Полный текст (619 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
من النقباء يوشع بن نون ابن عمّ موسى وكالب بن يوفنّا زوج أخت موسى، قالا: يا قوم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون! وجدّ موسى وهارون جدّا عظيما، فقالوا: إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فينا فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. فحبسهم اللّه تعالى في التيه أربعين سنة فماتوا كلّهم سوى يوشع وكالب، وأوحى اللّه تعالى إلى يوشع فدخل الشام بأولاد الممتنعين وفتحها، فأمرهم اللّه تعالى أن يدخلوا مدينة أريحا سجّدا للّه تعالى شكّرا قائلين: حطّة! أي سؤالنا حطّ ذنوبنا. وكانوا يدخلونها على استاههم قائلين حنطة، فسخط اللّه عليهم ورماهم بالطاغين، فهلك منهم آلاف مؤلفة وذلك قوله تعالى: فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.
الإسكندريّة
وهي المدينة المشهورة بمصر، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها:
فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأوّل، وهو ذو القرنين أشك بن سلوكوس الرومي، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسدّ على يأجوج ومأجوج كما أخبر اللّه تعالى عنه، وكان إذا بلغ موضعا لا ينفذ اتّخذ هناك تمثالا من النحاس مادّا يمناه مكتوبا عليها: ليس ورائي مذهب.
ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي، شبّهوه بالإسكندر الأوّل لأنّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأوّل كان مؤمنا والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس، وبين الأوّل والثاني دهر طويل.
قيل: إن الإسكندر لمّا همّ ببناء الإسكندريّة، وكانت قديما مدينة من بناء شدّاد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجريّة، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين، ودخل هيكلا كان لليونانيّين وسأل ربّه أن يبيّن له أمر
стр. 142
هذه المدينة هل يتمّ أم لا؟ فرأى في منامه قائلا يقول له: إنّك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيّبة بهوائها ويصرف عنها السموم، ويطوى عنها شدّة الحرّ والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل، وان جبلت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر.
فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمدا كثيرة من الرخام، فأمر بحثّ الصّنّاع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها، فاختاروا وقتا وعلّقوا جرسا حتى إذا حرّك الجرس الصنّاع، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد، فإذا هم مترقّبون طار طير وقع على الجرس فحرّكه فوضعوا البناء.
قيل ذلك للاسكندر فقال: أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة خرابها، ولا يكون إلّا ما أراد اللّه فلا تنقضوها. فلمّا ثبت أساسها وجنّ الليل خرجت من البحر دابّة وخربت ما بنوا، فلم يزل يحكمها كلّ يوم ويوكل بها من يحفظها، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتّخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجنّ، فاندفع عنها أذيّتهم.
قال المسعودي: الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا، كلّ عمود طوله ثمانون ذراعا، عليها صور وأشكال وكتابة، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح. وكان عليها سبعة أسوار، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات، قال المفسّرون: كانت هي المراد من قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتا.
وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة. وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة.
بها مجلس سليمان، ﵇، قال الغرناطي: إنّه خارج الإسكندريّة، بنته الجنّ منحوتا من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها، كلّ عمود على قاعدة
стр. 143
من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك، والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني، طول كلّ عمود ثلاثون ذراعا ودورته ثمانية أذرع، وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضا من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع، وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلّها من جنس واحد وقدّ واحد، وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخاميّة، طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا ودوره خمسة وأربعون شبرا، إني شبرتها بشبري.
ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندريّة، فإنّه عظيم جدّا كأنّه منارة عظيمة، وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع، وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنّه بيت، فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدلّ على أن فاعليه كانوا في قوّة شديدة، وكانوا بخلاف أهل زماننا.
ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندريّة أسطوانة متحرّكة، والناس يقولون إنّها تتحرّك بحركة الشمس، وإنّما قالوا ذلك لأنّها إذا مالت يوضع تحتها شيء، فإذا استوت لا يمكن أخذها، وإن كان خزفا أو زجاجا يسمع تقريعه، وكانت الإسكندريّة مجمع الحكماء، وبها كان معاريجهم مثل الدرج، يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء، فإن موضعه كان على الدرجة السفلى.
ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت، وفوق ذلك منارة مثمّنة، وفوق المثمّنة منارة لطيفة مدوّرة، طول الأولى تسعون ذراعا، والمثمّنة مثل ذلك، وطول اللطيفة المدوّرة ثلاثون ذراعا، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكّل ينظر إليها كلّ لحظة، فإذا خرج العدوّ من بلاد الروم وركب البحر، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدوّ فيستعدّون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأنفذ ملك الروم شخصا من خواصه ذا دهاء، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنّه هارب من ملك الروم ورغب في
стр. 144
الإسلام، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام.
فلمّا صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له: يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالا ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال: تحت منارة الإسكندريّة، فإن الإسكندر احتوى على أموال شدّاد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوما لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة، فضجّت الناس من أهل الإسكندريّة. فلمّا رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمّت حيلته.
والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة، بينها وبين البر نحو شوط فرس، ولا طريق إليها إلّا في البحر المالح، وهي مربّعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقّفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات، وفي وسطها قبّة لطيفة كأنّها موضع الديدبان.
وحكي أن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر جمع مشايخها وقال: إني أريد أن أعيد بناء الإسكندريّة إلى ما كانت. فقالوا: انظرنا حتى نتفكّر. فقال:
أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال. فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سنّا من أسنانه فوجدوها عشرين رطلا على ما بها من
стр. 145
النخر والقدم، فقالوا: جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت.
فسكت.
بها عين مشهورة بعين الإسكندريّة، فيها نوع من الصدف يوجد في كلّ وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات، يطبخ وتشرب مرقته تبرئ من الجذام.
واللّه الموفق.
أسيوط
مدينة في غربي النيل من نواحي الصعيد في مستوى، كثيرة الخيرات عجيبة المتنزّهات، وعجائب عماراتها وصورها ممّا يرى لا ممّا يذكر. ولمّا صوّرت الدنيا للرشيد لم يستحسن غير كورة اسيوط، لكثرة ما بها من الخيرات والمتنزّهات.
فيها سبع وخمسون كنيسة للنصارى.
ومن عجائبها ان بها ثلاثين ألف فدّان، ينشر ماؤها في جميعها وإن كان قليلا لاستواء سطح أرضها، ويصل الماء إلى جميع أقطارها.
وبها الأفيون المصري الذي يحمل إلى سائر البلاد، وهو عصارة ورق الخشخاش الأسود والخس. وبها سائر أنواع السكر ومنها يحمل إلى جميع الدنيا.
وبها مناسج الديبقي والثياب اللطيفة التي لا يوجد مثلها في شيء من البلاد.
إصطخر
مدينة بأرض فارس قديمة لا يدرى من بناها، كان سليمان، ﵇، يتغدى بأرض الشام ببعلبك ويتعشّى بإصطخر.
بها بيت نار عظيم للمجوس ويقولون إنّه كان مسجد سليمان، ﵇؛ قال المسعودي: إنّه خارج المدينة، دخلته فرأيت بنيانا عجيبا وأساطين صخر عجيبة على أعلاها صور من الصخر عظيمة الأشكال. ذكر أهل الموضع أنّها صور الأنبياء، وهو في سفح جبل وهو هيكل عظيم، من عجائبه أن الريح
стр. 146
لا تفارق ذلك الهيكل ليلا ولا نهارا، ولا تفترّ عن الهبوب ساعة، يقولون:
ان سليمان، ﵇، حبس الريح فيه.
وذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه: أن السلطان الب أرسلان لمّا فتح قلعة إصطخر وجد بها قدح فيروزج اسم جمشيد الملك مكتوب عليه.
ومن عجائبه تفّاح بعضه حلو وبعضه حامض، قال الإصطخري: حدّث بذلك الأمير مرداس بن عمرو فأنكر الحاضرون، فأحضر حتى رأوه وزال إنكارهم.
وينسب إليها الإصطخري صاحب كتاب الأقاليم، فإنّه ذكر في كتابه النواحي المعمورة وذكر بلادها وقراها والمسافات بينها وخواصّ موضع ان كان له خاصّيّة، وما قصّر في جميع ذلك الكتاب.
إفريقيّة
مدينة كبيرة كثيرة الخيرات طيّبة التربة وافرة المزارع والأشجار والنخل والزيتون، وكانت إفريقية قديما بلادا كثيرة، والآن صحارى مسافة أربعين يوما بأرض المغرب. بها برابر وهم مزاتة ولواتة وهوّارة وغيرهم. وماء أكثر بلادها من الصهاريج.
وبها معادن الفضّة والحديد والنحاس والرصاص والكحل والرخام. ومن عجائبها بحيرة بنزرت، حدّثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني: انّه يظهر في كلّ شهر من السنة فيها نوع من السمك يخالف النوع الذي كان قبله، فإذا انتهت السنة يستأنف الدور فيرجع النوع الأوّل، وهكذا كلّ سنة.
وكذلك نهر شلف فإنّه في كلّ سنة في زمان الورد يظهر فيه صنف من السمك يسمّى الشهبوق، وهو سمك طوله ذراع، ولحمه طيّب إلّا أنّه كثير الشوك ويبقى شهرين. ويكثر صيدها في هذا الوقت ويرخص ثمنها ثمّ ينقطع إلى القابل، فلا يوجد في النهر شيء منها إلى السنة القابلة أوان الورد.
