم الناس: إما منهمك، وإما تائب مبتدئ، أو عارف منته. أما المنهمك: فلا يذكر الموت، وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته، وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا. وأما التائب: فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفى

стр. 789

بتمام التوبة، وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهو معذور فى كراهة الموت، ولا يدخل هذا تحت قوله ﷺ : «من كره لقاء الله كره الله لقاءه» (٢٤). فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، وهو كالذى يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارها للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له، لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك فى الدنيا. وأما العارف: فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد لقائه لحبيبه، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا فى غالب الأمر يستبطئ مجىء الموت، ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين. كما روى عن حذيفة: أنه لما حضرته الوفاة قال: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم؛ اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلىّ من الغنى والسقم أحب إلىّ من الصحة، والموت أحب إلىّ من العيش فسهل علىّ الموت حتى ألقاك. فإذن: التائب معذور فى كراهة الموت. وهذا معذور فى حب الموت وتمنيه. وأعلى منهما رتبة: من فوّض أمره إلى الله تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه، فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى (٢٥). * حقيقة النهاية: وقد ظن الملاحدة: أن الموت انتهاء مسار رحلة الإنسان، والخاتمة الأبدية له، حيث لا رحلة بعده، ولا حياة ولا بعثا ولا نشورا وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (الأنعام: ٢٩). وأما الحقيقة التى غابت عنهم وغابوا عنها، والتى عرفها المسلمون من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ لهذه النهاية: أنها انتقال من عالم من عوالم الله- إلى عالم آخر من عوالمه- . انتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ، تمهيدا للوصول إلى الدار الآخرة. انتقال من دار الزرع إلى دار الحصاد، من دار الفناء إلى دار البقاء. انتقال من دار التكليف والعمل الدنيوى، إلى دار الثواب والعقاب الأخروى (٢٦). فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: ٧، ٨).

стр. 790

يقول ابن القيم: جعل الله الدور ثلاثا: دار الدنيا، دار البرزخ، دار القرار. وجعل لكلّ أحكاما تختص بها (٢٧). ومن هنا: فنهاية الإنسان الحقيقية ليست العدم المحض، بل انتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ، كما أخبر الحق، فى قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠). يقول ابن جرير الطبرى: أى مهلة يمكثون بها، حتى ينتقلون إلى الدار الآخرة (٢٨). وهذه المهلة التى يمكث بها الإنسان- بعد نهاية رحلته فى الحياة الدنيا، حتى يوم البعث- هى الحياة البرزخية. ومن بعدها: يكون البعث والانتقال إلى الحياة الأبدية. والناس فيها: إما شقى، أو سعيد فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود ١٠٧، ١٠٨). أ. د. عبد الحى الفرماوى

стр. 791

حجية السنن الإلهية (١) فى رحاب القرآن الكريم القرآن كلام الله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ١ ومنه تستمد الأحكام فى نطاق العقيدة والشريعة، وفى أعطافه تنظيم أحوال الخلق فى دنياهم وأخراهم، لأنه سبيل الهداية ومنهج الرشد، وقد جعله الله تعالى آية على صدق رسوله ﷺ فى الرسالة الخاتمة التى حمّلها الله إياه فى كمال صدقها وإعجاز وسطيتها، وتمام إبلاغها عن رسالات الله إلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين، وكتبهم التى أنزلها الله عليهم، وأخبارهم مع من آمنوا معهم ومن كفروا برسالة خالقهم وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. (٢) والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التى عليها بنيت رسالة محمد ﷺ ، وهى الرسالة الخالدة الخاتمة طبقا لنص الآية الكريمة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. (٣) هذا المعنى يردده عدد من العلماء الذين عنوا بالدراسات القرآنية- ونعنى به المعجزة الكبرى أو الوحيدة- ويضيفون القول: بأن الرسول ﷺ قد أيّد بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت فى أوقات وأحوال ومناسبات خاصة، ونقل بعضها متواترا وبعضها نقل نقلا خاصا (هكذا)، ثم يضيف هذا الفريق قائلا: وأما القرآن فهو معجزة عامة، ولزوم الحجة به باق من أول ورودها إلى يوم القيامة. (٤) وهذا القول فيما يتصل بمعجزة القرآن الكريم صواب لا يحتمل الجدل أو النقاش، ولكن ثمة خشية فيما يتصل بالمعجزات الأخرى الكثيرة، أن يؤدى ذلك إلى التقليل من شأنها أو التهوين من قيمتها مثل معجزات النصر، ومعجزة الإسراء والمعراج خصها المولى بسورتين كاملتين هما سورة الإسراء وسورة النجم، على النحو الذى سوف نعرض له فى الفصول القادمة من هذه الدراسة بإذن الله. إن الله- والقرآن وحيه وكلامه- يزكى كتابه العزيز فى كثير من الآيات، ويرفع من قدره مع التسليم بتلك

