← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الخليفة: أصلح اللّه القاضي! كم يكون سنّ عمره؟ فعلم يحيى انّه قصد بذلك استحقاره لقلّة سنه، فقال: سنّ عمري مثل سنّ عمر بن عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول اللّه، ﵇، قضاء مكّة! فتعجّب الحاضرون من جوابه. وحكي انّه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا: يا أبا سعيد اعطنا حقّنا! فأمر بحبسهم، فقيل له: لم حبست العميان وقد طلبوا حقّهم؟ فقال: هؤلاء يستحقّون أبلغ من ذلك، إنّهم شبّهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا! وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك. وحكي انّه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبيانا حسانا فقال لهم: لولا أنتم لكنّا مؤمنين. فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كلّ يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة، حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركابا. وينسب إليها أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل. كان أصله من مرو وجيء به حملا إلى بغداد فنشأ بها. فلمّا كان أيّام المعتصم وقع في محنة المعتزلة، جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود. قالوا: ان القرآن مخلوق! قال لهم أحمد: ما الدليل على ذلك؟ قالوا: قوله تعالى: وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث. فقال لهم أحمد: المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى: ص والقرآن ذي الذكر. فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن، وههنا مطلق وفي ص مقيّد، فيجب حمل المطلّق على المقيّد. فانقطعت حجّتهم، فقال المعتصم لأبي داود: ما تقول في هذا؟ فقال القاضي: هذا ضالّ مضلّ يجب تأديبه! وعن ميمون بن الإصبع قال: كنت حاضرا عند محنة أحمد، فلمّا ضرب سوطا قال: بسم اللّه، فلمّا ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللّه؛ فلمّا ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللّه غير مخلوق، فلمّا ضرب الرابع قال:

стр. 317

لا يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا! وعن محمّد بن إسماعيل قال: سمعت شابّا يقول: ضربت لأحمد ثمانين سوطا لو ضربت فيلا لهدته فجرى دمه تحت الخشب! ثمّ أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة، وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد. فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس: أتعرفون هذا الرجل؟ قالوا: نعم هو أحمد بن حنبل. قال: انظروا إليه ما به كسر ولا هشم. وسلّمه إليهم. وحكى صالح بن أحمد قال: دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه: بلغني أبا عبد اللّه ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان، لا من زكاة ولا من صدقة وإنّما هي من إرث أبي! فقال أحمد: قل لصاحب هذا الكتاب: أمّا الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه، والعيال في نعمة من اللّه. قال: فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قال أبي، واللّه يعلم ما نحن فيه من الضيق. فلمّا مضت سنة قال: لو قبلناها لذهبت! وحكى أحمد بن حرار قال: كانت أمّي زمنة عشرين سنة فقالت لي يوما: اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو اللّه لي. فذهبت ودققت الباب فقالوا: من؟ قلت: رجل من ذاك الجانب، وسألتني أمّي الزمنة ان أسألك أن تدعو اللّه لها. فسمعت قائلا يقول: نحن أحوج إلى من يدعو اللّه لنا! فوليت منصرفا فخرجت عجوز من داره وقالت: أنت الذي كلّمت أبا عبد اللّه؟ قلت: نعم. قالت: تركته يدعو اللّه لها. فجئت إلى بيتي ودققت الباب، فخرجت أمّي على رجليها تمشي وقالت: قد وهب اللّه لي العافية. وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حلّ يوم قتل بابك الخرّمي أو يوم فتح عمورية. وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة. وحكى أبو بكر المروزي قال: رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة، وعليه حلّتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور، وهو يمشي مشيا

стр. 318

لم أكن أعرفه. فقلت: يا أحمد ما هذه المشية؟ قال: هذه مشية الخدام في دار السلام! فقلت: ما هذا التاج الذي أراه فوق رأسك؟ فقال: ان ربّي أوقفني وحاسبني حسابا يسيرا، وحباني وقربني وأباحني النظر وتوّجني بهذا التاج، وقال لي: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به كما قلت القرآن كلامي غير مخلوق. وينسب إليها أبو عليّ الحسين بن صالح بن خيران. كان عالما شافعيّ المذهب جامعا بين العلم والعمل والورع. طلبه عليّ بن عيسى وزير المقتدر لتوليته القضاء، فأبى وهرب فختم بابه بضعة عشر يوما، قال أبو عبد اللّه بن الحسن العسكري: كنت صغيرا وعبرت مع أبي على باب أبي علي بن خيران، وقد وكل به الوزير عليّ بن عيسى، وشاهدت الموكّلين على بابه فقال لي أبي: يا بني ابصر هذا حتى تتحدّث إن عشت أنّ إنسانا فعل به هذا فامتنع عن القضاء. ثمّ إن الوزير عفا عنه وقال: ما أردنا بالشيخ أبي عليّ إلّا خيرا، وأردنا أن نعلم الناس أن في ملكنا رجلا يعرض عليه قضاء الشرق والغرب وهو لا يقبل. توفي ابن خيران في حدود عشرين وثلاثمائة. وينسب إليها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. كان عالما بعلم التفسير والحديث والفقه والأدب والوعظ، وله تصانيف كثيرة في فنون العلوم. وكان أيضا ظريفا سئل وهو على المنبر: أبو بكر أفضل أم عليّ؟ فقال: الذي كانت ابنته تحته! فقالت السّنّيّة: فضّل أبا بكر! وقالت الشيعة: فضّل عليّا! وكانت له جارية حظية عنده فمرضت مرضا شديدا فقال وهو على المنبر: يا إلهي يا إلهي ما لنا شيء إلّا هي، قد رمتني بالدواهي والدواهي والدواهي: ونقل أنّهم كتبوا على رقعة إليه وهو على المنبر: إن ههنا امرأة بها داء الابنة والعياذ باللّه تعالى فماذا تصنع بها؟ فقال: يقولون ليلى في العراق مريضة … فيا ليتني كنت الطّبيب المداويا توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

стр. 319

وينسب إليها الوزير عليّ بن عيسى وزير المقتدر ووزير ابنه المطيع. ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم، فرآه جمع من الغرباء قالوا: من هذا؟ وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت: كم تقولون من هذا؟ هذا واحد سقط من عين اللّه تعالى، فابتلاه اللّه بهذا كما ترونه! فسمع هذا القول عليّ بن عيسى، فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة وجاور مكّة إلى أن مات. وينسب إليها أبو نصر بشر بن الحرث الحافي. ذكر أيّوب العطّار انّه قال له بشر: ألا أحدّثك عن بدو أمري؟ بينا أنا أمشي إذ رأيت قرطاسا على وجه الأرض عليه اسم اللّه تعالى، فأخذته وكنت لا أملك إلّا درهما واحدا اشتريت به الماورد والمسك، غسلت القرطاس بالماورد وطيّبته بالمسك ثمّ رجعت إلى منزلي ونمت، فأتاني آت يقول: طيّبت اسمي لأطيّبنّ ذكرك وطهرته لأطهّرنّ قلبك! وحكت زبيدة أخت بشر أن بشرا دخل عليّ ليلة من الليالي، فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارجها وهو كذلك إلى أن أصبح، فقلت له: في ماذا كنت تفكّر؟ قال: في بشر اليهودي وبشر النصراني وبشر المجوسي! ونفسي ما الذي سبق مني حتى خصّني اللّه تعالى دونهم؟ فتفكّرت في تفضيله وحمدته على أن جعلني من خاصّته وألبسني لباس أحبّائه. وحكي أن بشرا الحافي دعي إلى دعوة، فلمّا وضع الطعام بين يديه أراد أن يمدّ يده إليه فما امتدّت حتى فعل ذلك ثلاث مرّات فقال بعض الحاضرين الذي كان يعرف بشرا: ما كان لصاحب الدعوة حاجة إلى إحضار من أظهر أن طعامه ذو شبهة. وحكي أن أحمد بن حنبل سئل عن مسألة في الورع فقال: لا يحلّ لي أن أتكلّم في الورع وأنا آكل من غلّة بغداد! لو كان بشر بن الحرث حاضرا لأجابك فإنّه لا يأكل من غلّة بغداد ولا من طعام السواد! توفي سنة تسع وعشرين

стр. 320

ومائتين عن خمس وسبعين سنة. وحكى الحسن بن مروان قال: رأيت بشرا الحافي في المنام بعد موته فقلت له: أبا نصر ما فعل اللّه بك؟ فقال: غفر لي ولكلّ من تبع جنازتي! وكانت جنازته قد رفعت أوّل النهار، فما وصل إلى القبر إلّا وقت العشاء لكثرة الخلق. وقال لي خزيمة: رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وتوّجني وألبسني نعلين من ذهب! قلت: فما فعل اللّه ببشر؟ قال: بخ بخ! من مثل بشر تركته بين يدي الخليل وبين يديه مائدة الطعام، والخليل مقبل عليه وهو يقول له: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وأنعم يا من لم ينعم! وقال غيره: رأيت بشرا الحافي في المنام فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وقال يا بشر أما استجبت مني وكنت تخافني كلّ ذلك الخوف؟ ورآه غيره فقال له: ما فعل اللّه بك؟ فقال: قال لي يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على وجه الأرض أحبّ إليّ منك! وينسب إليها أبو عبد اللّه الحرث بن أسد المحاسبي. كان عديم النظير في زمانه علما وورعا وحالا. كان يقول: ثلاثة أشياء عزيزة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإجابة مع الأمانة، مات أبوه أسد المحاسبي وخلّف من المال ألوفا ما أخذ الحرث منه حبّة، وكان محتاجا إلى دانق، وذاك لأن أباه كان رافضيّا. فقال الحرث: أهل ملّتين لا يتوارثان! وحكى الجنيد: ان المحاسبي اجتاز بي يوما فرأيت أثر الجوع في وجهه، فقلت: يا عمّ لو دخلت علينا ساعة! فدخل فعمدت إلى بيت عمّي، وكان عندهم أطعمة فاخرة، فجئت بأنواع من الطعام ووضعته بين يديه. فمدّ يده وأخذ لقمة رفعها إلى فيه يلوكها ولا يزدردها، ثمّ قام سريعا ورمى اللقمة في الدهليز وخرج ما كلّمني. فلمّا كان الغد قلت: يا عمّ سررتني ثمّ نغّصت عليّ! فقال: يا بنيّ أمّا الفاقة فكانت شديدة، وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي جعلته بين يديّ. ولكن بيني وبين اللّه علامة، وهي أن الطعام إذا لم يكن

