Полный текст (619 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فكنت أمشي مرّة أخرى مستحيا ثمّ انقطعت بالكلية، فرآني الرجل وسأل ان لا أنقطع فامتنعت، فلمّا أيس عن ذلك أخرج من كمّه ثلاثمائة دينار وقال:
هذا رأس مالك والذي أخذته مكسبها، لأني كنت أتجر لك عليها، وللّه تعالى الحمد إذ وفّقني لبعض قضاء حاجة مثلك.
وينسب إليها القاضي عدّة. كان واعظا ظريفا حلو الكلام يرى الملوك له.
حكي انّه كان يعقد مجلس الوعظ بهمذان، وينفي التشبيه والقوم لم يقدروا عليه لمكانته عند السلطان، فكانوا يكتبون إليه رقاعا ويشتمونه فيها في نفسه وأهله وأولاده، وهو يقول: قد كتبوا كيت وكيت وهذا ممكن، لكن وجود الإله على العرش محال!
وحكي أن بعض الملوك أراد رسولا يبعثه إلى ملك آخر، فعيّنوا على القاضي عدّة فقالوا: انّه جيّد لكنّه يفسد الرسالة بطلب المال! فقال: حلّفوه أن لا يطلب شيئا! فحلفوه وبعثوه، فلمّا ذهب إليهم صبر أيّاما لم يبعث إليه أحد شيئا غير المرسل إليه، فعقد مجلسا وقال: يا قوم، إن مرسلي حلّفني أن لا أطلب من أحد شيئا، فقولوا أنتم من حلّفكم أن لا تبعثوا إليّ شيئا؟ وله حكايات عجيبة من هذا الجنس، وبهذا مقنع.
وينسب إليها التاج محمّد الواعظ المعروف بشجويه. كان واعظا فقيها حلو الكلام عذب اللهجة، ذا قبول عند الخواص والعوام، وكان وعظه معائب طبقات الناس، فإذا حضر ملك يقول: أيّها الملك، ماذا تقول في عبد لبعض الملوك، اصطفاه سيّده في حال هوانه وأفاض إليه أنواع إحسانه، وفوّض إليه أمر البلاد وجعل بيده أزمّة العباد، ثمّ ان هذا العبد خرّب بلاده وقهر بالظلم عباده، وخالف أمر سيّده وعصى وتجاوز عن حدّه واعتدى، فهل يستحقّ هذا العبد من سيّده إلّا العذاب العظيم والعقاب الأليم؟ ثمّ قال: أنت ذلك العبد أيّها الملك، إن اللّه اصطفاك على العباد وجعل بيدك أمر البلاد، وأمرك بالعدل والإحسان ونهاك عن الظلم والطغيان، وأنت نهارك مصروف في غصب
стр. 387
الأموال وسفك الدماء، وليلك بالفسق والفجور، فما استحقّ من اللّه تعالى كفى بنفسك! وكان يقول في العالم: أيّها العالم إذا جاءك المستفتي تقول لا مساغ لسؤالك في الشرع أصلا، وإذا ترك القرطاس تحت المصلّى يكون ذلك وجها عن الصيدلاني أو الكرابيسي أو الإصطخري. ويقول في المتصوّفية: أيّها الشيخ إذا حضرت الدعوة تأكل أكل البعير ولو كان حراما، وتسمّي ابن صاحب المنزل شاهدا وزوجته سكرجة، وتترك العفاف خلف الزلى. وهذا من اصطلاحات الصوفية، والعفاف ليس يتخذونه لمذاكيرهم بتركه خلف الزلى. وفي اليوم الثاني يمشي يقول: فقير قد نسي خرقة خلف الزلى، ليعرفهم أنّه صاحب العفاف الكبير، فمن له إليه حاجة يطلبه، فكان يتّخذ لكلّ طبقة من طبقات الناس عيبا على هذا المثال.
وينسب إليها جماعة ما كان لهم نظير في وقتهم مثل عماد الملك، وزير السلطان خوارزمشاه، كان وزيرا ذا رأي وعلم.
وتاج الدين كمالان. كان عالما ذا فنون من الخلاف والأصول والمذهب.
وبها المسكوي الطبيب. كان طبيبا فاضلا وحيد دهره.
وسعد المغني فإنّه جمع بين الصوت والصنعة، وله أقوال يتعجّب منها أهل تلك الصنعة.
ومنها رتك المصارع. طاف أكثر البلاد وصارع كلّ مصارع فيها وغلبه ولم يغلب قطّ.
ومنها الصفي كانون الشطرنجي، فإنّه كان يطرح الفرس لمن كان في الطبقة العالية.
ومن عاداتهم المحاجزة، وهي أن القوم إذا كان فصل الربيع كلّ جمعة بعد الصلاة خرج من محلّتين من كلّ واحدة منهما مائتان أو ثلاثمائة غلام، يلتقون صفّين عراة ويتلاكمون أشدّ الملاكمة، ولا يزال كذلك إلى أن ينهزم أحد الصفّين.
стр. 388
سبران
صقع من نواحي الباميان بين بست وكابل؛ قال نصر: به جبال فيها عيون ماء لا تقبل النجاسات، وإذا ألقي فيها شيء من النجاسات ماج وغلا نجو جهة الملقي، فإن أدركه أحاط به وغرّقه.
سرجهان
قلعة على قلّة جبل من جبال الديلم مشرف على قاع قزوين وابهر وزنجان، وهي قلعة عجيبة من أحصن القلاع وأحكمها، وعليها قلّة، وهي حصن على حصن، بعد استخلاص الطبقة السفلى تبقى قلّتها حصنا حصينا لا يسهل استخلاصها.
سرخس
مدينة بين مرو ونيسابور بناها سرخس بن جودرز، وهي كبيرة آهلة غنّاء كثيرة الخيرات، لا ماء لها في الصيف إلّا من الآبار، ولأهلها يد باسطة في عمل العصائب والمقانع المنقوشة بالذهب، منها تحمل إلى سائر الآفاق.
وينسب إليها أحمد بن الطيب السرخسي الحكيم الظريف الذي تظهر حكمته مع الظرافة. ذكر أنّه سئل عن لذّات الدنيا فقال: لذّات الدنيا ثلاث:
أكل اللحم، وركوب اللحم، وإدخال اللحم في اللحم؛ فسمع ذلك شاعر نظمها:
ألم تر لذّة الدّنيا ثلاثا … إليها مال كلّ بالطّباع
فذلك كلّها في اللّحم توجد … بأكل أو ركوب أو جماع
ومن كلامه: أربعة أشياء لا قبل لها: الدين والمرض والنار والسلطنة.
стр. 389
سلماس
مدينة بآذربيجان بين تبريز وأرمية. بها ماء من اغتسل به ذهب عنه الجذام.
سمعت أن مجذوما موصليّا ذهب إليه، فما رجع إلّا سليما نقيّ الجسد.
سميرم
كورة بين أصفهان وشيراز. بها عين ماء يدفع الجراد بها، وهي من أعجب عجائب الدنيا: وهو أن الجراد إذا وقعت بأرض يحمل من ذلك الماء إلى تلك الأرض، بشرط أن لا يوضع الظرف الذي فيه الماء على الأرض، ولا يلتفت حامله إلى ورائه، فيتبع ذلك الماء من الطير السودانيّة عدد لا يحصى ويقتل الجراد. ورأيت في سنة ستّ وستّمائة بأرض قزوين جرادا، كانت تستر شعاع الشمس عند طيرانها، وما تركت بها ورقة خضراء، وباضت بها، قيل إن كلّ جرادة تبيض مائة بيضة، فإذا تفرّخت بيضها في السنة القابلة لا تقدر فراخها على الطيران فتقيم بها حتى تقوى ثمّ تطير عنها إلى أرض أخرى، فبعث أهل قزوين رجلين أمينين في طلب ذلك الماء لدفع الجراد للسنة القابلة، فأتيا به في إناء فجاء عقيب الماء من السودانيّة عدد لا يحصى، وشرعت في قتل الجراد وأهلكتها عن آخرها. قيل: إن كلّ واحد من السودانيّة كان يقتل كلّ يوم من الجراد شيئا كثيرا حتى قالوا قريبا من ألف، لأنّها كانت تأكل وتقذف ثم تأكل وتقذف ولا تفارق تلك الأرض حتى تقتل جميعها. وحدّث حامل ذلك الماء انّه ما رأى شيئا من السودانيّة عند المنبع، قال: فلمّا اغترفت وشرعت في الرجوع رأيت في كلّ منزل يحوم الطير حولنا، وهذا من الخواص العجيبة الكثيرة النفع، وانّه مشهور ببلاد قهستان، فسبحان من لا يطّلع على أسرار حكمته إلّا هو!
стр. 390
سناباذ
من قرى طوس على ميل منها، بها قبر الرشيد، حكي أن بعض المنجّمين حكم أن موت الرشيد يكون بأرض طوس فقال: إذا لا نطأ تلك الأرض أبدا! حتى ظهر بخراسان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار وعظم أمره، فأشاروا إلى الرشيد أنّه لا يندفع إن لم يمض إليه بنفسه. وكان الرشيد يكره ذلك، قالوا:
ان مصالح الملك لا تترك بقول منجّم، ونحن نجمع بينهما نمشي إلى خراسان على وجه يكون بيننا وبين طوس مسافة بعيدة. فلمّا وصلوا إلى نيسابور ضلّوا عن الطريق في بعض الليالي، فساقوا سوقا شديدا فأصبحوا وهم على باب طوس، فأتى الرشيد قشعريرة فأراد أن يتحوّل منها، فما أمكنه وزاد به حتى مات ودفن هناك؛ قال عبّاس بن الأحنف وكان مع الرشيد:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا … ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا
أين الذي كنت أرجوه وآمله … ذاك الذي كنت أخشاه فقد كانا
وكان المأمون مع الرشيد بخراسان، جعل قبر الرشيد وقبر عليّ بن موسى الرضا في قبّة واحدة؛ قال دعبل الخزاعي وهو شيعيّ:
قبران في طوس: خير الناس كلّهم … وقبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرّجس من قرب الزّكيّ ولا … على الزّكيّ بقرب الرّجس من ضرر
وذكر بعض مشايخ طوس أن الرشيد في القبر الذي يعرفه الناس للرضا، والرضا في القبر الذي يعرفه الناس للرشيد، وذلك من تدبير المأمون. والقبران متقاربان في قبّة واحدة، وأهل تلك القرية شيعة بالغوا في تزيين القبر الذي اعتقدوا أنّه للرضا، وهو للرشيد!
