← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الإقليم الرابع أوّله حيث يكون الظلّ إذا استوى الليل والنهار نصف النهار أربعة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم، وآخره حيث يكون الظلّ نصف النهار عند الاستواء خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم. يبتدئ من أرض الصين والتبت والختن وما بينهما، ويمرّ على جبال قشمير وبلور وأرجان وبذخشان وكابل وغور وخراسان وقومس وجرجان وطبرستان وقوهستان وآذربيجان، وأدنى العراق والجزيرة ورودس وصقلية إلى البحر المحيط من الأندلس. وطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم أربع عشرة ساعة وربع، وأوسطه أربع عشرة ساعة ونصف، وآخره أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة. وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ومائتان وأربعة عشر ميلا وأربع عشرة دقيقة، وعرضه مائتا ميل وتسعة وتسعون ميلا وأربع دقائق، وتكسيره ألفا ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وسبعون ألفا وستمائة واثنان وسبعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة. ولنذكر بعض ما فيه من المدن والقرى مرتّبة على حروف المعجم، واللّه المستعان وعليه التكلان: آبه بليدة بقرب ساوة طيبة إلّا أن أهلها شيعة غالية جدّا، وبينهم وبين أهل ساوة منافرة لأن أهل ساوة كلّهم سنّية وأهل آبه كلّهم شيعة؛ قال القاضي أبو نصر الميمندي:

стр. 282

وقائلة: أتبغض أهل آبه … وهم أعلام نظم والكتابة؟ فقلت: إليك عني إنّ مثلي … يعادي كلّ من عادى الصّحابه بينها وبين ساوة نهر عظيم سيما وقت الربيع. بنى عليه أتابك شيركير، ﵀، قنطرة عجيبة، وهي سبعون طاقا ليس على وجه الأرض مثلها. ومن هذه القنطرة إلى ساوة أرض طينها الأزب، يمتنع على السابلة المرور عليها عند وقع المطر عليها، فاتّخذ عليها أتابك جادة من الحجارة المفروشة مقدار فرسخين لتمشي عليها السابلة من غير تعب. آذربيجان ناحية واسعة بين قهستان وارّان. بها مدن كثيرة وقرى وجبال وأنهار كثيرة. بها جبل سبلان؛ قال أبو حامد الأندلسي: انّه جبل بآذربيجان بقرب مدينة أردبيل من أعلى جبال الدنيا. روي عن رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال: من قرأ: سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون، إلى قوله تخرجون، كتب له من الحسنات بعدد كلّ ورقة ثلج تسقط على جبل سبلان! قيل: وما سبلان يا رسول اللّه؟ قال: جبل بين أرمينية وآذربيجان، عليه عين من عيون الجنّة، وفيه قبر من قبور الأنبياء. وقال أيضا: على رأس الجبل عين عظيمة ماؤها جامد لشدّة البرد، وحول الجبل عيون حارّة يقصدها المرضى، وفي حضيض الجبل أشجار كبيرة وبينها حشيشة لا يقربها شيء من البهائم، فإذا قرب شيء منها هرب، وإن أكل منها مات. وفي سفح الجبل قرية اجتمعت بقاضيها أبي الفرج بن عبد الرحمن الأردبيلي قال: ما هي إلّا قرية يحميها الجنّ! وذكر أنّهم بنوا مسجدا في القرية فاحتاجوا إلى قواعد لأعمدة المسجد، فأصبحوا وعلى باب المسجد قواعد من الصخر المنحوت أحسن ما يكون.

стр. 283

وبها نهر الرس، وهو نهر عظيم شديد جري الماء. وفي أرضه حجارة كبيرة لا تجري السفن فيه، وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة. زعموا أن من عبر نهر الرس ماشيا إذا مسح برجله ظهر امرأة عسرت ولادتها وضعت، وكان بقزوين شيخ تركماني يقال له الخليل يفعل ذلك وكان يفيد. حكى ديسم بن إبراهيم صاحب آذربيجان قال: كنت أجتاز على قنطرة الرس مع عسكري، فلمّا صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة حاملة صبيّا في قماط، فرمحها بغل محمّل طرحها وسقط الطفل من يدها في الماء، فوصل إلى الماء بعد زمان طويل لطول مسافة ما بين القنطرة وسطح الماء، فغاص وطفا بعد زمان يسير وجرى به الماء، وسلم من الحجارة التي في النهر. وكان للعقبان أوكار في اجراف النهر، فحين طفا الطفل رآه عقاب فانقضّ عليه وشبّك مخالبه في قماطه، وخرج به إلى الصحراء، فأمرت جماعة أن يركضوا نحو العقاب ومشيت أيضا، فإذا العقاب وقع على الأرض واشتغل بخرق القماط، فأدركه القوم وصاحوا به، فطار وترك الصبي، فلحقناه فإذا هو سالم يبكي فرددناه إلى أمّه. وبها نهر زكوير بقرب مرند لا يخوضه الفارس، فإذا وصل إلى قرب مرند يغور ولا يبقى له أثر، ويجري تحت الأرض قدر أربعة فراسخ ثمّ يظهر على وجه الأرض، أخبر به الشريف محمّد بن ذي العقار العلوي المرندي. وبها نهر ذكر محمّد بن زكرياء الرازي عن الجيهاني، صاحب المسالك المشرقيّة، ان باذربيجان نهرا ماؤه يجري فيستحجر ويصير صفائح حجر! وقال صاحب تحفة الغرائب: باذربيجان نهر ينعقد ماؤه صخرا صلدا كبيرا وصغيرا. وبها عين؛ قال صاحب تحفة الغرائب: باذربيجان عين يجري الماء عنها وينعقد حجرا، والناس يملأون قالب اللبن من ذلك الماء ثمّ يتركونه يسيرا، فالماء في القالب يصير لبنا حجريّا.

стр. 284

آرشت وناشقين ضيعتان من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبهما أن الحديد ينطبع بآرشت ولا ينطبع بناشقين، ولو أوقدوا عليه ما أوقدوا، وقدر الصبّاغ يستوي بناشقين ولا يستوي بارشت، ولو أوقدوا تحتها ما أوقدوا، فلا يكون بآرشت صبّاغ ولا بناشقين حدّاد أصلا. وإذا تحوّل أحد الصانعين إلى الموضع الآخر لم ينجع عمله، وهذا شيء مشهور يعرفه أهل تلك البلاد. آمل مدينة بطبرستان مشهورة. حدّثني الأمير أبو المؤيد حسام الدين بن النعمان أنّه إذا دخلها شيء من الضائنة، وإن كانت من أسمن ما يكون، تهزل بها جدّا بهزل لا يقاس إلى هزال المعز. وذكر أنّه أخبر بذلك فأمر أن يساق عدّة رؤوس من الضائنة. قال: رأيتها بعد ستّة أشهر عظاما مغشية بجلود، وبقيت الألايا كالأذناب. أبلّة كورة بالبصرة طيّبة جدّا، نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار متدفقة الأنهار، مؤنقة الرياض والأزهار، لا تقع الشمس على كثير من أراضيها، ولا تبين القرى من خلال أشجارها. قالوا: جنان الدنيا أربع: أبلّة البصرة، وغوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوّان. والأبلة جانبان: شرقي وغربي، أمّا الشرقي فيعرف بشاطئ عثمان قديما وهو عثمان بن أبان بن عثمان بن عفّان، وهو العامر الآن بها الأشجار والأنهار والقرى والبساتين وهو على دجلة. وأنهارها مأخوذة من دجلة. وبها أنواع الأشجار وأجناس الحبوب وأصناف الثمار، لا تكاد تبين قراها

стр. 285

في وسطها من التفاف الأشجار. وبها مشهد كان مسلحة لعمر بن الخطّاب، وكانت بها شجرة سدر عظيمة كلّ غصن منها كنخلة ودورة ساقها سبعة أذرع، والناس يأخذون قشرها ويتبخّرون به لدفع الحمّى، وكان ينجع وذكروا انّه قلّما يخطئ. فلمّا ولّي بابكين البصرة أشاروا إليه بقطعها لمصلحة، وكان قد ولّي البصرة مدّة طويلة وحسنت سيرتهم، وكان هو في نفسه رجلا خيّرا، فلمّا قطعها أنكر الناس فعزل عن قريب عن البصرة. وأمّا الجانب الغربي من الأبلة فخراب، غير أن فيه مشهدا يعرف بمشهد العشار وهو مشرف على دجلة، وهو موضع شريف قد اشتهر بين الناس ان الدعاء فيه مستجاب. وكان في قديم الزمان بهذا الجانب بنيان مشرف على دجلة وبساتين وقصور في وسطها، وكان الماء يجري في دورها وقصورها وقد امتحقت الآن آثارها، فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال! أبهر مدينة بأرض الجبال كثيرة المياه والأشجار، بناها سابور ذو الأكتاف. قالوا: كانت عيونا كلّها فسدّها سابور بالصوف والجلود، وبنى المدينة عليها. وهي في غاية النزاهة من طيب الهواء وكثرة المياه والبساتين، وخارجها أطيب من داخلها. بها بساتين يقال لها بهاء الدين اباد، لم ير أكبر منها طولا وعرضا. وهي عامة ينزل فيها القفل والعساكر لا يمنع أحد منها. ولها قهندز يتحصّن بها من خالف صاحب البلاد فبطلوها، والآن قالوا يأوي إليها السباع لا يجسر أحد أن يأتيها. بها عين كلّ نصل يسقى من مائها يبقى حادّا قطّاعا جدّا. والمدينة كلّها مشتملة على طواحين تدور على الماء، وأكثر ثمارها العنب والجوز ونوع من الكمثرى مدوّرة في حجم النارنج، يقال لها العبّاسي، لذيذة جدّا ما في البلاد شيء

стр. 286

مثلها، وعندهم من ذلك كثير جدّا، يحملونها إلى البلاد للبيع ويعلّقونها حتى يأكلوها طول شتائهم يتفكّهون بها. وأهلها أحسن الناس صورة كلّهم أهل السنّة، لا يوجد فيهم إلّا كذلك. وفيهم أدباء وفضلاء، ولهم اجتماع كلمة على دفع ظلم الولاة، لا يغلبهم وال، أي وقت رأوا منه خلاف عادة قاموا كلّهم قيام رجل واحد لدفعه. ينسب إليها الشيخ أبو بكر الطاهري كان من الابدال، معاصر الشبلي. وله بأبهر رباط ينسب إليه، وفي رباطه سرداب يدخل فيه كلّ جمعة، ويخرج بأرض دمشق ويصلّي الجمعة بجامع دمشق، وهذا حديث مشهور عندهم. وذكروا أن رجلا تبعه ذات يوم فإذا هو بأرض لم يرها أبدا، والناس مجتمعون لصلاة الجمعة، فسأل بعضهم عن ذلك الموضع فضحك وقال: أنت في دمشق وتسأل عنها! فقام طالع المدينة فلمّا عاد لم يجد الشيخ هناك، فجعل ينادي ويقول للناس ما جرى له، فلا يصدقه أحد إلّا رجل صالح قال له: دع عنك هذا الجزع، وانتظره يوم الجمعة المستقبلة، فإذا حضر الشيخ ارجع معه! فلمّا حضر الشيخ في الجمعة الأخرى تمسّك بذيله فقال له: لا تذكر هذا لأحد وأنا آخذك معي! ثمّ أخذه معه وعاد به إلى مكانه، وهذه حكاية مشهورة عنه بأبهر. وتنسب إليها سكينة الابهرية، كانت في زمن الشيخ أبي بكر. وينسب إليها الوزير الفاضل الكامل أبو عمرو، الملقّب بكمال الدين، كان حاله شبيها بحال إبراهيم بن أدهم، وكان وزيرا بقزوين، وكان رجلا لطيفا فطنا شاعرا بالعربيّة والعجميّة، محبّا لأهل الخير في زمان وزارته. فإذا في بعض الأيّام ركب في موكبه ومماليكه وحواشيه، فلمّا خرج عن المدينة قال لمماليكه: أنتم أحرار لوجه اللّه! ونزل عن الدابّة ولبس اللبّاد وذهب إلى بيت المقدس، وكان يحمل الحطب على ظهره، ثمّ عاد إلى الشام، وكان بها إلى أن توفّي في سنة تسعين وخمسمائة.

