القزويني
(١٢٨٣ - ١٢٠٣ م)
هو زكريا بن محمد بن محمود القزويني يرجع بنسبه إلى أنس بن مالك إمام المدينة وفقيهها المشهور.
ولد في قزوين وإليها نسب، ثم رحل إلى دمشق، وهو شاب، وتولى بعدئذ قضاء واسط والحلة في زمن المستعصم العباسي، آخر خلفاء بني العباس في بغداد، وسقطت بغداد في يد هولاكو المغولي، وهو في ذاك المنصب.
كان عالماً في التاريخ والجغرافية، وكتابه «عجائب المخلوقات» أول كتاب في هذا الموضوع في اللغة العربية بحث فيه في العلوم الطبيعية والسياسية والتاريخية والأدبية.
وآثار القزويني كلها تتصل بعلمي الجغرافية ووصف الكائنات، وكتابه هذا «آثار البلاد وأخبار العباد» يساوي في قيمته كتابه «عجائب المخلوقات»، فقد جمع فيه، كما يقول في مقدمته: «كل ما وقع له وعرفه وسمع به وشاهده من لطائف صنع الله وعجائب حكمته المودعة في بلاده وعباده».
بدأ فيه بالكلام على الحاجة الداعية إلى إحداث المدن والقرى، ثم أخذ يصف المدن التي عرفها من بلاد العرب والفرس والروم والفرنجة، ويذكر تاريخ بناء المدن التي يعرف تاريخ بنائها، ويذكر ما حدث فيها من أمور.
وبين أن لكل قطعة من الأرض خاصة لا توجد في غيرها، وأن الجواهر الكريمة تتولد من الحجارة الصلبة، والزروع من الطين، وتكلم على الإنسان فقال إنه حيوان متساوي الآحاد في الحد والحقيقة، وإنما يختلف كل واحد عن الآخر إما بعلمه أو بصنعته أو بتعبده.
стр. 2
غير أنه لم يكن يدعم أبحاثه بأن للكون خالقاً حكيماً قديراً، وأن الكائنات كلها من صنعه تعالى، على أنه كان يستشهد أحياناً بعبارات دينية كقوله مثلاً: «سبحانه ما أعظم شأنه» وهذه الاستشهادات وإن دلّت على إيمانه بالله تعالى لم تكن أساساً لأبحاثه.
والذي يؤخذ عليه أنه نقل أخباراً وحكايات كثيرة عن الرواة الذين كانوا يوردون الخرافات والمستحيلات دون تمحيص، وكان يقبلها على علاتها ويثبتها دون أن يحكَّم فيها عقله على أنه كان يتخلّص أحياناً من تبعتها بقوله: «والله أعلم».
ومهما كان الأمر فإن القزويني عالم كبير من علماء التاريخ والجغرافية، وكتاباه اللذان ذكرناهما من أفيد الكتب القديمة وأعظمها قيمة وأجمعها للفوائد التاريخية والجغرافية حتى إنه استحق بهما لقب هيرودوت القرون الوسطى، وبلين العرب، وكلا الرجلين مؤرّخ من القرون القديمة يوثق به ويؤخذ بأقواله.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
العزّ لك، والجلال لكبريائك، والعظمة لثنائك، والدوام لبقائك، يا قديم الذات ومفيض الخيرات. أنت الأوّل لا شيء قبلك، وأنت الآخر لا شيء بعدك، وأنت الفرد لا شريك لك، يا واهب العقول وجاعل النور والظلمات، منك الابتداء وإليك الانتهاء، وبقدرتك تكوّنت الأشياء، وبإرادتك قامت الأرض والسموات، أفض علينا أنوار معرفتك، وطهّر نفوسنا عن كدورات معصيتك، وألهمنا موجبات رحمتك ومغفرتك، ووفقنا لما تحبّ وترضى من الخيرات والسعادات، وصلّ على ذوي الأنفس الطاهرات والمعجزات الباهرات، خصوصا على سيّد المرسلين وإمام المتّقين، وقايد الغرّ المحجّلين محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم، أفضل الصلوات، وعلى آله وأصحابه الطيّبين والطيّبات، وعلى الذين اتبعوهم بإحسان من أهل السنّة والجماعات.