стр. 792

الحقيقة من رفعة القدر فى آيات أخرى كثيرة، ويجعل منه قسما- بفتح السين- على صدقه فى مواقع عدة، ثم يتحدى الذين لم يؤمنوا به بآيات تخذلهم وتسفه كفرهم به، الأمر الذى يفحمهم ويؤدى إلى إيمان فريق كبير منهم بصدقه وقدسيته، وأنه كلام منزل من رب العالمين. وإن كل من يمسك المصحف بيديه يقع بصره أول ما يقع على قول الله جل وعز: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. (٥) فى هذه الآيات الأربع القصيرة شحنة نفسية من تكريم رب العالمين وتعزيزه وتقديسه لكتاب رب العالمين، فلا يمسه إلا المطهرون، الأمر الذى نزه الله به كتابه العزيز من أن يمسه بيديه إنسان على غير طهارة لأنه تنزيل منه نفيس كريم. ولما كان القرآن الكريم كتابا ربانيا يهدى من الضلال إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين، فإن هذه القيم تجىء واضحة جلية فى قول الحق سبحانه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً. (٦) وفى السورة نفسها تتكرر النفحات الإلهية فى تعزيز القرآن الكريم ووصفه بأعز وصف وأكرم توصيف فى قوله جلّ وعزّ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٧) ويتولى التعزيز الإلهى فى بلاغة إعجازية؛ لتثبيت النفحات الربانية التى تضمنها الكتاب العزيز حاملة الإنذار لسكان مكة ومن حولها، لأن القرآن الكريم نزل أول ما نزل على محمد ﷺ فى غار حراء فى جبل النور فى الطرف الشمالى لمكة، فيقول الحكيم الخبير سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ. (٨) إن أهل مكة ومن حولها عرب خلّص ذوو بلاغة، وأصحاب فصاحة وأرباب بيان، يتذوقون حسن القول، ويتعشقون بديع الكلام، فقد شاءت إرادة الخالق منزل الكتاب أن يغلق على أهل مكة كل باب ينكرون من خلاله صدق القرآن، وأن يسقط كل حجة يتذرعون بها للشك فى جلالة هذا الوحى، الذى يسمعونه من محمد الذى أجمعوا على وصفه بالأمين، فجاءت الآية الكريمة ملبّية لملكاتهم البليغة فيما لو صدقوا النية، ولسجيتهم الفصيحة متى أخلصوا العزم قال : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

стр. 793

(٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكون هذه الآيات الثلاث مسبوقة بتوكيد إلهى بأن هذا الكلام منزل من عند الله، وذلك فى قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. (٩) ولتمكين هذه الحقائق فى أسماع كفار قريش، المعروفة بالفصاحة وذلك بشهادة رسول الله ﷺ حين قال له أبو بكر الصديق متسائلا: ما رأينا الذى هو أفصح منك يا رسول الله!! فكانت إجابة الرسول ﷺ على تساؤل أبى بكر: «لأنى ولدت فى قريش وربيت فى بنى سعد» والمعنى النبوى: أن كلا من قريش وبنى سعد أفصح القبائل وكانت نشأة رسول الله فيهما طفلا وصبيا فى الأولى وشابا ويافعا ثم كهلا فى الثانية، ومن هنا كان وصف القرآن فى الآية الكريمة قُرْآناً عَرَبِيًّا حجة على قريش وتحديا غير مباشر لفصحائهم بخاصة، ولجمهرتهم بعامة. ويتكرر فى الكتاب العزيز التوصيف الإلهى للقرآن الكريم بأنه منزل بالعربية فى قول الله جل وعز: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٠) وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١١) وقد استهلت سورة الزخرف التى وردت فيها هذه الآية بقسم عظيم هو قوله تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ثم كانت الآية التالية: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ والآيتان الأخيرتان: آية يوسف وآية الزخرف متشابهتان شكلا وصوغا، متباينتان هدفا وغرضا، فآية يوسف إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فيها تحدّ غير مباشر لكفار قريش، وأما آية الزخرف فهى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولفظ جعلناه يحمل تحديا مباشرا لمنكرى أن الكتاب العزيز منزل من عند الله رغم القسم الإلهى ب الْكِتابِ الْمُبِينِ. أما وقد استبد المخاطبون من العرب بفساد الرأى وقبح الإنكار فقد تحداهم منزل الكتاب- سبحانه- أن يعارضوه بما يماثله بلاغة أو يعدله حكمة وبيانا، فنزل قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. (١٢) فلم يستجيبوا بطبيعة الحال، ليس عنادا وعصبية هذه المرة، ولكن عجزا وقصورا وخذلانا، فيعطيهم منزل الكتاب العلىّ الكبير مزيدا من التيسير بعد أن يعطيهم مزيدا من التأكيد على أن الكتاب كتابه، وأن الكلام