стр. 287

أبيورد مدينة بخراسان بقرب سرخس، بناها باورد بن جودرز، وانّها مدينة وبيئة رديئة الماء، من شرب من مائها يحدث به العرق المديني، أمّا الغريب فلا يفوته البتّة، وأمّا المقيم ففي أكثر أوقاته مبتلى به. ينسب إليها أبو عليّ الفضيل بن غياض، كان أوّل أمره يقطع الطريق بين سرخس وأبيورد حتى كان في بعض الرّبط في بعض الليالي وفي الرباط قفل، فيقول بعضهم: قوموا لنرحل! فيقول البعض الآخر: اصبروا فإن الفضيل في الطريق، فقال لنفسه: أنت غافل والناس يفزعون منك، أعوذ باللّه من هذه الحالة! فتاب وذهب إلى مكّة وأقام بها إلى أن مات. وحدّث سفيان بن عيينة: لمّا حجّ الرشيد ذهب إلى زيارة الفضيل ليلا، فلمّا دخل عليه قال لي: يا سفيان أيّهم أمير المؤمنين؟ فأومأت إليه وقلت: هذا! فقال: أنت الذي تقلّدت أمر هذا الخلق بأحسن الوجه، لقد تقلّدت أمرا عظيما! فبكى الرشيد وأمر له بألف دينار فأبى أن يقبلها، فقال: أبا علي ان لم تستحلها فأعطها ذا دين واشبع بها جائعا واكس بها عاريا! فأبى، فلمّا خرج الرشيد قلت له: أخطأت، لو أخذت وصرفت في شيء من أبواب البرّ! فأخذ بلحيتي وقال: أبا محمّد، أنت فقيه البلد وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي! وحكي أن الفضيل رؤي يوم عرفة على عرفات يبكي إلى آخر النهار ثمّ أخذ بلحيته وقال: واخجلتاه وإن غفرت! ومضى. وحكي انّه كان في جبل من جبال منى فقال: لو أن وليّا من أولياء اللّه أمر هذا الجبل أن يمتدّ لا متدّ! فتحرّك الجبل فقال الفضيل: اسكن لم أردك لهذا! فسكن الجبل. ولد الفضيل بسمرقند، ونشأ بأبيورد، ومات بمكّة سنة سبع وثمانين ومائة.

стр. 288

إربل مدينة بين الزابين، لها قلعة حصينة لم يظفر بها التتر، مع أنّهم ما فاتهم شيء من القلاع والحصون، بها مسجد يسمّى مسجد الكفّ، فيه حجر عليه أثر كفّ إنسان، ولأهل إربل فيه أقاويل كثيرة ولا ريب انّه شيء عجيب. ينسب إليها الملك مظفر الدين كوكوبري بن زين الدين علي الصغير. كان ملكا شجاعا جوادا غازيا، له نكايات في الفرنج يتحدّث الناس بها، وكان معتقدا في أهل التصوّف، بنى لهم رباطا لم يزل فيه مائتا صوفي، شغلهم الأكل والرقص في كلّ ليلة جمعة. وكلّ من جاءه من أهل التصوّف آواه وأحسن إليه، وإذا أراد السفر أعطاه دينارا. ومن أتاه من أهل العلم والخير والصلاح أعطاه على قدر رتبته. وفي العاشر من ربيع الأوّل كان له دعوات وضيافات، وفي هذا الوقت يجتمع عنده خلق كثير من الأطراف. وفي اليوم الثاني عشر مولد النبي، ﵇، كان له دعوة عظيمة يحضرها جميع الحاضرين ويرجع كلّ واحد بخير. وكان يبعث إلى الفرنج أموالا عظيمة يشترى بها الأسارى. عمّر عمرا طويلا ومات سنة تسع وعشرين وستمائة. اردبهشتك قرية من قرى قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبها عين ماء من شرب منها انطلق انطلاقا عظيما، ويقصدها الناس من الأطراف في فصل الربيع لتنقية الباطن، وبينها وبين قزوين نهر إذا جاوزوا بمائها ذلك النهر تبطل خاصيّته. وقد حمل من ذلك الماء إلى قزوين في جرار واستعمل ولم يعمل شيئا. ومن خاصيّة هذا الماء ان أحدا يقدر أن يشرب منه خمسة أرطال أو ستة بخلاف غيره.

стр. 289

أردبيل مدينة بآذربيجان حصينة طيّبة التربة، عذبة الماء، لطيفة الهواء، في ظاهرها وباطنها أنهار كثيرة، ومع ذلك فليس بها شيء من الأشجار التي لها فاكهة. والمدينة في فضاء فسيح وأحاط بجميع ذلك الفضاء الجبال بينها وبين المدينة من كلّ صوب مسيرة يوم. ومن عجائبها أنّه إذا غرس في ذلك الفضاء لا يفلح الغرس، وذلك لأمر خفي لا اطلاع عليه. بناها فيروز الملك وهي من البحر على يومين بينهما دخلة شعراء عظيمة، كثيرة الشجر جدّا يقطعون منها الخشب الذي منه الأطباق وقصاع الخلنج. وفي المدينة صنّاع كثير لإصلاحها. ومن عجائبها ما ذكره أبو حامد الأندلسي قال: رأيت خارج المدينة في ميدانها حجرا كبيرا كأنّه معمول من حديد أكبر من مائتي رطل، إذا احتاج أهل المدينة إلى المطر حملوا ذلك الحجر على عجلة ونقلوه إلى داخل المدينة، فينزل المطر ما دام الحجر فيها، فإذا أخرج منها سكن المطر. والفأر بها كثير جدّا بخلاف سائر البلاد، وللسنانير بها عزّة ولها سوق تباع فيه ينادون عليها انّها سنورة صيّادة مؤدبة لا هرّابة ولا سرّاقة، ولها تجّار وباعة ودلّالون، ولها راضة وناس يعرفون. قال سندي بن شاهك وهو من الحكماء المشهورين: ما أعناني سوقة كما أعناني أصحاب السنانير، يعمدون إلى سنور يأكل الفراخ والحمام، ويكسر قفص القماري والحجل والوارشين، ويجعلونه في بستوقة يشدّون رأسها ثمّ يدحرجونها على الأرض حتى يأخذه الدوار، فيجعلونه في القفص مع الفراخ، فيشغله الدوار عن الفراخ. فإذا رآه المشتري رأى عجيبا وظنّ انّه ظفر بحاجته، فيشتريه بثمن جيّد، فإذا مضى به إلى البيت وزال دواره يبقى شيطانا يأكل جميع طيوره وطيور جيرانه، ولا يترك في البيت شيئا إلّا سرق وأفسد وكسر

стр. 290

فيلقى منه التباريح. وأهل أردبيل مشهورون بكثرة الأكل؛ حكى بعض التجّار قال: رأيت بها راكبا وقدّامه طبول وبوقات، سألت عن شأنه فقالوا: إنّه تراهن على أكل تسعة أرطال أرز ورأس بقر، وقد فعل، ورطل أردبيل ألف وأربعون درهما، وأرزّهم إذا طبخ يصير ثلاثة أضعاف، فإنّه قد غلب. أرسلان كشاد قلعة كانت على فرسخين من قزوين على قلّة جبل. ذكر أن الإسماعيليّة في سنة خمس وتسعين وخمسمائة جاؤوا بالآلات على ظهر الدوابّ إليها في ليلة، فلمّا أصبح أهل قزوين سدت مسالكها فصعب عليهم ذلك، فشكوا إلى ملوك الأطراف فما أفادهم ذلك شيئا حتى قال الشيخ عليّ اليوناني، وكان صاحب كرامات وعجائب: أنا أكشف عنكم هذه الغمّة! فكتب إلى خوارزمشاه تكش بن ايل أرسلان بن اتسز: بعلامة انّك كنت في ليلة كذا وكذا، كنت وحدك تفكّر في كذا وكذا، انهض لدفع هذا الشرّ عن أهل قزوين، وإلّا لتصابنّ في ملكك ونفسك! فلمّا قرأ خوارزمشاه كتابه قال: هذا سرّ ما اطّلع عليه غير اللّه! فجاء بعساكره وحاصر القلعة وأخذها صلحا، وشحنها بالسلاح والرجال وسلّمها إلى المسلمين وعاد. وكانت الباطنية قد نقبوا طريقا من القلعة إلى خارجها وأخفوا بابها، فدخلوا من ذلك النقب ليلا، فلمّا أصبحوا كانت القلعة تموج من الرجال الباطنيّة، فقتلوا المسلمين وملكوا القلعة، فبعث الشيخ إلى خوارزمشاه مرّة أخرى، فجاء بنفسه وحاصرها بعساكره وأهل قزوين شهرين، والباطنية عرفوا أن السلطان لا يرجع دون العرض، فاختاروا تسليمها على أمان من فيها، فأجابهم السلطان إلى ذلك. قالوا: نحن ننزل عن القلعة دفعتين، فإن لم تتعرّضوا للفرقة الأولى تنزل الثانية والقلعة لكم، وإن تعرّضتم للفرقة الأولى فالفرقة الثانية تمنعكم عن القلعة.

