Полный текст (619 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ألف درهم فقال لي سمنون: يا أبا أحمد، أما ترى هذا أنفق أربعين ألف درهم ونحن ما نجد شيئا؟ فامض بي إلى موضع كذا نصلّي بكلّ درهم أنفقه ركعة! فمضينا وصلّينا أربعين ألف ركعة!
وينسب إليها إبراهيم الآجرّي، ﵀، قال: أتاني يهوديّ له عليّ دين يتقاضاه، وأنا عند الشاخورة أوقدت نارا تحت الآجر، فقال: يا إبراهيم أرني آية أسلم! قلت: أو تفعل ذلك؟ قال: نعم. فأخذت ثيابه ولففتها في وسط ثيابي ورميتها في الشاخورة، ثمّ دخلت الشاخورة وأخذت الثياب وخرجت من الباب الآخر، فإذا ثيابه في وسط ثيابي صارت حراقا وثيابي بحالها. فلمّا رأى اليهوديّ ذلك أسلم!
وينسب إليها أبو الحسن عليّ بن الموفق، كان يقول: اللهمّ إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم اني أعبدك حبّا لجنّتك فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبّا مني لك وشوقا إلى وجهك فالحنيه واصنع ما شئت!
وحكي أنّه وجد قرطاسا في الطريق، قال: فأخذته ووضعته في كمّي وجلست أقرأه فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عليّ بن الموفق تخاف الفقر وأنا ربّك؟
وحكي انّه قال: تمّمت ستين حجّة فلمّا فرغت من الطواف قعدت تحت الميزاب، فأنكرت في حالي عند اللّه تعالى وكثرة تردّدي إلى هذا المكان، فغلبتني عيني فإذا قائل يقول: يا عليّ، هل تدعو إلى بيتك إلّا من تحبّه؟ فسري عني ما كنت فيه.
حكى محمّد بن إسحاق السرّاج قال: سمعت عليّ بن الموفق يقول: حججت نيفا وخمسين حجّة، فنظرت إلى ضجيج أهل الموقف فقلت: اللهمّ إن كان فيهم واحد لم تقبل حجّه فقد وهبت حجّتي له! فرجعت إلى المزدلفة وبتّ فيها، فرأيت في نومي ربّ العزّة تعالى، فقال لي: يا عليّ بن الموفق أتتسخّى عليّ؟ قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم وشفّعت كلّ واحد في أهل بيته وذريته
стр. 422
وعشيرته، وإنّا أهل التقوى وأهل المغفرة. توفي عليّ بن الموفق سنة خمس وستّين ومائتين.
عزّان
مدينة كانت على الفرات للزّبّاء بنت مليح بن البراء. قتله جذيمة الأبرش صاحب الحيرة، فلحقت الزباء بالروم وجمعت الرجال وبذلت الأموال، وعادت إلى ملك أبيها وأزالت جذيمة عنها، وبنت على طرف الفرات مدينتين متقابلتين من شرقيّ الفرات وغربيّه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات فكانت إذا رهقها الأعداء أوت إليه، وجرت بينها وبين جذيمة مهادنة؛ قال ابن الكلبي: لم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارغة، وكانت تسحب شعرها وراءها إذا مشت وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزّبّاء. فأراد جذيمة أن يتزوّجها ويضمّ ملكها إلى ملكه، فخطبها فأجابته على شرط أن يصير إليها. وكان لجذيمة وزير اسمه قصير. قال لجذيمة: لا تمش إلى هذه المرأة فإني لست آمنها عليك! فقال: لا يطاع لقصير أمر! فأرسلها مثلا. فلمّا دخل عليها أمرت جواريها فأخذن يده. قالت له: أيّ قتلة تريد أن أقتلك؟ فقال: إن كان لا بدّ فاقتليني قتلة كريمة! فأطعمته حتى شبع، وسقته حتى ثمل، وفصدت شريانه حتى نزف دمه ومات. فبلغ قصيرا خبره فجدع أنف نفسه وأظهر أنّه جدعه عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، لأنّه أشار إليه بتزويج الزّبّاء. فراسل قصير الزّبّاء وأطمعها في ملك جذيمة، فركبت إليه وصار قصير إليها بأمان، وأخبرها بسعة التجارات، فدفعت إليه مالا فأتاها بربح كثير، ثمّ زادته في المال فأتاها بربح عظيم، فأنست به وجعلته من بطانتها. وأخبرته: اني حفرت من قصري على الفرات هذا إلى القصر الآخر على الجانب الآخر من الفرات سربا تحت الماء، وجعلت باب السرب تحت سريري هذا ومخرجه تحت سريري الآخر، فإن راعني أمر خرجت إلى الجانب الآخر. فحفظه قصير ومضى بالمال وحصل ألفي رجل
стр. 423
في ألفي صندوق على ألف جمل، وعلى الرجال الدروع ومعهم السيوف، وأقبل بهم إلى الزّبّاء. فلمّا قرب من مدينتها صعدت الزّبّاء سور مدينتها تنظر إلى العير مثقلة فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا؟ … أجندلا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا باردا شديدا؟ … أم الرّجال جثّما قعودا؟
فجاء قصير بالعير ودخل المدينة فأناخ الجمال وثار الرجال من الصناديق بالسيوف وضربوا من أدركوه، فلمّا علمت الزبّاء قصدت السرب لتدخل فيه، فبادرها عمرو بن عدي، وكان من رجال الصناديق، وقف على باب السرب بالسيف فعلمت انّه قاتلها، فمصّت سمّا تحت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو! فأرسلته مثلا. ومن الأمثال: لأمر ما جدع قصير أنفه!
عقرقوف
قرية قديمة من قرى بغداد؛ قالوا: بناها عقرقوف بن طهمورث، وإلى جانب هذه القرية تلّ عظيم من تراب، يرى من خمسة فراسخ كأنّه قلعة عظيمة. للناس فيه أقاويل كثيرة، قال ابن قطيفة: ملك الروم كلّما رأى أحدا من أهل العراق سأله عن تلّ عقرقوف، فإن قال: انّه بحاله، يفرح ويقول:
انّه لا بدّ أن نطأه.
غرشستان
ناحية واسعة كثيرة القرى، الغور في شرقيها وهراة في غربيها، ومرو الروذ في شمالها وغزنة في جنوبها. والغرش بلغتهم الجبال ومعناه قهستان.
والغالب على أرضها الجبال، وبها دروب وأبواب لا يمكن دخولها إلّا بإذن الشار، والشار اسم ملوكهم. وأهلها صلحاء مجبولون على الخير، عندهم بقيّة من
стр. 424
عدل عمر.
قال الإصطخري: غرج الشار مدينتان، يقال لإحداهما نشين وللأخرى سورمين، وهما متقاربتان ولهما مياه كثيرة وبساتين. يحمل منهما الزيت والأرز إلى سائر البلاد.
وحكى بعض التجّار قال: مشيت إلى غرشستان فاتّفق لهم غرس، فوضعوا دستا عاليا وجاء الزوج وجلس فيه، وأسبلوا على وجهه سجفا سخيفا شبه وقاية، وجاء المغني يغني بالدفوف وغيرها، وتأتي نساء أقاربهم وجيرانهم يرقصن بين يدي الزوج فرادى ومثنى وجماعة، والزوج يراهن ويتفرّج على رقصهن حتى لا تبقى واحدة إلّا رقصت، ثمّ تأتي العروس في الآخر وترقص بين يديه أحسن رقص، ثمّ خلوا بينها وبينه.
غريّان
بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب مشهد أمير المؤمنين عليّ. بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء، وسببه انّه كان له نديمان من بني أسد، فثملا فراجعا الملك ببعض كلامه، فأمر وهو سكران أن يحفر لهما حفرتان ويدفنا فيهما حيّين. فلمّا أصبح استدعاهما فأخبر بما أمضى فيهما فغمّه ذلك، وقصد حفرتيهما وأمر ببناء طربالين عليهما وقال: لا يمرّ وفود العرب إلّا بينهما! وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح يوم بؤسه من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، فإن وقعت لهما الوحش طلبها بالخيل، وإن وقع طائر أرسل عليه الجوارح. وفي يوم نعيمه يجيز من يلقاه ويخلع عليه. ولبث بذلك برهة من دهره، فخرج يوما من أيّام بؤسه إذ طلع عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر، جاء ممتدحا، فلمّا رآه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد؟ فقال بعض الحاضرين: أبيت اللعن! عنده من حسن القريض ما هو خير ممّا تريد منه! فاسمع فإن كان حسنا استزده وإن كان غير ذلك فالأمر بيدك. فأنزله حتى طعم وشرب وقال له:
стр. 425
أنشدني فقد كان يعجبني شعرك! فقال عبيد: حال الجريض دون القريض! فقال المنذر: أنشدني قولك اقفر من أهله ملحوب. فقال عبيد:
أقفر من أهله عبيد … فاليوم لا يبدي ولا يعيد
عنّت له منيّة نكود … وحان منه لهما ورود!
فقال المنذر: يا عبيد لا بدّ من الموت! ولقد علمت لو أن النعمان ابني عرض لي يوم بؤسي لا بدّ لي من ذبحه! واستدعى له الخمر فلمّا أخذت منه نفسه وطابت وقدم للقتل أنشد:
ألا أبلغ بنيّ وأعمامهم … بأنّ المنايا هي الواردة!
لها مدّة فنفوس العباد … إليها، وإن كرهت، قاصده
فلا تجزعوا لحمام دنا … فللموت ما تلد الوالدة
فأمر به ففصد حتى نزف دمه وغرّى بدمه الغريّين.
وحكي أن في بعض أيّام بؤسه وقع رجل من طيّء يقال له حنظلة، فقال له المنذر: لابدّ من قتلك! سل حاجتك. فقال: أجرني سنة حتى أرجع إلى أهلي وأفعل ما أريد ثمّ أصير إليك! فقال المنذر: ومن يكفلك أنّك تعود؟ فنظر إلى جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:
يا شريك يا ابن عمرو … ويا أخا من لا أخا له
يا أخا المنذر فكّ … اليوم رهنا قد أنى له
إنّ شيبان قبيل … أكرم النّاس رجاله
وأبو الخيرات عمرو … وشراحيل الحماله
ورثاك اليوم في المجد … وفي حسن المقالة
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه! فأطلقه المنذر،
стр. 426
فلمّا كان من القابل قعد المنذر ينتظر حنظلة فأبطأ، فقدّم شريك ليقتل فلم يشعر إلّا براكب قد طلع، فإذا هو حنظلة قد تكفّن وتحنّط وجاء بنادبته. فلمّا رآه المنذر عجب من وفائه فقال: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: إن لي دينا يمنعني من الغدر! قال له: ما دينك؟ قال: النصرانيّة! فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا، وأطلق تلك السنّة.
