Полный текст (619 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وبها جبل زنجقان، وهو جبل بقرب مراغة به عين ماء عذب، يعجن به الدقيق فيربو كثيرا، ويحسن خبزه والخبّازون يخمّرون أدقّتهم به، ويصير هذا الماء حجرا ينعقد منه صخور ضخام يستعملها الناس في أبنيتهم.
ومن مفاخرها القاضي صدر الدين المعروف بالجود والكرم، وفنون الخيرات وصنوف المبرّات، من خيراته سور مدينة قزوين الذي عجز عن مثله أعظم ملوك زماننا، فإنّه بنى أبواب المدينة بالآجرّ في غاية العلوّ، وبقيّة السور بالطين، وشرفاتها بالآجرّ، والمدينة في غاية السعة.
وحكي أنّه أراد أن يتّخذ لنفسه قبرا بقرب حجرة رسول اللّه، ﷺ ، فبعث إلى أمير المدينة وأعلمه ذلك، فشرط أن يبعث إليه ملء جراب ذهبا. فقال القاضي: ابعث إليّ الجراب حتى أملأه ذهبا! فلمّا رأى أمير المدينة كبر همّته وسماحة نفسه بعث إليه اذن عناق، ومكنه من ذلك. فلمّا توفي دفن في المدينة، وموضع رأسه قريب من قدم رسول اللّه، ﷺ .
وحكى الشيخ نور الدين محمّد بن خالد الجيلي، وكان من الابدال، في كتاب صنّفه في كراماته وعجائب حالاته قال: رأيت فوجا من الملائكة لا يدرك عددهم ومعهم تحف وهدايا، فسألت: إلى من هذه الهدايا؟ قالوا: إلى قاضي مراغة. قلت: ما هو إلّا عبد مكرم! قالوا: ان هذه له لكرامته رسول اللّه، ﷺ .
مربيطر
مدينة بالأندلس بقرب بلنسية، قال صاحب معجم البلدان: إن فيها الملعب ذا العجائب، لست أعرف كيف يكون ذلك، وذاك أن الإنسان إذا نزل فيه صعد، وإذا صعد عليه نزل، إن صحّ ذلك فإنّه ذو العجائب جدّا.
стр. 562
المستطيلة
قال أبو القاسم الجهاني: إنّها بلاد بأرض الروم على ساحل البحر. المطر بها دائم صيفا وشتاء بحيث أهلها لا يقدرون على دياس بيادرهم، وإنّما يجمعونها في السنابل ويفركونها في بيوتهم. بها بزاة كثيرة عدد الغربان عند غيرهم، لكنها ضعيفة رخوة لا تقدر على أخذ الدجاج وأمثالها.
المصّيصة
مدينة بأرض الروم على ساحل جيحان. كانت من ثغور الإسلام، وهي الآن بيد أولاد ليون، سمّيت بالمصّيصة بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح، ﵇؛ قال المهلبي: من خاصيّة هذه المدينة الفراء المصيصية التي لا يتولّد فيها القمل، وإذا غسلتها لم تتغيّر عن حالها وتحمل إلى سائر البلدان، وربّما بلغت قيمة الفروة منها ثلاثين دينارا.
ملطية
مدينة بأرض الروم مشهورة. بها جبل فيه عين؛ حدّثني بعض التجار أن هذه العين يخرج منها ماء عذب ضارب إلى البياض، يشربه الإنسان لا يضرّه شيئا، فإذا جرى مسافة يسيرة يصير حجرا صلدا.
موغان
ولاية واسعة بها قرى ومروج بآذربيجان، على يمين القاصد من أردبيل إلى تبريز، وهي جروم وآذربيجان كلّها صرود كانت منازل التركمان لسعة رفغها وكثرة عشبها، والآن اتّخذها التتر مشتاة وجلا عنها تركمانها؛ قال أبو حامد الأندلسي: رأيت بها قلعة عظيمة لها رساتيق كثيرة، وقد هرب عنها أهلها
стр. 563
لكثرة ما بها من الثعابين والحيّات، وقال: رأيت عند اجتيازي بها شجاعا عظيما ففزعت منه.
ميّافارقين
مدينة مشهورة بديار بكر، كانت بها بيعة من عهد المسيح، ﵇، وبقي حائطها إلى وقتنا هذا. حكي أن ولاية هذه البلاد كانت لرجل حكيم اسمه مرّوثا من قبل قسطنطين الملك صاحب رومية الكبرى، فمرضت لشابور ذي الأكتاف بنت، وعجز أطباء الفرس عن علاجها، فأشار بعض أصحابه باستدعاء مرّوثا لعلاجها. فبعث إلى قسطنطين يسأله فبعثه إليه فعالجها مرّوثا، ففرح بذلك شابور وقال له: سل حاجتك! فسأل مرّوثا الهدّنة بينه وبين قسطنطين، فأجابه إلى ذلك، وكان يجري بينهما محاربات شديدة، ولمّا أراد الانصراف قال له شابور: سل حاجة أخرى! فقال: إنّك قتلت خلقا كثيرا من النصارى، فأسألك أن تأمر بجمع عظامهم لي! فأمر له بذلك، فجمعوا من عظام النصارى شيئا كثيرا، فأخذها معه إلى بلاده وأخبر قسطنطين بالهدنة وجمع العظام، فسرّ بذلك وقال له: سل حاجتك! فقال: أريد أن يساعدني الملك على بناء موضع في بلادي. فكتب قسطنطين إلى كلّ من يجاوره المساعدة بالمال والرجال، فعاد إلى مكانه وبنى مدينة عظيمة، وجعل في وسط حائط سورها عظام شهداء النصارى التي جمعها من بلاد الفرس، وسمّى المدينة مدور صالا، معناه مدينة الشهداء، واختار لبنائها وقتا صالحا لا تؤخذ عنوة، وجعل لها ثمانية أبواب:
منها باب يسمّى باب الشهوة، له خاصيّة في هيجان الشهوة أو إزالتها، لم يتحقّق عند الناقل ولا ان هذه الخاصية للدخول أو الخروج. وباب آخر يسمّى باب الفرح والغم بصورتين منقوشتين على الحجر. أمّا صورة الفرح فرجل يلعب بيده، وأمّا صورة الغم فرجل قائم على رأسه صخرة فلا يرى بميّافارقين مغموم إلّا نادرا.
وفي برج يعرف ببرج عليّ بن وهب في الركن الغربي القبلي في أعلاه صليب منقور
стр. 564
كبير، يقال إنّه يقابل البيت المقدس، وعلى بيعة قمامة بالبيت المقدس صليب مثله، قيل إن صانعهما واحد، وبنى بيعة في وسط البلد على اسم بطرس وبولس، وهي باقية إلى زماننا في المحلّة المعروفة بزقاق اليهود، فيها جرن من رخام أسود فيه منطقة الزجاج، فيها دم يوشع بن نون، ﵇، وهو شفاء من كلّ داء، وإذا طلي به البرص أزاله، قيل: ان مرّوثا جاء به من رومية الكبرى، أعطاه إيّاه قسطنطين عند عوده.
هرقلة
مدينة عظيمة بالروم، كرسي ملك القياصرة، بناها هرقل أحد القياصرة.
غزاها الرشيد سنة إحدى وتسعين ومائة. نزل عليها يحاصرها، فإذا رجل خرج من أهلها شاكي السلاح ونادى: يا معشر العرب، ليخرج منكم العشرة والعشرون مبارزة! فلم يخرج إليه أحد لأنّهم انتظروا إذن الرشيد، وكان الرشيد نائما، فعاد الرومي إلى حصنه، فلمّا أخبر الرشيد بذلك تأسّف ولام خدمه على تركهم إيقاظه.
فلمّا كان الغد خرج الفارس وأعاد القول فقال الرشيد: من له؟ فابتدر جلّة القوّاد، وكان عند الرشيد مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، قالا: يا أمير المؤمنين إن قوادك مشهورون بالبأس والنجدة، ومن قتل منهم هذا العلج لم يكن فعلا كبيرا، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر كبيرة، فإن رأى الأمير أن يأذن لنا حتى نختار له رجلا فعل. فاستصوب الرشيد ذلك، فأشاروا إلى رجل يعرف بابن الجزري، وكان من المتطوّعة، معروف بالتجارب مشهور في الثغور بالنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج إليه؟ فقال: نعم، وأستعين باللّه عليه.
فأدناه الرشيد وودّعه واتبعه وخرج معه عشرون من المتطوّعة. فقال لهم العلج وهو يعدّهم واحدا واحدا: كان الشرط عشرين وقد ازددتم رجلا، ولكن لا بأس! فنادوه: ليس يخرج إليك إلّا واحد. فلمّا فصل منهم ابن الجزري
стр. 565
تأمّله العلج وقال له: أتصدقني فيما أسألك؟ قال: نعم. قال: باللّه أنت ابن الجزري؟ قال: نعم. فقال: ملأ كفؤ! ثمّ أخذا في شأنهما حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرسان ينفقان تحتهما، وزجّا برمحيهما وانتضيا بسيفيهما، وقد اشتدّ الحرّ، فلمّا أيس كلّ واحد منهما عن الظفر بصاحبه ولّى ابن الجزري، فدخل المسلمين كآبة وغطغط الكفّار، فاتبعه العلج فتمكّن ابن الجزري منه، فرماه بوهق واستلبه عن ظهر فرسه ثمّ عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون تكبيرا وانخذل المشركون وبادروا إلى الحصن، وأغلقوا الأبواب، فصبّت الأموال على ابن الجزري فلم يقبل منها شيئا، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه. وأقام الرشيد عليها حتى استخلصها وسبى أهلها وخربها، وبعث فيسقوس الجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن كلّ واحد من البطارقة دينارين.
هزار أسب
مدينة كبيرة وقلعة حصينة بأرض خوارزم. الماء محيط بها وهي كالجزيرة ليس إليها إلّا طريق واحد.
تنسب إليها رحمة بنت إبراهيم الهزار اسبية المشهورة بأنّها ما تناولت ثلاثين سنة طعاما. وحكى أبو العباس عيسى المروزي أنّها إذا شمّت رائحة الطعام تأذّت، وذكرت أن بطنها لا صق بظهرها، فأخذت كيسا فيه حبّ القطن، وشدّته على بطنها لئلّا يقصف ظهرها. وبقيت إلى سنة ثمان وستين ومائتين.
وادي الحجارة
ناحية بقرب طليطلة؛ قال العذري: لا يدخلها أحد من غير أهلها بصبي ابنا له ويعيش فيها، هذا قول العذري. وجاز أن يكون مراده أن الصبي لا يعيش وجاز أن يكون مراده أن الأب لا يعيش، واللّه أعلم بصحة ذلك.
стр. 566
وشلة
قرية بآذربيجان من قرى خويّ. بها عين من شرب من مائها يسهل في الحال جميع ما في بطنه، حتى لو تناول شيئا من الحبوب وشرب من ذلك الماء عليه يخرج في الحال.
