← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الملك ذلك قال: اسكنوهم جبالها، فعملوا الفوّارات وأظهروا الماء على رؤوس جبالها، فقال الملك: اسجنوهم، فعملوا في السجن الكيميا وقالوا: هذا علم لا نخرجه إلى أحد! وعملوا مقدار ما يكفيهم مدّة عمرهم، وأحرقوا كتبهم وانقطع علم الكيميا. وبأرض كرمان في رساتيقها جبال بها أحجار تشتعل بالنار مثل الحطب. وينسب إلى كرمان الشيخ أبو حامد أحمد الكرماني الملقب بأوحد الدين. كان شيخا مباركا صاحب كرامات، وله تلامذة، وكان صاحب خلوة يخبر عن المغيبات، وله أشعار بالعجميّة في الطريقة، كان صاحب اربل معتقدا به، بقي عنده مدّة ثمّ تأذّى منه وفارقه وهو يقول: با دل كفتم خدمت شاهي كم كير … جون سر نهاده كلاهي كم كير دل كفت مرا أزين سخن كمتر كو … كردي ودهي وخانقاهي كم كير مات سنة خمس وثلاثين وستمائة ببغداد. كفرطاب بلدة بين حلب والمعرة في بريّة معطشة أعزّ الأشياء عند أهلها الماء، ذكر أنّهم حفروا ثلاثمائة ذراع لم ينبط لهم ماء، وليس لها إلّا ما يجمعونه من مياه الأمطار، وقال سنان الخفاجي: باللّه يا حادي المطايا … بين حناك وأرضايا عرّج على أرض كفرطاب … وحيّها أحسن التّحايا واهد لها الماء فهي ممّن … يفرح بالماء في الهدايا ومن العجب إقامة جمع من العقلاء بأرض هذا شأنها.

стр. 247

كفرمندة قرية بالأردنّ بين مكّة والطبرية. قيل: انّها مدين المذكور في القرآن، وكان منزل شعيب، ﵇. وبها قبر بنت شعيب صافورا زوجة موسى، ﵇. وبها الجبّ الذي قلع موسى الصخرة عن رأسه وسقى مواشي شعيب، والصخرة باقية إلى الآن. كفرنجد قرية كبيرة من أعمال حلب في جبل السّمّاق، بها عين ماء حارّ. لها خاصيّة عجيبة، وهي ان من تشبّث بحلقه العلق من الحيوانات شرب من مائها ودار حولها فألقاها، بإذن اللّه، حدّث بهذا بعض سكّانها. كلّز قرية من نواحي عزاز بين حلب وأنطاكية، جرى في أواخر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وستمائة بها أمر عجيب، وشاع ذلك بحلب، وكتب عامل كلّز إلى حلب كتابا بصحّة ذلك، وهو أنّهم رأوا هناك تنّينا عظيما غلظه شبه منارة، أسود اللون ينساب على الأرض، والنار تخرج من فيه ودبره، فما مرّ على شيء إلّا أحرقه، حتى أحرقت مزارع وأشجار كثيرة. وصادف في طريقه بيوت التركمان وخرقاهاتهم فأحرقها بما فيها من الناس والمواشي، ومرّ نحو عشرة فراسخ كذلك والناس يشاهدونه من البعد، حتى أغاث اللّه أهل تلك النواحي بسحابة أقبلت من البحر وتدلّت حتى اشتملت عليه ورفعته نحو السماء، والناس يشاهدونه حتى غاب عن أعين الناس، ولقد لفّ ذنبه على كلب والكلب ينبح في الهواء.

стр. 248

كوزا قلعة بطبرستان من عجائب الدنيا؛ قال الأبيّ: هي تناطح النجوم ارتفاعا وتحكيها امتناعا حتى لا تعلوها الطير في تحليقها، ولا السّحب في ارتفاعها، فتحتفّ بها الغمام وتقف دون قلتّها، ولا تسمو عليها، فيمطر سفحها دون أعلاها، والفكر قاصر عن ترتيب مقدمات استخلاصها. الكوفة هي المدينة المشهورة التي مصرّها الإسلاميّون بعد البصرة بسنتين، قال ابن الكلبي: اجتمع أهل الكوفة والبصرة وكلّ قوم يرجّح بلده فقال الحجّاج: يا أمير المؤمنين، إن لي بالبلدين خبرا؛ قال: هات غير متهم! قال: أمّا الكوفة فبكر عاطل لا حلي لها ولا زينة، وأمّا البصرة فعجوز شمطاء بخراء دفراء أوتيت من كلّ حلي وزينة! فاستحسن الحاضرون وصفه إيّاهما. قال ابن عبّاس الهمداني: الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء بعذوبة وبرودة، والبصرة مثل المثانة يأتيها الماء بعد تغيّره وفساده. ولمسجدها فضائل كثيرة، منها ما روى حبة العرني قال: كنت جالسا عند عليّ فجاءه رجل وقال: هذا زادي وهذه راحلتي أريد زيارة بيت المقدس! فقال له: كل زادك وبع راحلتك وعليك بهذا المسجد، يريد مسجد الكوفة، ففي زاويته فار التنور، وعند الأسطوانة الخامسة صلّى إبراهيم، وفيه عصا موسى وشجرة اليقطين ومصلّى نوح، ﵇. ووسطه على روضة من رياض الجنّة، وفيه ثلاث أعين من الجنّة، لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبوا. بها مسجد السهلة؛ قال أبو حمزة الثّمالي: قال لي جعفر بن محمّد الصادق: يا أبا حمزة، أتعرف مسجد السهلة؟ قلت: عندنا مسجد يسمّى مسجد السهلة. قال: لم أرد سواه! لو أن زيدا أتاه وصلّى فيه واستجار فيه بربّه من القتل

стр. 249

لأجاره! ان فيه موضع البيت الذي كان يخيط فيه إدريس، ﵇، ومنه رفع إلى السماء، ومنه خرج إبراهيم إلى العمالقة، وهو موضع مناخ الخضر، وما أتاه مغموم إلّا فرّج اللّه عنه. كان بها قصر اسمه طمار يسكنه الولاة. أمر عبيد اللّه بن زياد بإلقاء مسلم ابن عقيل بن أبي طالب من أعلاه قبل مقتل الحسين، وكان بالكوفة رجل اسمه هانئ يميل إلى الحسين، فجاء مسلم إليه فأرادوا إخراجه من داره فقاتل حتى قتل؛ قال عبد اللّه بن الزبير الأسدي: إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري … إلى هانئ في السّوق وابن عقيل إلى بطل قد عفّر السّيف وجهه … وآخر يلقى من طمار قتيل وكان في هذا القصر قبّة ينزلها الأمراء، فدخل عبد الملك بن عمير على عبد الملك بن مروان وهو في هذه القبّة على سرير، وعن يمينه ترس عليه رأس مصعب بن الزبير، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت في هذه القبّة عجبا! فقال: ما ذاك؟ قال: رأيت عبيد اللّه بن زياد على هذا السرير، وعن يمينه ترس عليه رأس الحسين، ثمّ دخلت على المختار بن عبيد وهو على هذا السرير، وعن يمينه ترس عليه رأس عبيد اللّه بن زياد، ثمّ دخلت على مصعب بن الزبير وهو على هذا السرير، وعن يمينه ترس عليه رأس المختار، ثمّ دخلت عليك يا أمير المؤمنين وأنت على هذا السرير، وعن يمينك ترس عليه رأس مصعب! فوثب عبد الملك عن السرير وأمر بهدم القبّة. زعموا أن من أصدق ما يقوله الناس في أهل كلّ بلدة قولهم: الكوفي لا يوفي! وممّا نقم على أهل الكوفة أنّهم طعنوا الحسن بن عليّ ونهبوا عسكره، وخذلوا الحسين بعد أن استدعوه، وشكوا من سعد بن أبي وقّاص إلى عمر بن الخطّاب، ﵁، وقالوا: انّه ما يحسن الصلاة! فدعا عليهم سعد أن لا يرضيهم اللّه عن وال ولا يرضي واليا عنهم، ودعا علي عليهم وقال:

стр. 250

اللهمّ أمّرهم بالغلام الثقفي! يعني الحجّاج. وادّعى النبوّة منهم كثيرون. ولمّا قتل مصعب بن الزبير، أرادت زوجته سكينة بنت الحسين الرجوع إلى المدينة، فاجتمع عليها أهل الكوفة وقالوا: حسن اللّه صحابتك يا ابنة رسول اللّه! فقالت: لا جزاكم اللّه عني خيرا ولا أحسن إليكم الخلافة! قتلتم أبي وجدّي وعمّي وأخي! أيتمتوني صغيرة وأرملتموني كبيرة! تظلّم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال: ما علمت من عمّالي أعدل وأقوم بأمر الرعيّة منه! فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين ليس أحد أولى بالعدل والانصاف منك! فإن كان هو بهذه الصفة فعلى الأمير أن يوليّه بلدا بلدا ليلحق كلّ بلدة من عدله ما لحقناه، فإذا فعل الأمير ذلك لا يصيبنا أكثر من ثلاث سنين! فضحك المأمون وأمر بصرفه. ينسب إليها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، كان عابدا زاهدا خائفا من اللّه تعالى. ودعي أبو حنيفة إلى القضاء فقال: إني لا أصلح لذلك! فقيل: لم؟ فقال: إن كنت صادقا فلا أصلح لها، وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء. وأراد عمر بن هبيرة أبا حنيفة للقضاء فأبى، فحلف ليضربنّه بالسياط على رأسه وليحبسنّه، ففعل ذلك حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون من مقامع الحديد في الآخرة! قال عبد اللّه بن المبارك: لقد زان البلاد ومن عليها … إمام المسلمين أبو حنيفة بآثار رفقه في حديث … كآيات الزّبور على الصّحيفه فما إن بالعراق له نظير … ولا بالمشرقين ولا بكوفه وحكي أن الربيع صاحب المنصور كان لا يرى أبا حنيفة، فقال له يوما:

стр. 251

يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدّك عبد اللّه بن عبّاس، فإن جدّك يقول إذا حلف الرجل واستثنى بعد يوم أو يومين جاز، وأبو حنيفة يقول: لا يجوز! فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك في رقاب جندك بيعة! قال: كيف؟ قال: يحلفون عندك ويرجعون إلى منازلهم يستثنون فتبطل اليمين! فضحك المنصور وقال: يا ربيع لا تتعرّض لأبي حنيفة. فلمّا خرج من عند المنصور قال له الربيع: أردت أن تشطّ بدمي! قال: لا، ولكنك أردت أن تشطّ بدمي فخلّصتك وخلّصت نفسي! وحكى قاضي نهروان أن رجلا استودع رجلا بالكوفة وديعة ومضى إلى الحجّ. فلمّا عاد طلبها، فأنكر المودع وكان يجالس أبا حنيفة، فجاء المظلوم وشكا إلى أبي حنيفة فقال له: اذهب لا تعلم أحدا بجحوده! ثمّ طلب الظالم وقال: إن هؤلاء بعثوا إليّ يطلبون رجلا للقضاء فهل تنشط لها؟ فتمانع الرجل قليلا ثمّ رغب فيها. فعند ذلك بعث أبو حنيفة إلى المظلوم وقال: مرّ إليه وقل له: أظنّك نسيت، أليس كان في يوم كذا وفي موضع كذا؟ فذهب المظلوم إليه وقال ذلك، فردّها إليه. فجاء الظالم إلى أبي حنيفة يريد القضاء فقال: نظرت في قدرك أريد أن أرفعه بأجلّ من هذا. وذكر أنّ أبا العبّاس الطوسي كان سيء الرأي في أبي حنيفة، وأبو حنيفة يعلم ذلك. فرآه يوما عند المنصور فقال: اليوم اقتل أبا حنيفة! فقال له: يا أبا حنيفة، ما تقول في أن أمير المؤمنين يدعو أحدا إلى قتل أحد، ولا ندري ما هو، أيسع لنا أن نضرب عنقه؟ قال أبو حنيفة: يا أبا العبّاس، الأمير يأمر بالحقّ أو بالباطل؟ قال: بالحقّ! قال: انفذ الحقّ حيث كان ولا تسأل عنه! ثمّ قال لمن كان بجنبه: هذا أراد أن يوبقني فربطته! توفي سنة خمسين ومائة عن اثنتين وسبعين. ينسب إليها أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري منسوب إلى ثور أطحل، كان من أكثر الناس علما وورعا. وكان إماما مجتهدا، وجنيد البغدادي يفتي على

стр. 252

مذهبه، كان يصاحب المهدي، فلمّا ولّي الخلافة انقطع عنه، فقال له المهدي: إن لم تصاحبني فعظني! قال: إن في القرآن سورة، أوّلها: ويل للمطفّفين! والتطفيف لا يكون إلّا شيئا نزرا فكيف من يأخذ أموالا كثيرة؟ وحكي أن المنصور رآه في الطواف فضرب يده على عاتقه فقال: ما منعك أن تأتينا؟ قال: قول اللّه تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار! فالتفت المنصور إلى أصحابه وقال: ألقينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا إلّا ما كان من سفيان فإنّه أعيانا! ثمّ قال له: سلني حاجتك يا أبا عبد اللّه! فقال: وتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: حاجتي أن لا ترسل إليّ حتى آتيك، وأن لا تعطيني شيئا حتى أسألك. وخرج ليلة أراد العبور على دجلة فوجد شطّيها قد التصقا، فقال: وعزّتك لا أعبر إلّا في زورق! وكان في مرض موته يبكي كثيرا، فقال له: أراك كثير الذنوب! فرفع شيئا من الأرض وقال: ذنوبي أهون عليّ من هذا وإنّما أخاف سلب الإيمان قبل أن أموت. وقال حمّاد بن سلمة: لمّا حضر سفيان الوفاة كنت عنده، قلت: يا أبا عبد اللّه ابشر فقد نجوت ممّا كنت تخاف، وإنّك تقدم على ربّ غفور! فقال: يا أبا سلمة، أترى يغفر اللّه لمثلي؟ قلت: إي والذي لا إله إلّا هو! فكأنّما سرّي عنه. توفي سنة إحدى وستّين ومائة عن ستّ وستين سنة بالبصرة. وينسب إليها أبو أميّة شريح بن الحرث القاضي، يضرب به المثل في العدل وتدقيق الأمور، بقي في قضاء الكوفة خمسا وسبعين سنة، استقضاه عمر وعليّ، واستعفى من الحجّاج فأعفاه، ذكر أن امرأة خاصمت زوجها عنده وكانت تبكي بكاء شديدا فقال له الشعبي: أصلح اللّه القاضي! أما ترى شدّة بكائها؟ فقال: أما علمت أن اخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظلمة؟ الحكم إنّما يكون بالبينة لا بالبكاء. وشهد رجل عنده شهادة فقال: ممّن الرجل؟ قال: من بني فلان. قال:

стр. 253

أتعرف قائل هذا الشعر: ماذا أؤمّل بعد آل محرّق … تركوا منازلهم وبعد إيّاد قال: لا! فقال: توقّف يا وكيل في شهادته فإن من كان في قومه رجل له هذه النباهة وهو لا يعرفه أظنّه ضعيفا. وكتب مسروق بن عبد اللّه إلى القاضي شريح، وقد دخل زياد ابن أبيه في مرض موته ومنعوا الناس عنه، وكتب إليه: أخبرنا عن حال الأمير فإن القلوب لبطء مرضه مجروحة، والصدور لنا حزينة غير مشروحة! فأجابه القاضي: تركت الأمير وهو يأمر وينهى! فقال: أما تعلمون أن القاضي صاحب تعريض؟ يقول: تركته يأمر الوصيّة وينهى عن الجزع! وكان كما ظنّ. والقاضي شريح توف سنة اثنتين وثمانين عن مائة وعشرين سنة. وينسب إليها أبو عبد اللّه سعيد بن جبير، كان الناس إذا سألوا بالكوفة ابن عبّاس يقول: أتسألونني وفيكم سعيد بن جبير؟ وكان سعيد ممّن خرج على الحجّاج وشهد دير الجماجم، فلمّا انهزم ابن الأشعث لحق سعيد بمكّة، وبعد مدّة بعثه خالد بن عبد اللّه القسري، وكان واليا على مكّة من قبل الوليد ابن عبد الملك، إلى الحجّاج تحت الاستظهار، وكان في طريقه يصوم نهارا ويقوم ليلا، فقال له الموكّل به: إني لا أحبّ أن أحملك إلى من يقتلك، فاذهب أي طريق شئت! فقال له سعيد: انّه يبلغ الحجّاج أنّك خليتني وأخاف أن يقتلك! فلمّا دخل على الحجّاج قال له: من أنت؟ قال: سعيد بن جبير! قال: بل أنت شقيّ بن كسير! قال: سمّتني أمّي! قال: شقيت! قال: الغيب يعلمه غيرك! فقال له الحجّاج: لأبدّلنّك من دنياك نارا تتلظّى! فقال سعيد: لو علمت أن ذاك إليك ما اتّخذت إلها غيرك! قال: ما تقول في الأمير؟ قال: إن كان محسنا فعند اللّه ثواب إحسانه، وإن كان مسيئا فلن يعجز اللّه! قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك! فقال: تب في علمك! فقال: اذم

стр. 254

أسوءك ولا أسرك. قال: تب! قال: ظهر منك جور في حدّ اللّه وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء اللّه! قال: واللّه لأقطعنّك قطعا قطعا ولأفرقنّ أعضاءك عضوا عضوا! قال: فإذن تفسد عليّ دنياي وأفسد عليك آخرتك والقصاص أمامك! قال: الويل لك من اللّه! قال: الويل لمن زحزح عن الجنّة وأدخل النار! فقال: اذهبوا به واضربوا عنقه. فقال سعيد: اني أشهدك اني أشهد ان لا إله إلّا اللّه وأن محمّدا رسول اللّه، لتستحفظه حتى ألقاك بها يوم القيامة! فذهبوا به فتبسّم، فقال الحجّاج: لم تبسّمت؟ فقال: لجرأتك على اللّه تعالى! فقال الحجّاج: أضجعوه للذبح! فأضجع. فقال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض. فقال الحجّاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة. قال سعيد: فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه! قال: كبّوه على وجهه. فقال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى! فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن البصري فقال: اللهمّ يا قاصم الجبابرة اقصم الحجّاج. وعن خالد بن خليفة عن أبيه قال: شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلمّا بان رأسه قال: لا إله إلّا اللّه مرّتين والثالثة لم يتمّها، وعاش الحجّاج بعده خمسة عشر يوما، وقع الدود في بطنه، وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ كلّما أردت النوم أخذ برجلي! وتوفي سعيد سنة خمس وتسعين عن سبع وخمسين سنة. وينسب إليها أبو الطيّب أحمد المتنبي. كان نادر الدهر شاعرا مفلقا فصيحا بليغا، أشعاره تشتمل على الحكم والأمثال، قال ابن جنّي: سمعت أبا الطيّب يقول: إنّما لقبّت بالمتنبي لقولي: ما مقامي بأرض نخلة إلّا … كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمّة، تداركها اللّ … هـ، غريب كصالح في ثمود وكان لا يمدح إلّا الملوك العظماء، وإذا سمع قصيدة حفظها بمرّة واحدة،