стр. 391
سنجار
مدينة مشهورة بأرض الجزيرة بقرب الموصل ونصيبين، في لحف جبل عال، وهي طيّبة جدّا كثيرة المياه والبساتين والعمارات الحسنة كأنّها مختصر دمشق، وما رأيت أحسن من حماماتها. بيوتها واسعة جدّا وفرشها فصوص، وكذلك تأزيرها، وتحت كلّ أنبوبة حوض حجرية مثمنة في غاية الحسن، وفي سقفها جامات ملونة الأحمر والأصفر والأخضر والأبيض على وضع النقوش، فالقاعد في الحمّام كأنّه في بيت مدبّج.
قال أحمد الهمذاني: إن سفينة نوح، ﵇، نطحت جبل سنجار بعد ستّة أشهر وثمانية أيّام، فطابت نفسه، ﵇، وعلم أن الماء أخذ في النضوب فقال: ليكن هذا الجبل مباركا! فصارت مدينة طيبة كثيرة الأنهار والأشجار والنخل والأترج والنارنج.
وحكي أن جارية السلطان ملكشاه ضربها الطلق بأرض سنجار فقال المنجّمون:
إن كان وضعها لا يكون اليوم يكون ولدها ملكا عظيما! فأمر السلطان أن تجعل معلّقة، ففعلوا فولدت السلطان سنجر، فسمّوا المدينة باسمه، وكان ملكا عظيما كما قالوا.
وبقرب سنجار قصر عبّاس بن عمرو الغنوي والي مصر. كان قصرا عجيب العمارة مطلّا على بساتين ومياه كثيرة، من أطيب المواضع وأحسنها. وكان بعد العبّاس ينزل بها الملوك لطيب مكانها وحسن عمارتها؛ حكى عمران بن شاهين قال: نزلنا بها مع معتمد الدولة قرواش بن المقلد فرأينا على بعض حيطانها مكتوبا:
يا قصر عبّاس بن عمرو … كيف فارقك ابن عمرك؟
قد كنت تغتال الدّهور … فكيف غالك ريب دهرك؟
واها لعزّك! بل لجودك … بل لمجدك بل لفخرك!
كتبه عليّ بن عبد اللّه بن حمدان بخطّه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وهو
стр. 392
سيف الدولة ممدوح المتنبي، وتحته مكتوب:
يا قصر ضعضعك الزّمان … وحطّ من علياء قدرك
ومحا محاسن أسطر … شرفت بهنّ متون جدرك
واها لكاتبها الكريم … وقدره الموفي بقدرك!
وكتبه الغضنفر بن الحسن بن عبد اللّه بن حمدان في سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة وهو ناصر الدولة ابن أخي سيف الدولة، وتحته مكتوب:
يا قصر ما فعل الأولى … ضربوا قبابهم بعقرك!
أخنى الزّمان عليهم … وطواهم تطويل نشرك!
واها لقاصر عمر من … يحتال فيك وطول عمرك
وكتبه المقلّد بن المسيّب في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وهو أبو قرواش أحد العظماء فكتب قرواش تحته:
يا قصر أين ثوى الكرام … السّاكنون قديم عصرك؟
ولقد أطال تفجّعي … يا ابن المسيّب رقم سطرك!
وعلمت أني لاحق بك … تابع في صوب إثرك
سهرورد
بليدة بأرض الجبال بقرب زنجان. ينسب إليها أبو الفتوح محمّد بن يحيى الملقّب بشهاب الدين، وكان حكيما عالما تاركا الدنيا صاحب العجائب والأمور الغريبة. كان مرتاضا منقطعا عن الناس، حكى بعض فقهاء قزوين قال: نزلت برباط بأرض الروم في وقت الشتاء فسمعت صوت قراءة القرآن، فقلت لخادم الرباط: من هذا القارئ؟ فقال: شهاب الدين السهروردي. قلت:
стр. 393
إني منذ مدّة سمعت به وأردت أن أراه. فأدخلني عليه فقال: لا يدخل عليه أحد، لكن إذا علت الشمس يخرج ويصعد السطح ويقعد في الشمس فأبصره! قال: فقعدت على طرف الصفّة حتى خرج، فرأيته عليه لباد أسود وعلى رأسه أيضا قلنسوة من لباد أسود، فقمت وسلّمت عليه وعرّفته أني قصدت زيارته، وسألته أن يجلس معي ساعة على طرف الصفّة، فطوى مصلّاي وجلس، فجعلت أحدّثه وهو في عالم آخر فقلت: لو لبست شيئا غير هذا اللباد! فقال: يتوسّخ.
فقلت: تغسله. فقال: يتوسّخ. فقلت: تغسله. فقال: ما حييت لغسل الثياب، لي شغل أهمّ من ذلك.
وكان معاصرا لفخر الدين الرازي، جرى بينهما مباحثات، ورأى فخر الدين بعد موته كتابه التلويحات في الحكمة فقبله. وحكي انّه كان جالسا على طرف بركة مع جمع، فتحدّثوا في معجزات الأنبياء فقال بعضهم: فلق البحر أعجبها. فقال الشهاب: ليس ذلك شيئا بالنسبة إلى معجزات الأنبياء. وأشار إلى البركة فانشقّ الماء فيها نصفين حتى رأوا أرض البركة. وحكي انّه لمّا قبض عليه بحلب حبس في دار فرأوا مكتوبا على جائزة لا يوصل إليها إلّا بالسلاليم:
بيت الظالم خراب ولو بعد حين! وكان كذلك: ذهب الملك عن الملك الظاهر عن قريب وخرب بيتهم.
شاذياخ
اسم مدينة بخراسان على قرب نيسابور. كانت بستانا لعبد اللّه بن طاهر بن الحسين. ذكر الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور أن عبد اللّه بن طاهر قدم نيسابور بعساكره، فنزلوا في دور الناس غصبا، فاتّفق أن بعض أصحابه دخل دار رجل له زوجة حسناء، وكان رجلا غيورا لا يفارق داره غيرة على زوجته، فقال له الجندي يوما: اذهب بفرسي واسقه ماء! فلم يجسر على خلافه ولم يستطع مفارقة أهله، فقال لزوجته: اذهبي أنت بفرسه واسقيه حتى احفظ
стр. 394
أنا أمتعتنا! فمضت المرأة وكانت وضيئة حسناء، فاتّفق ركوب عبد اللّه بن طاهر، فرأى المرأة تقود الفرس فقال لها: ما شأنك؟ لست أهلا لهذا! فقالت:
هذا فعل عبد اللّه بن طاهر! فأخبرته الحال فغضب وحولق، فأمر العرفاء في عسكره: من بات بالمدينة حلّ ماله ودمه! وسار إلى شاذياخ وبنى بها قصرا، والجند كلّهم بنوا بجنبه دورا، فعمرت وصارت أحسن الأماكن وأطيبها؛ قال الشاعر:
فاشرب هنيئا عليك التّاج مرتفقا … بالشّاذياخ، ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه … من ابن هوذة فيها وابن ذي يزن
فلمّا استولى الغزّ على خراسان في عهد سنجر بن ملكشاه سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وخربوا نيسابور وأحرقوها، انتقل من بقي منهم إلى شاذياخ وعمروها حتى صارت أحسن بلاد اللّه وأطيبها، وكانت ذات سور حصين وخندق وكثرة خلق إلى سنة ثماني عشرة وستمائة، استولى عليها التتر وخرّبوها، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون!
شاه دز
قلعة حصينة كانت على قلة جبل بقرب أصفهان، بناها السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان سنة خمس مائة. وسبب بنائها أن رجلا من بطارقة الروم جاء إلى السلطان وأسلم وصار من مقربيه، وكان معه يوما في الاصطياد فهرب منهم كلب حسن الصيد وصعد هذا الجبل فتبعه السلطان والبطريق، فقال للسلطان: لو كان مثل هذا الجبل عندنا لاتّخذنا عليه معقلا وانتفعنا به! فأمر السلطان أن يبنى عليه قلعة، فمنعه نظام الملك فلم يقبل قوله، فبنوا عليه قلعة في غاية الحصانة لا حيلة في استخلاصها. ففرح السلطان به وجعل كوتواله بعض من كان من خواص السلطان أميرا معتبرا، وكان ابن عطاش أحمد بن عبد الملك
стр. 395
معلّما لوشاقية هذا الأمير، وهو داع من دعاة الباطنيّة، حمله الأمير معه إلى القلعة. فلمّا استقرّ فيها دعا القوم إلى مذهب الباطنيّة فأجابوه، وبعث الدعاة إلى أصفهان فأجابه من أصفهان أيضا خلق كثير. فلمّا علم نظام الملك ذلك قال للسلطان: منعتك عن بناء القلعة فما قبلت، والآن أقول استدرك أمر هذا الملحد، وإلّا يفضي إلى فساد لا يمكن دفعه! فنزل السلطان على القلعة وحاصرها سبع سنين حتى استخلصها، وأنزل ابن عطاش منها، وكان عالما بعلم النجوم، وقد أركبوه على جمل وأدخلوه في أصفهان، واستقبله جميع أهل أصفهان بالطبول والبوقات والدفوف، والمساخرة يرقصون قدّامه، والعوام يرمونه بالأبعار والأقذار، قيل له: ما رأيت هذا في طالعك؟ قال: رأيت في طالعي ارتقاء لكن ما رأيت انّه يكون على هذا الوجه! وصلب في أصفهان وكفي شرّه، فقالوا للسلطان:
قلعة دلّ عليها كلب، وأشار إلى عمارتها كافر، وملكها ملحد لا يرجى منها الخير! فأمر بخرابها.
شكمبة
بليدة من ناحية دنباوند، كثيرة المزارع والبساتين والثمار والأعناب. وهي أشدّ تلك النواحي بردا، يضرب أهل جرجان وطبرستان بقاضيها المثل في تشويش الصورة واضطراب الخلقة، فإذا رأوا أحدا كريه الصورة قالوا: مثل قاضي شكمبة! قال قائلهم:
رأيت رأسا كدبّة ولحية كمذبّه … فقلت: ذا التّيس من هو؟ فقال: قاضي شكمبه!
شهرزور
كورة واسعة في الجبال بين اربل وهمذان. بها قرى ومدن. أهلها أكراد قطاع الطريق؛ قال مسعر بن مهلهل: بلدهم ينشئ ستّين ألف بيت من الأكراد،
стр. 396
وقصبتها دزدان. وكانت مدينة ذات سور عريض عال حتى تركض الخيل على سورها لسعته، وكان رئيسها عاصيا على السلاطين، قال: وكنت أنظر إلى رئيسها وهو جالس على برج مبني على بابها عال، ينظر إلى عدّة فراسخ وبيده سيف مجرد، فمتى رأى خيلا من بعض الجهات لمع بسيفه. فانجفلت المواشي والقوافل إلى المدينة وقالوا: انّها مدينة منصورة ممتنعة عمّن يرومها. دعا لها داود وسليمان، ﵉.