стр. 321

مرضيا يرتفع منه إلى أنفي زفر لا تقبله نفسي! توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وينسب إليها أبو الحسن السري بن المغلّس السّقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ معروف الكرخي. دعا له أستاذه معروف وقال له: أغنى اللّه قلبك! فوضع اللّه تعالى فيه الزهد. وقيل: ان امرأة اجتازت بالسري ومعها ظرف فيه شيء فسقط من يدها وانكسر، فأخذ السريّ شيئا من دكانه وأعطاها بدل ما ضاع عليها، فرأى معروف ذلك فأعجبه وقال له: ابغض اللّه إليك الدنيا! فتركها وتزهّد كما دعا له. وحكي أن امرأة جاءت إلى السري وقالت: يا أبا الحسن، أنا من جيرانك، وإن ابني أخذه الطائف، واني أخشى أن يؤذيه، فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه أحدا. فقام يصلّي وطوّل صلاته فقالت المرأة: أبا الحسن، اللّه اللّه في ولدي! إني أخشى أن يؤذيه السلطان! فسلّم وقال لها: أنا في حاجتك. فما برحت حتى جاءت امرأة وقالت لها: لك البشرى فقد خلّوا عن ابنك! حكى الجنيد قال: دخلت على السري فإذا هو قاعد يبكي وبين يديه كوز مكسور، قلت: ما سبب البكاء؟ قال: كنت صائما فجاءت ابنتي بكوز ماء فعلّقته حتى يبرد فأفطر عليه، فأخذتني عيني فنمت فرأيت جارية دخلت عليّ من هذا الباب في غاية الحسن، فقلت لها: لمن أنت؟ قالت: لمن لا يبرّد الماء في الكيزان الخضر! وضربت بكمّها الكوز ومرّت وهو هذا. قال الجنيد: فمكثت اختلفت إليه مدّة طويلة أرى الكوز المكسور بين يديه. وحكي أن السري كلّ ليلة إذا أفطر ترك لقمة، فإذا أصبح جاءت عصفورة وأكلت تلك اللقمة من يده. فجاءت العصفورة في بعض الأيّام ووقعت على شيء من جدار حجرته ثمّ طارت وما أكلت اللقمة، فحزن الشيخ لذلك وقال: بذنب مني نفرت العصفورة، حتى تذكّر انّه اشتهى الخبز بالقديد فأكل، فعلم أن انقطاع العصفورة بسبب ذلك، فعهد أن لا يتناول أبدا شيئا من الادام فعادت العصفورة.

стр. 322

وحكي انّه اشترى كرّ لوز بستّين دينارا، وكتب في دستوره ثلاثة دنانير ربحه، فارتفع الربح وصار اللوز بتسعين دينارا. فأتاه الدلال وأخبره انّه بتسعين دينارا فقال: اني عقدت عقدا بيني وبين اللّه تعالى اني أبيعه بثلاثة وستّين لأجله لست أبيعه بأكثر من ذلك! فقال الدلال: واني عقدت عقدا بيني وبين اللّه تعالى اني لا أغش مسلما! توفي السري سنة إحدى وخمسين ومائتين. وينسب إليها أبو القاسم الجنيد بن محمّد بن الجنيد. أصله من نهاوند ومولده بغداد. كان أبوه زجّاجا وكان هو خرّازا. صحب الحرث المحاسبي وخاله السري السقطي. وكان الجنيد يفتي على مذهب سفيان الثوري. كان ورده في كلّ يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة. وعن جعفر الخلدي أن الجنيد عشرين سنة ما كان يأكل في كل أسبوع إلا مرّة. حكى أبو عمرو الزجاجي قال: أردت الحجّ فدخلت على الجنيد فأعطاني درهما شددته في مئزري، فلم أنزل منزلا إلّا وجدت رزقا فما احتجت إلى إخراج الدرهم؛ فلمّا عدت إلى بغداد ودخلت عليه مدّ يده وأخذ الدرهم. وحكى بعض الهاربين عن ظالم قال: رأيت الجنيد واقفا على باب رباطه فقلت: يا شيخ أجرني أجارك اللّه! فقال: ادخل الرباط. فدخلت فما كان إلّا يسيرا حتى وصل الطالب بسيف مسلول فقال للشيخ: أين مشى هذا الهارب؟ فقال الشيخ: دخل الرباط. فمرّ على وجهه وقال: تريد أن تقويّه عليّ! قال الهارب: قلت للشيخ كيف دللته عليّ، أليس لو دخل الرباط قتلني؟ فقال الشيخ: وهل نجوت إلّا بقولي دخل الرباط؟ فما زال منّا الصدق ومنه اللطف. وحكي أن رجلا أتى الجنيد بخمسمائة دينار، وكان هو جالسا بين أصحابه، وقال له: خذ هذا وأنفق على أصحابك. فقال له: هل لك غيرها؟ قال: نعم لي دنانير كثيرة! قال: فهل تريد غيرها؟ قال: نعم. قال: خذها إليك فأنت أحوج إليها منّا. قال أبو محمّد الجزري: لمّا كان مرض موته كنت على رأسه وهو يقرأ

стр. 323

ويسجد، فقلت: أبا قاسم ارفق بنفسك. فقال: يا أبا محمّد هو ذا صحيفتي تطوى، وأنا أحوج ما كنت الساعة! ولم يزل باكيا وساجدا حتى فارق الدنيا سنة ثمان وستّين ومائتين. وقال جعفر الخلدي: رأيت الجنيد بعد موته في المنام قلت: ما فعل اللّه بك يا أبا قاسم؟ فقال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات، ونفدت تلك العلوم وامّحت تلك الرسوم، وما بقينا إلّا على الركيعات التي كنّا نصلّيها في جوف الليل! وينسب إليها أبو الحسن عليّ بن محمّد المزيّن الصغير. كان من المشايخ الكبار صاحب الحالات والكرامات. حكى أبو عبد اللّه بن خفيف قال: سمعت أبا الحسن بمكّة يقول: كنت في بادية تبوك فقدمت إلى بئر لأستقي منها، فزلقت رجلي فوقعت في قعر البئر فرأيت في البئر زاوية، فأصلحت موضعا وجلست عليه لئلا يفسد الماء ما عليّ من اللباس، وطابت نفسي وسكن قلبي، فبينما أنا قاعد إذا أنا بشخشخة فتأمّلت فإذا حيّة عظيمة تنزل عليّ، فراجعت نفسي فإذا نفسي ساكنة، فنزلت ولفت ذنبها عليّ وأنا هادئ السر لا أضطرب شيئا، وأخرجتني من البئر وحلّت عني ذنبها، فلا أدري الأرض ابتلعتها أم السماء رفعتها؟ فقمت ومشيت إلى حاجتي. وحكى جعفر الخلدي: عزمت على السفر فودّعت أبا الحسن المزيّن وقلت: زوّدني شيئا. فقال: إن ضاع شيء وأردت وجدانه أو أردت أن يجمع اللّه بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن اللّه لا يخلف الميعاد. ردّ إليّ ضالّتي أو اجمع بيني وبين فلان. قال: فما دعوت في شيء إلّا استجبت. توفي بمكّة مجاورا سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وينسب إليها محمّد بن إسماعيل، ويعرف بخير النسّاج، كان من أقران الثوري. عاش مائة وعشرين سنة. كان أسود عزم الحجّ. أخذه رجل على باب الحرم وقال: أنت عبدي واسمك خير! فمكث على ذلك مدّة يستعمله في

стр. 324

نسج الخزّ ثمّ عرف أنّه ليس عبده ولا اسمه خير، قال له: أنت في حلّ من جميع ما عملت لك. وفارقه. وحكي أن رجلا جاءه وقال له: يا شيخ أمس قد بعت الغزل وشددت ثمنه في مئزرك، وأنا جئت خلفك وحللته فقبّضت يدي! فضحك الشيخ وأومى إلى يده فحلّت وقال: اصرف هذه الدراهم في شيء من حاجتك ولا تعد إلى مثلها. ورئي في المنام بعد موته، قيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: لا تسألني عن هذا، استرحت من دنياكم الوضرة! وينسب إليها أبو محمّد رويم بن أحمد البغدادي. كان من كبار المشايخ وكان عالما بعلم القراءة والفقه على مذهب داود، وكان يقول: من حكمة الحكيم الشريعة على إخوانه والتضييق على نفسه، لأن حكم الشريعة اتّباع العلم وحكم الورع التضييق على نفسه. حكي انّه اجتاز وقت الظهيرة بدرب في بغداد وكان عطشان، فاستسقى من بيت فخرجت جارية بكوز ماء فأخذ منها وشرب، فقالت الجارية: صوفي يشرب بالنهار! فما أفطر بعد ذلك. توفي سنة ثلاث وثلاثمائة. وينسب إليها أبو سعيد أحمد بن عيسى الخرّاز. كان من المشايخ الكبار، صحب ذا النون المصري والسريّ السّقطي وبشرا الحافي، وكان أبو سعيد يمشي بالتوكّل. حكى عن نفسه قال: دخلت البادية مرّة بغير زاد فأصابني فاقة، فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأن وصلت إلى العمارة ثمّ فكرت في نفسي اني سلوت، واتّكلت على غيري فآليت ألّا أدخل المرحلة إلّا إذا حملت إليها، فحفرت لنفسي في الرمل حفيرة وواريت جسدي فيها إلى صدري، فلمّا كان نصف الليل سمعوا صوتا عاليا: يا أهل المرحلة إن للّه وليّا في هذه المرحلة فالحقوه! فجاءت جماعة وأخرجوني وحملوني إلى القرية. وينسب إليها الأستاذ عليّ بن هلال الخطّاط، ويعرف بابن البوّاب. كان

стр. 325

عديم النظير في صنعته، لم يوجد مثله لا قبله ولا بعده، فإن الكتابة العربيّة كانت بطريقة الكوفيّة ثمّ إن الوزير أبا الحسن بن مقلة نقلها إلى طريقته، وطريقته أيضا حسنة، ثمّ إن ابن البوّاب نقل طريقة ابن مقلة إلى طريقته التي عجز عنها جميع الكتّاب من حسنها وحلاوتها وقوّتها وصفاتها، ولا يعرف لطافة ما فيها إلّا كبار الكتّاب، فإنّه لو كتب حرفا واحدا مائة مرّة لا يخالف شيء منها شيئا لأنّها قلبت في قالب واحد، والناس كلّهم بعده على طريقته. توفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وينسب إليها أبو نواس الحسن بن هانئ. كان أديبا فصيحا بليغا شاعرا أوحد زمانه. حكي أن الرشيد قرأ يوما: ونادى فرعون في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟ فقال: اطلبوا لي شخصا أنذل ما يكون حتى أولّيه مصر. فطلبوا شخصا مخبّلا كما أراد الخليفة، فولّاه مصر وكان اسمه خصيبا. فلمّا ولّي أحسن السيرة وباشر الكرم وانتشر ذكره في البلاد حتى قيل: إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا … فأين لنا أرض سواه نزور فتى يشتري حسن الثّناء بماله … ويعلم أنّ الدّائرات تدور فقصده شعراء العراق وأبو نواس معهم وهو صبي، فلمّا دنوا من مصر قالوا ذات يوم: نحن من أرض العراق وندخل مصر فلا يأخذن علينا المصريون خطأ أو عيبا! ليعرض كلّ واحد منّا شعره حتى نعتبره، فإن كان شيء منها محتاجا إلى إصلاح أصلحناه. فأظهر كلّ واحد ما معه على القوم، فقالوا لأبي نواس: هات ما عندك. فقال: عندي هذا: واللّيل ليل والنّهار نهار … والبغل بغل والحمار حمار والدّيك ديك والدّجاجة زوجه … والبطّ بطّ والهزار هزار