стр. 147
وذكر أبو الحسن علي الجزري في تاريخه: انّه نشأت بافريقية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق، فأمطرت حجارة كثيرة وأهلكت كلّ من أصابته.
أفيق
قرية من قرى مصر. ذكر بعض الصالحين انّه رأى في نومه ملكا نزل من السماء وقال له: أتريد أن تغفر ذنوبك؟ قال الرجل: منيتي ذلك! فقال:
قل مثل ما يقوله مؤذّن أفيق. قال: فذهبت إلى أفيق فرأيت المؤذّن لمّا فرغ من الأذان قال: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير. بها أشهد مع الشاهدين، وأحملها مع الجاحدين، وأعدّها ليوم الدين. وأشهد أن الرسول كما أرسل، والكتاب كما أنزل، والقضاء كما قدّر، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان اللّه يبعث من في القبور، على ذلك أحيا وأموت وأبعث إن شاء اللّه تعالى.
أنصنا
مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر؛ قال ابن الفقيه: أهل هذه المدينة مسخوا حجرا! فيها رجال ونساء مسخوا حجرا على أعمالهم: فالرجل نائم مع زوجته، والقصّاب يقطع لحمه، والمرأة تخمّر عجينها، والصبي في المهد، والرغفان في التنور كلّها انقلبت حجرا صلدا.
وبأنصنا شجر اللبخ وهو عود ينشر لألواح السفينة، ربّما أرعف ناشره فيكون له قيمة، وإذا شدّ لوح بلوح وترك في الماء سنة صار لوحا واحدا، فإذا اتّخذ منها سفينة وبقي في الماء مدّة صار كأنّ السفينة قطعة واحدة، فلعلّ عزّتها من هذه الجهة، ولشجرته ثمرة تشبه البلح في لونه وشكله وطعمه.
стр. 148
أنطاكية
مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام. موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء، وفي داخلها مزارع وبساتين.
وانّها بنتها أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح، ﵇، ذات سور وفصيل. ولسورها ثلاثمائة وستّون برجا، يطوف عليها أربعة آلاف حارس من عند صاحب القسطنطينة، يضمنون حراستها سنة ويستبدل بهم في السنة الثانية، وسورها مبني على السهل والجبل من عجائب الدنيا. دورتها اثنا عشر ميلا. وكلّ برج من أبراجها منزل بطريق فسكنه بخدمه وخوله، وجعل كلّ برج طبقات أسفله مرابط الخيل، وأوسطه منزل الرجال، وأعلاه موضع البطريق. وكلّ برج كحصن عليه أبواب حديد، وفيها ما لا سبيل إلى قطعه من الخارج. والمدينة دائرة نصفها سهليّ ونصفها جبليّ، وقطر الدائرة فاصلة بين السهليّ والجبليّ.
ولها قلعة عالية جدّا تتبيّن من بعد بعيد تستّر الشمس عن المدينة، فلا تطلع عليها إلّا في الساعة الثانية.
وبها بيعة القسيان، وهو الملك الذي أحيا ولده رئيس الحواريّين فطرس، كما جاء في القصّة في قوله تعالى: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
وعلى باب بيعة القسيان صحنان لساعات الليل والنهار، يعمل كلّ واحد اثنتي عشرة ساعة، وفي بيعة القسيان من الخدم والمسترزقة ما لا يحصى، ولها ديوان فيه بضعة عشر كاتبا. والمدينة خمس طبقات، على الطبقة الخامسة الحمامات والبساتين ومناظر حسنة، وسبب ذلك أن الماء ينزل من الجبل المطلّ عليها، وقد عملوا على الماء الحمامات والبساتين. وفيها من الكنائس ما لا يعدّ، كلّها معمولة بالفصّ المذهّب والزجاج الملوّن والبلاط المجزّع. وحماماتها
стр. 149
أطيب الحمامات لأن ماءها العذب السيح ووقودها الآس.
قال المسعودي: رأيت فيها من الماء ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف.
وحكي أنّه كان بأنطاكية إذا أخرج الإنسان يده إلى خارج السور وقع عليه البقّ، وإذا جذبها إلى داخل لا يبقى عليه شيء من البقّ، إلى أن كسروا عمودا من رخام، فوجدوا في أعلاه حقّة من النحاس فيها بقّ من نحاس مقدار كفّ، فبطلت تلك الخاصيّة من ذلك الوقت، فالآن يعمّ البقّ جميع المدينة.
وبها نوع من الفأر يعجز السنّور عنه.
وبها مسجد حبيب النجّار صاحب يونس، رحمة اللّه عليه، الذي قال:
يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين. فلمّا قتلوه أهلكهم اللّه تعالى بصيحة، وكان بأنطاكية مؤمنون وكفّار، فالصيحة ما أيقظت المؤمنين عن نومهم، وأهلكت الكفّار كما قال تعالى: ان كانت إلّا صيحة واحدة فإذا هم خامدون. ومسجد حبيب في وسط سوق أنطاكية، فيه قبره يزور الناس، وبها قبر يحيى بن زكرياء، ﵇.
أنطرطوس
حصن على بحر الروم لأهل حمص، وهو ثغر به مصحف عثمان بن عفّان يذهب الناس إليه تبرّكا به.
أورم الجوز
قرية من نواحي حلب، بها بنية كأنّها كانت في القديم معبدا، يرى المجاورون لها من أهل القرى بالليل منها ضوء نار ساطعا، فإذا جاؤوها لم يروا شيئا البتّة، وفي هذه البنية ثلاثة ألواح من حجارة عليها مكتوب بلفظ القديم ما استخرج وفسّر، وكان ما على اللوح القبلي: الاله واحد، كملت هذه البنية في تاريخ ثلاثمائة وعشرين لظهور المسيح، ﵇، وعلى اللوح الذي
стр. 150
على وجه الباب: سلام على من كمل هذه البنية. واللوح الشمالي: هذا الضوء المشرق الموهوب من اللّه لنا في أيّام البربرة في الدور الغالب، المتجدّد في أيّام الملك اناوس الحرين المنقولين وقلاسس وحنا وقاسوس وبلانيا في شهر أيلول في الثاني عشر من التاريخ المتقدّم، والسلام على شعوب العالم والوقت الصالح.
الأهواز
ناحية بين البصرة وفارس، ويقال لها خوزستان، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير لكنها في صيفها لا يفارق الجحيم.
ومن محنها شدّة الحرّ وكثرة الهوام الطيارة والحشرات القتّالة؛ قالوا: ذبابها كالزنبور وطنينها كصوت الطنبور، لا ترى بها شيئا من العلوم والآداب ولا من الصناعات الشريفة.
وأهلها ألأم الناس. لا ترى بها وجنة حمراء. وهواؤها قتال خصوصا للغرباء، لا تنقطع حمّاها ولا ينكشف وباؤها البتّة، وأهلها في عذاب اليم.
وحكى مشايخ الأهواز انّهم سمعوا القوابل ان المولود ربّما يولد فنجده محموما تلك الساعة. ومن تمام محنهم أن مأكول أهلها الرزّ، وهم يخبزونه كلّ يوم لأنّه لا يطيب إلّا مسخّنا، فيسجّر كلّ يوم في ذلك الحرّ الشديد خمسون ألف تنور، فيجتمع حرّ الهواء وحرّ النيران ودخانها والبخار المتصاعد من سباخها ومناقعها ومسايل كنفها ومياه أمطارها، فإذا طلعت الشمس ارتفعت بخاراتها واختلطت بهوائها الذي وصفناه، فيفسد الهواء أيّ فساد ويفسد بفساده كلّ ما اشتمل عليه.
وتكثر الأفاعي في أراضيها، والجرّارات من العقارب التي لا ترفع ذنبها كسائر العقارب بل تجرّه. ولو كان في العالم شيء شرّا من الأفاعي والجرّارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده، وإذا حمل إلى الأهواز الطيب تذهب
стр. 151
رائحته ولا يبقى منتفعا به.
ينسب إليها أبو الحسن الأهوازي المنشئ صاحب الكلام المرصّع، له رسالة حسنة في ذلك الأسلوب وهو متفرّد به.
أيلة
مدينة على ساحل بحر القلزم ممّا يلي الشام، كانت مدينة جليلة في زمن داود، ﵇، والآن يجتمع بها حجيج الشام ومصر من جاء بطريق البحر، وهي القرية التي ذكرها اللّه تعالى حاضرة البحر.
كان أهلها يهودا حرّم اللّه تعالى عليهم يوم السبت صيد السمك، وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا كأنّها الماخض حتى لا يرى وجه الماء لكثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. فكانوا على ذلك برهة من الدهر، ثمّ إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنّما نهيتم عن صيدها يوم السبت فاتّخذوا حياضا حول البحر، وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت، فتبقى فيها محصورة واصطادوا يوم الأحد، وفي غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد، ففعلوا ما أمرهم الشيطان خائفين. فلمّا رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا.