ينسب إليها طالوت الذي بعثه اللّه تعالى ملكا إلى بني إسرائيل فقالوا: أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه؟ والمتغلّبون عليها إلى اليوم يزعمون أنّهم من ولد طالوت. وهي مخصوصة بقلّة رمد العين والجدري؛ هذا آخر كلام مسعر.
وبها جبل ينبت حبّ الزلم الصالح لأدوية الباه، لم يعرف في مكان غيره.
وبها نوع من الكرم يأتي سنة بالعنب وسنة بثمرة شبيهة بالجزر شديدة الحمرة، أسود الرأس يقولون له الودع. وبها عقارب قتّالة أضرّ من عقارب نصيبين.
شهرستان
مدينة بخراسان بين نيسابور وخوارزم على طرف بادية الرمل. وبساتينها ومزارعها بعيدة عنها، والرمال متّصلة بها لا تزال تسفّ. ولها وقف على رجال وثيران ينحّون الرمل عنها أبدا. وربّما يغشاها في يوم واحد أضعاف ما ينحوّن عنها زمانا طويلا، والناس ينظرون إليه وهو يجري كالماء الجاري. يجلب منها العمائم الرفاع الطوال ولأهلها يد باسطة في صنعتها.
وينسب إليها الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل، وكان رجلا فاضلا متكلّما، ويزعم أنّه انتهى إلى مقام الحيرة، وهو القائل:
لقد طفت في تلك المعاهد كلّها … وصيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر … على ذقن أو قارعا سنّ نادم!
стр. 397
شيز
مدينة بآذربيجان بين المراغة وزنجان، قال مسعر بن مهلهل: بها معدن الذهب والفضّة والزئبق والزرنيخ الأصفر والاسرب. ولها سور محيط بها. وفي وسطها بحيرة لا يدرك قعرها. وإني أرسيت فيه أربعة عشر ألف ذراع وكسورا من ألف ما استقرّ، واستدارتها نحو جريب بالهاشمي. ومتى بلّ بمائها تراب صار لوقته حجرا صلدا.
بها بيت نار عظيم الشأن عند المجوس، منها تذكى نيران المجوس من المشرق إلى المغرب، وعلى رأس قبّته هلال فضّة قيل هو طلسم حاول كثير من المتغلّبين قلعه فلم يقدروا. ومن عجائب هذا البيت انّهم يوقدون منه منذ سبعمائة سنة، فلا يوجد فيه رماد البتّة ولا ينقطع الوقود عنه ساعة من الزمان.
ومن عجائب هذه المدينة انّه إذا قصدها عدوّ ونصب المنجنيق عليها فإن حجر المنجنيق يقع خارج السور ولا يصل إليه، وإن كان يرمى إليه من مسافة ذراع.
إلى ههنا كلام مسعر، وكان رجلا سياحا طاف البلاد ورأى عجائبها، وأكثر عجائب البلدان منقول منه.
وحكى غير مسعر أن بالشيز نار اذرخس، وهي نار عظيمة عند المجوس كان إذا الملك منهم زارها أتاها راجلا.
وينسب إليها زرادشت نبيّ المجوس، قيل: انّه كان من شيز، ذهب إلى جبل سبلان معتزلا عن الناس وأتى بكتاب اسمه باستا، وهو بالعجميّة لم يفهم معناه إلّا من المفسر. وأتى يدّعي النبوة في عهد كشتاسف بن لهراسف ابن كيخسرو، ملك الفرس، وأراد الوصول إليه فلم يتمكّن من ذلك، وكان كشتاسف جالسا في إيوان فانشقّ سقف الإيوان ونزل زرادشت منه، والناس الذين كانوا عند الملك ما بين هارب ومغشي عليه، والملك ما تحرّك عن مكانه وقال له: من أنت؟ فقال زرادشت: إني رسول اللّه إليكم! فقال الملك:
стр. 398
نحن وإن رأينا هذا العجب، يعني النزول من السقف، لكن لا نقتصر على ذلك بل عندنا علماء وحكماء يناظرونك، فإن شهدوا لك الحقّ اتبعناك! فرضي زرادشت به وأمر الملك العلماء والحكماء في ذلك الزمان أن يسمعوا كلامه ويعرّفوا الملك. فسمعوا كلامه وقالوا للملك: سمعنا كلامه وانّه مستقيم ولم يبق إلّا شيء واحد، وهو طلب معجزة على نبوته، فقالوا: اخترنا أن نطلي بدنه بما أردنا من الأدوية ونأخذ شيئا من النحاس المذاب ونشدّ وثاقه ونصبّ ذلك القطر عليه، فإن تلف فقد كفينا أمره، وإن سلم من ذلك فيجب علينا متابعته. فرضي زرادشت بذلك، واختار الملك هذا الرأي، فعرّوه وشدّوا وثاقه، وصبّوا عليه قطرا فصار القطر كرات وتشبّثت بكلّ شعرة كرة، وما ضرّ به شيء، ومع المجوس من تلك الكرات يتبرّكون بها. فعند ذلك قالوا: لم يبق إلّا إجابة دعوته! فأمر في جميع مملكة كشتاسف ببناء بيوت النار، وجعل النار قبلة لا إلها، وبقيت تلك الملّة إلى مبعث رسول اللّه، ﷺ ، والآن يقولون بأرض سجستان منها بقيّة.
صيمرة
كورة بها عدّة قرى من أعمال البصرة على فم نهر معقل. أهلها موصوفون بقلّة العقل حتى جاءهم رجل يقال له ابن شاس في حدود سنة خمسين وأربعمائة، وادّعى أنّه إله فعبدوه!
ينسب إليها أبو العنبس، وهو محمد بن إسحاق، كان شاعرا أديبا ظريفا ذا تصانيف في الهزل والنزهات، وقد حظي بذلك عند المتوكّل. حكي أنّه مات له حمار فحزن عليه ورثاه بمرثية وقال: رأيته في النوم، قلت: يا حماري! أما أحسنت علفك وماءك؟ فقال: ما متّ إلّا في عشق أتان رأيتها في الموضع الفلاني ومنعتني عنها!
وحكي أن البحتري دخل على المتوكّل وأنشد قصيدته في مدحه وقال في مطلعها:
عن أيّ ثغر تبتسم … وبأيّ طرف تحتكم؟
стр. 399
فقال أبو العنبس:
عن أيّ سلح تلتقم … وبأيّ كفّ تلتطم
فقال:
حسن يضنّ بحسنه … والحسن أشبه بالكرم
فقال أبو العنبس:
نهم يفوه بهجوه … والصّفع أليق بالنّهم
فقال البحتري: انتقلت إلى مدح الخليفة وتركت النسيب لعلّه يسكت فقلت:
قل للخليفة أيّها … المتوكّل بن المعتصم
فقال أبو العنبس:
قل للمماليك الضّخام … وذي النّشاط من الخدم!
قال البحتري: فالتفتّ يمينا وشمالا حتى أرى هل ينكر عليه أحد، فما رأيت إلّا متبسما، فعلمت إن أنشدت زيادة يأتي بزيادة شتم وهتك، فسكتّ وخرجت، فلمّا رآه أبو العنبس قال:
وليت عنّا مدبرا … فعلمت أنّك منهزم!
فضحك الخليفة والحاضرون وأمر لأبي العنبس بألف دينار، فقال الفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين والبحتري أنشد وشوتم وصفع يرجع بخفّي حنين؟ فأمر له أيضا بألف دينار.
ومن شعر أبي العنبس:
كم مريض قد عاش من … بعد موت الطّبيب والعوّاد
قد يصاد القطا فينجو سليما ويحلّ القضاء بالصّيّاد!
стр. 400
طالقان
كورة ذات قرى بقهستان بين قزوين وجيلان في جبال الديلم. في جبالهم الزيتون والرمّان، يجلب إلى قزوين منها الزيتون وحبّ الرمّان الكثير.
ينسب إليها أبو الخير أحمد بن إسماعيل الملقّب برضى الدين. كان عالما فاضلا ورعا صاحب كرامات. حكي انّه كان في بدء أمره يتفقّه، فأستاذه يلقّنه الدرس ويكرّر عليه مرارا حتى يحفظه، فما حفظ حتى ضجر الأستاذ وتركه لبلادته، فانكسر هو من ذلك ونام الأستاذ، فرأى رسول اللّه، ﷺ ، يقول له: لم آذيت أحمد؟ قال: فانتبهت، وقلت: تعال يا رضى الدين حتى ألقّنك! فقال: بشفاعة النبيّ تلقّنني! ففتح اللّه تعالى عليه باب الذكاء حتى صار أوحد زمانه علما وورعا، ودرس بالمدرسة النظاميّة ببغداد مدّة، وأراد الرجوع إلى قزوين فما مكنّوه، فاستأذن للحجّ وعاد إلى قزوين بطريق الشام. وكان له بقزوين قبول ما كان لأحد قبله ولا بعده. يوم وعظه يأتي الناس بالضوء حتى يحصّلوا المكان، ويشتري الغني المكان من الفقير الذي جاء قبله، وما سمعوا منه يروونه عنه كما كانت الصحابة تروي عن رسول اللّه، ﷺ ، وحكي أن الشيخ كثيرا ما كان يتعرّض للشيعة، وكان على باب داره شجرة عظيمة ملتفّة الأغصان، فإذا في بعض الأيّام رأوا رجلا على ذلك الشجر، فإذا هو من محلّة الشيعة، قالوا: ان هذا جاء لتعرّض الشيخ! فهرب الرجل وقال الشيخ: لست أقيم في قزوين بعد هذا!
وخرج من المدينة فخرج بخروجه كلّ أهل المدينة والملك أيضا. فقال:
لست أعود إلّا بشرط أن تأخذ مكواة عليها اسم أبي بكر وعمر، وتكوي بها جباه جمع من أعيان الشيعة الذين أعين عليهم. فقبل منه ذلك وفعل، فكان أولئك يأتون والعمائم إلى أعينهم حتى لا يرى الناس الكيّ.
وحكى الشيخ عزّ الدين محمّد بن عبد الرحمن الوارني، وكان من المشايخ
стр. 401
الكبار بقزوين، أن الشيخ عقد المجلس يوم الجمعة أوّل النهار الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة وذكر تفسير قوله تعالى: واتّقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه؛ وان النبيّ، ﷺ ، ما عاش بعد ذلك إلّا سبعة أيّام، وكان ذلك تعريضا ينعى نفسه، فرجع إلى بيته محموما وبقي سبعة أيّام ورفع نعشه في اليوم الثامن. ولمّا بلغوا به الوادي قرب تربته أنار اللّه تعالى، من فضله عليه ورحمته له، آيات بيّنات وأمارات واضحات أنوارا متلألئة وأضواء متضاعفة وألوانا غريبة في السماء، ولقد عددت النور الساطع والوميض المتلألئ في سبعة مواضع من الهواء. وعند ذلك صار الخلق حيارى مبهوتين، ودمعت العيون ووجلت القلوب، وضجت الأصوات والخلق بين ساجد وممرغ في التراب خده لا يستطيع المتحرّك سكونا ولا الساكن حراكا، إلى أن وضع في لحده، فعادت السماء إلى حالها وعاد الهواء لهيئته، وما ذلك بعجيب من لطف اللّه تعالى بأرباب العلوم وأصحاب الديانات، عليه رحمة اللّه ورضوانه.
