← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشطرف، البشروش، وزّ الفرط، أبو قلمون، أبو قير، أبو منجل، البجع، الكركي، الغطاس، اللجوبة، البطميس، البحبوبة، الرقادة، الكروان البحري، أبو مسكة، الكروان الحرحي، القرلي، الخروطة، الحلف، الارميل، الفلفوس، الأزد، العقعق، البوم، الورشان، القطا، الدرّاج، الحجل، البازي، الصردي، الصقر، الهام، الغراب، الأبهق، الباشق، الشاهين، العقاب، الحداء، الرخمة، سبحان من خلق الذي نعلم والذي لا نعلم. ويعرف بها من السمك تسعة وسبعون نوعا: البوري، البلمو، البرو، اللبت، البلس، السكسا، الأران، الشموس، النسا، الطوبار، اليقشمار، الاحناش، الانكليس، المعية، البنيّ، الابليل، الفويص، الدونيس، المرتنوس، الاسقلموس، النفط، الجبالى، البلطي، الحجف، القلارية، الرحض، العبر، التون، اللت، القجاج، القروص، الكليس، الأكلس، الفراخ، القرقاح، الزليخ، اللاج، الاكلت، الماضي، الجلاء، السلّاء، البرقش، الصد، البلك، المشط، القفا، السور، حوت الحجر، البشين، الشربوت، النسّاس، الرعاد، الشعور، المحبرة، اللبس، السطور، الرأس، الريف، اللبيس، الأبرميس، الأبونس، اللبّاء، العميان، المناقير، القلميدس، الحلبوة، الرقاص، القرندس، الجتر؛ هو كبارة، القبج، المجزع الدليس، الاشبالة، البسال الأبيض، الرقروق، أمّ عبيد، البلو، أمّ الإنسان، الانسارية، اللجاه. جزيرة الجسّاسة في بحر القلزم، قالوا: ان الدجّال محبوس في هذه الجزيرة. والجسّاسة دابّة تجسّ الأخبار وتأتي بها الدجّال. روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنّها قالت: خرج علينا رسول اللّه، ﷺ ، وقت الظهيرة وخطبنا وقال:

стр. 177

إني لا أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن بحديث حدّثنيه تميم الداري، فمنعني سروره القائلة. حدّثني أن نفرا من قومه أقبلوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة، فإذا هم بدابّة قالوا لها: ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة! قالوا: أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا بالأسواق إليكم. قال: أتيناه فقال: أنّى تبعتم؟ فأخبرناه فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا: تدفق بين أجوافها. قال: ما فعلت نخل عمان؟ قلنا: يجتنيها أهلها! قال: ما فعلت عين زغر؟ قلنا: يشرب منها أهلها. فقال: لو يبست أنفذت من وثاقي فوطئت بقدمي كلّ منهل إلّا مكّة والمدينة. جزيرة الكنيسة في بحر المغرب؛ قال أبو حامد الأندلسي: على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة منقورة من الصخر في الجبل، وعليها قبّة كبيرة، وعلى القبّة غراب مفرد لا يبرح من أعلى القبّة. وفي مقابلة الكنيسة مسجد يزوره الناس ويقولون: إن الدعاء فيه مستجاب. وقد شرط على القسيسين الذين يسكنون تلك الكنيسة ضيافة كلّ مسلم يقصد ذلك المسجد. فكلّما وصل أحد إلى ذلك المسجد أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبّة، ويصيح بعدد كلّ رجل صيحة، فيخرج الرهبان بالطعام إلى أهل المسجد ما يكفيهم. وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنّهم ما زالوا يرون غرابا على تلك الكنيسة ولا يدرون من أين مأكله! جفار أرض بين فلسطين ومصر مسير سبعة أيّام، كلّها رمال سائلة نبض فيها قرى ومزارع ونخل كثير. وأهلها يعرفون آثار الأقدام في الرمل حتى يعرفون وطء الشباب من الشيخ، والرجل من المرأة، والبكر من الثيب، ومع كثرة

стр. 178

بساتينهم لا حاجة لهم إلى النواطير، لأن أحدهم لا يقدر أن يعدو على غيره، لأن الرجل إذا أنكر شيئا من بستانه يمشي على آثار القدم، ويلحق سارقه ولو سار يوما أو يومين. بها نوع من الطير يأتيهم من بلاد الروم يسمّى المرغ، يشبه السلوى، يأتي في وقت معين يصيدون منها ما شاء اللّه ويملّحونها، ويأتيهم أيضا من بلاد الروم على البحر في وقت من السنة جوارح كثيرة الشواهين والصقور والبواشق. وقلّما يقدرون على البازي، وما سواه يصيدونها وينتفعون بها. جنّابة بليدة على ساحل بحر فارس سيّئة الهواء رديئة الماء، لا زرع بها ولا ضرع لأن أرضها سبخة، وماءها ملح، رأيتها، ذكروا أنّهم إذا أرادوا ماء عذبا بها حفروا حفيرة كبيرة وطموها بالطين الحرّ يأتون به من غير أرضهم، فإذا طمّوا الحفرة بالطين الحرّ حفروها بئرا فيها يكون ماؤها طيبا. وأهلها لفيف متفرّق من الجور والبدّ والفسق، والفجور فيها أظهر من الصلاة والأذان في غيرها. ينسب إليها أبو الحسن القرمطي الجنّابي، خرج إلى البحرين ودعا العرب إلى نحلته، فاجتمع عليه خلق كثير وكسر عسكر الخليفة وقتل على فراشه، فقام ابنه سليمان وقتل حجّاج بيت اللّه الحرام، ونهب حلى الكعبة وقلع الحجر الأسود ونقله إلى الأحساء وبقي عندهم إحدى وعشرين سنة، ثمّ ردّوه بمال عظيم. وظهر في أوّل رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة غلام فاجر، يقال له ابن أبي زكرياء الطمّامي، دعا الناس إلى ربوبيّته، وذاك الغلام الفاجر يأمر بعبادة النار وقطع يد من أطفأ نارا أو لسان من أطفأها بالنفخ. وأمر الغلمان بطاعة طلابهم ومن امتنع أمر بذبحه، ثمّ سلّط اللّه عليه من تولّى إظهاره فذبحه ورجع عن القرمطة.

стр. 179

جور مدينة نزهة بأرض فارس كثيرة المياه والبساتين؛ قال الإصطخري: ان الرجل يسير من كلّ جانب منها نحو فرسخ في بساتين وقصور. بناها أردشير بابك. وفي وسط المدينة بناء عال يسمّى الطربال. والإنسان إذا علا ذلك البناء أشرف على المدينة وعلى رساتيقها وبنى في أعلاها بيت نار. وبحذاء المدينة جبل استنبط منه الماء وعلاه إلى رأس الطربال. وبها البئر العجيبة التي ليس في شيء من البلاد مثلها، وهي على باب المدينة ممّا يلي شيراز، وقد أكبّوا على قعرها قدرا من نحاس، يخرج من ثقبة ضيقة في ذلك القدر ماء حاد جدّا ويصل إلى صفة البئر بنفسه، ولا يحتاج إلى استقاء الماء منها. وبها الورد الجوري وهو ورد أحمر صافي اللون من أجود أنواع الورد، يتمثّل بطيب رائحته؛ قال الشاعر: أطيب ريحا من نسيم الصّبا … جاءت بريّا الورد من جور وحكى أحمد بن يحيى بن جابر أن جور نزل عليها المسلمون سنين، فعجزوا عن فتحها حتى نزل عليها عبد اللّه بن عامر. وكان بعض أجناد المسلمين قام بالليل يصلّي وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم، فجاء كلب جرّه وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل خفيّ لها، فدخل المسلمون من ذلك المدخل، فأصبح أهل جور والمدينة ممتلئة من المسلمين، ملكوها قهرا. جيرفت مدينة كبيرة بكرمان، آهلة كثيرة الخيرات وافرة الثمرات؛ قال الإصطخري: بها نخل كثير، ولأهلها سنّة وهي أنّهم لا يرفعون شيئا من

стр. 180

الثمرات التي أسقطتها الريح بل يتركونها للضعفاء، فربّما كثرت الريح في بعض السنين فيحصل للضعفاء أكثر ممّا يحصل للملّاك. جيزة ناحية بمصر؛ قال أبو حامد الأندلسي: بها طلسم للرمل وهو صنم والرمل خلفه إلى ناحية المغرب مثل البحر، تأتي به الرياح من أرض المغرب، فإذا وصل إلى ذلك الصنم لا يتعدّاه، والقرى والرساتيق والمزارع والبساتين بين يدي ذلك الصنم والرمل العظيم خلفه. وكان مكان ذلك الرمل مدن وقرى علاها الرمل وغطّاها، وتظهر رؤوس الأعمدة الرخام والجدر العظام في وسط ذلك الرمل، ولا يمكن الوصول إليها؛ قال: وكنت أصعد بعض تلال الرمل بالغداة إذا تلبّد الرمل بالطلّ في الليل، فرأيت الرمل مثل البحر لا يتبيّن آخره البتّة، ورأيت مدينة فرعون يوسف، ﵇، مدينة عظيمة بنيانها وقصورها أعظم وأحكم من مدينة فرعون موسى، ﵇، والرمل قد غطّى أكثرها فظهرت رؤوس الأعمدة التي كانت في القصور. وهناك سجن يوسف، ﵇، في جوف حائط باب قصر الملك، والحائط منحوت من الصخر، فصعدت في درج في نفس الحائط كدرجات المنبر من الصخر إلى غرفة في نفس الجدار مشرفة على النيل، وسطح تلك الغرفة وسقفها من ألواح الصخر المنحوتة مثل الخشب. وفي الغرفة باب يفضي إلى بيت عظيم تحت الغرفة، هو سجن يوسف، ﵇، وعلى جدار الغرفة مكتوب: ههنا عبّر يوسف الرؤيا حيث قال: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