يقول العبد زكرياء بن محمّد بن محمود القزويني، تولّاه اللّه بفضله، بعد حمد اللّه حمدا يرضيه، ويوجب مزيد فضله وأياديه: إني قد جمعت في هذا الكتاب ما وقع لي وعرفته، وسمعت به وشاهدته من لطايف صنع اللّه تعالى، وعجايب حكمته المودعة في بلاده وعباده؛ فإنّ الأرض جرم بسيط متشابه الأجزاء، وبسبب تأثير الشمس فيها، ونزول المطر عليها، وهبوب الرياح بها، ظهرت فيها آثار عجيبة، وتختصّ كلّ بقعة بخاصيّة لا توجد في غيرها: فمنها ما صار حجرا صلدا، ومنها ما صار طينا حرّا، ومنها ما صار طينة سبخة. ولكلّ واحد
стр. 4
منها خاصيّة عجيبة وحكمة بديعة، فإن الحجر الصلد يتولّد فيه الجواهر النفيسة كاليواقيت والزبرجد وغيرهما، والطين الحرّ ينبت الثمار والزروع بعجيب ألوانها وأشكالها وطعومها وروايحها، والطينة السبخة يتولّد منها الشبوب والزاجات والاملاح بفوايدها، وكذلك الإنسان حيوان متساوي الآحاد بالحدّ والحقيقة، لكن بواسطة الالطاف الإلهيّة تختلف آثارهم، فصار أحدهم عالما محقّقا، والآخر عابدا ورعا، والآخر صانعا حاذقا. فالعالم ينفع الناس بعلمه، والعابد ببركته، والصانع بصنعته؛ فذكرت في هذا الكتاب ما كان من البلاد مخصوصا بعجيب صنع اللّه تعالى، ومن كان من العباد مخصوصا بمزيد لطفه وعنايته، فإنّه جليس أنيس يحدثك بعجيب صنع اللّه تعالى، ويعرّفك أحوال الأمم الماضية، وما كانوا عليه من مكارم الأخلاق ومآثر الآداب، ويفصح بأحوال البلاد كأنّك تشاهدها، ويعرب عن أخبار الكرام كأنّك تجالسهم:
جليس أنيس يأمن الناس شرّه … ويذكر أنواع المكارم والنّهى
ويأمر بالإحسان والبرّ والتّقى … وينهى عن الطّغيان والشرّ والأذى
ومن انتفع بكتابي هذا وذكرني بالخير، جعله اللّه من الأبرار ورفع درجاته في عقبى الدار. وأسأل اللّه تعالى العفو عمّا طغى به القلم أو همّ أوسها بذلك أو لمّ، إنّه على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير. ولنقدّم على المقصود مقدّمات لابدّ منها، لحصول تمام الغرض، واللّه الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 5
المقدمة الأولى
في الحاجة الداعية إلى إحداث المدن والقرى
اعلم أن اللّه تعالى خلق الإنسان على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده كساير الحيوانات، بل يضطرّ إلى الاجتماع بغيره حتى يحصل الهيئة الاجتماعيّة التي يتوقف عليها المطعم والملبس، فإنّهما موقوفان على مقدّمات كثيرة لا يمكن لكلّ واحد القيام بجميعها وحده. فإن الشخص الواحد كيف يتولّى الحراثة فإنّها موقوفة على آلاتها، وآلاتها تحتاج إلى النجّار، والنجّار يحتاج إلى الحداد، وكيف يقوم بأمر الملبوس وهو موقوف على الحراثة والحلج والندف والغزل والنسج، وتهيئة آلاتها، فاقتضت الحكمة الإلهيّة الهيئة الاجتماعيّة، وألهم كلّ واحد منهم القيام بأمر من تلك المقدّمات، حتى ينتفع بعضهم ببعض، فترى الخبّاز يخبز الخبز، والعجّان يعجنه، والطحّان يطحنه، والحرّاث يحرثه، والنجّار يصلح آلات الحرّاث، والحدّاد يصلح آلات النجّار، وهكذا الصناعات بعضها موقوفة على البعض.
وعند حصول كلّها يتمّ الهيئة الاجتماعيّة، ومتى فقد شيء من ذلك فقد اختلّت الهيئة الاجتماعيّة، كالبدن إذا فقد بعض أعضائه فيتوقف نظام معيشة الإنسان.
