Полный текст (619 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فقالوا له: ههنا فقيه عجميّ جمع بينهما وتفرّج عليهما. فلمّا حضر ابن الجوزي طلبوا شمس الدين، فأراد تمشية مقدمة معه فما قدر، ثمّ ان شمس الدين أخذ مقدماته وقلبها عليه ثمّ عارضه في المقدمات وفي الحكم حتى جعله مبهوتا. فقال ابن الجوزي: هذا الفقيه في أيّ شيء شغل؟ قالوا: ما هو في شيء من الأشغال.
فقال: مثل هذا يترك عاطلا؟ فولّاه قضاء دمشق وتدريس العادلية. توفي قريبا من أربعين وستمائة شابّا، رحمة اللّه عليه.
خيوق
قرية من قرى خوارزم. ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ أبو الجناب، أحمد بن عمر بن محمّد الخيوقيّ المعروف بكبرى. كان أستاذ الوقت وشيخ الطائفة وفريد العصر. له رسالة الهائم الخائف من لومة اللائم، من حقّها أن تكتب بالذهب، ما صنّف مثلها في الطريقة. ومن عجائبها ما ذكر أن للشيطان لطائف عجيبة في اضلال الناس، فيضلّ كلّ واحد حسبما يليق بحاله: أمّا الجهال فيضلّهم بجهلهم، وأمّا العلماء فيقول اشتغل بتحصيل العلوم، أما عرفت قول النبيّ، ﷺ : لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد؟ فاصرف عمرك في تحصيل العلوم، فإذا كان آخر عمرك اشتغل بالعمل؛ فيأتيه الموت يعبه فجأة، فيكون له علم بلا عمل.
وحكى، ﵀، أنّه كان يجاهد نفسه، فجاء الشيطان ليوسوس عليه الحال فقال: إنّك رجل عالم تتبع آثار النبيّ، ﷺ ، فاشتغل بسمع أحاديث النبيّ وآثار المشايخ الكبار الحفّاظ، فإنّك إن اشتغلت بمجاهدة النفس فإن عليك إدراك المشايخ الكبار والأستاذ العالي، وأمّا المجاهدة فلا تفوتك فيما بعد! فكدت أعمل بوسوسته فهتف بي هاتف:
ومن يسمع الأخبار من غير واسط … حرام عليه سمعها بوسائط!
стр. 527
فعرفت أن ذلك الخاطر من وساوسه فتركته. توفي الشيخ قريبا من سنة عشر وستمائة.
وينسب إليها الشيخ الفاضل العالم شهاب الدين الخيوقي. كان نائب السلطان خوارزمشاه في جميع مملكته، والقضاة والمدرّسون والمفتون في جميع مملكة السلطان نوّابه، فإذا دخل مدينة كان المدرّسون والقضاة والعلماء يحضرون درسه، وكان شافعي المذهب متعصّبا لأصحابه، وكان من عادته انّه إذا دخل مدينة ذهب إليه الفقهاء وقرأوا عليه محفوظهم، وكان الشيخ يولّيهم الأشغال من كان صالحا لها.
دير برصوما
على قلّة جبل ببلاد الروم بقرب ملطية. وهذا دير معتبر عند النصارى، فإنّهم يقولون إن برصوما كان من الحواريّين، وهو الدير الذي ينادى بطلب نذره في بلاد الروم وديار بكر وربيعة والشام. فيه رهبان كثير يؤدّون كلّ عام إلى صاحب الروم عشرة آلاف دينار من نذره.
حكى العفيف مرجى التاجر الواسطي قال: اجتزت بهذا الدير قاصدا بلاد الروم، فسمعت كثرة ما ينذرون له، وان النذر له لا يخطئ، فألقى اللّه على لساني ان قلت: هذا القماش الذي معي مشتراه خمسة آلاف درهم، فإن بعته بسبعة آلاف درهم فلبرصوما من خالص مالي خمسون درهما! فدخلت ملطية وبعته بسبعة آلاف درهم، فلمّا رجعت سلّمت إلى رهبانه خمسين درهما، وسألته عن برصوما فذكر أنّه مسجى على سرير وأن أظافيره تطول كلّ عام، وانّهم يقلّمونها ويحملونها إلى صاحب الروم مع ما له عليهم من القطيعة.
стр. 528
الرّوم
بلاد واسعة من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا وعجائب ذكرت في مواضعها. مياهها أعذب المياه وأخفّها، وهواؤها أصحّ الأهوية وأطيبها، وترابها أطيب الأتربة وأصحّها. ومن خواصّها نتاج الدوابّ والنعم. وليس في شيء من البلاد مثل مائها يحمل منها إلى سائر الآفاق، وكذلك أصناف الرقيق من الترك والروم.
وأهلها مسلمون ونصارى. وشتاؤها يضرب المثل به حتى وصفه بعضهم فقال: الشتاء بالروم بلاء وعذاب وعناء! يغلظ فيها الهواء ويستحجر الماء، تذوي الوجوه وتعمش العيون وتسيل الأنوف وتغيّر الألوان وتقشف الأبدان، وتميت كثيرا من الحيوان. أرضها كالقوارير اللامعة وهواؤها كالزنابير اللاسعة، وليلها يحول بين الكلب وهريره والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره، ويتمنّى أهلها من البرد الأليم دخول حرّ الجحيم!
وبلاد الروم بلاد واسعة ومملكة عظيمة، ولبعدها عن بلاد الإسلام وقوّة ملكها بقيت على كفرها كما كانت، وانّه أحد معجزات رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال: أمّا فارس فلا نطحة أو نطحتان ثمّ لا فارس بعدها! وأمّا الروم فإنّها ذات قرون كلما مرّ قرن يخلفه قرن آخر!
وأهل الروم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس، ولبرد بلادهم ودخولها في الشمال ترى الغالب على ألوانهم البياض، وعلى شعورهم الشقرة، وعلى أبدانهم الصلابة. والغالب على طبعهم مباشرة اللهو والطرب، لأنّ المنجّمين زعموا ان الروم تتعلّق بالزهرة.
وحكي أن أهل الروم كانوا لا يملّكون إلّا من كان أكثرهم عقلا وأوفرهم علما وأصحّهم بدنا، وإذا اختلّ منه شيء من هذه ملّكوا غيره وعزلوه، وكانوا على هذا إلى أن أصاب ملكهم آفّة فهمّوا بعزله، فقال الملك: اصبروا
стр. 529
عليّ زمانا فإن داويت مرضي فأنا أولى من غيري، وإلّا فافعلوا ما شئتم! فذهب إلى بلاد الشام ليتداوى بحمة كانت بها، فرأى الملّة النصرانيّة قد ظهرت بها، فأخذ جمعا من القسوس والرهابين ورجع بهم إلى الروم، ودعا الناس إلى الملّة النصرانيّة ولم يزل يجيب قوم بعد قوم حتى صاروا أمّة واحدة.
وحكي عن أهل الروم أنّهم يتّخذون صور الملوك والحكماء والرهابين يستأنسون بها بعد موتهم. ولهم في التصوير يد باسطة حتى يصوّرون صورة الإنسان ضاحكا وباكيا، وصورته مسرورا وصورته حزينا.
وحكي أن مصوّرا دخل بلدا ليلا ونزل بقوم فضيّفوه، فلمّا سكر قال:
إني صاحب مال ومعي كذا وكذا دينارا، فسقوه حتى طفح وأخذوا ما كان معه وحملوه إلى موضع بعيد منهم. فلمّا أصبح، وكان غريبا لم يعرف القوم ولا المكان، ذهب إلى وإلي المدينة وشكا فقال له الوالي: هل تعرف القوم؟ قال: لا. قال:
هل تعرف المكان؟ قال: لا. قال: فكيف السبيل إلى ذلك؟ فقال الرجل:
إني أصوّر صورة الرجل وصورة أهله فاعرضها على الناس لعلّ أحدا يعرفهم! ففعل ذلك وعرض الوالي على الناس، فقالوا: انّها صورة فلان الحمامي وأهله.
فأمر بإحضاره فإذا هو صاحبه فاستردّ منه المال.
ويقام بالروم سوق كلّ سنة أوّل الربيع أربعين يوما يقال لذلك السوق «بيله» يأتيها الناس من الأطراف البعيدة من الشرق والغرب والجنوب والشمال.
والتجار يجهدون غاية جهدهم حتى يدركوا ذلك السوق، فمتاع أهل الشرق يشتريه أهل المغرب وبالعكس، ومتاع أهل الشمال يشتريه أهل الجنوب وبالعكس.
ويقع فيه من المماليك والجواري التركية والرومية، ومن الخيل والبغال الحسنة، ومن الثياب الأطلس، ومن السقلّاط ومن الفراء الفندر وكلب الماء والبرطاس، ويدلسون تدليسات عجيبة. ومن عادة هذا السوق ان من اشترى شيئا فلا يردّه البتّة؛ وحكي أن بعض التجّار اشترى مملوكا حسن الصورة بثمن بالغ، فلمّا غاب عنه بائعه وجده جارية مستحسنة!
стр. 530
وبها الخانات على طرق القوافل على كلّ فرسخ خان، بنتها بنات السلاطين للثواب، فإن البرد بالروم ثمانية أشهر والثلج كثير، والقفل لا ينقطع في الثلج، فيمشون كلّ يوم فرسخا وينزلون في خان من الخانات، ويكون فيه من الطعام والشعير والتبن والحطب والبزر والاكاف والنعال والمنقل، وانّها خير عظيم لم يبن مثلها في شيء من البلاد.
ومن خواصّ الروم أن الإبل لا تتولّد بها، وإذا حملت إليها تسوء حالها وتتلف.
بها جبل أولستان. في وسط هذا الجبل شبه درب فيه دوران، من اجتاز فيه وفي حال اجتيازه يأكل الخبز بالجبن، ويدخل من أوّله ويخرج من آخره لا يضرّه عضّة الكلب الكلب، وإن عضّ إنسانا غيره فعبر من بين رجلي المجتاز يأمن أيضا غائلته. وهذا حديث مشهور بالروم.
وبها عين النار بين أقشهر وأنطاكية، إذا غمست فيه قصبة احترقت.
حدّثني من شاهدها أنه قد ذكر ذلك للسلطان علاء الدين كيخسرو عند اجتيازه بها، فوقف عليها وأمر بتجربتها، فكان الأمر كما قالوا.