стр. 181

حلب مدينة عظيمة كثيرة الخيرات طيّبة الهواء صحيحة التربة. لها سور حصين وقلعة حصينة. قال الزّجّاجيّ: كان الخليل، ﵇، يحلب غنمه بها ويتصدّق بلبنها يوم الجمعة فيقول الفقراء: حلب، فسمّيت بذلك، ولقد خصّ اللّه تعالى هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع في أرضها القطن والسمسم والبطّيخ والخيار والدخن والكرم والمشمش والتفاح والتين عذيا يسقى بماء المطر، فيأتي غضّا رويّا يفوق ما يسقى بالسيح في غيرها من البلاد؛ قال كشاجم: أرتك يد الغيث آثارها … وأخرجت الأرض أزهارها وما منعت جارها بلدة … كما منعت حلب جارها هي الخلد يجمع ما تشتهي … فزرها، فطوبى لمن زارها والمدينة مسوّرة بحجر أسود، وفي جانب السور قلعة حصينة لأن المدينة في وطاء من الأرض. وفي وسطها جبل مدوّر مهندم والقلعة عليه. ولها خندق عظيم وصل حفرد إلى الماء، وفي وسطه مصانع للماء المعين وجامع وبساتين وميدان ودور كثيرة، وفيها مقامان للخليل، ﵇، يزاران إلى الآن. وفيها مغارة كان يجمع الخليل فيها غنمه. وفي المدينة مدارس ومشاهد وبيع، وأهلها سنّية وشيعية. وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق، ينذر له ويصبّ عليه الماورد المسلمون واليهود والنصارى؛ يقولون: تحته قبر نبيّ من الأنبياء، وفي مدرسة الحلاوى حجر على طرف بركتها كأنّه سرير، ووسطه منقور قليلا يعتقد الفرنج فيه اعتقادا عظيما، وبذلوا فيه أموالا فلم يجابوا إليه. ومن عجائبها سوق الزجاج، فإن الإنسان إذا اجتاز بها لا يريد أن يفارقها،

стр. 182

لكثرة ما يرى فيها من الطرائف العجيبة والآلات اللطيفة تحمل إلى سائر البلاد للتحف والهدايا. وكذلك سوق المزوّقين ففيها آلات عجيبة مزوّقة. ولهم لعب كلّ سنة أوّل الربيع يسمّونه الشلاق، وهو انّهم يخرجون إلى ظاهر المدينة وهم فرقتان تتقاتلان أشدّ القتال، حتى تنهزم إحدى الفرقتين فيقع فيهم القتل والكسر والجرح والوهي ثمّ يعودون مرّة أخرى. ومن عجائبها بئر في بعض ضياعها إذا شرب منها من عضّه الكلب الكلب برئ، وهذا مشهور، قال بعض أهل هذه القرية: شرطه أن العضّ لم يجاوز أربعين يوما، فإن جاوز أربعين يوما لم يبرأ! وذكر أنّه أتاهم ثلاثة أنفس من المكلوبين وشربوا منه فسلم اثنان لم يجاوزا الأربعين، ومات الثالث وقد جاوز الأربعين. وهذه بئر منها شرب أهل الضيعة. وحكى بعضهم أنّه ظهر بأرض حلب سنة أربع وعشرين وستّمائة تنّين عظيم بغلظ منارة وطول مفرط، ينساب على الأرض يبلع كلّ حيوان يجده، ويخرج من فمه نار تحرق ما تلقاه من شجر أو نبات، واجتاز على بيوت أحرقها والناس يهربون منه يمينا ويسارا حتى انساب قدر اثني عشر فرسخا، فأغاث اللّه تعالى الخلق منه بسحابة نشأت ونزلت إليه فاحتملته، وكان قد لفّ ذنبه في كلب فيرفع الكلب رفعة والكلب يعوي في الهواء والسحاب يمشي به، والناس ينظرون إليه إلى أن غاب عن الأعين؛ قال الحاكي: رأيت الموضع الذي انساب فيه كأنّه نهر. حمص مدينة بأرض الشام حصينة، أصحّ بلاد الشام هواء وتربة. وهي كثيرة المياه والأشجار ولا يكاد يلدغ بها عقرب أو تنهش حيّة. ولو غسل ثوب بماء حمص لا يقرب عقرب لابسه إلى أن يغسل بماء آخر. ومن عجائبها الصورة التي على باب المسجد الذي إلى جانب البيعة، وهي

стр. 183

صورة إنسان نصفها الأعلى، ونصفها الأسفل صورة عقرب. يؤخذ الطين الحرّ ويطبع به على تلك الصورة وتلقى في الماء حتى يشرب الملدوغ فيبرأ في الحال. وأهلها موصوفون بالجمال المفرط والبلاهة؛ قال الجاحظ: مرّت بحمص عنز تبعها جمل، فقال رجل لآخر: هذا الجمل من هذا العنز! فقال الآخر: كلّا إنّه يتيم في حجره. ومن العجب أنّهم كانوا أشدّ الناس على عليّ، ﵁، فلمّا انقضت تلك الأيّام صاروا من غلاة الشيعة، حتى أن في أهلها كثيرا ممّن يرى مذهب النّصيرية وأصلحهم الامامية السبابة. وأمّا حكومة قاضي حمص فمشهورة: ذكر أنّه تحاكم إليه رجل وامرأة، فقالت المرأة: هذا رجل أجنبيّ مني وقد قبّلني، فقال القاضي: قومي إليه وقبّليه كما قبّلك! فقالت: عفوت عنه! فقال لها: مرّي راشدة. وبها قبر خالد بن الوليد، ﵁، مات بها وهو يقول في مرض موته: تبّا للجبناء! ما على بدني قدر شبر إلّا وعليه طعنة أو ضربة، وها أنا أموت على الفراش موت العير! حوران قرية من نواحي دمشق، قالوا: انّها قرية أصحاب الأخدود، وبها بيعة عظيمة عامرة حسنة البناء، مبنيّة على عمد الرخام منمقة بالفسيفساء، يقال لها النجران، ينذر لها المسلمون والنصارى، ذكروا أن النذر لها مجرّب، ولنذره قوم يدورون في البلاد ركاب الخيل، ينادون: من نذر للنجران المبارك؟ وللسلطان عليها عطية يؤدّونها كلّ عام.

стр. 184

الحيرة بلدة قديمة كانت على ساحل البحر بقرب أرض الكوفة، وكان هناك في قديم الزمان بحر. والآن ليس بها أثر البحر ولا المدينة. بل هي دجلة وآثار طامسة. وكانت الحيرة منزل ملوك بني لخم. وهم كانوا ملوك العرب في قديم الزمان. وإيّاهم أراد الأسود بن يعفر في قوله: ماذا أؤمّل بعد آل محرّق … تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسّدير وبارق … والقصر ذي الشّرفات من سنداد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم … ماء الفرات يجيء من أطواد أرض يخيّلها لطيب مقيلها … كعب بن مامة وابن أمّ ذواد جرت الرّياح على محلّ ديارهم … فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد عنوا فيها بأنعم عيشة … في ظلّ ملك ثابت الأوتاد فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به … يوما يصير إلى بلى ونفاد وبنى النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي قصرا بظاهر الحيرة في ستّين سنة اسمه الخورنق، بناه رجل من الروم يقال له سنمّار، وكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس، فيطلب فلا يوجد. وكان يبني على وضع عجيب لم يعرف أحد أن يبني مثله. ثمّ إذا وجد يحتج بحجّة فلم يزل يفعل هذا ستّين سنة. فلمّا فرغ من بنائه كان قصرا عجيبا لم يكن للملوك مثله. فرح به النعمان فقال له سنمار: اني لأعلم موضع آجرّة لو زالت لسقط القصر كلّه. فقال له النعمان: هل يعرفها أحد غيرك؟ قال: لا! فأمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطّعت أوصاله، فاشتهر ذلك حتى ضرب العرب به المثل فقال الشاعر: جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه … جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب

стр. 185

سوى رمّة البنيان ستّين حجّة … يعلى عليه بالقراميد والسّكب فلمّا رأى البنيان تمّ شهوقه … وآض كمثل الطّود الشّامخ الصّعب وظنّ سنمّار به كلّ حبوة … وفاز لديه بالمودّة والقرب فقال: اقذفوا بالعلج من فوق رأسه … فهذا لعمر اللّه من أعجب الخطب فصعد النعمان قلّته ونظر إلى البحر تجاهه وإلى البرّ خلفه والبساتين حوله، ورأى الظبي والحوت والنخل فقال لوزيره: ما رأيت أحسن من هذا البناء قطّ! فقال له وزيره: له عيب عظيم! قال: وما ذلك؟ قال: انّه غير باق! قال النعمان: وما الشيء هو باق؟ قال: ملك الآخرة! قال: فكيف تحصيل ذلك؟ قال: بترك الدنيا! قال: فهل لك أن تساعدني في طلب ذلك؟ فقال: نعم. فترك الملك وتزهّد هو ووزيره، واللّه الموفق. خبيص مدينة كبيرة بكرمان. ذكر ابن الفقيه أن باطنها لم يمطر أبدا وإنّما تكون الأمطار حواليها. وقال: ربّما أخرج الرجل يده من السور، فيقع المطر عليها ولا يقع على بقيّة بدنه الداخل في المدينة، وهذا عجيب! خربة الملك مدينة بمصر على شرقي النيل؛ قال أحمد بن واضح: ان معدن الزمرذ في هذا الموضع في جميع الأرض، وان هناك جبلين يقال لأحدهما العروس وللآخر الخصوم، بهما معدن الزمرذ، ربّما وقعت بهما قطعة تساوي ألف دينار. الخليل اسم بلدة بها حصن وعمارة بقرب بيت المقدس. فيه قبر الخليل، ﵇، في مغارة تحت الأرض، وهناك مشاهد وقوام، وفي الموضع ضيافة للزوار،