والوطة
مدينة بجزيرة ميورقة، كبيرة حصينة طيبة الأرض، رخيصة الأسعار.
بها مياه غزيرة وأشجار كثيرة؛ قال العذري: بها أرحية عجيبة وذاك أن المياه إذا قلّت لا تدير الرحا، فعمدوا إلى عود غلظ دورته نحو عشرة أشبار، وطوله سبعة أذرع، وشقّوه بنصفين ويحفرون وسط الشقّين إلّا نصف ذراع من آخره، ويضمّون أحدهما إلى الآخر، ويفتحون في آخره كوّة مقدار حافر حمار ثمّ ينصبونه على الساقية، ويقومونه على الدولاب، فيخرج الماء من الثقبة التي في العود بالقوّة، ويضرب أمشاط الدولاب ويدوّر الرحا.
وبقرب والوطة فتق كأنّه بئر ينزل الناس فيه بالمصابيح إلى أسفله، فيجدون فيه ساقية ماء وبعدها ظلمة تأخذ بالنفس ولا يبقى فيها المصباح، وإذا ألقي في تلك الساقية شيء يخرج إلى البحر ويوجد فيه.
ياسي جمن
موضع بين خلاط وارزن الروم. به عين يفور منها الماء فورانا شديدا، يسمع صوته من بعيد، وإذا دنا منه شيء من الحيوان يموت في الحال، فيرى حولها من الطيور والوحوش الموتى ما شاء اللّه. وقد وكلوا بها من يمنع الغريب من الدنوّ منها.
стр. 567
يونان
موضع كان بأرض الروم. به مدن وقرى كثيرة، وإنّها منشأ الحكماء اليونانيّين، والآن استولى عليها الماء. من عجائبها أن من حفظ شيئا في تلك الأرض لا ينساه أو يبقى معه زمانا طويلا. وحكى التجار أنّهم إذا ركبوا البحر ووصلوا إلى ذلك الموضع يذكرون ما غاب عنهم. ولهذا نشأ بهذه الأرض الحكماء الفضلاء الذين لم يوجد أمتالهم في أرض أخرى إلّا نادرا.
ينسب إليها سقراط أستاذ أفلاطون، وكان حكيما زاهدا في الدنيا ونعيمها راغبا في الآخرة وسعادتها. دعا الناس إلى ذلك فأجابه جمع من أولاد الملوك وأكابر الناس، فاجتمعوا عليه يأخذون منه غرائب حكمته ونوادر كلامه. فحسده جمع فاتّهموه بمحبّة الصبيان، وذكروا أنّه يتهاون بعبادة الأصنام، ويدعو الناس إلى ذلك، وسعوا به إلى الملك وشهد عليه جمع بالزور عند قاضيهم، وحكم قاضيهم عليه بالقتل فحبس، وعنده في الحبس سبعون فيلسوفا من موافق ومخالف يناظرونه في بقاء النفس بعد مفارقة البدن، فصحّح رأيه في بقاء النفس. فقالوا له: هل لك أن نخلّصك عن القتل بفداء أو هرب؟ فقال: أخاف أن يقال لي لم هربت من حكمنا يا سقراط؟ فقالوا: تقول لأني كنت مظلوما! فقال:
أرأيتم أن يقال إن ظلّمك القاضي والعدول فكان من الواجب أن تظلمنا وتفرّ من حكمنا، فماذا يكون جوابي؟ وذاك أن القوم كان في شريعتهم أنّه إذا حكم عدلان على واحد يجب عليه الانقياد وان كان مظلوما، فلذلك انقاد سقراط للقتل، فازمعوا على قتله بالسمّ. فلمّا تناول السمّ ليشربه بكى من حوله من الحكماء حزنا على مفارقته. قال: إني وإن كنت أفارقكم إخوانا فضلاء فها أنا ذاهب إلى إخوان كرم حكماء فضلاء! وشرب السمّ وقضى نحبه.
وينسب إليها أفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، فكان حكيما زاهدا في الدنيا ويقول بالتناسخ. فوقع في زمانه وباء أهلك من الناس خلقا كثيرا، فتضرّعوا إلى
стр. 568
اللّه تعالى من كثرة الموت وسألوا نبيّهم، وكان من أنبياء بني إسرائيل، عن سبب ذلك، فأوحى اللّه تعالى إليه أنّهم متى ضعّفوا مذبحا لهم على شكل المكعب ارتفع عنهم الوباء، فأظهروا مذبحا آخر بجنبه وأضافوه إلى المذبح الأوّل فزاد الوباء.
فعادوا إلى النبيّ، ﵇، فأوحى اللّه تعالى إليه أنّهم ما ضعّفوا بل قرنوا به مثله، وليس هذا تضعيف المكعب. فاستعانوا بأفلاطون فقال: إنّكم كنتم تردّون الحكمة وتمتنعون عن الحكمة والهندسة فأبلاكم اللّه تعالى بالوباء عقوبة، لتعلموا أن العلوم الحكمية والهندسيّة عند اللّه بمكانة. ثمّ لقن أصحابه انّكم متى أمكنكم استخراج خطّين من خطّين على نسبة متوالية توصّلتم إلى تضعيف المذبح، فإنّه لا حيلة فيه دون استخراج ذلك، فتعلّموا استخراج ذلك فارتفع الوباء عنهم.
فلمّا تبيّن للناس من أمر الحكمة هذه الأعجوبة تلمذ لأفلاطون خلق كثير، منهم أرسطاطاليس، واستخلفه على كرسي الحكمة بعده، وكان أفلاطون تاركا للدنيا لا يحتمل منه أحد ولا يعلم الحكمة إلّا من كان ذا فطانة ونفس خيّرة، والتلميذ يأخذ منه الحكمة قائما لاحترام الحكمة.
وحكي أن الإسكندر ذهب إليه وكان أفلاطون أستاذ أستاذه، فوقف إليه وهو في مشرقة قد أسند ظهره إلى جدار يأوي إليه، فقال له الإسكندر: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي أن تزيل عني ظلّك فقد منعتني الوقوف في الشمس! فدعا له بذهب وكسوة فاخرة من الديباج والقصب، فقال: ليس بأفلاطون حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبات ولعاب الدود، وإنّما حاجته إلى شيء يكون معه أينما توجّه.
وينسب إليها أرسطاطاليس، ويقال له المعلّم الأوّل، لأنّه نقّح علم الحكمة وأسقط سخيفها وقرّر إثبات المدّعى وطريق التوجيه، وكانوا قبله يأخذون الحكمة تقليدا. ووضع علم المنطق وخالف أستاذه أفلاطون وأبطل التناسخ، قيل له: كيف خالفت الأستاذ؟ فقال: الأستاذ صديقي والحقّ أيضا صديقي،
стр. 569
لكن الحقّ أحبّ إليّ من الأستاذ.
وكان أستاذ الإسكندر ووزيره فأخذ الإسكندر برأيه الأرض كلّها. حكي أن أرسطاطاليس سئل: لم حركة الإقبال بطيئة وحركة الإدبار سريعة؟ فقال:
لأن المقبل مصعد، والصعود يكون من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف من علو إلى سفل.
وحكى الحكيم الفاضل أبو الفتح يحيى السهروردي الملقّب بشهاب الدين في بعض تصانيفه: بينا أنا بين النائم واليقظان رأيت في نور شعشعاني بمثل إنساني، فإذا هو المعلّم، فسألته عن فلان وفلان من الحكماء فأعرض عني، فسألته عن سهل بن عبد اللّه التستري وأمثاله فقال: أولئك هم الفلاسفة حقّا، نطقوا بما نطقنا فلهم زلفى وحسن مآب!
وحكي أن الإسكندر قال لأرسطاطاليس: قد ورد الخبر بفتح المدينة التي أنت منها فماذا ترى؟ قال أرسطاطاليس: أرى أن لا يبقى على واحد منهم كيلا يرجع أحد يخالفك! فقال الإسكندر: أمرت أن لا يؤذى أحد فيها احتراما لجانبك. فكلام الوزير عجب وكلام الملك أعجب منه.
وينسب إليها ديوجانس، وكان حكيما تاركا للدنيا، مفارقا لشهواتها ولذّاتها، مختارا للعزلة ولا يرضى باحتمال منه من أحد، حكي أنّه كان نائما في بستان في ظلّ شجرة، فدخل عليه بعض الملوك فركله برجله وقال له: قد ورد الخبر بفتح بلدتك! فقال: أيّها الملك فتح البلاد عادة الملوك، لكن الركل من طباع الدوابّ! وحكي أنّه رأى صيّادا يكلّم امرأة حسناء فقال له: أيّها الصيّاد، احذر أن تصاد! وحكي أنّه رأى امرأة حسناء خرجت للنظارة يوم عيد فقال:
هذه ما خرجت لترى إنّما خرجت لترى! وحكي انّه رأى رجلا مع ابنه، والابن شديد الشبه بأبيه، فقال للصبي: نعم الشاهد أنت لأمّك! وحكي انّه نظر إلى شابّ حسن الصورة قبيح السيرة فقال: بيت حسن فيه ساكن قبيح!
وينسب إليها بطليموس صاحب العلم المجسطي الذي عرف حركات الأفلاك
стр. 570
وسير الكواكب بالبراهين الهندسيّة، فذكر أن بعض الأفلاك يتحرّك من المغرب إلى المشرق، وبعضها من المشرق إلى المغرب، وبعضها سريع الحركة، وبعضها بطيء الحركة، وبعضها يدور رحوية، وبعضها يدور دولابية، وبعضها يدور حمائلية. وان حركات الكواكب تابعة لحركات أفلاكها، ومن الأفلاك بعضها محيطة بكرة الأرض وبعضها غير محيطة، وبعضها مركزها مركز الأرض وبعضها مركز خارج من مركز الأرض. وأقام على ذلك كلّه البراهين الهندسيّة ومسح الأفلاك برجا برجا، ودرجة درجة، وثانية ثانية حتى يقول: في يوم كذا وفي ساعة كذا يكون الكسوف أو الخسوف، ويقع كما قال. وأعجب من هذا أنّه يبيّن بالبراهين الهندسيّة أن ما بين السماء والأرض من المسافة كم يكون ميلا، وأن كلّ فلك من الأفلاك تحتها كم يكون ميلا، ودورتها كم تكون ميلا، وقطرها كم يكون ميلا. ومن أعجب الأشياء وضع الأصطرلاب والتقويم.
فسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم!
وينسب إليها بطلميوس صاحب الأحكام النجوميّة. يزعم أنّه حصل له بالتجربة مرّة بعد أخرى وقوع الحوادث بحركات الأفلاك وسير الكواكب، وليس على ذلك برهان كما في المجسطي، لكن هو يزعم غلبة الظن، وأنّه موقوف على مقدمات وشرائط كثيرة قلّما تحصل لأحد في زماننا. ومن أراد شيئا من ذلك فلينظر في أحكام جاماسب وزير كشتاسف، ملك الفرس، فإنّه كان قبل مبعث موسى، ﵇، وحكم بمبعث موسى وعيسى ونبيّنا، ﵇، وبإزالة الملّة المجوسيّة وخروج الترك، وأمثال ذلك من الحوادث الكثيرة.