رندة
مدينة حصينة بأرض الأندلس من أعمال تاكرنا قديما. استجلب إليها المياه من ناحية المشرق وناحية المغرب فتوافي المياه داخلها.
بها نهر رندة، وهو نهر يتوارى في غار لا يرى جريه أميالا، ثمّ يخرج إلى وجه الأرض ويجري.
وبها نهر البرّادة، وهو نهر يجري في أوّل الربيع إلى آخر الصيف، فإذا دخل الخريف يبس إلى أوّل الربيع من القابل، وهو على فرسخين من رندة.
стр. 531
روين دز
قلعة في غاية الحصانة على ثلاثة فراسخ من المراغة في فضاء من الأرض.
ضرب بحصانتها وإحكامها المثل. وهي بين رياض على يمينها نهر وعلى يسارها نهر. وعلى القلعة بستان يسمّى عميداباذ، ومصنع بئر الماء من تحتها. وفيها عين في صخرة صمّاء ينبع منها ماء يسير. وبحذاء القلعة جبل، وفي ذلك الجبل عين غزيرة الماء ينزل عن الجبل ويصعد القلعة بطريق الفوارات بصنعة عجيبة، ومنها شرب أهل القلعة، والقلعة لغاية حصانتها في أكثر الأوقات لا يعطي صاحبها الطاعة لصاحب المراغة.
زمخشر
قرية من قرى خوارزم. ينسب إليها العالم الفاضل أبو القاسم محمود بن عمر جار اللّه الزمخشري. كان بالغا في علم العربيّة وعلم البيان، وله تصانيف حسنة ليس لأحد مثلها في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني مع إيجاز اللفظ، حتى لو أن أحدا أراد أن ينقص من كلامه حرفا أو يزيد فيه بان الخلل. ذهب إلى مكّة وجاور بها مدّة فسمّي جار اللّه، وصنّف بمكّة كتاب الكشّاف في الحرم الشريف حتى وقع التأويل حيث وجد التنزيل، وإنّه كتاب في غاية الحسن لولا التعصّبات الباردة على وقف الاعتزال، وانّه كان من أهل العلم والفضل.
هذا منه عجيب.
سبتة
مدينة من بلاد الأندلس على شاطئ مجمع البحرين؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي: مدينة سبتة مدينة عظيمة كثيرة الأهل حصينة مبنية بالحجر وفيها خلق كثير من أهل العلم، وعندها كانت الصخرة التي قال يوشع لموسى،
стр. 532
﵇: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت واتّخذ سبيله في البحر عجبا. وهو الحوت الذي أكلا نصفه والنصف الآخر أحياه اللّه تعالى، فوثب في البحر وارتفعت المياه كالقنطرة، والحوت يمشي تحتها، فلهذا قال:
واتّخذ سبيله في البحر عجبا.
ولها نسل في ذلك الموضع إلى الآن، وهي سمكة أطول من ذراع وعرضها شبر نصفها عظام وشوك، عليها غطاء رقيق يحفظ أحشاءها. ومن رآها من ذلك الجانب يحسب انّها ميتة مأكولة، والنصف الآخر صحيح كما يكون السمك الصحيح، والناس يتبرّكون بها ويهدونها إلى المحتشمين. وأمّا اليهود فإنّهم يشترونها ويقدّدونها ويهدونها إلى البلاد البعيدة.
سبرى حصار
قلعة حصينة بالروم مشهورة على مرحلتين من قونية، بها بيعة كمنانوس.
حدّثني بعض الفقهاء من أهلها أن الدابّة إذا احتبس ماؤها يطاف بها حول هذه البيعة سبعا فينفتح ماؤها، وذلك أمر مشهور يعرفه أهل تلك البلاد كلّهم.
سرقسطة
مدينة كبيرة من أطيب بلاد الأندلس بقعة، وأحسنها بنيانا وأكثرها ثمارا وأغزرها مياها. حكى أحمد بن عمر العذري أنّها لا يدخلها حنش ولا يعيش بها.
ومن أعمالها قرية يقال لها بلطش؛ قال العذري: بها عين يابسة العام كلّه، فإذا كان أوّل ليلة من شهر اغشت انبعثت بالماء تلك الليلة، ومن الغد إلى وقت الزوال، فعند ذلك يبدو فيها النقصان وإلى أوّل الليل يجفّ، ويبقى كذلك إلى تلك الليلة من العام القابل. وسرقسطة بيد الإفرنج، ملكوها سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
стр. 533
سمرقند
مدينة مشهورة بما وراء النهر قصبة الصغد؛ قالوا: أوّل من أسّسها كيكاوس ابن كيقباذ، وليس على وجه الأرض مدينة أطيب ولا أنزه ولا أحسن من سمرقند.
عن أنس بن مالك أنّه قال: مدينة خلف نهر جيحون تدعى بسمرقند، لا تقولوا لها سمرقند ولكن قولوا المدينة المحفوظة. فقالوا: يا أبا حمزة وما حفظها؟ قال: أخبرني رسول اللّه، ﷺ ، أن مدينة خلف النهر تسمّى المحفوظة لها أبواب، على كلّ باب خمسة آلاف ملك يحفظونها، وخلف المدينة روضة من رياض الجنّة، وخارج المدينة ماء حلو عذب من شرب منه شرب من ماء الجنّة، ومن اغتسل به خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، ومن تعبّد فيها ليلة يقبل منه عبادة ستّين سنة، ومن صام فيها يوما فكأنّما صام الدهر، ومن أطعم فيها مسكينا لا يدخل الفقر منزله أبدا.
حكي أن شمر بن افريقيش بن أبرهة جمع جنوده خمسمائة ألف رجل، وسار نحو بلاد الصين، فلمّا وصل إلى الصغد عصى عليه أهل تلك البلاد، وتحصّنوا بسمرقند، فأحاط بها من جميع الجهات وحاصرها، فلم يظفر بها. وسمع أن ملكها أحمق وله ابنة تدبّر أمر الملك، فأرسل إليها هدية عظيمة وقال:
إني إنّما قدمت هذه البلاد لأتزوّج بك، ومعي أربعة آلاف صندوق ذهبا وفضّة أدفعها إليك وأمضي إلى الصين، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت فالمال لك! فأجابته إلى ذلك فأرسل إليها أربعة آلاف صندوق فيها أربعة آلاف رجل، ولسمرقند أربعة أبواب إلى كلّ باب ألف صندوق، وجعل العلامة بينهم ضرب الجرس. فلمّا دخلوا باب المدينة ضربوا الجرس، فخرج الرجال وملكوا الأبواب حتى اتّصل بهم جنود شمر وملكوا المدينة ونهبوها، وقتلوا وهدموا فسمّيت شمركند، فعرّبته العرب وقالوا: سمرقند. ثمّ سار شمر نحو الصين
стр. 534
فمات في الطريق هو وأصحابه عطشا.
فلمّا هلك تبّع بن أبي مالك أراد أن يأخذ بثأر جدّه، فسار نحو الصين، فلمّا وصل إلى سمرقند وجدها خرابا فأمر بعمارتها وردّها إلى ما كانت وأحسن منها. فلمّا كان زمن الإسكندر وجدها موضعا شريفا فبالغ في عمارتها، وبنى لها سورا محيطا بها استدارته اثنا عشر فرسخا، فيها بساتين ومزارع وارحاء، ولها اثنا عشر بابا من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى أعلى السور آزاج وأبرجة للحرب. وإذا جزت المزارع جزت إلى الربض وفيه أبنية وأسواق.
وبها الجامع والقهندز ومسكن السلطان. وفي المدينة الداخلة نهر من رصاص يجري على مسنّاة عالية من حجر، ويدخل المدينة من باب كشّ، وأكثر دروبها ودورها فيها الماء الجاري، ولا تخلو دار من بستان حتى لو صعدت قهندزها لا ترى أبنية المدينة لاستتارها بالبساتين والأشجار. وأمّا داخل سور المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال. وبسمرقند أشياء ظريفة تنقل إلى سائر البلاد: منها الكاغد السمرقندي الذي لا يوجد مثله إلّا بالصين؛ وحكى صاحب الممالك والمسالك انّه دفع من الصين إلى سمرقند سبي، وكان فيهم من يعرف صنعة الكاغد، فاتّخذها ثمّ كثرت حتى صارت متجرا لأهل سمرقند، فمنها تحمل إلى سائر البلاد.
بها جبل قال صاحب تحفة الغرائب: في هذا الجبل غار يتقاطر منه الماء في الصيف، ينعقد من ذلك الماء الجمد، وفي الشتاء من غمس يده فيه يحترق.
ينسب إليها الإمام الفاضل البارع ركن الدين العميدي أعجوبة الزمان، انتشر صيته في الآفاق وفاق كلّ مناظر بالطبع السليم والذهن المستقيم. قال أستاذنا أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري: ما رأيت مناظرا مثل العميدي في فصاحة الكلام وبلاغة المعاني، وحسن التقرير وتنقيح البيان!
وحكي أن زين الدين عبد الرحمن الكشّي، وكان من فحول العلماء، استدلّ في محفل، وكان العميدي حاضرا فصبّ عليه من الملازمات حتى بهره فقال الكشّيّ:
стр. 535
قل واحدا واحدا واسمع جوابه! فلمّا شرع الكشّيّ في الجواب كان العميدي يزيد على الجواب أيضا. فلمّا أظهر القدرة خلّاه حتى تمّمه. وإذا حضر العميدي مدينة حضر جميع الفقهاء عنده، واغتنموا حضوره وقرأوا تصانيفه.
وعزم الذهاب إلى بلاد العراق فقالوا للسلطان: إن هذا رجل عديم المثل زينة لهذه البلاد؛ فمنعه من مفارقة تلك البلاد. فلمّا وصل إلى نيسابور قالوا له:
إن كان لك التماس من السلطان فالتمس ولا تخرج عن مملكته.
وحكي أنّه كان يباحث أحدا فنقل نقلا فأنكر المباحث ذلك النقل، فقام ودخل البيت حتى يأتي بالكتاب الذي فيه النقل فأبطأ الخروج فدخلوا عليه فإذا هو مفارق. وكان ذلك قريبا من سنة عشر وستمائة.
سيواس
مدينة بأرض الروم مشهورة خصينة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات.