وكان المنذر بنى الغريين على مثال ما بناهما ملوك مصر، وقد مرّ ذكرهما في موضعهما. ونظر معن بن زائدة إلى الغريين وقد خرب أحدهما فقال:
لو أنّ شيئا مقيما لا يبيد على … طول الزّمان لما باد الغريّان
قد خرّب الدّهر بالتّصريف بينهما … فكلّ إلف إلى بين وهجران!
غزنة
ولاية واسعة في طرف خراسان بينها وبين بلاد الهند، مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء وجودة التربة، وهي جبليّة شماليّة بها خيرات واسعة إلّا أن البرد بها شديد جدّا.
ومن عجائبها العقبة المشهورة بها، فإنّها إذا قطعها القاطع وقع في أرض دفئة شديدة الحرّ، ومن هذا الجانب برد كالزمهرير، ومن خواصّها أن الأعمار بها طويلة والأمراض قليلة، وما ظنّك بأرض تنبت الذهب ولا تولد الحيّات والعقارب والحشرات المؤذية؟ وأكثر أهلها أجلاد وأنجاد.
وعجائبها أمر الصفّارين يعقوب وعمرو وظاهر وعليّ. كان يعقوب غلام صفّار وعمرو مكاريا، صاروا ملوكا عظماء واستولوا على بلاد فارس وكرمان وسجستان وخراسان وبعض العراق، يقال لهم بنو الليث الصفّار.
وبها تفّاح في غاية الحسن يقال له الأميري، لم يوجد مثله في شيء من البلاد، قال أبو منصور الثعالبي:
стр. 427
تفّاخ غزنة نفّاع ونفّاح … كأنّه الشّهد والرّيحان والرّاح!
أحبّه لصفات حازها قمر … في وجهه أبدا ورد وتفّاح!
وينسب إليها مجدود بن آدم السنائي. كان حكيما عارفا شاعرا تاركا للدنيا، وله ديوان كبير كلّه حكم ومواعظ من حقّها أن تكتب بالذهب، ليس فيها مدح أصلا. وكان يحبّ العزلة والانزواء عن الناس، ويسكن الخرابات ويمشي حافيا، وكان بعض الوزراء يرى له والسنائي يأتيه في أوقات، فإذا جاءه يقوم الوزير ويجلسه مكانه في دسته، وهو ربّما كانت رجله ملطّخة بالطين فقعد في مسند الوزير، ومدّ رجليه لئلّا يتلطّخ المطرح بالطين. وحكي أن السنائي كان يمشي حافيا ولا يقبل من أحد شيئا، فاشترى له بعض أصدقائه مداسا وألحّ عليه بالشفاعة أن يلبسه ففعل، فاتّفق أنّه تلاقاه في اليوم الثاني وسلّم على السنائي فخلع المداس وردّه إليه، فسئل عن ذلك فقال: سلامه في اليوم الثاني ما كان يشبه السلام الذي كان قبل ذلك، وما كان له سبب إلّا المداس!
وبها عين إذا ألقي فيها شيء من القاذورات، يتغيّر الهواء ويظهر البرد والريح العاصف والمطر في أوانه والثلج في أوانه، وتبقى تلك الحالة إلى أن تنحّى عنها النجاسة. وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين لمّا أراد فتح غزنة كلّما قصدها بادر أهلها وألقوا شيئا من القاذورات في هذه العين، ولم تمكن الإقامة عندهم للعسكر. وكان الأمر على ذلك حتى عرف السلطان ذلك منهم، وتلك العين خارج المدينة بقربها، فبعث أوّلا على العين حفّاظا ثمّ سار نحوها فلم ير شيئا ممّا كان قبل ذلك، فافتتحها.
الغور
ولاية بين هراة وغزنة عامرة، ذات عيون وبساتين كثيرة خصبة جدّا، والجبال محتوية عليها من جميع جوانبها مثل الحظيرة، ونهر هراة يقطعها، يدخلها من جانب ويخرج من آخر. وإنّها شديدة البرد جدّا لا تنطوي على مدينة مشهورة.
стр. 428
وأكبر ما فيها قلعة يقال لها فيروزكوه، وحكى الأمير عماد الدين والي بلخ أن بأرض الغور عينا يذهب الناس إليها في ليلة من السنة معلومة بقسيّ وسهام، ويرمي كلّ واحد إليها نشّابة وعليها علامة، فإذا أصبحوا وجدوا النشابات خارجة من العين، وعلى نصل بعضها رؤوس الحيوانات من الذهب، إمّا رأس طير أو سمك أو إوزّ أو حيوان آخر، وبعض الناس لا يصيب على نشابه شيئا، واللّه أعلم بصحّته في ذلك، والعهدة على الراوي.
وبها السمندل، وهو حيوان كالفأر يدخل النار ولا يحترق، ويخرج والنار قد أزالت وسخه وصفّت لونه وزادته بريقا. يتّخذ من جلده مناديل الغمر للملوك، فإذا توسّخت تلقى في النار ليزول وسخها.
ينسب إليها أبو الفتح محمّد بن سام الملقّب بغياث الدين. كان ملكا عالما عادلا مظفّرا في جميع وقائعه، وحروبه كانت مع كفّار خطّاء. وكان كثير الصدقات جوادا شافعيّ المذهب، وقد بنى مدارس ورباطات وكتب بخطّه المصاحف وقفها عليها. وكان من عادته إذا مات غريب في بلده لا يتعرّض لتركته حتى يأتي وارثه ويأخذها. وكان أوّل أمره كراميّ المذهب وفي خدمته أمير عالم عاقل ظريف شاعر، يقال له مباركشاه الملقّب بعزّ الدين، علم أن هذا الملك الجليل القدر على اعتقاد باطل، وكان يأخذه الغبن لأنّه كان محسنا في حقّه، وكان في ذلك الزمان رجل عالم فاضل ورع يقال له محمّد بن محمود المروروذي، الملقّب بوحيد الدين، عرّفه إلى الملك وبالغ في حسن أوصافه حتى صار الملك معتقدا فيه، ثمّ ان الرجل العالم صرفه عن ذلك الاعتقاد الباطل وصار شافعي المذهب.
وينسب إليها أبو المظفّر محمّد بن سام الملقّب بشهاب الدين. كان ملكا عادلا حسن السيرة. كان يقعد حتى يفصل قاضيه الحكومات بحضوره. ومن مات أو قتل من مماليكه وعليه دين لا يقطع معيشته حتى يستوفى الدين. وحكي أن صبيّا علويّا لقيه في طريقه وقال له: إني منذ خمسة أيّام ما أكلت شيئا!
стр. 429
فغضب وحولق وعاد في الحال وأخذ الصبيّ معه، وأطعمه أطيب الطعام وأعطاه من المال ما أغناه.
فراهان
قرية من قرى همذان مشهورة، بها مملحة عجيبة، وهي بحيرة أربعة فراسخ في أربعة، فإذا كان أيّام الخريف واستغنى الناس من أهل تلك الناحية عن سقي المزارع والبساتين صوّبوها إلى تلك البحيرة. فإذا جاء الربيع والصيف واحتاج الناس إلى الماء انقطع عن البحيرة انصبابه، فما بقي فيها يصير ملحا يأخذه الناس ويحملونه إلى البلاد.
ومن عجائبها أن الناس إن منعوا عنها لم تنعقد ملحا بل ينصبّ ولا يبقى له أثر، وإن لم يمنع الناس عنها تصير ملحا؛ قال ابن الكلبي: إنّه طلسم من عمل بليناس. وكان بفراهان سبخة يغوص فيها الراكب بفرسه والجمل بحمله، فاتّخذ لذلك طلسما استراح الناس عنه.
فم الدبل
قرية من قرى واسط على شاطئ شعبة من دجلة، منسوبة إلى الرفيعية، وهم مشايخ تلك الناحية وبيتهم بيت مبارك. عادتهم ضيافة الناس وخدمة الصلحاء والفقراء المسافرين والقاطنين، وفي فقرائهم جمع قالوا يأكلون الحيّات، وقوم قالوا يدخلون النار، وغير ذلك من الأمور العجيبة. وهم أقوام في زيّ الفقراء براء من التكلّف، ولا أدب لهم إلّا خدمة الناس ولا يفرحون إلّا به.
فنك
قلعة حصينة على قلّة جبل عال بقرب جزيرة ابن عمر، على فرسخين منها، وعلى القلعة قلّة مرتفعة عنها ارتفاعا كثيرا من صخرة كبيرة، وهي قلعة مستقلّة
стр. 430
بنفسها، وإنّها بيد الأكراد البشنوية من ثلاثمائة سنة، وهم قوم فيهم مروّة وعصبية، يحمون من التجأ إليهم. وكانت هذه القلعة في شهور ستمائة بيد رجل اسمه إبراهيم، وله أخ اسمه عيسى أراد أن ينتزعها من يد إبراهيم.
وكان إبراهيم مع خواصّه يسكن القلّة وباقي الأجناد في نفس القلعة، فأطاع عيسى جمع من بطانة إبراهيم وفتح باب القلّة حتى صعدها نيف وعشرون رجلا، وقبضوا على إبراهيم ومن عنده وحبسوا إبراهيم في بيت، وحبست زوجته في بيت آخر. ولهذا البيت شباك إلى القلعة، فملك أصحاب عيسى القلّة وينتظرون مجيء عيسى، فقلعت زوجة إبراهيم الشباك، وكان عندها ثياب خام فأوصلت بعضها ببعض ودلّتها إلى القلعة، وجعلت تسعى الرجال ولا علم لأصحاب القلّة بها. فحضر عيسى وأصحابه تحت القلعة فرأوا الرجال يصعدون القلّة بالحبل، فصاحوا إلى أصحاب القلّة ليعرفوا ذلك، فكلّما صاح أصحاب عيسى صاح أصحاب القلعة معهم لتتزاحم الأصوات فلا يفهم أصحاب القلّة كلامهم، حتى صعد بالحبل عشرون رجلا فأخرجوا إبراهيم من الحبس، وفتحوا باب القلّة حتى صعد إليه أصحابه، وأهلكوا قوم عيسى ورجع عيسى خائبا، وبقيت القلعة إلى إبراهيم.