стр. 794

كلامه فيوحى إلى رسوله ﷺ قوله تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. (١٣) ثم يتبع المولى هذه الحجة البالغة بحجة أخرى تخرس الكفار فيما يخرصون وتلجم ألسنتهم عما يكذبون فينزل قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. ثم تتم الآية التالية كمال صيغة التحدى بقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٤). ويجتهد القاضى عياض- إمام المغرب- فى تعليل إنكار المنكرين بقوله: «فلم يزل يقرعهم النبى ﷺ أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم وهم فى كل هذا ناكصون عن معارضته محجومون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء والافتراء وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ وسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وإِفْكٌ افْتَراهُ وأَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقد قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فما فعلوا وما قدروا. ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم، ولما سمع الوليد بن المغيرة- وهو من فصحائهم- قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ النحل: ٩٠ قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر. وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ الحجر: ٩٤ فسجد، وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام، وكان موضع التأثير فى هذه الجملة هو كلمة «اصدع» فى إبانتها عن الدعوة والجهد بها والشجاعة فيها، وكلمة «بما تؤمر» فى إيجازها وجمعها. وسمع آخر رجلا يقرأ: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (١٥). قال: «أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام» (١٦). وفى مقام إعجاز القرآن وحقيقة كونه لا يماثله كلام بشر، وأنه كلام رب العالمين الذى لا يجاريه كلام مخلوق، الحديث الذى تمثل به الشيخ ابن عاشور فى المقدمة العاشرة: ما رواه مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: قسمت الصلاة- أى سورة الفاتحة- بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، قال الله تعالى: حمدنى عبدى. وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى علىّ عبدى، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجّدنى عبدى

стр. 795

(وقال مرّة: فوّض إلىّ عبدى) فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قال: هذا لعبدى ولعبدى ما سأل» (١٧). وفى تلك الدراسة القيمة التى أعدها الشيخ الطاهر بن عاشور عن إعجاز القرآن وعن كونه كلام الله وليس كلام بشر، يضرب أمثلة عديدة لشهادة بعض عتاة الكفر قبل أن يسلموا مثل الوليد بن المغيرة- وقد أوردنا له فيما سلف وصفا للقرآن- ومثل عتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وغيرهم. وكان الوليد بن المغيرة يذهب متخفيا بليل إلى بيت النبى ﷺ ليتسمع تلاوة الرسول للقرآن الكريم- وكذلك يفعل أقرانه دون أن يخبر أحدهم زميله للغرض نفسه- فلما استمع الوليد إلى قراءة النبى ﷺ قال: «والله ما هو بكاهن، وما هو بزمزمته ولا سجعه، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر». وكذلك فعل أنيس بن جنادة الغفارى أخو أبى ذر حين اتجه إلى مكة ليسمع من النبى ﷺ ليخبر أخاه أبا ذرّ بما سمع، وكان أبو ذر مشوقا إلى سماع خبر عن القرآن من مصدر يثق به، وعن محمد الذى يتنزل عليه هذا القرآن، فعاد أنيس إلى أخيه ليخبره بما سمع فقال: «لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر- أى طرقه- فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان واحد بعدى أنه شعر». فأسلم أنيس وأبو ذر (١٨)، وكان من شأن أبى ذر ما كان من اقترابه من رسول الله، ومن حب رسول الله له ما قد امتلأت به كتب السيرة والصحاح من كتب الحديث. لقد برع العرب حين نزول القرآن فى فنون الأدب التى كان الشعر أهمها شأنا وأخطرها أثرا، كانت لهم الفصاحة فى الخطب والأمثال والمحاورات، فجاء القرآن بأسلوب جديد صوغا ومحتوى صالحا لأغراض الحياة كلها تضمن الجديد من أغراض فنون القول جميعا: الخطابة والحوار والجدل والقصص والرواية والأخبار عن الأولين وضرب الأمثال وتربية المجتمع الإسلامى تربية رفيعة تصلح شأنه فى الدنيا وتسعد مصيره فى الآخرة. لقد آمن العرب جميعا بإعجاز القرآن لأنه كلام الله، كما اعترفوا بعجزهم من محاكاته أو الإتيان بآية واحدة من مثله على النحو الذى فصلناه فيما سلف من قول؛ ولكن فريقا ممن دخلوا فى الإسلام، أكثرهم من غير العرب- وإن كان الإسلام لا يفرق بين عربى وأعجمى- أطلقوا على أنفسهم «أهل العدل» وعرفوا بالمعتزلة، اخترعوا فرية حول إعجاز القرآن الكريم أطلقوا عليها «الصّرفة» ومعناها أن القرآن ليس معجزا بذاته ولكن سبب إعجازه أن الله صرف العرب عن أن ينشئوا مثله، وهو رأى فاسد، ومذهب قبيح،