стр. 186

وهو موضع طيب نزه آثار البركة ظاهرة عليه، حكى السلفي أن رجلا أتى زيارة الخليل وأهدى لقيّم الموضع هدية، وسأله أن يمكّنه من النزول إلى مغارة الخليل، فقال القيّم: إن أقمت إلى انقطاع الزوار فعلت! فأقام فقطع بلاطة وأخذ معه مصباحا فنزل سبعين درجة إلى مغارة واسعة، وبها دكة عليها الخليل وعليه ثوب أخضر والهواء يحرّك شيبته، وإلى جانبه إسحاق ويعقوب، ﵉، ثمّ أتى حائط المغارة، يقال: إن سارة، ﵍، خلف ذلك الحائط، فهمّ أن ينظر إلى ما وراء الحائط فإذا هو بصوت يقول: إيّاك والحرم! فعاد من حيث نزل. دارا قرية من قرى دمشق، ينسب إليها أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الداري. كان فريد وقته في الزهد والورع، قال: نمت ليلة بعد وردي فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربّى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ وقال: كنت ليلة باردة في المحراب فأقلقني البرد، فخبّأت إحدى يديّ من البرد وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيناي فإذا قائل يقول: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى مثلها لوضعنا فيها! فآليت على نفسي أن لا أدعو إلّا ويداي خارجتان، بردا كان أو حرّا. دارابجرد كورة بفارس نفيسة. عمّرها داراب بن فارس؛ قال الإصطخري: بها كهف الموميا، وقال ابن الفقيه: انّه بأرجان، وقد مضى ذكرها في أرجان. وزاد الإصطخري: ان الخالص منه يحمل إلى شيراز ثمّ يغسل الموضع ويعجن بمائه شيء، ويخرج على أنّه الموميا، فجميع ما ترى في أيدي الناس من المعجون، وأمّا الخالص فلا يوجد إلّا في خزانة الملك. وقال أيضا: بناحية دارابجرد

стр. 187

جبال من الملح الأبيض والأصفر والأخضر والأحمر والأسود، ينحت منها الموائد والصحون والغضائر وغيرها من الظروف، وتهدى إلى سائر البلاد. وبها معدن الزئبق. دمشق قصبة بلاد الشام وجنّة الأرض لما فيها من النضارة وحسن العمارة، ونزاهة الرقعة وسعة البقعة وكثرة المياه والأشجار ورخص الفواكه والثمار. قال أبو بكر الخوارزمي: جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوّان، وجرّيرة الأبلّة، وقد رأيت كلّها فأفضلها غوطة دمشق، وأهل السير يقولون: إن آدم، ﵇، كان ينزل في موضع بها يقال له الآن بيت الأبيات، وحوّاء في بيت لهيا، وهابيل في مقرى وقابيل في قنينة. وكان في الموضع الذي يعرف الآن بباب الساعات عند الجامع صخرة عظيمة كانت القرابين توضع عليها، فما قبل نزلت نار أحرقته، وما لم يقبل بقي على حاله، وقتل قابيل هابيل على جبل قاسيون، وهو جبل على باب دمشق. وهناك حجر عليه مثل أثر الدم يزعم أهل دمشق انّه الحجر الذي رضّ به قابيل رأس هابيل، وعند الحجر مغارة يقال لها مغارة الدم لذلك. والمدينة الآن عظيمة حصينة ذات سور وخندق وقهندز، والعمارات مشبكة من جميع جوانبها، والبساتين محيطة بالعمارات فراسخ وقلّما ترى بها دارا أو مسجدا أو رباطا أو مدرسة أو خانا إلّا وفيها ماء جار. ومن عجائبها الجامع وصفه بعض أهل دمشق قال: هو أحد العجائب كامل المحاسن جامع الغرائب، بسط فرشه بالرّخام وألّف على أحسن تركيب وانتظام. فصوص أقداره متفقة وصنعته مؤتلفة، وهو منزه عن صور الحيوان إلى صور النبات، وفنون الأغصان تجنى ثمرتها بالأبصار، ولا يعتريها حوائج الأشجار. والثمار باقية على طول الزمان مدركة في كلّ حين وأوان، لا يمسّها

стр. 188

عطش مع فقدان القطر، ولا يصيبها ذبول مع تصاريف الدهر. عمّره الوليد بن عبد الملك، وكان ذا همّة في أمر العمارات وبناء المساجد. أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين، وحمل عليه الدساتير بما أنفق عليه على ثمانية عشر بعيرا فلم ينظر إليها، وأمر بإبعادها وقال: هو شيء أخرجناه للّه فلا نتّبعه! قالوا: من عجائب الجامع لو أن أحدا عاش مائة سنة، وكان يتأمّله كلّ يوم، لرأى في كلّ يوم ما لم يره من حسن الصنعة ومبالغة التنميق. وحكي أنّه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع ستّين ألف دينار، فضجّ الناس استعظاما لما أنفق فيه، وقالوا: أنفقت أموال المسلمين فيما لا فائدة لهم فيه! فقال: ان في بيت مالكم عطاء ثماني عشرة سنة، إن لم يدخل فيه حبّة قمح! فسكت الناس، فلمّا فرغ أمر بتسقيفها من الرصاص، وإلى الآن سقفها من الرصاص، ورأيت الصانع يرقمها بالرصاص المذاب. قالوا: ان طيرا يذرق على الرصاص يحرقه فيحتاج إلى الإصلاح لدفع ماء المطر. قال موسى بن حماد: رأيت في جامع دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفورا سورة «ألهاكم التكاثر» ورأيت جوهرة حمراء نفيسة ملصقة في قاف المقابر، فسألت عن ذلك فقالوا: ماتت للوليد بنت كانت هذه الجوهرة لها، فأمرت أمّها أن تدفن هذه الجوهرة معها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر، وحلف لأمّها أنّه أودعها المقابر. والمسجد مبني على أعمدة رخام طبقتين: التحتانية أعمدة كبار، والفوقانيّة أعمدة صغار، في خلال ذلك صور المدن والأشجار بالفسيفساء والذهب والألوان. ومن العجب العمودان الحجريان اللذان على باب الجامع، وهما في غاية الإفراط طولا وعرضا، قيل: وهما من عمل عاد إذ ليس في وسع أبناء زماننا قطعهما ولا نقلهما ولا إقامتهما، وفي الجانب الغربي بالجامع عمودان على الطبقة العليا من الأعمدة الصغار، يقولون: انّهما من الحجر الدهنج، وفي جدار الصحن

стр. 189

القبلي حجر مدوّر شبه درقة منقطة بأبيض وأحمر، قالوا: بذل الفرنج فيه أموالا فلم يجابوا إليه. وللجامع أوقاف كثيرة وديوان عظيم، وعليها أرزاق كثير من الناس، منهم صنّاع يعملون القسيّ والنبال للجامع ويذخرونها ليوم الحاجة، ذكروا أن دخل الجامع كلّ يوم ألف ومائتا دينار، يصرف المائتان إلى مصالح الجامع والباقي ينقل إلى خزانة السلطان. وأهل دمشق أحسن الناس خلقا وخلقا وزيّا، وأميلهم إلى اللهو واللعب، ولهم في كلّ يوم سبت الاشتغال باللهو واللعب. وفي هذا اليوم لا يبقى للسيّد على المملوك حجر، ولا للوالد على الولد، ولا للزوج على الزوجة، ولا للأستاذ على التلميذ، فإذا كان أوّل النهار يطلب كلّ واحد من هؤلاء نفقة يومه، فيجتمع المملوك بإخوانه من المماليك، والصبي بأترابه من الصبيان، والزوجة بأخواتها من النساء، والرجل أيضا بأصدقائه، فأمّا أهل التمييز فيمشون إلى البساتين ولهم فيها قصور ومواضع طيّبة، وأمّا سائر الناس فإلى الميدان الأخضر، وهو محوّط فرشه أخضر صيفا وشتاء من نبت فيه، وفيه الماء الجاري. والمتعيّشون يوم السبت ينقلون إليه دكاكينهم. وفيها حلق المشعبذين والمساخرة والمغنّين والمصارعين والفصّالين. والناس مشغولون باللعب واللهو إلى آخر النهار، ثمّ يفيضون منها إلى الجامع ويصلّون بها المغرب ويعودون إلى أماكنهم. بها جبل ربوة، جبل على فرسخ من دمشق؛ قال المفسرون: إنّها هي المذكورة في قوله تعالى: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين. وهو جبل عال عليه مسجد حسن في وسط البساتين، ولمّا أرادوا إجراء ماء بردى وقع هذا الجبل في الوسط، فنقبوا تحته وأجروا الماء فيه، ويجري على رأسه نهر يزيد، وينزل من أعلاه إلى أسفله. وفي المسجد الذي على أعلى الماء الجاري. وله مناظر إلى البساتين، وفي جميع جوانبه الخضرة والأشجار والرياحين. ورأيت في المسجد في بيت صغير حجرا كبيرا ذا ألوان عجيبة، حجمه كحجم صندوق مدوّر، وقد انشقّ بنصفين وبين شقّيه مقدار ذراع، لم ينفصل

стр. 190

أحد الشقّين عن الآخر بل متّصل به كرمّان مشقوق، ولأهل دمشق في ذلك الحجر أقاويل كثيرة. وينسب إليها إياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء. طلب من رجل حقّا عند القاضي، وهو إذ ذاك يتيم، فقال له القاضي: اسكت إنّك صبي! فقال: إذا سكتّ من يتكلّم عني؟ فقال القاضي: واللّه لا تقول حقّا! فقال إياس: لا إله إلّا اللّه! وحكي أن امرأتين تحاكمتا إليه في كبّة غزل، فأفرد كلّ واحدة منهما وسألها: على أي شيء كبّبت غزلك؟ فقالت إحداهما: على كسرة خبز! وقالت الأخرى: على طرقة. فنقض الكبّة فإذا هي على كسرة خبز. فسمع بذلك ابن سيرين فقال: ويحه ما أفهمه! وحكي انّه تحاكم إليه رجلان فقال أحدهما: إني دفعت إليه مالا. فجحد الآخر، فقال للمدّعي: أين سلّمت هذا المال إليه؟ فقال: عند شجرة في الموضع الفلاني! فقال المدّعى عليه: انا ذلك الموضع ما رأيت قطّ. فقال: انطلقوا بالمدّعي إلى ذلك المكان وابصروا هل فيه شجرة أم لا؟ فلمّا ذهبوا إليه قال بعد زمان للمدّعى عليه: ترى وصلوا إلى ذلك المكان؟ قال: لا، بعد! فقال له: قم يا عدوّ اللّه، إنّك خائن! فقال: أقلني أقالك اللّه! واعترف به. دمندان مدينة كبيرة بكرمان، قال ابن الفقيه: بها معادن الذهب والفضّة والحديد والنحاس والتوتيا والنوشاذر في جبل شاهق يقال له دنباوند. وفي هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دويّ شبه خرير الماء، ويرتفع منه شبه دخان ويلتصق بحواليه، فإذا كثف وكثر خرج إليه أهل المدينة يقلعونه، وهو النوشاذر الجيّد الذي يحمل إلى الآفاق، وقد وكّل السلطان به قوما حتى إذا جمع كلّه أخذ السلطان خمسه.