قاشان
مدينة بين قم وأصفهان. أهلها شيعة إماميّة غالية جدّا. وألّف أحمد بن عليّ ابن بابه القاشاني كتابا ذكر فيه فرق الشيعة، فلمّا انتهى إلى الإمامية وذكر المنتظر قال: من العجب أن في بلادنا قوما، وأنا شاهدتهم على هذا المذهب، ينتظرون صباح كلّ يوم طلوع القائم عليهم، ولا يقنعون بالانتظار بل يركبون خيلهم متوشّحين بالسيوف شاكين السلاح، ويخرجون من مساكنهم إلى خارج البلد مستقبلين للإمام، كأنّهم قد أتاهم بريد أخبرهم بوروده، فإذا طلع النهار عادوا متأسّفين وقالوا: اليوم أيضا ما جاء!
стр. 431
ومنها الآلات الخزفيّة المدهونة، ولهم في ذلك يد باسطة ليس في شيء من البلاد مثلهم. تحمل الآلات والظروف من قاشان إلى سائر البلاد.
بها مشمش طيّب جدّا يتّخذ منه المطوي المجفّف، ويحمل للهدايا إلى سائر البلاد، ليس في شيء من البلاد إلّا بها.
وبها من العقارب السود الكبار المنكرة ما ليس في غيرها.
قرميسين
بقرب كرمانشاهان، بليد بين همذان وحلوان على جادة الحاج، ذكر ابن الفقيه أن قباذ بن فيروز نظر في بلاده، فلم يجد بين المدائن وبلخ موضعا أطيب هواء ولا أعذب ماء ولا أصحّ تربة من قرميسين، فاختاره لسكناه وبنى به قصرا يقال له قصر اللصوص.
ومن عجائبه الدكّة التي كانت به مائة ذراع في مائة ذراع، في ارتفاع عشرين ذراعا مربّعا. وحجارتها كانت مهندمة مسمّرة بمسامير الحديد لا تبين دروز الأحجار منها، ويظنّ الناظر انّها حجر واحد. اجتمع عليها ملوك الأرض عند كسرى ابرويز وهم: فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم. وكان في هذا القصر أبواب وجواسق وخزائن بالنقوش والتصاوير، وكسرى أبرويز اتّخذه متصدّيا لطيب هوائه وحسن مكانه.
حكي أن مطبخ كسرى كان في موضع بينها وبين هذا الموضع أربعة فراسخ، فإذا أراد أن يتغدّى اصطفّ الغلمان من القصر إلى المطبخ، وتناول الغضائر والصحون بعضهم من بعض إلى محلّ جلوس الملك، وهذا بعيد لأن الطبيخ لا يبقى حارّا إلى أن يحمل إلى فراسخ، فلعلّه قد فعل ذلك مرّة ليذكر ذلك من قوّة ملكه.
стр. 432
قزوين
مدينة كبيرة مشهورة عامرة في فضاء من الأرض، طيّبة التربة واسعة الرقعة كثيرة البساتين والأشجار نزهة النواحي والأقطار، بنيت على وضع حسن لم يبن شيء من المدن مثلها. وهي مدينتان: إحداهما في وسط الأخرى، والمدينة الصغرى تسمّى شهرستان، لها سور وأبواب، والمدينة الكبيرة محيطة بها. ولها أيضا سور وأبواب، والكروم والبساتين محيطة بالمدينة العظمى من جميع الجوانب، والمزارع محيطة بالبساتين، ولها واديان: أحدهما وادي درج والآخر وادي اترك، وهذه صورتها:
стр. 433
قال ابن الفقيه: أوّل من استحدث قزوين شابور ذو الأكتاف، وبناء شابور في زماننا هذا يسمّى شهرستان. فلمّا اجتاز الرشيد بأرض الجبال قاصدا خراسان اعترضه أهل قزوين، وأخبروه بمكانهم من أرض الديلم، فسار إلى قزوين وبنى سور المدينة العظمى وجامعها سنة أربع وخمسين ومائتين. وأوّل من فتحها البراء ابن عازب الأنصاري، وقد وقع النفير وقت كان الرشيد بها، فرأى أهلها أغلقوا حوانيتهم وأخذوا أسلحتهم وخرجوا إلى وجه العدوّ مسرعين، فأشفق عليهم وبنى لهم السور، وحطّ عنهم خراجهم جاعلا إيّاه عشرة آلاف دينار في كلّ سنة، وقد ورد في فضائل قزوين أحاديث كثيرة تتضمّن الحثّ على المقام بها لكونها ثغرا.
منها ما رواه عليّ بن أبي طالب، ﵇، عن رسول اللّه، ﷺ : عليكم بالإسكندريّة أو بقزوين فإنّهما ستفتحان على يد أمّتي، وإنّهما بابان من أبواب الجنّة، من رابط فيهما أو في إحداهما ليلة خرج عن ذنوبه كيوم ولدته أمّه! وعن سعيد بن المسيّب مرفوعا عن رسول اللّه، ﷺ : سادات الشهداء شهداء قزوين! وأمثال هذه كثيرة.
وبين قزوين وبين الديلم جبل كان ملوك الفرس يجعلون عليه رابطة إذا لم يكن بينهم هدنة، وذلك الجبل هو الحاجز بين القزاونة والإسماعيليّة، أحد جانبيه لهؤلاء والجانب الآخر لهؤلاء.
وبها مواضع يرجى فيها إجابة الدعاء، منها مسجد شالكان ومسجد شهرستانك ومسجد دهك ومسجد باب المشبّك الملصق بالسور، فإنّها مواضع يأتيها الابدال.
ومن عجائبها مقصورة الجامع التي بناها الأمير الزاهد خمارتاش، مولى عماد الدولة صاحب قزوين، فإن قبّتها في غاية الارتفاع على شكل بطيخ، ليس مثلها في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر أكبر منها، ولا أحسن عمارة. وحكي أن الصّنّاع لمّا رفعوا قواعدها وأرادوا انضمام رأسها عجزوا عن ذلك لفرط سعتها وعمقها فلم يكن شيء من الأجذاع والسلاليم يفي بها، فوقفت العمارة حتى مرّ بها صبيّ وقال: لو ملؤوها تبنا يمكنهم إتمامها! فتعجّب الصنّاع من حذقه
стр. 434
وقالوا: لا طريق لها إلّا ما ذكره الصبيّ! فملؤوها تبنا وتمّموها.
ومن عجائبها أمر باغاتها، فإنّها لا تشرب في السنة إلّا مرّة واحدة وتأتي بفواكه غضّة طريّة، وربّما لا تشرب في السنة وتأتي بعنب ضعيف.
ومن عجائبها مقابر اليهود، فإنّها فضاء واسع ليس بها آثار القبور، فإذا وجعت بطون دوابهم قادوها إليها وذهبوا بها في ذلك الفضاء يمنة ويسرة، فإنّه يزول وجعها.
ومن عجائبها سوق الخيل بموضع يسمّى رستق الشعير. ذكروا أن كلّ فرس يحمل إليه للبيع، فإن كان به حران يظهر في الحال.
ومن عجائبها مقبرة باب المشبك، فإنّها مقبرة شريفة بها قبور العلماء والشهداء والصلحاء والزهاد. يأتيها الناس ليلة الجمعة فيرون بها أنوارا عجيبة تصعد من القبور وتنزل فيها، وهذا أمر ظاهر يراه كلّ من يمشي إليها صالحا أو طالحا. ولقد رأيت في بعض الليالي عجيبا، وهو انّه قد طلع من بعض القبور كرة قدر إبريق، وصعدت نحو الهواء أكثر من غلوة سهم وأضاءت الجوانب من نورها، ورآها غيري خلق كثير شرعوا في التكبير والتهليل، وما كانت على لون النار بل كانت على لون القمر ضاربا على الخضرة ثمّ عادت إلى مكانها.
ينسب إليها الشيخ أبو بكر المعروف بشابان. كان شيخا عظيم الشأن يأتيه الابدال. كان له كرم وقطعة أرض وبقرة: يزرع قطعة الأرض حنطة، ويأخذ عنب الكرم ولبن البقرة وانّها شيء يسير يضيف بها من زاره. استشهد على يد الفداية يوم الجمعة في جامع دمشق بعد الصلاة في ازدحام الناس سنة إحدى وستمائة عن اثنتين وتسعين سنة.
وينسب إليها أبو حاتم محمود بن الحسن القزويني. كان فقيها أصوليّا، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب طاهر الطبري، له كتاب في حيل الفقه مشهور.
وكان من أولاد أنس بن مالك وابن عمّي.
وينسب إليها الشيخ أبو القاسم بن هبة اللّه الكموني. كان عالما عابدا ورعا من
стр. 435
أولاد أنس بن مالك. حكي انّه جاء في زمانه وال إلى قزوين، وبقزوين واديا ماء وهما من السيل، وسقي كروم أهل قزوين من هذين الواديين وهما مباحان، فأراد هذا الوالي أن يجعل عليهما خراجا، فشكا أهل قزوين إلى الشيخ، فذهب الشيخ إلى دار الوالي وقال لحاجبه: إن هذا الماء لم يزل مباحا لا يحل بيعه، وأصحاب هذه الكروم أرامل وأيتام، والكروم ضعيفة لها في السنة سقية واحدة، حاصلها لا يفي بمال الخراج. فدخل الحاجب على الملك وقال: ههنا شيخ ما يخلي ان هذا الأمر يتمشّى! فغضب الملك وسلّ سيفه وخرج بسيفه المسلول وقال: من الذي يمنع من بيع هذا الماء؟ فقام الشيخ وقال: أنا! فعاد الملك إلى داخل وقال:
افعلوا ما يقول هذا الشيخ! فإنّه لمّا قام رأيت على يمينه ويساره ثعبانين يقصدانني! فبطل ذلك العزم وذاك الماء مباح إلى الآن. وهذا الشيخ جدّي الخامس.
وينسب إليها أبو محمّد بن أحمد النجّار. كان عالما فاضلا أديبا فقيها أصوليّا ذا فهم مستقيم وذهن وقّاد، وكان عديم المثل في زمانه مع كثرة فضلاء قزوين.
كان أبوه نجّارا وهو أيضا كان بالغا في صنعة النجارة، وصاحب قزوين كان يرى له، وبنوا له بقزوين مدرسة وأصابه في آخر عمره الفالج. وله تصانيف كثيرة كلّها حسن. وحكي أن صاحب قزوين أخذ قاصدا من الباطنية ومعه كتاب، فلمّا فتحوا كان الكتاب أبيض، فأخبر الشيخ أبو محمّد عن ذلك، فأمر أن يعرض على النار، فلمّا عرضوه على النار ظهر عليه كتابة كتبوها إلى رجل من أهل قها، وطلبوا منه الإبل والحمام. وقها ناحية من أعمال الريّ.