стр. 326

فضحكوا وقالوا: هذا أيضا له وجه للمضاحك! فلمّا دخلوا على الخصيب وضعوا كرسيّا كلّ واحد من الشعراء يقف عليه ويورد شعره حتى أوردوا جميعهم. بقي أبو نواس فقال بعض الشعراء: ارفعوا الكرسي، ما بقي أحد! فقال أبو نواس: اصبروا حتى أورد بيتا واحدا ثمّ بعد ذلك إن أردتم فارفعوا، فأنشأ يقول: أنت الخصيب وهذه مصر … فتشابها فكلاهما بحر! فتحيّر الشعراء وأنشد قصيدة خيرا من قصائدهم كلّها. وحكي أن محمّدا الأمين أمر بحبسه وأمر أن لا يترك عنده كاغد ودواة، فحبس في دار، فدخل عليه خادم من خدام الخليفة ونام عنده وعليه جبّة سوداء، فأخذ قطعة جصّ من الحائط وكتب على جبّة الخادم: ما قدر عبدك بي نواس … وهو ليس بذي لباس ولغيره أولى بها … إن كنت تعمل بالقياس ولئن قتلت أبا نواسك … قيل من هو بو نواس؟ فقرأوا وفرّجوا عنه. وذكر أنّه رئي في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: قد غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي؛ فوجدوا تحت وسادته رقعة فيها مكتوب: يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة … فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلّا المحسن … فمن الذي يرجوه عبد مجرم أدعوك يا ربّي إليك تضرّعا … فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة غير الرّجا … وكريم عفوك ثمّ إني مسلم

стр. 327

بغشور مدينة بين هراة ومرو الروذ، ينسب إليها سيّد الابدال أبو الحسين الثوري. كان يسكن الخراب ولا يدخل المدينة إلّا يوم الجمعة، فإذا أراد الجنيد زيارته أخذ معه شيئا من الطعام ويدور في الخراب إلى أن يجده. فإذا وجده ألحّ عليه ليأكل معه ويقول له: إلى كم تسيح؟ فيجيبه: إلى حصول المقصود وهيهات من ذلك! وحكي أن الجنيد بعث إليه شيئا من الذهب، قطعتان كانتا من الجنيد والباقي كان من غيره. فلمّا وصل إليه أخذ قطعتي الجنيد وردّ الباقي. وحكى عن نفسه قال: كان في نفسي شيء من الكرامات فأردت تجربته، فرأيت الصبيان معهم قصبة في رأسها خيط يصطادون بها السمك، فأخذت قصبة ووقفت بين زوقين فقلت: وعزّتك إن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقنّ نفسي! فخرجت سمكة فيها ثلاثة أرطال. وحكي أنّه وقع ببغداد حريق فوقف تاجر على طرف الحريق يقول: من أخرج هذين الغلامين له ألف دينار! فقالوا: من يجسر أن يقرب إلى هذه النار؟ حتى حضر أبو الحسين الثوري وقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم! وأخرج الغلامين لم يتأذّ شعرة منهما. فقيل له: كيف دخلت هذه النار؟ قال: سنّ اللّه انّه لم يحرق الغلامين، وهما غير مذنبين. وحكي أنّه سمع قائلا يقول: ما زلت أنزل من ودادك منزلا … تتحيّر الألباب عند نزوله فاشتدّ به الوجد فلم يزل يعدو في أجمة قصب قطعت رؤوسها حتى تقطعت قدمه ومات، عليه رحمة اللّه. وحكي أن أبا الحسين أحمد بن محمّد الثوري دخل يوما الماء ليغتسل، فجاء لصّ وأخذ ثيابه، فلمّا خرج لم يجد ثيابه، فرجع إلى الماء فما كان إلّا قليل

стр. 328

وجاء اللصّ ومعه ثياب أبي الحسين، وقد جفّت يده اليمنى، فخرج أبو الحسين من الماء ولبس ثيابه ثمّ قال: يا سيّدي، ردّ عليّ ثيابي، ردّ عليه يده! فردّ اللّه عليه يده. وحكي أن الثوري مرض فجاء الجنيد إليه لعيادته بشيء من الدراهم فردّها، ومرض الجنيد فذهب إليه الثوري ووضع يده على جبهته فعوفي من ساعته، وقال للجنيد: إذا عدت إخوانك فأوفهم مثل هذا البرّ! توفي الثوري سنة خمس وتسعين ومائتين، رحمة اللّه عليه. وينسب إليها الإمام العالم البارع الورع محيي السنّة أبو محمّد الحسين بن مسعود الفراء البغوي. كان عديم النظير في علم التفسير وأحاديث رسول اللّه، ﷺ ، ومعرفة الصحابة وأسامي الرواة وعلم الفقه والأدب، وتصانيفه في غاية الحسن والصحة واعتماد أهل الحديث والفقه على تصانيفه، وسمّوه محيي السنّة. كان معاصرا للإمام حجّة الإسلام أبي حامد الغزّالي، والإمام فخر الإسلام أبي المحاسن الروياني، رحمة اللّه عليهم أجمعين. بلاد الدّيلم بأرض الجبال بقرب قزوين. وهي بلاد كلّها جبال ووهاد، وفيها خلق كثير من الديلم، وهم أشدّ الناس حمقا وجهلا! بينهم قتال فإذا قتل واحد منهم قتلوا من تلك القبيلة أيّ واحد كان. وكانوا ملوك بلاد الجبال قديما. ذكر أنّ أصلهم من بني تميم، ولذلك ترى أكثرهم يميلون إلى الأدب والعربيّة. منهم ملوك آل بويه وكانوا كلّهم فضلاء أدباء. ينسب إليها شمس المعالي قابوس بن وشمكير. كان ملكا فاضلا أديبا. كان أخوه مرداويج صاحب بلاد الجبال، وكان عساكره الديلم والترك وبينهما خصومة، وهو ينصر الديلم لأنّهم كانوا أنسابه، فالترك كبسوا عليه في الحمّام وقتلوه، فقام قابوس مقامه وتضعضع الملك، فانتزع آل بويه بلاد الجبال منه،

стр. 329

فذهب إلى طبرستان يستنجد بملوك بني سامان، ويحارب آل بويه إلى أن غدر به ابنه منوجهر وحبسه في بعض القلاع، وملوك الديلم ما كانوا في طاعة الخلفاء. فلمّا وقع لقابوس ما وقع قال المقتدر باللّه: قد قبس القابسات قابوس … ونجمه في السّماء منحوس! فكيف يرجى الفلاح من رجل … يكون في آخر اسمه بوس؟ فلمّا سمع قابوس ذلك قال: يا ذا الذي بصروف الدّهر عيّرنا … هل عاند الدّهر إلّا من له خطر؟ أما ترى البحر تعلو فوقه جيف … ويستقرّ بأدنى قعره الدّرر؟ وفي السّماء نجوم غير ذي عدد … وليس يكسف إلّا الشّمس والقمر بلخ مدينة عظيمة من أمّهات بلاد خراسان. بناها منوجهر بن ايرج بن افريدون. أهلها مخصوصون بالطرمذة من بين سائر بلاد خراسان. كان بها النوبهار، وهو أعظم بيت من بيوت الأصنام. لمّا سمع ملوك ذلك الزمان بشرف الكعبة واحترام العرب إيّاها، بنوا هذا البيت مضاهاة للكعبة، وزيّنوه بالديباج والحرير والجواهر النفيسة، ونصبوا الأصنام حوله. والفرس والترك تعظّمه وتحجّ إليه وتهدي إليه الهدايا. وكان طول البيت مائة ذراع في عرض مائة، وأكثر من مائة ارتفاعا، وسدانته للبرامكة، وملوك الهند والصين يأتون إليه، فإذا وافوا سجدوا للصنم وقبّلوا يد برمك. وكان برمك يحكم في تلك البلاد كلّها، ولم يزل برمك بعد برمك إلى أن فتحت خراسان في أيّام عثمان بن عفّان، ﵁، وانتهت السدانة إلى برمك أبي خالد، فرغب في الإسلام وسار إلى عثمان وضمن المدينة بمال. وفتح عبد اللّه بن عامر بن كريز

стр. 330

خراسان وبعث إلى النوبهار الأحنف بن قيس بن الهيثم فخرّبها. ينسب إليها من المشاهير إبراهيم بن أدهم العجلي، ﵀، كان من ملوك بلخ، وكان سبب تركه الدنيا انّه كان في بعض متصيّداته يركض خلف صيد ليرميه، فالتفت الصيد إليه وقال: لغير هذا خلقت يا إبراهيم! فرجع ومرّ على بعض رعاته ونزل عن دابته، وخلع ثيابه وأعطاها للراعي ولبس ثياب الراعي واختار الزهد. وحكي أنّه ركب سفينة في بعض أسفاره، فلمّا توغّل في البحر طالبه الملّاح بالأجرة وألحّ عليه، فقال له إبراهيم: أخرجني إلى هذه الجزيرة حتى أؤدي أجرتك! فأخرجه إليها وذهب معه فصلّى إبراهيم ركعتين وقال: إلهي يطلب أجرة السفينة! فسمع قائلا يقول: خذ يا إبراهيم. فمدّ يده نحو السماء وأخذ دينارين دفعهما إلى الملّاح وقال: لا تذكر هذا لأحد! ورجعا إلى السفينة فهبّت ريح عاصف واضطربت السفينة فأشرفت على الهلاك، فقال الملّاح: اذهبوا إلى هذا الشيخ ليدعو اللّه. فذهب القوم إليه وهو مشغول بنفسه في زاوية؛ قالوا: إن السفينة أشرفت على الهلاك، ادع اللّه تعالى لعلّه يرحمنا! فنظر إبراهيم بموق عينه نحو السماء وقال: يا مرسل الرياح منّ علينا بالعاطفة والنجاح! فسكنت الريح في الحال. وحكي أنّه مرّ به بعض رعاته من بلخ فرآه جالسا على طرف ماء يرقع دلقا، فجلس إليه يعيره بترك الملك واختيار الفقر، فرمى إبراهيم إبرته في الماء وقال: ردّوا إليّ إبرتي! فأخرج سمك كثير من الماء رؤوسها وفي فم كلّ واحدة إبرة من الذهب. فقال: لست أريد غير إبرتي! فأخرجت واحدة رأسها بإبرته. فقال للرجل: أيّ الملكين خير هذا أم ذاك؟ وحكي أنّه اجتاز به جنديّ سأل منه الطريق فأشار إلى المقبرة، فتأذّى الرجل الجندي وضربه فشجّ رأسه. فلمّا عرف انّه إبراهيم جاء إليه معتذرا فقال له: إنّك وقت ضربتني دعوت لك لأنّك حصّلت لي ثوابا فقابلت ذلك بالدعاء.