стр. 255

وابنه يحفظها بمرّتين، وغلامه يحفظها بثلاث مرّات، فربّما قرأ أحد على ممدوح قصيدة بحضوره فيقول: هذا الشعر لي! ويعيدها ثمّ يقول: وابني أيضا يحفظها، ثمّ يقول: وغلامي أيضا يحفظها. اتّصل بسيف الدولة وقرأ عليه: أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل فلمّا انتهى إلى قوله: أقل أنل اقطع احمل سلّ علّ أعد … زدهشّ بشّ تفضّل ادن سرّ صل أمر سيف الدولة أن يفعل جميع هذه الأوامر التي ذكرها فيقول المتنبي: أمرّ إلى إقطاعه في ثيابه … على طرفه من داره بحسامه حكى ابن جنّي عن أبي علي النسوي قال: خرجت من حلب فإذا أنا بفارس متلثّم قد أهوى نحوي برمح طويل سدّده في صدري، فكدت أرمي نفسي من الدابّة، فثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبي يقول: نثرت رؤوسا بالأحيدب منهم … كما نثرت فوق العروس دراهم ثمّ قال: كيف ترى هذا البيت أحسن هو؟ قلت: ويحك قتلني! قال ابن جنّي: حكيت هذا بمدينة السلام لأبي الطيّب فضحك. وحكى الثعالبي أن المتنبي لمّا قدم بغداد ترفع عن مدح الوزير المهلبي، ذهابا بنفسه إلى أنّه لا يمدح غير الملوك، فشقّ ذلك على الوزير فأغرى به شعراء بغداد في هجوه، ومنهم ابن سكّرة الهاشمي والحاتمي وابن لنكك، فلم يجبهم بشيء وقال: اني قد فرغت عن جوابهم بقولي لمن هو أرفع طبقة منهم في الشعر:

стр. 256

أفي كلّ يوم تحت ضبني شويعر … ضعيف يقاويني قصير يطاول لساني بنطقي صامت عنه عادل … وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل وأتعب من ناداك من لا تجيبه … وأغيظ من عاداك من لا تشاكل وما التّيه طبّي فيهم غير أنّني … بغيض إليّ الجاهل المتعاقل وفارق بغداد قاصدا عضد الدولة بفارس ومدحه بقصائده المذكورة في ديوانه، وربحت تجارته عند عضد الدولة، وبقي عنده مدّة، ووصل إليه من مبرّاته أكثر من مائتي ألف درهم، فاستأذن في المسير ليقضي حوائجه فأذن له وأمر له بالخلع والصلات، فقرأ عليه قصيدته الكافيّة وكأنّه نعى فيها نفسه ويقول: ولو أني استطعت حفظت طرفي … ولم أبصر به حتّى أراكا وفي الأحباب مختصّ بوجد … وآخر يدّعي معه اشتراكا إذا اجتمع الدّموع على خدود … تبيّن من بكى ممّن تباكى وأنّى شئت يا طرقي فكوني … أذاة أو نجاة أو هلاكا وهذه الأبيات ممّا يتطيّر بها، وجعل قافية آخر شعره هلاكا فهلك. ولمّا ارتحل من شيراز بحسن حال ووفور مال، فلمّا فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمرّ كما كانت في أعمال عضد الدولة، فخرج عليه سريّة من الأعراب فحاربهم حتى انكشفت الوقعة عن قتله، وقتل ابنه محسّد، ونفر من غلمانه في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. اللّاذقيّة مدينة من سواحل بحر الشام عتيقة، سمّيت باسم بانيها رومية، وفيها أبنية قديمة، ولها مرقاة جيدة وقلعتان متّصلتان على تلّ مشرف على ربضها، ملكها

стр. 257

الفرنج فيما ملكوه من بلاد الساحل في حدود سنة خمسمائة. وللمسلمين بها جامع وقاض وخطيب، فإذا أذّن المسلمون ضرب الفرنج بالناقوس غيظا، قال المعري: باللّاذقيّة فتنة … ما بين أحمد والمسيح هذا يعالج دلبه … والشّيخ من حنق يصيح! أراد بالدلب الناقوس وبالصياح الأذان. قال ابن رطلين: رأيت باللاذقيّة أعجوبة، وذلك أن المحتسب يجمع الفواجر والغرباء المؤثرين للفجور في حلقته، وينادي على واحدة ويتزايدون، حتى إذا وقف سلّمها إلى صاحبها مع ختم المطران. وهو يأخذها إلى الفنادق، فإذا وجد البطريق إنسانا لم يكن معه ختم المطران ألزمه جناية، فلمّا كانت سنة أربع وثمانين وخمسمائة استرجعها صلاح الدين يوسف، وهي إلى الآن في يد المسلمين. اللّجّون مدينة بالأردنّ. في وسطها صخرة كبيرة مدوّرة، وعلى الصخرة قبّة مزار يتبرّكون بها. حكي أن الخليل، ﵇، دخل هذه المدينة ومعه غنم له، وكانت المدينة قليلة الماء، فسألوه أن يرتحل لقلّة الماء، فضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها ماء كثير اتّسع على أهل المدينة، حتى كانت قراهم ورساتيقهم تسقى من هذا الماء، والصخرة باقية إلى الآن. ماردين قلعة مشهورة على قلّة جبل بالجزيرة، ليس على وجه الأرض قلعة أحسن منها ولا أحكم ولا أعظم، وهي مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين، وقدّامها

стр. 258

ربض عظيم فيه أسواق وفنادق ومدارس وربط. وضعها وضع عجيب ليس في شيء من البلدان مثلها، وذلك أن دورهم كالدرج كلّ دار فوق أخرى، وكلّ درب منها مشرف على ما تحته، وعندهم عيون قليلة، جلّ شربهم من الصهاريج المعدّة في دورهم. وقال بعض الظرفاء: في ماردين، حماها اللّه، لي سكن … لولا الضّرورة ما فارقتها نفسا لأهلها ألسن لان الحديد لها … وقلبهم جبليّ قد قسا وعسا ماسبدان (١) مدينة مشهورة بقرب السيروان، كثيرة الشجر كثيرة الحمات والكباريت والزاجات والبوارق والاملاح. بها عين عجيبة، من شرب منها قذف اخلاطا كثيرة، لكنه يضرّ بأعصاب الرأس، وإن احتقن بمائها أسهل إسهالا عظيما. مجّانة بلدة بإفريقية تسمّى قلعة بسر لأن بسر بن أرطاة فتحها. أرضها أرض طيّبة ينبت بها زعفران كثير، بها معادن الفضّة والحديد والمرتك والرصاص والكحل، وفي جنوبيّها جبل تقطع منه أحجار الطواحين وتحمل إلى سائر بلاد العرب. محجّة من قرى حوران. بها حجر يزوره الناس، وزعموا أن النبي، ﷺ ، جلس عليه.

стр. 259

مدين مدينة قوم شعيب، ﵇. بناها مدين بن إبراهيم الخليل جدّ شعيب، وهي تجارة تبوك بين المدينة والشام. بها البئر التي استقى منها موسى، ﵇، لماشية شعيب؛ قيل: إن البئر مغطاة وعليها بيت يزوره الناس. وقيل: مدين هي كفرمندة من أعمال طبرية، وبها البئر وعندها الصخرة التي قلعها موسى، وهي باقية إلى الآن، وقد مرّ ذكره في كفرمندة. مرسى الخرز بليدة على ساحل بحر إفريقية، عندها يستخرج المرجان وليس للسلطان فيه حصّة، فيجتمع بها التجّار ويستأجرون أهل تلك النواحي على استخراج المرجان من قعر البحر، حكى من شاهد كيفيّة استخراجه أنّهم يتّخذون خشبتين، طول كلّ واحدة ذراع، ويجعلونهما صليبا ويشدّون فيه حجرا ثقيلا، ويصلونه بحبل ويركب صاحبه في قارب، ويتوسط البحر نحو نصف فرسخ ليصل إلى منبت المرجان. ثمّ يرسل الصليب إلى البحر حتى ينتهي إلى قرار البحر، ويمرّ بالقارب يمينا وشمالا ومستديرا ليتعلّق المرجان في ذوائب الصليب، ثمّ يقلعه بالقوّة ويرقّيه فيخرج جسم أغبر اللون، فيحكّ قشره فيخرج أحمر اللون حسنا. المرقّب بلدة وقلعة حصينة مشرفة على سواحل بحر الشام، قال أبو غالب المغربي في تاريخه: عمّر المسلمون حصن المرقّب في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، فجاء في غاية الحصانة والحسن حتى يتحدّث الناس بحسنه وحصانته، فطمع الروم فيه وطمع المسلمون في الحيلة بالروم بسببه، فما زالوا حتى بيع الحصن منهم بمال عظيم. وبعثوا شيخا وولديه إلى أنطاكية لقبض المال وتسليم الحصن،

стр. 260

فبعثوا المال مع ثلاثمائة رجل لتسلّم الحصن وأخروا الشيخ عندهم. فلمّا وصل المال إلى المسلمين قبضوه وقتلوا بعض الرجال وأسروا آخرين، وباعوهم بمال آخر وبالشيخ وولديه، وحصل الحصن والمال للمسلمين وقتل كثير من الروم. مرّيسة قرية بمصر من ناحية الصعيد. تجلب منها الحمر المريسية، وهي من أجود حمر مصر وأمشاها وأحسنها صورة وأكبرها، تحمل إلى سائر البلاد للتحف، ليس في شيء من البلاد مثلها، والبلاد الباردة لا توافقها فتموت فيها سريعا. وينسب إليها بشر المريسي المعتزلي. كان في زمن المأمون وزعم انّه يبين ان القرآن مخلوق وكلّ من شاء يناظره فيه. وكان دليله أن القرآن لا يخلو امّا أن يكون شيئا أو لم يكن، لا جائز أن يقال إن القرآن ليس بشيء لأنّه كفر، فتعيّن أن يكون شيئا، وقد قال تعالى: اللّه خالق كلّ شيء. فيكون خالقا للقرآن أيضا. وقد غلب الناس بهذا وقبلوا منه وصاروا على هذا، فاتّصل هذا الخبر إلى مكّة إلى عبد العزيز المكّي، فقام قاصدا لبغداد لدفع هذه الغمّة، وسأل المأمون أن يجمع بينه وبين بشر بن غياث، فجمع بينهما وجرى بينهما مناظرات حاصلها أن عبد العزيز قد حجّه بدليله وقال: الإلهية شيء أو ليس بشيء، لا جائز أن يقال ليس بشيء لأنّه كفر، فتعيّن أن يكون شيئا؛ قال اللّه تعالى لبلقيس: وأوتيت من كلّ شيء، ينبغي أن تؤتى الإلهية فدليلك يدلّ على أن بلقيس إلاهة، فما ظنّكم بدليل يدلّ على أن المخلوق إله؟ فقيل لعبد العزيز: هذا نقض حسن، فما معنى قوله تعالى: اللّه خالق كلّ شيء؟ قال: معناه اللّه خالق كلّ شيء قابل للخلق والايجاد، والقديم غير قابل للخلق والايجاد، وكذلك قوله تعالى: وأوتيت من كلّ شيء، معناه كلّ شيء يحتاج إليه الملوك. فترى أوتيت الإلهية والنبوة والذكورة كلّها أشياء. فاستحسن المأمون ذلك ورجع القوم عن الاعتقاد الفاسد، وقام المريسي محجوجا خائبا.