وكان أهل القرية نحوا من سبعين ألفا فصاروا أثلاثا: ثلث ينهون القوم عن الذنب، وثلث قالوا: لم تعظون قوما اللّه مهلكهم أو معذّبهم؟ وثلث يباشرون الخطيئة. فلمّا تنبّهوا قال الناهون: نحن لا نساكنكم. فقسموا القرية للناهين باب وللمتعدّين باب، ولعنهم داود، ﵇. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم لم يروا من المتعدّين أحدا، فقالوا: إن للقوم شأنا، لعلّ الخمر غلبتهم! فعلوا الجدار ونظروا فإذا هم قردة فدخلوا عليهم، والقردة تعرف أنسابها والأنساب لا يعرفونها. فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشمّ ثيابه وتذرف دمعة، فيقول نسيبها: ألم أنهك عن السوء؟ فتشير القردة برأسها يعني نعم. ثمّ ماتت بعد ثلاثة أيّام.
стр. 152
باميان
ناحية بين خراسان وأرض الغور، ذات مدن وقرى وجبال وأنهار كثيرة من بلاد غزنة. بها بيت ذاهب في الهواء وأساطين نقش عليها صور الطير، وفيه صنمان عظيمان من الحجر: يسمّى أحدهما سرج بت، والآخر خنك بت، وما عرف خاصيّة البيت ولا خاصيّة الصنم.
قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض باميان ضيعة غير مسكونة، من نام فيها يزبنه أخذ برجله، فإذا انتبه لا يرى أحدا، فإن نام يفعل به ذلك مرّة أخرى حتى يخرج منها.
بها معادن الزئبق ذكره يعقوب البغدادي.
قال في تحفة الغرائب: بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير ولها صوت وغلبة ويشمّ من ذلك الماء رائحة الكبريت، من اغتسل به يزول جربه، وإذا رفع من ذلك الماء شيء في ظرف وشدّ رأسه شدّا وثيقا وترك يوما يبقى الماء في الظرف خاثرا مثل الخمير، وإذا عرضت عليه شعلة النار يشتعل.
ينسب إليها الحكيم أفضل البامياني. كان حكيما فاضلا عارفا أنواع الحكمة.
طلبه صاحب فارس أتابك سعد بن زنكي وأكرمه وأحسن إليه وقال له: أريد أن تحكم على مولودي. فقال أفضل: الأحكام النجوميّة لا يوثق بها، قد تصيب وتخطئ، لكني أفعل ذلك لسنة أو سنتين من الماضي، فإن وافق عملت للمستقبل.
فلمّا فعل ذلك قال الملك: ما أخطأت شيئا منها! وكان عنده حتى مات.
بدا
قرية بتهامة على ساحل البحر ممّا يلي الشام، وهي قرية يعقوب النبيّ، ﵇، كان بها مسكنه في أيّام فراق يوسف، ﵇، ويقال لهذه القرية بيت الأحزان، لأن يعقوب كان بها حزينا مدّة طويلة، ومنها سار إلى
стр. 153
مصر إلى يوسف، ﵇.
فجاءت الفرنج في زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيّوب وقد عمروها، وجعلوا لها حصنا حصينا؛ قال بعض الشعراء:
هلاك فرنج أتى عاجلا … وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن حينها قد أنى … لما عمرت بيت أحزانها
وكان الأمر كما قال الشاعر. قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخرّبها وكسر صلبانها.
براق
قرية من قرى حلب. حدّث غير واحد من أهل حلب أن بها معبدا يقصده المرضى والزمنى، يبيتون فيه فيرى المريض من يقول له: شفاؤك كذا وكذا! وربّما يرى شخصا يمسحه بيده فتزول منه الآفة. وهذا شيء مستفاض في أهل حلب.
البشمور
كورة بمصر، بها قرى وريف وغياض، بها كباش ليس في جميع البلاد مثلها عظما وحسنا وكبر ألايا، حتى لا يستطيع حملها، فيتّخذ لآليته عجلة تحمل عليها أليته، وتشدّ العجلة بحبل إلى عنقه، فيظلّ يرعى ويجرّ العجلة التي عليها أليته، فإذا نزعت العجلة سقطت الالية على الأرض وربض الكبش ولم يمكنه القيام، ولا يوجد مثل هذا الصنف في شيء من البلاد.
стр. 154
بعلبكّ
مدينة مشهورة بقرب دمشق، وهي قديمة كثيرة الأشجار والمياه والخيرات والثمرات، ينقل منها الميرة إلى جميع بلاد الشام. وبها أبنية وآثار عجيبة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها. قيل: انّها كانت مهر بلقيس! وبها قصر سليمان بن داود، ﵇، وقلعتها مقام الخليل، ﵇، وبها دير الياس النبيّ، ﵇.
قالوا: إن ذلك الموضع يسمّى بك في قديم الزمان حتى عبد بنو إسرائيل بها صنما اسمه بعل، فأضافوا الصنم إلى ذلك الموضع، ثمّ صار المجموع اسما للمدينة، وأهلها على عبادة هذا الصنم، فبعث اللّه إليهم الياس النبيّ، ﵇، فكذّبوه، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين.
فقال لهم نبيّ اللّه: استسقوا أصنامكم، فإن سقيتم فأنتم على الحقّ، وإلّا فإني أدعو اللّه تعالى ليسقيكم، فإن سقيتم فآمنوا باللّه وحده! فأخرجوا أصنامهم واستسقوا وتضرّعوا فما أفادهم شيئا، فرجعوا إلى نبيّ اللّه فخرج ودعا فظهر من جانب البحر سحابة شبه ترس، وأقبلت إليهم. فلمّا دنا منهم طبّق الآفاق وأغاثهم غيثا مريعا أخصب البلاد وأحيا العباد، فما ازدادوا إلّا شركا، فسأل اللّه تعالى أن يريحه منهم فأوحى اللّه تعالى إليه: ان اخرج إلى مكان كذا. فخرج ومعه اليسع فرأى فرسا من نار فوثب عليه وسار الفرس به، ولم يعرف بعد ذلك خبره.
بلقاء
كورة بين الشام ووادي القرى. بها قرية الجبّارين ومدينة الشراة. وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم. وحديث الرقيم ما روى عبد اللّه بن عمر أنّه قال: سمعت رسول اللّه، ﷺ ، يقول: انطلق ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل
стр. 155
وسدّت عليهم الغار، فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللّه تعالى بصالح أعمالكم! قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا، فباتا في ظلّ شجر يوما فلم أبرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا، فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر، والصبية يتضاغون، فاستيقظا وشربا غبوقهما! اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.
وقال الآخر: اللهمّ إنه كانت لي ابنة عمّ كانت من أحبّ الناس إليّ، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بنا سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلّا بحقّه! فتخرّجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها، وهي أحبّ الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهمّ إنّك تعلم أني استأجرت أجرا فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال.
فجاءني بعد حين وقال: يا عبد اللّه هات أجرتي! فقلت له: كلّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك! فقال: يا عبد اللّه لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ! فاستاق كلّه ولم يترك منه شيئا. اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.
стр. 156
بلينا
مدينة بصعيد مصر على شاطئ النيل. قالوا: إن بها طلسما لا يمرّ بها تمساح إلّا ينقلب على ظهره. والتمساح إذا انقلب على ظهره لا يقدر على الانقلاب إلى بطنه، فيبقى كذلك حتى يموت أو يصطاد.
بلرم
مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب؛ قال ابن حوقل الموصلي: بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلّق، والنصارى تعظّم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيّين به، قال: ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد، حتى رأيت على مقدار غلوة سهم أكثر من عشرة مساجد، ورأيت بعضها تجاه بعض. فسألت عن ذلك فقالوا: القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلّي في مسجد غيره، ويكون له مسجد لا يصلّي فيه غيره.
بنارق
قرية بين بغداد والنعمانية مقابل دير قنّى على دجلة، والآن خراب، ذكر أبو بكر النحوي البنارقي أن عساكر السلجوقية كثرت بطرقهم على قريتنا، والقرية لا سور لها، كلّما جاؤوا دخلوا وثقلوا علينا، فأجمعنا على مفارقتها والعسكر قريب منّا وتهيّأنا لذلك إلى الليل لنعبر دجلة ونلتحق بدير قنّى، فإنّها كانت ذات سور، فاستصحبنا من أمتعتنا ما خفّ على الأكتاف ولدواب، فإذا نيران عظيمة ملأت البرية، فظننّاها نار العسكر وندمنا على الخروج، وقلنا الآن يأخذون جميع ما معنا! ونحن في هذا الحديث والنيران قد دهمتنا، فإذا هي سائرة بنفسها ولا حامل لها، وسمعنا من خلالها أصواتا حزينة كالنياحة،
стр. 157
يقول بعضهم:
فلا ثقبهم ينسدّ ولا ماؤهم يجري … وخلّوا منازلهم وساروا مع الفجر
فعلمنا أنّهم الجنّ، وكان الأمر كما قالوا، فإن الأنهار فسدت، وما يفرغ الملوك لإصلاحها، وبقيت القرى إلى الآن خرابا، وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة.
بنزرت
مدينة بافريقية على ساحل البحر، يشقّها نهر كبير كثير السمك، لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة، وبها رباطات للصالحين، وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقرّ تجاهها، يخرج منها في كلّ شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة، ثمّ يعود الدور إلى الأوّل، والسلطان ضمنه باثني عشر ألف دينار.
بيت لحم
قرية على فرسخين من بيت المقدس، كان بها مولد عيسى، ﵇.