стр. 331

وحكي أن إبراهيم كان ناطورا في بستان بأجرة، فإذا هو نائم وحيّة تروحه بطاقة نرجس. وجاءه رجل جندي يطلب منه شيئا من الثمرة، وهو يقول: أنا ناطور ما أمرني صاحب البستان ببذل شيء منها! فجعل الجندي يضربه وهو يقول: اضرب على رأس طالما عصى اللّه تعالى! توفي سنة إحدى وستّين ومائة. وينسب إليها أبو عليّ شقيق بن إبراهيم البلخي من كبار مشايخ خراسان، أستاذ حاتم الأصمّ. وكان أوّل أمره رجلا تاجرا سافر إلى بلاد الهند. دخل بيتا من بيوت الأصنام فرأى رجلا حلق رأسه ولحيته يعبد الصنم فقال له: ان لك إلها خالقا رازقا فاعبده ولا تعبد الصنم، فإنّه لا يضرّ ولا ينفع! فقال عابد الصنم: إن كان كما تقول فلم لا تقعد في بيتك وتتعب للتجارة، فإنّه يرزقك في بيتك؟ فتنبّه شقيق لقوله وأخذ في طريق الزهد. وحكي أن أهله شكت إليه من الفاقة فقام يظهر أنّه يمشي إلى شغل الطين ودخل بعض المساجد وصلّى إلى آخر النهار وعاد إلى أهله وقال: عملت مع الملك فقال اعمل أسبوعا حي أوفيك أجرتك دفعة واحدة. وكان كلّ يوم يمشي إلى المسجد ويصلّي، فلمّا كان اليوم السابع قال في نفسه: لو لم يكن اليوم معي شيء تخاصمني أهلي! فأجر نفسه من شخص ليعمل له يومه وأهله تنتظر مجيئه آخر النهار بأجرة الأيّام، إذ دقّ الباب أحد وقال: بعثني الملك بأجرة الأيّام التي عمل له فيها شقيق، ويقول لشقيق: ما الذي صدّك عنّا حتى اشتغلت اليوم بشغل غيرنا؟ فذهبت المرأة إليه فسلّم إليها صرّة فيها سبعون دينارا. وحكى حاتم الأصمّ أن علي بن عيسى بن ماهان كان أمير بلخ، وكان يحبّ كلاب الصيد، ففقد كلب من كلابه يوما، فاتّهم به جار شقيق فاستجار به، فدخل شقيق على الأمير وقال: خلّوا سبيله فإني أردّ لكم كلبكم إلى ثلاثة أيّام. فخلّوا سبيله فانصرف شقيق مهتمّا لما صنع، فلمّا كان اليوم الثالث كان رجل من أهل بلخ غائبا، وكان من رفقاء شقيق، وكان لشقيق فتى، وهو رفيقه، رأى في الصحراء كلبا في رقبته قلادة فقال: أهديه إلى شقيق. فحمله إليه فإذا

стр. 332

هو كلب الأمير سلّمه إليه. استشهد شقيق في غزوة كولان سنة أربع وتسعين ومائة. وينسب إليها أبو حامد أحمد بن حضرويه من كبار مشايخ خراسان. صحب أبا تراب النّخشبي وكان زين العارفين أبو يزيد يقول: أستاذنا أحمد ذكر أنّه اجتمع عليه سبعمائة دينار دينا، فمرض وغرماؤه حضروا عنده فقال: اللهم إنّك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأموال وأنت وثيقتي فادّعني، فدقّ بابه أحد وقال: أين غرماء أحمد؟ وقضى عنه جميع ديونه ثمّ فارق الدنيا، وذلك في سنة أربع ومائتين عن خمس وتسعين سنة. وينسب إليها عبد الجليل بن محمّد الملقّب بالرشيد، ويعرف بوطواط. كان كاتبا للسلطان خوارزمشاه إتسز. وكان أديبا فاضلا بارعا ذا نظم ونثر بالعربيّة والعجميّة، والسلطان يحبّه لا يفارقه ساعة لظرافته وحسن مجالسته، فأمر أن يبنى له قصر بحذاء قصر السلطان حتى يحادثه من الروشن، فأخرج الرشيد رأسه مرّة من الروشن فقال السلطان: يا رشيد أرى رأس ذئب خارجا من روشنك! فقال: أيّها الملك ما هو رأس الذئب، ذاك سجنجل أنا أخرجته! فضحك السلطان من عجيب جوابه! وحكي أن أحدا من أصحاب الديوان يستعير دوابّه كثيرا فكتب إليه: بلغني من النوادر المطربة والحكايات المضحكة أن تاجرا استأجر حمارا من نيسابور إلى بغداد، وكان حمارا ضعيفا لا يمكنه السير، ولا يرجى منه الخير، إذا حرّك سقط، وإذا ضرب ضرط، من مكاري قليل السكون، كثير الجنون، طول الطريق يبكي دما، ويتنفّس الصعداء ندما، فبعد اللتيّا والتي وصل إلى بغداد والحمار ضئيل، ولم يبق من المكاري إلّا القليل، إذ سمع صيحة هائلة تصرع القلوب، وتشقّ الجيوب، فالتفت المكاري فإذا المحتسب بدرّته، وصاحب الشرطة لابس ثوب شرّته، فقال المكاري: ماذا حدث؟ قالوا: ههنا تاجر فاجر، أخذ مع غلام الخطيب، كالغصن الرطيب، تواتر عليه

стр. 333

الصفعات المغمية، والضربات المدمية، طلبوا حمارا، وكان حمارا المكاري حاضرا، فتعادوا إليه، وأركبوا التاجر عليه، فالمكاري ذهب عنه القرار، وينادي بالويل ويعدو خلف الحمار، إلى أن طيف بجميع المحالّ والبلد بغداد. فلمّا كان المساء ردّوا الحمار إلى المكاري جائعا سلّمه الطّوى إلى التّوى، والصّدى إلى الردى! فأخذه المكاري مترحّما مدّ أذنيه، وتفل ما بين عينيه، وزاد في علفه، خوفا من تلفه. فلمّا دنا الصباح، وظهر أثر النهار ولاح، قرع سمعه صوت أهول من الصيحة الأمسية، فالتفت المكاري فإذا المحتسب على الباب، وصاحب الشرطة كاشر الناب، فقال المكاري: ماذا حدث؟ قالوا: ذاك التاجر أخذ مرّة أخرى مع غلام القاضي، كالسيف الماضي، فأراد المكاري أن يواري الحمار، فسبقت العامة إليه، وأركبوا التاجر عليه، والمكاري يعدو خلفه ويصيح، بعين باكية وقلب جريح، إلى أن طيف به في جميع المحالّ ثمّ ردّوه إلى المكاري وقد أشرف على الهلاك، ولا يقدر على الحراك، فبات المكاري مسلوب القرار، في مداواة الحمار، فلمّا انتشرت أعلام الضوء، في أقطار الجوّ، صكّت أذنه من الصيحتين الأوليين، فالتفت فإذا المحتسب في الدرب، وصاحب الشرطة منشمر للضرب، فقال المكاري: ماذا حدث؟ قالوا: ذاك التاجر أخذ مرّة أخرى مع غلام الرئيس، كالدرّ النفيس، والعامة رأت حمار المكاري فعدت إليه فعدا المكاري إلى التاجر وقال: يا خبيث! ان لم تترك صنعتك الشنيعة، ولم ترجع عن فعلتك القبيحة، فاشتر حمارا يركبونك عليه كلّ يوم فقد أهلكت حماري، وأزلت قراري! وها أنا أقول ما قال المكاري للتاجر، إن أردت أن تكون كاتبا للأمير، فهيّئ النقس والطرس، وإلّا فالزم البيت والعرس.

стр. 334

بلد قرية من أعمال الموصل يقال لها بلد باشاي. حكى الشيخ عمر التسليمي، وكان من أهل التصوّف، قال: وصلت إلى هذه القرية، فلمّا كان وقت خروج نور الغبيراء اهتاج بنسائها شهوة الوقاع، يستحيين من ذلك لغلبة الشهوة ولا قدرة للرجال على قضاء أوطارهن. فعند ذلك أخرجن إلى واد بقرب الضيعة، وهنّ بها كالسنانير عند هيجانها، إلى أن انقضت مدّتهن ثمّ تراجعن إلى بيوتهن وقد عاد إليهن التمييز! قال: وسمعت أن كلّ سنة في هذا الوقت تحدث بهن هذه الحالة. بلور ناحية بقرب قشمير؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بها موضع في كلّ سنة ثلاثة أشهر يدوم فيه الثلج والمطر بحيث لا يرى فيها قرص الشمس. وحكي ان بهذه الأرض بيتا فيه صنم على صورة امرأة لها ثديان، وكلّ من طال مرضه وضجر منه يدخل على هذا الصنم ويمسح يده على ثديها، فيتقاطر من ثديها ثلاث قطرات فيمزج تلك القطرات بالماء ويشرب، فإما يزول مرضه أو يموت سريعا ويستريح من تعب المرض. بنان موضع لست أعرف أرضه. ينسب إليه أبو الخير البناني صاحب العجائب ﵀. سمع بفضله إبراهيم بن المولد فذهب إليه، فقام أبو الخير يصلّي بالقوم فما أعجب إبراهيم قراءته الفاتحة، فأنكر عليه في باطنه، فعرف أبو الخير ذلك بنور الباطن. فلمّا فارقه إبراهيم وخرج من عنده اعترضه سبع، وكانت صومعة أبي الخير في غيضة كان فيها سباع، فعاد إلى الشيخ وقال: ان

стр. 335

سبعا صال عليّ! فخرج الشيخ وقال للسبع: ما قلت لكم لا تتعرّضوا لأضيافي؟ فولّى الأسد وذهب، فقال الشيخ: يا إبراهيم اشتغلتم بتقويم الظاهر ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن، فخفتم أنتم من السبع وخاف السبع منّا! بوشنج مدينة كبيرة من مدن خراسان، ذات مياه وبساتين وأشجار كثيرة. ينسب إليها منصور بن عمّار. كان واعظا عظيما عجيب الكلام طيّب الوعظ مشهورا؛ حكى سليم بن منصور قال: رأيته في المنام فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وأدناني وقرّبني وقال: يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك؟ قلت: لا يا ربّ! قال: انّك جلست للناس يوما فبكّيتهم فبكى فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قطّ، فغفرت له ووهبت أهل المجلس له ووهبتك فيمن وهبت له. وحكي أن منصور بن عمّار وجد رقعة عليها «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فأخذها فلم يجد لها موضعا فأكلها. فرأى في نومه قائلا يقول: فتح اللّه عليك باب الحكمة باحترامك اسم اللّه تعالى. وحكى أبو الحسن السعدي قال: رأيت منصور بن عمّار في النوم بعد موته فقلت: ما فعل اللّه بك؟ فقال لي: قال أنت منصور بن عمار؟ قلت: نعم يا ربّ! قال: أنت الذي تزهد في الدنيا وترغب فيها. قلت: قد كان ذلك ولكن ما اتّخذت مجلسا إلّا بدأت بالثناء عليك، وثنيت بالصلاة على نبيّك، وثلثت بالنصيحة لعبادك. فقال: صدق! ضعوا له كرسيّا يمجّدني في سمائي بين ملائكتي كما مجدني في الأرض بين عبادي. واللّه الموفق. وحكي أن رجلا شريفا جمع يوما ندماءه للشرب، وسلّم إلى غلامه أربعة دراهم ليشتري لهم بها فواكه، فاجتاز الغلام بمجلس منصور بن عمار وكان يطلب لفقير أربعة دراهم، فقال: من يعطي له أربعة دراهم ادعو له