أهلها مسلمون ونصارى، والمسلمون تركمان وعوام طلاب الدنيا وأصحاب التجارات، وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة، وأسباب الفسق والبطالة عندهم ظاهرة.
وحكى بعض الغرباء قال: دخلت سيواس فسألت عن مسجد آوي إليه، فدلّوني على بعضها فدخلته فإذا فيه دنان فيها خمور، فحولقت وأردت أن أريقها فقلت: أنا رجل غريب، هذا على يد المحتسب أولى. فسألت عن دار المحتسب وسألت عنه قالوا: إنّه سكران نائم! فعجبت من هذا أيضا أن المحتسب يكون سكران، فصبرت حتى استيقظ وقلت له ما رأيت في المسجد، فقال: هذا مسجد لا وقف له، وأثّر فيه الخراب فأكريناه من بعض الخمّارين وأخذنا الأجرة سلفا، وعمرنا المسجد بها! فقلت: ما أنت رجل مسلم؟ قال: بلى. قلت له:
إراقة الخمر واجب عليك فكيف تركت الواجب؟ فقال: يا هذا أريق خمور النصارى حتى يضمّنوني قيمتها؟ قلت: قالوا لي انّك سكران نائم فكيف يكون المحتسب سكران؟ فقال: إن القوم لقلّة ديانتهم يمزجون الماء بالنبيذ ويبيعونه،
стр. 536
وأنا أذوق منه وأزجر من يفعل ذلك.
وحكي أن بسيواس وقفا على علف الطيور شتاء، وذلك عند وقوع الثلج عمّ جميع وجه الأرض، فعند ذلك ينتقل صغار الطيور من الصحراء إلى العمران، فتشترى الحبوب بحاصل هذا الوقف وتنثر على السطوح لتلتقطها الطيور الضعاف.
شاش
ناحية من وراء نهر سيحون متاخمة لبلاد الترك. كانت أكبر ثغر في وجه الترك، وكانت من أنزه بلاد اللّه وأكثرها خيرا. وكانت عامّة دورهم يجري فيها الماء وكلّها مستترة بالخضرة، فخربت في زمن السلطان محمّد خوارزمشاه، بسبب اختلاف عساكره وعساكر خطا، فقتل ملوكها وجلا أهلها عنها لعجزه عن ضبطها، فبقيت تلك الديار والأنهار والأشجار والأزهار خاوية على عروشها، وذلك قبل ورود التتر.
ينسب إليها أبو بكر محمّد بن عليّ بن إسماعيل القفّال الشاشي. كان عالما فقيها ذا تصانيف كثيرة. درس على أبي العبّاس بن سريج، وهو الذي أنشأ علم المناظرة وأظهر مذهب الشافعي ببلاد ما وراء النهر. وكان أوّل أمره قفّالا، عمل قفلا وزنه دانق مع الفراشة والمفتاح، فتعجّب الناس من حذقه. واختار مذهب الشافعي وعاد إلى ما وراء النهر، وانتشر فقه الشافعي بما وراء النهر مع غلبة الحنفية هناك. وكان علّامة في التفسير والفقه والأدب والجدل والأصول.
وبها جبل اسبرة؛ قال الإصطخري: هي جبال يخرج منها النفط، وانّها معدن الفيروزج والحديد والصفر والانك والذهب. ومنها جبل حجارته سود يحترق مثل الفحم، يباع منه وقر أو وقران بدرهم، فإذا احترق اشتدّ بياض رماده فيستعمل في تبييض الثياب، ولا يعرف مثله في شيء من البلاد، وفي الطبيعة عجائب لا يعلم سرّها إلّا اللّه.
стр. 537
شاطبة
مدينة كبيرة قديمة في شرقي الأندلس، يذكر أهلها بالشرّ والظلم والتعدي؛ قال صفوان بن إدريس المرسي في وصف شاطبة:
شاطبة الشّرق شرّ دار … ليس بسكّانها فلاح
الظّلم عند الورى حرام … وإنّه عندهم مباح!
ينسب إليها المقرئ الشاطبي. عمل قصيدة طويلة لأميّة، وذكر القراءات فيها وأسماء القرّاء بالحروف المرموزة، ولم يقصّر في جميع ذلك ونظمه.
شاشين
جزيرة توازي حدّ الأندلس، طولها مسيرة عشرين يوما. وهي كثيرة الخيرات آهلة كثيرة المواشي جدّا، وغنمها بيض كلّها، لا يكاد يوجد بها شاة سوداء. وأهلها أكثر الناس تحلّيا بالذهب، فيكون الوضيع والشريف يطوّق بالذهب، ولأشرافهم أسورة الذهب في زنودهم، وملوكهم يركّبون صفائح الذهب على دروز الخياطة من الثياب.
بها نوع من الصوف في غاية الحسن، لا يوجد مثلها في شيء من البلاد؛ قالوا سبب ذلك أن نساءها يدهنّ الصوف بشحم الخنزير، فيجوّد عملها ولونها أبيض أو فيروزجيّ وانّها في غاية الحسن.
وبها عجب ليس في جميع الدنيا، وهو أن على شاطئ بحرهم شجرا فربّما انهارت الأجراف ووقعت الشجرة في البحر، فيضطرب من الأمواج حتى يصير عليه طخاء أبيض، فلا يزال كذلك ويصير الطخاء زائدا حتى يصير في خلقه بيضة، ثمّ تخطط البيضة على خلقة طائر فلا يحتبس إلّا رجلاه ومنقاره، فإذا أراد اللّه نفخ الروح فيه يخلق ريشه وينفصل الرجلان والمنقار من العود فيصير
стр. 538
طائرا يسعى في البحر على سطح الماء، ولا يوجد حيّا أبدا، فإذا مدّ البحر حمله الماء إلى السواحل فيوجد ميتا. وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي يقال له الغطاسة.
وحكى أحمد بن عمر العذري أن بعض الناس أتى بعود، وقد تخلّق فيه حمل من البيض إلى بعض الملوك، فأمر الملك أن يبنى عليه قبّة شبه قفص ويترك في الماء، فلم يزل على الضفة حتى تبرأت الطيور من العود داخل القبّة.
شبليّة
قرية من كور أسروشنة بما وراء النهر من أعمال بخارى. ينسب إليها أبو بكر دلف بن جعفر الشبلي الزاهد العارف، أعجوبة الدهر وصاحب الحالات العجيبة؛ كان أبوه حاجب الموفق فورث منه ستّين ألف دينار، فحضر مجلس جبر النسّاج وأنفق ذلك المال على الفقراء، وذهب إلى ناحية دماوند وقال لأهلها:
اجعلوني في حلّ، فإني كنت والي بلدكم، وقد فرطت مني فرطات. وحكى أبو عليّ الدقاق انّه كان للشبلي في بدء أمره مجاهدات شديدة حتى انّه كان يكتحل بالثلج والملح حتى لا ينام، وكان في آخره يقول:
وكم من موضع لوّمت فيه … لكنت به نكالا في العشيرة
وحكي أن الشبلي سئل عن العارف والمحبّ، فقال: العارف إن تكلّم هلك، والمحبّ إن سكت هلك. ثمّ أنشد:
يا أيّها السّيّد الكريم، … حبّك بين الحشا مقيم
يا دافع النّوم عن جفوني … أنت بما حلّ بي عليم!
وكان بين يديه مرآة ينظر فيها كلّ ساعة ويقول: بيني وبين اللّه عهد ان ملت عنه عاقبني، وأنا أنظر كلّ ساعة في المرآة لأعرف هل اسودّ وجهي أم لا.
وكان إذا اشتدّ به الوجد يقول:
стр. 539
أنت سؤلي ومنيتي … دلّني كيف حيلتي؟
قد تعشّقت وافتضح … ت وقامت قيامتي!
محنتي فيك أنّني … لا أبالي بمحنتي
يا شفائي من السّقام … وإن كنت علّتي
تعبي فيك دائم … فمتى وقت راحتي؟
وحكي انّه كان محبوسا في المارستان، فدخل عليه جماعة فقال: من أنتم؟ فقالوا: أحبابك جئناك زائرين! فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال:
لو كنتم أحبابي لصبرتم على بلائي! توفي الشبلي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة.
شغنسة
مدينة بالأندلس بقرب وادي الحجارة؛ قال العذري: من عجائبها الجبل الذي هو مطلّ عليها، إذا كسر حجره يخرج من كسره زفت أسود شبه القار، ومن أراد يجمع منه ما شاء. وليس للهوامّ بها كثير فعل.
شلب
مدينة بالأندلس بقرب باجة؛ قال العذري: لها بسيط يتّسع وبطائح تنفسح، وبها جبل عظيم منيف كثير المسارح والمياه.
من عجائبها ما ذكره خلق لا يحصى عددهم أنّه قلّ أن يرى من أهل شلب من لا يقول شعرا ولا يتعانى الأدب، ولو مررت بالحرّاث خلف فدّانه وسألته الشعر لقرض في ساعته أي معنى اقترحت عليه، وأيّ معنى طلبت منه صحيحا!
стр. 540
شنترة
مدينة بالأندلس بقرب الأشبونة على ساحل البحر، وعليها ضبابة دائمة لا تنقشع. من عجائبها تفّاحها، فإنّ بها تفّاحا دورة واحدة منها ثلاثة أشبار، وهي الآن بيد الفرنج. ملكوها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
شنترين
مدينة بالأندلس بقرب باجة على ساحل البحر. أرضها في غاية الكرم. مبنيّة على نهر باجة، وللنهر فيض في بطائحها كفيض النيل بمصر. زرع أهلها على نداوته في مواضع فيضه بعد فوات أوان الزرع في غيرها من البلاد، فيدرك بالعاجل.
وبها يوجد العنبر الجيّد الذي يقذفه البحر إلى ساحله في بعض الأوقات، يحمل منها إلى سائر البلاد.
ومن عجائبها ما ذكر أن دابّة تخرج من البحر هناك وتحتك بحجارة على ساحل البحر فيسقط منها وبرة على لون الذهب ولين الخزّ وهي قليلة عزيزة جدّا فيجمعها الناس وينسج منها الثياب فيحجر عليها ملوكهم ولا تنقل من بلادهم إلّا بالخفية، وتزيد قيمة الثوب منها على ألف دينار لحسنه وعزّته.