وينسب إليها بليناس صاحب الطلسمات. وإنّها مأخوذة من أجرام سماوية وأجرام أرضيّة في أوقات مخصوصة، وكتابنا هذا كثير فيه من ذكر الطلسمات.
وينسب إليها فيثاغورس صاحب علم الموسيقى. زعموا أنّه وضع الألحان على أصوات حركات الفلك بذكائه وصفاء جوهر نفسه. استخرج أصول النغمات وهو أوّل من تكلّم في هذا العلم، وفائدته أن المريض الذي عدم نومه أو قراره
стр. 571
يلهى بهذه الأصوات، فربّما يأتيه النوم أو يخفّ عنه بعض ما به بسبب اشتغاله بسماع تلك الأصوات، وكذلك الحزين الذي يغلب عليه الحزن يشغل بشيء من هذه الألحان، فيخفّ عليه بعض ما به.
وينسب إليها اقليمون، وهو صاحب الفراسة، والفراسة هي الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفيّة، وإنّها كثيرة تظهر للإنسان على قدر ذكائه كما قال تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسّمين. فإنّك إذا رأيت إنسانا مصفرّ اللون ترى أنّه مريض، فإن لم تجد آثار المرض تعلم انّه خائف. وإذا رأيت رجلا كبير الرأس تعلم انّه بليد تشبيها بالحمار، وإذا رأيت رجلا عريض الصدر دقيق الخصر تعلم أنّه شجاع لأنّه شبيه بالأسد. ومن هذا الطريق وهذا علم منسوب إلى الحكيم اقليمون.
وينسب إليها أوقليدس واضع الأشكال الهندسيّة والبراهين اليقينيّة، والمقالات العجيبة والأشكال الموقوفة. بعضها على بعض على وجه لا يفهم الثاني ما لم يفهم الأوّل، ولا الثالث ما لم يفهم الثاني، وعلى هذا الترتيب فلا يستعدّ لهذا الفن من العلوم إلّا كلّ ذي فطانة وذكاء، فإنّه من العلوم الدقيقة.
وينسب إليها أرشميدس واضع علم أعداد الوفق على وجه عجيب، وهو أن يخرج شكلا جميع أضلاعه متساوية طولا وعرضا وأقطاره كذلك، ويكون جميع سطوره متساوية بالعدد. زعموا أن لهذه الأشكال خواص إذا ضربت في أوقات معيّنة. وأمّا شكل ثلاثة في ثلاثة فمجرب لسهولة الولادة، وهو أوّل الأشكال وآخرها ألف في ألف. قال أيضا مجرب لظفر العسكر إذا كان ذلك على رايتهم.
وينسب إليها بقراط صاحب الأقوال الكليّة في قوانين الطبّ، لأن تجربته دلّت على ذلك، والذي اختاره من القواعد في غاية الحسن قلّما ينتقض شيء منه.
وكان خبيرا بعلم الطب بكلياته وجزئياته.
وينسب إليها جالينوس صاحب علم الطب والمعالجات العجيبة بذكاء نفسه
стр. 572
وألقي إليه في نومه. حكي أنّه رأى طيرا سقط من الجوّ يضرب بجناحيه ثمّ أخذ شيئا من الماء في منقاره، وصبّ ذلك في منفذ ذرقه فانفصل منه ذرقه وطار، فوضع الحقنة على ذلك عندما يكون الاحتباس في الأمعاء. وحكي انّه كان على إصبعه جرح، بقي مدّة لم يقبل المعالجة، فرأى في نومه أن علاجه فصد عرق تحت كتفه من الجانب المخالف، ففعل ذلك فعوفي. وحكي أنّه قيل لجالينوس:
كيف خرجت على أقرانك بوفور العلم؟ فقال: لأن ما أنفق أولئك في الخمر أنا أنفقت في الزيت.
وحكي أنّه أصابه في آخر غمره إسهال شديد فقيل له: كيف عجزت عن حبس هذه وأنت أنت؟ فدعا بطشت ملأه ماء فرمى فيه دواء انعقد الماء فيه فقال: أقدر على حبس الماء في الطشت، وما أقدر على حبس بطني، لتعلموا أن العلم والتجربة لا ينفعان مع قضاء اللّه تعالى! قال الشاعر:
أرسطو مات مدفوقا ضئيلا … وأفلاطون مفلوجا ضعيفا
مضى بقراط مسلولا ضعيفا … وجالينوس مبطونا نحيفا
هؤلاء فضلاء الناس، ماتوا أسوأ ميتة، لتعلموا أنه هو القاهر فوق عباده.
واللّه الموفق.
стр. 573
الإقليم السادس
أوّله حيث يكون الظلّ نصف النهار عند الاستواء سبعة أقدام وستّة أعشار وسدس عشر قدم، ويفضل ظلّ آخره على أوّله بقدم واحد فقط. ويبتدئ من مساكن ترك المشرق من قانى وتون وخرخيز وكيماك والتغزغز وأرض التركمان وبلاد الخزر واللان والسرير، يمرّ على القسطنطينيّة والرومية الكبرى، وبلاد المان وافرنجة وشمال الأندلس، حتى ينتهي إلى بحر المغرب. وأطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم خمس عشرة ساعة ونصف، وآخره خمس عشرة ساعة ونصف وربع. وطوله في وسطه من المشرق إلى المغرب سبعة آلاف ميل ومائة وخمسة وسبعون ميلا، وثلاث وستّون دقيقة. وعرضه مائتا ميل وخمسة عشر ميلا وتسع وثلاثون دقيقة. وتكسيره ألف ألف ميل وستّة وأربعون ألف ميل وعشرون ميلا، وكذا دقائق، ولنذكر شيئا من أحوال المدن الواقعة فيه مرتبة على حروف المعجم. واللّه الموفق.
أبولدة
مدينة بأرض الفرنج عظيمة مبنية بالحجارة. لا يسكنها إلّا الرهبان ولا تدخلها امرأة لأنّه أوصى شهيدها بذلك، واسم شهيدها باج الب، زعموا أنّه كان أسقفا بافرنجة، فتشاجر أهلها وأتى هذا الموضع، وبنى هذه المدينة. وهي كنيسة عظيمة معتبرة عند النصارى؛ حكى الطرطوشي قال: ما رأيت في جميع بلاد النصارى أعظم منها ولا أكثر ذهبا وفضّة. وأكثر أوانيها كالمجامر والكؤوس والأباريق والقصاع من الذهب والفضّة.
стр. 574
وبها صنم من فضّة على صورة شهيدها، وجهه إلى المغرب، وبها صنم آخر من ذهب وزنه ثلاثمائة رطل، ملصق ظهره بلوح واسع عريض جدّا، قد كلّل بالياقوت والزمّرد، وهو مفتوح اليدين على شكل المصلوب، وهو صورة المسيح، ﵇. وبها من صلبان الذهب والفضّة وألواح الآثار كلّها من الذهب والفضّة قد كلّل بالياقوت.
اشت
مدينة بأرض الإفرنج، حكى العذري أن بهذه المدينة عادة عجيبة، وهي أن أهلها إذا اشتروا متاعا كتبوا ثمنه عليه وتركوه في دكانهم، فمن وافقه بذلك الثمن أخذه وترك ثمنه مكانه. ولحوانيتهم حرّاس، فمن ضاع منه شيء غرّموا الحارس قيمته.
أفرنجة
أرض واسعة في آخر غربي الإقليم السادس. ذكر المسعودي أن بها نحو مائة وخمسين مدينة. قاعدتها باريس. وإن طولها مسيرة شهر وعرضها أكثر، وإنّها غير خصبة لكونها رديئة المحرث قليلة الكرم معدومة الشجر. وأهلها الإفرنج وهم نصارى، أهل حرب في البرّ والبحر، ولهم صبر وشدّة في حروبهم لا يرون الفرار أصلا، لأن القتل عندهم أسهل من الهزيمة، ومعاشهم على التجارات والصناعات.
افش
مدينة في بلاد الإفرنج مبنية بالصخور المهندمة على طرف نهر يسمّى نهر افش. بها جمّة غزيرة الماء جدّا. عليها بيت واسع الفضاء يستحمّ فيه أهلها على بعد من الجمّة، خوفا من شدّة سخونة الماء الذي يفور من الجمّة.
стр. 575
انطرحت
مدينة بأرض الفرنج عظيمة واسعة الرقعة. أرضها سبخة لا يصلح فيها شيء من الزروع والغراس، ومعاشهم من المواشي ودرّها وأصوافها. وليس ببلادهم حطب يشعلونه بحاجاتهم، وإنّما عندهم طين يقوم مقام الحطب، وذاك أنّهم يعمدون في الصيف إذا خفّت المياه إلى مروجهم، ويقطعون فيها الطين بالفؤوس على شكل الطوب، فيقطع كلّ رجل منها مقدار حاجته ويبسطه في الشمس ينشف، فيكون خفيفا جدّا، فإذا عرض على النار يشتعل، وتأخذ فيه النار كما تأخذ في الحطب. وله نار عظيمة ذات وهج عظيم كنار كير الزجّاجين، وإذا احترقت قطاعة لا جمر لها بل لها رماد.
ايرلاندة
جزيرة في شمالي الإقليم السادس وغربيه؛ قال العذري: ليس للمجوس قاعدة إلّا هذه الجزيرة في جميع الدنيا، ودورها ألف ميل، وأهلها على رسم المجوس وزيّهم، يلبسون برانس قيمة الواحد منها مائة دينار. وأمّا أشرافهم فيلبسون برانس مكلّلة باللآلئ.
وحكي أن في سواحلها يصيدون فراخ الأبلينة، وهو نون عظيم جدّا، يصيدون أجراءها يتأدّمون بها. وذكروا ان هذه الأجراء تتولّد في شهر أيلول فتصاد في تشرين الأوّل والثاني وكانون الأوّل والثاني، في هذه الأشهر الأربعة، وبعد ذلك يصلب لحمها فلا يصلح للأكل.
أمّا كيفيّة صيدها فقد ذكر العذري أن الصيّادين يجتمعون في مراكب، ومعهم نشيل كبير من حديد ذو أضراس حداد، وفي النشيل حلقة عظيمة قويّة، وفي الحلقة حبل قويّ، فإذا ظفروا بالجرو صفّقوا بأيديهم وصوّتوا، فيتلهّى الجرو بالتصفيق ويقرب من المراكب مستأنسا بها، فينضمّ أحد الملّاحين إليها
стр. 576
ويحكّ جبهته حكّا شديدا، فيستلذّ الجرو بذلك، همّ يضع النشيل وسط رأسه ويأخذ مطرقة من حديد قويّة، ويضرب بها على النشيل بأتمّ قوّة ثلاث ضربات، فلا يحسّ بالضربة الأولى وبالثانية، والثالثة يضطرب اضطرابا شديدا، فربّما صادف بذنبه شيئا من المراكب فيعطبها، ولا يزال يضطرب حتى يأخذه اللغوب.