فقال الملك: الإشكال بعد بحاله لأنّه ليس بقها الإبل ولا الحمام! فقال الشيخ أبو محمّد: طلبوا القسيّ والنبال. فقيل له: من أين قلت؟ فقال: أما سمعتم تشبيه الإبل بالقسيّ في قوله:
حوص كأشباح الحنايا ضمّر
стр. 436
وتشبيه النبل بالحمام في قوله:
وإذا رمت ترمي تموّت طائر
وينسب إليها الشيخ أبو القاسم محمّد بن عبد الكريم الرافعيّ. كان عالما فاضلا ورعا بالغا في النقليات كالتفسير والحديث والفقه والأدب. وله تصانيف كثيرة كلّها حسن. كان يعقد مجلس العلم في جامع قزوين كلّ يوم بعد العصر، ويحضر عنده أكثر من مائتي نفس يذكر لهم تفسير القرآن. ومن عجيب أحواله انّه جاء ذات يوم على عادته، فلمّا فرغ من وظيفته بكى وقال: يا قوم قد وقعت لي واقعة ما وقعت لي مثلها، عاونوني بالهمّة! فضاقت صدور القوم وسأل بعضهم بعضا عن الواقعة فقالوا: ان تاجرا أودع عنده خمسمائة دينار وغاب مدّة طويلة، والآن قد جاء وطلبها، فذهب الشيخ إلى مكان الوديعة ما وجدها، والذي أخذها أمين لطول المدّة، فيخبر القوم حتى قال أحدهم: ان امرأة ضعيفة كانت خدامة لبيت الشيخ، والآن ترى حالها أحسن ممّا كانت. فطلبوا منها فوجدوا عندها، فجاء الشيخ في اليوم الثاني وأخبر القوم بأن همّتهم أثرت والواقعة اندفعت.
وحكي أن وزير خوارزمشاه كان معتقدا فيه، فقبّل يده فقال له الشيخ:
قبّلت يدا كتبت كذا وكذا مجلدا تصنيفا! فوقع من الدابّة وانكسرت يمناه، وكان يقول: مدحت يدي فأبلاني اللّه تعالى بها! توفي سنة ثلاث وعشرين وستّمائة عن نيّف وستّين سنة.
وينسب إليها الشيخ أبو عليّ حسنويه بن أحمد بن حسنويه الزبيري، الملقّب بمعين الدين. كان شيخا معتبرا من أعيان قزوين. ومن أعجب ما روي عنه أن أحدا إذا أصابه مس من الجنّ هو يحضر الجنّ ويشفع إليهم ويخلونه.
وينسب إليها الشجاع باك باز. كان صاحب آيات وعجائب، وكان ذا هيبة.
من رآه يمتلئ من هيبته، وكان الملك والفقير عنده سواء، يخاطب هذا كما يخاطب
стр. 437
ذاك. وإذا رأى أحدا يقول: معك دنانير وزنها كذا، اخرجها للفقراء! فيخرجها فيكون كما قال.
وحكي انّه طلب يوما من رجل تاجر شيئا، وكان الرجل حنفيّا معتزليّا لا يقول بكرامات الأولياء، فتخاشن في الجواب فحرد وشتم، فقال له: المال الذي مع ابنك في السفر وقع عليه اللصوص الآن وأخذوه! فازداد الرجل غيظا وشتما. قال: وابنك قد قتل على يد الحرامية! فأرخوا ذلك فجاء الخبر بأخذ المال وقتل ابنه.
وحكي انّه كان في رباط اربل، فجاء الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي إلى اربل، فاستقبله أهل اربل فجاء إلى الرباط ودخل بين الجماعة، ووقف على المصلّى يصلّي ركعتين والخفّ في رجليه. فلمّا رأى باك باز ذلك قال: أيّها الشيخ، كيف تقف مع الخفّ على مصلّى المشايخ؟ أليس هؤلاء القوم إذا رأوا منك ذلك اعتقدوا أنّه جائز في الطريقة؟ فوثب عليه الصوفية وهم تلامذة الشيخ وأسبغوه ضربا ومدّوه برجله إلى خارج الرباط. فلمّا عرف الشيخ ذلك أنكر على الصوفية وقال: انّه كان على الصواب، مرّوا إليه واعتذروا منه! فمرّوا إليه فإذا هو قاعد في السوق على دكّة، فاعتذروا مستغفرين فقال: ما جرى شيء يحتاج إلى العذر، وإن جرى فأنتم في أوسع الحال. فقالوا: ارجع إلى الرباط إن أنت راض. فقال: إني كنت على عزم السفر وتوقّفي لإصلاح هذا المثقل لمداسي، وإذا فرغ منه لبست وسافرت!
فعاد القوم إلى الرباط فعرف الحال الملك، فأمر شيخ الرباط مع جميع الصوفيّة بالمشي إليه معتذرين، فذهبوا وما أجابهم، فقال الملك: أنا أمشي! فركب وجاء إلى السوق، وهو قاعد على دكّة والمثقل يعمل في نعله، فقال: إني قد جئت شفيعا، فاسلك مع القوم مسلك التصوّف وعد إلى المكان راضيا منافسا! فقال:
لا أرجع حتى تفعل ما أريده. فقال الملك: ما تريد؟ قال: أريد ثلاثمائة دينار! قال: لك ذلك! قال: احضره الآن! فأحضره وقال: أريد جوقتين من المغنين.
стр. 438
فأحضروا وقال: أريد أن يحملني فلان على رقبته، والمغنون يغنون قدامي، والقوم خلفي وقدامي يؤدّونني إلى الرباط على هذه الحال! ففعلوا ذلك كلّه، فلمّا دخل الرباط والذهب معه قال: من الذي ضربني؟ فيقول كلّ واحد: أنا ما ضربت شيئا! فقال: من ضربني ضربة فله دينار، ومن ضربني ثنتين فله ديناران، ومن ضربني ثلاثا فله ثلاثة دنانير! فجاء كلّ واحد يقول: أنا لكمت كذا وكذا.
ففرّق الذهب عليهم وسافر. توفي في نيف وعشرين وستمائة.
قصران
اسم قرية من قرى الري. وهي قسمان: يقال لأحدهما قصران الداخل، وللآخر قصران الخارج. قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض الري قرية تسمّى قصران بيروني، عند بابها الأعلى يرى كلّ ليلة سراج مشعل بحيث يبصره كلّ أحد من البعيد من جميع الجوانب، وإذا دنا منه لا يبين شيء.
ينسب إليها القصراني المهندس. كان عالما بالهندسة، وكان عديم المثل في زمانه، وله كتب مصنفة في الهندسة مشهورة.
قصر شيرين
بين بغداد وهمذان في فضاء من الأرض على طرف نهر جار. بناها كسرى أبرويز لشيرين وهي خطيبة كانت له من أجمل خلق اللّه تعالى، والفرس يقولون:
كان لكسرى أبرويز ثلاثة أشياء لم تكن لملك قبله ولا بعده: خطيبته شيرين، ومغنيه بلهبد، وفرسه شبديز، وقصر شيرين باق إلى الآن، وهي أبنية عظيمة شاهقة وايوانات عالية وعقود وقصور وأروقة ومتشرّفات، واختلفوا في سبب بنائه: ذكر في كتب العجم أن شيرين كانت من بنات بعض ملوك أرمن، وكانت أجمل خلق اللّه صورة، ذكرت لكسرى أبرويز وكان مشغوفا بالنساء، بعث إليها من خدعها فهربت على ظهر شبديز. فلمّا وصلت إلى العراق وكان كسرى
стр. 439
غائبا، فرأتها أزواج كسرى وولائده، علمن أن كسرى يختارها عليهن، فأخذهن من الغيرة ما يأخذ الضرّات، فاخترن لها أرضا سبخة وهواء رديّا وقلن:
ان الملك أمرنا أن نبني لك هاهنا قصرا. وهي موضع قصر شيرين على طرف نهر عذب الماء.
وحكي أن شيرين كانت تحبّ اللبن الحليب، وكان القصر بعيدا عن مرعى المواشي، فإلى أن حمل إلى القصر زالت سخونته، فطلبوا الحيلة في ذلك فاتّفق رأيهم على أن يتّخذوا جدولا حجريّا من المرعى إلى القصر، فطلبوا صانعا يعمل ذلك، فدلّوا على صانع اسمه فرهاذ، فطلبت اتّخاذ جدول مسافته فرسخان من المرعى إلى القصر على أن يأتي اللبن منها إلى القصر بسخونته، وكان القصر على نشز من الأرض والمرعى في منحدر، فاتّخذ حائطا طوله أكثر من فرسخين وارتفاعه عند المرعى عشرون ذراعا، وعند القصر مساويا لأرضه، وركب على الحائط جدولا حجريّا، وغطّى رأسه بالصفائح الحجريّة، واتّخذ عند المرعى حوضا كبيرا، وفي القصر أيضا مثله، وهذا كلّه باق إلى زماننا، رأيته عند اجتيازي به لا شكّ في شيء منه.
وذكر محمّد الهمذاني انّه كان سبب بناء قصر شيرين، وهو أحد عجائب الدنيا، أن كسرى أبرويز، وكان مقامه بقرميسين، أمر أن يبنى له باغ فرسخين في فرسخين، وأن يجعل فيه من الطيور والوحوش حتى تتناسل فيه، ووكّل بذلك ألف رجل أجرى عليهم الرزق حتى عملوا فيه سبع سنين. فلمّا تمّ نظر إليه الملك وأعجبه، وأمر للصنّاع بمال. فقال في بعض الأيّام لشيرين: سليني حاجة، فقالت: أريد أن تبني لي قصرا في هذا البستان لم يكن في ملكك لأحد مثله، وتجعل فيه نهرا من حجارة يجري فيه الخمر! فأجابها إلى ذلك ونسي، ولم تجسر شيرين على أن تذكره به، فقالت للبلهبد المار ذكره: حاجتي في غناء، ولك ضيعتي التي بأصفهان! فأجابها إلى ذلك وعمل شعرا وصوتا في ذلك. فلمّا سمع كسرى قال له: لقد ذكرتني حاجة شيرين. فأمر ببناء القصر وعمل النهر،
стр. 440
فبني على أحسن ما يكون وأتقنه، ووفت شيرين للبلهبد بالضيعة فنقل إليها عياله، وله نسل بأصفهان ينتمون إلى بلهبد.
ودخل بعض الشعراء قصر شيرين فرأى تلك العمارات الرفيعة، ورأى إيوان شيرين وصورتها وصورة جواريها على الحائط فقال:
يا طالبي غرر الأماكن … حيّوا الدّيار ببرزماهن
وسلوا السّحاب تجودها … وتسحّ في تلك الأماكن
واها لشيرين التي … قرعت فؤادك بالمحاسن!