شنت مريّة
مدينة قديمة بالأندلس. ومعنى شنت مرية بلغة الفرنج مدينة مريم. وبها كنيسة؛ قال أحمد بن عمر العذري: انّها بناء رفيع وسوار عظيمة من فضّة، لم ير الراؤون مثلها في طول مفرط وعرض لم يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها.
وبها عين ماء إذا رآها الناظر من البعد لا يشكّ في أنّها جارية، فإذا قرب منها ووقع البصر على منبعها لم يرها جارية أصلا، فإذا تباعد عنها رآها جارية!
стр. 541
وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها، قال عبد اللّه البطليوسي النحوي يهجوها:
أناخت بنا في أرض شنت مريّة … هواجس ظنّ خان والظنّ خوّان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها … فلا ماؤها صاد ولا النّبت سعدان
شنقنيرة
أرض بالأندلس من أعمال لورقة. خصّها اللّه تعالى بالبركة وقوّة لم توجد في غيرها من الأراضي. وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنّها حسنة المنظر والمخبر، كثيرة الريع طيّبة المرتع، الحبّة من زرعها تتفرّع إلى ثلاثمائة قصبة، ومسافة هذه الأرض أربعون ميلا من قرطاجنة إلى لورقة، يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك. ليست هذه الخاصيّة لشيء من أراضي غيرها.
صغد
كورة بين بخارى وسمرقند، إحدى جنان الدنيا؛ قالوا: جنان الدنيا أربع:
صغد سمرقند، وغوطة دمشق، وشعب بوّان، وأبلّة البصرة. أمّا صغد سمرقند فإنّها قرى متّصلة، خلال الأشجار والبساتين، من سمرقند إلى قريب من بخارى، لا يتبيّن القرية حتى يأتيها لا لتحاف الأشجار بها. وهي أطيب أرض اللّه، كثيرة الأشجار متجاوبة الأطيار غزيرة الأنهار، وزادت على غيرها من الجنان بلطافة الهواء وعذوبة الماء. وليس بصغد سمرقند مكان إذا علاه الناظر يقع بصره على صحراء غبراء أو جبال خالية غير شجراء.
وإنّها على واد يمينا وشمالا، ومقدارها في المسافة خمسة أيّام تشتبك الخضرة والبساتين والرياض، وقد حفّت بالأنهار الدائم جريها، والحياض في صدور رياضها، وخضرة الأشجار والزروع ممتدّة على حافتي واديها، من وراء الخضرة من الجوانب المزارع تكتنفها، ومن وراء المزارع مراعي سوائمها.
стр. 542
وفي كلّ مدينة وقرية قصورها وقهندزها تلوح في أوساطها كالثوب الديباج الأخضر وقد طرّز بمجاري مياهها، وزيّنت بتبييض قصورها. وهي أزكى بلاد اللّه وأحسنها أشجارا وأثمارا، وفي عامة مساكن أهلها البساتين والمياه الجارية.
ومساحة الصغد ستة وثلاثون فرسخا في ستة وأربعين فرسخا. قصبتها سمرقند.
طراز
مدينة في أقصى بلاد الشاش ممّا يلي تركستان. وهي حدّ بلاد الإسلام لأنّك إذا جزتها دخلت في خرقاهات الخرلخية. وطراز مدينة طيّبة التربة عذبة الماء لطيفة الهواء كثيرة الخيرات، أشبه شيء بالجنّة لأن أهلها في غاية حسن الصورة ليس في تلك النواحي أحسن منهم صورة، رجالهم ونساؤهم إلى حدّ يضرب بحسن صورتهم المثل؛ قال أبو الحسن بن زيد البيهقي:
ظبي أباح دمي وأسهر ناظري … من نسل ترك من ظباء طراز
للحسن ديباج على وجناته … وعذاره المسكيّ مثل طراز
مع طوق قمريّ ونغمة بلبل … وجمال طاووس وهمّة باز
طرطوشة
مدينة قديمة بالأندلس بقرب مدينة بلنسية مشتركة على نهر ابره. وهي برية وبحريّة، وهي مدينة داخلة في مدينة، من عجائب المدينة الداخلة ما حكاه العذري أنّها لا يدخلها جيش أصلا. وذكر أيضا أن البعوض ما كان يدخلها فيما مضى من الزمان، حتى أن الواقع على سورها إذا أخرج يده عن السور وقع عليها البعوض، وإذا ضمّها سقط البعوض عنها.
وبها موضع يعرف بمغراوة به نار مستكنّة في الأرض غير بادية للعيون، لكنه يبدو على الموضع اواد، فمن أراد أن يحقّقه أدخل في الموضع عودا، فإنّه يحترق في ساعة ويصير جمرة.
стр. 543
وبها جبل كثير الخير والبركة، وهو جبل منيف به جميع أنواع الثمار، وفي أعلاه مروج كثيرة المياه والمراعي، وبه شجر يشبه خشبه خشب الساج تتّخذ منه الآلات والظروف.
وبها معدن الكحل الطيب الذي هو غاية ومعدن الزجاج. وفي واديها الحوت الطيب من البوري والشوري الذي يكون في الواحد قنطار، ويخرج منه السمور وفيه أرحاء في الغوارب يكون بيت الرحا في الغارب، والدولاب يدور خارج الغارب بالماء، فإن شاء صاحبها ينقل الغارب من موضع إلى موضع. ومثل هذا بالموصل كثير في دجلة، وهم يسمّونه الغربة.
طرّكونة
مدينة عظيمة قديمة بالأندلس، على شاطئ البحر الشامي بقرب طرطوشة؛ قال العذري: تحت مدينة طرّكونة سراديب واسعة، وفيها بنيان كثيرة، قال:
حدّثني شيخ مسنّ يقال له ابن زيدان انّه نزل في هذه البنيان، فضلّ فيها هو وأصحابه ثلاثة أيّام، فوجد فيها بيوتا مملوءة قمحا وشعيرا من الزمان الأوّل، وقد تغيّر لونها، ولولا ضوء رأوه في اليوم الثالث ما خرجوا أبدا، والمدينة الآن مع الإفرنج.
طلبيرة
مدينة قديمة بقرب طليطلة، مبنية على قلّة جبل عظيم، من عجائبها عين ينبع منها ماء كثير، يدور عليه عشرون رحا.
طليطلة
مدينة كبيرة بالأندلس، من أجلّ مدنها قدرا وأكثرها خيرا، تسمّى مدينة الملوك. ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة
стр. 544
لا تتغيّر.
وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنّها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر، لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلّا قنطرة صور؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي: بقرب طليطلة نهر عظيم، بنت الجنّ على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنّها قوس قزح، كلّ صخرة منها مثل بيت كبير، وقد شدّت تلك الحجارة بجذوع من حديد، وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد، يتعجّب الناظرون منها لجودة بنائها، وماء ذلك النهر لا ينقطع أبدا.
وبها حجر المطر، وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجرا إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه. وكلّما أرادوا المطر فعلوا ذلك.
وبها صورة ثورين من حجر صلد؛ قال العذري: ان طارقا لمّا غزا طليطلة ركب على الثيران، وكان ذلك الموضع معسكره، فلعلّ ذلك شيء من الطلسمات.
وكان بها بيت الملوك. كلّ من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت، وكتب عليه عمر صاحبه ومدّة ولايته، وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلا، ووصّى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت، حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق، دخل البيت الأوّل فوجد فيه أربعة وعشرين تاجا على عدد ملوكهم، ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلا، ظنّ أن فيه مالا فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك، وسألوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله، فأبى إلّا فتحه، فقالوا له: أيّها الملك، انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه. فأبى إلّا فتحه.
فلمّا فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم، وإذا فيه مكتوب: الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلا، فإذا فتح فقد ذهب الملك!
فندم لذريق على فتح الباب، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها
стр. 545
الباب في أيّام الوليد بن عبد الملك. ولمّا فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود، ﵇، من ذهب، فلم يمكن نقلها لعظمها. فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل، وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وإلى الآن بيدهم.
غرناطة
مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة، من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها، ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيّين، يشقّها نهر يعرف بنهر قلوم، وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص.
بها جبل الثلج مطلّ عليها، على ذروته توجد أيّام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة، وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا؛ قال أبو حامد الأندلسي: بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون، والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة، فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء، ففاضت ماء كثيرا، ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثمّ ينعقد زيتونا، ويكبر ويسودّ في يومه ذلك اليوم، فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه، ومن ذلك الماء للتداوي.
وقال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي إنّها بغرناطة. وحدّثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انّها بسقورة. وقال العذري: انّها بلورقة. والقائلون كلّهم أندلسيون، والمواضع المذكورة كلّها من أرض الأندلس، فجاز ان كلّ واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه.
غنجرة
مدينة في داخل الروم. بها نهر يسمّى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انّه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين
стр. 546
وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة، وتتابعت إلى اليوم. سقط منها أبنية كثيرة، وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر، وتبع من ذلك الخسف ماء حارّ كثير شديد الحرارة، حتى غرق منه سبعون ضيعة، وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال، وبقي ذلك الماء على وجه الأرض تسعة أيّام ثمّ نضب.
فاراب
مدينة من بلاد ما وراء النهر. ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي، وهو أوّل حكيم نشأ في الإسلام. فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربيّة، وقد خصّه اللّه تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء، فكان يمشي في البلاد متنكّرا من خوف الملوك، فإنّهم كانوا يطلبونه، فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدّة، ويشتري بها دارا وبستانا وجواري وعبيدا، فإذا ملّ عنها زوّج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها، ولا يرجع إليها أبدا.
وكان معاصرا للصاحب بن عبّاد، وزير مجد الدولة بن بويه، وكان الصاحب شديد الطلب له؛ حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرّة، وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم، وكان حاذقا بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئا من الملاهي، وضرب ضربا فضحك القوم كلّهم، ثمّ ضرب ضربا فبكى القوم كلّهم، ثمّ ضرب ضربا فنام القوم كلّهم، ثمّ قام وفارقهم وهرب.
وقيل: ان الصاحب بن عبّاد كان بالري، فدخل عليه أبو نصر متنكّرا فما عرفه. وحكي أن أبا نصر كان في قفل يمشي في بلاد الشام، فوقع عليهم اللصوص فسلّم إليهم ماله وخيله فأبوا إلّا قتله، فنزل عن الدابّة وتستّر بالمجن، وكان حاذقا في الرمي، فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة.