الطاهريّة
قرية من قرى بغداد. بها مستنقع يجتمع فيه في كلّ سنة ماء كثير عند زيادة دجلة، فيظهر فيه السمك المعروف بالبني، فيضمنه السلطان بمال وافر.
ولسمكه فضل على سائر السمك لطيب لحمه، وانّه غلّة من حاصل هذه القرية مع سائر غلّاتها، واللّه الموفق.
طبرستان
بلاد معروفة، والعجم يقولون مازندران، وهي بين الري وقومس وبحر الخزر.
أرضها كثيرة الأشجار والمياه والأنهار إلّا أن هواءها وخم جدّا. حكي أن بعض الأكاسرة اجتمع في حبسه جناة كثيرون، فقال وزيره: غرّبهم إلى بعض البلاد ليعمّروها، فإن عمروها كان العمران لك، وان تلفوا برئت من دمهم!
стр. 402
واختار أرض طبرستان، وهي يومئذ جبال وأشجار، فأرادوا قطع الأشجار فطلبوا فؤوسا والفأس بالعجميّة تبر، فكثرت بها الفؤوس فقالوا: طبرستان، وطبر معرب تبر. وقالوا: كانت أيمانهم مغلولة فكانوا يعملون بشمالهم، فلهذا ترى فيها أكثرهم عسرا. ونفوا الفواجر أيضا إليها فتزوّجوا بهنّ، فلهذا قلّة الغيرة بينهم. وأكثرهم يتعانون تربية دود القزّ فيرتفع منها الإبريسم الكثير ويحمل إلى سائر البلاد.
وبها الخشب الخلنج، يتّخذ منه الظروف والآلات والأطباق والقصاع ثمّ يحمل إلى الري، وصناع بلد الري يجعلونه في الخرط مرّة أخرى حتى يبقى لطيفا ويزوّقونه، ومن الري يحمل إلى سائر البلاد، ومن هذا الخشب تتّخذ النشاشيب الجيّدة. وبها المآزر والمناديل الرفيعة الطبرية تحمل منها إلى سائر البلاد، وكذلك الثياب الابريسمية والأكسية والصوف.
وبها شجر إذا ألقيت شيئا من خشبها في الماء يموت ما فيه من السمك وتطفو.
وبها جبل طارق؛ قال أبو الريحان الخوارزمي: بطبرستان جبل فيه مغارة فيها دكّة تعرف بدكّان سليمان بن داود، ﵇، إذا لطخت بشيء من الأقذار انفتحت السماء ومطرت حتى تزيل الأقذار منها؛ وهذا في الآثار الباقية من تصانيف أبي الريحان الخوارزمي. وقال صاحب تحفة الغرائب: بها حشيش يسمّى جوز ماثل من قطعه ضاحكا وأكله غلب عليه الضحك، ومن قطعه باكيا وأكله في تلك الحالة يغلب عليه البكاء، ومن قطعه راقصا وأكله كذلك على كلّ حال قطعه وأكله تعلب عليه تلك الحالة.
حكى أبو الريحان الخوارزمي أن أهل طبرستان أجدبوا في أيّام الحسن ابن زيد العلوي، فخرجوا للاستسقاء فما فرغوا من دعائهم حتى وقع الحريق في أطراف البلد، وبيوتهم من الخشب اليابس، فقال أبو عمر في ذلك:
خرجوا يسألون صوب غمام … فأجيبوا بصيّب من حريق!
جاءهم ضدّ ما تمنّوه إذ … جاءت قلوب محشوّة بالفسوق!
стр. 403
وحكى الشيخ الصالح محمّد الهمداني قال: رأيت بطبرستان أمرا عجيبا من الأمور، وهو: شاهدت بطبرستان دودة إذا وطئها من كان حامل ماء صار الماء مرّا، وأعجب من هذا انّه لو كان خلف الواطئ حمال الماء صار كلّ المياه مرّا، ولو كانوا مائة، فترى نساءهم يحملن الماء من النهر في الجرار وقدّامهن واحدة معها مكنسة تكنس الطريق، والنساء الحاملات للماء يمشين على خطّ واحد كالإبل المقطرة.
وحكى علي بن رزين الطبري، وكان حكيما فاضلا، قال: عندنا طائر يسمّونه ككو، وهو على حجم الفاختة وذنبه ذنب الببغاء، يظهر أيّام الربيع، فإذا ظهر نبعه صنف من العصافير موشّاة الريش يخدمه طول نهاره، يأتي له بالغداء فيزقّه، فإذا كان آخر النهار وثب على ذلك العصفور وأكله، وإذا أصبح صاح فجاء آخر فإذا أمسى أكله، فلا يزال كذلك مدّة أيّام الربيع، فإذا زال الربيع فقد ذلك النوع واتباعه إلى الربيع القابل.
وينسب إليها أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ الطبري والمصنّفات الكثيرة، وكان كثيرا ما ينشد:
أأقتبس الضّياء من الضّراب … وألتمس الشّراب من الشراب؟
أريد من الزّمان النّذل بذلا … وأريا من جنى سلع وصاب!
أأرجو أن ألاقي لاشتياقي … خيار النّاس في زمن الكلاب؟
وينسب إليها أبو الحسن المعروف بالكيا الهراسي. كان عالما فاضلا تالي أبي حامد الغزّالي، إلّا أن الغزالي أثقب منه ذهنا وأسرع بيانا وأصوب خاطرا.
كان مدرسا بالمدرسة النظاميّة ببغداد، دخل ديوان الخليفة والقاضي أبو الحسن اللّمغاني كان حاضرا ما قام له، فشكا إلى الخليفة الناصر لدين اللّه، فقال الخليفة:
إذا دخل القاضي أنت أيضا لا تقم له! ففعل ذلك ونظم هذين البيتين:
стр. 404
حجاب وحجّاب وفرط حماقة … ومدّ يد نحو العلى بالتّكلّف
فلو كان هذا من وراء تكلّف … لهان ولكن من وراء التّخلّف
فشكا القاضي إلى الخليفة، فأمر الكيا أن يمشي إليه ويعتذر، فقال الكيا:
واللّه لأمشينّ على وجه يودّ لو كنت لم أمش! فلمّا وصل إلى باب دار القاضي أخبر القاضي بأن الكيا جاء إليه، فقام واستقبله وواجهه بالكلية. قال الكيا:
حفظ اللّه الخليفة فإنّه تارة يشرّفنا وتارة يشرف بنا! فانكسر ابن اللمغاني انكسارا شديدا. فلمّا مات الكيا وقف ابن اللمغاني عند دفنه وقال:
فما تغني النّوادب والبواكي … وقد أصبحت مثل حديث أمس!
ومن عجائب ما حكي أن بعض السلاطين غضب على صاحب طبرستان، فبذل الطبري جهده في إزالة ذلك، فما أمكنه. فبعث السلطان إليه جيشا كثيفا، فعلم الطبري أن الجيش لا ينزلون إلّا بغيضة معيّنة تحت جبل، فأمر بقطع أشجار تلك الغيضة وتركها كما كانت قائمة، وستر موضع القطع بالتراب. فلمّا وصل الجيش ونزلوا بها كمن الطبري هو وأصحابه خلف ذلك الجبل، وشدّ الجيش دوابهم في أشجار تلك الغيضة وكانت كلّها مقطوعة، فخرج عليهم الطبري بأصحابه وصاح بهم، فنفرت الدواب وتساقطت الأشجار لأن الدواب جرّتها فولّى الجند هاربين فزعين لا يلوي أحد إلى أحد، وتبعهم الطبري بالقتل والأسر، فنجا أقلّهم وتلف أكثرهم. فلمّا رجعوا إلى السلطان سألهم عن شأنهم فقالوا: نزلنا بالموضع الفلاني، أتانا في جنح الليل جند من الشياطين تضربنا بالأشجار الطويلة! فلم يجسر أحد من المتقوّمين بعد ذلك على المشي إلى طبرستان!
طبس
مدينة بين أصفهان ونيسابور مشهورة. ينسب إليها فخر الأئمّة أبو الفضل محمّد بن أحمد الطّبسي، صاحب كتاب الشامل في تسخير الجنّ. وهو كتاب
стр. 405
كبير يذكر فيه كيفيّة تسخير الجنّ، ولكلّ واحد من رؤسائهم طريق من الطرق يذكر في ذلك الكتاب، وحاصله أنّه يذكر عزائم وشرائطها ويقول:
من أتى بها على هذا الوجه سلّط اللّه تعالى عليهم نارا تحرقهم، ولا يندفع عنهم إلّا بالإجابة. وذكروا أن الجنّ كانوا مسخرين لفخر الأئمّة، وكان هو معاصرا للإمام الغزالي، قال له: أريد أن تعرض الجنّ عليّ! فأجابه إلى ذلك؛ قال الغزالي: رأيتهم مثل الظلّ على الحائط. فقلت له: إني أريد أن أحادثهم وأسمع كلامهم. فقال: أنت لا تقدر ترى منهم أكثر من ذلك.
وينسب إليها شمس الطبسي الشاعر. كان شابّا حسن الصورة حلو الكلام جيّد الشعر، من تلامذة الشيخ رضى الدين النيسابوري، وكان معاصر الخاقاني فرأى شعر الخاقاني وسلك ذلك المسلك، إلّا أن شعر الشمس كان ألطف وأعذب فقال له رضى الدين: داوم على هذا الفنّ فإنّه يجيء منك وترى منه الخير.
وله أشعار في غاية الحسن وأسلوب هو منفرد به. وكان قاضي مدينة بخارى صدر الشريعة شاعرا مفلقا عديم النظير، نظم قصيدة حسنة قافيتها ضيّقة بالعجمية وهذا مطلعها:
بر خير كه شمعست وشرابست ومن تو … أو از خروسان سحر خاست ز هر سو
بر خير كه برخاست بياله بيكي باي … بنشين كه نشستست صراحي بدو زانو
بر خير اران بيس كه معشوقه شب را … باروز بكيرند وببرند دو كيسو
واين قصيدة در بخارى مشهور كست همه معترف شدند بخوى آن شمس طبس مثل اين قصيدة بكفت وهذا مطلعها:
از روى تو جون كرد صبا طره بيكسو … فرياد براورد شب غاليه كيسو
از زلف سياه تو مكر شد كرهي باز … كر مشك براورد صبا تعبيه هر سو
اخر دل رنجور مرا جند براري … زنجير كشان تا بسر طاق دو ابرو
стр. 406
كفتى كه بزركار تو روزي سره كردد … أرى همه اوميد من ابنست ولي كو
فلمّا عرف صدر الشريعة بهذه القصيدة نادى: من قائلها؟ وما كان يقدر أن يقول شيئا لأنّها كانت في مدح وزير بخارى. وسمعت انّه كان شابّا مثل القمر. مات فجأة وديوانه صغير لأنّه ما وجد العمر.