واها لمعصمها المليح وللسّوالف والمغابن!
في كفّها الورق الممسّك والمطيّب والمداهن
وزجاجة تدع الحكيم إذا انتشى في زيّ ماجن
وشغفت حين رأيتها … واهتاج مني كلّ ساكن
فسقى رباع الكسرويّة … بالجبال وبالمدائن
دان يسفّ ربابه وتناله أيدي الحواضن
قمّ
مدينة بأرض الجبال بين ساوة وأصفهان، وهي كبيرة طيّبة خصبة مصّرت في زمن الحجّاج بن يوسف سنة ثلاث وثمانين. أهلها شيعة غالية جدّا والآن أكثرها خراب. ومياههم من الآبار أكثرها ملح، فإذا أرادوا حفرها وسعوا في حفرها وبنوا من قعرها بالأحجار إلى شفيرها، فإذا جاء الشتاء أجروا ماء واديهم ومياه الأمطار إليها، فإذا استقوه بالصيف كان عذبا طيّبا.
وبها بساتين كثيرة على السواقي، وفيها الفستق والبندق. بها ملّاحة طلسمها بليناس في صخرة ليدوم جريان مائها، ولا ينقطع ما لم يخطر عليه، وماء هذه العين ينعقد ملحا ويأخذه كلّ مجتاز.
стр. 441
أخبرني بعض الفقهاء أن بقرب قم معدن ملح، من أخذ منه الملح ولم يترك هناك ثمنه يعرج حماره الذي حمل عليه ذلك الملح. وبها معدن الذهب والفضّة أخفوه عن الناس حتى لا يشتغلوا به ويتركوا الزراعة والفلاحة. وبها طلسم لدفع الحيّات والعقارب، وكان أهل قم يلقون منها ضررا عظيما فانحازت إلى جبل هناك، فإلى الآن لا يقدر أحد أن يجتاز بذلك الجبل من كثرة الحيّات والعقارب.
من عجائبها أن العود لا يكون له في هواء قم أثر كثير، ولو كان من أذكى العود. وبها واد كثير الفهود. وحكي أنّه أتاهم في بعض الأوقات وال سنّي وقال لهم: بلغني أنّكم لشدّة بغضكم صحابة رسول اللّه، ﷺ ، لا تسمّون أولادكم بأسمائهم، فإن لم تأتوني منكم بمن اسمه عمر أو كنيته أبو بكر لأفعلن بكم! فداروا في جميع المدينة وفتّشوا، ثمّ أتوا بواحد أحول أقرع كريه اللقاء معوج الأعضاء، وكان أبوه غريبا ساكن قم، فكنّاه أبا بكر. فلمّا رآه الوالي غضب وشتمهم وقال: إنّكم إنّما كنيتموه بأبي بكر لأنّه أسمج خلق اللّه منظرا! وهذا دليل على بغضكم لصحابة رسول اللّه. فقال بعض الظرفاء منهم: أيّها الأمير، اصنع ما شئت فإن تربة قم وهواءها لا يأتي بصورة أبي بكر أحسن من هذا! فضحك الوالي وعفا عنهم. ولقاضيها قال الصاحب ابن عبّاد:
أيّها القاضي بقم … قد عزلناك فقم
وكان القاضي يقول: أنا معزول السجع!
كران
بلدة بأرض الترك من ناحية تبت؛ قال الحازمي: بها معدن الفضّة.
وبها عين ماء لا يغمس فيها شيء من الجواهر المنطبعة إلّا ذاب.
стр. 442
كرخ
قرية فوق بغداد على ميل منها. أهلها شيعة غالية ويهود. وبها دكاكين الكاغد والثياب الابريسمية.
ينسب إليها أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي. وكان من المشايخ الكبار مستجاب الدعوة، من موالي عليّ بن موسى الرضا. كان أستاذ السري السقطي، فقال له يوما: إذا كان لك إلى اللّه حاجة فأقسم عليه بي! وأهل بغداد يقولون:
قبر معروف ترياق مجرّب.
حكي أن زبيدة بنت جعفر عبرت على معروف مع مواليها وخدمها، فدعا عليها بعض الحاضرين، فقال له معروف: يا رجل كن عون رسول الرحمن، ولا تكن عون رسول الشيطان، إن رسول الرحمن يريد نجاة الخلق كلّهم.
قال اللّه تعالى: وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين. ورسول الشيطان يريد هلاك الخلق كلّهم. قال اللّه تعالى مخبرا عنه: بعزّتك لأغوينهم أجميعن! إن الذي أعطاهم الدنيا على هواهم قادر أن يعطيهم الآخرة على مناهم.
وحكى إبراهيم الأطروش انّه قال لمعروف: أبا محفوظ، بلغني أنّك تمشي على الماء! فقال: ما مشيت على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور يجمع لي طرفها.
وحكى خليل الصيّاد قال: غاب ابني إلى الأنبار فوجدت أمّه وجدا شديدا، فذكرت ذلك لمعروف فقال: ما تريد؟ قلت: أن تدعو اللّه ليردّه علينا. فقال: اللهمّ إن السماء سماؤك والأرض أرضك وما بينهما لك فأت به! قال خليل: أتيت باب الشام فإذا ابني قائم منبهر يقول: الساعة كنت بالأنبار.
وحكى محمّد بن صبيح انّه مرّ بمعروف رجل سقّاء ينادي: رحم اللّه من شرب! فشرب منه وكان صائما وقال: لعلّ اللّه أن يستجيب منه.
وحكى عبد اللّه بن سعيد الأنصاري أنّه رأى معروفا في النوم واقفا تحت العرش فيقول اللّه لملائكته: من هذا؟ فقالت الملائكة: أنت أعلم يا ربّنا،
стр. 443
هذا معروف الكرخي قد سكر من حبّك لا يفيق إلّا بلقائك!
وحكى أحمد بن أبي الفتح قال: رأيت بشرا الحافي في المنام قاعدا في بستان وبين يديه مائدة يأكل منها، فقلت: أبا نصر ما فعل اللّه بك؟ فقال: رحمي وغفر لي وأباحني الجنّة بأسرها وقال: كل من ثمرها، واشرب من أنهارها، وتمتّع بجميع ما فيها لما كنت تحرم نفسك شهوات الدنيا! قلت: أين أحمد بن حنبل؟ قال: قائم على باب الجنّة يشفع لأهل السنّة ممّن يقول القرآن كلام اللّه غير مخلوق! قلت: وما فعل معروف الكرخي؟ فحرّك رأسه وقال: هيهات! حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفا ما كان يعبد اللّه شوقا إلى جنّته ولا خوفا من ناره، وإنّما عبده شوقا إليه، فرفعه اللّه إلى الرفيع الأعلى، ووقعت الحجب بيننا وبينه، ذاك الترياق المقدس المجرّب، فمن كانت له إلى اللّه حاجة فليأت قبره وليدع، فإنّه يستجاب له.
وحكي انّه قال: إذا متّ تصدّقوا بقميصي فإني أحبّ أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها. توفي سنة إحدى ومائتين.
كركان
قرية كانت بقرب قرميسين؛ قال ابن الفقيه: كانت قرية كثيرة العقارب، وكان يقوم بها سوق في كلّ سنة يتأذّى بها خلق كثير من لدغ العقارب، فأمر بعض الأكاسرة بليناس الحكيم أن يدفع عنها العقارب بطلسم، ففعل ذلك فلم يوجد بعد ذلك بها شيء من العقارب أصلا. ومن أخذ من ترابها وطيّن به حيطان داره في أيّ بلد كان لم ير في داره عقرب، وإذا لدغت عقرب أحدا يؤخذ من تراب هذه القرية ويطرح في الماء ويشربه الملدوغ فيبرأ في الحال، ومن أخذ من هذا التراب شيئا وأخذ العقرب بيده لا تضرّه.
стр. 444
كسكر
ناحية بين واسط والبصرة على طرف البطيحة. وهي نيف وثلاثون فرسخا في مثلها. وهذه البطيحة كانت قرى ومزارع في زمن الأكاسرة. وكان لها بثق، ففي السنة التي قتل فيها كسرى اضطربت الأمور وتقاعدوا عن عمارة البثوق، وظهر الماء على تلك المواضع فصارت بطيحة، والآن منابت القصب ومصيد السمك وطير الماء، يتولّد فيها أشكال من الطيور غريبة وصور غريبة لم يعرفها أحد، ولا يراها الناس كما قال تعالى: ويخلق ما لا تعلمون. فأسفلها ميسان وأعلاها كسكر، وربّما فصل المركب في هذه البطيحة شهرا أو أكثر، وربّما يأخذه اللصوص.
ويجلب من كسكر الرزّ الجيّد والسمك الشبوط والجواميس والفراريج، والجدي والبطوط والبقر والصحناة والربيثي، فإن هذه الأشياء بكسكر فاقت أنواعها في غيرها.
كشم
قرية من رستاق بشت من أعمال نيسابور، كانت بها سروة من غرس كشتاسب الملك، لم ير مثلها في حسنها وطولها وعظمها، وكانت من مفاخر خراسان. جرى ذكرها عند المتوكّل فأحبّ أن يراها ولم يقدّر له المسير إلى خراسان، فكتب إلى طاهر بن عبد اللّه وأمره بقطعها، وحمل قطاع جذعها وأغصانها إليه على الجمال لتنصب بين يديه حتى يبصرها، فأنكر عليه ذلك وخوّف بالطيرة فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين، وحكي ان أهل الناحية اجتمعوا وتضرّعوا وقدّموا مالا على إعفائها، فلم ينفع فقطعت وعظمت المصيبة لمن حولها، وارتفع الصياح والبكاء عليها فلفّوها في اللباد وبعثوها إلى بغداد على الجمال، فقال عليّ بن جهم:
стр. 445
قالوا: سرى لسبيله المتوكّل … فالسّرو يجري والمنيّة تنزل
ما سربلت إلّا لأنّ إمامنا … بالسّيف من أولاده متسربل
فقتل المتوكّل على يد مماليكه قبل وصول السرو، والفأل على ما جرى.