стр. 191

دمياط مدينة قديمة بين تنيس ومصر مخصوصة بالهواء الطيب، وهي من ثغور الإسلام، عندها يصبّ ماء النيل في البحر، وعرض النيل هناك نحو مائة ذراع، وعليه من جانبيه برجان، بينهما سلسلة حديد عليها جرس، لا يدخل مركب في البحر ولا يخرج إلّا بإذن، وعلى سورها مدارس ورباطات كثيرة. عن رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال لعمر بن الخطّاب: يا عمر سيفتح على يديك ثغران: الإسكندريّة ودمياط، أمّا الإسكندريّة فخرابها من البربر، وأمّا دمياط فهم صفوة من صفوة شهداء من رابطها ليلة كان معي في حظيرة القدس. وحكى الحسن بن محمّد المهلّبي قال: من طريف أمر دمياط ان الحاكة بها يعملون الثياب الرفيعة، وهم قبط من سفلة الناس، أكثر أكلهم السمك المملوح والطري، فإذا أكلوا عادوا إلى الصنعة من غير غسل الأيدي، وينشطون بها ويعملون في غزلها، فإذا قطع الثوب لا يشكّ من يقلّبه انّه بخر بالندّ! وقال أيضا: من طريف أمر دمياط ان في قبليّها على الخليج غرفا تعرف بالمعامل، يستأجرها الحاكة لعمل ثياب الشرب فيها، فلا تكاد تنجب إلّا بها، فإن عمل بها ثوب وبقي منها شبر ونقل إلى غير هذه الغرف علم بذلك السمسار المبتاع للثوب، وينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب، وتبلغ قيمة الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار، ولا تشارك تنيس في شيء من عملها، وبينهما مسيرة نصف نهار. ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس أبيض وهما حاضرتا البحر. وبها أنواع الطير والسمك ذكرناها في تنيس لا نعيدها. وبها الفرش القلموني من كلّ لون. وبها سمكة يقال لها الدلفين، وهي في خلقة زقّ، زعموا أنّها تنجي الغريق، وبها سمكة أخرى من أكلها يرى

стр. 192

منامات هائلة. وحكي أن الفرنج في زمان الملك الكامل اتّخذوا مركبا بعلو سور دمياط، وشحنوه من الرجال والسلاح وأجروه في البحر إلى أن يصل بسور دمياط، فوثبوا من المركب إلى السور وفتحوا دمياط بهذه الحيلة، فلمّا علم الملك الكامل ذلك شقّ عليه وجاء محاصرا لها، فصعب عليه استخلاصها فبنى بجنبها مدينة بالأسواق والحمامات، وما زال يحاصرها حتى فتحها، وأسر من كان فيها من الفرنج ومنّ على أمرائهم. دندرة مدينة على غربي النيل من نواحي الصعيد طيّبة، ذات مياه وأشجار ونخل وكرم، فيها من البرابي كثير، والبربا بيت فيه صور لطلسم أو سحر، من جملتها بربا فيه مائة وثمانون كوّة، تدخل الشمس كلّ يوم من كوة واحدة بعد واحدة، حتى تنتهي إلى آخرها، ثمّ تكرّ إلى الموضع الذي بدأت منه. دورق بليدة بخوزستان؛ قال مسعر بن مهلهل: في أعمالها معادن كثيرة. وبها آثار قديمة لقباذ بن دارا. وبها صيد كثير ويجتنب بعض مواضعها لا يرعى قالوا انّه لطلسم. وبها الكبريت الأصفر البحري، ولا يوجد هذا الكبريت إلّا بها، وإن حمل منها إلى غيرها لا يسرج، وإذا أتي بالنار من غير دورق أحرقته ونار دورق لا تحرقه، وهذا من ظريف الأشياء. وبها هوام قتالة لا يبلّ سليمها. منها حيّة شبرية تسمّى ذات الرأسين، وهذه الحيّة توجد بين دورق والباسيان، تكون في الرمل، فإذا أحسّت بشيء من الحيوان وثبت أذرعا ونهشت بإحدى رأسيها وتثقل عليه، فيموت الحيوان في ساعته.

стр. 193

دورقستان جزيرة بين بحر فارس ونهر عسكر مكرم خمسة فراسخ في خمسة فراسخ، ترفأ إليها مراكب البحر التي تقدم من ناحية الهند، لا طريق لها إلّا إليها، وبها الجزر والمدّ في كلّ يوم مرّتين. وماؤها عذب، فإذا ورد المدّ عليها يبقى ملحا كثيرا. وفي وسطها قلعة كان في أيّام الخلفاء يحمل إليها المنفيون من بغداد، فمن كانت جريمته عظيمة يحبس في القلعة، ومن كان دون ذلك يرسل في الجزيرة. وبها عمارات وبيوت يسكنها قوم من النّوتية الذين يعملون في البحر. وبها مدّ وجزر آخر بحسب زيادة نور القمر ونقصانه، فيزداد كلّ يوم إلى منتصف الشهر ثمّ ينقص كلّ يوم إلى آخر الشهر. ورأيت بها شابّا أسمر نحيفا كانوا يقولون انّه يصطاد الظبي، وحكى بعضهم ان ذئبا قد أكل شاة لهذا الرجل بدورقستان، فقام يعدو خلفه، والذئب لا يقدر على الخروج من الجزيرة، فلم يزل يسعى خلفه حتى أدركه. دير أبي هور ذكر الشابستي انّه بسرياقوس من أعمال مصر، وهي بيعة عامرة كثيرة الرهبان. وفيها أعجوبة، وهي ان من يكون به خنازير يقصد هذا الموضع للتعالج، فيضجعه رئيس الموضع ويجيء بخنزير يرسله إلى موضع العلّة، فيأكل الخنزير الغدة ولا يتعدّى إلى الموضع الصحيح. فإذا تنظّف الموضع ذرّ عليه شيئا من رماد خنزير فعل هذا الفعل من قبل ودهنه بزيت قنديل البيعة فيبرأ. ثمّ يذبح ذلك الخنزير ويحرق ويعدّ رماده لمثل هذا العلاج.

стр. 194

دير أتريب بأرض مصر، يعرف بمارت مريم، ﵍. له عيد وانّه في الخامس عشر من آب، والحادي والعشرين من بؤونه من أشهر القبط. يذكرون أن حمامة بيضاء تأتيهم ولا يرونها إلّا يوم مثله، تدخل المذبح ولا يدرون من أين جاءت. دير أيّوب قرية من نواحي دمشق. بها كان منزل أيّوب، ﵇، وبها ابتلاه اللّه. وبها العين التي ظهرت من ركضه حين أمره اللّه تعالى به عند انتهاء ابتلائه، فقال عزّ وعلا: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، والصخرة التي كانت عليها وبها قبره، ﵇. دير سمعان دير بناحية دمشق في موضع نزه، محدقة بالبساتين والدور والقصور، وكان بها حبيس مشهور، منقطع عن الخلق جدّا، وكان يخرج رأسه من كوّة في كلّ سنة يوما معلوما، فكل من وقع عليه بصره من المرضى والزمنى عوفي. فسمع به إبراهيم بن أدهم، فذهب إليه حتى يشاهد ذلك، قال: رأيت عند الدير خلقا كثيرا من الواقفين حذاء تلك الكوّة، يترقّبون خروج رأس الحبيس، فلمّا كان ذلك اليوم أخرج رأسه ونظر إليهم يمينا وشمالا، فكلّ من وقع نظره عليه قام سليما معافى ثمّ رجع إلى مكانه! قال: فتعجبت من ذلك وبقيت متفكّرا فيه، ثمّ مضيت ودعوته فأجابني وسألته عن حاله فأعطاني سبع حمصات وقال: هذه تطلب منك لا تبعها إلّا بثمن بالغ! قال: فانصرفت عنه فاشتهر بين النصارى أن الحبيس أعطى لهذا الحنيفي شيئا، فاجتمعوا عليّ وقالوا: ماذا تصنع بهذه

стр. 195

الحمصات؟ بعها منّا! فما زالوا يزيدون في ثمنها حتى بلغ سبعمائة دينار، فبعتها ثمّ انصرفت وعبوري على دير سمعان، فأخرج الحبيس رأسه وقال: أيّها الحنيفي قد بعت الحمصات بسبعمائة دينار، ولو طلبت سبعة آلاف لأعطوك، وكلّ حمصة لي قوت يوم، فانظر من يكون قيمة قوته كلّ يوم ألف دينار كم تكون قيمته؟ ثمّ أدخل رأسه. دير طور سينا على قلّة طور سينا، وهو الجبل الذي تجلّى فيه النور لموسى، ﵇، وخرّ موسى صعقا هناك. والدير مبنيّ بالحجر الأسود، وفي غربيّه باب لطيف قدّامه حجر، إذا أرادوا رفعه رفعوه وإذا قصدهم قاصد أرسلوه فانطبق على الموضع، ولم يعرف مكان الباب، وفي داخلها عين ماء. وزعم النصارى أن بها نارا من النار التي كانت ببيت المقدس، وهي نار بيضاء ضعيفة الحرّ لا تحرق، وتقوى إذا أوقد منها السرج، وهو عامر بالرهبان والناس يقصدونه؛ قال فيه ابن عاصم: يا راهب الدّير ماذا الضّوء والنّور … وقد أضاء بما في ديرك الطّور؟ هل حلّت الشّمس فيه دون أبرجها … أم غيّب البدر عنه فهو مستور؟ دير الطّير بأرض مصر على شاطئ النيل، بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف. وفي هذا الجبل شقّ، فإذا كان يوم عيد هذا الدير يأتي صنف من الطير يقال له بوقير، لم يبق منها واحد إلّا جاء ذلك الشقّ، ويشتدّ عنده صياحها. ولا يزال الواحد بعد الواحد يجعل رأسه في ذلك الشقّ ويصيح إلى أن يتشبّث رأس أحدها بالشقّ فيضطرب حتى يموت، وعند ذلك تنصرف البقيّة إلى السنة القابلة، ولا يبقى هناك منها طائر؛ هكذا ذكر الشابشتي، وهذا دليل الخصب في تلك السنة، وربّما تشبّث على طيرين فيكون الخصب بالغا جدّا.