стр. 796

فيه تطاول على القرآن الكريم ومنزل القرآن الكريم- وذهبت هذه الفرقة من القرآن مذاهب شتى، وابتدعوا فتنة عذّب بسببها عدد كبير من كبار علماء المسلمين ومات بعضهم فى السجن، وهذه الفتنة عرفت بفتنة «خلق القرآن» وتبناها ثلاثة من خلفاء بنى العباس وبعض من شايعهم، ولكن الله لطف بكتابه وبالمؤمنين من عباده، والمتقين من علماء دينه، فلم تستمر بفتنة طويلا، بل إن المذهب نفسه أصابه الانحلال وانفضّ المؤمنون عن المنادين به، ولم يبق منه إلا القليل فى فكر عدد محدود من علماء المسلمين المعاصرين. فالقرآن إذن هو كلام الله الذى جعله آية على صدق محمد ﷺ فى حمل الرسالة الخاتمة التى حمّلها المولى إياه والقيام بتبليغها إلى الخلق كافة. إن القرآن معجز للبشر كافة إعجازا مستمرا موصولا على مر العصور وكرّ الدهور؛ ومن جملة ما شمله قول أئمة الدين: أن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية. (١٩) ولقد تحقق ذلك فى زماننا هذا بقدر ملحوظ، ذلك أن عددا غير قليل ممن قرءوا ترجمات معانى القرآن إلى لغاتهم قد آمنوا بقدسيته وأعلنوا إسلامهم وعملوا فى بلدانهم فى مجال التبشير بالإسلام، ويشاركوننا فى مؤتمراتنا وندواتنا الإسلامية مشاركة فاعلة ولهم الأجر من الله على دعوة قومهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وما أطيب أن نختم هذا الفصل من الحديث عن بعض معالم القرآن الكريم بقول الله- منزل القرآن- : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. (٢٠) أ. د. مصطفى الشكعة

стр. 797

(٢) مفهوم السنن الإلهية لغة ومصطلحا إن مادة «سنن» وردت فى القواميس والمعاجم متعددة المعانى وافرة المدلولات، متقاربة حينا ومتباعدة أحيانا أخرى كثيرة، وإن استعراضها على النحو المفصل الذى ورد فى المعاجم ليس من الفائدة فى شىء فى هذا المقام، أو بالأحرى فى هذه الدراسة التى ينحصر البحث فيها فى السنن الإلهية. يقول الفيروزآبادى: السنة- بضم السين- السيرة والطبيعة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، ويجيء صاحب المعجم بشاهد من الآية ٥٥ من سورة الكهف فى قوله تعالى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ الكهف: ٥٥ أى معاينة العذاب. وسنن الطريق- مثلثة وبضمتين- نهجه ووجهته (١). ويقول الراغب الأصفهانى: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته، وسنة الله تعالى قد تقال لطريق حكمته نحو: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (الآية ٤٣ من سورة فاطر) وهو تنبيه أن فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل- وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى وجواره. (٢) ويعرض معجم ألفاظ القرآن الكريم المادة على النحو الآتى: سنة الأولين: طريقهم وسيرتهم ويردف قوله بالشاهد من القرآن الكريم فى قوله تعالى فى الآية ٣٨ من سورة الأنفال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. وسنة الله نظامه يجريه فى خلقه كما يريد: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣) (الأحزاب: ٣٨). وسنة من قد أرسلنا: طريق الله فيمن أرسلهم سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا. (٤)

стр. 798

سنن: جمع سنة: سير وطرق: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران: ١٣٧) (٥) (٦) هذا عرض موجز لمعنى السنن الإلهية طبقا لما أوردته أهم المعاجم التى عنيت بالمصطلحات القرآنية ومن بينها بطبيعة الحال السنن الإلهية. وبرغم وصفنا لما عرضناه- مستمدا من المعاجم بإيجاز- فإن ما أوردته المعاجم نفسها فى هذه القضية كان بدوره شديد الإيجاز، وقد كان من المأمول أن يكون تناول المعاجم لمثل هذه المصطلحات القرآنية الهامة أكثر تفصيلا وأوفر تمثيلا، ذلك أن بعض المعاجم بل أكثرها كان يكتفى بذكر جزء مقتطع من الآية القرآنية الخاص بالمصطلح. من ذلك على سبيل المثال: ما أورده معجم ألفاظ القرآن حين تمثل بالآية رقم ١٣٧ من سورة آل عمران، ظنا من مؤلفيه أن مجرد ذكر الآية كافيا للوفاء ببيان المصطلح، مع أن التناول الذى يفى بالغرض هو التمثيل بالآية وما تلاها من آيات أخر، وذلك فى قول الله جل ثناؤه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ثم يكمل: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. (٧) إن الآيات الأربع تشمل عدة سنن إلهية وليس سنة واحدة، ومثلما أن الآيات اللاحقة تحقق استكمالا لنوعية السنن الإلهية وأغراضها فكذلك الحال- لمن يريد استيفاء هدفه فى هذا الشأن- أن يهتم بالآيات السابقة على آية «السنة» فى مثل قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) فالآية مسبوقة بآيات ثلاث طوال فى النكاح ومواطن تحريمه وهى الآيات رقم ٢٣ - ٢٥ وفيها يقول المولى سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ

стр. 799

النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. بهذا المنهج يتحقق بيان السنة أو السنن التى ذكرت فى الآية ٢٦ السالف ذكرها. وفى مجال دراسة لبعض السنن وإيضاح بعض ما يثار حولها من حوار أو نقاش (٩) فقد حسمها المرحوم سيد قطب بقوله: «قد تأخذنا فى بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الإلهية حتى نرى أن اتّباع القوانين الطبيعية يؤدى إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية، هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه فى أول الطريق، ولكنها تظهر حتما فى نهايته؛ وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامى نفسه، لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية فى حياته مع القيم الإيمانية، وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقها، وظل يهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عند ما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا». (١٠) ويضيف المصنف قائلا: «إن الوجود ليس موجودا لقوانين إلهية صماء عمياء فهناك دائما- وراء السنن- الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة». ومجمل القول عندنا: أن السنن الإلهية إجبارية تجرى على المخلوقات جميعا من أفراد وكائنات، وأن منهجنا فى هذا البحث محدد بمفهوم «السنن الإلهية» طبقا لتعريفها الذى أوردناه فيما سلف من سطور. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 800

(٣) سنن الإيمان بوحدانية الله وتنزيهه سبحانه إن الإيمان بالله- سبحانه- ربا واحدا لا شريك له، وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو روح الوجود وسنام العقيدة التى على مكوناتها تستقيم شئون الكون كله، والبشرية جزء منه. وقد تكفّل كتاب الله ببيان ذلك فى كثير من السور ما كان مكيا فيها وما كان مدنيا، وتكتمل الوحدانية والتنزيه فى قوله- فى سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) وكذلك يتجلى التوحيد والتنزيه فى الآية الكريمة من سورة البقرة الآية ٢٥٥ التى اصطلح على تسميتها بآية الكرسى وهو قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. وفى الساحة الإيمانية التنزيهية الموحدة يأتى قول الله- جل وعز- فى سورة الحشر الآية ٢٤: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فالآية تجمع بين التوحيد وعلم الغيب والشهادة، والتنزيه بذكر خمسة عشر اسما من الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، ويستطيع المتأمل الراشد أن يتبين كم من صيغ التوحيد والتنزيه مفردة ومجتمعة حفلت بها الآية الكريمة من كتاب الله. ثم يعظّم من شأن الألوهية وحتمية وجودها: شهادة الخالق- ﷻ مقرونة بشهادة ملائكته وعلماء بنى الإنسان الذين كرّمهم بذكر شهادتهم تالية لشهادته تباركت أسماؤه، مؤكدة وحدانيته، وأن الدين عند الله هو الإسلام. يقول الحق ﵎ فى

стр. 801

هذا الشأن: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١). ثمت بيان آخر فى الآية حول أهل الكتاب وإصرارهم على كفرهم بعد ما جاءهم من صريح العلم بأن الدين عند الله هو الإسلام وهذا الإصرار مصدره الإصرار على مقام السيادة والرئاسة على قومهم وحسدهم بعضهم بعضا. وتجىء هذه السنة الإلهية فى صيغة إيمانية فيها مزيد من الشمول وكثير من التفصيل فى قول الله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). ومن الآيات القرآنية التى تحمل سنن الله فى كمال الإيمان غير المشوب بما يعكر صفوه وينزهه عن الشوائب «آية البر» التى تتجمع فى أعطافها جواهر الإيمان وعناصره الأصيلة التى تجعل ممن يعمل بها مؤمنا بمفرداتها ممارسا لسائرها، قول الله جل ثناؤه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣). إن لهذه الآية طبيعة خاصة فى أنها تنبه إلى فعل الخير وأنه ليس مقصورا على إقامة الصلوات، وأداء الفرائض وحسب، وبذلك يظهر المؤمن أنه قد أدى واجبه نحو ربه وأنه أدى ما عليه من دين، ولكن الأمر أوسع من ذلك بكثير، إن الأمر يتمثل فى تلك التوجيهات الربانية والتوجيهات الإيمانية التى قدمها القرآن الكريم واضحة المعالم والقسمات ظاهرة المعانى والتفصيلات فى نص تلك الآية الكريمة من سورة البقرة. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 802