طرابلس
مدينة على شاطئ بحر الروم، عامرة كثيرة الخيرات والثمرات، لها سور منحوت من الصخر، وبساتين جليلة ورباطات كثيرة يأوي إليها الصالحون.
بها مسجد الشعاب، وهو مسجد مشهور مقصود، يأتيه الناس لبركته واحترامه.
وبها بئر الكنود، وهي بئر زعموا أن من شرب من مائها يتحمّق، فإذا أتى رجل من أهل طرابلس بما يلام عليه يقولون له: لا نعيبك، فإنّك شربت من بئر الكنود!
طرق
مدينة بقرب أصفهان. لأهلها يد باسطة في الآلات المستظرفة من العاج والآبنوس، يحمل منها إلى سائر البلاد كلّ آلة ظريفة يعجز عن مثلها صناع غيرها من البلاد.
ينسب إليها تاج الطرقي. كان أديبا شاعرا ظريفا. له حكايات عجيبة وأشعار فصيحة مثل شعر عرب العرباء، وقد عرض على الخليفة الناصر لدين اللّه هذان البيتان من كلامه:
إذا ما رآني العاذلون وغرّدت … حمائم دوح أيقظتها النّسائم
يقولون: مجنون جفته سلاسل … وممسوس حيّ فارقته التّمائم
стр. 407
فتعجّب من ذلك وقال: ما ظننت أن أحدا من العجم يوصل كلامه إلى هذا الحد! فبعث إليه خلعة سوداء فوصل إليه خلعة الخليفة بغتة فجأة، فلبسها وعمل قصيدة طويلة في مدح الخليفة، وبعثها إلى بغداد، مطلعها:
ترتاح أندية النّدى والباس … في مدح مولانا أبي العبّاس
وحكي انّه سافر إلى همذان، وكان ابن قاضي قزوين ورئيسها بهمذان، فسمع أن تاجا الطرقي وصل، فأحبّ أن يراه لأنّه كان مشهورا بالفضل، فقيل انّه ذهب إلى دار الكتب، فمشى إليه فوجده يطالع كتابا، فسلّم عليه فقال:
عليك السلام! وما تحرّك له ولا نظر إليه. وإنّه كان رجلا ذا هيئة وجثّة وغلمان ومماليك، واشتغل بمطالعة الكتاب، فتأذى الرجل من ذلك وقال من أذيته: تاج الدين ما تعرفني؟ قال: لا! قال: أنا رجل من أعيان قزوين ذو أمر ونهي وقطع ووصل، فقال: مدينتكم لا يكون لها شحنة؟ قال: نعم.
قال: فلم لا يصلبنّك؟ فقام الرجل وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه!
وحكي انّه كان في دار وحده، فقام في جنح الليل ينادي: اللّص! اللّص! فاجتمع الجيران، فإذا الأبواب والاغلاق بحالها والدار فقالوا له: أين اللص؟ فقال: إني سمعت أن اللصوص إذا دخلوا بيوت الناس شدّوا قطاع اللباد على أقدامهم لئلّا يسمع دبيبهم، وإني لما انتبهت ما سمعت شيئا من الدبيب، قلت:
لعلّ اللصّ دخل، وشدّ على رجله اللّباد! وله حكايات مثل هذه، ﵀.
طرزك
قرية من قرى قزوين مشهورة. حكي أن بعض الصلحاء رأى في نومه أو في واقعة أن هناك صحابيّا، وما كان بها قبر ولا عرف أحد ذلك، فلمّا كشفوا إذا رجل طويل القامة عليه درع والدم ينزف من جراحته، فبنوا عليه مشهدا واشتهر بين الناس أن الدعاء فيه مستجاب، فصار مقصودا يقصده الناس من
стр. 408
الأطراف كلّها.
وحدّثني أبي، رحمة اللّه عليه، انّه ذهب إليه زائرا، وقدام المشهد مسجد، قال: فتركت الدابّة مع الغلام ودخلت المسجد أصلّي، وفرشت مصلّاي في المحراب، قال: فرفعت رأسي من السجود فرأيت على مصلّاي رمانة كبيرة طرية كأنّها قطعت من شجرها في الحال، وشجرها لا ينبت بأرض قزوين ونواحيها، وإنّما يجلب إليها من الري، وكان الوقت صيفا لا يوجد الرمان في شيء من البلاد أصلا، قال: فلمّا فرغت من الزيارة خرجت وقلت للغلام:
هل دخل المسجد أحد؟ قال: لا. قلت: هل خرج منه أحد؟ قال: لا.
فتعجّبت والرمانة معي حتى وصلت إلى ضيعتنا، وطروز كان على طريقي والرمانة بعد معي، فعرضتها على أخي وجمع كانوا هناك، فتعجّبوا منه فتركتها مع رحلي ومضيت لحاجة وعدت فما رأيتها، فسألت غلامي عنها فقال: لا علم لي بها! ومرّ على ذلك مدّة حتى كنت في بعض أسفاري وحدي، فإذا أنا برجل شيخ طويل القامة كثّ اللحية يناديني: يا محمّد! ما صنعت بتلك الرمانة؟ فقصدت نحوه لأتبرك به، فغاب عن عيني ولم أدر أين ذهب، عليه رحمة اللّه.
طروز
قرية كبيرة من قرى قزوين، غنّاء كثيرة المياه والأشجار والبساتين والثمار.
ولطيبها ونزاهتها اتّخذها أتراك العجم مماليك السلاطين مسكنا، وبنوا بها قصورا وتوالدوا وتناسلوا هناك، فمن دخلها تحيّر فيها من كثرة خيراتها وفواكهها وثمارها وحسن عمارتها وطيب هوائها وحسن صور أهلها فكأنّ فيها من أولاد الأتراك صورا مليحة ووجوها صبيحة، فمن دخلها ما أراد الخروج عنها، وكان الأمر على ذلك إلى ورود التتر.
стр. 409
طمغاج
مدينة مشهورة كبيرة من بلاد الترك، ذات قرى كثيرة، وقراها بين جبلين في مضيق لا سبيل إليها إلّا من ذلك المضيق، ولا يمكن دخولها لو منع مانع فلا يتعرّض لها أحد من ملوك الترك، لعلمهم بأن قصدها غير مفيد، وسلطانها ذو قدر ومكانة عند ملوك الترك.
بها معادن الذهب فلذلك كثر الذهب عندهم حتى اتّخذوا منه الظروف والأواني. وأهلها زعر لا شعر على جسدهم ورجالهم ونساؤهم على السواء في ذلك. وفي نسائها خاصّيّة عجيبة، وهي أنّهن يوجدن كلّ مرّة عند غشيانهن أبكارا. وحكى بعض التجّار أنّه اشترى جارية تركيّة وجدها كذلك.
وحكى الأمير أبو المؤيد بن النعمان أنّه بها عينان: إحداهما عذب والأخرى ملح، وهما تنصبان إلى حوض وتمتزجان فيه، ويمتدّ من الحوض ساقيتان:
إحداهما عذب لا ملوحة فيه، والأخرى ملح. وذكر انّه من كرامات رجل صالح اسمه مليح الملاح، وصل إلى تلك الديار ودعا أهلها إلى الإسلام، وظهر من كراماته أمر هذا الحوض والسواقي، فأسلم بعض أهلها وهم على الإسلام إلى الآن.
طوس
مدينة بخراسان بقرب نيسابور مشهورة، ذات قرى ومياه وأشجار، والمدينة تشتمل على محلّتين، يقال لإحداهما طابران، والأخرى نوقان. وفي جبالها معادن الفيروزج، وينحت منها القدور البرام وغيرها من الآلات والظروف حتى قال بعضهم: قد ألان اللّه لأهل طوس الحجر كما ألان لداود، ﵇، الحديد.
منها جمع عقم الزمان بمثلهم ممّن ينسب إليها الوزير نظام الملك الحسن
стр. 410
ابن عليّ بن إسحاق، لم ير وزير أرفع منه قدرا ولا أكثر منه خيرا ولا أثقب منه رأيا. وكان مؤيّدا من عند اللّه. حكي أن قيصر الروم جاء لقتال السلطان الب أرسلان فقال السلطان لنظام الملك: ماذا ترى؟ يقولون عسكره أكثر من عسكرنا! فقال نظام الملك: ليس النصر من الكثرة إنّما النصر من عند اللّه، نحن نتوكّل على اللّه ونلتقيه يوم الجمعة وقت تقول الخطباء على المنابر: اللهمّ انصر جيوش المسلمين! ففعلوا ذلك فنصرهم اللّه.
وحكي أن السلطان الب أرسلان دخل مدينة نيسابور، فاجتاز على باب مسجد فرأى جمعا من الفقهاء على باب ذلك المسجد في ثياب رثّة، لا خدموا للسلطان ولا دعوا له، فسأل السلطان نظام الملك عنهم فقال: هؤلاء طلبة العلم وهم أشرف الناس نفسا، لا حظّ لهم من الدنيا، ويشهد زيّهم على فقرهم.
فأحسّ بأن قلب السلطان لان لهم، فعند ذلك قال: لو أذن السلطان بنيت لهم موضعا وأجريت لهم رزقا ليشتغلوا بطلب العلم ودعاء دولة السلطان! فأذن له، فأمر نظام الملك ببناء المدارس في جميع مملكة السلطان، وأن يصرف عشر مال السلطان الذي هو مختصّ بالوزير في بناء المدارس، وهو أوّل من سنّ هذه السنّة الحسنة.