стр. 291

فلمّا نزلوا خدموا للسلطان وذهبوا كلّهم، فانتظر المسلمون نزول الفرقة الثانية فما كان فيها أحد نزلوا كلّهم دفعة، فأمر السلطان بتخريبها وابطال حصانتها، وهي كذلك إلى زماننا هذا، واللّه الموفق. أرمية بلدة حصينة بآذربيجان كثيرة الثمرات واسعة الخيرات، بقربها بحيرة يقال لها بحيرة أرمية، وهي بحيرة كريهة الرائحة لا سمك فيها. وفي وسط البحيرة جزيرة بها قرى وجبال وقلعة حصينة، حولها رساتيق لها مزارع، واستدارة البحيرة خمسون فرسخا يخرج منها ملح يجلو شبه التوتيا، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع الماء منها، وإذا أصابه الهواء يستحجر. ومن عجائبها ما ذكر صاحب تحفة الغرائب: ان في بطائح بحر ارمية سمكة تتّخذ من دهنها ومن الموم شمعة، وتنصب على طرف سفينة فارغة تخلى على وجه الماء، فإن السمك يأتي بنور ذلك الشمع، ويرمي نفسه في السفينة حتى تمتلئ السفينة من السمك، ولتكن سفينة مقعّرة حتى لا يفلت السمك منها. أستوناوند قلعة مشهورة بدنباوند من أعمال الري. وهي من القلاع القديمة والحصون الحصينة، عمرت منذ ثلاثة آلاف سنة لم يعرف انّها أخذت قهرا إلى أن تحصن بها ابن خوارزمشاه ركن الدين غورسايحي عند ورود التتر، سنة ثماني عشرة وستمائة، وقد عرض عليه استوناوند وأردهن فترجّح استوناوند في نظره مع حصانة أردهن. قالوا: لو كان على أردهن رجل واحد لم تؤخذ منه قهرا أبدا إلّا إذا أعوزته الميرة، فتحصّن بها فعلم التتر به ونزلوا عليها، وجمعوا حطبا كثيرا جعلوه حولها ثمّ أضرموا فيه النار، فانصدع صخرها وتفتّت وزالت حصانتها ثمّ صعدوا، وابن خوارزمشاه قاتل حتى قتل.

стр. 292

أسفجين قرية من قرى همذان من ناحية يقال لها ونجر بها منارة الحوافر، وهي منارة عالية من حوافر حمر الوحش، حكى أحمد بن محمّد بن إسحاق الهمذاني أن شابور بن أردشير الملك حكم منجموه انّه يزول الملك عنه ويشقى، ثمّ يعود إليه، فقال لهم: ما علامة عود الملك؟ قالوا: إذا أكلت خبزا من الذهب على مائدة من الحديد! فلمّا ذهب ملكه خرج وحده تخفضه أرض وترفعه أخرى، إلى أن صار إلى هذه القرية فأجر نفسه من شيخ القرية يزرع له نهارا ويطرد الوحش عن الزرع ليلا، فبقي على ذلك مدّة وكانت نفسه نفس الملوك، فرأى شيخ القرية منه أمانة وجلادة فزوّج بنته منه، فلمّا تمّ على ذلك أربع سنين وانقضت أيّام بؤسه اتّفق ان كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم ونساؤهم، وكانت امرأة شابور تحمل إليه كلّ يوم طعامه، فكانت في ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى ما بعد العصر. فلمّا ذكرت عادت إلى بيتها فما وجدت إلّا قرصين من الدخن، فحملتهما إليه فوجدته يسقي الزرع وبينها وبينه ساقية. فمدّ المسحاة إليها فجعلت القرصين عليها، فقعد يأكلهما فتذكّر قول المنجّمين: أكل خبز الذهب على مائدة الحديد. فعرف أن أيّام البؤس انقضت، فظهر للناس واجتمع عليه العساكر وعاد إلى ملكه. فقالوا: ما أشدّ شيء عليك في أيّام البؤس؟ قال: طرد الوحوش عن الزرع بالليل! فصادوا في ذلك الموضع من حمر الوحش ما لا يحصى، وأمر أن يبنى من حوافرها منارة، فبنوا منارة ارتفاعها خمسون ذراعا ودورتها ثلاثون مصمتة بالكلس والحجارة، وحوافر الوحش حولها مسمّرة بالمسامير، والمنارة مشهورة في هذا الموضع إلى زماننا.

стр. 293

أسفرايين بلدة بأرض خراسان مشهورة، أهلها أهل الخير والصلاح. من مفاخرها أبو الفتوح محمّد بن الفضل الأسفراييني. كان إماما فاضلا عالما زاهدا أسرع الناس عند السؤال جوابا، وأسكتهم عند الايراد خطابا، مع صحة العقيدة والخصال الحميدة، وقلّة الالتفات إلى الدنيا وذويها. سكن بغداد مدّة فلمّا اعتزم العود إلى خراسان شكا إليه أصحابه من مفارقته فقال: لعلّ اللّه أراد أن تكون تربتي في جوار رجل صالح! فلمّا وصل إلى بسطام فارق الدنيا ودفن بجنب الشيخ أبي يزيد البسطامي. وحكى شيخ الصوفيّة ببسطام وهو عيسى بن عيسى قال: رأيت أبا يزيد في النوم يقول: يصل إلينا ضيف فأكرموه! فوصل في تلك الأيّام الشيخ أبو الفتح وفارق الدنيا. وكنت جعلت لنفسي موضعا عند تربة الشيخ أبي يزيد، فآثرت الشيخ أبا الفتح به، ودفنته بجنب أبي يزيد. اشتروين ضيعة كبيرة من ضياع قزوين على مرحلتين منها. وانّها كانت قرية غناء كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. نزل بها الشيخ نور الدين محمّد بن خالد الجيلي، وكان رجلا عظيم الشأن صاحب الآيات والكرامات، اتّخذها وطنا وتزوّج بها فحلّت بها البركة، وصارت أعمر ممّا كانت وأوفر ريعا وأكثر أهلا. وكان الشيخ يزرع بها شيئا يسيرا فيحصل منه ريع كثير يفي بنفقته أهله وضيافة زوّاره. وكان الشيخ كثير الزّوّار يقصده الناس من الأطراف. ومن العجب انّه وقع بتلك الأرض في بعض السنين جراد ما ترك رطبها ولا يابسها، وما تعرّضت لزرع الشيخ بسوء. وكانت تلك القرية محطّ الرحال ومحلّ البركة بوجود هذا الشيخ، إلى أن جهلت سفهاؤها نعم اللّه تعالى عليهم بجوار هذا الشيخ،

стр. 294

فقالوا: ان زروعنا تيبس بسبب زرع الشيخ لأن الماء يقصر عن زروعنا بسبب زرعه! فلمّا سمع الشيخ ذلك فارق تلك القرية وتحوّل بأهله إلى قزوين في سنة أربع عشرة وستّمائة. فلمّا خرج الشيخ منها كانت كبيّت نزع عماده وانهارت قبابها، وانقطع الماء الذي كانوا يبخلون به على الشيخ، فأخرج دهاقينها أموالا كثيرة لعمارة القناة فما أفادهم شيئا. وإلى الآن هي خراب. أصفهان مدينة عظيمة من أعلى المدن ومشاهيرها، جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة وصحة الهواء وعذوبة الماء، وصفاء الجوّ وصحّة الأبدان، وحسن صورة أهلها وحذقهم في العلوم والصناعات حتى قالوا: كلّ شيء استقصى صنّاع أصفهان في تحسينها عجز عنها صناع جميع البلدان؛ قال الشاعر: لست آسى من أصفهان على شي … ء سوى مائها الرّحيق الزّلال ونسيم الصّبا ومنخرق الرّي … ح وجوّ صاف على كلّ حال يبقى التّفّاح بها غضّا سنة، والحنطة لا تتسوّس بها، واللحم لا يتغيّر أيّاما. والمدينة القديمة تسمّى جي؛ قالوا: إنّها من بناء الإسكندر. والمدينة العظمى تسمّى اليهوديّة، وذاك أن بختنصّر أخذ أسارى بيت المقدس أهل الحرف والصناعات، فلمّا وصلوا إلى موضع أصفهان وجدوا ماءها وهواءها وتربتها شبيهة ببيت المقدس، فاختاروها للوطن وأقاموا بها وعمروها. وهي مدينة ترابها كحل وحشيشها زعفران وونيم ذبابها عسل. من عجائبها أمر تفّاحها فإنّها ما دامت في أصفهان لا يكون لها كثير رائحة، فإذا أخرجت منها فاحت رائحتها حتى لو كانت تفّاحة في قفل لا يبقى في القفل أحد إلّا يحسّ برائحتها. وبها نوع من الكمثرى يقال له ملجي ليس في شيء من البلاد مثله. وإذا وصلوا شجرة الكمثرى بشجرة الخلاف تأتي بثمر لذيذ جدّا.

стр. 295

ولصنّاعها يد باسطة في تدقيق الصناعات، لا ترى خطوطا كخطوط أهل أصفهان ولا تزويقا كتزويقهم، وهكذا صنّاعهم في كلّ فنّ فاقوا جميع الصّنّاع، حتى أن نسّاجها ينسج خمارا من القطن أربعة أذرع وزنها أربعة مثاقيل. والفخّار يعمل كوزا وزنه أربعة مثاقيل يسع ثمانية أرطال ماء، وقس على هذا جميع صناعاتهم. وأمّا أرباب العلوم كالفقهاء والأدباء والمنجّمين والأطباء فأكثر من أهل كلّ مدينة، سيما فحول الشعراء أصحاب الدواوين، فاقوا غيرهم بلطافة الكلام وحسن المعاني وعجيب التشبيه وبديع الاقتراح، مثل رفيع فارسي دبير وكمال زياد وشرف شفروه وعزّ شفروه وجمال عبد الرزّاق وكمال إسماعيل ويمن مكّي. فهؤلاء أصحاب الدواوين الكبار لا نظير لهم في غير أصفهان. وينسب إليها الأديب الفاضل أبو الفرج الأصفهاني، صاحب كتاب الأغاني، ذكر في ذلك أخبار العرب وعجائبها وأحسن أشعارهم. كتاب في غاية الحسن كثير الفوائد لم يسبقه في ذلك أحد. وينسب إليها الأستاذ أبو بكر بن فورك، كان أشعريّا لا تأخذه في اللّه لومة لائم، درّس ببغداد مدّة. وكان جامعا لأنواع العلوم، صنّف أكثر من مائة مجلّد في الفقه والتفسير وأصول الدين. ثمّ ورد نيسابور فبنوا له دارا ومدرسة؛ قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: حكى أبو بكر بن فورك قال: حملت إلى شيراز مقيّدا لفتنة في الدين، فوافينا البلد ليلا فلمّا أسفر النهار ورأيت في مسجد على محرابه مكتوبا: أليس اللّه بكاف عبده؟ فعلمت أن الأمر سهل وطبت به نفسا، وكان الأمر كذلك، ثمّ دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات مع الكرامية. فلمّا عاد سمّ في الطريق ودرج ودفن بنيسابور، ومشهده ظاهر بها يستسقى به ويجاب الدعاء فيه. وينسب إليها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، واحد عصره وفريد دهره. هو صاحب حلية الأولياء، وله تصانيف كثيرة، وله كرامات: حكي أن أهل