стр. 336

أربع دعوات. فدفع إليه الغلام الدراهم فقال منصور: ما الذي تريد من الدعوات؟ فقال: أريد العتق! فقال: اللهمّ ارزقه العتق! قال: وما الآخر؟ قال: أن يخلف اللّه عليّ دراهمي. فدعا له به. قال: وما الآخر؟ قال: ان يتوب اللّه على سيّدي. فدعا له به. قال: وما الآخر؟ قال: أن يغفر اللّه لي ولك ولسيّدي وللحاضرين. فدعا به. فلمّا رجع إلى سيّده قال: ما الذي أبطأ بك؟ فقصّ عليه القصّة فقال: سألت لنفسي العتق. فقال: أنت حرّ لوجه اللّه تعالى! قال: وان يخلف عليّ الدراهم. قال: لك أربعة آلاف درهم. قال: وما الثالث؟ قال: أن يتوب اللّه عليك. قال: تبت إلى اللّه . قال: وما الرابع؟ قال: أن يغفر اللّه لي ولك وله وللحاضرين. فقال: هذا ليس إليّ! فلمّا نام رأى في نومه قائلا يقول له: أنت فعلت ما كان إليك، أترى اني لم أفعل ما إليّ؟ قد غفرت لك وللغلام وللحاضرين ولمنصور. باخرز بلدة من بلاد خراسان. ينسب إليها أبو الحسن الباخرزي. كان أديبا فاضلا بارعا لطيفا، أشعاره في غاية الحسن ومعانيه في غاية اللطف. وله ديوان كبير أكثره في مدح نظام الملك وبعض الأدباء. التقط من ديوانه الأبيات العجيبة قدر ألف بيت سمّاه الأحسن. وكان بينه وبين أبي نصر الكندري مخاشنة في دولة بني سبكتكين، فلمّا ظهرت الدولة السلجوقية ما كان أحد من العمّال يجسر على الاختلاط بهم، فأوّل من دخل معهم أبو نصر الكندري. استوزره السلطان طغرلبك فصار مالك البلاد. أحضر أبا الحسن الباخرزي وأحسن إليه وقال: إني تفاءلت بهجوك لي. إذا كان أوّله أقبل فإن أبا الحسن هجاه بأبيات أوّلها: أقبل من كندر مسخرة … للشّؤم في وجهه علامات واقطعوا باخرز لأمير زوج امرأة من نساء بني سلجوق، فرأت أبا الحسن

стр. 337

وقالت: أتى رسول اللّه، ﷺ ، في المنام على هذه الصورة. فصار محظوظا عندهم، وآخر الأمر قتل بسبب هذه المرأة، وصار حسن صورته وبالا عليه كريش الطاووس وشعر الثعلب. بيهق بليدة بخراسان. ينسب إليها الإمام أبو بكر أحمد البيهقي. كان أوحد زمانه في الحديث والفقه والأصول، وله السنن الكبير وتصانيف كثيرة. كان على سيرة علماء السلف قانعا من الدنيا بالقليل الذي لا بدّ منه. قال إمام الحرمين: ما من أحد من أصحاب الشافعي إلّا وللشافعي عليه منّة إلّا البيهقي فإن له على الشافعي منّة، لأن تصانيفه كلّها في نصرة مذهب الشافعي. حكى الفقيه أبو بكر بن عبد العزيز المروزي: رأيت في المنام تابوتا يعلو فوقه نور نحو السماء فقلت: ما هذا؟ قالوا: فيه تصانيف أبي بكر البيهقي. وحكى بعض الفقهاء قال: رأيت الشافعي قاعدا على سرير وهو يقول: استفدت من كتاب أحمد البيهقي حديث كذا وحديث كذا. تبريز مدينة حصينة ذات أسوار محكمة. وهي الآن قصبة بلاد آذربيجان. بها عدّة أنهر والبساتين محيطة بها. زعم المنجّمون أنّها لا تصيبها من الترك آفة لأن طالعها عقرب والمريخ صاحبها، فكان الأمر إلى الآن كما قالوا، ما سلم من بلاد آذربيجان مدينة من الترك غير تبريز. وهي مدينة آهلة كثيرة الخيرات والأموال والصناعات، وبقربها حمّامات كثيرة عجيبة النفع يقصدها المرضى والزمنى ينتفعون بها. وتحمل منها الثياب العتّابي والسقلاطون والأطلس والنسج إلى الآفاق. ونقودها ونقود أكثر بلاد آذربيجان الصفر المضروب فلوسا. وقطاع الطنجير والهاون والمنارة إذا أرادوا

стр. 338

المعاملة عليها اشتروا بها المتاع، فما فضل أخذوا به قطعة صغيرة. ينسب إليها أبو زكرياء التبريزي. كان أديبا فاضلا كثير التصانيف. فلمّا بنى نظام الملك المدرسة النظاميّة ببغداد، جعلوا أبا زكرياء خازن خزانة الكتب. فلمّا وصل نظام الملك إلى بغداد دخل المدرسة ليتفرّج عليها، وفي خدمته أعيان جميع البلاد ووجوهها، فقعد في المدرسة في محفل عظيم والشعراء يقومون ينشدون مدائحه والدعاة يدعون له. فقام رجل ودعا لنظام الملك وقال: هذا خير عظيم قد تمّ على يدك! ما سبقك بها أحد، وكلّ ما فيها حسن إلّا شيئا واحدا، وهو أن أبا زكرياء التبريزي خازن خزانة الكتب، وانّه رجل به ابنة يدعو الصبيان إلى نفسه! فانكسر أبو زكرياء انكسارا شديدا في ذلك المحفل العظيم. فلمّا قام نظام الملك قال لناظر المدرسة: كم معيشة أبي زكرياء؟ قال: عشرة دنانير! قال: اجعلها خمسة عشر ان كان كما يقول لا تكفيه عشرة دنانير! فانكسر أبو زكرياء من فضيحة ذلك المتعدّي وكفاه ذلك كفارة لجميع ذنوبه، ومن ذلك اليوم ما حضر شيئا من المحافل والمجامع حياء وخجالة. تهران قرية كبيرة من قرى الري كثيرة البساتين كثيرة الأشجار مؤنقة الثمار. ولهم تحت الأرض بيوت كنافقاء اليربوع، إذا جاءهم قاصد عدوّ اختبأوا فيها، فالعدو يحاصرهم يوما أو أيّاما ويمشي. فإذا خرجوا من تحت الأرض أكثروا الفساد من القتل والنهب وقطع الطريق. وفي أكثر الأوقات أهلها عصاة على السلاطين، ولا حيلة إلى ضبطهم إلّا بالمداراة. وفيها اثنتا عشرة محلّة كلّ محلّة تحارب الأخرى، وإذا دخلوا في طاعة السلطان يجتمع عاملها بمشايخ القرية يطالبهم بالخراج، وتوافقوا على أداء الخراج المعهود للسلطان. يأتي أحدهم بديك ويقول: هذا بدينار! والآخر يأتي باجّانة ويقول: هذا بدينار! ويؤدّون الخراج على هذا الوجه وإلّا فلا فائدة منهم

стр. 339

أصلا. وهم مترصّدون للخلاف، ويرضى الوالي منهم بأن يقال: انّهم في الطاعة وأدّوا الخراج. وانّهم لا يزرعون على البقر خوفا من أنّهم إذا خالفوا يؤخذ عواملهم، وإنّما يزرعون بالمساحي ولا يقتنون الدواب والمواشي لما ذكرنا أن أعداءهم كثيرون فيأخذون مواشيهم. وفواكههم كثيرة وحسنة جدّا، سيّما رمّانهم فإن مثلها غير موجود في شيء من البلاد. جاجرم مدينة بأرض خراسان مشهورة بقرب اسفرايين. بها عين تنبع قناة بين جاجرم واسفرايين؛ حدّثني بعض فقهاء خراسان: من غاص في ماء هذه العين يزول جربه. الجبال ناحية مشهورة يقال لها قهستان. شرقها مفازة خراسان وفارس، وغربها آذربيجان، وشمالها بحر الخزر، وجنوبها العراق وخوزستان. وهي أطيب النواحي هواء وماء وتربة. وأهلها أصحّ الناس مزاجا وأحسنهم صورة؛ قالوا: إنها تربة ديلميّة لا تقبل العدل والانصاف ومن وليها عصى! وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: أرى بأرض الجبال ملوكا حسانا لا أختار قتلهم، وان تركتهم لا آمن عصيانهم، فماذا ترى؟ فكتب إليه أرسطاطاليس: أن سلّم كلّ بقعة إلى أحد. ففعل ذلك وظهرت ملوك الطوائف، فلمّا مات الإسكندر اختلفوا فغلبهم أردشير بن بابك جد ملوك ساسان. فاتّخذها الأكاسرة مصيفا لطيب هوائها وسلامتها من سموم العراق وسخونة مائه وكثرة ذبابه وهوامه وحشراته، ولذلك قال أبو دلف العجلي: وإني امرؤ كسرويّ الفعال … أصيف الجبال وأشتو العراقا

стр. 340

لا ينبت بها النخل والنارنج والليمون والأترج، ولا يعيش بها الفيل والجاموس ولو حملا إليها ماتا دون سنة. وقصبتها أصفهان والري وهمذان وقزوين. وبها من الجبال والأودية ما لا يحصى. بها جبل أروند وهو جبل نزه خضر نضر مطلّ على همذان، حكى بعض أهل همذان قال: دخلت على جعفر بن محمّد الصادق فقال: من أين أنت؟ قلت: من همذان. قال: أتعرف جبلها راوند؟ قلت: جعلني اللّه فداك! جبلها أروند؟ قال: نعم إن فيها عينا من عيون الجنّة! وأهل همذان يرون الماء الذي على قلّة الجبل، فإنّها يخرج منها الماء في وقت من أوقات السنة معلوم، ومنبعه من شقّ في صخر وهو ماء عذب شديد البرد، فإذا جاوزت أيّامه المعدودة ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد ولا ينقص، وهو شفاء للمرضى يأتونه من كلّ جهة، وذكروا أنّه يكثر إذا كثر الناس عليه ويقلّ إذا قلّوا. وبها جبل بيستون بين همذان وحلوان وهو عال ممتنع لا ترتقى ذروته، ومن أعلاه إلى أسفله أملس كأنّه منحوت وعرضه ثلاثة أيّام وأكثر. ذكر في تواريخ العجم أن حظية كسرى ابرويز شيرين المشهورة بالحسن والجمال عشقها رجل حجّار اسمه فرهاذ، وتاه في حبّها واشتهر ذلك بين الناس، فذكر أمره لأبرويز فقال لأصحابه: ماذا ترون في أمر هذا الرجل ان تركته وما هو عليه فهتك وقبح، وإن قتلته أو حبسته فعاقبت غير مجرم؟ فقال بعض الحاضرين: اشغله بحجر حتى يصرف عمره فيه! فاستصوب كسرى رأيه وأمر بإحضاره، فدخل وهو رجل ضخم البدن طويل القامة مثل الجمل الهائج، فأمر كسرى بإكرامه وقال: ان على طريقنا حجرا يمنعنا من المرور، نريد أن تفتح فيه طريقا يصلح لسلوكنا فيه، وقد عرفنا دربتك وذكاءك! وأشار إلى بيستون لفرط شموخه وصلابة حجره. فقال الصانع: ارفع هذا الحجر من طريق الملك ان وعدني بشيرين! فتأذى كسرى من هذا لأنّها كانت حظيته، لكن قال في نفسه: من يقدر على قطع بيستون؟ فقال في جوابه: نفعل ذلك إذا فرغت! فخرج