وبها كنيسة فيها قطعة من النخل، زعموا أنّها النخلة التي أكلت منها مريم لمّا قيل لها: وهزّي إليك بجذع النخلة.
بها الماء الذي يقال له المعبوديّة، وهو ماء ينبدي من حجر، وإنّه عظيم القدر عند النصارى.
بيت المقدس
هي المدينة المشهورة التي كانت محلّ الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي.
بناها داود وفرغ منها سليمان، ﵇؛ وعن أبيّ بن كعب: ان اللّه تعالى
стр. 158
أوحى إلى داود: ابن لي بيتا. فقال: يا ربّ أين؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه! فرأى داود ملكا على الصخرة بيده سيف، فبنى هناك، ولمّا فرغ سليمان من بنائها أوحى اللّه تعالى إليه: سلني أعطك! فقال: يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي! فقال: لك ذلك! قال: وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد! فقال: لك ذلك! قال:
وأسألك لمن جاءه فقيرا أن تغنيه! قال: ولك ذلك! قال: وأسألك إن جاءه سقيما أن تشفيه! قال: ولك ذلك.
وعن ابن عبّاس: البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء، وما فيه موضع شبر إلّا وصلّى فيه نبيّ أو قام فيه ملك.
واتّخذ سليمان فيها أشياء عجيبة: منها قبّة، وهي قبّة كانت فيها سلسلة معلّقة ينالها المحقّ ولا ينالها المبطل حتى اضمحلّت بالحيلة المعروفة، ومنها أنّه بنى فيها بيتا وأحكمه وصقله، فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض، وخيال الفاجر أسود.
ومنها أنّه نصب في زاوية عصا آبنوس، من زعم صادقا أنّه من أولاد الأنبياء ومسّها لم يضرّه، وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسّها احترقت يده.
ثمّ ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها، فاجتاز بها عزير، ﵇، فرآها خاوية على عروشها، فقال: أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها؟ فأماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه، وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك، فصارت أعمر ممّا كانت وأكثر أهلا، والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة، وليس بقربها أرض وطئة، وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدوابّ لا عمل لها هناك.
وأمّا نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك، وأرضها كلّها حجر، وفيها عمارات كثيرة حسنة، وشرب أهلها من ماء المطر. ليس فيها دار إلّا وفيها صهريج.
مياهها تجتمع من الدروب، ودروبها حجريّة ليست كثيرة الدنس، لكن مياهها
стр. 159
رديئة. وفيها ثلاث برك: بركة بني إسرائيل، وبركة سليمان، وبركة عياض.
قال محمّد بن أحمد البشّاري المقدسي، وله كتاب في أخبار بلدان الإسلام:
إنّها متوسطة الحرّ والبرد، وقلّما يقع بها ثلج، ولا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف ولا أنزه من مساجدها! قد حمع اللّه فيها فواكه الغور والسهل والجبل والأشياء المتضادّة: كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز، إلّا أنّ بها عيوبا منها ما ذكر في التوراة: انّها طست ذهب مملوء عقارب، ثمّ لا يرى أقذر من حمّاماتها ولا أثقل مونة منها! وهي مع ذلك قليلة العلماء كثيرة النصارى، وفيهم جفاء على الرحبة والفنادق والضرائب ثقال على ما يباع فيها، وليس لمظلوم ناصر وليس بها أمكن من الماء والأذان.
بها المسجد الأقصى الذي شرّفه اللّه تعالى وعظّمه وقال: إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. وقال، ﷺ : لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا. وهو في طرف الشرق من المدينة، أساسه من عمل داود، ﵇. طول كلّ حجر عشرة أذرع، وفي قبلته حجر أبيض عليه مكتوب: محمّد رسول اللّه، خلقة لم يكتبه أحد. وصحن المسجد طويل عريض طوله أكثر من عرضه، وهو في غاية الحسن والإحكام، مبنيّ على أعمدة الرخام الملوّنة، والفسيفساء الذي ليس في شيء من البلاد أحسن منه.
وفي صحن المسجد مصطبة كبيرة في ارتفاع خمسة أذرع، يصعد إليه من عدّة مواضع بالدرج، وفي وسط هذه المصطبة قبّة عظيمة مثمّنة على أعمدة رخام مسقفة برصاص، منمّقة من داخل وخارج بالفسيفساء، مطبقة بالرخام الملوّن. وفي وسطها الصخرة التي تزار، وعلى طرفها أثر قدم النبيّ، ﵇، وتحتها مغارة ينزل إليها بعدّة درج يصلّى فيها. ولهذه القبّة أربعة أبواب، وفي شرقيها خارج القبّة قبّة أخرى على أعمدة حسنة يقولون:
انّها قبّة السلسلة. وقبّة المعراج أيضا على المصطبة، وكذلك قبّة النبيّ، عليه
стр. 160
السلام. كلّ ذلك على أعمدة مطبقة أعلاها بالرصاص، وذكر أن طول قبّة الصخرة كان اثني عشر ميلا في السماء، وكان على رأسها ياقوتة حمراء كان في ضوئها تغزل نساء أهل بلقاء.
وبها مربط البراق الذي ركبه النبيّ، ﵇، تحت ركن المسجد.
وبها محراب مريم، ﵍، الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وبفاكهة الصيف في الشتاء.
وبها محراب زكرياء، ﵇، الذي بشرته الملائكة بيحيى. ﵇، وهو قائم يصلّي في المحراب. وبها كرسي سليمان الذي كان يدعو اللّه عليه.
وعن رسول اللّه، ﷺ ، أن اللّه تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى، ﵇، فصكّه، فرجع إلى ربّه وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت! فقال: ارجع إليه وقل له حتى يضع يده على متن ثور، فله بما غطّت يده بكلّ شعر سنة. قال: اي ربّ! ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت! فسأل اللّه تعالى أن يقبره من الأرض المقدسة رمية حجر، فلو كنت ثمّة لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر.
أمّا المسجد فطوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعا، وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعا، وعدّة ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون، وداخل الصخرة ثلاثون عمودا، وقبّة الصخرة ملبّسة بصفائح الرصاص، عليها ثلاثة آلاف صفيحة واثنتان وتسعون، ومن فوق ذلك الصفائح النحاس مطليّة بالذهب، وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة، وعلى السقوف خمسة مطليّة بالذهب، وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة، وعلى السقوف خمسة وأربعون ألف صفيحة رصاص.
حجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعا في سبعة وعشرين، والمغارة التي تحت الصخرة تسع تسعا وستين نفسا. ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل، ويسرج في الصخرة أربعمائة وأربعة وستون قنديلا. وكانت وظيفته كلّ شهر مائة قسط زيتا، وفي كلّ سنة ثمانمائة ألف ذراع حصيرا، وكان له من الخدم
стр. 161
مائتان وثلاثون مملوكا، أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس الأسارى، ولذلك يسمّون الأخماس، كان رزقهم من بيت المال.
وبها قمامة، وهي كنيسة عظيمة للنصارى في وسط البلد، لا ينضبط صفتها حسنا وعمارة وتنميقا وكثرة مال. في موضع منها قنديل يزعمون أن نورا من السماء ينزل في يوم معلوم ويشعله، وهذا أمر مشهور عندهم. حكي أن بعض أصحاب السلطان ذهب إليها ذلك اليوم وقال: إني أريد أن أشاهد نزول هذا النور، فقال له القسّ: إن مثل هذه الأمور لا تخفى على أمثالك! لا تبطل ناموسنا فإنّا نشبه على أصحابنا لتمشية أمرنا، فتجاوز عنه!
وبها عين سلوان يتبرّك بها الناس؛ قال ابن البشّار: سلوان محلّة في ربض بيت المقدس، تحتها عين غزيرة تسقي جنانا كثيرة، وقفها عثمان بن عفّان على ضعفاء بيت المقدس. قالوا: إن ماءها يفيد السلوّ إذا شربه الحزين، ولهذا قال رؤبة: لو أشرب السلوان ما سلوت.
بلاد بربر
بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط. سكّانها أمّة عظيمة يقال إنّهم من بقيّة قوم جالوت، لمّا قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها، وهم أحفى خلق اللّه وأكثرهم بطشا، وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة! ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة، سوّل لهم الشيطان الغوايات وزيّن لهم أنواع الضلالات.
عن أنس بن مالك قال: جئت إلى رسول اللّه، ﵇، ومعي وصيف، فقال، ﷺ : يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ قلت: بربريّ يا رسول اللّه! فقال: بعه ولو بدينار! قلت: ولم يا رسول اللّه؟ قال: إنّهم أمّة بعث اللّه إليهم رسولا فذبحوه وطبخوه، وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم! قال اللّه تعالى: لا اتّخذت منكم نبيّا ولا بعثت إليكم رسولا.
стр. 162
وعن رسول اللّه، ﷺ : ولأن أتصدّق بعلاقة سوطي في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة بربريّة!