стр. 296

أصفهان تعصّبوا عليه ومنعوه من الجامع، فبعث السلطان محمود إليهم واليا فوثبوا إليه وقتلوه، فذهب السلطان إليهم بنفسه وآمنهم حتى اطمأنوا ثمّ قصدهم يوم الجمعة، وأخذ أبواب الجامع وقتل فيهم مقتلة عظيمة. فمن كان في الجامع قتل والحافظ أبو نعيم كان ممنوعا من الجامع فسلم. وينسب إليها صدر الدين عبد اللطيف الخجندي. كان رئيسا مطاعا في أصفهان عالما واعظا شاعرا، يهابه السلاطين ويتبعه مائة ألف مسلّح: محمّد بن ايلدكز أتابك السلجوقية أخذه معه لا يخلّيه يرجع إلى أصفهان مدّة مديدة، لأنّه ما أراد أن يقبض عليه ظاهرا، ولا أن يخليّه لأنّه يخاف شرّه، فكان يستصحبه فاتّخذ يوما مجلس الوعظ وأتابك حاضر في مجلس وعظه، وله ابنان صغيران واقفان بين يديه، فصدر الدين شاهد ذلك على المنبر فاتّخذ الفرصة وأنشد: شاه با بندكان جفا نكند … ور كند رحمتش رها نكند عدل خسرو كجا بديد آيد … در جهان كركسي خطا نكند هر كرا طفلكان خرد بود … بدر از طفلكان جدا نكند بكى أتابك بكاء شديدا، وكان ملكا عادلا رحيما، ﵀. وتوفي صدر الدين في شوال سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. ذكر أن أهل أصفهان موصوفون بالشحّ. نقل عن الصاحب أبي القاسم بن عبّاد، وزير مجد الدولة من آل بويه، انّه كان يقول لأصحابه إذا أراد دخول أصفهان: من له حاجة فليسأل قبل دخول أصفهان، فإني إذا دخلتها وجدت في نفسي شحّا لم أجد في غيرها! حكى رجل أنّه تصدّق برغيف على ضرير بأصفهان فقال الضرير: أحسن اللّه غربتك! فقال الرجل: كيف عرفت غربتي؟ قال: لأني منذ ثلاثين سنة ما أعطاني أحد رغيفا صحيحا!

стр. 297

وحدّث الأمير حسام الدين النعمان: أن البقر بأصفهان يقوى حتى لو حصل فيها أعجف ما يكون، بعد مدّة يسيرة يبقى قويّا سمينا حتى يعصي ولا ينقاد. بها مسجد يسمّى مسجد خوشينه. زعموا أن من حلف كاذبا في هذا المسجد تختلّ أعضاؤه، وهذا أمر مستفيض عند أهل أصفهان. بها نهر زرنروذ، وهو موصوف بعذوبة الماء ولطافته، يغسل الغزل الخشن بهذا الماء فيبقى ليّنا ناعما مثل الحرير، مخرجه من قرية يقال لها بنا كان، ويجتمع إليه مياه كثيرة فيعظم أمره ويمتدّ، ويسقي بساتين أصفهان ورساتيقها، ثمّ يمرّ على مدينة أصفهان ويغور في رمال هناك. ويخرج بكرمان على ستّين فرسخا من الموضع الذي يغور فيه فيسقي مواضع بكرمان ثمّ يصبّ في بحر الهند. ذكر أنّهم أخذوا قصبة وعلّموها بعلائم وأرسلوها في الموضع الذي يغور فيه، فوجدوها بعينها بأرض كرمان، فاستدلّوا بذلك على أنّه نهر زرنروذ. أفشنة قرية من ناحية خرميثن من ضياع بخارى، قال أبو عبيد الجوزجاني: حدّثني أستاذي أبو عليّ الحسين بن عبد اللّه بن سينا أن أباه كان من بلخ، انتقل إلى بخارى في زمن نوح بن نصر الساماني، وتصرّف في الأعمال وتزوّج بأفشنة فولدت بها، وطالعي السرطان والمشتري والزهرة فيه، والقمر وعطارد في السنبلة، والمريخ في العقرب، والشمس في الأسد، وكان المشتري في السرطان على درجة الشرف والشعرى مع الرأس على درجة الطالع، فكانت الكواكب كلّها في الحظوظ؛ قال: فلمّا بلغت سنّ التمييز سلّمني إلى معلّم القرآن ثمّ إلى معلّم الأدب، فكان كلّ شيء قرأه الصبيان على الأديب احفظه، والذي كلّفني أستاذي كتاب الصفات وكتاب غريب المصنّف، ثمّ أدب الكتّاب ثمّ إصلاح المنطق ثمّ كتاب العين ثمّ شعر الحماسة ثمّ ديوان ابن الرومي، ثمّ تصريف المازني ثمّ نحو سيبويه، فحفظت تلك الكتب في سنة ونصف، ولولا تعويق الأستاذ

стр. 298

لحفظتها بدون ذلك، وهذا مع حفظي وظائف الصبيان في المكتب. فلمّا بلغت عشر سنين كانوا في بخارى يتعجّبون مني، ثمّ شرعت في الفقه، فلمّا بلغت اثنتي عشرة سنة صرت أفتي في بخارى على مذهب أبي حنيفة، ثمّ شرعت في علم الطبّ وصنّفت القانون وأنا ابن ستّ عشرة سنة، فمرض نوح بن نصر الساماني فجمعوا الأطباء لمعالجته فجمعوني أيضا معهم، فرأوا معالجتي خيرا من معالجات كلّهم، فصلح على يديّ، فسألت أن يوصي لخازن كتبه أن يعيرني كلّ كتاب طلبت ففعل، فرأيت في خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبي نصر بن طرخان الفارابي، فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلا ونهارا حتى حصلتها. فلمّا انتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكّر في نفسي أنّه لا شيء من العلوم لا أعرفه. إلى ههنا نقل الجوزجاني عن الشيخ الرئيس. وحكى غيره أن دولة السامانية لمّا انقرضت صارت مملكة ما وراء النهر لبني سبكتكين، فلمّا ولّي السلطان محمود سعى الحسّاد إلى السلطان في حقّ أبي عليّ، فهرب من بخارى إلى خراسان واجتمع بصاحب نسا فإنّه كان ملكا حكيما، فأكرمه فعرّف أعداؤه السلطان انّه عند صاحب نسا؛ فقال لوزيره: اكتب إلى صاحب نسا ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ! فكتب إلى صاحب نسا: ان كان أبو عليّ عندك فابعده سريعا! وكتب بعد يوم على يد قاصد آخر ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ. فلمّا وصل القاصد الأوّل أبعده، فلمّا وصل الثاني قال: إنّه كان عندنا فمشى منذ مدّة! فعزم أبو عليّ طبرستان خدمة شمس المعالي قابوس بن وشمكير، وكان ملكا فاضلا حكيما، فلمّا ورد طبرستان كان قابوس محبوسا في قلعة، فأتى أرض الجبال مملكة آل بويه خائفا، فورد همذان وقصد فصّادا يفصد الناس. فطلب يوما لفصد امرأة فلمّا رآها قال: الفصد لا يصلح لها، وأبى. فطلبوا غيره فلمّا فصدها غشي عليها فقالوا لأبي عليّ: كنت أنت مصيبا فدبّر أمرها. فوصف شيئا من المقويات فصلحت، فتعجّبوا من ذكائه وقالوا: إنّه طبيب جيد. ومرضت امرأة من بنات الملوك وعجز الأطباء عن علاجها، فرآها أبو عليّ

стр. 299

وقال: مرضها العشق! فأنكرت المرأة. قال أبو عليّ: إن شئتم أعيّن لكم من تعشقه! اذكروا أسامي من يكون صالحا لذلك، وأنا أجسّ نبضها! فلمّا ذكروا اسم معشوقها اضطرب نبضها وتغيّر حالها، فعرف ذلك منها. قالوا: فما علاجها؟ قال: ان العشق تمكّن منها تمكّنا شديدا، إن لم تزوّجوها تتلف! فاشتهر عند أهل همذان انّه طبيب جيّد، حتى جاء ناس من بخارى خدموا لأبي عليّ خدمة الملوك. فسأل أهل همذان عنهم فقالوا: هذا أبو عليّ بن سينا. فعرف بهمذان، وذكروا أن شمس الدولة صاحب همذان كان مبتلى بالقولنج، فعالجه أبو عليّ، فاستوزره شمس الدولة فبقي في وزارته مدّة، وكانت دولة آل بويه متزلزلة بين أولاد الأعمام يحارب بعضهم بعضا، فلقي من الوزارة تعبا شديدا حتى نهب داره وكتبه. فلمّا مات شمس الدولة وجلس ابنه مكانه، استعفى أبو عليّ عن الوزارة واتّصل بعلاء الدولة صاحب أصفهان، وكان ملكا حكيما أكرم مثواه، وكان عنده إلى أن فارق الدنيا سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة ودفن بهمذان. الموت قلعة حصينة من ناحية روذبار بين قزوين وبحر الخزر على قلّة جبل، وحولها وهاد لا يمكن نصب المنجنيق عليها ولا النشّاب يبلغها. وهي كرسي ملك الإسماعيليّة؛ قيل: ان بعض ملوك الديلم أرسل عقابا للصيد وتبعها، فرآها وقعت على هذا الموضع فوجده موضعا حصينا، فاتّخذه قلعة وسمّاها إله أموت أي تعليم العقاب بلسان الديلم. ومنهم من قال: اسم القلعة بتاريخها لأنّها بنيت في سنة ستّ وأربعين وأربعمائة وهي م و ت. ينسب إليها حسن الصبّاح داعي الباطنيّة، وكان عارفا بالحكمة والنجوم والهندسة والسحر، ونظام الملك كان يكرمه لفضله، فقال يوما بطريق الفراسة: عمّا قريب يصل هذا جمعا من ضعفاء العوام! فذهب الصباح إلى مصر ودخل

стр. 300

على المستنصر واستأذن منه أن يدعو الناس إلى بيعته، وكان خلفاء مصر يزعمون أنّهم من نسل محمّد بن إسماعيل بن جعفر، فعاد الصباح إلى بلاد العجم حتى وصل إلى ناحية روذبار، فرأى شخصا على غصن شجرة وهو يضرب أصل الغصن بالفأس، فقال في نفسه: لا أجد قوما أجهل من هؤلاء! فألقى جرانه هناك وأظهر النسك، وكان كوتوال الموت رجلا علويّا حسن الظنّ في الصباح، فأحكم الصباح أمره مع الناس وأخرج العلوي من القلعة. وكان معه صبي قال هو من نسل محمّد بن إسماعيل، والإمامة كانت لأبيه والآن له، واحكم أساس دعوته فيهم وقال للقوم: لا بدّ للناس من معلّم، ومعلمكم هذا الصبي، وطاعة هذا المعلّم واجب عليكم، فإذا رضي عنكم سعدتم في الدنيا والآخرة، ولا حاجة بكم إلى شيء سوى طاعة المعلّم. فاستخفّ قومه فأطاعوه حتى صاروا يفدون أنفسهم له، فلمّا عرف علماء الإسلام اعتقادهم وإخلالهم بأركان الدين افتوا بإلحادهم، وجعلوا يغزونهم ويسبون منهم فقتلوا جمعا من العظماء على يد الفداية، منهم: الخليفة المسترشد ونظام الملك وبكتمر صاحب أرمن، وانقلمس صاحب العراق. فخاف منهم ملوك جميع الأطراف. وفي زمن المستعصم ظهر شخص باليمن يدعي الخلافة، فاجتمع عليه قوم بعثوا إليه فقتلوه، وكانت شوكتهم باقية إلى أن قتلوا واحدا من عظماء التتر، فحاصروهم سبع سنين فتلفوا على القلاع جوعا وهلكوا، ومنهم من نزل فقتلوهم عن آخرهم واندفع شرّهم. إيذج مدينة بين أصفهان وخوزستان كثيرة الزلازل، بها معادن كثيرة، من عجائبها ضرب من القاقلّى عصارتها دواء عجيب للنقرس، وبها بحيرة تعرف بفم البوّاب، ماؤها دائر إذا وقع فيها شيء من الحيوان لا يغوص بل يدور فيها حتى يموت، ثمّ يقذف إلى الشطّ.