стр. 341

فرهاذ من عند كسرى وشرع في قطع الجبل، ورسم فيه دربا يتسع لعشرين فارسا عرضا، وسمكه أعلى من الرايات والأعلام، فكان يقطع طول نهاره وينقل طول ليله، ويرصف القطاع الكبار شبه الأعدال في سفح الجبل ترصيفا حسنا يحشو خللها بالنحاتة، ويسوّيها مع الطريق. وكان ينحت من الجبل شبه منارة عظيمة ثمّ يقطعها قطعا كلّ قطعة كعدل ويرميها، ولقد رأيت عند اجتيازي به شبه منارة فتح جوانبها وما قطعها بعد، ورأيت قطعا من الحجر كالأعدال عليها آثار ضرب الفأس، وفي كلّ قطعة حفرتان في جانبيها، ليجعل اليد فيها عند رفعها. فذكر يوما عند كسرى شدّة اهتمامه بقطع الجبل، فقال بعض الحاضرين: رأيته يرمي بكلّ ضربة شبه جبل، ولو بقي على ما هو عليه لا يبعد أن يفتح الطريق. فانفرق كسرى فقال بعضهم: أنا أكفيك أمره! فبعث إليه من أخبره بموت شيرين. فلمّا سمع ذلك ضرب فأسه على الحجر وأثبته فيه، ثمّ جعل يضرب رأسه على الفأس إلى أن مات. ومقدار فتحه من الجبل غلوة سهم، وتلك الآثار باقية إلى الآن لا ريب فيها. وقال أحمد بن محمّد الهمذاني: في سفح جبل بيستون إيوان منحوت من الحجر، وفي وسط الإيوان صورة فرس كسرى شبديز وابرويز راكب عليه، وعلى حيطان الإيوان صورة شيرين ومواليها؛ قيل: صوّرها فطرس بن سنمّار، وسنمّار هو الذي بنى الخورنق بظاهر الحيرة، وسببه أن شبديز كان أذكى الدواب وأعظمها خلقا وأظهرها خلقا، وأصبرها على طول الركض، كان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه، ولا يخرّ ولا يزبد ما دام عليه لجامه. كان ملك الهند أهداه إلى ابرويز، فاتّفق أنّه اشتكى وزاد شكواه فقال كسرى: من أخبرني بموته قتلته! فلمّا مات خاف صاحب خيله أن يسأل عنه فيجب عليه الخبر بموته، فجاء إلى البلهبد مغنيه وسأله أن يخبر كسرى ذلك في شيء من الغناء، وكان البلهبد أحذق الناس بالغناء ففعل ذلك. فلمّا سمع كسرى به فطن بمعناه وقال: ويحك! مات شبديز؟ فقال: الملك يقوله! فقال كسرى: زه! ما

стр. 342

أحسن ما تخلّصت وخلّصت غيرك! وجزع عليه فطرس بن سنمّار فصوّره على أحسن مثال، بحيث لا يكاد يفرق بينهما إلّا بإدارات الروح، وجاء كسرى فتأمّله باكيا وقال: يشدّ ما بقي هذا التمثال إلينا، وذكرنا ما يصير حالنا إليه بموت جسدنا وطموس صورتنا، ودروس أثرنا الذي لا بدّ منه، وسيبقى هذا التمثال أثرا من جمال صورتنا للواقفين عليه حتى كأنّنا بعضهم ونشاهدهم. وحكي من عجائب هذا التمثال انّه لم ير مثله، ولم يقف أحد منذ صوّر من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق عليه إلّا تعجّب منه، حتى قال بعض الناس: انّها ليست من صنعة البشر! ولقد أعطي ذاك المصوّر ما لم يعط غيره، فأيّ شيء أعجب من أن سخّرت له الحجار كما أراد، حتى في الموضع الذي أراد أحمر جاء أحمر، وفي الموضع الذي أراد أبيض جاء أبيض، وكذلك سائر الألوان، والظاهر أن الأصباغ التي فيه عالجها بصنف من المعالجات العجيبة لم يغيّرها طول الليالي، وصوّر الفرس واقفا في وسط الإيوان، وكسرى راكب عليه لابس درعا كأنّه زرد به من حديد، يتبيّن مسامير الزرد في حلقها، وصوّر شيرين بحيث يظهر الحسن والملاحة في وجهها كأنّها تسلب القلوب بغنجها. وسمعت أن بعض الناس عشق على صورة شيرين، وصار من عشقها متيّما، فكسروا أنفها لئلا يعشق عليها غيره. وذكر قصة شبديز خالد الفيّاض فقال: والملك كسرى شهنشاه يقبضه … سهم بريش جناح الموت مقطوب إذ كان لذّته شبديز يركبه … وغنج شيرين والدّيباج والطيّب بالنّار آلى يمينا شدّ ما غلظت … ان من يد أفعى الشبديز مصلوب حتى إذا أصبح الشّبديز منجدلا … وكان ما مثله في الناس مركوب ناحت عليه من الأوتار أربعة … بالفارسيّة نوحا فيه تطريب ورنّم الهربد الأوتار فالتهبت … من سحر راحته اليسرى شآبيب

стр. 343

فقال: مات؟ فقالوا: أنت فهت به … فأصبح الحنث عنه وهو مجذوب! لولا البلهبد والأوتار تندبه … لم يستطع نعي شبديز المزاريب أخنى الزّمان عليهم فاجر هدبهم … فما ترى منهم إلّا الملاعيب وبها جبل دماوند، وهو بقرب الري يناطح النجوم ارتفاعا ويحكيها امتناعا، لا يعلوه الغيم في ارتفاعه ولا الطير في تحليقه؛ قال مسعر بن مهلهل: انّه جبل مشرف عال شاهق لا يفارق أعلاه الثلج صيفا ولا شتاء، ولا يقدر الإنسان أن يعلو ذروته، يراه الناظر من عقبة همذان، والناظر من الري يظن أنّه مشرف عليه وبينهما فرسخان، فصعدت الجبل حتى وصلت إلى نصفه بمشقّة شديدة، ومخاطرة بالنفس، فرأيت عينا كبريتيّة، وحولها كبريت مستحجر، فإذا طلعت عليه الشمس التهبت نارا، والدخان يصعد من العين الكبريتيّة. وحكى أهل تلك النواحي أنّهم إذا رأوا النمل يذخر الحبّ الكثير تكون السنة سنة جدب، وإذا دامت عليهم الأمطار حتى تأذّوا منها صبّوا لبن الماعز على النار فانقطعت. قال: جرّبت هذا مرارا فوجدته صحيحا. وقالوا: إذا رأينا قلّة هذا الجبل في وقت من الأوقات متحسّرا عن الثلج، وقعت فتنة وأريقت دماء من الجانب الذي نراه متحسّرا. وبقرب الجبل معدن الكحل الرازي والمرتك والاسربّ والزاج. هذا كلّه قول مسعر. وحكى محمّد بن إبراهيم الضرّاب قال: ان أبي سمع أن بدماوند معدن الكبريت الأحمر، فاتّخذ مغارف حديد طول السواعد واحتال في إخراجه، فذكر انّه لا يقرب من ناره حديدة إلّا ذابت من ساعتها. وذكر أهل دماوند أن رجلا من أهل خراسان اتّخذ مغارف حديديّة طويلة مطلية بها، عالجها بها وأخرج من الكبريت لبعض الملوك. وحكى عليّ بن رزين وكان حكيما له تصانيف قال: وجّهت جماعة إلى جبل دماوند وهو جبل عظيم شاهق في الهواء، يرى من مائة فرسخ، وعلى رأسه

стр. 344

أبدا مثل السحاب المتراكم، لا ينحسر شتاء ولا صيفا، ويخرج من أسفله نهر ماؤه أصفر كبريتي، فذكر الجماعة أنّهم وصلوا إلى قلّته في خمسة أيّام وخمس ليال، فوجدوا قلّته نحوا من مائة جريب مساحة، على أن الناظر إليها من أسفله يراها كالمخروط. قالوا: وجدنا رملا تغيب فيه الأقدام، وانّهم لم يروا عليها دابّة ولا أثر حيوان، وان الطير لا يصل إلى أعلاها والبرد فيها شديد والريح عاصف. وانّهم عدّوا سبعين كوّة يخرج منها الدخان الكبريتي، ورأوا حول كلّ ثقب من تلك الكوى كبريتا أصفر كأنّه ذهب، وحملوا معهم شيئا منه. وذكروا أنّهم رأوا على قلّته الجبال الشامخة مثل التلال، ورأوا بحر الخزر كالنهر الصغير، وبينهما عشرون فرسخا. وبها جبل ساوة وهو على مرحلة منها. رأيته جبلا شامخا إذا أصعدت عليه قدر غلوة سهم رأيت ايوانا كبيرا يتسع لألف نفس، وفي آخره قد برز من سقفه أربعة أحجار شبيهة بثدي النساء، يتقاطر الماء من ثلاثة والرابع يابس. أهل ساوة يقولون: انّه مصّه كافر فيبس! وتحتها حوض يجتمع فيه الماء الذي يتقاطر منها، وعلى باب الإيوان ثقبة لها بابان، وفيها انخفاض وارتفاع؛ يقول أهل ساوة: ان ولد الرشدة يقدر أن يدخل من باب ويخرج من الآخر وولد الزنية لا يقدر! وبها جبل كركس كوه جبل دورته فرسخان في مفازة بين الري وألقم، وهو جبل وعر المسلك في مفازة بعيدة عن العمارات، في وسطه ساحة فيها ماء، والجبال محيطة بها من جميع جوانبها، فمن كان فيها كأنّه في مثل حظيرة. وسمّي كركس كوه لأن النسر كان يأوي إليه، وكركس هو النسر، فلو اتّخذ معقلا كان حصينا إلّا أنّه في مفازة بعيدة عن البلاد قلّما يجتاز بها أحد. وبها جبل نهاوند، وهو بقرب نهاوند، قال ابن الفقيه: على هذا الجبل طلسمان صورة سمك وثور، قالوا: إنّهما لأجل الماء لئلّا يقلّ ماؤه، وماؤه ينقسم قسمين: قسم يجري إلى نهاوند، والآخر إلى الدينور.