كندر
قرية من قرى خراسان كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، ينسب إليها الوزير أبو نصر الكندري. كان وزيرا ذا رأي وعقل استوزره السلطان طغرلبك السلجوقي. ولمّا ملك الملوك السلجوقية خراسان وأخذوها من ملوك بني سبكتكين، لم يجسر أحد أن يدخل معهم خوفا من سلاطين بني سبكتكين. فابتدأ أبو نصر الكندري فاستوزره طغرلبك، وكان قد هجاه أبو الحسن الباخرزي بأبيات أوّلها:
أقبل من كندر مسخرة … للشّؤم في وجهه علامات
فطلب أبا الحسن وأحسن إليه وولّاه وقال: إني تفاءلت بشعرك، كان أوله أقبل. إلّا أنّه كان شيعيّا غاليا متعصّبا، وكان السلطان معتزليّا فأمر بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على المنبر، فشقّ ذلك على المسلمين، وفارق إمام الحرمين نيسابور وذهب إلى مكّة، وكذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري، ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم وأثار همّة صلحاء المسلمين. كانت أيّام طغرلبك أيّاما قلائل، مات وقام مقامه ابن أخيه ألب أرسلان بن داود.
واستوزره نظام الملك الحسن بن عليّ بن إسحاق، وقبض على الكندري وقتله سنة ستّ وخمسين وأربعمائة، وانقطع لعن المسلمين على رؤوس المنابر، وعاد أرباب الدين إلى أماكنهم وشكروا اللّه تعالى.
стр. 446
كنكور
بليدة بين همذان وقرميسين في فضاء واسع، طيّبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة كثيرة الخيرات والثمرات. ولذلك اتّخذها كسرى ابرويز مسكنا، وأمر أن يبنى له قصر لا يكون لأحد من الملوك مثله. فاتّخذ للقصر أساسا مائة ذراع في مائة ذراع في ارتفاع عشرين ذراعا، يراه الناظر كأنّه حجر واحد، لا يظهر فيه أثر الدرز، وبنى فيه ايوانات وجواسق وخزائن على أسطوانات حجريّة تحيّر الناظر في صنعته وحسن نقوشه.
قال صاحب عجائب الأخبار: إذا أردت أن ترى عجبا من العجائب فانظر إلى أسطوانات هذا القصر إلى رؤوسها وأسافلها، وتعجّب من تسخير الحجر الصلد لهؤلاء الصنّاع.
وحكي انّه لمّا حضر عند كسرى فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم أحضرهم في هذا القصر ليبصروا عجائبه وقوّة ملك بانيه، وصنعة صنّاعه وعجزهم عن بناء مثله.
وذكر أن المسلمين لمّا وصلوا إليها في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، سرقت دوابّهم في ذلك المكان فسمّوه قصر اللصوص. وحكي انّه لمّا قتل كسرى ابرويز بقي من هذا القصر بقيّة؛ قال الحاكي: نظرت إلى بعض أساطينها تحت أكثرها وهندم، وبقي أقلّها على حاله، فسألت عنها فذكروا انّه لمّا قتل ابرويز انصرف الصنّاع عنها وتركوها ثمّ طلبوهم لإتمامها، فما كانت تعمل آلتهم فيها، ولا اهتدت فكرتهم إليها، فعلموا أن تيسير ذلك كان بهمّة كسرى ابرويز.
стр. 447
كوثى
قرية بسواد العراق قديمة. ينسب إليها إبراهيم الخليل، ﵇، وبها كان مولده وطرح في النار بها، ولذلك قال أمير المؤمنين عليّ، ﵁:
من كان سائلا عن نسبنا فإنّا نبط من كوثى.
ومن الاتّفاقات العجيبة اتّفاق عامل كوثى. حكى بعض أهلها: انّه جاءنا عامل واشتدّ في المطالبات، وكان للعرب عندنا مزارعة، وكان العمّال الذين قبله يسامحونهم. فهذا العامل طالبهم وأهانهم بالضرب، فانصرفوا إلى بني أعمامهم شاكين، وتوافقوا على الكبس على العامل ليلا، فورد الناحية عامل آخر صارفا للأوّل وطالبا بالبقايا، فقبض عليه وقيّده وضربه بالخشب وحمله إلى قرية أخرى، ووكّل به عشرة من الغلمان. فلمّا أصبح المصروف دخل عليه غلامه وقال له:
أخرج رجلك حتى أكسر القيد! قال: أين الموكلون؟ قال: هربوا والعرب الذين أخذت منهم الخراج كبسوا البارحة دار العمالة، وقتلوا العامل على أنّه أنت، ولم يكن عندهم خبر صرفك. فقام الرجل وورد بغداد وذكر أن العامل الصارف أساء السيرة وأثار فتنة من العرب، فأقرّ على حاله في الناحية وضمّ إليه جيشا، فعاد إلى كوثى وأرعب العرب وأرهب، وصالح ما بينه وبينهم واستقام أمره.
لنبان
قرية من قرى أصفهان، ينسب إليها الأديب الفاضل البارع عبد العزيز الملقّب بالرفيع، له أشعار في غاية الحسن وديوان ورسائل. ورد جمال الدين الخجندي قزوين، وعقد مجلس الوعظ بالجامع، وذكر هذه الأبيات على المنبر، وذكر أنّها للرفيع:
بأبي أين أنت ألقاك؟ … طال شوقي إلى محيّاك!
стр. 448
ورد الورد يدّعي سفها … أنّ ريّاه مثل ريّاك!
ووقاح الأقاح يوهمنا … أنّه افترّ عن ثناياك!
ضحك الورد هاتها عجلا … قهوة مثل عبرة الباك
لست أدري لفرط خمرتها … أمحيّاك أم حميّاك؟
هام قلبي بهذه وبذاك … آه من هذه ومن ذاك!
فهذه الأبيات حفظها أهل قزوين، ويقولون هديّة جمال الدين الخجندي من أصفهان.
وحكي أن صدر الدين الخجندي عزل خازن دار كتبه، فأراد الرفيع اللّنباني أن يكون مكانه، فكتب إلى صدر الدين: سمع العبد أن خازن دار الكتب اختزل حتى اعتزل، وخان حتى هان، ولم يزالوا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، والعبد خير منه زكاة وأقرب رحما! وإن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنّا نراك من المحسنين.
وحكي أن الرفيع كان في خدمة الخجندية، فلمّا وقع الخلاف بين السلطان طغرل وأولاد أتابك محمّد كان صدر الدين الخجندي مع السلطان، فظفر أمير من أمراء أتابك محمّد بجمع من أصحاب صدر الدين الخجندي، وكانوا يمشون من أصفهان إلى بغداد، وعليهم الرفيع، فظفر بهم قيماز الأتابكي فنهبهم وقتل الرفيع، فلمّا عرف أنّه كان رجلا فاضلا من أهل العلم ندم، والرفيع كان قد نظم هذين البيتين:
جون كشته بينم دولت كرده فران … واز جان تهي اين قالب برورده بنان
بر بالينم نشين ومي كوي بران … اي من تو بكشته ونشيمان شده بان
فكان الفأل على ما جرى.
стр. 449
ليخواست
قرية من قرى نهاوند. كان بها صورة فرس من حشيش يراه الناس أخضر في الشتاء والصيف؛ قالوا: انّه كان طلسم الكلأ، وكانت أكثر بلاد اللّه كلأ وحشيشا.
ماذران
موضع بأرض قومس؛ قال مسعر بن مهلهل: بين سمنان والدامغان في بعض الجبال فلجة يخرج منها ريح شديدة في أوقات من السنة، فلا تصيب حيوانا إلّا أتلفته، ولو كان مشتملا بالوبر. وهذه الفلجة فرسخ واحد وفتحها نحو أربعمائة ذراع، ومقدار ما ينال أذاها فرسخان، لا تأتي على شيء إلّا جعلته كالرميم. يقال لهذه الفلجة وما يقرب منها ماذران؛ قال مسعر بن مهلهل:
كنت مجتازا بها في قفل فيه نحو مائتي إنسان ودواب، فهبّت علينا الريح فما سلم منهم غيري ورجل آخر. كانت تحتنا دابّتان جيّدتان، فوافتا بنا أزج صهريج كان في الطريق، فاستكنّا بالازج وسدرنا ثلاثة أيّام بلياليهن، ثمّ رجعنا إلى حالنا والدابتان نفقتا، ومنّ اللّه علينا بالنجاة.
ماذروستان
موضع على مرحلتين من حلوان، به إيوان عظيم وبين يديه دكّة عظيمة وأثر بستان يقولون إنّه بستان بهرام بن جور، زعموا أن الثلج يقع على نصفه الذي من ناحية الجبال، وأمّا النصف الذي يلي جانب العراق فلا يقع به الثلج أبدا، واللّه الموفق.
стр. 450
ماهاباذ
قرية كبيرة قرب قاشان. أهلها شيعة اماميّة، ينسب إليها الأستاذ الفاضل البارع الحسن بن عليّ بن أحمد، الملقّب بأفضل الماهاباذي. كان بالغا في علم الأدب عديم النظير في زمانه. وكان يقصده الناس من الأطراف للاشتغال.
وكان عنده حلقة من الأدباء، وكان مخصوصا بلطافة الطبع مع وفور الذكاء وحسن الشعر، ويوصي تلامذته بتحصيل العلم وتحقير المال. ومن شعره:
يا ساعيا وطلاب المال همّته، … إني أراك ضعيف العقل والدّين!
عليك بالعلم لا تطلب به بدلا … واعلم بأنّك فيه غير مغبون
العلم يجدي ويبقى للفتى أبدا … والمال يفنى وإن أجدى إلى حين!
هذاك عزّ وذا ذلّ لصاحبه! … ماذا من البعد بين العزّ والهون؟
ماوشان
كورة من كور همذان في واد بسفح جبل أروند مسيرة أيّام، كثيرة الأشجار والمياه والثمار، ذكرها عين القضاة أبو المعالي عبد اللّه بن محمّد، ﵀، في رسالته فقال: وكأني بالركب العراقي يوافون همذان، ويحطون رحالهم في محاني ماوشان، وقد اخضرّت منها التلاع والوهاد، وألبسها الربيع حبرة يحسدها عليها البلاد، وهي تفوح كالمسك أزهارها، ويجري بالماء الزلال أنهارها، فنزلوا منها في رياض مؤنقة، واستظلّوا بظلال أشجار مورقة، فجعلوا يكرّرون إنشاد هذا البيت، وهم يتنعمّون بنوح الحمام وتغريد الهزار:
حباك يا همذان الغيث من بلد … سقاك يا ماوشان القطر من وادي
ومن عادة أهل همذان الخروج إلى ماوشان في الصيف، وقت إدراك المشمش،
стр. 451
وأصحاب الأشجار لا يمنعون عنها أحدا، ويمكثون هناك أيّام المشمش للتفرّج والتنزّه ويأكلون من ثمارها، ويكسرون من أشجارها ولا يمنعهم مانع، فإذا انتهت أيّام المشمش رجعوا؛ وذكر أن صاحب ماوشان منع الناس عنها في بعض السنين، فلمّا كان من القابل لم تثمر أشجارها شيئا، فعادوا لإطلاق الناس فيها.