(٤) جزاء الإيمان بالله وثوابه إن الإيمان بالله نعمة كبرى ونفخة مباركة عظمى فإن للمؤمنين حسن الجزاء من الله، وهو جزاء جميل فى الدنيا وجليل فى الآخرة، فهو فى الدنيا شعور بحلاوة الإيمان التى تقود إلى العيش فى حياة راضية ونفس مطمئنة، وسعادة أخرى برضى الناس عنهم والثقة فيهم والتقرب إليهم، هذا فضلا عن ذلك السياج الصالح الذى تعيش فى إطاره أسرهم من أزواج وأبناء وحفدة وكونهم عنوانا للخير ومثالا للصلاح، وأما جزاؤهم فى الآخرة فجنات عرضها السموات والأرض أعدها الله لهم ولأمثالهم من المتقين. ويضرب الله الأمثال لهؤلاء المؤمنين المتقين فى الكثير من آيات كتابه العزيز كما فى قوله : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (١). إن هذه الآيات المباركات بسلاسة أسلوبها، وعبق نفحاتها، وصدق كلماتها، وإعجاز بيانها ونفاسة محتواها، وقداسة وعودها، وجلاء لفظها، ونضرة وقعها فى الأسماع والقلوب، كيف لم تطرق أسماع من تليت عليهم طرق المستجيب ووقع المستنير؟ ولكنهم بسبب عمق كفرهم وشراسة إعراضهم خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢). وفى سورة أخرى من سور سنن مكافأة المؤمنين وحسن جزائهم يقول جل وعز: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)

стр. 803

وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٣). إن مجموعات الآيات التى تحمل سنن الله فى حسن الجزاء يمكن أن نعدها آيات مبشرة معلّمة؛ لأنها دائما تبشر بعمل الخير، وتدعو إلى كمال الإيمان والتقوى وصالح الأعمال، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكون صياغتها وألفاظها ذات إلف وإيقاع وحسن تقبل فى الأسماع والقلوب. ويضم القرآن الكريم عشرات من الآيات المفردة المبشرة بحسن الجزاء بحيث لا تكاد تخلو سورة من آية أو أكثر من هذه الآيات المباركات، والله- سبحانه- فضلا منه وكرما- يضفى على صياغتها الإلهية ما يجعل لها القبول نفسه الذى تحظى به مجموعات الآيات المتتالية التى نزلت فى هذا الغرض والتى منها على سبيل المثال قوله جل وعز: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٤). وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٥). وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (٦). وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٧). يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨). إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٩). أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 804

(٥) سنة الله مع الكفر والكافرين لقد أوضحنا السنة الإلهية مع المؤمنين، ولما كان فريق كبير من الناس أرسل الله إليهم رسله ليؤمنوا به ربّا واحدا لا شريك له وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلم يستجيبوا لدعوة الإيمان وظلوا يتخبطون فى سراديب الكفر وظلام الضلالة، فقد عنى القرآن الكريم بوصف حالهم وتصوير عصيانهم وكشف كيدهم عدوانا على الأنبياء وإيذاء للمؤمنين، مع تكرار دعوة الإيمان المكللة بالعفو والغفران، وترك لهم الخيار فاختاروا طريق جهنم وانحازوا إلى سبيل الغواية الذى يؤدى بهم إلى نار الجحيم. إن هذا الفريق من الذين اختاروا الكفر عنادا واستكبارا واستسلموا لشياطينهم الذين أضلوهم- ونعنى هنا كفار قريش- قد استمعوا- بين ما قد استمعوا إليه من الكتاب الذى أنزل على محمد ﷺ قول الله : إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. (١) إن الذين استمعوا إلى تلك الآيات من كتاب الله المنزل على محمد ﷺ المتلو على أسماعهم مبينا سنن الله فى شئون حياتهم مما احتوته الآيات من دعوة إلى الإيمان مؤيدة بالبرهان ثم ما تلاها من نذير لا يحول بينه وبينهم ما اتخذوه من أولياء من دون الله: ثم لم يؤمنوا، مستحقون للعذاب الذى هو أشد أنواع العقاب، إنه جهنم التى أعدها الله للكافرين. ولقد عنى الكتاب العزيز بوصف أحوالهم وإصرارهم على كفرهم وكشف كيدهم ولؤمهم، وبيان كذبهم على الله ورسوله

стр. 805

والمؤمنين، ودحض حججهم وتسفيه عللهم؛ وذلك لأن الشرك والكفر هما أسوإ سبيل لعصيان رب الكون وخالقه، وذلك فى قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان آية ١٣). يقول الله فى شأن هؤلاء: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. (٢) إن هؤلاء الكفار لم يقف الأمر بهم عند رفض الإيمان ولكنهم كانوا يصدّون الناس عن الإيمان بالترغيب تارة وبالترهيب والأذى تارات أخرى، وإن ما كان يصنعه طغاة مشركى قريش من إيقاع أشد أنواع الأذى بالذين آمنوا من المستضعفين مسطور فى كتاب الله ومسجل فى كتب السيرة. وفى هؤلاء أيضا يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣). وإن دائرة الكفر لا يقف الأمر بها عند إنكار الإيمان بالله، وإنما تتسع تلك الدائرة لتشمل من كفر بالملائكة أى أنكر وجودهم ومن كفر بكتب الله ورسله واليوم الآخر، وتلك ظاهرة عند بعض المعاصرين ممن يظهرون الإيمان، لكن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلّ لا يتجزأ، وإن إنكار ركن من هذه الأركان الخمسة يخرج بصاحبه عن دائرة الإيمان، وفى ذلك يقول الله فى محكم كتابه وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (٤) ثم تتضمن الآية التالية صورة أخرى للكفر هى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ثم تجىء الآية التالية لتكمل صورة الكفار بالمنافقين وذلك فى قول الله : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (٥). والمنافقون من أشد الكفار خطرا على المؤمنين؛ لأنهم يعمدون إلى الخديعة حين يتظاهرون بالإيمان ويبطنون أشد أنواع الكفر حقدا على المؤمنين وتضليلا لهم، ومن ثمّ كان مكانهم فى الآخرة هو الدرك الأسفل من النار تصديقا لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (٦) وفى وصف تضليل هؤلاء المنافقين وخداعهم يقول المولى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ

стр. 806

بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. (٧) لقد حفل الكتاب العزيز بآيات كثيرة مبثوثة فى مكانها الملائم لها فى عدد كبير من سوره، ولكن لما كان لهؤلاء المنافقين من خطر على دعوة الإيمان ومن زرع بذور الفتنة بين جموع المؤمنين فقد شاءت الإرادة الإلهية أن تفضحهم، وتستهزئ بهم بصورة متكاملة، دقة وصف وكمال بيان، وجمال عرض، وإعجاز أسلوب، فى هذه المجموعة المتفردة من آيات كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فخلفت عارا لكل منافق، وسبة لكل مخادع عند كل من وقعت عيناه عليها من الذين يتلون كتاب الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويوم يبعثون. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 807

(٦) توصيف القرآن لطوائف الكافرين إن القرآن الكريم حين تناول الكافرين بالحديث عنهم فإن منزّله- لم يترك كبيرة ولا صغيرة عن هذه الطوائف إلا وقد سجل ألوان الضلال التى اتصفت به، وأنواع الشرك الذى مارسته، وفنون الإفك التى اقترفتها، وحيل النفاق التى خاضت فى مزالقها، وأكاذيب الخداع التى أصرّت على الاستمساك بها، والضلالات التى تروت فى أعماقها. لم يكن ذلك- وحاشا لله- افتراء عليهم أو افتئاتا على فضائل صنعوها أو خيرات قدموها؛ ولذلك وصفتهم آيات الكتاب العزيز بالمشركين، والكفار، وأهل الضلالة، والمنافقين، وأتباع الشيطان، والخاسرين، وغير ذلك من صفات أهل النار، ومن ثم كانت الأمثال التى ضربت لحماقاتهم وكفرهم من السمو والإعجاز بمكان يقول الله سبحانه فى تقبيح فكرهم والاستخفاف بعجزهم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. (١) إن هؤلاء الكفار من الغباء والعجز بحيث لا يستطيعون خلق ذبابة وهى من أضعف مخلوقات الله وأقلها شأنا، بل إن تلك المخلوقة الضعيفة لو سلبتهم شيئا فإنهم يعجزون عن استرداده، ومع ذلك فإنهم يكفرون بعبادة الله، ثم تقرع الآية التالية أسماعهم لعلهم يعقلون، وهى قوله جل وعزّ: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. ولكن لقد ضلت أفئدتهم وقست قلوبهم وعميت أبصارهم وبصائرهم فلم يؤمنوا. ويضرب الله مثلا آخر لجمود هؤلاء المكابرين وعناد أولئك الضالين الذين هم على شاكلة سابقيهم فى المثل السابق، وفى هذا المثال ييسر على هؤلاء الضالين طريق الإيمان فى آيتين، ويردف بآية توصيف حال هؤلاء الكافرين بآية ثالثة تظهر إصرارهم على الضلال، ثم يختم بآية رابعة لعلها توقظ حسّ الإيمان فى قلوبهم ونور اليقين فى أفئدتهم ولكنهم لا يهتدون: لقد قدّت قلوبهم من صخر، وسلبت بصائرهم فطرة الإيمان.

стр. 808

يقول الله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ. (٢) يقول ابن عباس (٣) فى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً أى: خوفا من الصواعق وطمعا فى الغيث الذى يعقب البرق فيحيى الأرض وينبت الزرع. وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أنه تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه. بعد هاتين الآيتين اللتين تجمعان بين الوعد والوعيد وإظهار نعم الله الخالق وقدرته على البطش بالكافرين، تجىء الآية التى تصف من لا يستجيبون لدعوته- سبحانه- وهى دعوة الحق لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٤). لقد ضلت أفئدتهم، وقست قلوبهم، وعميت أبصارهم وبصائرهم فلم يؤمنوا. ومثل آخر يضربه الله سبحانه لأعمال الكفار التى قد يكونون قصدوا بفعلها الخير فى الدنيا؛ من صدقة مبذولة أو صلة ذى رحم وبيان أنه لا فائدة منها ما دام فاعلها أو فاعلوها عاشوا على الكفر والإشراك بالله، فمثلها مثل الرماد فى يوم عاصف ذهبت ريحه به فى الهواء، ومن ثم فإن أعمال الكفار لا يقبلها الله بل يمحقها كما تمحق الريح الرماد فى يوم اشتدت رياحه وهاجت عواصفه، يقول رب العزة جلّ ثناؤه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (٥). ومن لطف الله ورحمته يتبع سبحانه هذه الآية- مثلما حدث مع مثيلات لها فى مثل هذا الموقف سبق لنا التمثل بها- بآية تحمل التوجيه الحميد وتهدى إلى الإيمان لو كانوا يعقلون، فيقول جل من قائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. ولكن القوم ضلت قلوبهم وقست أفئدتهم وعميت أبصارهم وبصائرهم فأصروا على الكفر ولم يهتدوا. وفى سورة النور يضرب الله مثلين فى آيتين متتابعتين لأعمال الكفار التى لا طائل من وراء