стр. 301

وبها قنطرة من عجائب الدنيا يقال لها قنطرة خره زاد، وهي أم أردشير الملك، مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا أوان المدود من الأمطار، فإنه حينئذ يصير بحرا عجاجا وفسحته على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع، وعمقه مائة وخمسون ذراعا، وقد ابتدئ بعمل هذه القنطرة من أسفلها إلى أن بلغ بها وجه الأرض بالرصاص والحديد. وكلما علا البناء ضيق، وجعل بينه وبين جنب الوادي حشو من خبث الحديد، وصب عليه الرصاص حي صار بينه وبين وجه الأرض نحو من أربعين ذراعا، فعقدت القنطرة عليه حتى استوى أعلاها على وجه الأرض، وحشي ما بينها وبين جنبي الوادي بالرصاص المخلوط بنحاتةالنحاس. وهذه القنطرة طاق واحد عجيب الصنعة محكم العمل، وقد كان المسمعي قد قطعها فمكث دهرا لم يتسع لأحد أن يقوم بإصلاحها، فأضر ذلك بالسابلة. وقد صار إليها أقوام ممن يقربها واحتالوا في قلع الرصاص من حشوها بالجهد الشديد، حتى أعادها أبو عبد الله محمد بن أحمد القمي وزير الحسن بن بويه. فإنه جمع الصناع والمهندسين واستفرغ الوسع في أمرها، فكان الرجال يحطون إليها في الزنابيل بالبكر والحبال، ولم يمكنهم عقد الطاق إلا بعد سنين، فإنه أنفق على ذلك سوى أجرة الفعلة، فإن أكثرهم كانوا من رستاق إيذج وأصفهان مسخرين، ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار. والآن في مشاهدتها والنظر إليها عبرة للناظرين. إيرَاوَه قرية على قلة جبل بقرب طبس، كثيرة المياه والأشجار والبساتين والفواكه. ولها قلعة حصينة ينسب إليها الشيخ أبو نصر الإيراوي، ﵀. كان صاحب كرامات ظاهرة: ذكر أن أهل القربة سألوه أن يستسقي لهم في محل أصابهم، فسجد لله ودعا، فنبعت عين من الصخر الصلد وتدفقت بماء صاف عذب، وفار فورانا شديدا، فوضع الشيخ يده عليه وقال: اسكن بإذن الله! فسكن.

стр. 302

أخبر بهذا كلّه الحافظ ابن النجّار شيخ المحدّثين ببغداد وقال: شاهدت العين وشربت من مائها، وزرت مشهد الشيخ هناك فوجدت روحا تامّا. ايلابستان قرية بين اسفرايين وجرجان، من عجائبها ما ذكره صاحب تحفة الغرائب ان بها مغارة يخرج منها ماء كثير ينبع من عين فيها، فربّما ينقطع ذلك الماء في بعض السنين أشهرا، فإذا دام انقطاعه يخرج أهل القرية من الرجال بأحسن ثيابهم والدفوف والشبابات والملاهي إلى تلك العين، ويرقصون عندها ويلعبون، فإن الماء ينبع من العين ويجري بعد ساعة، وهو ماء كثير بقدر ما يدير رحى. بابل اسم قرية كانت على شاطئ نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان، والآن ينقل الناس آجرّها. بها جبّ يعرف بجبّ دانيال، ﵇، يقصده اليهود والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم. ذهب أكثر الناس إلى أنّها هي بئر هاروت وماروت، ومنهم من ذهب إلى أن بابل أرض العراق كلّها. ومن عجائبها ما ذكر أن عمر بن الخطّاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال: عجائب بابل كثيرة، لكن أعجبها أمر المدن السبع، كانت في كلّ مدينة أعجوبة. أمّا المدينة الأولى فكان الملك ينزلها وفيها بيت، في ذلك البيت صورة الأرض بقراها ورساتيقها وأنهارها، فمتى امتنع أهل بلدة من حمل الخراج خرق أنهارهم في تلك الصورة وغرق زروعهم، فحدث بأهل تلك البلدة مثل ذلك حتى رجعوا عن الامتناع، فيسدّ أنهارهم في الصورة فينسدّ في بلدهم. والمدينة الثانية كان فيها حوض عظيم، فإذا جمع الملك قومه حمل كلّ واحد معه شرابا يشربه عند الملك وصبّه في ذلك الحوض، فإذا جلسوا للشرب شرب كلّ واحد منهم شرابه الذي كان معه وحمل من منزله.

стр. 303

والمدينة الثالثة كان على بابها طبل معلّق، فإذا غاب إنسان من أهل تلك المدينة والتبس أمره ولم يعلم حيّ هو أم ميت، دقّوا ذلك الطبل على اسمه، فإن كان حيّا ارتفع صوته، وإن كان ميتا لم يسمع منه صوت البتّة. والمدينة الرابعة كان فيها مرآة من حديد، فإذا غاب رجل عن أهله وأرادوا أن يعرفوا حاله التي هو فيها، أتوا تلك المرآة على اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها. والمدينة الخامسة كان على بابها عمود من نحاس وعلى رأسه اوزّة من نحاس، فإذا دخلها جاسوس صاحت صيحة سمعها كلّ أهل المدينة، فعلموا أن جاسوسا دخل عليهم. والمدينة السادسة كان بها قاضيان جالسان على طرف ماء، فإذا تقدّم إليهما خصمان قرآ شيئا وتفلا على رجليهما وأمراهما بالعبور على الماء، فغاص المبطل في الماء دون المحقّ. والمدينة السابعة كانت بها شجرة كثيرة الأغصان، فإن جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإن زاد على الألف واحد صاروا كلّهم في الشمس. وروي عن الأعمش أن مجاهدا كان يحبّ أن يسمع من الأعاجيب، ولم يسمع بشيء من الأعاجيب منها إلّا صار إليه وعاينه. فقدم أرض بابل فلقيه الحجّاج وسأله عن سبب قدومه، فقال: حاجة إلى رأس الجالوت! فأرسله إليه وأمره بقضاء حاجته، فقال له رأس الجالوت: ما حاجتك؟ قال: أن تريني هاروت وماروت! فقال لبعض اليهود: اذهب بهذا وأدخله إلى هاروت وماروت لينظر إليهما. فانطلق به حتى أتى موضعا ورفع صخرة، فإذا شبه سرب، فقال له اليهودي: انزل وانظر إليهما ولا تذكر اللّه! فنزل مجاهد معه فلم يزل يمشي به اليهودي حتى نظر إليهما، فرآهما مثل الجبلين العظيمين منكوسين على رأسيهما وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما مصفّدين، فلمّا رآهما مجاهد لم يملك نفسه فذكر اللّه، فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان ما عليهما من

стр. 304

الحديد، فخرّ اليهودي ومجاهد على وجههما، فلمّا سكنا رفع اليهودي رأسه وقال لمجاهد: أما قلت لك لا تفعل ذلك فكدنا نهلك! فتعلّق مجاهد به ولم يزل يصعد به حتى خرجا. بالس بليدة على ضفة الفرات من الجانب الغربي، فلم تزل الفرات تشرّق عنها قليلا قليلا حتى صار بينهما في أيّامنا هذه أربعة أميال. بدخشان (١) مدينة مشهورة بأعلى طخارستان. بها معدن البلخش المقاوم للياقوت، وقد حدّث من شاهده قال: انّه عروق في جبالها يكثر بها إلّا أن الجيّد قليل. وبها معدن اللازورد ومعدن البيجادق وهو حجر كالياقوت، وبها معدن البلّور الخالص. ومن عجائبها حجر الفتيلة وهو يشبه البردي، يحسب العامة انّه ريش الطائر لا تحرقه النار، يدهن ويشعل فيتقد مثل الفتيلة، فإذا فني الدهن بقي كما كان ولم يتغيّر شيء من صفته، وهكذا كلّما وضع في الدهن اشتعل، ويتّخذ منه قناديل غلاظ للخوان، فإذا اتسخت ألقيت في النار فذهب عنها الدرن وصفا لونها. وبها حجر يترك في البيت المظلم يضيء شيئا يسيرا، كلّ ذلك عن البشّاري. برقعيد بليدة بين الموصل ونصيبين، كانت قديما مدينة كبيرة ممرّ القوافل. يضرب بأهلها المثل في اللصوصيّة. يقال: لصّ برقعيدي! فكانت القوافل إذا نزلت بهم لقيت منهم الأمرّين. حكي أن قفلا نزل بهم فذهبوا إلى بعض جدرانها

стр. 305

احترازا من اللصوص، وجعلوا دوابهم تحت الجدار وأمتعتهم حولها، واشتغلوا بحراسة ما تباعد عن الجدار لأمنهم من صوب الجدار. فلمّا كان الليل صعد البرقعيديون السطح، وألقوا على الدواب كلاليب أنشبوها في براذعها وجذبوها إلى السطح، ولم يدر القوم إلى وقت الرحيل، فطلبوا الدواب فما وجدوها، فذهبوا وتركوها. فلمّا كثرت منهم أمثال هذه الأفاعيل تجنّبتهم القوافل، وجعلوا طريقهم إلى باشزّى، وانتقلت الأسواق إلى باشزّى وخربت برقعيد. والآن لم يبق بها إلّا طائفة صعاليك ضعفي. ينسب إليها المغني البرقعيدي الذي يضرب به المثل في سماجة الوجه وكراهة الصوت، قال: وليل كوجه البرقعيديّ ظلمة … وبرد أغانيه وطول قرونه قطعت دياجيه بنوم مشرّد … كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه الهباب كأنّه … أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه … سنا وجه قرواش وضوء جبينه بروجرد بلدة بقرب همذان، طيّبة خصيبة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والثمار. فواكهها تحمل إلى المواضع التي بقربها. وهي قليلة العرض طولها مقدار نصف فرسخ. أرضها تنبت الزعفران. من عجائبها ما ذكر أنّه في قديم الزمان نزل على بابها عسكر، فأصبحوا وقد مسخ العسكر حجرا صلدا. وآثارها إلى الآن باقية، وإن كانت التماثيل بطول الزمان تشعّبت بنزول الأمطار عليها وهبوب الرياح واحتراقها بحرارة الشمس، لكن لا يخفى أن هذا كان إنسانا وذاك كان بهيمة وغيرها.