стр. 345

وبها جبل يله بشم. هذا الجبل بقرب قرية يقال لها يل، وهي من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. حدّثني من صعد هذا الجبل قال: عليه صور حيوانات مسخها اللّه تعالى حجرا، منها راع متكئ على عصاه يرعى غنمه، وامرأة تحلب بقرة، وغير ذلك من صور الإنسان والبهائم. وهذا شيء يعرفه أهل قزوين. وينسب إليها الوزير مهلب بن عبد اللّه. كان وزيرا فاضلا قعد به الزمان حتى صار في ضنك من العيش شديد، فرافقه بعض أصدقائه في سفره فاشتهى لحما ولم يقدر على ثمنه، فاشترى رفيقه له بدرهم لحما، فأنشأ يقول: ألا موت يباع فأشتريه … فهذا العيش ما لا خير فيه! إذا أبصرت قبرا من بعيد … وددت لو انّني من ساكنيه! ألا رحم الإله ذنوب عبد … تصدّق بالوفاة على أخيه! ثمّ بعد ذلك علا أمره وارتفعت مكانته، فقصده ذلك الرفيق والبوّاب منعه من الدخول عليه، فكتب على رقعة: ألا قل للوزير: فدتك نفسي … وأهلي ثمّ ما ملّكت فيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش: … ألا موت يباع فأشتريه فأحضره وحيّاه وجعله من خاصّته. جبّل قرية بين النعمانية وواسط، وكانت في قديم الزمان مدينة يضرب بقاضيها المثل في قلّة العقل! ومن حديثه ما ذكر أن المأمون أراد المضي إلى واسط، فاستكرى القاضي جمعا ليثنوا عليه عند وصول الخليفة، فاتّفق أن شبارة الخليفة وصلت، وما كان من الجمع المستكرين أحد حاضرا، فخاف القاضي

стр. 346

أن تفوت الفرصة فجعل يعدو على شاطئ دجلة مقابل الشبارة وينادي بأعلى صوته: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضي جبّل! فضحك يحيى بن أكثم، وكان راكبا في الشبارة مع الخليفة، وقال: يا أمير المؤمنين هذا المنادي هو قاضي جبّل يثني على نفسه! فضحك المأمون وأمر له بشيء وعزله وقال: لا يجوز أن يلي شيئا من أمور المسلمين من هذا عقله. جرباذقان بليدة من بلاد قهستان بين أصفهان وهمذان ذات سور وقهندز، لها رئيس يقال له جمال باده، لا يمشي إلى أحد من ملوك قهستان البتّة. وله موضع حصين وإلى داره عقود وأبواب وحرّاس، والملوك كانوا يسامحونه بذلك ويقولون: إنّ أذيّته وإزعاجه غير مبارك! وكان الأمر على ذلك إلى أن ملك الجبال خوارزمشاه محمّد، سلّمها إلى ابنه وإلى عماد الملك، فوصل عماد الملك إلى جرباذقان. أخبر بعادة الرئيس انّه لا يمشي إلى أحد، فغضب من ذلك وبعث إليه يطلبه فأبى. فبعث إليه عسكره دخلوا المدينة قهرا، وتحصّن الرئيس بالقلعة فحاصروها أيّاما وقتل من الطرفين. فلمّا اشتدّ الأمر عليه نزل بالليل وهرب، فخرب عماد الملك القلعة وقتل أكثر أهلها لأنّهم قتلوا أصحاب عماد الملك. فعمّا قريب ورد عساكر التتر وهرب عماد الملك فقتلوه في الطريق، وقتلوا ابن خوارزمشاه وعاد الرئيس إلى حاله كما كان. جرجان مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان. بناها يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة، وهي أقلّ ندى ومطرا من طبرستان، يجري بينهما نهر تجري فيه السفن، بها فواكه الصرود والجروم، وهي بين السهل والجبل والبرّ والبحر.

стр. 347

بها البلح والنخل والزيتون والجوز والرمّان والأترج وقصب السكّر، وبها من الثمار والحبوب السهليّة والجبليّة المباحة، يعيش بها الفقراء. ويوجد في صيفها جنيّ الصيف والشتاء من الباذنجان والفجل والجزر، وفي الشتاء الجدي والحملان والألبان والرياحين: كالخزامى والخيري والبنفسج والنرجس والأترج والنارنج. وهي مجمع طير البرّ والبحر، لكن هواءها رديء لأنّه يختلف في يوم مضرّ سيما بالغرباء. وحكي انّه كان بنيسابور في أيّام الطاهرية ستّمائة رجل من بني هلال يقطعون الطريق، فظفروا بهم ونقلوا ثلاثمائة إلى جرجان وثلاثمائة إلى جرجانيّة بخوارزم. فلمّا تمّ عليهم الحول لم يبق ممّن كان بجرجان إلّا ثلاث أنفس، ولم يمت ممّن كان بجرجانيّة إلّا ثلاثة. وبجرجان من العناب الجيّد والخشب الخلنج الذي يتّخذ منه النشّاب والظروف والأطباق، ويحمل إلى سائر البلاد. وبها ثعابين تهول الناظر ولا ضرر لها. وذكر أبو الريحان الخوارزمي انّه شوهد بجرجان مدرة صار بعضها قارا والبعض الآخر بحالها. بها عين سياه سنك؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بجرجان موضع يسمّى سياه سنك، به عين ماء على تلّ يأخذ الناس ماءها للشرب، وفي الطريق إليها دودة، فمن أخذ من ذلك الماء وأصاب رجله تلك الدودة يصير الماء الذي معه مرّا فيبدّده، ويعود إليها يأخذ مرّة أخرى، وهذا عندهم مشهور. ينسب إليها كرز بن وبرة كان من الأبدال، قال فضيل: إذا خرج كرز بن وبرة يأمر بالمعروف يضربونه حتى يغشى عليه، فسأل ربّه أن يعرّفه الاسم الأعظم بشرط أن لا يسأل به شيئا من أمور الدنيا، فأعطاه اللّه ذلك، فسأل أن يقوّيه على قراءة القرآن، فكان يختم كلّ يوم وليلة ثلاث ختمات. حكى أبو سليمان المكتب قال: صحبت كرز بن وبرة إلى مكّة، فكان إذا نزل القوم أدرج ثيابه في الرحل واشتغل بالصلاة، فإذا سمع رغاء الإبل أقبل،

стр. 348

فتأخر يوما عن الوقت، فذهبت في طلبه فإذا هو في وهدة في وقت حارّ، وإذا سحابة تظلّه فقال: يا أبا سليمان، أريد أن تكتم ما رأيت! فحلفت أن لا أخبر أحدا في حياته. وحكي انّه لمّا توفي رأوا أهل القبور في النوم، عليهم ثياب جدد، فقيل لهم: ما هذا؟ قالوا: ان أهل القبور كلّهم لبسوا ثيابا جددا لقدوم كرز بن وبرة! وينسب إليها أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني. كان وحيد دهره في الفقه والأصول والعربيّة، مع كثرة العبادة والمجاهدة وحسن الخلق والاهتمام بأمور الدين والنصيحة للمسلمين، وهو القائل: إني ادّخرت ليوم ورد منيّتي … عند الإله من الأمور خطيرا قولي بأنّ إلهنا هو أوحد … ونفيت عنه شريكه ونظيرا وشهادتي أنّ النّبيّ محمّدا … كان الرّسول مبشّرا ونذيرا ومحبّتي آل النّبيّ وصحبه … كلّا أراه بالثّناء جديرا وتمسّكي بالشّافعيّ وعلمه … ذاك الّذي فتق العلوم بحورا وجميل ظنّي بالإله وإن جنت … نفسي بأنواع الذّنوب كثيرا إنّ الظّلوم لنفسه إن يأته … مستغفرا يجد الإله غفورا فاشهد إلهي أنّني مستغفر … لا أستطيع لما مننت شكورا هذا الذي أعددته لشدائدي … وكفى بربّك هاديا ونصيرا! قبض أبو سعيد في صلاة المغرب عند قوله: وإيّاك نستعين، وفاضت روحه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وينسب إليها القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني. كان أديبا فقيها شاعرا، وهو القائل: يقولون لي: فيك انقباض! وإنّما … رأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما

стр. 349

يرى الناس من داناهم هان عندهم … ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما وينسب إليها الإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني. كان عالما فاضلا أديبا عارفا بعلم البيان، له كتاب في إعجاز القرآن في غاية الحسن ما سبقه أحد في ذلك الأسلوب. من لم يطالع ذلك الكتاب لا يعرف قدره ودقّة نظره ولطافة طبعه، واطّلاعه على معجزات القرآن. وبها مشهد لبعض أولاد عليّ الرضا، العجم يسمّونه «كور سرخ»، النذر له يفضي إلى قضاء الحاجة، وهذا أمر مشهور في بلاد العجم، يحمل إليها أموال كثيرة ويصرف إلى جمع من العلويّين هناك. جرجرايا قرية من أعمال بغداد مشهورة. ينسب إليها عليّ الجرجرائي، كان من الابدال، لا يدخل العمران ولا يختلط بأحد؛ حكى بشر الحافي قال: لقيته على عين ماء فلمّا أبصرني عدا، قال: بذنب مني رأيت اليوم إنسيّا! فعدوت خلفه وقلت: أوصني! فالتفت إليّ وقال: عانق الفقر وعاشر الصبر، وخالف الشهوة واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه، على هذا طاب المصير إلى اللّه تعالى! الجزيرة بلاد تشتمل على ديار بكر ومضر وربيعة، وإنّما سمّيت جزيرة لأنّها بين دجلة والفرات، وهما يقبلان من بلاد الروم، وينحطان متسامتين حتى يصبّا في بحر فارس، وقصبتها الموصل وحرّان، والجزيرة بليدة فوق الموصل تدور دجلة حولها كالهلال، ولا سبيل إليها من اليبس إلّا واحد؛ قالوا: من خاصية هذه البلاد كثرة الدماميل. قال ابن همّام السلولي:

стр. 350

أبدا إذا يمشي يحيك كأنّما … به من دماميل الجزيرة ناخس وحكي أن ضرار بن عمرو طلع به الدماميل، وهو ابن تسعين سنة، فتعجّب الناس فقالوا: احتملها من الجزيرة! ينسب إليها بنو الأثير الجزريّون. كانوا ثلاثة اخوة فضلاء، رأيت منهم الضياء، كان شيخا حسن الصورة فاضلا حلو الحديث كريم الطبع، له تصانيف كثيرة منها: المثل السائر كتاب في علم البيان في غاية الحسن، وكتاب في شرح الألفاظ الغريبد التي وردت في أحاديث رسول اللّه، ﷺ ، وغيرهما. جوهسته قرية من قرى همذان. بها قصر بهرام جور، وبهرام من ملوك الفرس. كان أرمى الناس لم ير رام مثله، وهذا القصر عظيم جدّا وكلّه حجر واحد، منقورة بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفاته وسائر حيطانه، وهو كثير المجالس والخزائن والدهاليز والغرف. وفي مواضع منها كتابات بالعجميّة تتضمّن أخبار ملوكهم الماضين وحسن سيرتهم، وفي كلّ ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة، وبقربه ناووس الطيبة، وسيأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى. جوين ناحية بين خراسان وقهستان كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. وهي أربعمائة قرية على أربعمائة قناة. والقنوات منشأها من مرتفع من الأرض، والقرى على متسفّل أحدهما بجانب الآخر. ينسب إليها أبو المعالي عبد الملك بن محمّد إمام الحرمين الإمام العلامة، ما رأت العيون قبله ولا بعده مثله في غزارة العلم، وفصاحة اللسان، وجودة