ولكثرة ما تخالف حالاتهم وعاداتهم سائر الناس قال بعض المغاربة:
رأيت آدم في نومي فقلت له: … أبا البريّة إنّ النّاس قد حكموا
أنّ البرابر نسل منك؛ قال: أنا! … حوّاء طالقة إن صحّ ما زعموا
ومن عاداتهم العجيبة ما حكى ابن حوقل الموصلي التاجر وقد طاف بلادهم:
إن أكثر البربر يضيفون المارة ويكرمون الضيف ويطعمون الطعام ولا يمنعون أولادهم الذكور من طالب التبديل، لو طلب هذا المعنى ممّن هو أكبرهم قدرا وأكثرهم حميّة وشجاعة لم يمتنع عليه. وقد شاهدهم أبو عبد اللّه الشعبي على ذلك حتى بلغ بهم أشدّ مبلغ فما تركوه. ومن العجب أنّهم يرون ذلك كرما والامتناع عنه لؤما ونقصا، ونسأل اللّه السلامة!
وحكي أيضا أن أحدهم إذا أحبّ امرأة وأراد التزوّج بها ولم يكن كفؤا لها، عمد إلى بقرة حامل من بقر أبيها، ويقطع من ذنبها شيئا من الشعر ويهرب، فإذا أخبر الراعي أهل المرأة بذلك خرجوا في طلبه، فإن وجدوه قتلوه، وان لم يظفروا به يمضي هو على وجهه، فإن وجد أحدا قطع ذكره وأتى القوم به قبل أن تلد البقرة، ظفر بالجارية وزوّجوها منه ولا يمكنهم الامتناع البتّة، وإن ولدت البقرة ولم يأت بالذكر المقطوع بطل عمله ولم يمكنه الرجوع إليهم، وإن رجع قتلوه، وترى في تلك البلاد كثيرا من المجبوبين يكون جبّهم بهذا السبب، فإذا حصلوا في بلاد المغرب التمسوا القرآن والزهد.
البيضاء
مدينة كبيرة بأرض فارس، بناها العفاريت من الحجر الأبيض لسليمان ﵇، فيما يقال. وبها قهندز يرى من بعد بعيد لشدّة بياضه. وهي
стр. 163
مدينة طيّبة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات صحيحة الهواء عذبة الماء طيبة التربة، لا تدخلها الحيّات والعقارب ولا شيء من الحيوانات المؤذية.
من عجائبها ما ذكر أنّه في رستاقها عنب كلّ حبّة منها عشرة مثاقيل، وتفّاح دورته شبران.
ينسب إليها الحسين بن منصور الحلّاج، صاحب الآيات والعجائب.
فمن المشهور أنّه كان يركب الأسد ويتّخذ الحيّة سوطا، وكان يأتي بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية: قل هو اللّه أحد، مكتوب عليها. ويخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا. وحكي أنّه خرج يوما من الحمّام، فلقيه بعض من ينكره صفعه في قفاه صفعة قويّة، فقال له: يا هذا لم صفعتني؟ قال: الحقّ أمرني بذلك! فقال: بحقّ الحقّ أردفها بأخرى! فلمّا رفع يده للصفع يبست! فلمّا ظهر قوله أنا الحقّ أنكره الناس وتكلّموا فيه، وقالوا: قل أنا على الحقّ! فقال:
ما أقول إلّا أنا الحقّ! وسمع منه أشعار مثل قوله:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا
ومثل قوله:
عجبت منك ومنّي … أفنيتني بك عنّي
أدنيتني منك حتّى … ظننت أنّك أنّي
فلمّا سمع أمثال هذه بعض الناس أساؤوا الظنّ فيه. حكى أبو القاسم بن كجّ أن جمعا من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بتستر، وطلبوا منه شيئا، فذهب بهم إلى بيت نار المجوس فقال الديراني: ان الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد! فجهد الحسين فلم يجبه، فنفض الحسين كمّه نحو القفل فانفتح، فدخلوا البيت، فرأوا قنديلا مشتعلا لا ينطفئ ليلا ولا نهارا، فقال: انّها
стр. 164
من النار التي ألقي فيها الخليل، ﵇. نحن نتبرّك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم.
فقال له: من يقدر على إطفائها؟ قال: قرأنا في كتابنا أنّه لا يقدر على إطفائها إلّا عيسى بن مريم، ﵇. فأشار الحسين إليها بكمّه فانطفت، فقامت على الديراني القيامة وقال: اللّه اللّه! قد إنطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقا وغربا! فقال له: من يقدر على ردّها؟ فقال: قرأنا في كتابنا أنّه يقدر على ردّها من يقدر على إطفائها! فلم يزل يتضرّع إلى الحسين ويبكي فقال له: هل عندك شيء تدفعه إلى هذه المشايخ وأردّها؟ وكان عنده صندوق من دخل البيت من المجوس طرح فيه دينارا، ففتحه وسلّم ما فيه إلى المشايخ وقال: ما هاهنا غير هذا. فأشار الحسين بكمّه إليها، فاشتعلت وقال:
دنيا تخاد عني كأني لست أعرف حالها
حظر المليك حرامها فأنا اجتنيت حلالها
مدّت إليّ يمينها فرددتها وشمالها
فمتى طلبت زواجها حتى أردت وصالها
ورأيتها محتاجة فوهبت جملتها لها!
ومن ظريف ما نقل عنه أنّه قال له بعض منكريه: إن كنت صادقا فيما تدعيه فامسخني قردا! فقال: لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغا عنه.
فلمّا تكلّم الناس في حقّه بقوله أنا الحقّ قال:
سقوني وقالوا: لا تغنّ! ولو سقوا … جبال سراة ما سقيت لغنّت!
تمنّت سليمى أن أموت بحبّها … وأسهل شيء عندنا ما تمنّت!
وحكى أبو عبد اللّه محمّد بن خفيف قال: دخلت على الحسين بن منصور
стр. 165
وهو في الحبس مقيّدا. فلمّا حضر وقت الصلاة رأيته نهض، فتطايرت منه القيود وتوضّأ وهو على طرف المحبس، وفي صدر ذلك المحبس منديل. وكان بينه وبين المنديل مسافة، فواللّه ما أدري أن المنديل قدم إليه أو هو إلى المنديل!
فتعجّبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له: لم لا تخلّص نفسك؟ فقال:
ما أنا محبوس! أين تريد يا ابن خفيف؟ قلت: نيسابور! فقال: غمّض عينيك! فغمّضتهما. ثمّ قال: افتحهما. ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلّة أردتها.
فقلت: ردّني. فردّني وقال:
واللّه لو حلف العشّاق أنّهم … موتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا … ماتوا وإن عاد وصل بعده بعثوا
ترى المحبّين صرعى في ديارهم … كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
ثمّ قال: يا ابن خفيف، لا يكون الحزن إلّا لفقد محبوب أو فوت مطلوب! والحقّ واضح والهوى فاضح. والخلق كلّهم طلّاب وطلبهم على قدر هممهم، وهممهم على قدر أحوالهم، وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب، وعلم الغيب غائب عنهم، والخلق كلّهم حيارى. وأنشأ يقول:
أنين المريد لشوق يزيد … أنين المريض لفقد الطّبيب
قد اشتدّ حال المريدين فيه … لفقد الوصال وبعد الحبيب
ثمّ قال: يا ابن خفيف، حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعا من كثرة الزائرين، فوقفت وقوف البهيت، فنظر إليّ نظرة فإذا أنا متّصل به، ثمّ قال: من عرفني ثمّ أعرض عني فإني أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين.
وجعل يقول:
عذابه فيك عذب … وبعده منك قرب
стр. 166
وأنت عندي كروحي … بل أنت منها أحبّ
وأنت للعين عين … وأنت للقلب قلب
حتى من الحبّ إني … لما تحبّ أحبّ
وحكي أن حبسه كان في عهد المقتدر باللّه، وكان الوزير حامد بن العبّاس سيء الظنّ فيه، فأحضر عند الوزير وقاضي القضاة أبي عمرو وقالوا له:
بلغنا أنّك قلت: من كان له مال يتصدّق به على الفقراء خير من أن يحجّ به! فقال الحسين: نعم! أنا قلت ذلك! فقالوا له: من أين قلت هذا؟ فقال:
من الكتاب الفلاني! فقال القاضي: كذبت يا زنديق! ذلك الكتاب سمعناه فما وجدنا فيه هذا! فقال الوزير للقاضي: اكتب انّه زنديق! فأخذ خط القاضي وبعث إلى الخليفة فأمر الخليفة بصلبه، ولمّا أخرج استدعى بعض الحجّاب وقال:
إني إذا أحرقت يأخذ ماء دجلة في الزيادة حتى تكاد تغرق بغداد، فإذا رأيتم ذلك خذوا شيئا من رمادي واطرحوه في الماء ليسكن! وكان ينشد هذين البيتين:
اقتلوني يا ثقاتي، إنّ في موتي حياتي … ومماتي في حياتي، وحياتي في مماتي
والذي حيّ قديم غير مفقود الصّفات … وأنا منه رضيع في حجور المرضعات
وحكي أن بعض من كان ينكره لمّا صلب وقف بإزائه يقول: الحمد للّه الذي جعلك نكالا للعالمين وعبرة للناظرين! فإذا هو بالحسين ورآه واضعا يديه على منكبيه يقول: ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم!
فلمّا صلب وأحرق أخذ الماء في الزيادة حتى كادت تغرق بغداد! فقال الخليفة:
هل سمعتم من الحلّاج فيه شيئا؟ قال الحاجب: نعم يا أمير المؤمنين إنّه قال كذا وكذا. فقال: بادروا إلى ما قال! فطرحوا رماده في الماء فصار رماده على وجه الماء على شكل اللّه مكتوبا وسكن الماء. وكان ذلك في سنة تسع وثلاثمائة، واللّه الموفق.