ثمّ عند حصول الهيئة الاجتماعيّة لو اجتمعوا في صحراء لتأذّوا بالحرّ والبرد والمطر والريح، ولو تستروا بالخيام والخرقاهات لم يأمنوا مكر اللصوص والعدوّ، ولو اقتصروا على الحيطان والأبواب كما ترى في القرى التي لا سور لها، لم يأمنوا صولة ذي البأس، فألهمهم اللّه تعالى اتّخاذ السور والخندق والفصيل،
стр. 6
فحدثت المدن والأمصار والقرى والديار. ثمّ إن الملوك الماضية لمّا أرادوا بناء المدن، أخذوا آراء الحكماء في ذلك، فالحكماء اختاروا أفضل ناحية في البلاد، وأفضل مكان في الناحية، وأعلى منزل في المكان من السواحل والجبال ومهبّ الشمال، لأنّها تفيد صحّة أبدان أهلها وحسن أمزجتها، واحترزوا من الآجام والجزائر وأعماق الأرض، فإنّها تورث كربا وهرما.
واتّخذوا للمدن سورا حصينا مانعا، وللسور أبوابا عدّة حتى لا يتزاحم الناس بالدخول والخروج، بل يدخل ويخرج من أقرب باب إليه. واتّخذوا لها قهندزا لمكان ملك المدينة والنادي لاجتماع الناس فيه، وفي البلاد الإسلامية المساجد والجوامع والأسواق والخانات والحمّامات، ومراكض الخيل، ومعاطن الإبل، ومرابض الغنم، وتركوا بقيّة مساكنها لدور السكان، فأكثر ما بناها الملوك العظماء على هذه الهيئة، فترى أهلها موصوفين بالأمزجة الصحيحة والصور الحسنة والأخلاق الطيّبة، وأصحاب الآراء الصالحة والعقول الوافرة، واعتبر ذلك بمن مسكنه لا يكون كذلك مثل الديالم والجيل والأكراد، والتركمان وسكان البحر في تشويش طباعهم وركاكة عقولهم واختلاف صورهم.
ثمّ اختصّت كلّ مدينة لاختلاف تربتها وهوائها بخاصيّة عجيبة، وأوجد الحكماء فيها طلسمات غريبة، ونشأ بها صنف من المعادن والنبات والحيوان لم يوجد في غيرها، وأحدث بها أهلها عمارات عجيبة، ونشأ بها أناس فاقوا أمثالهم في العلوم والأخلاق والصناعات، فلنذكر ما وصل إلينا من خاصيّة بقعة بقعة، إن شاء اللّه تعالى.
стр. 7
المقدمة الثانية
في خواصّ البلاد
وفيها فصلان:
الفصل الأوّل في تأثير البلاد في سكّانها؛ قالت الحكماء:
إن الأرض شرق وغرب وجنوب وشمال، فما تناهى في التشريق وتحجّ منه نور المطلع فهو مكروه لفرط حرارته وشدّة إحراقه، فإن الحيوان يحترق بها، والنبات لا ينبت، وما تناهى في التغريب أيضا مكروه لموازاته التشريق في المعنى الذي ذكرناه، وما تناهى في الشمال أيضا مكروه لما فيه من البرد الشديد الذي لا يعيش الحيوان معه، وما تناهى في الجنوب أيضا كذلك لفرط الحرارة، فإنّها أرض محترقة لدوام مسامتة الشمس إيّاها. فالذي يصلح للسكنى من الأرض قدر يسير هو أوساط الإقليم الثالث والرابع والخامس، وما سوى ذلك فأهلها معذّبون، والعذاب عادة لهم، وقالوا أيضا: المساكن الحارّة موسّعة للمسام، مرخية للقوى، مضعفة للحرارة العزيزيّة، محلّلة للروح، فتكون أبدان سكّانها متخلخلة ضعيفة، وقلوبهم خائفة، وقواهم ضعيفة لضعف هضمهم.
وأمّا المساكن الباردة فإنّها مصلبّة للبدن مسددة للمسام مقوية للحرارة العزيزيّة، فتكون أبدان سكّانها صلبة، وفيهم الشجاعة وجودة القوى والهضم الجيّد. فإن استيلاء البرد على ظاهر أبدانهم يوجب احتقان الحرارة العزيزيّة في باطنهم.