ثمّ يتعاون ركاب المراكب على جذبه حتى يصير إلى الساحل. وربّما أحسّت أمّ الجرو باضطرابه فتتبعهم، فيستعدّون بالثوم الكثير المدقوق ويخوّضون به الماء، فإذا شمّت رائحة الثوم استبعثتها ورجعت القهقرى إلى خلف، ثمّ يقطعون لحم الجرو ويملّحونه. ولحمه أبيض كالثلج وجلده أسود كالنقس.
باكويه
مدينة بنواحي دربند بقرب شروان. بها عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كلّ يوم ألف درهم، وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزئبق، لا تنقطع نهارا ولا ليلا، تبلغ قبالتها مثل الأولى.
من عجائبها ما ذكر أبو حامد الأندلسي أن بها أرضا ليس في ترابها حرارة كثيرة يجدها الإنسان، والناس يصيدون الغزلان وغيرها ويقطعون لحمها ويجعلونه في جلودها مع الملح وما شاؤوا من الأبازير، ويأخذون أنبوبة من القصب الغليظ النافذ، ويشدّون القصب على جلد الصيد ويدفنونه تحت ذلك التراب، ويتركون القصب خارجا فتخرج مائية اللحم كلّها من القصبة، فإذا نفدت المائية علموا أن اللحم قد نضج فيخرجونه وقد تهرّأ.
وحكى بعض التجّار انّه رأى بها نارا لا تزال تضطرم ولا تنطفئ لأن موضعها معدن الكبريت. وحكى أبو حامد الأندلسي أن بقرب باكويه جبلا أسود في سنامه شقّ طويل، يخرج منه الماء ويخرج مع ذلك الماء مثل صناج الدانق من النحاس وأكبر أو أصغر، يحملها الناس إلى الآفاق للتعجّب.
стр. 577
باني وأريشة
مدينتان بأرض الفرنج، سمّيتا باسم بانيهما: أمّا باني فاسم ملك تلك الناحية في قديم الدهر، وأريشة اسم زوجته. أمّا مدينة الباني فمدينة شريفة في وسطها سارية من رخام، وعلى تلك السارية صورة باني كأنّه ينظر إلى البحر إلى إقبال مراكبه من إفريقية. وعلى ميل من مدينة باني مدينة أريشة، وفي وسط المدينة سارية من رخام عليها صورة أريشة، صوّر جميعا من رخام تذكرة لهما، وسمّيت المدينتان باسميهما. واللّه الموفق.
برذيل
مدينة بناحية افرنجة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والحبوب. أكثر أهلها نصارى. بها بنيان منيفة على سوار عظيمة، وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر الجيّد. وحكي أنّهم إذا أصابهم كلب الشتاء وامتنع عليهم ركوب البحر، مشوا إلى جزيرة بقربهم يقال لها انواطى، بها نوع من الشجر يسمّى مادقة، فإذا أصابهم الجوع قشروا هذه الشجرة فوجدوا بين لحائها وخشبها شيئا أبيض فاقتاتوا بها الشهر والشهرين وأكثر حتى يطيب الهواء.
بها جبل مشرف عليها وعلى البحر المحيط وعليه صنم، وذلك كأنّه يخبر الناس بترك التعرّض لسلوك البحر المحيط، لئلّا يطمع أحد ممّن خرج من برذيل بركوب البحر الذي عنده طمع في سلوكه.
برطاس
ولاية واسعة بالخزر مفترشة على نهر أتل، أهلها مسلمون، لهم لغة مغايرة لجميع اللغات، أبنيئهم من الخشب يأوون إليها في الشتاء، وأمّا في الصيف فيفرشون في الخرقاهات.
стр. 578
بها نوع من الثعالب في غاية الحسن، كثير الوبر أحمر اللون، جلودها الفراء البرطاسيّة. والليل عندهم قليل في الصيف يكون مقدار ساعة، لأن السائر لا يتهيّأ له أن يسير فيه أكثر من فرسخ.
بلاد بجناك
هم قوم من الترك في الإقليم السادس في شماليه قرب الصقالبة. وهم قوم طوال اللحى أولو اسبلة طويلة. عندهم كثرة وقوّة ومنعة، لا يؤدّون الخراج إلى أحد أصلا، ويغير بعضهم على بعض كالسباع، ويفترشون نساءهم بمرأى الناس، لا يستقبحون ذلك كالبهائم، ومأكولهم الدخن. وبلادهم مسيرة اثني عشر يوما.
بلاد بجا
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة شهر، وهم مشركون يسجدون لملكهم ويؤدون الإتاوة إلى الطحطاح، ويعظّمون البقر ولا يأكلونها تعظيما لها. وبلادهم كثيرة العنب والتين والزعرور الأسود، وفيها ضرب من الشجر لا تأكله النار، ولهم أصنام من ذلك الخشب، يأخذ الطرقيون من النصارى ذلك الخشب، ويزعمون أنّه من الجذع الذي صلب عليه عيسى، ﵇.
بلاد بغراج
قوم من الترك لهم اسبلة بغير لحى، وبلادهم مسيرة شهر، لهم ملك عظيم الشأن يذكر أنّه علويّ من ولد يحيى بن زيد، وعندهم مصحف مذهب على ظهره أبيات في مرثية زيد، وهم يعبدون ذلك المصحف، وزيد عندهم ملك العرب، وعليّ بن أبي طالب إله العرب، ولا يملّكون أحدا إلّا من نسل ذلك العلوي. وإذا استقبلوا السماء فتحوا أفواهم وشخصوا أبصارهم ويقولون:
стр. 579
إن إله العرب ينزل منها ويصعد إليها. ومعجزة هؤلاء الملوك الذين هم من نسل زيد طول اللحية، وقيام الأنف، وسعة العين.
ولهؤلاء القوم عساكر فرسان ورجالهم كثيرة، وصنعتهم عمل السلاح، يعملون منه آلات حسنة جدّا. وغذاؤهم دخن ولحوم الضأن الذكر، وليس في بلادهم بقر ولا معز أصلا. ولباسهم اللبود لا يلبسون غيرها. ولهم عادة أن من اجتاز بهم يأخذون عشر ماله.
بلاد تاتار
هم جيل عظيم من الترك سكّان شرقي الإقليم السادس، أشبه شيء بالسباع في قساوة القلب وفظاظة الخلق وصلابة البدن، وغلظ الطبع وحبّهم الخصومات وسفك الدماء وتعذيب الحيوان، وخروجهم من معجزات رسول اللّه، ﷺ ، وهو ما رواه أبو بردة عن أبيه قال: كنت جالسا عند رسول اللّه، ﵇، فسمعته يقول: إن أمّتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجانّ المطرقة ثلاث مرّات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أمّا السابقة فينجو من هرب منهم، وأمّا الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأمّا الثالثة فيهلك كلّهم. قالوا: من هم يا رسول اللّه؟ قال: هم الترك، أما والذي نفسي بيده لتربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين!
وعنه، ﷺ : ان للّه جنودا بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممّن عصاه، فكم من حافيات حاسرات يسترحمن فلا يرحمن، فإذا رأيتم ذلك فاستعدّوا للقيامة، وأمّا الديانات فليسوا منها في شيء وليس عندهم حلّ ولا حرمة، يأكلون كلّ شيء وجدوه ويسجدون للشمس ويسمّونها إلها، ولهم لغة مخالفة لسائر الأتراك وقلم يكتبون به مخالف لسائر الأقلام.
حكت امرأة قالت: كنت في أسرهم مدّة، فاتّفق أن الرجل الذي سباني مرض فقال أقاربه فيما قالوا: لعلّ هذه المرأة أطعمته شيئا. فهمّوا بقتلي والمريض
стр. 580
كان يمنعهم من قتلي، فاجتمعوا يوما اجتماعا عظيما وأحضروا معزا أركبوني عليها، وجاءت امرأة ساحرة بمنجل في يدها تديره، وتقرأ شيئا والجمع قيام عندي بالسيوف المسلولة، فإذا المعز تحتي صاحت صيحة، فرجع القوم وخلّوا سبيلي وقالوا: ليس هذا كما ظننّا.
بلاد التغزغز
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة عشرين يوما، وليس لهم بيت عبادة.
يعظّمون الخيل ويحسنون القيام عليها، ويأكلون المذكى وغير المذكى، ويلبسون القطن واللبود، ولهم عيد عند ظهور قوس قزح. ولهم ملك عظيم الشأن له خيمة على أعلى قصره من ذهب، تتسع لألف إنسان ترى من خمسة فراسخ.
وبها حجر الدم، وهو حجر إذا علق على إنسان كصاحب الرعاف أو غيره ينقطع دمه.
بلاد جكل
هم قوم من الترك، مسيرة بلادهم أربعون يوما، وبلادهم آمنة ساكنة، وفيهم نصارى. وهم صباح الوجوه يتزوّج الرجل منهم بابنته وأخته وسائر محارمه، وليسوا مجوسا لكن هذا مذهبهم، ويعبدون سهيلا والجوزاء وبنات نعش، ويسمّون الشعرى اليمانية ربّ الأرباب. وعندهم دعة لا يرون الشرّ، وجميع قبائل الترك يطمع فيهم للينهم ودعتهم. ومأكولهم الشعير والجلبان ولحوم الغنم، وليس في بلادهم الإبل ولا البقر، ولباسهم الصوف والفراء لا يلبسون غيرها. وبها حجر الفادزهر، ولا ملك لهم، وبيوتهم من الخشب والعظام.
стр. 581
بلاد الختيان
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة عشرين يوما، وهم قوم أصحاب عقول وآراء صحيحة بخلاف سائر الترك. يتزوّجون تزويجا صحيحا، ولا ملك لهم بل كلّ جمع لهم شيخ ذو عقل ورأي يتحاكمون إليه. وليس لهم جور على من يجتاز بهم ولا اغتيال عندهم. ولهم بيت عبادة يعتكفون فيه الشهر والأكثر والأقلّ. ومأكولهم الشعير والجلبان ولا يأكلون اللحم إلّا مذكى، ولا يلبسون مصبوغا.
وبها مسك ذكي الرائحة جدّا ما دام في أرضهم، فإذا حمل عنها تغيّر واستحال.
وبها جبل فيه حيّات من نظر إليها مات إلّا أنّها في ذلك الجبل لا تخرج عنه البتّة.
وبها حجر يسكن الحمى لكنه لا يعمل إلّا في أرضهم، وعندهم فادزهر جيّد، وعلامته أن فيه عروقا خضراء، وعندهم بقول كثيرة لها منافع.
بلاد خرخيز
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة شهر. لهم ملك مطاع عالم بمصالحهم، لا يجلس بين يديه إلّا من جاوز الأربعين. ولهم كلام موزون يتكلّمون به في صلاتهم، ويصلّون إلى جانب الجنوب. ولهم في السنة ثلاثة أعياد. ولهم أعلام خضر ينشرونها في الأعياد. ويعظّمون زحل والزهرة، ويتطيّرون بالمريخ.