стр. 196

دير نهيا بالجيزة من أرض مصر. من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها موضعا وأجلها موقعا، عامر بالرهبان، وله في النيل منظر عجيب لأنّ الماء محيط به من جميع جهاته. فإذا انصرف الماء وزرعت أظهرت أنواع الأزهار وأصناف الأنوار، فتشبه الديباج المنقش، لا يريد الإنسان ان يفارقها، وله خليج تجتمع فيه الطيور فهو متصيّد أيضا؛ ولابن البصري فيه: أيا دير نهيا إن ذكرت فإنّني … أسعى إليك على الخيول السّبّق أو ما ترى وجه الرّبيع وقد زهت … أنواره بنهاره المتألّق؟ وتجاوبت أطياره وتبسّمت … أشجاره من ثغر زهر مؤنق والبدر في وسط السّماء كأنّه … وجه مضيء في قناع أزرق وإذا سئلت عن الطّيور وصيدها … وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق فالغرّ فالكروان فالفارور إذ … يشجيك في طيرانه المتحلّق أشهدت حرب الطّير في غيطانه … لمّا تجوّق منه كلّ مجوّق الرّصافة مدينة في البرية بقرب الرقّة. رأيتها لها سور محكم من الحجر المنحوت. أحدثها هشام بن عبد الملك لمّا وقع الطاعون بأرض الشام. ليس بها نهر ولا عين، وآبارهم بعيدة العمق رشاؤها مائة وعشرون ذراعا وهي ملح. وشربهم من الصهاريج داخل المدينة، وقد تفرغ الصهاريج في أثناء الصيف، فيأخذون الماء من الفرات، وبينهما أربعة فراسخ. ولبني خفاجة عليهم مال يؤدونه صاغرين. وصنعة أهلها عمل الأكسية والجوالق والمخالي، منها تحمل إلى سائر البلاد. وكان هشام بن عبد الملك يفزع إليها من البقّ في شاطئ الفرات

стр. 197

ومن عجيب هذه البلدة أن ليس بها زرع ولا ضرع ولا ماء، ولا أمن ولا تجارة ولا صنعة مرغوبة! وأهلها يسكنونها، ولولا حبّ الوطن لخربت. الرّقّادة بلدة طيبة بافريقية بقرب القيروان، كثيرة البساتين، ليس بافريقية أعدل هواء ولا أطيب نسيما منها ولا أصحّ تربة! حتى إن من دخلها لم يزل مستبشرا من غير أن يعلم لذلك سببا. وحكي أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب مرض وشرد عنه النوم، فعالجه إسحاق المتطبّب الذي نسب إليه الاطريفل الاسحقي، فأمره بالتردّد. فلمّا وصل إلى هذا الموضع نام فسمّاه رقّادة، واتّخذ به دورا وقصورا فصارت من أحسن بلاد اللّه. وكان يمنع بيع النبيذ بالقيروان ولا يمنع بالرقادة، فقال طرفاء القيروان: يا سيّد النّاس وابن سيّدهم … ومن إليه الرّقاب منقاده ما حرّم الشّرب في مدينتنا … وهو حلال بأرض رقّاده؟ زكندر مدينة بالمغرب من بلاد بربر، بينها وبين مراكش ستّ مراحل، حدّثني الفقيه علي بن عبد اللّه المغربي الجنحاني أنّها مدينة كبيرة مسوّرة، كثيرة الخيرات والثمرات، أهلها برابر مسلمون، بها معادن الفضّة عامّة، كلّ من أراد يعالجها. وهي غيران تحت الأرض، فيها خلق كثير يعملون أبدا. ومن عادة أهل المدينة أن من جنى جناية أو وجب عليه حقّ فدخل شيئا من تلك الغيران، سقط عنه الطلب حتى يخرج منها. وفيها أسواق ومساكن، فلعلّ الخائف يعمل فيها مدّة وينفق ولا يخرج حتى يسهل اللّه أمره. وذكر أنّهم إذا نزلوا عشرين ذراعا نزل الماء فالسلطان ينصب عليها

стр. 198

الدواليب ويسقي ماؤها ليظهر الطين، فيخرجه الفعلة إلى ظاهر الأرض ويغسلونها. وإنّما يفعل ذلك ليأخذ خمس النيل، وماؤها يسقي ثلاث دفعات، لأن من وجه الأرض إلى الماء عشرين ذراعا، فينصب دولابا في الغار على وجه الماء، فيستقي ويصبّ في حوض كبير، وينصب على ذلك الحوض دولابا آخر فيستقي ويصبّ في حوض آخر، ثمّ ينصب إلى ذلك الحوض دولابا ثالثا فيستقي ويجري على وجه الأرض إلى المزارع والبساتين. وذكروا أن هذه المعاملة لا تصحّ إلّا من صاحب مال كثير له آلاف يقعد على باب الغار ويكري الصنّاع والعملة، فيخرجون الطين ويغسلونه بين يديه، حتى إذا تمّ العمل أخرج خمس السلطان وسلّم الباقي له، فربّما يكون أصغر ممّا أنفق، وربّما يكون دونه على قدر جدّ الرجل. سابور مدينة بأرض فارس، بناها سابور بن أردشير، من دخلها لم يزل يشمّ روائح طيّبة حتى يخرج منها لكثرة رياحينها وأزهارها وكثرة أشجارها. قال البشّاري: مدينة سابور نزهة جدّا، بها ثمار الجروم والصرود من النخل والزيتون والأترج والجوز واللوز والعنب وقصب السكر. وأنهارها جارية وثمارها دانية. وقراها مشتبكة، يمشي السائر أيّاما تحت ظلّ الأشجار كصغد سمرقند، وعلى كلّ فرسخ بقّال وخبّاز. ينسب إليها أبو عبد اللّه السابوري. كان من أولياء اللّه تعالى، قال الأستاذ أبو عليّ الدقّاق: إنّ أبا عبد اللّه كان صيادا، فإذا نزلنا به أطعمنا من لحم الصيد ثمّ ترك ذلك. فسألناه عن سببه فقال: كنت أنصب شبكتي على عين ماء، فالظباء كانت تأتي لتشرب فتتعلّق بالشبكة. فنصبتها في بعض الأيّام فإذا أنا بظبية معها غزلان ثلاثة في انتصاف النهار عند شدّة الحرّ، فقصدت الماء لتشرب، فلمّا رأت الشبكة نفرت عنها وذهبت وقد غلبها وغزلانها العطش، ثمّ عادت

стр. 199

ودنت من الماء، فلمّا رأت الشبكة جعلت تنظر إليها وترفع رأسها نحو السماء حتى فعلت ذلك مرارا. فما كان إلّا قليل حتى ظهرت سحابة سترت الآفاق وأمطرت مطرا سالت منه المياه في الصحراء. فلمّا شاهدت تلك الحالة تركت الاصطياد. سمبتة بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب على ساحل البحر في برّ البربر. وهي ضاربة في البحر داخلة فيه. قال أبو حامد الأندلسي: عندها الصخرة التي وصل إليها موسى وفتاه يوشع، ﵇، فنسيا الحوت المشوي وكانا قد أكلا نصفه فأحيا اللّه تعالى النصف الآخر فاتّخذ سبيله في البحر عجبا. وله نسل إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر وأحد جانبيها صحيح، والجانب الآخر شوك وعظام وغشاء رقيق على أحشائها. وعينها واحدة ورأسها نصف رأس، فمن رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنّها مأكولة ميتة، والناس يتبرّكون بها ويهدونها إلى المحتشمين، واليهود يقدّدونها ويحملونها إلى البلاد البعيدة للهدايا. سجستان ناحية كبيرة واسعة تنسب إلى سجستان بن فارس. أرضها كلّها سبخة رملة، والرياح فيها لا تسكن أبدا حتى بنوا عليها رحيّهم، وكلّ طحنهم من تلك الرحيّ. وهي بلاد حارة بها رحيّ على الريح ونخل كثير، وشدّة الريح تنقل الرمل من مكان إلى مكان، ولولا أنّهم يحتالون في ذلك لطمست على المدن والقرى. وإذا أرادوا نقل الرمل من مكان إلى مكان من غير أن يقع على الأرض التي إلى جانب الرمل، جمعوا حول الرمل مثل الحائط من حطب وشوك وغيرهما، وفتحوا من أسفله بابا فتدخله الريح وتطيّر الرمل إلى أعلاه مثل الزوبعة، فيرتفع

стр. 200

ويقع على مدّ البصر في بعد من ذلك الموضع. ولا يصاد في أرضهم قنفذ ولا سلحفاة لأن أرضهم كثيرة الأفاعي وانّها تقتل الأفعى. قال ابن الفقيه: لا يرى بسجستان بيت إلّا وتحته قنفذ. وأهلها من خيار الناس، قال محمّد بن بحر الذهبي: لم تزل سجستان مفردة بمحاسن لم تعرف لغيرها من البلدان، وما في الدنيا سوقة أصحّ معاملة ولا أكثر مجاملة منهم، ثمّ مسارعتهم إلى إغاثة اللهيف ومؤاساة الضعيف، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو كان فيه جدع الأنوف، وأجلّ من هذا كلّه أنّهم امتنعوا على بني أميّة أن يلعنوا عليّ بن أبي طالب على منبرهم. ومن عادتهم أن لا تخرج المرأة من منزلها أبدا، فإن أرادت زيارة أهلها فبالليل. ينسب إليها رستم الشديد، كان بالغا في الشجاعة والفروسيّة إلى حدّ قال الفردوسي في شاه نامه: جهان آفرين تا جهان آفريد … سواري جو رستم نيامد بديد ذكر عنه أنّه كان يجعل الرمح في قرنه ويرفعه من ظهر فرسه، وإذا كان في ألف فارس يغلب ألفين: ألف في مقابلة ألف، وألف في مقابلة رستم. سخا مدينة بأسفل مصر، وهي قصبة الكورة الغربيّة. في جامعها حجر أسود عليه علامة: إذا أخرج من الجامع دخلت العصافير إليه، وإن أعيد إلى الجامع خرجت عنه! سدوم قصبة قرى قوم لوط. وهي بين الحجاز والشام. كانت أحسن بلاد اللّه وأكثرها مياها وأشجارا وحبوبا وثمارا، والآن عبرة للناظرين. وتسمّى الأرض