стр. 261

وحكى عبد اللّه الثقفي قال: لمّا مات المريسي رأيت زبيدة في المنام فقلت لها: ما فعل اللّه بك؟ قالت: غفر لي بأوّل معول ضربت في طريق مكّة، وأنا حفرت في طريق مكّة آبارا كثيرة. فقلت لها: اني أرى في وجهك صفرة! قالت: قد حمل إلينا بشر المريسي فزفرت جهنّم زفرة لقدومه، هذه الصفرة من اثرها. مريوط قرية بمصر قرب الإسكندريّة. من عجائبها طول عمر سكّانها، قال ابن زولاق: كشف الطوال الأعمار فلم يوجد أطول عمرا من سكّان مريوط. المزّة قرية كبيرة غنّاء في وسط بساتين دمشق، على نصف فرسخ منها. من جميع جهاتها أشجار ومياه وخضر، وهي من أنزه أرض اللّه وأحسنها. يقال لها مزّة كلب، يقصدها أرباب البطالة للهو والطرب؛ قال قيس بن الرّقيّات: حبّذا ليلتي بمزّة كلب … غال عني بها الكوانين غول بتّ أسقى بها وعندي حبيب … إنّه لي وللكرام خليل عندنا المشرفات من بقر الإن … س هواهنّ لابن قيس دليل مصر ناحية مشهورة، عرضها أربعون ليلة في مثلها. طولها من العريش إلى أسوان وعرضها من برقة إلى أيلة. سمّيت بمصر بن مصرايم بن حام بن نوح، ﵇، وهي أطيب الأرض ترابا وأبعدها خرابا، ولا يزال فيها بركة ما دام على وجه الأرض إنسان. ومن عجائبها انّه إن لم يصبها مطر زكت بخلاف سائر النواحي، وإن أصابها

стр. 262

ضعف زكاؤها. ووصف بعض الحكماء مصر فقال: إنّها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء. قال كشاجم: أما ترى مصر كيف قد جمعت … بها صنوف الرّياحين في مجلس السّوسن الغضّ والبنفسج وال … ورد وصفّ البهار والنّرجس كأنّها الأرض ألبست حللا … من فاخر العبقري والسّندس كأنّها الجنّة التي جمعت … ما تشتهيه العيون والأنفس ومن عجائبها زيادة النيل عند انتقاص جميع المياه في آخر الصيف، حتى يمتلئ منه جميع أرض مصر، فإذا زاد اثني عشر ذراعا ينادي المنادي كلّ يوم: زاد اللّه في النيل المبارك كذا وكذا. وفي وسط النيل مسجد بناه المأمون لمّا ذهب إلى مصر، وخلف المسجد صهريج، وفي وسط الصهريج عمود من الرخام الأبيض طوله أربعة وعشرون ذراعا، وكتب على كلّ ذراع علامة، وقسم كلّ ذراع أربعا وعشرين إصبعا، وكلّ إصبع ستّة أقسام. وللصهريج منفذ إلى النيل يدخل إليه الماء، فأي مقدار زاد في النيل عرف من العمود، وعلى العمود قوم أمناء يشاهدون ذلك ويخبرون عن الزيادة، فإذا بلغ ستة عشر ذراعا وجب الخراج على أهل مصر، فإذا زاد على ذلك يزيد في الخصب والخير إلى عشرين، فإن زاد على ذلك يكون سببا للخراب. واليوم الذي بلغ الماء فيه ستّة عشر ذراعا يكون يوم الزينة، يخرج الناس بالزينة العظيمة لكسر الخلجان فتصير أرض مصر كلّها بحرا واحدا. والماء يخرج الفئران والثعابين من جحرتها، فتدخل على الناس في القرى ويأكلها الكلاب والزيغان، ويبقى ماء النيل على وجه الأرض أربعين يوما ثمّ يأخذ في الانتقاص. وكلّما ظهر شيء من الأرض يزرعها الاكرة وتمشي عليها الأغنام لغيب البذر في الطين، ويرمون بذرا قليلا فيأتي بريع كثير لأن اللّه تعالى جعل فيه البركة.

стр. 263

وبها نهر النيل؛ قالوا: ليس على وجه الأرض نهر أطول من النيل لأن مسيره شهر في بلاد الإسلام، وشهران في بلاد النوبة، وأربعة أشهر في الخراب إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خطّ الاستواء. وليس في الدنيا نهر يصبّ من الجنوب إلى الشمال، ويمدّ في شدّة الحرّ عند انتقاص المياه والأنهار كلّها، ويزيد بترتيب وينقص بترتيب إلّا النيل. قال القضاعي: من عجائب مصر النيل، جعله اللّه تعالى سقيا يزرع عليه ويستغنى عن المطر به في زمان القيظ، إذا نضبت المياه. وسبب مدّه ان اللّه تعالى يبعث ريح الشمال فيقلب عليه البحر الملح، فيصير كالسكر فيزيد حتى يعمّ الرّبى والعوالي ويجري في الخليج والمساقي، فإذا بلغ الحدّ الذي هو تمام الريّ وحضرت أيّام الحراثة، بعث اللّه ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر الملح وانتفع الناس بما أروى من الأرض. ولهم مقياس ذكرنا قبل يعرفون به مقدار الزيادة ومقدار الكفاية. قال القضاعي: أوّل من قاس النيل بمصر يوسف، ﵇، وبنى مقياسه بمنف، وذكر أن المسلمين لمّا فتحوا مصر جاء أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونه من شهر القبط وقالوا: أيّها الأمير إن لبلدنا سنّة لا يجري النيل إلّا بها، وذلك انّه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثمّ ألقيناها في النيل ليجري. فقال لهم عمرو: إن هذا في الإسلام لا يكون، وإن الإسلام يهدم ما قبله! فأقاموا بؤونه وابيب ومسرى وهو لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى همّ الناس بالجلاء. فلمّا رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطّاب، رصي اللّه عنه، بذلك، فكتب عمر إليه: قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما قبله! وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل. وإذا في الكتاب: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أمّا بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك! فألقى

стр. 264

عمرو بن العاص البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأن مصالحهم لا تقوم إلّا بالنيل، فأصبحوا وقد أجرى اللّه النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة. وأمّا أصل مجراه فإنّه يأتي من بلاد الزنج، فيمرّ بأرض الحبشة حتى ينتهي إلى بلاد النوبة، ثمّ لا يزال جاريا بين جبلين بينهما قرى وبلدان، والراكب فيه يرى الجبلين عن يمينه وشماله حتى يصبّ في البحر. وقيل: سبب زيادته في الصيف أن المطر يكثر بأرض الزنجبار، وتلك البلاد ينزل الغيث بها كأفواه القرب ويصبّ السيول إلى النيل من الجهات، فإلى أن يصل إلى مصر ويقطع تلك المفاوز يكون القيظ ووقت الحاجة إليه. من عجائب النيل التمساح لا يوجد إلّا فيه، وقيل بنهر السند أيضا يوجد، إلّا أنّه ليس في عظم النيلي، وهو يعضّ الحيوان، وإذا عضّ اشتبكت أسنانه واختلفت فلم يتخلّص منها الذي يقع فيها حتى يقطعه. ويحترز الإنسان من شاطئ النيل لخوف التمساح؛ قال الشاعر: أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية … مذ قيل لي: إنّما التّمساح في النّيل فمن رأى النّيل رأي العين عن كثب … فما أرى النّيل إلّا في البواقيل والبواقيل: كيزان يشرب منها أهل مصر. وبها شجرة تسمّى باليونانيّة موقيقوس، تراها بالليل ذات شعاع متوهّج يغترّ برؤيتها كثير من الناس، يحسبها نار الرعاة، فإذا قصدها كلّما زاد قربا زادت خفاء حتى إذا وصل إليها انقطع ضوؤها. وبها حشيشة يقال لها الدلس، يتّخذ منها حبال السفن وتسمّى تلك الحبال القوقس. تؤخذ قطعة من هذا الحبل وتشعل فتبقى مشتعلة بين أيديهم كالشمع، ثمّ تطفأ وتمكث طول الليل، فإذا احتاجوا إلى الضوء أخذوا بطرفه وأداروه ساعة كالمخراق فيشتعل من نفسه.