وحكى نظام الملك في كتابه سير الملوك أن بعض المفسدين قال للسلطان ملكشاه: ان في معيشك أربعمائة ألف فارس، وأمر المملكة يتمشّى بسبعين ألفا، فإن سبعين ألفا لم يغلبوا من القلّة، فلو أسقطتهم امتلأت الخزانة من المال! ومال السلطان إلى قوله، فلمّا عرفت ذلك قلت للسلطان: هذا قول من أراد إثارة الفتنة وفساد المملكة! إن ملكك خراسان وما وراء النهر إلى كاشغر وبلاد غور وخوارزم واللان وارّان وآذربيجان، والجبال والعراق وفارس وكرمان والشام وارمن وأنطاكية، وانّها إنّما تبقى محفوظة بهذه العساكر، ولم يذكر أن دولة الخلفاء العظام والملوك الكبار قد خلت من خروج خارجي وظهور مخالف، وهذه الدولة المباركة بسعادة السلطان سلمت عن الكدورات،
стр. 411
فلو كانت العساكر ثمانمائة ألف لكانت السند والهند والصين ومصر والبربر والحبشة والروم أيضا في طاعتنا. ثمّ ان السلطان ان أثبت سبعين ألفا وأسقط ثلاثمائة وثلاثين ألفا، فالساقطون ليسوا أصحاب حرف يشتغلون بصنعتهم، يجتمعون على يد واحد، ويدخلون تحت طاعته، فنشأ من ذلك فساد عظيم ويكون الخصم في ثلاثمائة وثلاثين ألفا ونحن في سبعين ألفا، فتمشي الأموال وتهلك، ويكون ذلك نتيجة نصيحة هذا الناصح الذي ينصح بجمع الأموال وتفريق الرجال.
وحكي انّه كان شديد التعصّب على الباطنيّة، وقد خرج من أصفهان وبه عقابيل المرض في العمارية. فلمّا وصل إلى قرية من قرى نهاوند يقال لها قيدسجان، تعرّض له رجل ونادى: مظلوم! مظلوم! فقال الوزير: ابصروا ما ظلامته.
فقال: معي رقعة أريد أسلمها إلى الوزير! فلمّا دنا منه وثب عليه وضربه بالسكّين، وكانت ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فحمل إلى أصفهان ودفن في مدرسته.
وينسب إليها الإمام حجّة الإسلام أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي.
لم تر العيون مثله لسانا وبيانا وخاطرا وذكاء وعلما وعملا. فاق أقرانه من تلامذة إمام الحرمين، وصار في أيّام إمام الحرمين مفيدا مصنّفا، وإمام الحرمين يظهر التبجّج به. وكان مجلس نظام الملك مجمع الفضلاء، فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم، فأقبل نظام الملك عليه وانتشر ذكره في الآفاق، فرسم له تدريس المدرسة النظامية ببغداد، وصنّف كتبا لم يصنّف مثلها، ثمّ حجّ وترك الدنيا واختار الزهد والعبادة، وبالغ في تهذيب الأخلاق ودخل بلاد الشام، وصنّف كتبا لم يسبق إلى مثلها كإحياء علوم الدين، ثمّ عاد إلى خراسان مواظبا على العبادات إلى أن انتقل إلى جوار الحقّ بطوس سنة خمس وخمسمائة عن أربع وخمسين سنة. قيل: ان تصانيفه وزّعت على أيّام عمره فأصاب كلّ يوم كراس.
стр. 412
حكى الشيخ أبو الفتح عامر الساوي قال: كنت بمكّة سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فبينا أنا بين النوم واليقظة إذ رأيت عرضة عريضة فيها ناس كثيرون، وفي يد كلّ واحد مجلّد يحلقون على شخص فقالوا: هذا رسول اللّه، ﷺ ! وهؤلاء أصحاب المذاهب يعرضون مذاهبهم عليه. فبينا أنا كذلك إذ جاء واحد بيده كتاب قيل إنّه هو الشافعي، فدخل وسط الحلقة وسلّم على رسول اللّه، ﷺ ، فردّ الجواب عليه وهو، ﵇، في ثياب بيض، على زيّ أهل التصوّف، فقعد الشافعي بين يديه وقرأ من كتاب مذهبه واعتقاده عليه، ثمّ جاء بعده رجل آخر قالوا انّه أبو حنيفة، وبيده كتاب، فسلّم وقعد بجنب الشافعي وقرأ مذهبه واعتقاده، ثمّ يأتي صاحب كلّ مذهب حتى لم يبق إلّا القليل، وكلّ يقرأ ويقعد بجنب الآخر. ثمّ جاء واحد من الروافض وبيده كراريس غير مجلدة، فيها مذهبهم واعتقادهم، وهمّ أن يدخل الحلقة، فخرج واحد ممّن كان عند رسول اللّه، ﷺ ، وأخذ الكراريس ورماها خارج الحلقة وطرده وأهانه. فلمّا رأيت أن القوم قد فرغوا قلت: يا رسول اللّه، هذا الكتاب معتقدي ومعتقد أهل السنّة، لو أذنت لي قرأت عليك. فقال، ﷺ : أي شيء ذلك؟ قلت: قواعد العقائد للغزالي. فأذن لي بالقراءة، فقعدت وابتدأت: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد إلى النهج الرشيد، والملك الشديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم من ظلمات التشكيك والترديد، إلى أن وصلت إلى قوله: وانّه تعالى بعث الأمي القرشي محمّدا، ﷺ ، إلى العرب والعجم كافة من الجنّ والانس، فرأيت البشاشة في وجه رسول اللّه، ﷺ ، فالتفت إليّ وقال: أين الغزالي؟ كأنّه كان واقفا في الحلقة! فقال: ها أنا ذا يا رسول اللّه! فقدم وسلّم على رسول اللّه، ﵇، فردّ عليه الجواب وناوله يده المباركة. فصار الغزالي يقبّل
стр. 413
يده المباركة ويضع خدّيه عليها تبرّكا بها، فما رأيت رسول اللّه، ﵇، أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل استبشاره بقراءتي، فسأل اللّه تعالى أن يميتنا على عقيدة أهل الحقّ، وأن يحشرنا مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، قال الأبيوردي:
بكى على حجّة الإسلام حين ثوى … من كلّ حيّ عظيم القدر أشرفه
مضى وأعظم مفقود فجعت به … من لا نظير له في النّاس يخلفه
وينسب إليها ملك الابدال أحمد بن محمّد بن محمّد الغزالي. كان صاحب كرامات ظاهرة. كان أخوه حجّة الإسلام يقول: ما حصل لنا بطريق الاشتغال ما حصل لأحمد بطريق الرياضة. حكي أن الشيخ محمّدا كان يصلّي والشيخ أحمد حاضر، فلمّا فرغ من صلاته قال له: أيّها الأخ قم أعد صلاتك، لأنّك كنت في الصلاة تحاسب حساب البقال!
وحكي أن السلطان ملكشاه كان مريدا للشيخ أحمد، فذهب ابنه سنجر إلى زيارة الشيخ، وكان حسن الصورة جدّا، فالشيخ قبّله في خدّه، فكره الحاضرون ذلك وذكروه للسلطان فقال السلطان لابنه سنجر: الشيخ قبّل خدّك؟ قال: نعم. قال: ملكت نصف الأرض، ولو قبّل الجانب الآخر ملكت كلّها! وكان الأمر كذلك.
وحكي أن رجلا أراد أن يأخذ امرأة خاطئة ليلة بأجرة معلومة، فالشيخ زاد في أجرتها وأخذها إلى بيته وأقعدها في زاوية من البيت، واشتغل هو بالصلاة إلى الصباح. فلمّا كان النهار وقد أعطاها أجرتها قال لها: قومي واذهبي إلى حيث شئت! وغرضه دفع الزنا عنهما، رحمة اللّه عليه ورضوانه.
وينسب إليها الحكيم الفردوسي. كان من دهاقين طوس له ملك في ضيعة يظلمه عامل الضيعة، فذهب إلى باب السلطان محمود بن سبكتكين لدفع ظلم العامل، وكان يطلب وسيلة. قيل له: الشعراء مقربون الآن لأن السلطان يريد
стр. 414
أن يجعلوا له تاريخ ملوك العجم منظوما، وأقربهم إلى السلطان العنصري، فطلبه الفردوسي فوجده في بستان ومعه الفرخي والعسجدي، فذهب إليهم وسلّم وجلس عندهم فقالوا: نحن شعراء لا نجالس إلّا من كان مثلنا! فقال: أنا أيضا شاعر! فقالوا: أجز معنا هذا البيت:
قال العنصري:
جون روي تو خورشيذ نباشذ روشن
قال الفرخي:
مانند رخت كل نبود در كلشن
قال العسجدي:
مر كانت همي كذر كند بر جوشن
قال الفردوسي:
مانند سنان كيو در جنك بشن
فقالوا: ما أدراك بحال كيو وجنك بشن؟ قال: أنا عارف بوقائع ملوك العجم. فاستحسنوا ما أتى به الفردوسي، وذكروه عند السلطان، فأعطى السلطان لكلّ شاعر جزاء وأعطى للفردوسي أيضا جزاء. فرأوا شعر الفردوسي خيرا من شعرهم، وكان شعر كلّ واحد لا يشابه شعر الآخر، لأن شأنها كان فصيحا وشأنها كان ركيكا، فقال: إني أتولّى نظم الكتاب كلّه ولا حاجة إلى غيري! فنظم الكتاب من أوّل زمان كيومرث، وهو أوّل ملك ملك إلى زمان يزدجرد بن شهريار، آخر ملوك العجم، في سبعين ألف بيت مشتملا على الحكم والمواعظ والزواجر والترغيب والترهيب، بعبارة فصيحة، وحمل الكتاب إلى السلطان فأعجبه وأمر له بحمل فيل ذهبا. فقال الوزير: جائزة شاعر حمل فيل ذهبا كثير، ألا حمل فيل فضة؟ وكان الفردوسي يطمع بمنصب رفيع
стр. 415
من المناصب مثل الوزارة، فلمّا رأى حمل فيل فضّة اشترى به فقاعا وشربه، وألحق بالكتاب هذه الأبيات الثلاثة:
برين سال بكذشت از سي وبنج … بدرويشي وناتواني ورنج
بذان تا بيري مرا بر دهذ … مرا شاه مر تخت واسفر دهذ
جو اندر نهاذش بزركي نبوذ … نيارست نام بزركان شنوذ
وحكي أن الشيخ قطب الدين أستاذ الغزالي اجتاز على قبر الفردوسي مع أصحابه، فقال بعضهم: نزور الفردوسي! فقال الشيخ: دعه فإنّه صرف عمره في مدح المجوس! فرأى ذلك القائل الفردوسي في نومه يقول له: قل للشيخ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الانسان قتورا.
طيب
بليدة بين واسط وخوزستان، قال داود بن أحمد الطيبي: مدينة طيب من عمارة شيث بن آدم، ﵇، وما زال أهلها على ملّة شيث إلى أن جاء الإسلام. والمدينة قديمة، أحدث القدماء بها أشياء وطلسمات، منها ما زال ومنها ما بقي. وممّا زال قالوا: كان بها طلسم لدفع العقارب والحيّات، وكان باقيا إلى قريب من زماننا.
ومن عجائبها الباقية أن لا يدخلها زنبور البتّة، فإن دخلها مات، ولا يدخلها غراب أبقع ولا عقعق.