стр. 201

المقلوبة لا زرع بها ولا ضرع ولا حشيش، وبقيت بقعة سوداء فرشت فيها حجارة، ذكر أنّها الحجارة التي أمطرت عليهم وعلى عامتها كالطابع؛ قال أميّة بن أبي الصلت: ثمّ لوط أخو سدوم أتاها … إذ أتاها برشدها وهداها راودوه عن ضيفه ثمّ قالوا: … قد نهيناك أن تقيم قراها عرض الشّيخ عند ذاك بنات … كظباء بأجرع ترعاها غضب القوم عند ذاك وقالوا: … أيّها الشّيخ خطبة نأباها! عزم القوم أمرهم وعجوز … خيّب اللّه سعيها ورجاها أرسل اللّه عند ذاك عذابا … جعل الأرض سفلها أعلاها ورماها بحاصب ثمّ طين … ذي حروف مسوّم إذ رماها سمنّود بلدة قديمة بنواحي مصر على ضفّة النيل. كان بها بربا من إحدى العجائب؛ قال عمر الكندي: رأيت ذلك البربا وقد اتّخذه بعض العمّال مخزن القتّ، فرأيت الجمل إذا دنا من بابه وأراد دخوله سقط عنه كلّ دبيب عليه، ولم يدخل منه شيء إلى البربا. وكان على ذلك إلى أن خرب في شهور، سنة خمسين وثلاثمائة. سنجل قرية من نواحي فلسطين بين نابلس وطبرية، على أربعة فراسخ من طبرية ممّا يلي دمشق. قال الإصطخري: كان منزل يعقوب، ﵇، بنابلس من أرض فلسطين، والجبّ الذي ألقي فيه يوسف الصديق، ﵇، بين نابلس وبين قرية يقال لها سنجل، ولم تزل تلك البئر مزارا للناس يتبرّكون بزيارتها ويشربون من مائها.

стр. 202

سنون قرية بأرض كرمان؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بها حصار في وسطها لا ترى الفأر فيه أبدا، ولو حملت إليها ماتت إذا أصابت أرضها! سوبلّا بلدة بأرض البربر قرب مراكش. أهلها من شرار البربر، وبربر من شرار الناس. ذكر أن أبا يعقوب بن يوسف ملك المغرب اجتاز بها، فخرج مشايخها إليه للتلقّي والخدمة، فلمّا رآهم قال: من أنتم؟ قالوا: مشايخ سوبلّا! فقال: لا حاجة إلى اليمين، إنّا نعرفكم! فتعجّب الناس من سرعة جوابه كأنّهم قالوا: نحن مشايخ سوء باللّه، واللفظان واحد في كلام المغاربة. سيراف مدينة شريفة طيّبة البقعة كثيرة البساتين، والعيون تأتيها من الجبال، واسعة البقعة والدور. ينسب إليها أبو الحسن السيرافي شارح كتاب سيبويه عشرين مجلّدا، كان فريد عصره. سيرجان قصبة بلاد كرمان، بلدة طيّبة كثيرة العلم حسنة الرسم، ذات بساتين ومياه كثيرة، أبهى من شيراز وأوسع وبينهما ثلاث مراحل يقال لهما القصران. ماؤها عذب وهواؤها صحيح وأديمها فسيح. بها دور عضد الدولة لم يوجد مثلها في شيء من البلاد. وقد شقّ بها عمرو وطاهر ابنا الليث بن طاهر الصفّار السجستاني قناتين.

стр. 203

ماؤها يدور في البلد ويدخل دورهم. بها الفانيد وقصب السكر، وبها نخل كثير، ولهم سنّة حسنة وهي أنّهم لا يرفعون من تمورهم شيئا أسقطته الريح ويتركونها للضعفاء، فربّما كثرت الرياح في بعض الأوقات فيحصل للفقراء أكثر ممّا يحصل للملّاك. والكمّون يحمل منها إلى الآفاق. سيلون من قرى نابلس. بها مسجد السكينة وحجر المائدة. ويقال: ان سيلون كانت منزل يعقوب، ﵇، وان إخوة يوسف، ﵇، أخرجوه منها لمّا أرادوا إلقاءه في الجبّ، والجبّ بقرية سنجل اتّخذه الناس مزارا. الشام هي من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي طيّء إلى بحر الروم عرضا؛ عن رسول اللّه، ﷺ : الشام صفوة اللّه من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده. عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص انّه قال: قسم الخير عشرة أقسام، جعلت تسعة في الشام وقسم في سائر الأرض، وقسم الشرّ عشرة أعشار، جزء منها بالشام والباقي في جميع الأرض. والشام هي الأرض المقدسة التي جعلها اللّه منزل الأنبياء ومهبط الوحي ومحلّ الأنبياء والأولياء. هواؤها طيّب وماؤها عذب وأهلها أحسن الناس خلقا وخلقا وزيّا وريّا؛ قال البحتري: عنيت بشرق الأرض قدما وغربها … أجوّب في آفاقها وأسيرها فلم أر مثل الشّام دار إقامة … لراح أغاديها وكأس أديرها مصحّة أبدان ونزهة أعين … ولهو نفوس دائم وسرورها

стр. 204

مقدّسة جاد الرّبيع بلادها … ففي كلّ أرض روضة وغديرها ومن خواص الشام أن لا تخلو عن الأولياء الأبدال الذين يرحم اللّه ويعفو بدعائهم، لا يزيدون على السبعين ولا ينقصون عنها، كلّما مات واحد منهم قام من الناس بدله، ولا يسكنون إلّا جبل اللّكّام! ومن خواصها الطاءات الثلاث: الطعن والطاعون والطاعة. أمّا طاعونها فنعوذ باللّه منه، وأمّا طعنها فمشهور أن أجنادها شجعان، وأمّا طاعتها للسلطان فممّا يضرب به المثل حتى قيل: إنّما تمشّى الأمر لمعاوية لأنّه كان في أطوع جند، وعليّ كان في أعصى جند وهم أهل العراق! وبالشام من أنواع الفواكه في غاية الحسن والطيب، وتفاحها كان يحمل إلى العراق لأجل الخلفاء. وكذلك الزيت الركابي فإنّه في عاية الصفاء، وأهل الشام ينسبون إلى الجلافة وقلّة الفطنة! حكى ابن أبي ليلى أنّه كان يساير رجلا من وجوه أهل الشام، فمرّ بحمّال معه سلّة رمّان فأخذ منها رمّانة جعلها في كمّه، فتعجبت من ذلك ثمّ رجعت إلى نفسي وكذبت بصري حتى مرّ بسائل فقير، فأخرجها من كمّه وأعطاه، فعلمت أني رأيتها وسألته عن ذلك، فقال: أما علمت أن الأخذ سيئة واحدة والإعطاء عشر حسنات فكسبت تسعة؟ قال صاحب تحفة الغرائب: في بادية الشام شجرة إذا نظر الناظر إليها رأى أوراقها كالسرج المشعولة، وكلّما كان الليل أظلم كان الضوء أشدّ. وإذا هشّ الورق لا يرى شيء من الضوء. وحكى عبد الرحمن القشيري أن امرأة شريك بن خباسة قالت: خرجنا مع عمر بن الخطّاب إلى الشام، فنزلنا موضعا يقال له القليب، فذهب شريك ليستقي فوقعت دلوه في البئر، فلم يقدر على أخذها لزحمة الناس، فأخّر إلى الليل وأبطأ، فأخبر عمر فأقام ثلاثا، فإذا شريك أقبل ومعه ورقة خضراء فقال:

стр. 205

يا أمير المؤمنين، إني وجدت في القليب سربا، فأتاني آت فأخرجني إلى أرض لا تشبه أرضكم وبساتين لا تشبه بساتينكم، فتناولت منه شيئا فقال لي: ليس هذا أوان ذلك! فأخذت هذه الورقة فإذا هي يواريها الكفّ ويشتمل بها الرجل من شجرة التين. فدعا عمر كعب الأحبار وقال: هل وجدت في شيء من الكتب أن رجلا من أمّتنا يدخل الجنّة ثمّ يخرج؟ قال: نعم وإن كان أنبأتك به! فقال: هو في القوم! فتأمّلهم ثمّ أشار إليه، فجعل شعار بني نمير أخضر من ذلك اليوم. بها جبل السّمّاق، وهو جبل عظيم من أعمال حلب، يشتمل على مدن وقرى أكثرها للاسماعيليّة. وانّه منبت السمّاق وهو مكان طيّب نزه. من عجائبه أنّه ذو بساتين ومزارع كلّها عذي، فينبت جميع الفواكه والحبوب في الحسن والطراوة كالمسقويّ حتى المشمش والقطن والسمسم. وحكي أن نور الدين صاحب الشام أنكر ملك الإسماعيليّة في وسط بلاده، فجاءه قاصدا أخذه، فلمّا نزل عليه في ليلته الأولى أصبح فرأى عند رأسه رقعة وسكّينا، وكان في الرقعة: إن لم ترحل الليلة الآتية تكون هذه السكين في بطنك! فارتحل عنه. وبها طور سينا بين الشام ووادي القريتين بقرب مدين، وقال بعضهم: بقرب أيلة. كان عليه الخطاب الثاني لموسى، ﵇، عند خروجه من مصر ببني إسرائيل. وكان موسى إذا جاءه ينزل عليه غمام فيدخل في ذلك الغمام ويكلّمه ربّه، وهو الجبل الذي ذكره اللّه تعالى حيث قال: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا. وانّه لا يخلو من الصلحاء، وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجر العلّيق. طور هارون في قبليّ بيت المقدس، وإنّما سمّي طور هارون لأن موسى، ﵇، بعد قتل عبدة العجل أراد المضي إلى مناجاة ربّه، فقال له هارون،