стр. 809

بذلها ما داموا على كفرهم- إذ لا ثواب للكافرين- والآيتان هما قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٦). وهذان المثالان من آيتى النور لهما مكانة خاصة ومقام متميز بين مثيلتهما من الآيات التى تمثل أعمال الكفار وطبيعتهم- أستغفر الله فكلام الله جميعه على أوفى صورة من التميز- ولكن هاتين الآيتين مسبوقتان بأربع آيات جليلة ترشح للدخول إليهما، ثم تتبع الآيتين موضع التمثيل آيتان أخريان تمثلان خاتمتين إيمانيتين تمجدان الذات الإلهية وتحملان من يقرأها إلى مقاصد الرشاد وسبل الإيمان. فأما الآيات الأربع السابقة على آيتى توصيف أعمال الكفار فهى قول الله- عن ذاته العلية فى أولاها: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٧). إن الآية الأولى من هذه الآيات الأربع لو قرئت على شخص أمّى قد تغيب عنه معانى بعض ألفاظها فإن قلبه ينفتح لذكر نور الله إيمانا وطهرا، فما بالنا لو قرأها عالم بمعانيها وما تضمنته من إعجاز نورانى وبهاء إلهىّ، وأما الآيات الثلاث الأخرى فتجمع ثلة من عناصر الإيمان جمعها الله سبحانه فيها، مثل بيوت الله وهى المساجد ذات المقام الأسمى عند المؤمنين فيها يؤدون الصلوات ويسبحون بحمد ربهم، وهم الذين يسعون فى طلب الرزق حلالا عن طريق التجارة التى لا تلهيهم عن ذكر الله وأداء شعائره: إقامة صلاة وإيتاء زكاة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ.

стр. 810

ثم بعد هذه الآيات المضيئة يضرب الله المثلين لأعمال الكفار فى آيتين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً إلى آخر الآية. والمعنى: أن أعمال الكفار التى يعملونها فى الدنيا بحسبانها أعمالا صالحة نافعة لهم فى الآخرة، لن تجدى فتيلا، فهى كالسراب الذى يظنه الظمآن ماء وهو ليس بماء بل ليس بشيء حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أى حسابه على كفره بربه. والآية الثانية أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها والمعنى، أن أعمال الكفار لا تنفعهم، بل إنها كظلمات كثيفة فى بحر عميق مائج هائج يعلوه سحاب، فإن تراكم طبقات الموج مع طبقات السحاب يحجب الضياء، حتى إن الكافر لا يكاد يرى كفه إذا أخرجها. وليس أشد ظلمة من ظلمة الموج لمن مارس الأسفار فى البحار والمحيطات، وهذا التشبيه العجيب فى نظر الإنسان، وبخاصة إنسان عصر المبعث، حقيقة مخيفة، وأما فى العصر الحديث فقد حملت بحارا غير مسلم إلى الإيمان بالله بعد أن قرأ الآية الكريمة فى ترجمة لمعانى القرآن خاصة بعد أن عرف أن محمدا لم يجرب ارتياد البحار القريبة فضلا عن عبور المحيطات التى تحدث فيها هذه الظاهرة. لقد ختم الله الآية الكريمة- وعمادها وصف كلمة البحار والمحيطات- بقوله : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ وذلك تعقيبا على ظلام عمل الكفار. وفى اجتهاد بعض المفسرين لهاتين الآيتين: أن الله ضرب المثل الأول لعمل صالح قام به الكافر فمثل له بالسراب الخادع، وضرب الثانى ومثل له بالظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض لاعتقاده السيئ وذلك فى الختام الرائع وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٨) إن من المبهر فى السنن الإلهية فى المثلين المتتاليين سالفى الذكر حيال تصوير أعمال الكفار أنهما قد سبقا بآيتى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وأنهما أتبعتا بثلاث آيات إيمانية تسبح له فى أولاها- السموات والأرض، والطير السابحات الصافات بين السماء والأرض- وتفرد الآية الثانية أن لله ملك السموات والأرض، وتشرح الآية الثالثة قدرة الخالق على خلق السحاب ومراحل تكوينه حتى يصير ركاما ينزّل الغيث
следующие страницы →