والسباع بأرضهم كثيرة جدّا.
ومأكولهم الدخن والأرز ولحوم البقر والغنم وغيرها إلّا لحم الجمال.
ولهم بيت عبادة وقلم يكتبون به. ولهم رأي ونظر في الأمور ولا يطفئون السراج بل يخلّونه حتى ينطفئ بنفسه. بها حجر يسرج بالليل يستغنون به عن المصابيح.
стр. 582
بلاد الخرلخ
قوم من الترك، بلادهم مسيرة خمسة وعشرين يوما. وهم أهل البغي والظلم يغير بعضهم على بعض، والزنا عندهم ظاهر.
وهم أصحاب قمار يقامر أحدهم صاحبه في زوجته وأخته وأمّه وابنته، فما داموا في مجلس القمار فللمقمور أن يفادي، فإذا انفصلا عن مجلس القمار فقد حصل له ما قمر، يبيعها من التجار كما يريد.
ونساؤهم ذوات الجمال والفساد، ورجالهم قليلو الغيرة: تأتي امرأة الرئيس وأخته إلى القوافل وتختار أحدا منهم، وتمشي به إلى بيتها وتنزله عندها وتحسن إليه، وزوجها وأقاربها يساعدونها ويتحرّكون في حوائجها، وما دام الضيف عندها فان الزوج لا يدخل عليها.
ومأكولهم الحمص والعدس ويتّخذون من الدخن الخمر، ولا يأكلون اللحم إلّا مغمّسا بالملح، ولباسهم الصوف. ولهم بيت عبادة في حيطانه صور متقدمي ملوكهم، والبيت من خشب لا تأكله النار، ومن هذا الخشب في بلادهم كثير.
بها معدن الفضّة يستخرجونها بالزئبق، وعندهم شجر يقوم مقام الإهليلج قائم الساق، إذا طليت عصارته على الأورام الحارّة أبرأها لوقتها. ولهم حجر أخضر يعظّمونه ويذبحون له الذبائح تقرّبا إليه.
بها نهر فيه حيّات إذا وقع عليها عين شيء من الحيوان غشي عليه.
بلاد الخزر
هم جيل عظيم من الترك، بلادهم خلف باب الأبواب الذي يقال له الدربند، وهم صنفان: صنف بيض أصحاب الجمال الفائق، وصنف سمر يقال لهم قرا خزر. وأبنيتهم خرقاهات إلّا شيء يسير من الطين. ولهم
стр. 583
أسواق وحمّامات.
ونزولهم على شطّ نهر آتل، ولهم ملك عظيم يسمّى بلك. وفيهم خلق كثير من المسلمين والنصارى واليهود وعبدة الأوثان. وإذا عرض لقوم منهم حكومة يبعثهم إلى حاكمهم، والملك لا يدخل بينهم. ولكلّ قوم من الأقوام حاكم.
ولملكهم قصر من الآجرّ بعيد من نهر آتل، وليس لأحد بناء من الآجرّ إلّا له.
وحكي أن ملكهم لا يركب إلّا في أربعة أشهر مرّة، وإذا ركب يكون بينه وبين الأجناد قدر ميل، وإذا رآه أحد يخرّ ساجدا، ولا يزال كذلك حتى يعبر الملك.
وإذا بعث سرية فانهزمت قتل الهاربين كلّهم، ويحضر نساءهم وأولادهم وقماشهم يهبها لغيرهم ويقتلهم. وحكي أن ملكهم إذا جاوز الأربعين عزله أو قتله خاصّته، وقالوا: هذا قد نقص عقله لا يصلح لتدبير الملك!
بلاد خطلخ
هم قوم من الترك، مسيرة بلادهم عشرة أيّام، وهم أشدّ شوكة من جميع قبائل الترك، يغيرون على من حولهم، ولهم رأي وتدبير في الأمور وينكحون الأخوات. والمرأة لا تتزوّج إلّا زوجا واحدا، فإن مات عنها لا تتزوّج باقي عمرها. ومن زنى عندهم أحرقوا الزاني والمزني بها، ولا طلاق لهم، ومهر المرأة جميع ما يملكه الزوج. ويأكلون الشعير والجلبان والبرّ وسائر اللحوم غير المذكاة. وإذا تزوّج رجل امرأة لا مال لها فمهرها خدمة الولي سنة. والقصاص عندهم مشروع، والجروح مضمونة بالأرش، فإن أخذ الأرش ومات بالجراحة هدر دمه. وملكهم ينكر الشرّ أشدّ الانكار ولا يرضى به، ومن شرط ملكهم أن لا يتزوّج فإن تزوّج قتل!
стр. 584
بلاد الرّوس
هم أمّة عظيمة من الترك، بلادهم متاخمة لبلاد الصقالبة، حكى المقدسي أنّهم في جزيرة وبيئة تحيط بها بحيرة، هي حصنهم وتمنع عنهم عدوّهم.
قال أحمد بن فضلان في رسالته: رأيت الروسية وقد وافوا بتجاراتهم على نهر آتل، فلم أر أتمّ بدنا منهم كأنّهم النخل، شقر بيض، لهم شريعة ولغة مخالفة لسائر الترك، لكنهم أندر خلق اللّه، لا يتنظّفون ولا يحترزون عن النجاسات. ومن عادة ملكهم أن يكون في قصر رفيع كبير، ومعه أربعمائة رجل من خواصّه أهل الثقة عنده يجلسون تحت سريره. وله سرير عظيم مرصّع بالجواهر يجلس معه عليه أربعون جارية لفراشه، وربّما يطأ واحدة بحضور أصحابه ولا ينزل عن سريره البتّة. فإن أراد قضاء الحاجة يقرب إليه الطشت، وإن أراد الركوب تقرّب الدابّة إلى جنب السرير. وله خليفة يسوس الجيوش ويدبّر أمر الرعيّة ويواقع الأعداء.
ومن عاداتهم أن من ملك عشرة آلاف درهم اتّخذ لزوجته طوقا من ذهب، وإن ملك عشرين ألفا اتّخذ طوقين، وعلى هذا فربّما كان في رقبة واحدة أطواق كثيرة، وإذا وجدوا سارقا علّقوه في شجرة طويلة، وتركوه حتى يتفتّت!
بلاد الرّوم
هم أمّة عظيمة. وهم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس؛ قالوا:
هم من نسل عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، ﵇. بلادهم واسعة ومملكتهم عظيمة، منها الرومية والقسطنطينية. بلادهم بلاد برد لدخولها في الشمال، وهي كثيرة الخيرات وافرة الثمرات كثيرة البهائم من الدواب والمواشي.
وكانوا في قديم الزمان على دين الفلاسفة إلى أن ظهر فيهم دين النصارى.
стр. 585
ومن عاداتهم الخروج في أعيادهم بالشعانين والسباسب والدنح بالزينة للهو والطرب والمأكول والمشروب، صغيرهم وكبيرهم وفقيرهم وغنيهم على قدر مكنته وقدرته. ومن عاداتهم إخصاء أولادهم ليكونوا من سدنة بيوت عبادتهم، لكنّهم لا يتعرّضون للقضيب ويحدثون الخصي بالأنثيين، لأنّهم كرهوا لرهبانهم احبال نسائهم. وأمّا قضاء الوطر فلا يكرهونه، وقيل: ان الخصي يبلغ في ذلك مبلغا لا يبلغه الفحول لأنّه يستحلب لفرط المداومة جميع ما عند المرأة ولا يفتر، فإذا تزوّج أحدهم وأراد الزفاف، تحمل المرأة إلى القسّ حتى يكون القسّ مفترعها وينالها بركته، والزوج أيضا يمشي معها ليعلم أن الاقتضاض حصل بفعل القسّ!
وملوك الروم وهم القياصرة كانوا من أوفر الملوك علما وعقلا، وأتمّهم رأيا وأكثرهم عددا وعددا، وأوسعهم مملكة وأكثرهم مالا، ومن عاداتهم أن لا يأخذوا عدوّهم مغافصة، بل إذا أرادوا غزو بلاد كتبوا إلى صاحبها:
نحن قاصدون بلادك في السنة الآتية، فاستعدّ وتأهّب لالتقائنا!
بلاد الغزّ
أمّة عظيمة من الترك، وهم نصارى كانوا في طاعة سلاطين بني سلجوق إلى زمن سنجر بن ملكشاه، فبعث إليهم من يستوفي الخراج منهم فتجاوز الجابي للخراج في الرسم والعادة، فضربه ملكهم وكان اسمه طوطى بك، فمات الجابي فبعث إلى السلطان يتعذّر، والسلطان وافق على قبول عذره لكن الحواشي أرادوا النهب والسبي وتحصيل المال؛ قالوا: هؤلاء لا يقبل عذرهم فإنّه إهانة بالسلطان وجرأة عليه، فلنوقع بهم حتى لا يقدم غيرهم على مثل هذا الفعل القبيح! فذهب السلطان بعساكره إليهم فتضرّعوا وتذلّلوا وقالوا للسلطان: ارحم عوراتنا وذرّياتنا وخذ منّا دية المقتول أضعافا مضاعفة، وضاعف علينا الخراج. فلان السلطان وأبى أصحابه.
стр. 586
فلمّا أيسوا من أمنهم تأهّبوا للقتال وقالوا: نحن كلّنا مقتولون فلا نقتل إلّا في المعركة بعدما قتل كلّ منّا بدله! فركبوا برجالهم ونسائهم وحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، وكشفوهم كشفا قبيحا وهزموهم، وأخذوا السلطان ودخلوا بلاد خراسان وخرّبوها، ونهبوا وسبوا. وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة والسلطان بقي في أسرهم سنة ثمّ هرب.
وحكى مسعر بن مهلهل أن لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب، ولهم بيت عبادة، ولهم تجارات إلى الهند والصين. ومأكولهم البرّ ولحم الغنم، وملبوسهم الكتان والفراء.
بها حجر أبيض ينفع من القولنج، وحجر أحمر إذا أمرّ على النصل لم يقطع شيئا. وبلادهم مسيرة شهر واحد.
بلاد كيماك
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة خمسة وثلاثين يوما، وبيوتهم من جلود الحيوان. مأكولهم الحمص والباقلّى ولحم الذكران من الضأن والمعز، ولا يأكلون الإناث. بها عنب نصف الحبّة أبيض ونصفها أسود، وبها حجارة يستمطر بها متى شاؤوا. وعندهم معادن الذهب في سهل من الأرض يجدونه قطاعا.
وعندهم الماس يكشف عنه السيل. وعندهم نبات ينوّم ويخدر.
وليس لهم ملك، ولا بيت عبادة. ولهم قلم يكتبون به. ومن يجاوز منهم ثمانين سنة عبدوه إلّا أن يكون به عاهة.