стр. 206

﵇: احملني معك فإني لست آمن أن يحدث ببني إسرائيل بعدك حدث، فتغضب عليّ مرّة أخرى! فحمله معه، فلمّا كانا ببعض الطريق إذا هما برجلين يحفران قبرا، فوقفا عليهما وقالا: لمن تحفران هذا القبر؟ فقالا: لأشبه الناس بهذا الرجل! وأشارا إلى هارون ثمّ قالا له: بحقّ إلهك الا نزلت وأبصرت هل هو واسع؟ فنزع هارون ثيابه ودفعها إلى موسى ونزل ونام فيه، فقبض روحه من ساعته وانضمّ القبر! فانصرف موسى باكيا حزينا، فاتّهمه بنو إسرائيل بقتله، فدعا اللّه تعالى موسى حتى أراهم هارون في فضاء على رأس ذلك الجبل، ثمّ غاب عنهم فسمّي طور هارون. وبها جبل لبنان وهو مطلّ على حمص، به أنواع الفواكه والزروع من غير أن يزرعها أحد، يأوي إليه الابدال لا يخلو عنهم أبدا لما فيه من القوت الحلال، وفي تفاحه أعجوبة وهي انّه يحمل إلى الشام وليست له رائحة حتى يتوسّط نهر الثلج، فإذا توسّط النهر فاحت رائحته. وبها نهر الذهب، يزعم أهل حلب انّه وادي بطنان، ومن عجائبه ان أوّله يباع بالميزان وآخره بالكيل. ومعنى هذا الكلام أن أوّله يزرع عليه القطن وسائر الحبوب، وآخره وهو ما فضل من الزروع ينصبّ إلى بطيحة طولها فرسخان في عرض مثله، فيجمد هناك ويصير ملحا يمتار منه أكثر نواحي الشام فيباع كيلا. شرشال مدينة بالمغرب من أعمال بجاية على ساحل البحر. حدّثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أنّه رأى بها أربع أسطوانات مفرطة الطول: ثلاث منها قوائم، والرابعة ساقطة، طول كلّ واحدة نحو خمسين ذراعا، وعرضها لا يحوطها باع رجلين. وانّها في غاية الملاسة والحسن والهندام كأنّها جعلت في الخرط، وعلى كلّ أسطوانتين جائزة حجريّة أحد رأسيها على هذه، والأخرى على

стр. 207

هذه، وقد هندمت الجائزة أيضا مربعة مفرطة الطول والأسطوانات زرق، والجوائز بيض وقد سقط بسقوط إحدى القوائم جائزتان وبقي على القوائم الثلاث جائزتان، فلو اجتمع أهل زماننا على إقامة الأسطوانة الساقطة ووضع الجائزتين الساقطتين عليهما، لا يمكنهم إلّا ان يشاء اللّه. وقد اشتهر بين أهل تلك الديار أنّها أثر قصر بناه بعض الملوك لابن له، وقد حكم المنجّمون انّه تصيبه لذعة من عقرب يخاف منها عليه التلف، فبنى هذا القصر من الحجر لئلّا يتولّد العقرب فيه لحجريته، ولا يصعد إليه لملاسة أسطواناته، فاتّفق انّه حمل إلى القصر سلّة عنب كان فيها عقرب، فهمّ ابن الملك أن يتناول العنب من السلّة فلذعته ومات منها. شطا من بلاد مصر تنسب إليها الثياب الشّطوية. قال الحسن بن محمّد المهلّبي: هي على صفة البحر بقرب دمياط، يعمل بها الشرب الرفيع الذي تبلغ قيمة الثوب منه ثلاثمائة درهم ولا ذهب فيه. شعب بوّان أرض بفارس بين ارجان والنوبندجان. وهي أحد متنزهات الدنيا المعروفة بالحسن والطيب والنزاهة وكثرة الأشجار وتدفّق المياه وأنواع الأطيار. قالوا: جنان الدنيا أربع: صغد سمرقند وغوطة دمشق وشعب بوّان ونهر الأبلّة. وقال أحمد بن محمّد الهمذاني: من النوبندجان إلى ارجان ستّة وعشرون فرسخا، بينهما شعب بوّان. ومن حسنها أن جميع أشجار الفواكه نابتة على الصخر، وقد أجاد المتنبي في وصفه حين ذهب إلى عضد الدولة فقال: مغاني الشّعب طيبا في المغاني … بمنزلة الرّبيع من الزّمان!

стр. 208

ولكنّ الفتى العربيّ فيها … غريب الوجه واليد واللّسان ملاعب جنّة لو سار فيها … سليمان لسار بترجمان طبت فرساننا والخيل حتى … خشيت وإن كرمن من الحران غدونا تنفض الأغصان فيه … على أعرافها مثل الجمان فسرت وقد حجبن الحرّ عني … وجئن من الضّياء بما كفاني وألقى الشّرق منها في ثيابي … دنانيرا تفرّ من البنان لها ثمر يسير إليك منه … بأشربة وقفن بلا أوان وأمواه يصلّ بها حصاها … صليل الحلي في أيدي الغواني منازل لم يزل منها خيال … يشيّعني إلى النّوبندجان إذا غنّى الحمام الورق فيها … أجابته أغانيّ القيان وما بالشّعب أحوج من حمام … إذا غنّى وناح إلى البيان وقد يتقارب الوصفان جدّا … وموصوفاهما متباعدان يقول بشعب بوّان حصاني … أعن هذا يسار إلى الطّعان؟ أبوكم آدم سنّ المعاصي … وعلّمكم مفارقة الجنان شيراز مدينة صحيحة الهواء عذبة الماء كثيرة الخيرات، وافرة الغلّات، قصبة بلاد فارس. سمّيت بشيراز بن طهمورث، وأحكم بناءها سلطان الدولة كاليجار بن بويه. زعموا أن من أقام بشيراز سنة يطيب عيشه من غير سبب يعرفه. من عجائبها شجرة تفّاح، نصف تفاحها في غاية الحلاوة ونصفها حامض في غاية الحموضة. وبها القشمش منها يحمل إلى سائر البلاد، وبها أنواع الادهان الريحانيّة: كدهن الورد والبنفسج والنيلوفر والياسمين، وأنواع الأشربة الريحانيّة، كان في قديم الزمان يتّخذ بها الأكاسرة. ولأهلها يد باسطة في صنعة ثياب الحرير

стр. 209

والوقايات الرقاع، وكذلك في عمل السكاكين والنصول والأقفال الجيّدة تحمل منها إلى سائر البلاد، وبقربها دشت الأرزن الذي يقول فيه المتنبي: سقيا لدشت الأرزن الطّوال! به من الصيد ما لا يعدّ ولا يحصى. كان متصيّد عضد الدولة. ومن خواصّه انّه ينبت عصيّا صلبة الخشب ارزنية لا توجد تلك الخشبة إلّا بها، وهي مشهورة تسمّى خشبة الأرزن. ينسب إليها قاضيها أبو العبّاس أحمد بن سريج، أحد المجتهدين على مذهب الإمام الشافعي، يقال له البازي الأشهب، مصنّفاته تزيد على أربعمائة، ينصر مذهب الشافعي، وكان يناظر أبا بكر محمّد بن داود فقال له أبو بكر: بلّعني ريقي! فقال له: ابلعتك دجلة! وقال له يوما آخر: امهلني ساعة! فقال: أمهلتك إلى قيام الساعة! وقال له يوما: أكلّمك من الرّجل وتجيبني من الرأس! فقال: هكذا البقر إذا حفيت أظلافها دهن قرنها! وذكر الوليد بن حسّان قال: كنّا في مجلس القاضي أبي العبّاس أحمد بن سريج، فقام إليه رجل من أهل العلم وقال: ابشر أيّها القاضي! فإن اللّه تعالى يبعث على رأس كلّ مائة من يجدّد دينه، وان اللّه قد بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائتين محمّد بن إدريس الشافعي، وبعثت على رأس الثلاثمائة، وأنشأ يقول: اثنان قد مضيا فبورك فيهما: … عمر الخليفة ثمّ نجل السؤدد والشّافعيّ الألمعيّ محمّد … إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد ابشر أبا العبّاس! إنّك ثالث … من بعدهم، سقيا لتربة أحمد وحكي أن أبا العبّاس أحمد بن سريج رأى في مرض موته كأنّ القيامة قد قامت، وإذا الجبّار سبحانه يقول: أين العلماء؟ فجاؤوا بهم. فقال: ماذا عملتم بما علمتم؟ فقالوا: يا ربّ قصّرنا وأسأنا! فأعاد السؤال مرّة أخرى كأنّه

стр. 210

أراد جوابا آخر فقلت: يا ربّ أمّا أنا فليس صحيفتي الشرك، وقد وعدت أن تغفر ما دونها! فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم! وفارق الدنيا بعد ذلك بثلاثة أيّام. وينسب إليها أبو نصر بن أبي عبد اللّه الخيّاط، كان فقيها أصوليّا أديبا مناظرا، أخذ العلم من أبيه وله مصنّفات كثيرة، وأخذ الفقه منه أهل شيراز، وهو الذي يقول في كتاب المزني: هذا الذي كنت أطويه وأنشره … حتى بلغت به ما كنت آمله فدم عليه وجانب من يجانبه … فالعلم أنفس شيء أنت حامله وحكي أنّه أو أباه استدلّ يوما في مسألة، فأعجب الحاضرين كلامه فقالوا للقاضي أبي سعيد بشر بن الحسين الداودي قاضي القضاة بفارس والعراق وجميع أعمال عضد الدولة: هذا الكلام لا يجاب عنه حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، فقال القاضي: وحتّى يؤوب القارظان كلاهما … وينشر في القتلى كليب لوائل وينسب إليها أبو عبد اللّه محمّد بن خفيف، شيخ وقته وأوحد زمانه، قال: دخلت بغداد وفي رأسي نخوة الصوفية، ما أكلت أربعين يوما ولا دخلت على الجنيد! وكنت على عزم الحجّ، فلمّا وصلت إلى زبالة رأيت ظبية تشرب من بئر، وكنت عطشان، فمشيت إليها فولّت الظبية ورأيت الماء في أسفل البئر فقلت: يا ربّ ما لي محلّ هذه الظبية؟ فنوديت من خلفي: جرّبناك ما تصبر، ارجع خذ الماء! فلمّا رجعت رأيت البئر ملآنة، فأخذت منه وشربت وتوضّأت فسمعت هاتفا يقول: إن الظبية جاءت بلا دلو ولا حبل وأنت جئت بالدّلو والحبل! فلمّا رجعت إلى بغداد قال لي الجنيد: لو صبرت لنبع الماء من تحت رجليك.