стр. 167
تاهرت
اسم مدينتين مقابلتين بأقصى المغرب، يقال لإحداهما تاهرت القديم، وللأخرى الحديث، وهما كثيرتا الأشجار وافرتا الثمار. سفرجلهما يفوق سفرجل الآفاق طعما وحسنا، وبهما كثرة الأمطار والانداء والضباب وشدّة البرد، قلّما ترى الشمس بها.
وذكر أن اعرابيّا دخلها، وتأذّى من شدّة بردها فخرج منها إلى أرض السودان، فأتى عليه يوم شديد الحرّ فنظر إلى الشمس راكدة على قمم رؤوسهم، فقال مشيرا إلى الشمس: واللّه لئن عززت في هذا المكان لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت!
وأهلها موصوفون بالحمق، حكي انّه رفع إلى قاضيهم جناية فما وجدها في كتاب اللّه، فجمع الفقهاء والمشايخ فقالوا بأجمعهم: الرأي للقاضي! فقال القاضي: اني أرى أن أضرب المصحف بعضه ببعض ثمّ أفتحه، فما خرج عملنا به. فقالوا: وفّقت افعل! ففعل ذلك فخرج: سنسمه على الخرطوم؛ فجدع أنفه.
تدمر
مدينة بأرض الشام قديمة، أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام. زعموا أنّها ممّا بنته الجنّ لسليمان، ﵇؛ قال النابغة الذبياني:
إلّا سليمان قد قال الإله له: … قم بالبريّة فاحددها عن الفند
وخيّس الجنّ إني قد أمرتهم … يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد
حكى إسماعيل بن محمّد بن خالد التستري قال: كنت مع مروان بن محمّد،
стр. 168
آخر ملوك بني أميّة، حين هدم حائط تدمر، فأفضى الهدم إلى خرق عظيم، فكشفوا عنه صخرة فإذا بيت مجصّص كأن اليد قد رفعت عنه، وإذا سرير عليه امرأة مستلقية على ظهرها عليها سبعون حلّة، ولها غدائر مشدودة بخلخالها، قال: فكانت قدمها ذراعا من غير أصابع، وفي بعض غدائرها صفيحة ذهب فيها مكتوب: باسمك اللهم! أنا تدمر بنت حسّان أدخل اللّه الذلّ على من يدخل عليّ! فأمر مروان بالخرق فأعيد كما كان، ولم يأخذ شيئا من حليّها! قال:
فواللّه ما مكثنا بعد ذلك إلّا أيّاما حتى أقبل عبد اللّه بن علي وحارب مروان وفرّق جيوشه، وأزال الملك عن بني أميّة.
وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمّق الصانع في تصويرهما، مرّ بهما أوس بن ثعلبة فقال:
فتاتي أهل تدمر خبّراني … ألمّا تسأما طول المقام
قيامكما على غير الحشايا … على حبل أصمّ من الرّخام
فكم قد مرّ من عدد اللّيالي … لعصر كما وعام بعد عام
وإنّكما على مرّ اللّيالي … لأبقى من فروع ابني شمام
فسمع هذه الأبيات يزيد بن معاوية فقال: للّه درّ أهل العراق! هاتان الصورتان فيكم أهل الشام، لم يذكرهما أحد منكم، فمرّ بهما هذا العراقي وقال ما قال!
تستر
مدينة مشهورة قصبة الأهواز، الماء يدور حولها. بها الشاذروان الذي بناه شابور، وهو من أعجب البناء وأحكمها، امتداده يقرب من ميل حتى يردّ الماء إلى تستر، وهي صنعة عجيبة مبنيّة بالحجارة المحكمة وأعمدة الحديد وملاط الرصاص، وإنّما رجع الماء إلى تستر بسبب هذا الشاذروان، وإلّا لامتنع
стр. 169
لأنّه على نشز من الأرض.
وإنّها مدينة آهلة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، وغزا بعض الأكاسرة الروم وحمل الأسارى إلى تستر وأسكنهم فيها فظهرت فيها صنائع الروم وبقيت في أهلها إلى زماننا هذا. يجلب منها أنواع الديباج والحرير والخزّ والستور والبسط والفرش.
وحكي أن أبا موسى الأشعري لمّا فتح تستر وجد بها ميتا في آبزون من نحاس، معه دراهم من احتاج إلى تلك الدراهم أخذها، فإذا قضى حاجته ردّها، فإن حبسها مرض. فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطّاب، فكتب في جوابه: ان ذلك دانيال النبيّ! أخرجه وغسّله وكفّنه وصلّ عليه وادفنه.
وينسب إليها سهل بن عبد اللّه التستري، صاحب الكرامات الظاهرة، من جملتها إذا مسّ مريضا عافاه اللّه، وقد سمع من كثير من أهل تستر أن في منزل سهل بيتا يسمّى بيت السباع، كانت السباع تأتيه وهو يضيفها فيه، حكى سهل ابتداء أمره قال: قال لي خالي محمّد بن سوار: ألا تذكر اللّه الذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلّبك في ثيابك ثلاث مرّات من غير أن تحرّك به لسانك: اللّه معي! اللّه ناظر إليّ! اللّه شاهدي! قلت ذلك ثلاث ليال ثمّ أعلمته. قال: قل ذلك كلّ ليلة سبع مرّات، فقلت ذلك ثمّ أعلمته. فقال: قل كلّ ليلة إحدى عشرة مرّة، فقلت ذلك ثمّ أعلمته، فوقع في قلبي حلاوة. فلمّا كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه حتى تدخل القبر، فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة! فبقيت على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرّي. ثمّ قال لي يوما: يا سهل من كان اللّه معه وناظرا إليه وشاهده لا يعصي! إيّاك والمعصية! قال: كنت أشتري بدرهم شعيرا فيخبز لي منها أفطر كلّ سحر على قدر أوقية منها بغير ملح ولا ادام، فيكفيني الدرهم سنة، ثمّ عزمت على أن أطوي ثلاث ليال وأفطر ليلة ثمّ خمسا ثمّ سبعا ثمّ خمسا وعشرين. بقيت على ذلك عشرين سنة. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
стр. 170
وحكى الأستاذ أبو عليّ الدقّاق: أن يعقوب بن ليث الصفّار مرض مرضا شديدا عجز الأطباء عن معالجته، فقيل له: إن في ولايتك رجلا يدعو اللّه تعالى للمرضى فيشفون، فلو دعا اللّه لك ترجو العافية. فطلب سهلا وسأله أن يدعو له فقال له سهل: أنّى يستجاب دعائي لك وعلى بابك مظلومون! فأمر برفع الظلامات وإخراج المحبّسين، فقال سهل: يا ربّ كما أريته ذلّ المعصية فأره عزّ الطاعة! ومسح بطنه بيده فعافاه اللّه، فعرض على سهل مالا كثيرا فأبى أن يأخذ منه شيئا، فقالوا له لمّا خرج: لو قبلت وفرّقت على الفقراء!
فقال له: انظر إلى الأرض. فنظر فرأى كلّ مكان وضع قدمه عليه صار ترابه دنانير. فقال: من أعطاه اللّه هذا أي حاجة له إلى مال يعقوب؟
وقال: دخلت يوم الجمعة على سهل بن عبد اللّه فرأيت في بيته حيّة فتوقّفت، فقال لي: ادخل، لا يتمّ إيمان أحد ويتّهم شيئا على وجه الأرض. فدخلت فقال لي:
هل لك في صلاة الجمعة؟ قلت: بيننا وبين الجامع مسيرة يوم. فأخذ بيدي، فما كان إلّا قليلا حتى كنّا في الجامع فصلّينا صلاة الجمعة، فرأى الخلق الكثير فقال: أهل لا إله إلّا اللّه كثير، لكن المخلصون قليل.
تلمسان
قرية قديمة بالمغرب. ذكروا أن القرية التي ذكرها اللّه تعالى في قصّة الخضر وموسى: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه. قيل: إنّه كان جدارا عاليا عريضا مائلا، فمسحه الخضر، ﵇، بيده فاستقام.
وحدّثني بعض المغاربة أنّه رأى بتلمسان مسجدا يقال له مسجد الجدار، يقصده الناس للزيارة.
стр. 171
تنس
مدينة بافريقية حصينة، ولها قهندز صعب المرتقى، ينفرد بها العمال لحصانتها خوفا من الرعيّة، هواؤها وبيّ وماؤها رديّ، وماؤهم من واد يدور حول المدينة، وإليه مذهب مياه حشوشهم وشربهم منه، والحمّى لا تفارق أهلها في أكثر الأوقات.
وبها ذئب كثير يأكل أهلها، وبرغوث كثير، وهم في عذاب من الذئب والبراغيث؛ قال بعض من دخلها وفارقها:
لا سقى اللّه بلدة كنت فيها! … البراغيث كلّهم أكلوني!