بها جبل يسمّى منكور، به عين في حفرة، قال أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية: إن هذه الحفرة مقدار ترس كبير، وقد استوى الماء على حافاتها، فربّما يشرب منه عسكر كثير لا ينقص مقدار إصبع، وعند هذه العين صخرة عليها أثر رجل إنسان، وأثر كفّيه بأصابعهما وأثر ركبتيه كأنّه كان ساجدا، وأثر قدم صبي وحوافر حمار. والأتراك الغزية يسجدون لها إذا رأوها لأنّهم نصارى، ينسبونه إلى عيسى، ﵇.
стр. 587
بلدة بهى
هي بلدة من بلاد الترك آهلة غنّاء، أهلها مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وعبدة الأصنام، ولهم أعياد كثيرة لأن لكلّ قوم عيدا مخالفا للآخرين. ومسيرة مملكة بهى أربعون يوما. ولهم ملك عظيم ذو قوّة وسياسة يسمّى بهى.
بها حجارة تنفع من الرمد، وحجارة تنفع من الطحال، وعندهم نيل جيّد؛ أخبر بهذه كلّها، أعني بلاد الترك وقبائلها، مسعر بن مهلهل فإنّه كان سيّاحا رآها كلّها.
بيقر
قلعة حصينة من أعمال شروان. على هذه القلعة صور وتماثيل من الحجر لم تعرف فائدتها لتقادم عهدها. وبها دار الإمارة مكتوب على بابها: في هذه الدار أحد عشر بيتا، والداخل لا يرى إلّا عشرة بيوت وإن بذل جهده، والحادي عشر وضع على وجه لا يعرفه أحد، لأن فيه خزانة الملك.
تركستان
قد ذكرنا أن كلّ إقليم من الأقاليم السبعة شرقية مساكن الترك، وبلادهم ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى السابع عرضا في شرقي الأقاليم، وقد بيّنّا أنّهم أمّة عظيمة ممتازة عن سائر الأمم بالجلادة والشجاعة، وقساوة القلب ومشابهة السباع، والغالب على طباعهم الظلم والعسف والقهر، ولا يرون إلّا ما كان غصبا لطبع السباع، وهمّهم شنّ غارة أو طلب ظبي أو صيد طير. وعندهم من كبر انّه لو سبي أحدهم وتربى في العبوديّة، فإذا بلغ أشدّه يريد أن يكون زعيم عسكر سيّده، بل يريد أن يخالفه ويقوم مقامه وينسى حقّ التربية والانعام السابق.
стр. 588
ونفوس الترك نفوس مائلة إلى الشرّ والفساد الذي هو طاعة الشيطان، فترى أكثرهم عبدة الأصنام أو الكواكب أو النيران أو نصارى، وما فيهم عجيب يذكر إلّا سحرهم واستمطارهم المطر بالحجر الذي يرمونه في الماء، وذكر انّه من خاصيّة الحجر وقد مرّ ذكره مبسوطا.
حكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض الترك جبلا لقوم يقال لهم زانك، وهم ناس ليس لهم زرع ولا ضرع، وفي جبالهم ذهب وفضّة كثيرة، وربّما توجد قطعة كرأس شاة، فمن أخذ القطاع الصغار ينتفع بها، ومن أخذ القطاع الكبار يموت الآخذ وأهل كلّ بيت تلك القطعة فيه، فإن ردّها إلى مكانها انقطع الموت عنهم، ولو أخذه الغريب لا يضرّه شيء.
وحكي أن بتركستان جبلا يقال له جبل النار، فيه غار مثل بيت كبير، كلّ دابّة تدخله تموت في الحال.
رذوم
مدينة بأرض الفرنج مبنية بالحجارة المهندمة على نهر شعنة. لا تفلح بها الكروم والشجر أصلا، لكن يكثر بها القمح والسلت، يخرج من نهرها حوت يسمّونه سلمون، وحوت آخر صغير طعمه ورائحته كطعم القثاء، وذكر أن هذا الحوت يوجد في نيل مصر أيضا ويسمّى العير.
وحكى الطرطوشي أنّه رأى برذوم حدثا بلغت لحيته ركبتيه، فمشطها فهبطت عن ركبتيه بأربع أصابع، وكان خفيف العارضين، فحلف انّه لم يكن على وجهه شعر قبل ذلك بستّة أعوام!
وحكي انّه يخرج في الشتاء برذوم عند البرد الشديد نوع من الاوزّ أبيض، أحمر الأرجل والمناقير، يسمّى عايش، وهذا النوع لا يتفرّخ إلّا في جزيرة عاهق، وهي غير مسكونة، فربّما انكسرت المراكب في البحر، فمن تعلّق بهذه الجزيرة يقتات ببيض هذا الطير وفراخه الشهر والشهرين.
стр. 589
رومية
مدينة رئاسة الروم وعلمهم. وهي في شمالي غربي القسطنطينيّة، وبينهما مسيرة خمسين يوما، وهي في يد الفرنج، ويقال لملكهم ملك المان. وبها يسكن البابا الذي تطيعه الفرنج، وهو عندهم بمنزلة الإمام الذي يكون واجب الطاعة.
ومدينة رومية من عجائب الدنيا لعظم عمارتها وكثرة خلقها خارج عن العادة إلى حدّ لا يصدّقه السامع؛ ذكر الوليد بن مسلم الدمشقي أن استدارة رومية أربعون ميلا، في كلّ ميل منها باب مفتوح، فمن دخل من الباب الأوّل يرى سوق البياطرة، ثمّ يصعد درجا فيرى سوق الصيارفة والبزازين، ثمّ يدخل المدينة فيرى في وسطها برجا عظيما واسعا، في أحد جانبيه كنيسة قد استقبل بمحرابها المغرب، وببابها المشرق، وفي وسط البرج بركة مبطنة بالنحاس، يخرج منها ماء المدينة كلّه. حكي أن في وسطها عمودا من حجارة عليه صورة راكب على بعير، يقول أهل المدينة: إن الذي بنى هذه المدينة يقول لا تخافوا على مدينتكم حتى يأتيكم قوم على هذه الصفة، فهم الذين يفتحونها!
وثلاثة جوانب المدينة في البحر، والرابع في البرّ، ولها سوران من رخام، وبين السورين فضاء طوله مائتا ذراع، وعرض السور ثمانية عشر ذراعا، وارتفاعه اثنان وستّون ذراعا. بها نهر بين السورين يدور ماؤه في جميع المدينة، وهو ماء عذب يدور على بيوتهم ويدخلها، وعلى النهر قنطرة بدفوف النحاس، كلّ دفّة منها ستّة وأربعون ذراعا. إذا قصدهم عدوّ رفعوا تلك الدفوف فيصير بين السورين بحر لا يرام، وعمود النهر ثلاثة وتسعون ذراعا في عرض ثلاثة وأربعين ذراعا، وبين باب الملك إلى باب الذهب اثنا عشر ميلا، وسوق ممتدّ من شرقيها إلى غربيها بأساطين النحاس، وسقفه أيضا نحاس، وفوقه سوق آخر في الجميع التجار وأصحاب الأمتعة. وذكر أن بين يدي هذا السوق سوقا آخر على أعمدة نحاس، كلّ عمود منها ثلاثون ذراعا. وبين هذه الأعمدة نقير
стр. 590
من نحاس في طول السوق من أوّله إلى آخره، فيه لسان من البحر تجري فيه السفن، فتجيء السفينة في هذه النقرة، وفيه الأمتعة حتى تجتاز على السوق بين يدي التجار، فتقف على تاجر تاجر فيختار منها ما يريد ثمّ ترجع إلى البحر.
وبها كنيسة داخل المدينة بنيت على اسم مار بطرس ومار بولس، وهما مدفونان فيها، يقصدهما الروم، ولهم فيهما اعتقاد عظيم ويذكرون عنهما أشياء عجيبة. وطول هذه الكنيسة ألف ذراع في خمسمائة ذراع في سمك مائتي ذراع.
وبها كنيسة أخرى بنيت باسم اصطافنوس رأس الشهداء. طولها ستّمائة ذراع في عرض ثلاثمائة ذراع في سمك مائة وخمسين ذراعا. وسقوف هذه الكنيسة وحيطانها وأرضها وبيوتها وكواها كلّها حجر واحد. وفي المدينة كنائس كثيرة.
وفيها عشرة آلاف دير للرجال والنساء، وحول سورها ثلاثون ألف عمود للرهبان. وفيها اثنا عشر ألف زقاق، يجري في كلّ زقاق منها نهران: أحدهما للشرب، والآخر للحشوش. وفيها اثنا عشر ألف سوق، في كلّ سوق قبانان، وأسواقها كلّها مفروشة بالرخام الأبيض، منصوبة على أعمدة النحاس، مطبقة بدفوف النحاس. وفيها ستّمائة وستّون ألف حمّام. وإذا كان وقت الزوال يوم السبت ترك جميع الناس أشغالهم في جميع الأسواق إلى غروب الشمس يوم الأحد، وهو عيد النصارى.
وبها مجامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطبّ والنجوم والحكمة والهندسة وغير ذلك؛ قالوا: انّها مائة وعشرون موضعا.
وبها كنيسة صهيون. شبهت بصهيون بيت المقدس، طولها فرسخ في عرض فرسخ في سمك مائتي ذراع، ومساحة هيكلها ستّة أجربة. والمذبح الذي يقدس عليه القربان من زبرجد أخضر، طوله عشرون ذراعا في عرض عشرة أذرع، يحمله عشرون تمثالا من ذهب، طول كلّ تمثال ثلاثة أذرع، أعينها يواقيت
стр. 591
حمر، وفي الكنيسة ألف ومائتا أسطوانة من المرمر الملمع، ومثلها من النحاس المذهب، طول كلّ أسطوانة خمسون ذراعا، لكلّ أسطوانة رجل معروف من الأساقفة. ولها ألف ومائتا باب كبار من النحاس الأصفر المفرغ، وأربعون بابا من الذهب، وأمّا الأبواب من الآبنوس والعاج فكثيرة. وفيها مائتا ألف وثلاثون ألف سلسلة من ذهب معلّق من السقف ببكر تعلّق منها القناديل، سوى القناديل التي تسرج يوم الأحد.
وبها من الأساقفة والشمامسة، وغيرهم ممّن يجري عليه الرزق من الكنيسة خمسون ألفا، كلّما مات واحد قام مقامه آخر. وفيها عشرة آلاف جرّة، وعشرة آلاف خوان من ذهب، وعشرة آلاف كأس، وعشرة آلاف مسرجة من ذهب. والمنائر التي تدار حول المذبح سبعمائة منارة، كلّها ذهب، وفيها من الصلبان التي تقوم يوم الشعانين ثلاثون ألف صليب، وأمّا صلبان الحديد والنحاس المنقوشة والمموّهة فممّا لا يحصى، ومن المصاحف الذهبية والفضّيّة عشرة آلاف مصحف. وقد مثل في هذه الكنيسة صورة كلّ نبيّ بعث من وقت آدم إلى عيسى، ﵇، وصورة مريم، ﵍، كان الناظر إذا نظر إليهم يحسبهم أحياء.