المدائن
كانت سبع مدن من بناء الأكاسرة على طرف دجلة، وقيل: إنّها من بناء كسرى الخير أنوشروان. سكنها هو وملوك بني ساسان بعده إلى زمن عمر بن الخطّاب، ﵁. وإنّما اختار هذا الموضع للطافة هوائه وطيب تربته وعذوبة مائه؛ قال حمزة: هذا الموضع سمته العرب مدائن لأنّها كانت سبع مدن، بين كلّ واحدة والأخرى مسافة، وآثارها إلى الآن باقية وهي: اسفابور، به اردشير، هنبو سابور، دوزبندان، به از انديو خسرو، نونياباذ، كردافاذ.
فلمّا ملك العرب ديار الفرس واختطّت الكوفة والبصرة انتقل الناس إليهما، ثمّ اختطّ الحجّاج واسطا وكانت دار الامارة فانتقل الناس إليها، فلمّا اختطّ المنصور بغداد انتقل أكثر الناس إليها. فأمّا في وقتنا هذا فالمسمّى بالمدائن بليدة شبيهة بقرية في الجانب الغربي من دجلة. أهلها فلّاحون شيعة إماميّة. ومن عادتهم أن نساءهم لا يخرجن نهارا أصلا.
وبها مشهد رفيع البناء لأحد العلويّين، وفي الجانب الشرقي منها مشهد سلمان الفارسي، ﵁، وله موسم في منتصف شعبان، ومشهد حذيفة ابن اليمان مشير رسول اللّه، ﷺ .
وكان للأكاسرة هناك قصر اسمه أبيض، كان باقيا إلى زمن المكتفي في حدود سنة تسعين ومائتين، فأمر بنقضه وبنائه التاج الذي بدار الخلافة ببغداد، وتركوا منه الإيوان المعروف بإيوان كسرى. ذكر أنّه من بناء أنوشروان كسرى
стр. 452
الخير، وانه تعاون على بنائه الملوك وهو من أعظم الأبنية وأعلاها، والآن قد بقي منه طاق الإيوان وجناحات وازجة قد بنيت بآجرّ طوال عراض.
وحكي أن أنوشروان لمّا أراد بناء هذا القصر أمر بشري ما حوله، وأرغب الناس في الثمن الوافر، ومن جملتهم عجوز لها بيت صغير قالت: لست أبيع جوار الملك بالدنيا كلّها! فاستحسن أنوشروان منها هذا القول وأمر بترك ذلك البيت على حاله، وإحكام عمارته، وبناء الإيوان محيطا به. وإني رأيت الإيوان، وفي جانب منه قبّة محكمة العمارة، يعرفها أهل الناحية بقبّة العجوز. وكان على الإيوان نقوش وصور بالتزاويق، وصورة مدينة أنطاكية وأنوشروان يحاصرها ويحارب أهلها راكبا على فرس أصفر، وعليه ثياب خضر وبين يديه صفوف الفرس والروم، وكانت هذه النقوش على الإيوان باقية إلى زمان أبي عبادة البحتري، فإنّه شاهدها وذكرها في قصيدته السينية:
حضرت رحلي الهموم فوجّه … ت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلّى عن الخطوب وآسى … لمحلّ من آل ساسان درس
حلل لم تكن كأطلال سعدى … في قفار من البسابس ملس
لو تراه علمت أنّ اللّيالي … جعلت فيه مأتما بعد عرس
فإذا ما رأيت صورة أنطا … كيّة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر … وان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس
في اخضرار من اللّباس على اص … فر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرّجال بين يديه … في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح … ومليح من السّنان بترس
تصف العين أنّهم جدّ أحياء … لهم بينهم إشارة خرس
وكأنّ الإيوان من عجب الصّن … عة جوب في جنب أرعن جلس
стр. 453
لم يعبه أن بزّ من بسط الدّيبا … ج واستلّ من ستور الدّمقس
مشمخرّ تعلو له شرفات … رفعت من رؤوس رضوى وقدس
وحكي أن غلمان الدار شكوا إلى أنوشروان وقالوا: إن العجوز تدخن في بيتها، ودخانها يفسد نقوش الإيوان! فقال: كلّما أفسدت أصلحوها ولا تمنعوها من التدخين!
وكان للعجوز بقرة تأتيها آخر النهار لتحلبها، فإذا وصلت إلى الإيوان طووا فرشه لتمشي البقرة إلى باب قبّة العجوز، فإذا فرغت من حلبها رجعت البقرة وسوّوا البساط. وكان هذا مذهبهم في العدل والرفق بالرعايا، ولولا مخالفة النبوة التي شرفها اللّه تعالى وشرف بها عباده، كانت معدلتهم تقتضي دوام دولتهم.
مرو الرّوذ
ناحية بين الغور وغزنة واسعة. ينسب إليها القاضي الإمام العالم الفاضل حسين المروروذي عديم النظير في العلم والورع:
عقرت حوامل أن يلدن نظيره … إنّ النّساء بمثله عقم
حكي أن رجلا جاء القاضي حسينا وقال له: إني حلفت بالطلاق ثلاثا ان ليس في هذا الزمان أعلم منك! فماذا تقول وقع طلاقي أم لا؟ فأطرق رأسه ساعة ثمّ رفع رأسه وبكى وقال: يا هذا لا يقع طلاقك، وإنّما ذلك لعدم الرجال لا لوفور علمي!
стр. 454
مرو
من أشهر مدن خراسان وأقدمها وأكثرها خيرا، وأحسنها منظرا وأطيبها مخبرا. بناها ذو القرنين، وقهندزها أقدم منها. قيل: إنّه من بناء طهمورث. وروى بريدة بن الحصيب أن رسول اللّه، ﷺ ، قال: يا بريدة إنّه ستبعث من بعدي بعوث، فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثمّ في بعث أرض يقال لها مرو، فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنّه بناها ذو القرنين وصلّى فيها عزيز، وأنهارها تجري بالبركة، على كلّ نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهله السوء إلى يوم القيامة. فقدمها بريدة غازيا وأقام بها إلى أن مات.
حكي أن قهندزها عمارة عظيمة، ولمّا أراد طهمورث الملك بناء قهندز مرو بني بألف رجل، وأقام لها سوقا فيه ما يحتاجون إليه، فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فيشتري به ما يحتاج إليه فتعود الدراهم إلى أصحاب الملك، حتى إذا تمّ لم يخرج على البناء إلّا ألف درهم.
وحكى أبو إسحاق الطالقاني قال: كنت على الزربق في مسجد العرب عند عبد اللّه بن المبارك، فانهار ركن من القهندز، فسقطت منها جماجم، فتناثرت من جمجمة أسنانها، فوزنت سنّان منها فكان في كلّ واحدة منهما منوان، فجعل عبد اللّه بن المبارك ينقلهما بيده ويتعجّب منهما ويقول: إذا كانت هذه سنّهم فكيف تكون بقيّة أعضائهم؟ وقال:
أتيت بسنّين قد قدما … من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا
على وزن منوين إحداهما … لقد كان يا صاح سنّا رزينا
ثلاثون أخرى على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم بأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا؟
إذا ما تذكّرت أجسامهم … تصاغرت النّفس حتى تهونا
стр. 455
فكلّ على ذاك لاقى الرّدى … فبادوا جميعا وهم خامدونا
وأمّا المدينة فطيّبة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. في أهلها من الرفق ولين الجانب وحسن المعاشرة. وكانت كرسي ملك بني سلجوق لهم بها آثار خيرات؛ حكى صاحب عجائب الأخبار انّه كان بمرو بيت كبير، ارتفاعه قدر قامة، وكان محمولا على صور أربع من الخشب في جوانبه الأربعة، وكانت الصور تمثال رجلين وامرأتين، فزعم قوم أن ذلك البيت بيت ملكهم، فنقضوه وانتفعوا بأخشابه، فأصاب مرو وقراها جوائح وآفات وقحط متواتر، فعلموا أن ذلك البيت كان طلسما لدفع الآفات. وليس لهذه المدينة عيب إلّا ما يعتري أهلها من العرق المديني، فإنّهم في شدّة عظيمة منه، قلّ ما ينجو منهم أحد في كلّ عام.
ينسب إليها عبد اللّه بن المبارك الإمام العالم العابد؛ حكي انّه كان بمرو قاض اسمه نوح بن مريم، وكان رئيسها أيضا، وكانت له بنت ذات جمال خطبها جماعة من الأعيان والأكابر، وكان له غلام هندي ينطر بستانه، فذهب القاضي يوما إلى البستان وطلب من غلامه شيئا من العنب، فأتى بعنب حامض فقال له:
هات عنبا حلوا! فأتى بحامض فقال له القاضي: ويحك! ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: بلى ولكنّك أمرتني بحفظها وما أمرتني بأكلها، ومن لم يأكل لم يعرف. فتعجّب القاضي من كلامه وقال: حفظ اللّه عليك أمانتك! وزوّج ابنته منه فولدت عبد اللّه بن المبارك المشهور بالعلم والورع. كان يحجّ في سنة ويغزو في أخرى.
وحكي انّه كان معاصرا لفضيل بن عياض، وفضيل قد جاور مكّة وواظب على العبادة بمكّة والمدينة، فقال عبد اللّه بن المبارك:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنّك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خدّه بدمائه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب
стр. 456
وغبار خيل اللّه … لّه في أنف امرئ
ودخان نار جهنّم لا يذهب
هذا كتاب اللّه يحكم بيننا … ليس الشّهيد كغيره، لا تكذبوا
حكي عنه قال: خرجت للغزوة، فلمّا تراءت الفتيان خرج من صفّ الترك فارس يدعو إلى البراز، فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة، قلت له: تنحّ عني حتى أصلّي ثمّ افرغ لك! فتنحّى فصلّيت ركعتين وذهبت إليه فقال لي:
تنحّ عني حتى أصلّي أنا أيضا! فتنحّيت عنه، فجعل يصلّي للشمس، فلمّا خرّ ساجدا هممت أن أغدر به فإذا قائل يقول: أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا. فتركت الغدر. فلمّا فرغ من صلاته قال لي: لم تحرّكت؟ قلت:
أردت أن أغدر بك! فقال: لم تركته؟ قلت: لأني أمرت بتركه. قال: الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان. وآمن والتحق بصفّ المسلمين.