стр. 265

وبها نوع من البطيخ الهندي تحمل اثنتان منه على جمل قوي، وهي حلوة طيّبة. وبها حمير في حجم الكباش ملمعة بشبه البغال، ليس مثلها في شيء من البلاد، إذا أخرجت من موضعها لم تعش. وبها طير كثير أسود البدن أبيض الرأس يقال له عقاب النيل، إذا طار يقول: اللّه فوق الفوق! بصوت فصيح يسمعه الناس، يعيش من سمك النيل لا يفارق ذلك الموضع. والبرغوث لا ينقطع بمصر شتاء ولا صيفا، وتولد الفأر بها أكثر من تولدها في سائر البلاد، فترى عند زيادة النيل تسلّط الماء على جحرتها، فلا يبقى في جميع ممرّ الماء فأرة ثمّ تتولّد بعد ذلك بأدنى زمان. ومن عجائب مصر الدويبة التي يقال لها النمس؛ قال المسعودي: هي دويبة أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس، أحمر أبيض البطن، إذا رأت الثعبان دنت منه فينطوي عليها الثعبان ليأكلها، فإذا حصلت في فمه ترخي عليه ريحا فينقطع الثعبان من ريحها. وهذه خاصيّة هذه الدويبة، قالوا ينقطع الثعبان من شدّته قطعتين، فإنّها لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان. ومن عجائب مصر الهرمان المحاذيان للفسطاط؛ قال أبو الصلت: كلّ واحد منهما جسم من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعا، يحيط بها أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع، كلّ ضلع منها أربعمائة ذراع وستّون ذراعا، وهو مع هذا العظم من أحكم الصنعة واتقان الهندام وحسن التقدير، لم يتأثّر من تضاعف الرياح وهطل السحاب وزعزعة الزلازل. وذكر قوم أن على الهرمين مكتوبا بخط المسند: إني بنيتهما فمن يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، وقد كسوناهما بالديباج فمن استطاع فليكسهما بالحصير. وقال ابن زولاق: لا نعلم في الدنيا حجرا على حجر أعلى ولا أوسع منهما،

стр. 266

طولهما في الأرض أربعمائة ذراع وارتفاعهما كذلك، وقال أبو عبد اللّه بن سلامة القضاعي في كتاب مصر: إنّه وجد في قبر من قبور الأوائل صحيفة، فالتمسوا لها قارئا فوجدوا شيخا في دير قلمون يقرأها، فإذا فيها: إنّا نظرنا فيما تدلّ عليه النجوم فرأينا أن آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض، ثمّ نظرنا فوجدناه مفسدا للأرض ونباتها وحيوانها، فلمّا تمّ الهرم الغربي بنى لابن أخيه الهرم المؤزّر وكتبنا في حيطانها أن آفة نازلة من أقطار العالم، وذلك عند نزول قلب الأسد أوّل دقيقة من رأس السرطان، وتكون الكواكب عند نزولها إيّاها في هذه المواضع من الفلك، الشمس والقمر في أوّل دقيقة من الحمل، وزحل في درجة وثمان وعشرين دقيقة من الحمل، والمشتري في تسع وعشرين درجة وعشرين دقيقة من الحمل، والمريخ في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت، والزهرة في ثمان وعشرين درجة من الحوت، وعطارد في تسع وعشرين درجة من الحوت، والجوزهر في الميزان، وأوج القمر في خمس درجات ودقائق من الأسد. فلمّا مات سوريل دفن في الهرم الشرقي، ودفن أخوه هرجيت في الهرم الغربي، ودفن ابن أخيه كرورس في الهرم الذي أسفله. ولهذه الأهرام أبواب في أزج تحت الأرض، طول كلّ أزج منها مائة وخمسون ذراعا. فأمّا باب الهرم الشرقي فمن الناحية الشرقية، وأمّا باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربيّة، وأمّا باب الهرم المؤزّر فمن الناحية الشمالية. وفي الأهرام من الذهب ما لا يحتمله الوصف. ثمّ ان المترجم لهذا الكلام من القبطي إلى العربي أجمل التاريخات إلى سنة خمس وعشرين ومائتين من سني الهجرة، فبلغت أربعة آلاف وثلاثمائة وإحدى وعشرين سنة شمسيّة، ثمّ نظر كم مضى من الطوفان إلى وقته هذا فوجده ثلاثة آلاف وتسعمائة وإحدى وأربعين سنة، فألقاها من الجملة الأولى، فبقي ثلاثمائة وتسع وتسعون سنة، فعلم أن تلك الصحيفة كتبت قبل الطوفان بهذه المدّة. وقال بعضهم: حسرت عقول ذوي النّهى الأهرام … واستصغرت لعظيمها الأحلام

стр. 267

ملس منبّقة البناء شواهق … قصرت لغال دونهنّ سهام لم أدر حين كبا التّفكّر دونها … واستوهمت لعجيبها الأوهام أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم … طلّسم رمل كنّ أم أعلام وزعم بعضهم أن الأهرام بمصر قبور ملوك عظام بها، آثروا أن يتميّزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميّزوا عنهم في حياتهم، وأرادوا أن يبقى ذكرهم بسبب ذلك على تطاول الدهور. وذكر محمّد بن العربي الملقّب بمحيي الدين: ان القوم كانوا على دين التناسخ، فاتّخذوا الأهرام علامة لعلّهم عرفوا مدّة ذهابهم ومجيئهم إلى الدنيا بعلامة ذلك. ومن الناس من يزعم أن هرمس الأوّل الذي يسمّيه اليونانيّون أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم، ﵇، وهو إدريس، علم بطوفان نوح إمّا بالوحي أو بالاستدلال على ذلك من أحوال الكواكب، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم إشفاقا عليها من الدروس، واحتياطا عليها وحفظا لها. ومن عجائب مصر أبو الهول. وهو صورة آدمي عظيمة مصنعة، وقد غطى الرمل أكثره. يقال: انّه طلسم للرمل لئلّا يغلب على كورة الجيزة، فإن الرمال هناك كثيرة شماليّة متكاثفة، فإذا انتهت إليها لا تتعدّاه، والمرتفع من الرمل رأسه وكتفاه. وهو عظيم جدّا، وصورته مليحة كأنّ الصانع الآن فرغ منه. وقد ذكر من رأى أن نسرا عشّش في أذنه وهو مصبوغ بالحمرة؛ قال ظافر الإسكندري: تأمّل بنية الهرمين وانظر … وبينهما أبو الهول العجيب كمثل عمارتين على رحيل … لمحبوبين بينهما رقيب وماء النّيل تحتهما دموع … وصوت الرّيح عندهما نحيب

стр. 268

ولمّا وصل المأمون إلى مصر، نقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجد في داخله مراقي ومهادي هائلة يعسر السلوك فيها، ووجد في أعلاه بيتا مكعبا طول كلّ ضلع منه ثمانية أذرع، وفي وسطه حوضا رخاما مطبقا، فلمّا كشف غطاؤه لم يوجد فيه غير رمّة بالية، فأمر المأمون بالكفّ عن نقب ما سواه. وقال بعضهم: ما سمعت بشيء عظيم فجئته إلّا رأيته دون صفته إلّا الهرمين، فإني لمّا رأيتهما كانت رؤيتهما أعظم من صفتهما. ومن عجائب مصر حوض لعين ماء منقور في حجر عظيم، يسيل الماء إلى الحوض من تلك العين من جبل بجنب كنيسة، فإذا مسّ ذلك الماء جنب أو حائض انقطع الماء السائل من ساعته، وينتن الماء الذي في الحوض فيعرف الناس سببه، فينزفون الماء الذي في الحوض وينظفونه، فيعود إليه الماء على حالته الأولى. وقد ذكر أمر هذا الحوض أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية، وان هذا الحوض يسمّى الطاهر. وبها جبل المقطّم، وهو جبل مشرف على القرافة ممتدّ إلى بلاد الحبشة على شاطئ النيل الشرقي، وعليه مساجد وصوامع، لا نبت فيه ولا ماء غير عين صغيرة تنزّ في دير للنصارى، يقولون انّه معدن الزبرجد، وسأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر ابن الخطّاب، فكتب إليه: ان استخبره لأيّ شيء بذل ما بذل؟ فقال المقوقس: إنّنا نجد في كتبنا انّه غراس الجنّة! فقال عمر: غراس الجنّة لا نجد إلّا للمؤمنين. فأمره أن يتّخذه مقبرة؛ قالوا: ان الميت هناك لا يبلى! وبها موتى كثيرون بحالهم ما بلي منهم شيء، وبها قبر روبيل بن يعقوب وقبر إليسع، ﵇. وبها قبر عمران بن الحصين صاحب رسول اللّه، ﷺ . ومن عجائبها عين الناطول، وناطول اسم موضع بمصر فيه غار، وفي الغار عين ينبع الماء منها ويتقاطر على الطين فيصير ذلك الطين فأرا؛ قال صاحب تحفة الغرائب: حكى لي رجل أنّه رأى من ذلك الطين قطعة انقلب بعضها فأرا

стр. 269

والبعض الآخر طين بعد. ومن عجائبها نهر سنجة؛ قال الأديبي: هو نهر عظيم يجري بين حصن المنصور وكيسوم من ديار مصر، لا يتهيّأ خوضه لأن قراره رمل سيال، إذا وطئه واطئ غاص به، وعلى هذا النهر قنطرة من عجائب الدنيا، وهي طاق واحد من الشطّ إلى الشطّ، وتشتمل على مائتي خطوة، وهي متّخذة من حجر مهندم طول الحجر عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع، وحكي ان عندهم طلسما على لوح إذا عاب من القنطرة موضع أدلى ذلك اللوح على موضع العيب، فينعزل عنه الماء حتى يصلح ثمّ يرفع اللّوح فيعود الماء إلى حاله. ومن عجائبها جبل الطير. وهو بصعيد مصر في شرقي النيل قرب انصنا، وإنّما سمّي بذلك لأن صنفا من الطير الأبيض يقال له البوقير يأتي في كلّ عام في وقت معلوم، فتعكّف على هذا الجبل، وفيه كوّة يأتي كلّ واحد من هذه الطيور ويدخل رأسه في تلك الكوة، ثمّ يخرجه ويلقي نفسه في النيل فيعوم، ويذهب من حيث شاء إلى أن يدخل واحد رأسه فيقبض عليه شيء في تلك الكوّة، فيضطرب ويبقى معلّقا منها إلى أن يتلف، فيسقط بعد مدّة. فإذا كان ذلك انصرف الباقي لوقته فلا يرى شيء من هذا الطير في هذا الجبل إلى مثل ذلك الوقت من العام القابل. وذكر بعض أعيان مصر: ان السنة إذا كانت مخصبة قبضت الكوّة على طائرين، وإن كانت متوسطة على واحد، وإن كانت مجدبة لم تقبض شيئا. المطريّة قرية من قرى مصر، عندها منبت شجر البلسان، وبها بئر يسقى منها، قيل: إنّه من خاصيّة البئر لأن المسيح، ﵇، اغتسل فيها. حدّث من رآها أن شجر البلسان يشبه شجر الحنا أو شجر الرمان، أوّل ما ينشأ، وأرضها نحو مدّ البصر في مثله محوط عليه، ولها قوم يخرجون شجرتها من سوقها،