قرصوني حتّى تنمّر جلدي … لو خلعت الثّياب لم تعرفوني
إن صعدت السّطوح لم يتركوني … وأراهم على الدّرج يسبقوني
تونس
مدينة بأرض المغرب كبيرة على ساحل البحر، قصبة بلاد إفريقية. اصلح بلادها هواء وأطيبها ماء وأكثرها خيرا! وبها من الثمار والفواكه ما لا يوجد في غيرها من بلاد المغرب حسنا وطعما: فمن ذلك لوز عجيب يفرك باليد، وأكثرها في كلّ لوزة حبّتان. وبها الرمان الذي لا عجم له مع صدق الحلاوة، والأترج الذكي الرائحة البديع المنظر، والتين الحازمي الأسود الكبير الرقيق القشر الكثير العسل، لا يكاد يوجد فيه بزر، والسفرجل الكبير جدّا العطر الرائحة، والعنّاب الكبير كلّ حبّة منه على حجم جوزة، والبصل العلوري على حجم الأترج مستطيل صادق الحلاوة.
وبها أنواع من السمك عجيبة لا ترى في غيرها، يرى في كلّ شهر نوع من السمك خالفا لما كان قبله، فيملّح ويبقى سنين صحيح الجرم طيّب الطعم.
стр. 172
ومنها نوع يقال له البقونس، يقولون: لولا البقونس لم تخالف أهل تونس.
وأهلها موصوفون باللؤم ودناة النفس والبخل الشديد، والشغب والخروج على الولاة؛ قال بعض ولاتهم وقد خرجوا عليه ولقي منهم التباريح فقال:
لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها … ولكنّني ألفيتها وهي توحش
وبين تونس والقيروان ثلاثة أيّام، بينهما موضع يقال له محقّة، بها أمر عجيب، وهو أنّه إذا كان أوان الزيتون قصدته الزرازير، وقد حمل كلّ طائر معه زيتونتين في مخلبيه يلقيهما هناك، ويحصل من ذلك غلّة قالوا: تبلغ سبعين ألف درهم!
التّيه
هو الموضع الذي ضلّ فيه موسى، ﵇، مع بني إسرائيل، بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة أربعون فرسخا في أربعين فرسخا لمّا امتنعوا من دخول الأرض المقدّسة، حبسهم اللّه تعالى في هذا التيه أربعين سنة، كانوا يسيرون في طول نهارهم، فإذا انتهى النهار نزلوا بالموضع الذي رحلوا عنه، وكان مأكولهم المنّ والسلوى، ومشروبهم من ماء الحجر الذي كان مع موسى، ﵇، ينفجر منه اثنتا عشرة عينا، على عدد الأسباط، كلّ سبط يأخذ منه ساقية، ويبعث اللّه تعالى سحابة تظلّهم بالنهار وعمودا من النور يستضيئون به بالليل. هذا نعمة اللّه تعالى عليهم، وهم عصاة مسخوطون، فسبحان من عمّت رحمته البرّ والفاجر!
قيل: لمّا خرج بنو إسرائيل من مصر عازمين الأرض المقدسة كانوا ستمائة ألف، وما كان فيهم من عمره فوق الستّين ولا دون العشرين، فمات كلّهم في أربعين سنة. ولم يخرج ممّن دخل مع موسى إلّا يوشع بن نون وكالب بن يوفنّا، وهما الرجلان اللذان كانا يقولان: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون، فدخل يوشع، ﵇، بعقبهم وفتح أرض الشام.
стр. 173
الجابية
قرية من قرى دمشق، بها تلّ يسمّى تلّ الجابية، بها حيّات صغار نحو الشبر كثيرة النكاية، يسمّونها أمّ الصويت لأنّها إذا نهشت صوّت اللديغ صوتا خفيّا ومات لوقته، وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: أرواح المؤمنين بالجابية بأرض الشام، وأرواح الكفّار ببرهوت بأرض حضرموت، وقد مرّ ذكرها في حضرموت.
جاشك
جزيرة آهلة بقرب جزيرة قيس، لأهلها جلادة وخبرة في حرب البحر وعلاج السفن، جلادة ليس لغيرهم مثلها، حتى إن الواحد منهم يسبح في الماء أيّاما ويجالد بالسيف مجالدة من هو على الأرض.
ويقول أهل قيس: ان بعض ملوك الهند أهدى إلى بعض الملوك جواري، فلمّا وصل المركب إلى جاشك خرج الجواري يتفسحن، فاختطفهن الجنّ وافترشوهن، فولدن الذين بها، فلهذا يأتون بما عجز عنه غيرهم.
جالطة
جزيرة على مرسى طبرقة من أرض إفريقية، طولها ثمانية أميال وعرضها خمسة أميال. بها ثلاث أعين عذبة الماء، وبها مزارع وآثار قديمة. وبها من الايّل ما لا يحصى. حدّثني الفقيه سليمان الملتاني أن بها عنزا كثيرة إنسية توحشت، إذا قصدها قاصد أهوت نفسها من جبال شاهقة، ووقفت على قوائمها بخلاف الايّل فإنّها تقف على قرونها.
стр. 174
جزيرة تنّيس
جزيرة قريبة من البرّ بين فرماء ودمياط في وسط بحيرة منفردة عن البحر الأعظم، بينها وبين البحر الأعظم برّ مستطيل، وهو جزيرة بين البحرين، وأوّل هذا البرّ قرب الفرماء. وهناك فوّهة يدخل منها ماء البحر الأعظم إلى بحر تنيس في موضع يقال له القرباج، وهو يحول بين البحر الأعظم وبحيرة تنيس.
يسار في ذلك البرّ ثلاثة أيّام إلى قرب دمياط، وهناك فوّهة أخرى تأخذ الماء من البحر الأعظم إلى بحيرة تنيس، وبقرب تلك الفوّهة النيل ينصبّ إلى بحيرة تنيس، والبحيرة مقدار إبلاغ يوم في عرض نصف يوم، ويكون ماؤها أكثر السنة ملحا لدخول ماء البحر إليه عند هبوب الشمال، فإذا انصرف نيل مصر عند دخول الشتاء وهبوب الرياح الغربيّة خلت البحيرة وخلا سيف البحر الملح مقدار بريدين، وعند ذلك تكامل النيل وغلبت حلاوته ماء البحيرة، فصارت البحيرة حلوا. فحينئذ تذخر أهل تنيس المياه في صهاريجهم ومصانعهم لشرب سنتهم وهذه صورتها:
стр. 175
ذكروا انّه ليس بجزيرة تنيس شيء من الهوام المؤذية، لأن أرضها سبخة شديدة الملوحة، وقد صنّف في أخبار تنيس كتاب ذكر فيه انّها بنيت في سنة ثلاثين ومائتين بطالع الحوت اثنتا عشرة درجة حد الزهرة، وشرفها والمشتري فيها وهو صاحب البيت، فلذلك كان مجمعا للصلحاء وخيار الناس، قال يوسف بن صبيح: رأيت بها خمسمائة صاحب محبرة يكتبون الحديث، ولم يملكها أعجميّ ولا كافر قطّ، لأن الزهرة تدلّ على الإسلام، تجلب منها الثياب النفيسة الملوّنة والفرش الحسن والثياب الا بوقلمون. ولها موسم يكون عنده من أنواع الطير ما لا يوجد في موضع آخر وهي مائة ونيف وثلاثون نوعا.
أنواع الطيور التي توجد بجزيرة تنيس
السلوى، البقح المملوح، النصطفير، الزرزور، الباز الرومي، الصفري، الدبسي، البلبل، السقاء، القمري، الفاخت، النواج، الزريق، الهوني، الزاغ، الهدهد، الحسيني، الجرادي، الأبلق، الراهب، الحساف، البرين، السلسلة، دردراي، الشماس، البصبص، الأخضر، الأبهق، الأزرق، الحضير، أبو الحناء، أبو كلب، أبو دينار، وارية الليل، برقع أمّ عليّ، برقع أمّ حبيب، الدوري، الزنجي، وارية النهار، الشامي، شقرق، صدر النحاس، البلطين، الخضراء السئة، السوداء السئة، الأطروش، الخرطوم، ديك الكرم، الضريس، الحمراء الرقشة، الزرقاء الرقشة، جوز الكسر، ابن السمان، ابن المرعة، النوسية، السن، الوروار، الصردة، الحمراء الحصية، القبرة، المطوّق، السقسق، السلار، المرغ، السكسكة، الأرجوحة، الخوخة، فرد قفص، الاورث، السلونية، السكة البيضاء، اللبس، العروس، الوطواط، عصفور، الزوب، اللقاب، الجوين، القليلة، العسر، الأحمر، الأزرق، الشرير، البون، البرك، البرسي، الحصاري، الرجاحي، البح، الحمر، الرومي، الملاعقي، البط الصيني، العراق، الاقرح، البلبو،
стр. 176
الشطرف، البشروش، وزّ الفرط، أبو قلمون، أبو قير، أبو منجل، البجع، الكركي، الغطاس، اللجوبة، البطميس، البحبوبة، الرقادة، الكروان البحري، أبو مسكة، الكروان الحرحي، القرلي، الخروطة، الحلف، الارميل، الفلفوس، الأزد، العقعق، البوم، الورشان، القطا، الدرّاج، الحجل، البازي، الصردي، الصقر، الهام، الغراب، الأبهق، الباشق، الشاهين، العقاب، الحداء، الرخمة، سبحان من خلق الذي نعلم والذي لا نعلم.