стр. 547
فبرة
مدينة قديمة بأرض الأندلس بقرب قرطبة، قال العذري: بها مغارة عجيبة لا يعرف قدرها البتّة يقال لها باب الرياح، إذا وقفت عليه وعلقت فيه ثوبا رفعته الريح في الجوّ. وقال أيضا: إن بعض ملوك بني أميّة أمر أن يردم ذلك الغار بالتبن، فحشدوا أهل الناحية وأمروهم بذلك حتى استوى الردم إلى أعلى الغار، وقعد الناس على فم الغار فتحرّك بهم الردم وساخ من ساعته، ونجا الناس. ولم يعلم أين ذهب ذلك التبن، إلّا أنّهم رأوا بعض منابع ذلك الجبل أخرج منه بعض ذلك التبن.
فراغة
مدينة بالأندلس بقرب لاردة. وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة. وإنّها حسنة المنظر طيبة المخبر. بها سراديب تحت الأرض كثيرة، وهي عندهم ملجأ من العدوّ إذا طرقهم. وصفتها أنّها بئر ضيّقة الرأس واسعة الأسفل، وفي أسفلها أزقّة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع، فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها، وإن انتشر فيها الدخان دخلوا في الأزقّة وسدّوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم، وإن طمّوها يكون لها باب آخر خرجوا منه، وتسمّى هذه السراديب عندهم الفجوج، ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها. وإن ذلك عندهم من أبواب البرّ.
فرمنتيرة
جزيرة في البحر المحيط، طولها عشرون ميلا وعرضها ثلاثة أميال، وانّها في وسط البحر. وهواؤها طيّب وتربتها كريمة ومياه آبارها عذبة. وبها عمارات ومزارع. ولطيب هوائها وتربتها لا يوجد فيها شيء من الهوام أصلا، لأن
стр. 548
الهوامّ والحشرات تولدها من العفونات، ولا عفونة بها. وحكي أن بها منبت الزعفران الجيّد الغاية الذي لا يوجد في موضع خير منه.
فهمين
قلعة بأرض الأندلس بقرب طليطلة حصينة جدّا. بها بئر شرب أهل القلعة منها، ولم يعرف فيها علق أصلا، فكثر فيها الطين بطول زمان. فاحتاجوا إلى كسحها فأخرجوا منها طينا كثيرا، فكثر ماؤها إلّا انّه تولّد فيها علق كثير تعذر معه شرب مائها، لأن العلق كان ينشب بحلق شارب الماء، فوجدوا في وسط الطين المخرج منها علقا من النحاس، فرموه في البئر فانقطع العلق منها.
قادس
جزيرة بقرب الأندلس، طولها اثنا عشر ميلا. بها آبار مياهها عذبة، وفيها آثار قديمة غيّرها الزمان: منها الطلسم المشهور الذي عمل لدفع البربر عن جزيرة الأندلس، وهو ما حكي أن صاحب هذه الجزيرة كان من ملوك الروم قبل الإسلام، وكانت له بنت ذات جمال، فخطبها ملوك تلك النواحي فقالت البنت: لا أتزوّج إلّا بمن يعمل في جزيرتي طلسما يمنع البربر من دخولها أو يسوق الماء إليها من البرّ بحيث يدور الرحا عليها! فشرع ملكان أحدهما في عمل الطلسم والآخر في سوق الماء إليها من البرّ، فقيل لها: بمن تتزوّجين؟ فقالت:
أتزوّج بالسابق منهما!
أمّا صاحب الماء فقد اتّخذ في وسط البحر بناء محكما، وثقه بالحجارة والرصاص بحيث لا يشرب شيئا من ماء البحر، وسرّح الماء إليه من نهر من البرّ حتى وصل إلى جزيرة قادس، وأثره في البحر إلى الآن ظاهر لكنّه مهدوم بطول المدّة.
وأمّا صاحب الطلسم فقد اتّخذ تمثالا من الحديد مخلوطا بالصفر على صورة
стр. 549
رجل بربري، له لحية متلحّف بوشاح ورداء مذهّب قد تعلّق من منكبه إلى أنصاف ساقيه، وقد جمع فضلتيه بيده اليسرى منضمة إلى صدره، ويده اليمنى ممدودة بمفتاح قفل في يده، قابض عليه مشيرا إلى البحر كأنّه يقول: لا عبور! وهو قائم على رأس بناء عال، طوله نيف وستون ذراعا، وطول الصورة قدر ستّة أذرع، وذكر أن البحر الذي تجاه الصورة، ويسمّى الابلاية، لم ير ساكنا ولا تجري فيه السفن بعد ذلك.
وحكي أن صاحب سوق الماء سبق صاحب الطلسم فقال صاحب الجزيرة:
لا تظهروا سبقه حتى لا يبطل علينا عمل الطلسم. فلمّا فرغ الصانع من الطلسم قيل له: قد سبقت! فالقى نفسه من أعلى الموضع الذي عليه الطلسم فمات.
فحصل لصاحب الجزيرة الماء والطلسم فما زال الأمر على ذلك. كان البحر مضطربا والجزيرة محفوظة إلى سنة أربعمائة، فوقع المفتاح من يد الصورة، فحمل إلى صاحب مدينة سبتة فوزنه، فكان فيه ثلاثة أرطال، فسكن البحر حينئذ وعبرت السفن فيه. وذكر أيضا أن الطلسم هدم في سنة أربعين وخمسمائة، هدموه رجاء أن يوجد تحته شيء من المال، فلم يوجد شيء فيه.
قاليقلا
مدينة بأرمينية تنسب إلى امرأة اسمها قالي، فكأنّه قال قالي بنت، كما يقال دارابجرد، وصوّرت صورة نفسها على باب المدينة.
يجلب منها البسط والزلالي التي يقال لها قالي. ولأهلها يد باسطة في صنعتها، ومنها تحمل إلى سائر البلاد.
بها بيعة الشعانين؛ قال ابن الفقيه: انّها بيعة للنصارى فيها بيت كبير مخزن مصاحفهم وصلبانهم، فإذا كانت ليلة الشعانين يفتح باب في ذلك الموضع معروف، يخرج منه تراب أبيض فلا يزال يخرج ليلته إلى الصباح فينقطع حينئذ، فيأخذه الراهب ويدفعه إلى الناس. وخاصيته دفع السموم ولدغ العقارب والحيات،
стр. 550
يداف منه وزن دانق في ماء فيشربه الملسوع فيسكن في الوقت ألمه.
وفيه أعجوبة أخرى، وذلك انّه ان بيع منه شيء لم ينتفع به صاحبه، ويبطل عمله.
قرطبة
مدينة عظيمة في وسط بلاد الأندلس. كانت سرير ملك بني أميّة، دورتها أربعة عشر ميلا وعرضها ميلان، على النهر الأكبر الذي يعرف بوادي الكبير وعليه جسران.
ومسجدها الجامع من أكبر مساجد الإسلام وأجمعها لمحاسن العمد والبنيان، طوله أربعمائة ذراع وعرضه ثلاثمائة، وعمده ورخام بنيانه بفسيفساء وذهب، وبحذائه سقايات وحياض فيها من الماء الرضراض.
وبها كنيسة الأسرى، وهي مقصودة معتبرة عند النصارى؛ قال العذري:
إن المسلمين همّوا بفتح قرطبة فأسروا راعيا من رعاتها وسألوه عنها، فذكر أنّها حصينة جدّا إلّا أن فيها ثغرة فوق باب القنطرة. فلمّا جنّهم الليل ذهبوا إلى تلك الثغرة ودخلوا منها، وجاؤوا إلى باب المدينة الذي يقال له باب القنطرة، وقتلوا الحراس وفتحوا الباب ودخلوا المدينة. فلمّا علم صاحب قرطبة أن المسلمين دخلوا خرج مع وجوه المدينة وتحصّن بهذه الكنيسة، فحاصرهم المسلمون ثلاثة أيّام. فبينا هم كذلك إذ خرج العلج على فرس أصفر هاربا حتى أتى خندق المدينة، فتبعه أمير المسلمين واسمه مغيث. فلمّا رأى مغيثا حرّك فرسه فسقط واندقّت رقبته فأسره مغيث ورجع إلى بقيّة العلوج فأسرهم وقتلهم، فسميّت الكنيسة كنيسة الأسرى.
وبها جبال معدن الفضّة ومعدن الشادنج، وهو حجر يقطع الدم، ومعدن حجر التوتيا ومعدن الشبوب، وتجلب من قرطبة بغال قيمة واحد منها تبلغ خمسمائة دينار لحسن شكلها وألوانها، وعلوّها وصحّة قوائمها.
стр. 551
قسطلونة
مدينة قديمة بالأندلس بقرب بسطة. بها جبل فيه غار يتقاطر الماء من أعلاه في حفيرة تحته لطيفة نقطة نقطة، ويجتمع في تلك الحفيرة بذوبانها ولا يغيض، فإن شرب من ماء تلك الحفيرة عدد كثير لم ينقص؛ قال العذري: أخبرني بهذا جماعة شاهدوها، وهذا أمر شائع مستفيض في ذلك الموضع؛ قال: وفي هذا الغار ميت لا يغيّره طول الأزمنة ولم يعرف له خبر.
قلعة اللّان
إنّها قلعة في غاية الحصانة بأرض اللان على قلّة جبل. وهي من القلاع الموصوفة بالحصانة، تسمّى باب اللان؛ قالوا: لو أن رجلا واحدا يمنع جميع ملوك الأرض عنها يصحّ له ذلك، لتعلّقها بالجوّ وعسر الطريق. ولها قنطرة عجيبة البناء عظيمة، وعجبها ممّا يبصر لا ممّا يذكر، فإن اللفظ لا يعطي معنى.
عجبها بناها سندباذ بن كشتاسف بن لهراسف، والقلعة على صخرة صمّاء بها عين ينبع الماء العذب من الصخرة الصمّاء. بها عجيبان: القنطرة والعين في وسط القلعة من الصخرة الصمّاء.
قيصريّة
مدينة عظيمة في بلاد الروم، بناها ملك الروم من الحجارة، وهي كثيرة الأهل عظيمة العمارة، والآن هي كرسي ملك بني سلجوق وهم ملوك مسلمون.