وفيها مجلس الملك حوله مائة عمود، على كلّ عمود صنم، في يد كلّ صنم جرس عليه اسم أمّة من الأمم جميعا. زعموا أنّها طلسمات إذا تحرّك صنم عرفوا ان ملك تلك الأمّة يريدهم فيأخذون حذرهم.
وبها طلسم الزيتون، بين يدي هذه الكنيسة صحن يكون خمسة أميال في مثلها، في وسطه عمود من نحاس ارتفاعه خمسون ذراعا، وهو كلّه قطعة واحدة، وفوقه تمثال طائر، يقال له السوداني، من ذهب، على صدره نقش وفي منقاره شبه زيتونة، وفي كلّ واحدة من رجليه مثل ذلك. فإذا كان أوان الزيتون لم يبق طائر في تلك الأرض إلّا أتى وفي منقاره زيتونة وفي رجليه
стр. 592
زيتونتان يلقيها على ذلك الطلسم، فزيت أهل رومية وزيتونهم من ذلك؛ قالوا:
هذا من عمل بليناس صاحب الطلسمات. وعلى هذا الطلسم أمناء وحفظة من قبل الملك، وأبواب مختومة فإذا ذهب أوان الزيتون وامتلأ الصحن من الزيتون يجتمع الأمناء، ويعطي الملك البطارقة منه ومن يجري مجراهم على قدرهم، ويجعل الباقي لقناديل الكنيسة. وهذه القصّة، أعني طلسم الزيتون، رأيتها في كتب كثيرة قلّما تترك في شيء من عجائب البلاد.
وقد روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنّه قال: من عجائب الدنيا شجرة برومية من نحاس، عليها صورة سودانية، في منقارها زيتونة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت فوق الشجرة، فيوافي كلّ طير في تلك الأرض من جنسها ثلاث زيتونات في منقاره ورجليه، ويلقيها على تلك الشجرة فيعصرها أهل رومية فتكفيهم لقناديل بيعهم وأكلهم جميع الحول.
وبها طلسم آخر وهو أنّه في بعض كنائسهم نهر يدخل من خارج المدينة، وفيه من الضفادع والسلاحف والسرطانات شيء كثير، وعلى الموضع الذي يدخله الماء من الكنيسة صورة صنم من حجارة، في يده حديدة معتّقة كأنّه يريد أن يتناول بها شيئا من الماء، فإذا انتهت إليه هذه الحيوانات المؤذية رجعت ولم يدخل الكنيسة شيء منها البتّة.
وهذه كلّها منقولة من كتاب ابن الفقيه، وهو محمّد بن أحمد الهمذاني، وأعجب من هذه كلّها أن مدينة هذه صفتها من العظم ينبغي أن تكون مزارعها وضياعها إلى مسيرة أشهر، وإلّا لا يقوم بميرة أهلها. وذكر قوم من بغداد أنّهم شاهدوا هذه المدينة قالوا: انّها في العظم والسعة وكثرة الخلق ممّا يقارب هذا، والذي لم يرها يشكل عليه.
وحكي أن أهل رومية يحلقون لحاهم ووسط هاماتهم، فسئلوا عن ذلك فقالوا: لمّا جاءهم شمعون الصفا والحواريون دعوهم إلى النصرانيّة، فكذّبوهم
стр. 593
وحلقوا لحاهم ورؤوسهم، فلمّا ظهر لهم صدق قولهم ندموا على ما فعلوا، وحلقوا لحى أنفسهم ورؤوسهم كفّارة لذلك.
زره كران
معناه صناع الدرع: قريتان فوق باب الأبواب على تلّ عال، وحواليه قرى ومزارع ورساتيق وجبال وآجام. أهلها طوال القدود شقر الوجوه خزر العيون، ليس لهم صنعة سوى عمل الدروع والجواشن. وهم أغنياء أسخياء يحبّون الغرباء لا سيّما من يعرف شيئا من العلوم أو الخطّ، أو يعرف شيئا من الصناعات، ولا يقبلون الخراج لأحد لحصانة موضعهم. وليس لهم ملّة ولا مذهب.
وفي كلّ قرية من تلك القرى بيتان كبيران تحت الأرض مثل السراديب:
أحدهما للرجال، والآخر للنساء.
وفي كلّ بيت عدّة رجال معهم سكاكين، فإذا مات أحدهم فإن كان رجلا حملوه إلى بيت الرجال، وإن كانت امرأة إلى بيت النساء، فيأخذه أولئك الرجال ويقطعون أعضاءه، ويعرقون ما عليها من اللحم، ويخرجون ما فيها من النقي ثمّ يجمعون تلك العظام وما فيها من بلل ولا درن في كيس، إن كان من الأغنياء في كيس ديباج، وإن كان من الفقراء في كيس خام، ويكتبون على الكيس اسم صاحب العظام واسم أبويه، وتاريخ ولادته ووقت موته، ويعلقون الكيس في تلك البيوت، ويأخذون لحم الرجال إلى تلّ خارج القرية وعليه الغربان السود فيطعمونها ذلك اللحم، ولا يخلون طيرا آخر يأكله، فإن جاء طير آخر ليأكله رموه بالنشاب، ويأخذون لحم النساء إلى مكان آخر ويطعمون الحدأة ويمنعون غيرها من الطيور.
وحكى أبو حامد الأندلسي أنّه سمع أهل دربند أنّهم جهّزوا ذات مرّة العساكر، وذهبوا إلى زره كران فذهبوا حتى دخلوا القرية، فخرج من تحت الأرض رجال دخلوا تلك البيوت، فهبّت ريح عاصف وجاء ثلج كثير حتى
стр. 594
لم يعرف أحد من تلك العساكر صاحبه، فجعل بعضهم يقتل بعضا، وضلّوا عن الطريق وهلك منهم خلق كثير، ونجا بعضهم بعدما عاينوا الهلاك.
وذكروا أن صاحب شروان، وكان ملكا جبّارا صاحب شوكة وقوّة، قصدهم ذات يوم طمعا فيهم فأصابه مثل ما أصاب أصحاب دربند، فامتنع الملوك عن غزوهم.
سدّ يأجوج ومأجوج
قيل: يأجوج ومأجوج ابنا يافث بن نوح، ﵇. وهما ولدا خلقا كثيرا فصاروا قبيلتين لا يعلم عددهم إلّا اللّه. روى الشعبي أن ذا القرنين سار إلى ناحية يأجوج ومأجوج فاجتمع إليه خلق كثير وقالوا: أيّها الملك المظفر، إن خلف هذا الجبل خلقا لا يعلم عددهم إلّا اللّه، يخربون علينا بلادنا ويأكلون ثمارنا وزروعنا! قال: وما صفتهم؟ قالوا: قصار ضلع عراض الوجوه.
قال: وكم صنفا؟ قالوا: أمم كثيرة لا يحصيهم إلّا اللّه! ثمّ قالوا: هل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا؟ معناه تجمع من عندنا مالا تصرفه في حاجز بيننا وبينهم ليندفع عنّا أذاهم. فقال الملك: لا حاجة إلى مالكم فإن اللّه أعطاني من المكنة ما لا حاجة معها إلى مالكم، لكن ساعدوني بالآلة والرجال، وأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردما. فأمر بالحديد فأذيب واتّخذ منه لبنا عظاما، وأذاب النحاس واتّخذه ملاطا لذلك اللبن، وبنى به الفج الذي كانوا يدخلون منه، فسوّاه مع قلّتي الجبل فصار شبيها بالمصمت. وروي أن ذا القرنين إنّما عمّر السدّ بعد رجوعه عنهم، فتوسّط أرضهم ثمّ انصرف إلى ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما وهو مقطع أرض الترك فوجد ما بينهما مائة فرسخ، فحفر له أساسا بلغ به الماء وجعل عرضه خمسين فرسخا، وجعل حشوه الصخور وطيّنه بالنحاس المذاب، فصبّ عليه وصار عرقا من جبل تحت الأرض، ثمّ علاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقا من نحاس
стр. 595
أصفر فصار كأنّه برد محبّر من صفرة النحاس وسواد الحديد.
ومن الأخبار المشهورة حديث سلّام الترجمان؛ قال: إن الواثق باللّه رأى في المنام أن السدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج مفتوح، فأرعبه هذا المنام فأحضرني وأمرني بالمشي إلى السد والنظر إليه، والرجوع إليه بالخبر، وضمّ إليّ خمسين رجلا، ووصلني بخمسة آلاف درهم، وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم، ومائتي بغل تحمل الزاد والماء. قال: فخرجنا من سرّ من رأى بكتاب إلى صاحب أرمينية إسحاق بن إسماعيل، وكان إسحاق بمدينة تفليس، فأمره بإنفاذنا وقضاء حوائجنا، فكتب إسحاق إلى صاحب السرير، وصاحب السرير كتب إلى طرخان صاحب اللان، وصاحب اللان إلى فيلانشاه، وفيلانشاه كتب إلى ملك الخزر، وملك الخزر بعث معنا خمسة نفر من الأدلّاء.
فسرنا ستّة وعشرين يوما فوصلنا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة، وكنّا حملنا معنا خلّا لنشمّه لدفع غائلة رائحتها بإشارة الادلّاء، وسرنا في تلك الأرض عشرة أيّام ثمّ صرنا في بلاد خراب مدنها. فسرنا فيها سبعة وعشرين يوما فسألنا الادلّاء سبب خرابها، فقالوا: خربها يأجوج ومأجوج. ثمّ صرنا إلى حصن قريب من الجبل الذي يقوم السدّ في بعض شعابه، ومنه جزنا إلى حصن آخر وبلاد ومدن فيها قوم مسلمون يتكلّمون بالعربيّة والفارسيّة، ويقرأون القرآن، ولهم مساجد، فسألونا: من أين أقبلتم وأين تريدون؟ فأخبرناهم أنّا رسل الأمير. فأقبلوا يتعجّبون ويقولون: أشيخ أم شاب؟ قلنا: شاب. فقالوا: أين يسكن؟ قلنا: بأرض العراق في مدينة يقال لها سرّ من رأى. فقالوا: ما سمعنا بهذا قطّ.
ثمّ ساروا معنا إلى جبل أملس ليس عليه شيء من النبات، وإذا هو مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا، فإذا عضادتان مبنيتان ممّا يلي الجبل من جنبتي الوادي، عرض كلّ عضادة خمسة وعشرون ذراعا، الظاهر من ثخنها عشرة أذرع خارج الباب، كلّه مبني بلبن حديد مغيّب في نحاس في سمك خمسين ذراعا، وإذا دروند حديد طرفاه في العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعا قد
стр. 596
ركب على العضادتين، على كلّ واحد مقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع. وفوق الدربند بناء باللبن الحديد والنحاس إلى رأس الجبل. وارتفاعه مدّ البصر، وفوق ذلك شرف حديد، في طرف كلّ شرف قرنان ينثني كلّ واحد منهما إلى صاحبه، وإذا باب حديد مصراعان مغلقان، عرض كلّ مصراع ستّون ذراعا في ارتفاع سبعين ذراعا في ثخن خمسة أذرع، وقائمتان في دوارة على قدر الدربند، وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع، وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا، وفوق القفل نحو خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح مغلق طوله سبعة أذرع له أربعة عشر دندانكا، كلّ دندانك أكبر من دستج الهاون، مغلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار، والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق، وارتفاع عتبة الباب عشرة أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين، والظاهر منها خمسة أذرع، وهذا الذرع كلّه ذراع السواد.