стр. 270

ويتّخذون منها ماء لطيفا في آنية زجاج ويجمعونه بجدّ واجتهاد عظيم، فيحصل في العام نحو مائتي رطل بالمصري. وهناك رجل نصراني يطبخه بصناعة يعرفها لا يطّلع عليها أحد، ويصفي منها الدهن، وقد اجتهد الملوك أن يعلّمهم فأبى وقال: لو قتلت ما علّمت أحدا ما بقي لي عقب. قال الحاكي: شربت من هذه البئر وهي عذبة فيها نوع دهنيّة لطيفة، وقد استأذن الملك الكامل أباه الملك العادل أن يزرع شيئا من شجر البلسان، فأذن له، فغرم غرامات وزرعه فلم ينجح ولا حصل منه دهن البتّة، فسأل أباه أن يجري لها ساقية من البئر المذكورة، فأذن له ففعل وأنجح، فعلموا أن ذلك من خاصيّة البئر. وليس في جميع الدنيا موضع ينبت شجر البلسان وينجع دهنه إلّا هناك، ورأى رجل من أهل الحجاز شجر البلسان فقال: انّه شجر البشام بعينه إلّا أنّا ما علمنا استخراج الدهن منه. معرّة النّعمان بليدة بين حلب وحماة، كثيرة التين والزيتون. ينسب إليها أبو العلاء أحمد ابن عبد اللّه المعرّي الضرير المشهور بالذكاء. ومن عجيب ما ذكر عنه أنّه أخذ حمّصة وقال: هذا يشبه رأس البازي! وهذا تشبيه عجيب من أولي الأبصار فضلا عن الأكمه. وقد ذكر البعير عنده أنّه حيوان يحمل حملا ثقيلا فينهض به فقال: ينبغي أن تكون رقبته طويلة ليمتد نفسه فتقدر على النهوض به! وكان له سرير يجلس عليه فجعلوا في غيبته تحت قوائمه أربعة دراهم، تحت كلّ قائمة درهما، فقال: ان الأرض قد ارتفعت عن مكانها شيئا يسيرا والسماء نزلت! ومن العجائب انّه مع ذكائه اختفت عليه الموجودات التي ليست بمجسمة كالجواهر الروحانيّة، فاعتقد ان كلّ موجود يكون مجسما حتى قال: قالوا: إله لنا قديم! … قلت لهم: هكذا يقول

стр. 271

قالوا: قديم بلا مكان … قلت: أين هو؟ فقولوا! هذا الكلام لنا خفاء … معناه: ليست لنا عقول وقال أيضا: يد بخمس ماء من عسجد قرنت … ما بالها قطعت في ربع دينار؟ وقال الرضي الموسوي: صيانة النّفس أغلتها وأرخصها … صيانة المال فانظر حكمة الباري وذكر أنّه في آخر عمره تاب عن أمثال هذه واستغفر، وحسن إسلامه. مكران ناحية بين أرض السند وبلاد تيز، ذات مدن وقرى كبيرة، ومن عجائبها ما ذكره صاحب تحفة الغرائب أن بأرض مكران نهرا عليه قنطرة من الحجر قطعة واحدة، من عبر عليها يتقيّأ جميع ما في بطنه بحيث لا يبقى فيها شيء، ولو كانوا ألوفا هذا حالهم، فمن أراد من الناس القيء عبر على تلك القنطرة. مليانة مدينة كبيرة بالمغرب من أعمال بجاية مستندة إلى جبل زكار، وهي كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، مشهورة بالحسن والطيب وكثرة الأشجار وتدفّق المياه. حدّثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أن جبل زكار مطلّ على المدينة، وطول الجبل أكثر من فرسخ، ومياه المدينة تتدفّق من سفحه، وهذا الجبل لا يزال أخضر صيفا وشتاء، وأعلى الجبل مسطّح يزرع، وبقرب المدينة حمّامات لا يوقد عليها ولا يستقى ماؤها، بنيت على عين حارة عذبة الماء يستحمّ بها من شاء.

стр. 272

منبج مدينة بأرض الشام كبيرة ذات خيرات كثيرة وأرزاق واسعة وذات مدارس وربط. عليها سور بالحجارة المهندسة حصينة جدّا. شربهم من قني تسيح على وجه الأرض. ينسب إليها عبد الملك بن صالح الهاشمي المشهور بالبلاغة؛ قيل: لمّا قدم الرشيد منبج قال لعبد الملك: أهذا منزلك؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين ولي بك! قال: كيف صفتها؟ قال: طيبة الهواء قليلة الادواء! قال: كيف ليلها؟ قال: كلّه سحر! قال: صدقت إنّها طيبة! قال: طابت بك يا أمير المؤمنين! وأين تذهب بها عين الطيب برها حمراء وسنبلها صفراء وشجراء، في فياف فيح بين قيصوم وشيح. فأعجب الرشيد كلامه. منف مدينة فرعون موسى. قيل: إنّها أوّل مدينة عمرت بمصر بعد الطوفان، وهي المراد بقوله تعالى: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها. وهي بقرب الفسطاط. كان فيها أربعة أنهار تخلط مياهها في موضع سرير فرعون ولهذا قال: وهذه الأنهار تجري من تحتي! حكى من رأى منف قال: رأيت فيها دار فرعون ودرت في مجالسها ومشاربها وغرفها، فإذا جميع ذلك حجر واحد منقور، ما رأيت فيها مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين. وآثار هذه المدينة بمصر باقية وحجارة قصورها إلى الآن ظاهرة. قال ابن زولاق: سمعت بعض علماء مصر يقول: إن منف كانت ثلاثين ميلا بيوتا متّصلة، وفيها قصر فرعون قطعة واحدة، وسقفه وفرشه وحيطانه حجر أخضر. وقال أيضا: دخلت منف فرأيت عثمان بن صالح جالسا على باب كنيسة، فقال لي: أتدري ما هذا المكتوب على هذا الباب؟ قلت: لا! قال:

стр. 273

عليه مكتوب: لا تلوموني على صغرها فإني اشتريت كلّ ذراع بمائتي دينار لشدّة العمارة. وقال أيضا: على باب هذه الكنيسة وكز موسى، ﵇، القبطي فقضى عليه. ومن عجائبها كنيسة الأسقف وهي من عجائب الدنيا، لا يعرف طولها وعرضها مسقّفة بحجر واحد. منية هشام قرية بأرض طبرية، حكى الثعالبي أن بها عينا يجري ماؤها سبع سنين دائما، ثمّ ينقطع سبع سنين هكذا على وجه الدهر، وانّه مشهور عندهم. مؤتة قال الجيهاني: مؤتة من أعمال البلقاء من حدود الشام، أرضها لا تقبل اليهود ولا يتهيّأ أن يدفنوا بها. ومن عجائبها أن لا تلد بها عذراء، فإذا قربت المرأة ولادتها خرجت منها، فإذا وضعت عادت إليها. والسيوف المشرفية منسوبة إليها لأنّها من مشارف الشام؛ قال الشاعر: أبى اللّه للشّمّ الأنوف كأنّهم … صوارم يجلوها بمؤتة صيقل مورجان من أعمال فارس. بها جبل فيه كهف يقطر الماء من سقفه، زعموا أن عليه طلسما، إن دخل ذلك الكهف واحد خرج من الماء ما يكفيه، وإن خرج ألف خرج قدر حاجة الألف، واللّه الموفق.

стр. 274

المهديّة مدينة بافريقية بقرب القيروان، اختطّها المهدي المتغلّب على تلك البلاد في سنة ثلاثمائة. قيل: إنّه كان يرتاد موضعا يبني فيه مدينة حصينة، خوفا من خارجي يخرج عليه، حتى ظفر بهذا الموضع. وكانت جزيرة متّصلة بالبرّ كهيئة كفّ متّصلة بزند، فوجد فيها راهبا في مغارة فسأله عن اسم الموضع فقال: هذه تسمّى جزيرة الخلفاء. فأعجبه هذا الاسم فبنى بها بناء وجعلها دار مملكة، وحصّنها بسور عال وأبواب حديد، وبنى بها قصرا عاليا. فلمّا فرغ من إحكامها قال: الآن آمنت على الفاطميات! يعني بناته. وحكي انّه لمّا فرغ من البناء أمر راميا أن يرمي سهما إلى جهة المغرب، فرمى فانتهى إلى موضع المصلّى فقال: إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار! يعني أبا يزيد الخارجي لأنّه يركب حمارا. فقالوا: ان الأمر كان كما قال، وان أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف ساعة، ثمّ رجع ولم يظفر، ثمّ أمر بعمارة مدينة أخرى إلى جانب المهدية وجعل بين المدينتين طول ميدان، وأفردها بسور وأبواب وسمّاها زويلة، وأسكن أرباب الصناعات والتجارات فيها، وأمر أن تكون أموالهم بالمهدية وأهاليهم بزويلة. قال: إن أرادوني بكيد بزويلة فأموالهم عندي بالمهدية، وإن أرادوني بالمهدية خافوا على أهاليهم بزويلة، فإني آمن منهم ليلا ونهارا! وشرب أهلها من الصهاريج، ولهم ثلاثمائة وستّون صهريجا على عدّة أيّام السنة، يكفيهم كلّ يوم صهريج إلى تمام السنة ومجيء مطر العام المقبل. ومرساها منقورة في حجر صلد تسع مائتي مركب، وعلى طرف المرسى برجان بينهما سلسلة حديد إذا أريد إدخال سفينة أرسل الحرّاس أحد طرفي السلسلة لتدخل الخارجة ثمّ يمدّها. ثمّ تناقصت حال ملوكها مع حصانة الموضع حتى استولى عليها الفرنج سنة