بها آثار قديمة يزورها الناس. وبها موضع يقولون انّه حبيس محمّد بن الحنفية.
وبها جامع أبي محمّد البطّال، وكان بها حمام بناه بليناس الحكيم لقيصر ملك الروم من عجائب الدنيا. كان يحمى بسراج.
وبها موضع بين قيصرية واقصرا يشبه بيدرا مسخ حجرا، فصبرة الحنطة
стр. 552
انقلبت حجرا أحمر، وصبرة التبن انقلبت حجرا أبيض اللون. وحولها تماثيل حجريّة تشبه تماثيل الحيوانات من الإنسان والهائم، لكنها تغيّرت وفنيت بطول الوقت، وبقرب قيصرية جبل فيه من الحيات ما لا يحصى، إلّا أنّها لا تخرج منه لطلسم عمله الحكماء، فلا يخرج منه شيء البتّة.
كشّ
مدينة بقرب سمرقند حصينة. لها قهندز وربض؛ قال الإصطخري:
مدينة كش ثلاثة فراسخ في مثلها جرومية تدرك بها الثمار أسرع من سائر بلاد ما وراء النهر، غير أنّها وبيئة، وعماراتها حسنة جدّا.
وفي عامة دورها الماء الجاري والبستان. بها شوك الترنجبين يحمل منها إلى البلاد كلّها. وفي جبالها العقاقير الكثيرة. ومنها يرتفع الملح المستحجر.
ومن مفاخرها أبو إسحاق الكشّيّ المشهور بالجود والكرم. ومن العجائب ما حكي عنه أنّ بعض أصدقائه شكا إليه سوء حاله وكثرة ديونه، فسأله أبو إسحاق عن مقدار دينه ووزن في الحال وقال: اصرف هذا في دينك! ثمّ وزن مثلها وقال: اصرف هذا في مصالحة شأنك! وجعل يعتذر إليه اعتذار المذنب.
فلمّا ذهب الرجل بكى بكاء شديدا، فسئل عن بكائه فقال: بكائي على غفلتي عن حال صديقي حتى افتقر إلى رفع الحال إليّ والوقوف موقف السؤال.
كند
من قرى خجند بما وراء النهر، يقال لها كند باذام، وباذام هو اللوز لأن بها لوزا كثيرا. بها اللوز الفريك، وهو لوز عجيب ينقشر إذا فرك باليد.
стр. 553
لبلة
مدينة بالأندلس قديمة بقرب إشبيلية، كثيرة الخيرات فائضة البركات، بها آثار قديمة، بها نهر لهشر، وبهذا النهر ثلاث عيون: إحداها عين لهشر وهي أغزرها ماء وأعذبها، والثانية عين الشبّ فإنّها تنبعث بالشبّ، والثالثة عين الزاج فإنّها تنبعث بالزاج، فإذا غلبت عين ماء لهشر صار الماء عذبا، وإذا غلبت عين الشبّ أو الزاج حال طعم الماء.
قال العذري: سور المدينة قد عقد بناؤه على تصاوير أربعة: صنم يسمّى درديا وعليه صنم آخر، وصنم يسمّى مكيخا وعليه صنم آخر. والمدينة مبنية على هذه الأصنام وما علا من البناء موضوع على أعناقها. ومدينة لبلة انفردت بهذه البنية على سائر المدن.
وبها صيد البرّ والبحر جميعا. ويجلب منها العصفر الجيد، والعنّاب الذي لا نظير له في الآفاق، ويعمل بها الأديم الجيد الذي يحاكي الطائفي.
لشبونة
مدينة بالأندلس قديمة في غربي قرطبة قريبة إلى البحر. بها جبال فيها أوكار البزاة الخلّص، ولا تكون في غيرها. ولعسلها فضل على كلّ عسل بالأندلس يشبه السكر، إذا لفّ في خرقة لا يلوثها.
وبها معدن التبر الخالص، ويوجد بساحلها العنبر الفائق، ملكها الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهي إلى الآن بيدهم.
لورقة
مدينة كبيرة بالأندلس، قاعدة كورة تدمير. هي أكرم بقاع الأندلس وأكثرها خيرا سيما الفواكه، فإن بها من أصناف الفواكه ما لا يوجد في غيرها
стр. 554
حسنا وكثرة، سيما الكمثرى والرمان والسفرجل. ومن قوّة أرضها ما ذكره العذري أن بها عنبا وزن العنقود منه خمسون رطلا بالبغدادي، وان الحبّة من الحنطة تصيب هناك مائة حبّة.
وبأرض لورقة يسقي نهر كنيل مصر، يبسط على الأرض فإذا غاض يزرع عليه، ويبقى طعامها في المطامير خمسين سنة وأكثر ولا يتغيّر، وكثيرا ما تصيبها آفة الجراد. وحكي انّه كانت في بعض كنائسها جرادة من ذهب، وكانت لورقة آمنة من جائحة الجراد، فسرقت تلك الجرادة فظهر الجراد في ذلك العام، ولم يفقد بعد ذلك. وأيضا لم توجد بها علّة البقر التي تسمّى اللقيس إلى أن وجد في بعض الأساس ثوران من صفر، أحدهما قدام الآخر، يلتفت إليه.
فلمّا أخذ من ذلك الموضع وقعت اللقيس في ذلك العام.
ومن عجائبها شجرة زيتونة في كنيسة في حومة جبل، في كلّ سنة في وقت معلوم تنوّر وتعقد وتسودّ وتطيب في يوم آخر، وهي مشهورة عرفها الناس؛ حكى العذري أن هذه الشجرة قطعها أصحابها، وهم نصارى، وإنّما فعلوا ذلك لكثرة الواردة عليهم بسببها وتزاحم الناس، فبقيت مقطوعة زمانا ثمّ لقحت بعد ذلك، وهي الآن باقية؛ كذا ذكره العذري في شهور سنة خمسين وأربعمائة.
وقال أيضا: أخبرني إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قال: سمعت ملك الروم يقول إني أريد أن أرسل إلى أمير المؤمنين بالأندلس هدية، فإن من أعظم حوائجي عنده انّه صحّ عندي أن في الفاتحة الكريمة كنيسة، وفي الدار منها زيتونة إذا كانت ليلة الميلاد تورّقت وعقدت وأطعمت من نهارها. اعلم أن لشهيدها محلّا عظيما عند اللّه، فأتضرّع إلى معاليه في تسلية أهل تلك الكنيسة ومداراتهم حتى يسمحوا بعظام ذلك الشهيد، فإن حصل لي هذا كان أجلّ من كلّ نعمة.
وبها وادي الثمرات؛ ذكر العذري أن هناك أرضا تعرف بوادي الثمرات يرد إليه ماء واد هناك يسقيه، فينبت التفاح والكمثرى والتين والزيتون ونحوها سوى شجر التوت من غير غرس أصل؛ لقد حدّث بذلك جماعة من ثقات الناس.
стр. 555
مالطة
جزيرة بقرب جزيرة الأندلس، عظيمة الخيرات كثيرة البركات، طولها نحو ثلاثين ميلا، وهي آهلة وبها مدن وقرى وأشجار وأثمار، غزاها الروم بعد الأربعين والأربعمائة. حاربوهم وطلبوا منهم الأموال والنساء، فاجتمع المسلمون وعدّوا أنفسهم وكان عدد عبيدهم أكثر من عدد الأحرار، فقالوا لعبيدهم:
حاربوا معنا فإن ظفرتم فأنتم أحرار وما لنا لكم، وإن توانيتم قتلنا وقتلتم! فلمّا وافى الروم حملوا عليهم حملة رجل واحد، ونصرهم اللّه فهزموهم، وقتلوا من الروم خلقا كثيرا، ولحق العبيد بالأحرار، واشتدّت شوكتهم فلم تغزهم الروم بعد ذلك أبدا.
ينسب إليها ابن السمنطي الشاعر المالطي. كان آية في نظم الشعر على البديهة؛ قال أبو القاسم بن رمضان المالطي: اتّخذ بعض المهندسين بمالطة لملكها صورة تعرف بها أوقات ساعات النهار، وكانت ترمي بنادق على الصناج، فقلت لعبد اللّه ابن السمنطي: اجز هذا المصراع: جارية ترمي الضنج؛ فقال:
بها القلوب تبتهج
كأنّ من أحكمها إلى السّماء قد عرج … وطالع الأفلاك عن سرّ البروج والدّرج
كأنّه يقرأها من حفظه.
ما وراء النهر
يراد به ما وراء نهر جيحون. من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا.
وليس بها موضع خال عن العمارة من مدينة أو قرى أو مزارع أو مراع. هواؤها أصحّ الأهوية ومياهها أعذب المياه وأخفّها، والمياه العذبة عمّت جميع جبالها وضواحيها، وترابها أطيب الأتربة، وبلادها بخارى وسمرقند وجند وخجند.
стр. 556
وأهلها أهل الخير والصلاح في الدين والعلم والسماحة، فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنّهم في دار واحدة، وما ينزل أحد بأحد إلّا كأنّه نزل بدار نفسه من غريب وبلدي. وهمّة كلّ امرئ منهم على الجود والسماح فيما ملكت يده من غير سابقة معرفة أو توقع مكافأة.
حكى الإصطخري انّه نزل منزلا بالصغد، فرأى دارا ضربت الأوتاد على بابها، فقالوا: إن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة، ولم يمنع من دخوله وأصل ليلا ولا نهارا! والغالب عليهم بناء الرباطات وعمارة الطرق، والوقف على سبيل الجهاد وأهل العلم، وليس بها قرية ولا منهل ولا مفازة إلّا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه. وقال: بلغني أن بما وراء النهر أكثر من عشرة آلاف رباط، في أكثرها إذا نزل الناس به طعام لهم وعلف لدوابّهم إن احتاجوا.