стр. 306

بسطام مدينة كبيرة بقومس بقرب دامغان. من عجائبها انّه لا يرى بها عاشق من أهلها، وإذا دخلها من به عشق فإذا شرب من مائها زال عنه ذلك! وأيضا لم ير بها رمد قطّ، وماؤها يزيل البخر إذا شرب على الريق، وإن احتقن به يزيل بواسير الباطن. والعود لا رائحة له بها ولو كان من أجود العود، وتذكو بها رائحة المسك والعنبر وسائر أصناف الطيب، ودجاجها لا يأكل العذرة. وبها حيّات صغار وثّابات. ينسب إليها سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي صاحب العجائب؛ قيل له: ما أشدّ ما لقيت في سبيل اللّه من نفسك؟ قال: لا يمكن وصفه. فقيل: ما أهون ما لقيت نفسك منك في سبيل اللّه؟ قال: أمّا هذا فنعم. دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة. وحكي أن أبا يزيد رأى في طريق مكّة رجلا معه حمل ثقيل، فقال لأبي يزيد: ما أصنع بهذا الحمل؟ فقال له: احمله على بعيرك واركب أنت فوقه. ففعل الرجل ذلك وفي قلبه شيء، فقال له أبو يزيد: افعل ولا تمار، فإن اللّه هو الحامل لا البعير! فلم يقنع الرجل بذلك فقال أبو يزيد: انظر ماذا ترى؟ فقال: أرى نفسي والحمل يمشي في الهواء والبعير يمشي فارغا. فقال له: أما قلت لك إن اللّه هو الحامل فما صدقت حتى رأيت! وحكي انّه سمع أن بعض مريديه شرب الخمر، فقال له: اخرج معي حتى أعلّمك شرب الخمر! فخرج معه فأدخله بعض المواخير وشرب جميع ما في دنانها، ثمّ تنكّس فجعل رأسه على الأرض ورجليه نحو الهواء، وقرأ القرآن من أوّله إلى آخره وقال للمريد: إذا أردت شرب الخمر فهكذا! مات سنة إحدى وستّين ومائتين ببسطام، وكان له هناك مشهد مزار متبرّك به، وذكر بعض الصوفية ان من نام في مشهد أبي يزيد، فإذا استيقظ يرى نفسه خارجا من المشهد.

стр. 307

البصرة هي المدينة المشهورة التي بناها المسلمون؛ قال الشعبي: مصرت البصرة قبل الكوفة بسنة ونصف. وهي مدينة على قرب البحر كثيرة النخيل والأشجار، سبخة التربة ملحة الماء لأن المدّ يأتي من البحر، يمشي إلى ما فوق البصرة بثلاثة أيّام. وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحا. وأمّا نخيلها فكثير جدّا؛ قال الأصمعي: سمعت الرشيد يقول: نظرنا فإذا كلّ ذهب وفضّة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة! ومن عجائبها أمور ثلاثة: أحدها أن دجلة والفرات يجتمعان قرب البصرة، ويصيران نهرا عظيما يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب، فهذا يسمّونه جزرا، ثمّ يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسمّونه مدّا. يفعل ذلك في كلّ يوم وليلة مرّتين، فإذا جزر نقص نقصا كثيرا بحيث لو قيس لكان الذي ذهب مقدار ما بقي أو أكثر، وينتهي كلّ أوّل شهر في الزيادة إلى غايته، ويسقي المواضع العالية والأراضي القاصية ثمّ يشرع في الانتقاص، فهذا كلّ يوم وليلة انقص من الذي كان قبله إلى آخر الأسبوع الأوّل من الشهر، ثمّ يشرع في الزيادة فهذا كلّ يوم وليلة أكثر من الذي قبله إلى نصف الشهر، ثمّ يأخذ في النقص إلى آخر الأسبوع ثمّ في الزيادة إلى آخر الشهر، وهكذا أبدا لا ينحلّ هذا القانون ولا يتغيّر. وثانيها انّك لو التمست ذبابة في جميع بيادرها وربطها المعوّذة وغيرها على نخلها في جميع معاصرها، ما وجدت إلّا في الفرط، ولو أن معصرة دون الغيط أو تمرة منبوذة دون المسناة لما استبنتها من كثرة الذبّان، وذكروا أن ذلك لطلسم. وثالثها أن الغربان القواطع في الخريف تسوّد جميع نخل البصرة وأشجارها، حتى لا يرى غصن إلّا وعليه منها، ولم يوجد في جميع الدهر غراب ساقط على نخلة غير مصرومة، ولو بقي عليها عذق واحد. ومناقير الغربان كالمعاول،

стр. 308

والتمر في ذلك الوقت على الأعذاق غير متماسك، فلولا لطف اللّه تعالى لتساقطب كلّها بنقر الغربان ثمّ تنتظر صرامها، فإذا تمّ الصرام رأيتها تخلّلت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلّا استخرجتها. فسبحان من قدر ذلك لطفا بعباده! قال الجاحظ: من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد، فإنّهم يلبسون القمص مرّة والمبطنات مرّة لاختلاف جواهر الساعات. ومن ظريف ما قيل في اختلاف هواء البصرة قول ابن لنكك: نحن بالبصرة في لو … ن من العيش ظريف نحن ما هبّت شمال … بين جنّات وريف فإذا هبّت جنوب … فكأنّا في كنيف ومن متنزّهاتها وادي القصر؛ ذكر الخليل أن أباه مرّ بوادي القصر فرأى أرضا كالكافور وضبّا محترشا وغزالا وسمكا، وصيادة وغناء ملّاح على سكانه وحداء جمّال خلف بعيره فقال: يا وادي القصر نعم القصر والوادي … في منزل حاضر إن شئت أو بادي ترفا به السّفن والظلمان حاضرة … والضّبّ والنّون والملّاح والحادي حكي أن عبيد اللّه بن زياد ابن أبيه بنى بالبصرة دارا عجيبة سمّاها البيضاء، والناس يدخلونها ويتفرّجون عليها، فدخلها اعرابيّ قال: لا ينتفع بها صاحبها! ودخلها آخر وقال: أتبنون بكلّ ريع آية تعبثون؟ فقيل ذلك لعبيد اللّه، قال لهما: لأيّ شيء قلتم ما قلتم؟ قال الأعرابي: لأني رأيت فيها أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا! وكان كما قال ما انتفع بها عبيد اللّه أخرجه أهل البصرة منها. وقال الآخر: آية من كتاب اللّه عرضت لي قرأتها، فقال: واللّه لأفعلنّ بك ما في الآية الأخرى: وإذا بطشتم بطشتم جبّارين. فأمر أن يبنى عليه ركن من أركان قصره.

стр. 309

وينسب إليها أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري أوحد زمانه. سأله الحجّاج وقال: ما تقول في عثمان وعليّ؟ قال: أقول ما قال من هو خير مني عند من هو شرّ منك! قال: من هو؟ قال: موسى، ﵇، حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى؟ قال: علمها عند ربي في كتاب لا يضلّ ربي ولا ينسى. علم عثمان وعليّ عند اللّه. فقال: أنت سيّد العلماء يا أبا سعيد! وحكي أن رجلا قال للحسن: فلان اغتابك! فبعث إلى ذلك الرجل طبق حلاوى وقال: بلغني أنّك نقلت حسناتك إلى ديواني فكافيتك بهذا. وحكي ان ليلة وفاته رأى رجل في منامه مناديا ينادي: إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه. توفي سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة. وينسب إليها أبو بكر محمّد بن سيرين، وهو مولى أنس بن مالك. كان شابّا حسن الوجه بزّازا، طلب منه بعض نساء الملوك ثيابا للشري، فلمّا حصل في دارها مع ثيابه راودته عن نفسه فقال: أمهليني حتى أقضي حاجتي فإني حاقن! فلمّا دخل بيت الطهارة لطخ جميع بدنه بالنجاسة وخرج، فرأته على تلك الحالة فنفرت منه وأخرجته. وحكي انّه رأى يوسف الصدّيق، ﵇، في نومه فقال له: يا نبي اللّه حالك عجيب مع أولئك النسوة! فقال له: وحالك أيضا عجيب! أعطاه اللّه علم تأويل الرؤيا، جاءه رجل قال: رأيت في نومي كأني أعلّق الجواهر على الخنازير! فقال له: تعلّم الحكمة لمن ليس أهلا لها! وجاءه رجل آخر وقال: رأيت كأني أختم أفواه الرجال وفروج النساء! فقال: مؤذن أنت؟ قال: نعم. فقال: تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر. وجاءه رجل آخر وقال: رأيت كأني أصبّ الزيت في وسط الزيتون. فقال له: عندك جارية؟ قال: نعم. قال: اكشف عن حالها كأنّها أمّك. توفي ابن سيرين سنة مائة وعشر عن سبع وسبعين سنة.

стр. 310

وينسب إليها عمرو بن عبيد. كان عالما زاهدا ورعا. كان بينه وبين السفّاح والمنصور قبل خلافتهما معرفة، وكانوا خائفين متواترين، وعمرو بن عبيد يعاودهما في قضاء حاجتهما. فلمّا صارت الخلافة إلى المنصور عصى عليه أهل البصرة، فجاء بنفسه بخراب البصرة. أهل البصرة تعلّقوا بعمرو بن عبيد وسألوه أن يشفع لهم، فركب حمارا وعليه نعلان من الخوص، وذهب إلى المنصور، فلمّا رآه أكرمه وقبل شفاعته وسأله أن يقبل منه مالا، فأبى قبول المال، فألحّ عليه المنصور فأبى، فحلف المنصور أن يقبله فحلف هو أن لا يقبله، وكان المهدي ابن المنصور حاضرا فقال: يا عمّ أيحلف الخليفة وتحلف أنت؟ فقال: نعم للخليفة ما يكفّر به يمينه وليس لعمّك ما يكفر به يمينه! وقام من عنده وخرج والمنصور يقول: كلّكم يمشي رويد، كلّكم يطلب صيد، غير عمرو بن عبيد! وحكي أن رجلا قال له: فلان لم يزل يذكرك بالسوء! فقال: واللّه ما راعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلي حديثه، ولا راعيت حقّي حين بلغتني عن أخي ما أكرهه! اعلم أن الموت يعمّنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا، واللّه يحكم بيننا! وحكي أنّه مرّ على قوم وقوف قال: ما وقوفكم؟ قالوا: السلطان يقطع يد سارق! قال: سارق العلانية يقطع يد سارق السرّ. وينسب إليها القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني. كان إماما عالما فاضلا. ولمّا سمع الشيخ أبو القاسم بن برهان كلام القاضي أبي بكر ومناظرته قال: ما سمعت كلام أحد من الفقهاء والخطباء والبلغاء مثل هذا. وتعجّب من فصاحته وبلاغته وحسن تقريره. وزعم بعضهم أنّه هو المبعوث على رأس المائة الرابعة لتجديد أمر الدين، وله تصانيف كثيرة، وكان مشهورا بوفور العلم وحسن الجواب؛ حضر بعض محافل النظر وكان أشعريّ الاعتقاد، فقال ابن المعلم: قد جاء الشيطان! وابن المعلم كان شيخ الشيعة فسمع القاضي أبو بكر ما قاله فقال: ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا؟ وحكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولا إلى الروم وقال: ان النصارى