ورئيس تلك الحصون يركب كلّ يوم جمعة في عشرة فوارس، مع كلّ فارس مرزبة حديد يدقّون الباب، ويضرب كلّ واحد منهم القفل والباب ضربا قويّا مرارا ليسمع من وراء الباب ذلك، فيعلمون أن هناك حفظة ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا. وإذا ضربوا الباب وضعوا آذانهم فيسمعون وراء الباب دويّا عظيما. وبالقرب من السدّ حصن كبير يكون فرسخا في مثله، يقال انّه كان يأوي إليه الصنّاع زمان العمل. ومع الباب حصنان يكون كلّ واحد منهما مائتي ذراع في مثلها، وعلى باب هذين الحصنين شجر كبير لا يدرى ما هو، وبين الحصنين عين عذبة، وفي أحد الحصنين آلة البناء الذي بني به السدّ من قدر الحديد والمغارف، وهناك بقيّة اللبن الحديد وقد التصق بعضه ببعض من الصدإ، واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر.
قال: فسألنا أهل تلك البلاد هل رأيتم أحدا من يأجوج ومأجوج؟ فذكروا أنّهم رأوا منهم عددا فوق الشرف ذات مرّة، فهبّت ريح سوداء فألقتهم إلينا،
стр. 597
فكان مقدار الواحد منهم في رأي العين شبرا ونصفا. فهممنا بالانصراف فأخذنا الادلّاء نحو جهة خراسان، فسرنا حتى خرجنا خلف سمرقند بسبعة فراسخ، وأخذنا طريق العراق حتى وصلنا. وكان من خروجنا من سرّ من رأى إلى رجوعنا إليها ثمانية عشر شهرا.
سقسين
بلدة من بلاد الخزر عظيمة آهلة، ذات أنهار وأشجار وخيرات كثيرة.
ذكروا أن أهلها أربعون قبيلة من الغزّ. وفي المدينة من الغرباء والتجار ما لا يحصى عددهم، والبرد عندهم شديد جدّا، ولكلّ واحد دار فيحاء كبيرة، وفي الدار خرقاه مغطاة باللبود من البرد. وأهلها مسلمون أكثرهم على مذهب الإمام أبي حنيفة، ومنهم من هو على مذهب الإمام الشافعي. وفيها جوامع لكلّ قوم جامع يصلّون فيه، ويوم العيد تخرج منابر لكلّ قوم منبر يخطبون عليه ويصلّون مع إمامهم. والشتاء عندهم شديد جدّا. وسقوف أبنيتهم كلّها من خشب الصنوبر.
بها نهر عظيم أكبر من دجلة، وفيه من أنواع السمك ما لم يشاهده أحد في غيره، يكون السمك حمل جمل، وفيها صغار لا شوك فيها كأنّها الية الحمل محشوة بلحم الدجاج، بل أطيب، ويشترى من هذا السمك مائة منّ بنصف دانق، يخرج من بطنها دهن يكفي للسراج شهرا، ويحصل منها الغراء نصف منّ وأكثر. وإن قدّد يكون من أحسن قديد.
ومعاملات أهل سقسين على الرصاص كلّ ثلاثة أمنان بالبغدادي بدينار، ويشترون بها ما شاؤوا كالفضّة في بلادنا. والخبز واللحم عندهم رخيص، تباع الشاة بنصف دانق، والحمل بطسوج، والفواكه عندهم كثيرة جدّا.
حكى الغرناطي أن نهرهم قد جمد عند الشتاء، وأنا مشيت عليه فكان عرضه ألف خطوة وثمانمائة ونيفا وأربعين.
стр. 598
شابر
بليدة بناحية باب الأبواب. بها جبّ بيجن، وإنّها جبّ عميقة. لما ظفر افراسياب ملك الترك ببيجن مقدم الفرس، كره أن يقتله لكثرة ما نال منه في الوقائع وأراد تعذيبه فكبله وحبسه في هذه الجبّ، وألقى على رأسها صخرة عظيمة، فذهب رستم الشديد إليها خفية وسرقه، ورفع الصخرة من رأس الجبّ ورمى بها، وأتى به إلى بلاد الفرس، وعاد بيجن إلى ما كان يأخذ العساكر ويوقع بالترك ويبليهم بالبلاء. والصخرة التي كانت على رأس الجبّ ملقاة هناك، يتعجّب الناس من كبرها ورفع رستم إيّاها.
وبها دجلة الخنازير التي جرى ذكرها في كتاب شاه نامه في قصّة بيجن.
شروان
ناحية قرب باب الأبواب؛ قالوا: عمرها أنوشروان كسرى الخير، فسمّيت باسمه وأسقط شطرها تخفيفا. وهي ناحية مستقلّة بنفسها يقال لملكها اخستان. ذهب بعضهم إلى أن قصّة موسى والخضر، ﵉، كانت بها، وان الصخرة التي نسي يوشع، ﵇، الحوت عندها بشروان، والبحر بحر الخزر، والقرية التي لقيا فيها غلاما فقتله قرية جيران، والقرية التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه باجروان، وهذه كلّها من نواحي أرمينية قرب الدربند، ومن الناس من يقول انّها كانت بأرض إفريقية.
وبها أرض مقدار شوط فرس، يخرج منها بالنهار دخان وبالليل نار، إذا غرزت في هذه الأرض خشبة احترقت، والناس يحفرون فيها حفرا ويتركون قدورهم فيها باللحم والأبازير فيستوي نضجها؛ حدّثني بهذا بعض فقهاء شروان.
وبها نبات عجيب يسمّى خصى الثعلب؛ حكى الشيخ الرئيس أنّه رآه بها
стр. 599
وهو يشبه خصيتين إحداهما ذابلة والأخرى طرية، ذكر أن من عرضه عليه قال: الذابلة تضعف قوّة الباه والطرية تعين عليها.
ينسب إليها الحكيم الفاضل أفضل الدين الخاقاني، كان رجلا حكيما شاعرا.
اخترع صنفا من الكلام انفرد به، وكان قادرا على نظم القريض جدّا، محترزا عن الرذائل التي تركبها الشعراء، محافظا على المروءة والديانة، حتى أن صاحب شروان أراد رجلا يستعمله في بعض أشغاله فقال له وزيره: ما لهذا الشغل مثل الخاقاني! فطلبه وعرض عليه، فأبى وقال: إني لست من رجال هذا الشغل! فقال الوزير: الزمه به إلزاما! فحبسه على ذلك فبقي في الحبس أيّاما لم يقبل، فقال الملك للوزير: حبسته وما جاء منه شيء! فقال الوزير: ما عملت شيئا، حبسته في دار خالية وحده وهو ما يريد إلّا هذا، احبسه في حبس الجناة! فحبسه مع السراق والعيارين فيأتيه أحدهم يقول: على أيّ ذنب حبست؟ ويأتيه الآخر يقول: انشدني قصيدة! فلمّا رأى شدّة الحال ومقاساة الأغيار يوما واحدا، بعث إلى الملك: إني رضيت بكلّ ما أردت، كلّ شيء ولا هذا! فأخرجه وولّاه ذلك الشغل.
شلشويق
مدينة عظيمة جدّا على طرف البحر المحيط. وفي داخلها عيون ماء عذب.
أهلها عبدة الشعرى إلّا قليلا، وهم نصارى لهم بها كنيسة.
حكى الطرطوشي: لهم عيد اجتمعوا فيه كلّهم لتعظيم المعبود والأكل والشرب، ومن ذبح شيئا من القرابين ينصب على باب داره خشبا ويجعل القربان عليه، بقرا كان أو كبشا أو تيسا أو خنزيرا، حتى يعلم الناس انّه يقرّب به تعظيما لمعبوده. والمدينة قليلة الخير والبركة. أكثر مأكولهم السمك فإنّه كثير بها. وإذا ولد لأحدهم أولاد يلقيهم في البحر ليخفّ عليه نفقتهم.
وحكي أيضا أن الطلاق عندهم إلى النساء، والمرأة تطلق نفسها متى شاءت.
стр. 600
وبها كحل مصنوع إذا اكتحلوا به لا يزول أبدا، ويزيد الحسن في الرجال والنساء، وقال: لم أسمع غناء أقبح من غناء أهل شلشويق. وهي دندنة تخرج من حلوقهم كنباح الكلاب وأوحش منه.
شناس
بليدة من بلاد لكزان على طرف جبل شاهق جدّا، لا طريق إليها إلّا من أعلى الجبل، فمن أراد أن يأتيها أخذ بيده عصا وينزل يسيرا يسيرا من شدّة هبوب الريح، لئلّا تسفره الريح. والبرد عندهم في غاية الشدّة سبعة أشهر.
فيها كلبة وينبت عندهم نوع من الحبّ يقال له السلت، وشيء من التفاح الجبلي.
وأهلها أهل الخير والصلاح والضيافة للفقراء والإحسان إلى الغرباء، وصنعتهم عمل الأسلحة كالدروع والجواشن وغيرها من أنواع الأسلحة.
ظاخر
مدينة كبيرة آهلة على ستّ مراحل من جنزة، وهي قصبة بلاد لكزان.
البرد بها شديد جدّا. حدّثني الفقيه يوسف بن محمّد الجنزي أن ماءها من نهر يسمّى ثمور، يكون جامدا في الشتاء والصيف، يكسرون الجمد ويسقون الماء من تحته، فإذا اسقوا وجعلوه في جرّة تركوها في غطاء من جلد الغنم، لئلّا يجمد في الحال. وقوتهم من حبّ يقال له السلت، يشبه الشعير في صورته، وطبعه طبع الحنطة، ولا تجارة عندهم ولا معاملة، بل كلّ واحد يزرع من هذا الحبّ قدر كفايته، ويتقوّت به وبدرّ غنيمات له ورسلها ويلبس من صوفها.
ولا رئيس بل عندهم خطيب يصلّي بهم، وقاض يفصل الخصومات بينهم على مذهب الإمام الشافعي. وأهل المدينة كلّهم شافعية، بها مدرسة بناها الوزير نظام الملك الحسن بن عليّ بن إسحاق، وفيها مدرّس وفقهاء، وشرط لكلّ فقيه فيها كلّ شهر رأس غنم وقدر من السلت، وذكر أنّهم نقلوا مختصر المزني إلى لغة اللكزية، وكذلك كتاب الإمام الشافعي، ويشتغلون بهما.
следующие страницы →