وجميع ما وراء النهر ثغر من حدود خوارزم إلى اسبيجاب، وهناك الترك الغزّية من اسبيجاب إلى فرغانة الترك الخلخية، ولم يزل ما وراء النهر على هذه الصفة إلى أن ملكها خوارزم شاه محمّد بن تكش سنة ستمائة، وطرد الخطاة عنها وقتل ملوك ما وراء النهر المعروفين بالخانية، وكان في كلّ قطر ملك يحفظ جانبه، فلمّا استولى على جميع النواحي عجز عن ضبطها، فسلّط عليها عساكره حتى نهبوها وأجلى الناس عنها، فبقيت تلك الديار التي وصفت بالجنان لحسنها خاوية على عروشها، ومياهها مندفقة معطلة، وقد ورد عقيب ذلك عساكر التتر في سنة سبع عشرة وستمائة وخرّبوا بقاياها. والآن بقي بعض ما كان عليها. فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال، وكلّ شيء سواه يتغيّر من حال إلى حال!
مدينة النّحاس
ويقال لها أيضا مدينة الصفر. لها قصّة عجيبة مخالفة للعادة جدّا، ولكني رأيت جماعة كتبوها في كتب معدودة كتبتها أيضا ومع ذلك فإنّها مدينة
стр. 557
مشهورة الذكر.
قال ابن الفقيه: ذهب العلماء الأقدمون إلى أن مدينة النحاس بناها ذو القرنين وأودعها كنوزه وطلسمها، فلا يقف عليها أحد، وجعل في داخلها حجر البهتة وهو مغناطيس الناس، فإن الإنسان إذا وقف حذاءه جذبه كما يجذب المغناطيس الحديد، ولا ينفصل عنه حتى يموت، وانّه في مفاوز الأندلس.
ولمّا بلغ عبد الملك بن مروان خبر مدينة النحاس وخبر ما فيها من الكنوز، وان إلى جانبها بحيرة فيها كنوز كثيرة وأموال عظيمة، كتب إلى موسى بن نصير عامل المغرب، وأمره بالمصير إليه والحرص على دخولها، وان يعرفه حالها، ودفع الكتاب إلى طالب بن مدرك، فحمله إلى موسى وهو بالقيروان، فلمّا قرأه تجهز وسار في ألف فارس نحوها، فلمّا رجع كتب إلى عبد الملك: بسم اللّه الرحمن الرحيم. أصلح اللّه الأمير صلاحا يبلغ به خير الدنيا والآخرة. أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهّزت لأربعة أشهر وسرت في مفاوز الأندلس، ومعي ألف رجل، حتى أو غلت في طرق قد انطمست ومناهل قد اندرست، وعفت فيها الآثار وانقطعت عنها الأخبار، فسرت ثلاثة وأربعين يوما أحاول مدينة لم ير الراؤون مثلها، ولم يسمع السامعون بنظيرها. فلاح لنا بريق شرفها من مسيرة ثلاثة أيّام، فأفزعنا منظرها الهائل وامتلأت قلوبنا رعبا من عظمها وبعد أقطارها. فلمّا قربنا منها إذا أمرها عجيب ومنظرها هائل، فنزلنا عند ركنها الشرقي ثمّ وجهت رجلا من أصحابي في مائة فارس وأمرته أن يدور حول سورها ليعرف بابها، فغاب عنّا يومين ثمّ وافى اليوم الثالث فأخبرني انّه ما وجد لها بابا ولا رأى إليها مسلكا، فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها على بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها، فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه، فأمرت عند ذلك باتّخاذ السلالم وشدّ بعضها إلى بعض بالحبال، ونصبتها إلى الحائط، وجعلت لمن يصعد إليها ويأتيني بخبر ما فيها عشرة آلاف درهم، فانتدب لذلك رجل من أصحابي يتسنّم ويقرأ ويتعوّذ. فلمّا صار على سورها
стр. 558
وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكا ونزل إليها، فناديناه أن أخبرنا بما فيها وبما رأيته فلم يجبنا. فجعلت لمن يصعد ويأتيني بخبر ما فيها وخبر الرجل ألف دينار، فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير ثمّ صعد. فلمّا استوى على السور قهقه ضاحكا ثمّ نزل إليها، فناديناه أن أخبرنا بما ترى فلم يجبنا. فصعد ثالث وكان حاله مثل حال الرجلين، فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود، فلمّا أيست عنها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة، فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت:
ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن … يرجو الخلود وما حيّ بمخلود!
لو انّ حيّا ينال الخلد في مهل … لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له العين عين القطر فائضة … فيه عطاء جزيل غير مصرود
وقال للجنّ أنشوا فيه لي أثرا … يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي
فصيّروه صفاحا ثمّ ميل به … إلى البناء بإحكام وتجويد
وأفرغوا القطر فوق السّور منحدرا … فصار صلبا شديدا مثل صيخود
وصبّ فيه كنوز الأرض قاطبة … وسوف تظهر يوما غير محدود
لم يبق من بعدها في الأرض سابغة … حتى تضمّن رمسا بطن أخدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا … مضمّنا بطوابيق الجلاميد
هذا ليعلم أنّ الملك منقطع … إلّا من اللّه ذي التقوى وذي الجود
قال: ثمّ سرت حتى وافيت البحيرة عند غروب الشمس، فإذا هي مقدار ميل في ميل، كثيرة الأمواج، فإذا رجل قائم فوق الماء فناديناه: من أنت؟ فقال: أنا رجل من الجنّ! كان سليمان بن داود حبسه والذي في هذه البحيرة.
فأتيته لأنظر ما حاله، قلنا له: فما بالك قائما فوق الماء؟ قال: سمعت صوتا فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كلّ عام مرّة، وهذا أوان مجيئه، فيصلي
стр. 559
على شاطئهلا أيّاما، ويهلّل اللّه ويمجّده. قلنا: من تظنّه؟ قال: أظنّه الخضر، ﵇. فغاب عنّا فلم ندر كيف أخذ. قال: وكنت أخرجت معي عدة من الغوّاصين فغاصوا في الماء، فرأوا حبّا من صفر مطبقا رأسه مختوما برصاص، فأمرت به ففتح، فخرج منه رحل من صفر على فرس بيده رمح مطرد من صفر، فطار في الهواء وهو يقول: يا نبيّ اللّه لا أعود! ثمّ غاصوا ثانية وثالثة فأخرجوا مثل هذا، فضجّوا خوفا من قطع الزاد. فأخذت الطريق التي سلكتها أوّلا حتى عدت إلى قيروان، والحمد للّه الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلم له جنوده والسلام.
قال: فلمّا قرأ عبد الملك كتاب موسى، وكان عنده الزهري، قال له:
ما تظنّ بأولئك الذين صعدوا السور؟ قال الزهري: يا أمير المؤمنين لأن لتلك المدينة جنّا قد وكلوا بها! قال: فمن أولئك الذين يخرجون من الحباب ويطيرون؟ قال: أولئك مردة الجنّ الذين حبسهم سليمان بن داود، ﵇، في البحار؛ هذا ما رواه ابن الفقيه.
وقال أبو حامد الأندلسي: دور مدينة النحاس أربعون فرسخا وعلوّ سورها خمسمائة ذراع فيما يقال. ولها كتاب مشهور في كتابها أن ذا القرنين بناها، والصحيح أن سليمان بن داود، ﵇، بناها. وليس لها باب ظاهر وأساسها راسخ، وانّ موسى بن نصير وصل إليها في جنوده، وبنى إلى جانب السور بناء عاليا متّصلا به، وجعل عليه سلّما من الخشب متّصلا بأعلى السور، وندب إليه من أعطاه مالا كثيرا. وأن ذلك الرجل لمّا رأى داخل المدينة ضحك وألقى نفسه في داخل المدينة، وسمعوا من داخل المدينة أصواتا هائلة، ثمّ ندب إليه آخر وأعطاه مالا كثيرا وأخذ عليه العهد أن لا يدخل المدينة ويخبرهم بما يرى، فلمّا صعد وعاين المدينة ضحك وألقى نفسه فيها، وسمعوا من داخلها أصواتا هائلة أيضا، ثمّ ندب إليه رجلا شجاعا وشدّ في وسطه حبلا قويّا، فلمّا عاين المدينة ألقى نفسه فيها فجذبوه حتى انقطع الرجل من وسطه. فعلم أن
стр. 560
في المدينة جنّا يجرّون من علا على السور فأيسوا منها وتركوها.
وذكر أبو حامد الأندلسي في وصف مدينة النحاس قصيدة منها:
وتقبّل الملكوت ربعي حيث ما … فلك البروج يجرّ في سجداته
أرض بحيرة التي دانت بها … جنّ الفلا والطّير في غدواته
والرّيح يحمله الرّخاء فإنّما … شهرين مطلعها إلى روحاته
كالطّود مبهمة بأسّ راسخ … أعيا البريّة من جميع جهاته
والقطر سال بها فصاغ مدينة … عجبا يحار الوهم دون صفاته
حصن النّحاس أحاط من جنباتها … وعلى غلوّ السّهم في غلواته
فيها ذخائره وجلّ كنوزه … واللّه يكلأها إلى ميقاته
في الأرض آيات فلا تك منكرا … فعجائب الأشياء من آياته
مراغة
مدينة كبيرة مشهورة من بلاد آذربيجان قصبتها. وهي كثيرة الأهل عظيمة القدر غزيرة الأنهار كثيرة الأشجار وافرة الثمار. بها آثار قديمة للمجوس ومدارس وخانقاهات حسنة.
حدّثني بعض أهلها أن بها بستانا يسمّى قيامتاباذ، فرسخ في فرسخ، وأن أربابه لا يقدرون على تحصيل ثمرتها من الكثرة، فتتناثر من الأشجار. وبقرب قيامتاباذ جمّة يفور الماء الحارّ عنها، يأتيها أصحاب العاهات يستحمّون بها وتنفعهم. وهي عيون عدّة أكثر ما يأتيها الزمنى والجربى. فإذا انفصل هذا الماء عن الجمّة، ويجري على وجه الأرض، يصير حجرا صلدا.
وخارج المدينة غار يدخله الإنسان، يرى فيه شبه البيوت والغرف، فإذا أمعن يرى فيه شيئا صليبا لا يقرب منه أحد إلّا هلك، يزعمون أنّه طلسم على كنز، واللّه أعلم.
стр. 561
وبها جبل زنجقان، وهو جبل بقرب مراغة به عين ماء عذب، يعجن به الدقيق فيربو كثيرا، ويحسن خبزه والخبّازون يخمّرون أدقّتهم به، ويصير هذا الماء حجرا ينعقد منه صخور ضخام يستعملها الناس في أبنيتهم.