стр. 211

الصّعيد ناحية بمصر في جنوبي الفسطاط. يكتنفها جبلان والنيل يجري بينهما. والمدن والقرى شارعة على النيل من جانبيه، والجنان عليه مشرفة، والرياض بجوانبه محدقة، أشبه شيء بما بين واسط والبصرة من أرض العراق. وبالصعيد آثار قديمة: منها أن في جبالها مغاور مملوءة من الموتى، الناس والطيور والسنانير والكلاب جميعهم مكفّنون بأكفان غليظة من الكتّان، شبيهة بالاعدال التي يجلب منها القماش من مصر، والكفن على هيئة قماط المولود ملفوف على الميت، وعليه أدوية لا تبلى، فإذا حللت الكفن عن الحيوان تجده لم يتغيّر منه شيء؛ قال الهروي: رأيت جويرية أخذوا كفنها وفي يدها ورجلها أثر خضاب الحنّاء. وبلغني أن أهل الصعيد إذا حفروا الآبار فربّما وجدوا قبورا منقورة في الحجارة كالحوض مغطاة بحجر آخر، فإذا كشف عنه يضربه الهواء فيتبدّد بعد ان كان قطعة واحدة، ويزعمون أن المومياء المصري يوجد من رؤوس هؤلاء الموتى وهو أجود من المعدني الفارسي، وبها حجارة كأنّها الدنانير المضروبة كأنّها رباعياتّ عليها كالسكة، وهي كبيرة جدّا، يزعمون أنّها دنانير فرعون وقومه التي مسخها اللّه تعالى بدعاء موسى، ﵇: ربّنا اطمس على أموالهم. صفت قرية من حوف مصر قرب بلبيس؛ قال الهروي: بها بيعت بقرة بني إسرائيل التي أمر اللّه تعالى بذبحها لظهور القاتل. وفيها قبّة موجودة إلى الآن تعرف بقبّة البقرة يزورها الناس.

стр. 212

صفّين قرية قديمة البوار من بناء الروم، بقرب الرقّة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، وما يليها غيضة ملتفّة ذات بزور طولها نحو فرسخين، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الماء إلّا طريق واحد مفروش بالحجارة، وسائر ذلك عزب وخلاف ملتفّة. ولمّا سمع معاوية أن عليّا عبر الفرات بعث إلى ذلك الطريق أبا الأعور في عشرة آلاف ليمنع أصحاب عليّ من الماء، فبعث عليّ صعصعة بن صوحان فقال: إنّا سرنا إليكم لنعذر إليكم قبل القتال، فإن أتيتم كانت العاقبة أحبّ إلينا! وأراك قد حلت بيننا وبين الماء، فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له تقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. فقال معاوية لصعصعة: ستأتيكم رايتي. فرجع إلى عليّ وأخبره بذلك، فغمّ عليّ غمّا شديدا لما أصاب الناس في يومهم وليلتهم من العطش. فلمّا أصبحوا ذهب الأشعث بن قيس والأشتر بن الأشجع، ونحّيا أبا الأعور عن الشريعة حتى صارت في أيديهم، فأمر عليّ أن لا يمنع أحد من أهل الشام عن الماء، فكانوا يسقون منه ويختلط بعضهم ببعض، وكان ذلك سنة سبع وثلاثين غرّة صفر. وكان عليّ في مائة وعشرين ألفا، ومعاوية في تسعين ألفا. وقتل من الجانبين سبعون ألفا: من أصحاب عليّ خمسة وعشرون ألفا، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا. وفي قوم عليّ قتل خمسة وعشرون صحابيّا بدريّا منهم عمّار بن ياسر. وكانت مدّة المقام بصفّين مائة يوم وعشرة أيّام، وكانت الوقائع تسعين وقعة، وكانت الصحابة متوقّفين في هذا الأمر لأنّهم كانوا يرون عليّا وعلوّ شأنه، ويرون قميص عثمان على الرمح ومعاوية يقول: أريد دم ابن عمّي! إلى أن قتل عمّار بن ياسر والصحابة سمعوا أن النبيّ قال له: تقتلك

стр. 213

الفئة الباغية! فعند ذلك ظهر للناس بغي معاوية، فبذل قوم عليّ جهدهم في القتال حتى ضيّقوا على قوم معاوية، فعند ذلك رفعوا المصاحف وقالوا: رضينا بكتاب اللّه! فامتنع قوم عليّ عن القتال. فقال عليّ: كلمة حقّ أريد به باطل! فما وافقوا، فقال عليّ عند ذلك: لا رأي لغير مطاع! فآل الأمر إلى الحكمين، والقصّة مشهورة. صقلّيّة جزيرة عظيمة من جزائر أهل المغرب مقابلة لا فريقية. وهي مثلثة الشكل بين كلّ زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيّام. وهي حصينة كثيرة البلدان والقرى، كثيرة المواشي جدّا من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والحيوانات الوحشيّة. ومن فضلها أن ليس بها عاد بناب أو برثن أو إبرة، وبها معدن الذهب والفضّة والنحاس والرصاص والحديد، وكذلك معدن الشبّ والكحل والزاج ومعدن النوشاذر، ومعدن الزئبق. وبها المياه والأشجار والمزارع وأنواع الفواكه على اختلاف أنواعها، لا تنقطع شتاء ولا صيفا. وأرضها تنبت الزعفران. وكانت قليلة العمارة خاملة الذكر إلى أن فتح المسلمون بلاد إفريقية، فهرب أهل إفريقية إليها وعمروها حتى فتحت في أيّام بني الأغلب في ولاية المأمون، فبقيت في يد المسلمين مدّة، ثمّ ظهر عليها الكفّار وهي الآن في أيديهم. وبهذه الجزيرة جبال شامخة وعيون غزيرة وأنهار جارية ونزهة عجيبة، وقال ابن حمديس وهو يشتاق إليها: ذكرت صقلّيّة والهوى … يهيّج للنّفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنّة … فإني أحدّث أخبارها ذكر أن دورها مسيرة ستّة عشر يوما، وقطرها مسيرة خمسة أيّام،

стр. 214

وهي مملوءة من الخيرات والمياه والأشجار والمزارع والفواكه. بها جبل يقال له قصر يانه وهو من عجائب الدنيا. على هذا الجبل مدينة عظيمة شامخة، وحولها مزارع وبساتين كثيرة، وهي شاهقة في الهواء، وكلّ ذلك يحويه باب المدينة. لا طريق إليها إلّا بذلك الباب، والأنهار تنفجر من أعلاها. وبها جبل النار، ذكر أبو عليّ الحسن بن يحيى أنّه جبل مطلّ على البحر، دورته ثلاثة أيّام بقرب طبرمين، فيه أشجار كثيرة وأكثرها البندق والصنوبر والارزن، وفيه أصناف الثمار، وفي أعلاه منافس النار يخرج منه النار والدخان، وربّما سالت النار منه إلى جهة تحرق كلّ ما مرّت به، وتجعل الأرض مثل خبث الحديد لا تنبت شيئا ولا تمرّ الدابّة بها، ويسميّه الناس الأخباث. وفي أعلى هذا الجبل السحاب والثلوج والأمطار دائمة، لا تكاد تقلع عنه في صيف ولا شتاء، والثلج لا يفارق أعلاه في الصيف. وأمّا في الشتاء فيعمّ الثلج أوّله وآخره. وزعمت الروم أن كثيرا من الحكماء يرحلون إلى جزيرة صقلية للنظر إلى عجائب هذا الجبل واجتماع النار والثلج فيه، فترى بالليل نار عظيمة تشعل على قلّته، وبالنهار دخان عظيم لا يستطيع أحد الدنو إليها، فإن اقتبس منها طفئت إذا فارقت موضعها. وبها البركان العظيم؛ قال أحمد بن عمر العذري: ليس في الدنيا بركان أشنع منه منظرا ولا أعجب مخبرا! فإذا هبّت الريح سمع له دويّ عظيم كالرعد القاصف، ويقطع من هذا البركان الكبريت الذي لا يوجد مثله. وقال أيضا: بها آبار ثلاث يخرج منها من أوّل الربيع إلى آخره زيت النفط، فينزل في هذه الآبار على درج ويتقنّع النازل ويسدّ منخره، فإن تنفّس في أسفلها هلك من ساعته، يغترف ماءها ويجعله في اجّانات، فما كان نفطا علا فيجمع ويجعل في القوارير.

стр. 215

صور مدينة مشهورة على طرف بحر الشام، استدار حائطها على مبناها استدارة عجيبة، بها قنطرة من عجائب الدنيا وهي من أحد الطرفين إلى الآخر على قوس واحد. ليس في جميع البلاد قنطرة أعظم منها. ومثلها قنطرة طليطلة بالأندلس إلّا أنّها دون قنطرة صور في العظم، ينسب إليها الدنانير الصورية التي يتعامل عليها أهل الشام والعراق. طبرستان ناحية بين العراق وخراسان بقرب بحر الخزر ذات مدن وقرى كثيرة. من مفاخرها القاضي أبو الطيّب طاهر بن عبد اللّه الطبري، أستاذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. والقاضي أبو الطيب عاش مائة سنة ولم يختل منه عقله ولا فهمه، وكان يفتي إلى آخر عمره ويقضي بين الناس ويناظر الفقهاء. وله مصنّفات كثيرة في الفقه والأصول، منها تعليقة الطبري مائة مجلّد ثمّ كتاب في مذهب الشافعي؛ قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي صاحب المهذب: لازمت حلقة درسه بضع عشرة سنة، رتبني في حلقته وسألني أن أجلس في مجلس التدريس ففعلت ذلك. وانّه ولّي القضاء بكرخ، وكان رأى النبيّ، ﵇، في المنام فقال له: يا فقيه! ففرح بذلك فرحا شديدا. يقول: سمّاني رسول اللّه، ﷺ ، فقيها. مات سنة خمس وأربعمائة ببغداد عن مائة سنة وسنتين، وصلّى عليه الخليفة أبو الحسن المهتدي. طبريّة مدينة بقرب دمشق بينهما ثلاثة أيّام، مطلّة على بحيرة معروفة ببحيرة طبرية، وجبل الطور مطلّ عليها. وهي مستطيلة على البحر نحو فرسخ. بناها
следующие страницы →