стр. 311

يسألون ويناظرون فمن يصلح؟ قالوا: ليس لهم مثل القاضي أبي بكر، فإنّه يناظرهم ويغلبهم في كلّ ما يقولونه. فبعثه إلى قيصر الروم، فلمّا أراد الدخول عليه علم الرومي انّه لا يخدم كما هي عادة الرسل، فاتّخذ الباب الذي يدخل منه إلى قيصر بابا قصيرا، من أراد دخوله ينحني، فلمّا وصل القاضي إلى ذلك عرف الحال فأدار ظهره إلى الباب، ودخل راكعا ظهره إلى الباب، فتعجّب قيصر من فطنته ووقع في نفسه هيبته. فلمّا أدّى الرسالة رأى عنده بعض الرهابين فقال له القاضي مستهزئا: كيف أنت وكيف الأولاد؟ فقال له قيصر: إنّك لسان الأمّة ومقدم علماء هذه الملّلة! أما علمت أن هؤلاء متنزّهون عن الأهل والولد؟ فقال القاضي: إنّكم لا تنزّهون اللّه عن الأهل والولد وتنزّهون هؤلاء، فهؤلاء أجلّ عندكم من اللّه تعالى! وقال بعض طاغية الروم للقاضي: أخبرني عن زوجة نبيّكم عائشة وما قيل فيها. قال القاضي: قيل في حقّ عائشة ما قيل في حقّ مريم بنت عمران، وعائشة ما ولدت ومريم ولدت، وقد برّأ اللّه تعالى كلّ واحدة منهما! وحكى بعض الصالحين: انّه لمّا توفي القاضي أبو بكر رأيت في منامي جمعا عليهم ثياب بيض، ولهم وجوه حسنة وروائح طيّبة، قلت لهم: من أين جئتم؟ قالوا: من زيارة القاضي أبي بكر الأشعري. قلت: ما فعل اللّه به؟ قالوا: غفر اللّه له ورفع درجته. فمشيت إليه فرأيته وعليه ثياب حسنة في روضة خضرة نضرة، فهممت أن أسأله عن حاله فسمعته يقرأ بصوت عال: هاؤم اقرأوا كتابيه. اني ظننت اني ملاق حسابيه. فهو في عيشة راضية. في جنّة عالية. بغداد أمّ الدنيا وسيّدة البلاد وجنّة الأرض ومدينة السلام، وقبّة الإسلام ومجمع الرافدين، ومعدن الظرائف ومنشأ أرباب الغايات، هواؤها ألطف من كلّ هواء، وماؤها أعذب من كلّ ماء، وتربتها أطيب من كلّ تربة، ونسيمها

стр. 312

أرقّ من كلّ نسيم! بناها المنصور أبو جعفر عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، ولمّا أراد المنصور بناء مدينة بعث روّادا يرتاد موضعا، قال له: أرى يا أمير المؤمنين أن تبنى على شاطئ دجلة، تجلب إليها الميرة والأمتعة من البرّ والبحر، وتأتيها المادة من دجلة والفرات، وتحمل إليها ظرائف الهند والصين، وتأتيها ميرة أرمينية وآذربيجان وديار بكر وربيعة، لا يحمل الجند الكثير إلّا مثل هذا الموضع. فأعجب المنصور قوله وأمر المنجّمين، وفيهم نوبخت، باختيار وقت للبناء فاختاروا طالع القوس الدرجة التي كانت الشمس فيها، فاتّفقوا على أن هذا الطالع ممّا يدلّ على كثرة العمارة وطول البقاء، واجتماع الناس فيها وسلامتهم عن الأعداء. فاستحسن المنصور ذلك ثمّ قال نوبخت: وخلّة أخرى يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: لا يتّفق بها موت خليفة! فتبسّم المنصور وقال: الحمد للّه على ذلك. وكان كما قال، فإن المنصور مات حاجّا، والمهدي مات بماسبذان، والهادي بعيساباد، والرشيد بطوس، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي، والمأمون بطرسوس، والمعتصم والواثق والمتوكّل والمستنصر بسامرّا. ثمّ انتقل الخلفاء إلى التاج وتعطّلت مدينة المنصور من الخلفاء؛ قال عمارة بن عقيل: أعاينت في طول من الأرض أو عرض … كبغداد من دار بها مسكن الخفض؟ صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده … وعيش سواها غير خفض ولا غض قضى ربّها أن لا يموت خليفة … بها، إنّه ما شاء في خلقه يقضي ذكر أبو بكر الخطيب أن المنصور بنى مدينة بالجانب الغربي، ووضع اللبنة الأولى بيده، وجعل داره وجامعها في وسطها، وبنى فيها قبّة فوق إيوان كان علوها ثمانين ذراعا. والقبّة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح، فإذا رأوا ذلك التمثال استقبل بعض الجهات ومدّ رمحه نحوها، فعلموا أن بعض الخوارج

стр. 313

يظهر من تلك الجهة، فلا يطول الوقت حتى يأتي الخبر ان خارجيّا ظهر من تلك الجهة. وقد سقط رأس هذه القبّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في يوم مطير ريّح، وكانت تلك القبّة علم بغداد وتاج البلد، ومأثرة بني العبّاس. وكان بجانبها الشرقي محلّة تسمّى باب الطاق، كان بها سوق الطير فاعتقدوا ان من تعسّر عليه شيء من الأمور فاشترى طيرا من باب الطاق وأرسله، سهل عليه ذلك الأمر. وكان عبد اللّه بن طاهر طال مقامه ببغداد، ولم يحصل له اذن الخليفة، فاجتاز يوما بباب الطاق فرأى قمرية تنوح، فأمر بشرائها واطلاقها، فامتنع صاحبها أن يبيعها إلّا بخمسمائة درهم، فاشتراها وأطلقها وأنشأ يقول: ناحت مطوّقة بباب الطّاق … فجرت سوابق دمعي المهراق كانت تغرّد بالأراك وربّما … كانت تغرّد في فروع السّاق فرمى الفراق بها العراق فأصبحت … بعد الأراك تنوح في الأشواق فجعت بإفراج فأسبل دمعها … إنّ الدّموع تبوح بالمشتاق تعس الفراق وتبّ حبل وتينه … وسقاه من سمّ الأساود ساقي ماذا أراد بقصده قمريّة … لم تدر ما بغداد في الآفاق بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي … من فكّ أسرك أن يحلّ وثاقي! هذه صفة المدينة الغربيّة، والآن لم يبق منها أثر. وبغداد عبارة عن المدينة الشرقيّة. كان أصلها قصر جعفر بن يحيى البرمكي، والآن هي مدينة عظيمة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات. تجبى إليها لطائف الدنيا وظرائف العالم إذ ما من متاع ثمين ولا عرض نفيس إلّا ويحمل إليها، فهي مجمع لطيبات الدنيا ومحاسنها، ومعدن لأرباب الغايات وآحاد الدهر في كلّ علم وصنعة. وبها حريم الخلافة، وعليه سور ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كشبه الهلال، وله أبواب: باب سوق التمر باب شاهق البناء عال، أغلق من أوّل أيّام

стр. 314

الناصر واستمرّ إغلاقه. ذكر أن المسترشد خرج منه فأصابه ما أصابه فتطيّروا به وأغلقوه. وباب النوبي وعنده العتبة التي يقبّلها الملوك والرسل إذا قدموا بغداد. وباب العامة وعليه باب عظيم من الحديد نقله المعتصم من عمورية لم ير مصراعان أكبر منهما من الحديد. ومن عجائبها دار الشجرة من أبنية المقتدر باللّه، دار فيحاء ذات بساتين مؤنقة، وإنّما سمّيت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضّة في وسط بركة كبيرة أمام أبوابها، ولها من الذهب والفضّة ثمانية عشر غصنا، ولكلّ غصن فروع كثيرة مكلّلة بأنواع الجواهر على شكل الثمار. وعلى أغصانها أنواع الطير من الذهب والفضّة، إذا هبّ الهواء سمعت منها الهدير والصفير. وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فارسا، ومثله عن يسار البركة، قد ألبسوا أنواع الحرير المدبّج مقلّدين بالسيوف، وفي أيديهم المطارد يحركون على خطّ واحد، فيظنّ أن كلّ واحد قاصد إلى صاحبه. ومن مفاخرها المدرسة التي أنشأها المستنصر باللّه. لم يبن مثلها قبلها في حسن عمارتها ورفعة بنائها، وطيب موضعها على شاطئ دجلة وأحد جوانبها في الماء. لم يعرف موضع أكثر منها أوقافا ولا أرفه منها سكّانا. وعلى باب المدرسة إيوان ركب في صدره صندوق الساعات على وضع عجيب، يعرف منه أوقات الصلوات وانقضاء الساعات الزمانية نهارا وليلا؛ قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: يا أيّها المنصور يا مالكا … برأيه صعب اللّيالي يهون! شيّدت للّه ورضوانه … أشرف بنيان يروق العيون إيوان حسن وصفه مدهش … يحار في منظره النّاظرون! تهدي إلى الطّاعات ساعاته … النّاس، وبالنّجم هم يهتدون صوّر فيه فلك دائر … والشّمس تجري ما لها من سكون دائرة من لازورد حلت … نقطة تبر فيه سرّ مصون

стр. 315

فتلك في الشّكل وهذا معا … كمثل هاء ركّبت وسط نون فهي لإحياء العلى والنّدى … دائرة مركزها العالمون وأمّا أولو الفضل من العلماء والزهّاد والعبّاد والأدباء والشعراء والصنّاع فلا يعلم عددهم إلّا اللّه. ولنذكر بعض مشاهيرها إن شاء اللّه. ينسب إليها القاضي أبو يوسف. ذكر أنّه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكبا على بغلة، واليهودي يمشي راجلا جائعا ضعيفا، فقال للقاضي: أليس نبيّكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر؟ قال: نعم. قال: فأنت في السجن وأنا في الجنّة والحالة هذه! فقال القاضي: نعم يا عدوّ اللّه، بالنسبة إلى ما أعد اللّه لي من الكرامة في الآخرة في السجن، وأنت بالنسبة إلى ما أعدّ اللّه لك في الآخرة من العذاب في الجنّة! وحكي أن الهادي الخليفة اشترى جارية فاستفتى فقال الفقهاء: لا بدّ من الاستبراء أو الاعتاق والتزويج. فقال القاضي أبو يوسف: زوّجها من بعض أصحابك وهو يطلّقها قبل الدخول وحلّت لك. وحكي أن الرشيد قال لزبيدة: أنت طالق ثلاثا إن بتّ الليلة في مملكتي! فاستفتوا في ذلك فقال أبو يوسف: تبيت في بعض المساجد فإن المساجد للّه! فولّاه القضاء بجميع مملكته. وحكي أن زبيدة قالت للرشيد: أنت من أهل النار. فقال لها: إن كنت من أهل النار فأنت طالق ثلاثا! فسألوا عنه فقال: هل يخاف مقام ربّه؟ قالوا: نعم. قال: فلا يقع الطلاق لأن اللّه تعالى يقول: ولمن خاف مقام ربّه جنّتان. وينسب إليها القاضي يحيى بن أكثم. كان فاضلا غزير العلم ذكي الطبع، لطيفا حسن الصورة حلو الكلام، كان المأمون يرى له لا يفارقه، ويضرب به المثل في الذكاء. ولي القضاء وهو ابن سبع عشرة سنة فقال بعض الحاضرين في مجلس