وحكى الحسن بن الربيع انّه خرج ذات سنة مع جيوش المسلمين إلى الغزوة، فلمّا تقاتل الصفّان خرج من صفّ الكفّار فارس يطلب القرن، فذهب إليه فارس من المسلمين، فما أمهل المسلم حتى قتله! فخرج إليه آخر فما أمهله حتى قتله، ثمّ آخر فما أمهله، فأحجم الناس عن مبادرته ودخل المسلمين منه حزن.
فإذا فارس خرج إليه من صفّ المسلمين وجال معه زمانا ثمّ رماه وحز رأسه، فكبّر المسلمون وفرحوا ولم يكن يعرفه أحد، فعاد إلى مكانه ودخل في غمار الناس! قال الحسن: فبذلت جهدي حتى دنوت منه وحلفته أن يرفع لثامه، فإذا هو عبد اللّه بن المبارك، فقلت له: يا إمام المسلمين كيف أخفيت نفسك مع هذا الفتح الذي يسر اللّه على يدك؟ فقال: الذي فعلت له لا يخفى عليه.
وحكي أن عبد اللّه بن المبارك عاد من مرو إلى الشام لعلم رآه معه بمرو صاحبه بالشام. ورئي سفيان الثوري في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال:
رحمني! فقيل: ما حال عبد اللّه بن المبارك؟ قال: هو ممّن يدخل على ربّه كلّ يوم مرّتين. ولد سنة مائة وعشرين، وتوفي سنة مائة وإحدى وثمانين.
стр. 457
وينسب إليها أبو زيد المروزي، أستاذ أبي بكر القفّال المروزي، حجّ سنة فعادله أبو بكر البزّاز النيسابوري من نيسابور إلى مكّة. قال: ما علمت أن الملك كتب عليك خطيئة. قال أبو زيد: فلمّا فرغت من الحجّ وعزمت الرجوع إلى خراسان قلت في نفسي: متى تنقطع هذه المسافة وقد طعنت في السنّ، لا أحتمل مشقّتها! فرأيت النبيّ، ﷺ ، قاعدا في صحن المسجد الحرام، وعن يمينه شابّ، قلت: يا رسول اللّه عزمت على الرجوع إلى خراسان والمسافة بعيدة. فالتفت النبيّ، ﵇، إلى الشاب الذي بجنبه وقال: يا روح اللّه تصحبه إلى وطنه؛ قال أبو زيد: فأريت انّه جبريل فانصرفت إلى مرو، ولم أحسّ بشيء من مشقّة السفر.
وينسب إليها أبو بكر عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه القفّال المروزي. كان وحيد زمانه فقها وعلما. رحل إليه الناس وصنّف كتبا كثيرة، وانتشر علمه في الآفاق. حكي أن القفّال الشاشي صنع قفلا وفراشة ومفتاحا وزنها دانق، فأعجب الناس ذلك وسار ذكره في البلاد، فسمع به القفّال المروزي فصنع قفلا وزنه طسوج، فاستحسنه الناس ولكن ما شاع ذكره، فقال ذات يوم: كلّ شيء يحتاج إلى الحظّ! قفل الشاشي طنّت به البلاد، وقفلي بقدر ربعه ما يذكره أحد! فقال له صديق له: إنّما الشاشي شاع بعلمه لا بقفله. فعند ذلك رغب في العلم، وهو ابن أربعين سنة، فجدّ في طلب العلم حتى وصل إلى ما وصل وعاش تسعين سنة: أربعين سنة قفّالا وخمسين سنة عالما ومتعلّما. ومات سنة سبع عشرة وأربعمائة. وينسب إليها أبو الحرث سريج المروزي. كان شيخا صالحا صدوقا.
جاء له ولد فذهب إلى بقّال بثلاثة دراهم: يريد بدرهم عسلا، وبدرهم سمنا، وبدرهم سويقا. فقال البقّال: ما عندي من ذلك شيء، لكن احصله لك في الغد.
فقال للبقّال: فتّش لعلّك تجد قليلا! قال: فمشيت فوجدت البراني والجرار مملوءة، فأعطيته منها شيئا كثيرا. فقال: أوليس قلت ما عندي شيء منها؟ قلت له: خذ واسكت. فقال: لا آخذ حتى تصدقني. فأخبره بالحال فقال:
стр. 458
لا تحدث به ما دمت حيّا.
وحكى أبو الحرث قال: رأيت في المنام كأنّ الناس وقوف بين يدي اللّه تعالى صفوفا، وأنا في الصفّ الأخير ونحن ننظر إلى ربّ العزّة فقال: أي شيء تريدون أصنع بكم؟ فسكت الناس. قال أبو الحرث: فقلت في نفسي: ويحهم! قد أعطاهم كلّ ذا من نفسه وهم سكوت! فجعلت أمشي حتى جزت الصفوف إلى الأوّل فقال لي: أيّ شيء تريد؟ فقلت: يا رحمن إن أردت أن تعذّبنا فلم خلقتنا؟ فقال: خلقتكم ولا أعذبكم أبدا. ثمّ غاب في السماء.
المشان
بليدة قريبة من البصرة كثيرة التمر والفواكه. وجرى المثل فيها بعلّة الورشان تأكل رطب المشان، قيل: ان بعض الملوك مرض فأمره الأطباء بلحم الورشان، فأمر أن لا يمنع من يطلب له الوراشين في البساتين من النخيل، وكان طالب الوراشين يمدّ يده إلى الأعذاق، فقالوا: بعلّة الورشان تأكل رطب المشان، وهي وخمة جدّا، وممّا يحكي العوامّ: قيل للملك الموت أين نجدك؟ قال: عند قنطرة حلوان. قيل: فإن لم نجدك؟ قال: لا أبرح عن مشرعة المشان.
وإذا سخط ببغداد على أحد من أهل الفساد ينفى إلى المشان، ليتأدب بالغربة ووخامة الهواء وملوحة الماء وكثرة المرض.
وينسب إليها أبو محمّد القاسم بن عليّ الحريري صاحب المقامات الحريريّة التي هي من الأعاجيب. ومن عجيب ما حكي عنه انّه كان مشغوفا بنتف اللحية، وهو مرض من غلبة السوداء، فوكل به شخص يمنعه من ذلك. فلمّا عرض المقامات على الوزير، وأعجب الوزير صنعته، سأله عن حاجته فقال:
ملّكني لحيتي!
стр. 459
المطيرة
من قرى سامرّا أشبه أرض اللّه بالجنان من لطافة الهواء وعذوبة الماء وطيب التربة وكثرة الرياحين. وهي من متنزهات بغداد يأتيها أهل الخلاعة. وصفها بعض الشعراء فقال:
سقيا ورعيا للمطيرة موضعا! … أنوارها الخيريّ والمنشور
فيها البهار معانقا لبنفسج … فكأنّ ذلك زائر ومزور
وكأنّ نرجسه عيون كحلها … بالزّعفران، جفونها الكافور
تحيا النّفوس بطيبها فكأنّها … وصل الحبيب يناله المهجور
الموصل
المدينة العظيمة المشهورة التي هي إحدى قواعد بلاد الإسلام، رفيعة البناء ووسيعة الرقعة محطّ رحال الركبان. استحدثها راوند بن بيوراسف الازدهاق على طرف دجلة بالجانب الغربي. والآن لها سور وفصيل وخندق عميق وقهندز، وحواليها بساتين. وهواؤها طيّب في الربيع، أمّا في الصيف فأشبه شيء بالجحيم! فإن المدينة حجريّة جصّية تؤثر فيها حرارة الصيف، تبقى كالشاخورة، وخريفها كثير الحمّى تكون سنة سليمة والأخرى موبئة، يموت فيها ما شاء اللّه. وشتاؤها كالزمهرير.
بها أبنية حسنة وقصور طيّبة على طرف دجلة. وفي نفس المدينة مشهد جرجيس النبيّ، ﵇. وفي الجانب الشرقي منها تلّ التوبة، وهو التلّ الذي اجتمع عليه قوم يونس لمّا عاينوا العذاب، وتابوا وآمنوا فكشف اللّه تعالى عنهم العذاب. وعلى التلّ مشهد مقصود يقصده الناس كلّ ليلة جمعة وينذر له النذور.
وبها بساتين نزهة. وفيها جواسق في غاية الحسن والطيب. وأهل الموصل
стр. 460
انتفعوا بدجلة انتفاعا كثيرا مثل شقّ القناة منها، ونصب النواعير على الماء يديرها الماء بنفسه، ونصب العربات وهي الطواحين التي يديرها الماء في وسط دجلة في سفينة، وتنقل من موضع إلى موضع، وفي الجانب الشرقي عند انتقاص الماء يبقى على طرف دجلة ضحضاح على أرض ذات حصباء. يتّخذ الناس عليها سررا وقبابا من القصب في وسط الماء، يسمّونها السواريق ويبيتون فيها ليالي الصيف. يكون هواؤها في غاية الطيب، وإذا نقص الماء وظهرت الأرض زرعوا بها القثاء والخيار، فتكون حول القباب مقثاة ويبقى ذلك إلى أوّل الشتاء.
وأهلها أهل الخير والمروءة والطباع اللطيفة في المعاشرة والظرافة، والتدقيق في الصناعات، وما فيهم إلّا من يحبّ المختطين؛ قال الشاعر:
كتب العذار على صحيفة خدّه … سطرا يلوح لناظر المتأمّل
بالغت في استخراجه فوجدته … لا رأي إلّا رأي أهل الموصل
ينسب إليها جمال الدين الموصلي. كان من كرام الدنيا، أصله من أصفهان.
توزّر من صاحب الموصل، وكان يعطي أكثر من عبر الموصل، فعرف الناس أن عنده علم الكيمياء، وكلّ من سأله أعطاه. وحكي أنّ رجلا صوفيّا قال له:
أنت الجمال الموصلي؟ قال: نعم. قال: أعطني شيئا! قال له: سل ما شئت.
فنزع طرطوره وقال: املأ هذا دراهم! فقال: اتركه عندي وارجع غدا خذه! فتركه عنده، فلمّا عاد أعطاه إيّاه مملوءا من الدراهم، فأخذه وخرج ثمّ عاد وقال:
ما لي إلى هذا حاجة، وإنّما أردت أن أجرّبك هل أنت أهل لهذه الصنعة أم لا، فعرفت أنّك أهل، وأنت ما تعرف إلّا عمل الفضّة، أريد أن أعلّمك عمل الذهب أيضا. فعلّمه وذهب.
وحكي انّه استأذن من الخليفة أن يلبس الكعبة في بعض السنين، فأذن له فأخذ للكعبة لباسا أخضر، ونثر على الكعبة مالا كثيرا، وأعطى أهل مكّة وضعفاء الحاجّ أموالا وسار ذكره في الآفاق.
следующие страницы →