ويعرف بها من السمك تسعة وسبعون نوعا:
البوري، البلمو، البرو، اللبت، البلس، السكسا، الأران، الشموس، النسا، الطوبار، اليقشمار، الاحناش، الانكليس، المعية، البنيّ، الابليل، الفويص، الدونيس، المرتنوس، الاسقلموس، النفط، الجبالى، البلطي، الحجف، القلارية، الرحض، العبر، التون، اللت، القجاج، القروص، الكليس، الأكلس، الفراخ، القرقاح، الزليخ، اللاج، الاكلت، الماضي، الجلاء، السلّاء، البرقش، الصد، البلك، المشط، القفا، السور، حوت الحجر، البشين، الشربوت، النسّاس، الرعاد، الشعور، المحبرة، اللبس، السطور، الرأس، الريف، اللبيس، الأبرميس، الأبونس، اللبّاء، العميان، المناقير، القلميدس، الحلبوة، الرقاص، القرندس، الجتر؛ هو كبارة، القبج، المجزع الدليس، الاشبالة، البسال الأبيض، الرقروق، أمّ عبيد، البلو، أمّ الإنسان، الانسارية، اللجاه.
جزيرة الجسّاسة
في بحر القلزم، قالوا: ان الدجّال محبوس في هذه الجزيرة. والجسّاسة دابّة تجسّ الأخبار وتأتي بها الدجّال. روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنّها قالت:
خرج علينا رسول اللّه، ﷺ ، وقت الظهيرة وخطبنا وقال:
стр. 177
إني لا أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن بحديث حدّثنيه تميم الداري، فمنعني سروره القائلة. حدّثني أن نفرا من قومه أقبلوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة، فإذا هم بدابّة قالوا لها: ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة! قالوا: أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا بالأسواق إليكم. قال: أتيناه فقال: أنّى تبعتم؟ فأخبرناه فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا: تدفق بين أجوافها. قال: ما فعلت نخل عمان؟ قلنا:
يجتنيها أهلها! قال: ما فعلت عين زغر؟ قلنا: يشرب منها أهلها. فقال:
لو يبست أنفذت من وثاقي فوطئت بقدمي كلّ منهل إلّا مكّة والمدينة.
جزيرة الكنيسة
في بحر المغرب؛ قال أبو حامد الأندلسي: على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة منقورة من الصخر في الجبل، وعليها قبّة كبيرة، وعلى القبّة غراب مفرد لا يبرح من أعلى القبّة. وفي مقابلة الكنيسة مسجد يزوره الناس ويقولون: إن الدعاء فيه مستجاب. وقد شرط على القسيسين الذين يسكنون تلك الكنيسة ضيافة كلّ مسلم يقصد ذلك المسجد. فكلّما وصل أحد إلى ذلك المسجد أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبّة، ويصيح بعدد كلّ رجل صيحة، فيخرج الرهبان بالطعام إلى أهل المسجد ما يكفيهم. وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنّهم ما زالوا يرون غرابا على تلك الكنيسة ولا يدرون من أين مأكله!
جفار
أرض بين فلسطين ومصر مسير سبعة أيّام، كلّها رمال سائلة نبض فيها قرى ومزارع ونخل كثير. وأهلها يعرفون آثار الأقدام في الرمل حتى يعرفون وطء الشباب من الشيخ، والرجل من المرأة، والبكر من الثيب، ومع كثرة
стр. 178
بساتينهم لا حاجة لهم إلى النواطير، لأن أحدهم لا يقدر أن يعدو على غيره، لأن الرجل إذا أنكر شيئا من بستانه يمشي على آثار القدم، ويلحق سارقه ولو سار يوما أو يومين.
بها نوع من الطير يأتيهم من بلاد الروم يسمّى المرغ، يشبه السلوى، يأتي في وقت معين يصيدون منها ما شاء اللّه ويملّحونها، ويأتيهم أيضا من بلاد الروم على البحر في وقت من السنة جوارح كثيرة الشواهين والصقور والبواشق. وقلّما يقدرون على البازي، وما سواه يصيدونها وينتفعون بها.
جنّابة
بليدة على ساحل بحر فارس سيّئة الهواء رديئة الماء، لا زرع بها ولا ضرع لأن أرضها سبخة، وماءها ملح، رأيتها، ذكروا أنّهم إذا أرادوا ماء عذبا بها حفروا حفيرة كبيرة وطموها بالطين الحرّ يأتون به من غير أرضهم، فإذا طمّوا الحفرة بالطين الحرّ حفروها بئرا فيها يكون ماؤها طيبا. وأهلها لفيف متفرّق من الجور والبدّ والفسق، والفجور فيها أظهر من الصلاة والأذان في غيرها.
ينسب إليها أبو الحسن القرمطي الجنّابي، خرج إلى البحرين ودعا العرب إلى نحلته، فاجتمع عليه خلق كثير وكسر عسكر الخليفة وقتل على فراشه، فقام ابنه سليمان وقتل حجّاج بيت اللّه الحرام، ونهب حلى الكعبة وقلع الحجر الأسود ونقله إلى الأحساء وبقي عندهم إحدى وعشرين سنة، ثمّ ردّوه بمال عظيم.
وظهر في أوّل رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة غلام فاجر، يقال له ابن أبي زكرياء الطمّامي، دعا الناس إلى ربوبيّته، وذاك الغلام الفاجر يأمر بعبادة النار وقطع يد من أطفأ نارا أو لسان من أطفأها بالنفخ. وأمر الغلمان بطاعة طلابهم ومن امتنع أمر بذبحه، ثمّ سلّط اللّه عليه من تولّى إظهاره فذبحه ورجع عن القرمطة.
стр. 179
جور
مدينة نزهة بأرض فارس كثيرة المياه والبساتين؛ قال الإصطخري: ان الرجل يسير من كلّ جانب منها نحو فرسخ في بساتين وقصور. بناها أردشير بابك. وفي وسط المدينة بناء عال يسمّى الطربال. والإنسان إذا علا ذلك البناء أشرف على المدينة وعلى رساتيقها وبنى في أعلاها بيت نار. وبحذاء المدينة جبل استنبط منه الماء وعلاه إلى رأس الطربال.
وبها البئر العجيبة التي ليس في شيء من البلاد مثلها، وهي على باب المدينة ممّا يلي شيراز، وقد أكبّوا على قعرها قدرا من نحاس، يخرج من ثقبة ضيقة في ذلك القدر ماء حاد جدّا ويصل إلى صفة البئر بنفسه، ولا يحتاج إلى استقاء الماء منها.
وبها الورد الجوري وهو ورد أحمر صافي اللون من أجود أنواع الورد، يتمثّل بطيب رائحته؛ قال الشاعر:
أطيب ريحا من نسيم الصّبا … جاءت بريّا الورد من جور
وحكى أحمد بن يحيى بن جابر أن جور نزل عليها المسلمون سنين، فعجزوا عن فتحها حتى نزل عليها عبد اللّه بن عامر. وكان بعض أجناد المسلمين قام بالليل يصلّي وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم، فجاء كلب جرّه وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل خفيّ لها، فدخل المسلمون من ذلك المدخل، فأصبح أهل جور والمدينة ممتلئة من المسلمين، ملكوها قهرا.
جيرفت
مدينة كبيرة بكرمان، آهلة كثيرة الخيرات وافرة الثمرات؛ قال الإصطخري: بها نخل كثير، ولأهلها سنّة وهي أنّهم لا يرفعون شيئا من
стр. 180
الثمرات التي أسقطتها الريح بل يتركونها للضعفاء، فربّما كثرت الريح في بعض السنين فيحصل للضعفاء أكثر ممّا يحصل للملّاك.
جيزة
ناحية بمصر؛ قال أبو حامد الأندلسي: بها طلسم للرمل وهو صنم والرمل خلفه إلى ناحية المغرب مثل البحر، تأتي به الرياح من أرض المغرب، فإذا وصل إلى ذلك الصنم لا يتعدّاه، والقرى والرساتيق والمزارع والبساتين بين يدي ذلك الصنم والرمل العظيم خلفه. وكان مكان ذلك الرمل مدن وقرى علاها الرمل وغطّاها، وتظهر رؤوس الأعمدة الرخام والجدر العظام في وسط ذلك الرمل، ولا يمكن الوصول إليها؛ قال: وكنت أصعد بعض تلال الرمل بالغداة إذا تلبّد الرمل بالطلّ في الليل، فرأيت الرمل مثل البحر لا يتبيّن آخره البتّة، ورأيت مدينة فرعون يوسف، ﵇، مدينة عظيمة بنيانها وقصورها أعظم وأحكم من مدينة فرعون موسى، ﵇، والرمل قد غطّى أكثرها فظهرت رؤوس الأعمدة التي كانت في القصور. وهناك سجن يوسف، ﵇، في جوف حائط باب قصر الملك، والحائط منحوت من الصخر، فصعدت في درج في نفس الحائط كدرجات المنبر من الصخر إلى غرفة في نفس الجدار مشرفة على النيل، وسطح تلك الغرفة وسقفها من ألواح الصخر المنحوتة مثل الخشب.
وفي الغرفة باب يفضي إلى بيت عظيم تحت الغرفة، هو سجن يوسف، ﵇، وعلى جدار الغرفة مكتوب: ههنا عبّر يوسف الرؤيا حيث قال:
قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
следующие страницы →