стр. 316

الخليفة: أصلح اللّه القاضي! كم يكون سنّ عمره؟ فعلم يحيى انّه قصد بذلك استحقاره لقلّة سنه، فقال: سنّ عمري مثل سنّ عمر بن عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول اللّه، ﵇، قضاء مكّة! فتعجّب الحاضرون من جوابه. وحكي انّه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا: يا أبا سعيد اعطنا حقّنا! فأمر بحبسهم، فقيل له: لم حبست العميان وقد طلبوا حقّهم؟ فقال: هؤلاء يستحقّون أبلغ من ذلك، إنّهم شبّهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا! وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك. وحكي انّه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبيانا حسانا فقال لهم: لولا أنتم لكنّا مؤمنين. فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كلّ يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة، حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركابا. وينسب إليها أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل. كان أصله من مرو وجيء به حملا إلى بغداد فنشأ بها. فلمّا كان أيّام المعتصم وقع في محنة المعتزلة، جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود. قالوا: ان القرآن مخلوق! قال لهم أحمد: ما الدليل على ذلك؟ قالوا: قوله تعالى: وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث. فقال لهم أحمد: المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى: ص والقرآن ذي الذكر. فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن، وههنا مطلق وفي ص مقيّد، فيجب حمل المطلّق على المقيّد. فانقطعت حجّتهم، فقال المعتصم لأبي داود: ما تقول في هذا؟ فقال القاضي: هذا ضالّ مضلّ يجب تأديبه! وعن ميمون بن الإصبع قال: كنت حاضرا عند محنة أحمد، فلمّا ضرب سوطا قال: بسم اللّه، فلمّا ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللّه؛ فلمّا ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللّه غير مخلوق، فلمّا ضرب الرابع قال:

стр. 317

لا يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا! وعن محمّد بن إسماعيل قال: سمعت شابّا يقول: ضربت لأحمد ثمانين سوطا لو ضربت فيلا لهدته فجرى دمه تحت الخشب! ثمّ أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة، وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد. فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس: أتعرفون هذا الرجل؟ قالوا: نعم هو أحمد بن حنبل. قال: انظروا إليه ما به كسر ولا هشم. وسلّمه إليهم. وحكى صالح بن أحمد قال: دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه: بلغني أبا عبد اللّه ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان، لا من زكاة ولا من صدقة وإنّما هي من إرث أبي! فقال أحمد: قل لصاحب هذا الكتاب: أمّا الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه، والعيال في نعمة من اللّه. قال: فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قال أبي، واللّه يعلم ما نحن فيه من الضيق. فلمّا مضت سنة قال: لو قبلناها لذهبت! وحكى أحمد بن حرار قال: كانت أمّي زمنة عشرين سنة فقالت لي يوما: اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو اللّه لي. فذهبت ودققت الباب فقالوا: من؟ قلت: رجل من ذاك الجانب، وسألتني أمّي الزمنة ان أسألك أن تدعو اللّه لها. فسمعت قائلا يقول: نحن أحوج إلى من يدعو اللّه لنا! فوليت منصرفا فخرجت عجوز من داره وقالت: أنت الذي كلّمت أبا عبد اللّه؟ قلت: نعم. قالت: تركته يدعو اللّه لها. فجئت إلى بيتي ودققت الباب، فخرجت أمّي على رجليها تمشي وقالت: قد وهب اللّه لي العافية. وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حلّ يوم قتل بابك الخرّمي أو يوم فتح عمورية. وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة. وحكى أبو بكر المروزي قال: رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة، وعليه حلّتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور، وهو يمشي مشيا

стр. 318

لم أكن أعرفه. فقلت: يا أحمد ما هذه المشية؟ قال: هذه مشية الخدام في دار السلام! فقلت: ما هذا التاج الذي أراه فوق رأسك؟ فقال: ان ربّي أوقفني وحاسبني حسابا يسيرا، وحباني وقربني وأباحني النظر وتوّجني بهذا التاج، وقال لي: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به كما قلت القرآن كلامي غير مخلوق. وينسب إليها أبو عليّ الحسين بن صالح بن خيران. كان عالما شافعيّ المذهب جامعا بين العلم والعمل والورع. طلبه عليّ بن عيسى وزير المقتدر لتوليته القضاء، فأبى وهرب فختم بابه بضعة عشر يوما، قال أبو عبد اللّه بن الحسن العسكري: كنت صغيرا وعبرت مع أبي على باب أبي علي بن خيران، وقد وكل به الوزير عليّ بن عيسى، وشاهدت الموكّلين على بابه فقال لي أبي: يا بني ابصر هذا حتى تتحدّث إن عشت أنّ إنسانا فعل به هذا فامتنع عن القضاء. ثمّ إن الوزير عفا عنه وقال: ما أردنا بالشيخ أبي عليّ إلّا خيرا، وأردنا أن نعلم الناس أن في ملكنا رجلا يعرض عليه قضاء الشرق والغرب وهو لا يقبل. توفي ابن خيران في حدود عشرين وثلاثمائة. وينسب إليها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. كان عالما بعلم التفسير والحديث والفقه والأدب والوعظ، وله تصانيف كثيرة في فنون العلوم. وكان أيضا ظريفا سئل وهو على المنبر: أبو بكر أفضل أم عليّ؟ فقال: الذي كانت ابنته تحته! فقالت السّنّيّة: فضّل أبا بكر! وقالت الشيعة: فضّل عليّا! وكانت له جارية حظية عنده فمرضت مرضا شديدا فقال وهو على المنبر: يا إلهي يا إلهي ما لنا شيء إلّا هي، قد رمتني بالدواهي والدواهي والدواهي: ونقل أنّهم كتبوا على رقعة إليه وهو على المنبر: إن ههنا امرأة بها داء الابنة والعياذ باللّه تعالى فماذا تصنع بها؟ فقال: يقولون ليلى في العراق مريضة … فيا ليتني كنت الطّبيب المداويا توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

стр. 319

وينسب إليها الوزير عليّ بن عيسى وزير المقتدر ووزير ابنه المطيع. ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم، فرآه جمع من الغرباء قالوا: من هذا؟ وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت: كم تقولون من هذا؟ هذا واحد سقط من عين اللّه تعالى، فابتلاه اللّه بهذا كما ترونه! فسمع هذا القول عليّ بن عيسى، فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة وجاور مكّة إلى أن مات. وينسب إليها أبو نصر بشر بن الحرث الحافي. ذكر أيّوب العطّار انّه قال له بشر: ألا أحدّثك عن بدو أمري؟ بينا أنا أمشي إذ رأيت قرطاسا على وجه الأرض عليه اسم اللّه تعالى، فأخذته وكنت لا أملك إلّا درهما واحدا اشتريت به الماورد والمسك، غسلت القرطاس بالماورد وطيّبته بالمسك ثمّ رجعت إلى منزلي ونمت، فأتاني آت يقول: طيّبت اسمي لأطيّبنّ ذكرك وطهرته لأطهّرنّ قلبك! وحكت زبيدة أخت بشر أن بشرا دخل عليّ ليلة من الليالي، فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارجها وهو كذلك إلى أن أصبح، فقلت له: في ماذا كنت تفكّر؟ قال: في بشر اليهودي وبشر النصراني وبشر المجوسي! ونفسي ما الذي سبق مني حتى خصّني اللّه تعالى دونهم؟ فتفكّرت في تفضيله وحمدته على أن جعلني من خاصّته وألبسني لباس أحبّائه. وحكي أن بشرا الحافي دعي إلى دعوة، فلمّا وضع الطعام بين يديه أراد أن يمدّ يده إليه فما امتدّت حتى فعل ذلك ثلاث مرّات فقال بعض الحاضرين الذي كان يعرف بشرا: ما كان لصاحب الدعوة حاجة إلى إحضار من أظهر أن طعامه ذو شبهة. وحكي أن أحمد بن حنبل سئل عن مسألة في الورع فقال: لا يحلّ لي أن أتكلّم في الورع وأنا آكل من غلّة بغداد! لو كان بشر بن الحرث حاضرا لأجابك فإنّه لا يأكل من غلّة بغداد ولا من طعام السواد! توفي سنة تسع وعشرين

стр. 320

ومائتين عن خمس وسبعين سنة. وحكى الحسن بن مروان قال: رأيت بشرا الحافي في المنام بعد موته فقلت له: أبا نصر ما فعل اللّه بك؟ فقال: غفر لي ولكلّ من تبع جنازتي! وكانت جنازته قد رفعت أوّل النهار، فما وصل إلى القبر إلّا وقت العشاء لكثرة الخلق. وقال لي خزيمة: رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وتوّجني وألبسني نعلين من ذهب! قلت: فما فعل اللّه ببشر؟ قال: بخ بخ! من مثل بشر تركته بين يدي الخليل وبين يديه مائدة الطعام، والخليل مقبل عليه وهو يقول له: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وأنعم يا من لم ينعم! وقال غيره: رأيت بشرا الحافي في المنام فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وقال يا بشر أما استجبت مني وكنت تخافني كلّ ذلك الخوف؟ ورآه غيره فقال له: ما فعل اللّه بك؟ فقال: قال لي يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على وجه الأرض أحبّ إليّ منك! وينسب إليها أبو عبد اللّه الحرث بن أسد المحاسبي. كان عديم النظير في زمانه علما وورعا وحالا. كان يقول: ثلاثة أشياء عزيزة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإجابة مع الأمانة، مات أبوه أسد المحاسبي وخلّف من المال ألوفا ما أخذ الحرث منه حبّة، وكان محتاجا إلى دانق، وذاك لأن أباه كان رافضيّا. فقال الحرث: أهل ملّتين لا يتوارثان! وحكى الجنيد: ان المحاسبي اجتاز بي يوما فرأيت أثر الجوع في وجهه، فقلت: يا عمّ لو دخلت علينا ساعة! فدخل فعمدت إلى بيت عمّي، وكان عندهم أطعمة فاخرة، فجئت بأنواع من الطعام ووضعته بين يديه. فمدّ يده وأخذ لقمة رفعها إلى فيه يلوكها ولا يزدردها، ثمّ قام سريعا ورمى اللقمة في الدهليز وخرج ما كلّمني. فلمّا كان الغد قلت: يا عمّ سررتني ثمّ نغّصت عليّ! فقال: يا بنيّ أمّا الفاقة فكانت شديدة، وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي جعلته بين يديّ. ولكن بيني وبين اللّه علامة، وهي أن الطعام إذا لم يكن
следующие страницы →