стр. 275

ثلاث وأربعين وخمسمائة، وبقيت في يدهم اثنتي عشرة سنة حتى قدم عبد المؤمن إفريقية سنة خمس وخمسين وخمسمائة واستعادها. وهي في يد بني عبد المؤمن إلى الآن. نابلس مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين مستطيلة لا عرض لها. وبها اجتماع السامرة، وهم طائفة من اليهود، واليهود بعضهم يقول: انّهم مبتدعة ملّتنا! ومنهم من يقول: انّهم كفّار ملّتنا! ذكر بعض مشايخ نابلس انّه ظهر هناك تنّين عظيم فتوسّل الناس في هلاكه، وكان شيئا هائلا له ناب عظيم، فعلّقوا نابه هناك ليتعجّب الناس من عظمها وليس باصطلاحهم التنّين، فعرف الموضع بها وقيل نابلس. بظاهر المدينة مسجد يقولون: ان آدم، ﵇، سجد لربّه هناك. وبها جبل يقول اليهود ان الخليل، ﵇، أمر بذبح ولده عليه، لأن في اعتقادهم أن الذبيح كان إسحاق، ﵇. وبها عين تحت كهف تعظّمه السامرة. وبها بيت عبادة للسامرة يسمّى كزيرم. ناصرة قرية بقرب طبرية، قيل: اسم النصارى مشتقّ منها لأنّهم كانوا من ناصرة. وأهلها عيّروا مريم، ﵍، فهم قوم إلى هذه الغاية يعتقدون انّه لا تلد بكر من غير زوج. من عجائبها شجرة الأترج، ثمرتها على هيئة النساء، لها ثديان وما يشبه اليدين والرجلين وموضع القبل مفتوح، وهذا أمر مشهور عندهم.

стр. 276

نفزاوة مدينة بافريقية قرب القيروان؛ قال البكري: هي على نهر وهي كثيرة الأشجار والنخيل والثمار. وبها عين عجيبة لا يدرك قعرها البتّة، ومنها يسير السائر إلى قسطنطينة في أرض لا يهتدى إلى الطريق فيها إلّا بأخشاب منصوبة، فإن أخذ يمينا أو شمالا غرق في أرض دهسة تشبه الصابون في الرطوبة وقد هلك؛ قالوا: في تلك الأرض جماعات وعساكر ممّن دخلها ولم يعرف حالهم. وادي الرمل واد بأرض المغرب بعد بلاد الأندلس. قال صاحب عجائب الأخبار: لمّا ملك أبو ناشر ينعم سار نحو المغرب حتى انتهى إلى وادي الرمل، وأراد العبور فيه فلم يجد مجازا لأنّه رمل يجري كالماء، وسمع أن الرمل يسكن يوم السبت دون سائر الأيّام، فأرسل نفرا من أصحابه يوم السبت وأمرهم أن يقطعوه ويقيموا بالجانب الآخر إلى السبت الآخر، فساروا يومهم ذلك ونجم الرمل عليهم بالليل قبل أن يقطعوه فغرقوا. فلمّا أيس من رجوعهم أمر بصنم ونصبه على حافة الوادي، وهو صورة رجل على فرس من نحاس، وكتب على جبهته: ليس ورائي مذهب فلا يتكلّفنّ أحد المضي إلى الجانب الآخر. ثمّ انصرف؛ قال الشاعر: أبو ناشر الأنعام قد رام خطّة … علت فوق خطّات الملوك الأقادم إلى الجانب الغربيّ يهوي بجحفل … يجرّون أطراف القنا والصّوارم فلمّا دنا واد خبيث مسيله … برمل تراه كالجبال الرّواكم أشار بتمثال وخطّ مترجم … بأن ليس من بعدي مرور لقاحم

стр. 277

وادي موسى في قبلي بيت المقدس، واد طيّب كثير الزيتون. نزل به موسى، ﵇، وعلم بقرب أجله فعمد إلى الحجر الذي يتفجّر منه اثنتا عشرة عينا، سمّره في جبل هناك فخرجت منه اثنتا عشرة عينا، وتفرّقت إلى اثنتي عشرة قرية، كلّ قرية لسبط من الأسباط، ثمّ قبض موسى، ﵇، وبقي الحجر هناك. وذكر القاضي أبو الحسن عليّ بن يوسف انّه رأى الحجر هناك، وانّه في حجم رأس عنز، وانّه ليس في جميع ذلك الجبل حجر يشبهه. وادي النّمل بين جبرين وعسقلان. مرّ به سليمان، ﵇، يريد غزو الشام إذ نظر إلى كراديس النمل مثل السحاب، فأسمعته الريح كلام النملة تقول: يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده! فأخذت النمل تدخل مساكنها والنملة تناديهم: الوحي الوحي! قد وافتكم الخيل! فصاح بها سليمان وأراها الخاتم، فجاءت خاضعة، فسألها سليمان عن قولها فقالت: يا نبي اللّه لما رأيت موكبك أمرت النمل بدخول مساكنها لئلّا يحطمها جندك، فإني أدركت ملوكا قبلك كانوا إذا ركبوا الخيل أفسدوا! فقال، ﵇: لست كأولئك، إني بعثت بالاصلاح! أخبريني كم عددكم وأين تسكنون وما تأكلون ومتى خلقتم؟ فقالت: يا نبي اللّه لو أمرت الجنّ والشياطين بحشر نمل الأرض لعجزوا عن ذلك لكثرتها، فما على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غابة إلّا وفي أكنافها مثل ما في سلطاني. ونأكل رزق ربّنا ونشكره، وخلقنا قبل أبيك آدم بألفي عام. وإنّ النملة الواحدة منّا لا تموت حتى تلد كراديس النمل، وليس على وجه الأرض ولا في بطنها حيوان أحرص من النمل، فإنّها تجمع في صيفها ما يملأ

стр. 278

بيتها وتظنّ أنّها لا تشبع به. ولها تسبيح وتقديس تسأل بهما ربّها أن يوسع الرزق على خلقه. فتعجّب سليمان من كثرتها وهدايتها وعجائب صفاتها. واقصة منزل بطريق مكّة. بها منارة من قرون الوحش وحوافرها. كان السلطان ملكشاه بن الب أرسلان السلجوقي خرج بنفسه يشيّع الحاجّ في بعض سني ملكه، فلمّا رجع اصطاد من الوحوش شيئا كثيرا، فبنى من قرونها وحوافرها منارة هناك كما فعله سابور، والمنارة باقية إلى الآن. ودّان قال البكري: مدينة في جنوبي إفريقية لها قلعة حصينة، وهي مشتملة على مدينتين فيهما قبيلتان من العرب: سهميون وحضرميون. تسمّى مدينة السهميين لباك، ومدينة الحضرميّين توصي، وبابهما واحد. وبين القبيلتين قتال، وبقربهم صنم من حجارة منصوب على ربوة يسمّى كرزة، وحواليها قبائل البربر يستسقون بالصنم، ويقرّبون له القرابين إلى زماننا هذا. هجر مدينة كبيرة قاعدة بلاد البحرين، ذات خيرات كثيرة من النخل والرمان والتين والأترج والقطن. وبقلالها شبّه رسول اللّه، ﷺ ، نبق الجنّة، وكذلك قال، ﷺ : إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا. أراد بهما قلال هجر سعتهما خمسمائة رطل. من عجائبها: من سكنها عظم طحاله.

стр. 279

هراه مدينة بفارس قرب إصطخر، كثيرة البساتين والخيرات؛ قالوا: ان نساءها يغتلمن إذا زهرت الغبيراء كما تغتلم السنانير. هنديجان من قرى خوزستان. يتبرّك بها المجوس ويعظّمونها، وبنوا بها بيوت النار؛ قال مسعر بن مهلهل: سببه ان الهند غزت الفرس، فالتقى الجمعان بهذا المكان وكان الظفر للفرس وهزمتهم هزيمة قبيحة، فتبرّكوا بهذا الموضع. والآن بها آثار عجيبة وأبنية عادية. وتثار منها الدفائن كما تثار من أرض مصر. هنديان قرية بأرض فارس بين جبلين. بها بئر يعلو منها دخان لا يتهيّأ لأحد أن يقربها، وإذا طار طائر فوقها سقط محترقا. هبت بليدة طيّبة على الفرات ذات أشجار ونخيل وخيرات كثيرة، وطيب الهواء والتربة وعذوبة الماء ورياض مؤنقة؛ قال أبو عبد اللّه السنبسي شاعر سيف الدولة: فمن لي بهيت وأبياتها … فأنظر رستاقها والقصورا؟ فيا حبّذا تيك من بلدة … ومنبتها الرّوض غضّا نضيرا وبرد ثراها إذا قابلت … رياح السّمائم فيها الهجيرا أحنّ إليها على نأيها … وأصبر عن ذاك قلبا ذكورا حنين نواعيرها في الدّجى … إذا قابلت بالضّجيج السّكورا ولو أنّ ما بي بأعوادها … منوط لأعجزها أن تدورا

стр. 280

يابسة جزيرة طويلة في البحر المتوسّط الشامي، طولها خمسة وأربعون ميلا، وعرضها خمسة عشر ميلا. بها مدن وقرى والغالب عليها الجبال. وفيها شجر الصنوبر. وليس بها شيء من السباع لا صغيرها ولا كبيرها إلّا القطّ البرّي، ولا حيّة ولا عقرب. وذكر أهلها انّه إن حمل إليها سبع أو حيّة أو عقرب لم يلبث إلّا ريثما يستنشق هواءها يفوت على المقام. وانّها جزيرة كثيرة الفواكه والأعناب وزبيبها في غاية الحسن. وبها حجل كثير يفرّخ في جبالها، وفراخ البزاة الجيّدة والنخل بها كثير جدّا. ياقد قرية من أعمال حلب. كانت بها امرأة تزعم أن الوحي يأتيها، وآمن بها أبوها وكان يقول في أيمانه: وحقّ بنتي النبيّة، فهزأ أبو سنان الخفاجي بها وقال: بحياة زينب يا ابن عبد الواحد … وبحقّ كلّ نبيّة في ياقد ما صار عندك روشن بن محسّن … فيما يقول الناس أعدل شاهد نسخ التّغافل عنه خلط عمارة … وافاه في هذا الزّمان البارد يزد مدينة بأرض فارس آهلة كثيرة الخيرات والغلّات والثمرات. بها صنّاع الحرير السندس في غاية الحسن والصفاقة، يحمل منها إلى سائر البلاد. واللّه الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