ومن مفاخرها القاضي صدر الدين المعروف بالجود والكرم، وفنون الخيرات وصنوف المبرّات، من خيراته سور مدينة قزوين الذي عجز عن مثله أعظم ملوك زماننا، فإنّه بنى أبواب المدينة بالآجرّ في غاية العلوّ، وبقيّة السور بالطين، وشرفاتها بالآجرّ، والمدينة في غاية السعة.
وحكي أنّه أراد أن يتّخذ لنفسه قبرا بقرب حجرة رسول اللّه، ﷺ ، فبعث إلى أمير المدينة وأعلمه ذلك، فشرط أن يبعث إليه ملء جراب ذهبا. فقال القاضي: ابعث إليّ الجراب حتى أملأه ذهبا! فلمّا رأى أمير المدينة كبر همّته وسماحة نفسه بعث إليه اذن عناق، ومكنه من ذلك. فلمّا توفي دفن في المدينة، وموضع رأسه قريب من قدم رسول اللّه، ﷺ .
وحكى الشيخ نور الدين محمّد بن خالد الجيلي، وكان من الابدال، في كتاب صنّفه في كراماته وعجائب حالاته قال: رأيت فوجا من الملائكة لا يدرك عددهم ومعهم تحف وهدايا، فسألت: إلى من هذه الهدايا؟ قالوا: إلى قاضي مراغة. قلت: ما هو إلّا عبد مكرم! قالوا: ان هذه له لكرامته رسول اللّه، ﷺ .
مربيطر
مدينة بالأندلس بقرب بلنسية، قال صاحب معجم البلدان: إن فيها الملعب ذا العجائب، لست أعرف كيف يكون ذلك، وذاك أن الإنسان إذا نزل فيه صعد، وإذا صعد عليه نزل، إن صحّ ذلك فإنّه ذو العجائب جدّا.
стр. 562
المستطيلة
قال أبو القاسم الجهاني: إنّها بلاد بأرض الروم على ساحل البحر. المطر بها دائم صيفا وشتاء بحيث أهلها لا يقدرون على دياس بيادرهم، وإنّما يجمعونها في السنابل ويفركونها في بيوتهم. بها بزاة كثيرة عدد الغربان عند غيرهم، لكنها ضعيفة رخوة لا تقدر على أخذ الدجاج وأمثالها.
المصّيصة
مدينة بأرض الروم على ساحل جيحان. كانت من ثغور الإسلام، وهي الآن بيد أولاد ليون، سمّيت بالمصّيصة بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح، ﵇؛ قال المهلبي: من خاصيّة هذه المدينة الفراء المصيصية التي لا يتولّد فيها القمل، وإذا غسلتها لم تتغيّر عن حالها وتحمل إلى سائر البلدان، وربّما بلغت قيمة الفروة منها ثلاثين دينارا.
ملطية
مدينة بأرض الروم مشهورة. بها جبل فيه عين؛ حدّثني بعض التجار أن هذه العين يخرج منها ماء عذب ضارب إلى البياض، يشربه الإنسان لا يضرّه شيئا، فإذا جرى مسافة يسيرة يصير حجرا صلدا.
موغان
ولاية واسعة بها قرى ومروج بآذربيجان، على يمين القاصد من أردبيل إلى تبريز، وهي جروم وآذربيجان كلّها صرود كانت منازل التركمان لسعة رفغها وكثرة عشبها، والآن اتّخذها التتر مشتاة وجلا عنها تركمانها؛ قال أبو حامد الأندلسي: رأيت بها قلعة عظيمة لها رساتيق كثيرة، وقد هرب عنها أهلها
стр. 563
لكثرة ما بها من الثعابين والحيّات، وقال: رأيت عند اجتيازي بها شجاعا عظيما ففزعت منه.
ميّافارقين
مدينة مشهورة بديار بكر، كانت بها بيعة من عهد المسيح، ﵇، وبقي حائطها إلى وقتنا هذا. حكي أن ولاية هذه البلاد كانت لرجل حكيم اسمه مرّوثا من قبل قسطنطين الملك صاحب رومية الكبرى، فمرضت لشابور ذي الأكتاف بنت، وعجز أطباء الفرس عن علاجها، فأشار بعض أصحابه باستدعاء مرّوثا لعلاجها. فبعث إلى قسطنطين يسأله فبعثه إليه فعالجها مرّوثا، ففرح بذلك شابور وقال له: سل حاجتك! فسأل مرّوثا الهدّنة بينه وبين قسطنطين، فأجابه إلى ذلك، وكان يجري بينهما محاربات شديدة، ولمّا أراد الانصراف قال له شابور: سل حاجة أخرى! فقال: إنّك قتلت خلقا كثيرا من النصارى، فأسألك أن تأمر بجمع عظامهم لي! فأمر له بذلك، فجمعوا من عظام النصارى شيئا كثيرا، فأخذها معه إلى بلاده وأخبر قسطنطين بالهدنة وجمع العظام، فسرّ بذلك وقال له: سل حاجتك! فقال: أريد أن يساعدني الملك على بناء موضع في بلادي. فكتب قسطنطين إلى كلّ من يجاوره المساعدة بالمال والرجال، فعاد إلى مكانه وبنى مدينة عظيمة، وجعل في وسط حائط سورها عظام شهداء النصارى التي جمعها من بلاد الفرس، وسمّى المدينة مدور صالا، معناه مدينة الشهداء، واختار لبنائها وقتا صالحا لا تؤخذ عنوة، وجعل لها ثمانية أبواب:
منها باب يسمّى باب الشهوة، له خاصيّة في هيجان الشهوة أو إزالتها، لم يتحقّق عند الناقل ولا ان هذه الخاصية للدخول أو الخروج. وباب آخر يسمّى باب الفرح والغم بصورتين منقوشتين على الحجر. أمّا صورة الفرح فرجل يلعب بيده، وأمّا صورة الغم فرجل قائم على رأسه صخرة فلا يرى بميّافارقين مغموم إلّا نادرا.
وفي برج يعرف ببرج عليّ بن وهب في الركن الغربي القبلي في أعلاه صليب منقور
стр. 564
كبير، يقال إنّه يقابل البيت المقدس، وعلى بيعة قمامة بالبيت المقدس صليب مثله، قيل إن صانعهما واحد، وبنى بيعة في وسط البلد على اسم بطرس وبولس، وهي باقية إلى زماننا في المحلّة المعروفة بزقاق اليهود، فيها جرن من رخام أسود فيه منطقة الزجاج، فيها دم يوشع بن نون، ﵇، وهو شفاء من كلّ داء، وإذا طلي به البرص أزاله، قيل: ان مرّوثا جاء به من رومية الكبرى، أعطاه إيّاه قسطنطين عند عوده.
هرقلة
مدينة عظيمة بالروم، كرسي ملك القياصرة، بناها هرقل أحد القياصرة.
غزاها الرشيد سنة إحدى وتسعين ومائة. نزل عليها يحاصرها، فإذا رجل خرج من أهلها شاكي السلاح ونادى: يا معشر العرب، ليخرج منكم العشرة والعشرون مبارزة! فلم يخرج إليه أحد لأنّهم انتظروا إذن الرشيد، وكان الرشيد نائما، فعاد الرومي إلى حصنه، فلمّا أخبر الرشيد بذلك تأسّف ولام خدمه على تركهم إيقاظه.
فلمّا كان الغد خرج الفارس وأعاد القول فقال الرشيد: من له؟ فابتدر جلّة القوّاد، وكان عند الرشيد مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، قالا: يا أمير المؤمنين إن قوادك مشهورون بالبأس والنجدة، ومن قتل منهم هذا العلج لم يكن فعلا كبيرا، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر كبيرة، فإن رأى الأمير أن يأذن لنا حتى نختار له رجلا فعل. فاستصوب الرشيد ذلك، فأشاروا إلى رجل يعرف بابن الجزري، وكان من المتطوّعة، معروف بالتجارب مشهور في الثغور بالنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج إليه؟ فقال: نعم، وأستعين باللّه عليه.
فأدناه الرشيد وودّعه واتبعه وخرج معه عشرون من المتطوّعة. فقال لهم العلج وهو يعدّهم واحدا واحدا: كان الشرط عشرين وقد ازددتم رجلا، ولكن لا بأس! فنادوه: ليس يخرج إليك إلّا واحد. فلمّا فصل منهم ابن الجزري
стр. 565
تأمّله العلج وقال له: أتصدقني فيما أسألك؟ قال: نعم. قال: باللّه أنت ابن الجزري؟ قال: نعم. فقال: ملأ كفؤ! ثمّ أخذا في شأنهما حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرسان ينفقان تحتهما، وزجّا برمحيهما وانتضيا بسيفيهما، وقد اشتدّ الحرّ، فلمّا أيس كلّ واحد منهما عن الظفر بصاحبه ولّى ابن الجزري، فدخل المسلمين كآبة وغطغط الكفّار، فاتبعه العلج فتمكّن ابن الجزري منه، فرماه بوهق واستلبه عن ظهر فرسه ثمّ عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون تكبيرا وانخذل المشركون وبادروا إلى الحصن، وأغلقوا الأبواب، فصبّت الأموال على ابن الجزري فلم يقبل منها شيئا، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه. وأقام الرشيد عليها حتى استخلصها وسبى أهلها وخربها، وبعث فيسقوس الجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن كلّ واحد من البطارقة دينارين.
هزار أسب
مدينة كبيرة وقلعة حصينة بأرض خوارزم. الماء محيط بها وهي كالجزيرة ليس إليها إلّا طريق واحد.
تنسب إليها رحمة بنت إبراهيم الهزار اسبية المشهورة بأنّها ما تناولت ثلاثين سنة طعاما. وحكى أبو العباس عيسى المروزي أنّها إذا شمّت رائحة الطعام تأذّت، وذكرت أن بطنها لا صق بظهرها، فأخذت كيسا فيه حبّ القطن، وشدّته على بطنها لئلّا يقصف ظهرها. وبقيت إلى سنة ثمان وستين ومائتين.
وادي الحجارة
ناحية بقرب طليطلة؛ قال العذري: لا يدخلها أحد من غير أهلها بصبي ابنا له ويعيش فيها، هذا قول العذري. وجاز أن يكون مراده أن الصبي لا يعيش وجاز أن يكون مراده أن الأب لا يعيش، واللّه أعلم بصحة ذلك.
следующие страницы →