стр. 351

الذهن. من رآه من العلماء تحيّر فيه، شاع ذكره في الآفاق، فلمّا كان زمان أبي نصر الكندري وأمر بلعن المذاهب على رأس المنبر، فارق الإمام خراسان وذهب إلى الحجاز ودرّس بمكّة. فانقضت تلك المدّة سريعا بموت طغرلبك وقتل الكندري، فعاد إمام الحرمين إلى خراسان وبنى له نظام الملك مدرسة بنيسابور، فظهرت تلامذته وانتشرت تصانيفه. وكان في حلقته ثلاثمائة فقيه من الفحول، بلغوا مبلغ التدريس كأبي حامد الغزّالي، وصنّف نهاية المطلب عشرين مجلّدا. توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. جيلان غيضة بين قزوين وبحر الخزر صعبة المسلك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه، في كلّ بقعة ملك مستقلّ لا يطيع غيره، والحرب بينهم قائمة، والمطر كثير جدّا ربّما يستمرّ أربعين يوما لا ينقطع ليلا ولا نهارا، ويضجر الناس منه. وبيوتهم من الأخشاب والاخصاص وسط الأشجار، ولا حدّ لكثرة أشجارها الطوال لو كانت بأرض أخرى كان لها قيمة. ونساؤها أحسن النساء صورة لا يستترن عن الرجال يخرجن مكشوفات الوجه والرأس والصدر. وبها من الخيل الهماليج ما لا يوجد في غيرها من البلاد، ولم ير أحسن منها صورة ومشيا. ومن عجائبها ما سمعت ولا صدقت حتى جرّبت، وهو ان المطر إذا دام عندهم ضجروا منه، فإن سمعوا بالليل صوت ابن آوى وعقبه نباح كلب يبشر بعضهم بعضا بصحو الغد، وعندهم من بنات آوى والكلاب كثير، وهذا شيء أشهر عندهم وجرّبت مرارا ما أخطأ شيء. مأكولهم الرزّ الجيّد المولاني والسمك، ويؤدون زكاة الرز ولا يتركونه أصلا. ويقتنون دود الإبريسم، شغل رجالهم زراعة الرزّ وشغل نسائهم تربية

стр. 352

دود القزّ والرزق الحلال في زماننا عندهم. ونساؤهم ينسجن الميازر والمشدات الفرية الملاح وتحمل منها إلى سائر البلاد. ومن عاداتهم أن فقهاءهم في كلّ سنة يستأذنون من الأمير الأمر بالمعروف، فإذا أذن لهم أحضروا كلّ واحد كائنا من كان وضربوه مائة خشبة، فربّما يحلف الرجل أيمانا انّه ما شرب ولا زنى فيقول الفقيه: أيش صنعتك؟ فيقول: بقّال أنا! فيقول: أما كان بيدك الميزان؟ فيقول: نعم. فيأمر بضربه مائة! ينسب إليها الشيخ محمّد بن خالد الملقّب بنور الدين. كان شيخا عظيم الشأن ظاهر الكرامات. رأيته في صغر سني كان شيخا مهيبا وضيء الوجه طويل القامة، كثّ اللحية طويلها، ما رآه أحد ولو كان ملكا إلّا أخذته هيبته. له مصنّفات في عجائب أحواله ومشاهدته الملائكة والجنّة والنار، وأحوال الأموات وخواصّ الأذكار والآيات. حكى بعض من صحبه قال: سرنا ذات يوم فرفع لنا خان فقصدناه، فقال بعض السابلة: لا تدخلوا الخان فإنّه يأوي إليه سبع! فقال الشيخ: نتّكل على اللّه. فدخلناها وفرش الشيخ مصلّاءة يصلّي، فسمعت زئير الأسد فأنكرت في نفسي على الشيخ لدخول الخان، فدخل الخان سبع هائل، فلمّا رآنا جعل يأتينا إتيانا لينا لا إتيان صائل، وأنا أنظر إلى شكله فذهب عقلي، فهربت إلى الشيخ وجعلته بيني وبين الأسد، فجاء وافترش عند مصلّى الشيخ، فلمّا فرغ الشيخ من صلاته مسح رأسه وقال بالعجميّة: فارق هذا الموضع ولا ترجع تفزّع الناس ههنا! فقام السبع وخرج من الخان ولم يره أحد بعد ذلك هناك. الحضر مدينة كانت بين تكريت وسنجار مبنية بالحجارة المهندمة، كان على سورها ستّون برجا كبارا، بين البرج والبرج تسعة أبراج صغار، بإزاء كلّ برج قصر وإلى جانبه حمّام. وبجانب المدينة نهر الثرثار وكان نهرا عظيما عليه جنان بناها

стр. 353

الضّيزن بن معاوية، وكان من قضاعة من قبل شابور بن اردشير ملك الفرس، وقد طلسمها أن لا يقدر على هدمها إلّا بدم الحمامة الورقاء، ودم حيض المرأة الزرقاء؛ وإيّاها أراد عدي بن زيد: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور … شاده جندلا وجلّله كلسا، وللطّير في ذراه وكور فاتّفق أنّه ظهر لشابور خصم بخراسان، فذهب إليه وطالت غيبته فعصى ضيزن عليه واستولى على بلاد الجزيرة، وأغار على بلاد الفرس وخرب السواد وأسر ماه أخت شابور الملك. فلمّا عاد شابور من خراسان وأخبر بما فعل ضيزن، ذهب إليه بعساكره وحاصره سنين ولم يظفر بشيء، فهمّ بالرجوع فصعدت النّصيرة بنت الضيزن السطح ورأت شابور فعشقته، فبعثت إليه أن ما لي عندك ان دللتك على فتح هذه المدينة؟ فقال شابور: آخذك لنفسي وأرفعك على نسائي. فقالت: خذ من دم حمامة ورقاء، واخلطه بدم حيض امرأة زرقاء، واكتب بهما واشدده في عنق ورشان وأرسله، فإنّه إذا وقع على السور تهدّم! ففعل كما قالت فدخل المدينة وقتل مائة ألف رجل وأسر البقيّة، وقتل ضيزن وأنسابه فقال الحدس بن الدلهاث: ألم يجزيك والأبناء تمنى … بما لاقت سراة بني العبيد؟ ومقتل ضيزن وبني أبيه … وإجلاء القبائل من يزيد أتاهم بالفيول مجلّلات … وبالأبطال شابور الجنود فهدّم من بروج الحضر صخرا … كأنّ ثقاله زبر الحديد! ثمّ سار شابور إلى عين التمر وعرّس بالنصيرة هناك، فلم تنم هي تلك الليلة تململا على فراشها، فقال لها شابور: ما أصابك؟ فقالت: لم أنم قطّ على فراش أخشن من هذا! فنظر فإذا في الفراش ورقة آس لصقت بين عكنتين

стр. 354

من عكنها، فقال لها شابور: بم كان أبواك يغذوانك؟ قالت: بشهد الأبكار ولباب البرّ ومخّ الثنيان! فقال شابور: أنت ما وفيت لأبويك مع حسن صنيعهما بك، فكيف تفين لي؟ ثمّ أمر أن تصعد بناء عاليا وقال: ألم أرفعك فوق نسائي؟ قالت: بلى! فأمر بفرسين جموحين وشدّت ذوائبها في ذنبيهما ثمّ استحضرا فقطعاها؛ قال عدي بن زيد: والحضر صبّت عليه داهية … شديدة أيد مناكبها ربيبة لم ترقّ والدها … بحبّها إذ ضاع راقبها فكان حظّ العروس إذ جشر … الصّبح دما يجري سبايبها حصن الطاق حصن حصين بطبرستان، كان في قديم الزمان خزانة ملوك الفرس، وأوّل من اتّخذه منوجهر بن ايرج بن فريدون، وهو نقب في موضع عال في جبل صعب المسلك، والنقب يشبه بابا صغيرا، فإذا دخله الإنسان مشى نحو ميل في ظلمة شديدة ثمّ يخرج إلى موضع واسع شبيه بمدينة، قد أحاطت به الجبال من جميع الجوانب. وهي جبال لا يمكن صعودها لارتفاعها، وفي هذه السعة مغارات وكهوف، وفي وسطها عين غزيرة الماء ينبع من ثقبة ويغور في أخرى، وبينهما عشرة أذرع. وكان في أيّام الفرس يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلّم يدلونه من الموضع، إذا أراد أحدهما النزول في دهر طويل، وعندهما ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ملك العرب طبرستان، فحاولوا الصعود عليه فتعذّر عليهم ذلك إلى أن ولّي المازيار طبرستان، فقصد هذا الموضع وأقام عليه مدّة حتى صعد رجل من أصحابه إليه، فدلّى حبالا وأصعد قوما فيهم المازيار، فوقف على ما في تلك الكهوف من الأموال والسلاح والكنوز،

стр. 355

وكان بيده إلى أن مات. وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية. ومن العجائب ما ذكره ابن الفقيه انّه إلى جانب هذا الطاق شبيه بالدكان، إذا لطخ بعذرة أو شيء من الأقذار ارتفعت في الحال سحابة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظّفه، وان ذلك مشهور عندهم لا يتمارى فيه اثنان. حلوان مدينة بين همذان وبغداد. كانت عامرة طيّبة والآن خراب، وتينها ورمانها في غاية الطيب، لم يوجد في شيء من البلاد مثلهما. وفي حواليها عدّة عيون كبريتيّة ينتفع بها من عدّة أدواء. وكان بها نخلتان مشهورتان على طريق السابلة، وصل إليهما مطيع بن اياس فقال: أسعداني يا نخلتي حلوان … وابكيا لي من ريب هذا الزّمان واعلما أنّ ريبه لم يزل … يفرّق بين الألّاف والجيران واسعداني وأيقنا أنّ نحسا … سوف يأتيكما فتفترقان! حكى المدائني أن المنصور اجتاز عليهما، وكانت إحداهما على الطريق ضيّقت على الأحمال والأثقال، فأمر بقطعها فأنشد قول مطيع فقال: واللّه لا كنت ذلك النحس! ثمّ اجتاز المهدي بهما واستطاب الموضع، ودعا لحسنه المغنيّة وقال لها: أما ترين طيب هذا الموضع؟ غنّيني بحياتي! فغنّت: أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا … إذا نام حرّاس النّخيل جناكما! فقال لها: أحسنت! لقد هممت بقطع هاتين النخلتين فمنعتني. فقالت: أعيذك باللّه أن تكون نحسهما! وأنشدت قول مطيع، ثمّ اجتاز بهما الرشيد عند خروجه إلى خراسان وقد هاج به الدم بحلوان، فأشار عليه الطبيب بأكل الجمّار، فطلب ذلك من دهقان حلوان فقال: ليست أرضنا أرض نخل لكن
следующие страницы →