стр. 281

الإقليم الرابع أوّله حيث يكون الظلّ إذا استوى الليل والنهار نصف النهار أربعة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم، وآخره حيث يكون الظلّ نصف النهار عند الاستواء خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم. يبتدئ من أرض الصين والتبت والختن وما بينهما، ويمرّ على جبال قشمير وبلور وأرجان وبذخشان وكابل وغور وخراسان وقومس وجرجان وطبرستان وقوهستان وآذربيجان، وأدنى العراق والجزيرة ورودس وصقلية إلى البحر المحيط من الأندلس. وطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم أربع عشرة ساعة وربع، وأوسطه أربع عشرة ساعة ونصف، وآخره أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة. وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ومائتان وأربعة عشر ميلا وأربع عشرة دقيقة، وعرضه مائتا ميل وتسعة وتسعون ميلا وأربع دقائق، وتكسيره ألفا ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وسبعون ألفا وستمائة واثنان وسبعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة. ولنذكر بعض ما فيه من المدن والقرى مرتّبة على حروف المعجم، واللّه المستعان وعليه التكلان: آبه بليدة بقرب ساوة طيبة إلّا أن أهلها شيعة غالية جدّا، وبينهم وبين أهل ساوة منافرة لأن أهل ساوة كلّهم سنّية وأهل آبه كلّهم شيعة؛ قال القاضي أبو نصر الميمندي:

стр. 282

وقائلة: أتبغض أهل آبه … وهم أعلام نظم والكتابة؟ فقلت: إليك عني إنّ مثلي … يعادي كلّ من عادى الصّحابه بينها وبين ساوة نهر عظيم سيما وقت الربيع. بنى عليه أتابك شيركير، ﵀، قنطرة عجيبة، وهي سبعون طاقا ليس على وجه الأرض مثلها. ومن هذه القنطرة إلى ساوة أرض طينها الأزب، يمتنع على السابلة المرور عليها عند وقع المطر عليها، فاتّخذ عليها أتابك جادة من الحجارة المفروشة مقدار فرسخين لتمشي عليها السابلة من غير تعب. آذربيجان ناحية واسعة بين قهستان وارّان. بها مدن كثيرة وقرى وجبال وأنهار كثيرة. بها جبل سبلان؛ قال أبو حامد الأندلسي: انّه جبل بآذربيجان بقرب مدينة أردبيل من أعلى جبال الدنيا. روي عن رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال: من قرأ: سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون، إلى قوله تخرجون، كتب له من الحسنات بعدد كلّ ورقة ثلج تسقط على جبل سبلان! قيل: وما سبلان يا رسول اللّه؟ قال: جبل بين أرمينية وآذربيجان، عليه عين من عيون الجنّة، وفيه قبر من قبور الأنبياء. وقال أيضا: على رأس الجبل عين عظيمة ماؤها جامد لشدّة البرد، وحول الجبل عيون حارّة يقصدها المرضى، وفي حضيض الجبل أشجار كبيرة وبينها حشيشة لا يقربها شيء من البهائم، فإذا قرب شيء منها هرب، وإن أكل منها مات. وفي سفح الجبل قرية اجتمعت بقاضيها أبي الفرج بن عبد الرحمن الأردبيلي قال: ما هي إلّا قرية يحميها الجنّ! وذكر أنّهم بنوا مسجدا في القرية فاحتاجوا إلى قواعد لأعمدة المسجد، فأصبحوا وعلى باب المسجد قواعد من الصخر المنحوت أحسن ما يكون.

стр. 283

وبها نهر الرس، وهو نهر عظيم شديد جري الماء. وفي أرضه حجارة كبيرة لا تجري السفن فيه، وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة. زعموا أن من عبر نهر الرس ماشيا إذا مسح برجله ظهر امرأة عسرت ولادتها وضعت، وكان بقزوين شيخ تركماني يقال له الخليل يفعل ذلك وكان يفيد. حكى ديسم بن إبراهيم صاحب آذربيجان قال: كنت أجتاز على قنطرة الرس مع عسكري، فلمّا صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة حاملة صبيّا في قماط، فرمحها بغل محمّل طرحها وسقط الطفل من يدها في الماء، فوصل إلى الماء بعد زمان طويل لطول مسافة ما بين القنطرة وسطح الماء، فغاص وطفا بعد زمان يسير وجرى به الماء، وسلم من الحجارة التي في النهر. وكان للعقبان أوكار في اجراف النهر، فحين طفا الطفل رآه عقاب فانقضّ عليه وشبّك مخالبه في قماطه، وخرج به إلى الصحراء، فأمرت جماعة أن يركضوا نحو العقاب ومشيت أيضا، فإذا العقاب وقع على الأرض واشتغل بخرق القماط، فأدركه القوم وصاحوا به، فطار وترك الصبي، فلحقناه فإذا هو سالم يبكي فرددناه إلى أمّه. وبها نهر زكوير بقرب مرند لا يخوضه الفارس، فإذا وصل إلى قرب مرند يغور ولا يبقى له أثر، ويجري تحت الأرض قدر أربعة فراسخ ثمّ يظهر على وجه الأرض، أخبر به الشريف محمّد بن ذي العقار العلوي المرندي. وبها نهر ذكر محمّد بن زكرياء الرازي عن الجيهاني، صاحب المسالك المشرقيّة، ان باذربيجان نهرا ماؤه يجري فيستحجر ويصير صفائح حجر! وقال صاحب تحفة الغرائب: باذربيجان نهر ينعقد ماؤه صخرا صلدا كبيرا وصغيرا. وبها عين؛ قال صاحب تحفة الغرائب: باذربيجان عين يجري الماء عنها وينعقد حجرا، والناس يملأون قالب اللبن من ذلك الماء ثمّ يتركونه يسيرا، فالماء في القالب يصير لبنا حجريّا.

стр. 284

آرشت وناشقين ضيعتان من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبهما أن الحديد ينطبع بآرشت ولا ينطبع بناشقين، ولو أوقدوا عليه ما أوقدوا، وقدر الصبّاغ يستوي بناشقين ولا يستوي بارشت، ولو أوقدوا تحتها ما أوقدوا، فلا يكون بآرشت صبّاغ ولا بناشقين حدّاد أصلا. وإذا تحوّل أحد الصانعين إلى الموضع الآخر لم ينجع عمله، وهذا شيء مشهور يعرفه أهل تلك البلاد. آمل مدينة بطبرستان مشهورة. حدّثني الأمير أبو المؤيد حسام الدين بن النعمان أنّه إذا دخلها شيء من الضائنة، وإن كانت من أسمن ما يكون، تهزل بها جدّا بهزل لا يقاس إلى هزال المعز. وذكر أنّه أخبر بذلك فأمر أن يساق عدّة رؤوس من الضائنة. قال: رأيتها بعد ستّة أشهر عظاما مغشية بجلود، وبقيت الألايا كالأذناب. أبلّة كورة بالبصرة طيّبة جدّا، نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار متدفقة الأنهار، مؤنقة الرياض والأزهار، لا تقع الشمس على كثير من أراضيها، ولا تبين القرى من خلال أشجارها. قالوا: جنان الدنيا أربع: أبلّة البصرة، وغوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوّان. والأبلة جانبان: شرقي وغربي، أمّا الشرقي فيعرف بشاطئ عثمان قديما وهو عثمان بن أبان بن عثمان بن عفّان، وهو العامر الآن بها الأشجار والأنهار والقرى والبساتين وهو على دجلة. وأنهارها مأخوذة من دجلة. وبها أنواع الأشجار وأجناس الحبوب وأصناف الثمار، لا تكاد تبين قراها

стр. 285

في وسطها من التفاف الأشجار. وبها مشهد كان مسلحة لعمر بن الخطّاب، وكانت بها شجرة سدر عظيمة كلّ غصن منها كنخلة ودورة ساقها سبعة أذرع، والناس يأخذون قشرها ويتبخّرون به لدفع الحمّى، وكان ينجع وذكروا انّه قلّما يخطئ. فلمّا ولّي بابكين البصرة أشاروا إليه بقطعها لمصلحة، وكان قد ولّي البصرة مدّة طويلة وحسنت سيرتهم، وكان هو في نفسه رجلا خيّرا، فلمّا قطعها أنكر الناس فعزل عن قريب عن البصرة. وأمّا الجانب الغربي من الأبلة فخراب، غير أن فيه مشهدا يعرف بمشهد العشار وهو مشرف على دجلة، وهو موضع شريف قد اشتهر بين الناس ان الدعاء فيه مستجاب. وكان في قديم الزمان بهذا الجانب بنيان مشرف على دجلة وبساتين وقصور في وسطها، وكان الماء يجري في دورها وقصورها وقد امتحقت الآن آثارها، فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال! أبهر مدينة بأرض الجبال كثيرة المياه والأشجار، بناها سابور ذو الأكتاف. قالوا: كانت عيونا كلّها فسدّها سابور بالصوف والجلود، وبنى المدينة عليها. وهي في غاية النزاهة من طيب الهواء وكثرة المياه والبساتين، وخارجها أطيب من داخلها. بها بساتين يقال لها بهاء الدين اباد، لم ير أكبر منها طولا وعرضا. وهي عامة ينزل فيها القفل والعساكر لا يمنع أحد منها. ولها قهندز يتحصّن بها من خالف صاحب البلاد فبطلوها، والآن قالوا يأوي إليها السباع لا يجسر أحد أن يأتيها. بها عين كلّ نصل يسقى من مائها يبقى حادّا قطّاعا جدّا. والمدينة كلّها مشتملة على طواحين تدور على الماء، وأكثر ثمارها العنب والجوز ونوع من الكمثرى مدوّرة في حجم النارنج، يقال لها العبّاسي، لذيذة جدّا ما في البلاد شيء
следующие страницы →