طيزناباد
معناه عمارة الضراط. قرية بين الكوفة والقادسيّة على جادة الحاج من أنزه المواضع. وهي محفوفة بالكروم والأشجار والخانات والمعاصر. كانت أحد
стр. 416
المواضع المقصودة بالبطالة والآن خراب، لم يبق بها إلّا قباب يسمّونها قباب أبي نواس؛ قال أبو نواس:
قالوا: تنسّك بعد الحجّ؟ قلت لهم: … أرجو الإله وأخشى طيزنابادا
أخشى قضيّب كرم أن ينازعني … رأس الحطام إذا أسرعت إعدادا
فإن سلمت، وما نفسي على ثقة … من السّلامة، لم أسلم ببغدادا!
وقال محمّد بن عبد اللّه: قدمت من مكّة فلمّا صرت إلى طيزناباد ذكرت قول أبي نواس:
بطيزناباد كرم ما مررت به … إلّا تعجّبت ممّن يشرب الماء
فهتف هاتف أسمع صوته ولا أراه:
وفي الجحيم حميم ما تجرعه … خلق فأبقى له في البطن أمعاء!
عانة
بليدة بين هيت والرقّة، يطوف بها خليج من الفرات. وهي كثيرة الأشجار والثمار والكروم، ولها قلعة حصينة، ولكثرة كرومها تنسب العرب إليها الخمر.
وأهل بغداد إذا شاهدوا ظلما قالوا: الخليفة إذا في عانة! لأن البساسيري استولى على بغداد وحمل التائم بأمر اللّه إلى عانة، وخطب باسم خلفاء مصر سنة، فجاء السلطان طغرلبك السلجوقي في سنة أربعين وأربعمائة وحارب البساسيري وقتله، وجاء بالخليفة من عانة وردّه إلى مقرّه ومشى قدام مهده راجلا حتى خاطبه الخليفة بنفسه وقال: اركب يا ركن الدين! وهو أوّل سلاطين السلجوقية وأرفعهم قدرا، وهو الذي انتزع الملك من سلاطين بني سبكتكين.
стр. 417
عبّادان
جزيرة تحت البصرة قرب البحر الملح، فإن دجلة إذا قاربت البحر تفرّقت فرقتين عند قرية تسمّى المحرزي: فرقة تذهب إلى ناحية البحرين وهي اليمنى، واليسرى تذهب إلى عبّادان وسيراف والجنّابة، وعبادان في هذه الجزيرة وهي مثلثة الشكل، وإنّما قالوا: «ليس وراء عبادان قرية» لأن وراءها بحرا.
ومن عجائبها أن لا زرع بها ولا ضرع، وأهلها متوكّلون على اللّه يأتيهم الرزق من أطراف الأرض. وفيها مشاهد ورباطات وقوم مقيمون للعبادة منقطعون عن أمور الدنيا، وأكثر موادهم من النذور.
عبد اللّه اباذ
قرية بين قزوين وهمذان. بها حمّة عجيبة ليس في شيء من البلاد مثلها، وذلك ان الماء يفور منها فورانا شديدا قدر قامة وأكثر، وإذا تركت البيضة على عمود الماء النابع تبقى عليها وتسلقها حرارة الماء. ويجتمع هذا الماء في حوض يأتيه أصحاب العاهات ويستحمّون به، ينفعهم نفعا عظيما بيّنا.
العراق
ناحية مشهورة، وهي من الموصل إلى عبّادان طولا، ومن القادسية إلى حلوان عرضا. أرضها أعدل أرض اللّه هواء وأصحّها تربة وأعذبها ماء. وهي كواسطة القلادة من الإقليم، وأهلها أصحاب الأبدان الصحيحة والأعضاء السليمة، والعقول الوافرة والآراء الراجحة وأرباب البراعة في كلّ صناعة.
والغالب عليهم الغدر لكثرة الأشرار ومكر الليل والنهار. أقام بها عبد اللّه بن المبارك سبعة عشر يوما تصدّق بسبعة عشر درهما كفّارة لذلك. وأهلها مخصوصون ببغض الغرباء خصوصا العجم.
стр. 418
ويقال لأهل العراق نبط؛ قالوا: نبط كان اسم رجل شرير كثرت جناياته في زمن سليمان بن داود، ﵇، فأمر بحبسه، فاستغاث منه أهل الحبس إلى سليمان من كثرة سعايته ونميمته، والقائه الشرّ بين أهل الحبس، فأمر سليمان، ﵇، بتقييده وحمله إلى حبس الشياطين، فاستغاث الشياطين وقالوا:
يا نبيّ اللّه لا تجمع بين الحبس ومقاساة نبط! فرأى سليمان أن يأمره بشغل حتى يقلّ شرّه. وكان في الحبس امرأة مومسة، قيل لنبط: نريد منك أن تغسل هذا الصوف الأسود وتبيّضه بالغسل، وأن تروّح هذه المرأة حتى يلتحم فرجها بالترويح. فأمر بذلك ووكل به، ففعل ذلك مدّة طويلة حتى ضجر، ثمّ أراد أن يجرّب هل التحمت أم لا، فباشرها، فحملت منه وأتت بولد وصار له نسل بأرض العراق، فلهذا ترى السعاية والنميمة والفجور في النبط كثيرا لأنّها شيمة أبيهم نبط!
وحكي أن عبد اللّه بن المبارك قيل له: كيف رأيت أهل العراق؟ قال:
ما رأيت بها إلّا شرطيّا غضبان!
بها نهر دجلة، مخرجه من جبل بقرب آمد عند حصن يعرف بحصن ذي القرنين، وهي هناك ساقية كلّما امتدّ ينضمّ إليها مياه جبال ديار بكر، ثمّ يمتدّ إلى ميافارقين وإلى حصن كيفا، ثمّ إلى جزيرة ابن عمر ويحيط بها ثمّ إلى الموصل ثمّ إلى تكريت، وقبل ذلك ينصبّ إليه الزابان ويعظم بهما، ثمّ إلى بغداد ثمّ إلى واسط ثمّ البصرة ثمّ إلى عبّادان وينصبّ إلى البحر. وماء دجلة من أعذب المياه وأخفّها وأكثرها نفعا لأن مجراه من مخرجه إلى مصبّه في العمارات، وفي آخر الصيف يستعملونه كلّه بواسط والبصرة.
وروي عن ابن عبّاس أن اللّه تعالى أوحى إلى دانيال، ﵇، أن فجّر لعبادي نهرين، واجعل مصبّهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك.
فأخذ خشبة يجرّها في الأرض والماء يتبعه، فكلّما مرّ بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده اللّه فيحيد عنها، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
стр. 419
وبها نهر الفرات. مخرج الفرات من أرمينية ثمّ من قانيقلا، ويدور بتلك الجبال حتى يدخل أرض الروم، ويخرج إلى ملطية ثمّ إلى سميساط ثمّ إلى قلعة نجم ثمّ إلى الرقّة ثمّ إلى عانة ثمّ إلى هيت، فيصير أنهارا تسقي زروع السواد وما فضل منها انصبّ في دجلة، بعضه فوق واسط وبعضه بين واسط والبصرة، فيصير الفرات ودجلة نهرا عظيما يصبّ في بحر فارس.
وروي أن أربعة أنهار من الجنّة: النيل والفرات وسيحان وجيحان. وروي عن عليّ، ﵁، انّه قال: يا أهل الكوفة، إن نهركم هذا يصبّ إليه ميزابان من الجنّة.
وروي عن جعفر بن محمّد الصادق انّه شرب من الفرات فحمد اللّه وقال:
ما أعظم بركته! لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب! ولولا ما يدخله من الخطّائين ما اغتمس فيه ذو عاهة إلّا برأ.
وحكى السدي أن الفرات مدّ في زمن عليّ بن أبي طالب، كرم اللّه وجهه، فألقى رمانة في غاية العظم فأخذت فكان فيها كرّ حبّ قسمها بين المسلمين، فكانوا يرون أنّها من الجنّة. وهذا حديث مشهور في عدّة كتب للعلماء.
ينسب إليها هشام بن الحكم، وكان معتزليّا يرجح عليّا، فقال رجل: إني ألزمه أن يقول عند الخليفة إن عليّا كان ظالما! فلمّا حضر هشام عند الخليفة قال: أبا محمّد، أنشدك باللّه أما تعلم أن عليّا نازع العبّاس عند أبي بكر؟ قال:
نعم. قال: فمن كان الظالم منهما؟ فكره أن يقول العبّاس خوفا من الخليفة، وكره أن يقول عليّ خوفا من مخالفة اعتقاده، فقال: ما منهما ظالم! فقال الرجل:
كيف يتنازعان ولا يكون أحدهما ظالما؟ فقال: كما اختصم الملكان إلى داود، ﵇، وما منهما ظالم، وغرضهما تنبيه داود على الخطيئة؛ هكذا كان العبّاس وعليّ، كان غرضهما تنبيه أبي بكر على خطيئته.
وينسب إليها يحيى بن معمر، أحضره الحجّاج وقال: أنت الذي تقول الحسين بن عليّ من ذرية رسول اللّه؟ قال: نعم. قال: فواللّه لتأتين بالمخرج
стр. 420
عمّا قلت أو لأضربنّ عنقك! فقال يحيى: إن جئت بالمخرج فأنا آمن؟ قال:
نعم. قال: اقرأ «وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم» إلى قوله «ومن ذريته داود وسليمان» إلى قوله «وزكريا ويحيى وعيسى» فمن يعدّ عيسى من ذرية إبراهيم لا يعدّ الحسين من ذرية محمّد، ﵇؟ فقال الحجّاج: واللّه كأني ما قرأت هذه الآية قطّ! فولّاه قضاء المدينة، وكان قاضيها إلى أن مات.
وينسب إليها أبو محمّد سليمان بن مهران الأعمش. قال عيسى بن يونس:
ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، فكان الأغنياء والملوك في مجلسه أحقر شيء، وهو محتاج إلى درهم! حكي انّه يوم الشكّ من رمضان يأتيه الناس يستخبرون منه، فضجر من ذلك وترك بين يديه رمّانة، كلّ من دخل عليه قبل أن يستخبر منه أخذ حبّة رماها في فمه، ليعلم أن اليوم ليس يوم صوم.
وحكي أن أبا حنيفة ذهب إليه فلمّا أراد الذهاب قال له: لا يكون ثقلت عليك! فقال: أنت في بيتك ثقبل عليّ فكيف في بيتي؟
وحكي أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرض موته فقلت:
أدعو لك طبيبا؟ فقال: ما أصنع به؟ واللّه لو كانت نفسي بيدي لطرحتها في الحشّ! لا تؤذينّ أحدا واطرحني في لحدي!
ولد الأعمش يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة ستّين، وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وينسب إليها أبو الحسين سمنون بن حمزة صحب السري السقطي. كان من أولياء اللّه، ذكر انّه لمّا أنشد:
وليس لي في سواك حظّ … فكيفما شئت فاختبرني
أخذه الأسر من ساعته، وكان يدور على المكاتب للصبيان ويقول: ادعوا لعمّكم الكاذب!
وحكى أبو أحمد المغازلي أنّه كان ببغداد رجل أنفق على الفقراء أربعين
стр. 421
ألف درهم فقال لي سمنون: يا أبا أحمد، أما ترى هذا أنفق أربعين ألف درهم ونحن ما نجد شيئا؟ فامض بي إلى موضع كذا نصلّي بكلّ درهم أنفقه ركعة! فمضينا وصلّينا أربعين ألف ركعة!
وينسب إليها إبراهيم الآجرّي، ﵀، قال: أتاني يهوديّ له عليّ دين يتقاضاه، وأنا عند الشاخورة أوقدت نارا تحت الآجر، فقال: يا إبراهيم أرني آية أسلم! قلت: أو تفعل ذلك؟ قال: نعم. فأخذت ثيابه ولففتها في وسط ثيابي ورميتها في الشاخورة، ثمّ دخلت الشاخورة وأخذت الثياب وخرجت من الباب الآخر، فإذا ثيابه في وسط ثيابي صارت حراقا وثيابي بحالها. فلمّا رأى اليهوديّ ذلك أسلم!
وينسب إليها أبو الحسن عليّ بن الموفق، كان يقول: اللهمّ إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم اني أعبدك حبّا لجنّتك فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبّا مني لك وشوقا إلى وجهك فالحنيه واصنع ما شئت!
وحكي أنّه وجد قرطاسا في الطريق، قال: فأخذته ووضعته في كمّي وجلست أقرأه فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عليّ بن الموفق تخاف الفقر وأنا ربّك؟
وحكي انّه قال: تمّمت ستين حجّة فلمّا فرغت من الطواف قعدت تحت الميزاب، فأنكرت في حالي عند اللّه تعالى وكثرة تردّدي إلى هذا المكان، فغلبتني عيني فإذا قائل يقول: يا عليّ، هل تدعو إلى بيتك إلّا من تحبّه؟ فسري عني ما كنت فيه.
حكى محمّد بن إسحاق السرّاج قال: سمعت عليّ بن الموفق يقول: حججت نيفا وخمسين حجّة، فنظرت إلى ضجيج أهل الموقف فقلت: اللهمّ إن كان فيهم واحد لم تقبل حجّه فقد وهبت حجّتي له! فرجعت إلى المزدلفة وبتّ فيها، فرأيت في نومي ربّ العزّة تعالى، فقال لي: يا عليّ بن الموفق أتتسخّى عليّ؟ قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم وشفّعت كلّ واحد في أهل بيته وذريته
стр. 422
وعشيرته، وإنّا أهل التقوى وأهل المغفرة. توفي عليّ بن الموفق سنة خمس وستّين ومائتين.
عزّان
مدينة كانت على الفرات للزّبّاء بنت مليح بن البراء. قتله جذيمة الأبرش صاحب الحيرة، فلحقت الزباء بالروم وجمعت الرجال وبذلت الأموال، وعادت إلى ملك أبيها وأزالت جذيمة عنها، وبنت على طرف الفرات مدينتين متقابلتين من شرقيّ الفرات وغربيّه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات فكانت إذا رهقها الأعداء أوت إليه، وجرت بينها وبين جذيمة مهادنة؛ قال ابن الكلبي: لم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارغة، وكانت تسحب شعرها وراءها إذا مشت وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزّبّاء. فأراد جذيمة أن يتزوّجها ويضمّ ملكها إلى ملكه، فخطبها فأجابته على شرط أن يصير إليها. وكان لجذيمة وزير اسمه قصير. قال لجذيمة: لا تمش إلى هذه المرأة فإني لست آمنها عليك! فقال: لا يطاع لقصير أمر! فأرسلها مثلا. فلمّا دخل عليها أمرت جواريها فأخذن يده. قالت له: أيّ قتلة تريد أن أقتلك؟ فقال: إن كان لا بدّ فاقتليني قتلة كريمة! فأطعمته حتى شبع، وسقته حتى ثمل، وفصدت شريانه حتى نزف دمه ومات. فبلغ قصيرا خبره فجدع أنف نفسه وأظهر أنّه جدعه عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، لأنّه أشار إليه بتزويج الزّبّاء. فراسل قصير الزّبّاء وأطمعها في ملك جذيمة، فركبت إليه وصار قصير إليها بأمان، وأخبرها بسعة التجارات، فدفعت إليه مالا فأتاها بربح كثير، ثمّ زادته في المال فأتاها بربح عظيم، فأنست به وجعلته من بطانتها. وأخبرته: اني حفرت من قصري على الفرات هذا إلى القصر الآخر على الجانب الآخر من الفرات سربا تحت الماء، وجعلت باب السرب تحت سريري هذا ومخرجه تحت سريري الآخر، فإن راعني أمر خرجت إلى الجانب الآخر. فحفظه قصير ومضى بالمال وحصل ألفي رجل
стр. 423
في ألفي صندوق على ألف جمل، وعلى الرجال الدروع ومعهم السيوف، وأقبل بهم إلى الزّبّاء. فلمّا قرب من مدينتها صعدت الزّبّاء سور مدينتها تنظر إلى العير مثقلة فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا؟ … أجندلا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا باردا شديدا؟ … أم الرّجال جثّما قعودا؟
فجاء قصير بالعير ودخل المدينة فأناخ الجمال وثار الرجال من الصناديق بالسيوف وضربوا من أدركوه، فلمّا علمت الزبّاء قصدت السرب لتدخل فيه، فبادرها عمرو بن عدي، وكان من رجال الصناديق، وقف على باب السرب بالسيف فعلمت انّه قاتلها، فمصّت سمّا تحت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو! فأرسلته مثلا. ومن الأمثال: لأمر ما جدع قصير أنفه!
عقرقوف
قرية قديمة من قرى بغداد؛ قالوا: بناها عقرقوف بن طهمورث، وإلى جانب هذه القرية تلّ عظيم من تراب، يرى من خمسة فراسخ كأنّه قلعة عظيمة. للناس فيه أقاويل كثيرة، قال ابن قطيفة: ملك الروم كلّما رأى أحدا من أهل العراق سأله عن تلّ عقرقوف، فإن قال: انّه بحاله، يفرح ويقول:
انّه لا بدّ أن نطأه.
غرشستان
ناحية واسعة كثيرة القرى، الغور في شرقيها وهراة في غربيها، ومرو الروذ في شمالها وغزنة في جنوبها. والغرش بلغتهم الجبال ومعناه قهستان.
والغالب على أرضها الجبال، وبها دروب وأبواب لا يمكن دخولها إلّا بإذن الشار، والشار اسم ملوكهم. وأهلها صلحاء مجبولون على الخير، عندهم بقيّة من
стр. 424
عدل عمر.
قال الإصطخري: غرج الشار مدينتان، يقال لإحداهما نشين وللأخرى سورمين، وهما متقاربتان ولهما مياه كثيرة وبساتين. يحمل منهما الزيت والأرز إلى سائر البلاد.
وحكى بعض التجّار قال: مشيت إلى غرشستان فاتّفق لهم غرس، فوضعوا دستا عاليا وجاء الزوج وجلس فيه، وأسبلوا على وجهه سجفا سخيفا شبه وقاية، وجاء المغني يغني بالدفوف وغيرها، وتأتي نساء أقاربهم وجيرانهم يرقصن بين يدي الزوج فرادى ومثنى وجماعة، والزوج يراهن ويتفرّج على رقصهن حتى لا تبقى واحدة إلّا رقصت، ثمّ تأتي العروس في الآخر وترقص بين يديه أحسن رقص، ثمّ خلوا بينها وبينه.
غريّان
بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب مشهد أمير المؤمنين عليّ. بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء، وسببه انّه كان له نديمان من بني أسد، فثملا فراجعا الملك ببعض كلامه، فأمر وهو سكران أن يحفر لهما حفرتان ويدفنا فيهما حيّين. فلمّا أصبح استدعاهما فأخبر بما أمضى فيهما فغمّه ذلك، وقصد حفرتيهما وأمر ببناء طربالين عليهما وقال: لا يمرّ وفود العرب إلّا بينهما! وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح يوم بؤسه من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، فإن وقعت لهما الوحش طلبها بالخيل، وإن وقع طائر أرسل عليه الجوارح. وفي يوم نعيمه يجيز من يلقاه ويخلع عليه. ولبث بذلك برهة من دهره، فخرج يوما من أيّام بؤسه إذ طلع عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر، جاء ممتدحا، فلمّا رآه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد؟ فقال بعض الحاضرين: أبيت اللعن! عنده من حسن القريض ما هو خير ممّا تريد منه! فاسمع فإن كان حسنا استزده وإن كان غير ذلك فالأمر بيدك. فأنزله حتى طعم وشرب وقال له:
стр. 425
أنشدني فقد كان يعجبني شعرك! فقال عبيد: حال الجريض دون القريض! فقال المنذر: أنشدني قولك اقفر من أهله ملحوب. فقال عبيد:
أقفر من أهله عبيد … فاليوم لا يبدي ولا يعيد
عنّت له منيّة نكود … وحان منه لهما ورود!
فقال المنذر: يا عبيد لا بدّ من الموت! ولقد علمت لو أن النعمان ابني عرض لي يوم بؤسي لا بدّ لي من ذبحه! واستدعى له الخمر فلمّا أخذت منه نفسه وطابت وقدم للقتل أنشد:
ألا أبلغ بنيّ وأعمامهم … بأنّ المنايا هي الواردة!
لها مدّة فنفوس العباد … إليها، وإن كرهت، قاصده
فلا تجزعوا لحمام دنا … فللموت ما تلد الوالدة
فأمر به ففصد حتى نزف دمه وغرّى بدمه الغريّين.
وحكي أن في بعض أيّام بؤسه وقع رجل من طيّء يقال له حنظلة، فقال له المنذر: لابدّ من قتلك! سل حاجتك. فقال: أجرني سنة حتى أرجع إلى أهلي وأفعل ما أريد ثمّ أصير إليك! فقال المنذر: ومن يكفلك أنّك تعود؟ فنظر إلى جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:
يا شريك يا ابن عمرو … ويا أخا من لا أخا له
يا أخا المنذر فكّ … اليوم رهنا قد أنى له
إنّ شيبان قبيل … أكرم النّاس رجاله
وأبو الخيرات عمرو … وشراحيل الحماله
ورثاك اليوم في المجد … وفي حسن المقالة
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه! فأطلقه المنذر،
следующие страницы →