وأمّا المساكن الرطبة فلا يسخّن هواؤهم شديدا ولا يبرد شتاؤهم قويّا، وسكّانها موصوفون بالسحنة الجيّدة، ولين الجلود وسرعة قبول الكيفيّات والاسترخاء في الرياضات وكلال القوى.
стр. 8
وأمّا المساكن اليابسة فتسدّد المسام وتورث القشف والنحول ويكون صيفها حارّا وشتاؤها باردا، وأدمغة أهلها يابسة لكن قواهم حادّة.
وأمّا المساكن الحجريّة فهواؤها في الصيف حارّ وفي الشتاء بارد، وأبدان أهلها صلبة، وعندهم سوء الخلق والتكبّر والاستبداد في الأمور، والشجاعة في الحروب.
وأمّا المساكن الآجاميّة والبحريّة فهي في حكم المساكن الرطبة وأنزل حالا وقد جرى ذكر المساكن الرطبة.
الفصل الثاني: في تأثير البلاد في المعادن والنبات والحيوان.
أمّا المعادن فالذهب لا يتكوّن إلّا في البراري الرملة والجبال الرخوة، والفضّة والنحاس والرصاص والحديد لا يتكوّن إلّا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين، والكبريت لا يتكوّن إلّا في الأراضي الناريّة، والزيبق لا يتكوّن إلّا في الأراضي المائية، والأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي السبخة، والشبوب والزاجات لا تتكوّن إلّا في التراب العفص، والقار والنفط لا يتكوّن إلّا في الأراضي الدهنة، أمّا تولّد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها وسببها إلّا اللّه تعالى.
وأمّا النبات فإنّ النخل والموز لا ينبتان إلّا بالبلاد الحارّة، وكذلك الأترج والنارنج والرمان والليمون، وأمّا الجوز واللوز والفستق فلا ينبت إلّا بالبلاد الباردة، والقصب على شطوط الأنهار، وكذا الدلب والمغيلان بالأراضي الصلبة والبراري القفار، والقرنفل لا ينبت إلّا بجزيرة بأرض الهند، والنارجيل والفلفل والزنجبيل لا ينبت إلّا بالهند، وكذلك الساج والآبنوس والورس لا ينبت إلّا باليمن، والزعفران بأرض الجبال بروذراورد، وقصب الذريرة بأرض نهاوند، والترنجبين يقع على شوك بخراسان.
وأمّا الحيوان فإنّ الفيل لا يتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة، وعمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند، وأنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها، والزرافة لا تتولّد إلّا بأرض الحبشة، والجاموس لا يتولّد إلّا بالبلاد
стр. 9
الحارّة قرب المياه، ولا يعيش بالبلاد الباردة، وعير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده، ويحتاج أن يؤخذ من حافره ولا كذلك في بلاده، والسنجاب والسمور وغزال المسك لا يتولّد إلّا في البلاد الشرقيّة الشماليّة، والصقر والبازي والعقاب لا يتفرّخ إلّا على رؤوس الجبال الشامخة، والنعامة والقطا لا يفرّخان إلّا في الفلوات، والبطوط وطيور الماء لا تفرّخ إلّا في شطوط الأنهار والبطائح والآجام، والفواخت والعصافير لا تفرّخ إلّا في العمارات، والبلابل والقنابر لا تفرّخ إلّا في البساتين، والحجل لا يفرّخ إلّا في الجبال، هذا هو الغالب فإن وقع شيء على خلاف ذلك فهو نادر. واللّه الموفق للصواب.
стр. 10
المقدمة الثالثة
في أقاليم الأرض
قال أبو الريحان الخوارزمي: إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين: يسمّى أحد النصفين جنوبا، والآخر شمالا. وإذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدّل النهار وتقطع الأرض، صارت كرة الأرض أربعة أرباع: ربعان جنوبيّان، وربعان شماليّان، فالربع الشمالي المكشوف يسمّى ربعا مسكونا، والربع المسكون مشتمل على البحار والجزائر والأنهار والجبال والمفاوز والبلدان والقرى، على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد وتراكم الثلوج، وهذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام، كلّ قسم يسمّى إقليما، كأنّه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولا، ومن الجنوب إلى الشمال عرضا، وإنّها مختلفة الطول والعرض، فأطولها وأعرضها الإقليم الأوّل، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخا، وأقصرها طولا وعرضا الإقليم السابع، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخا.
وأمّا سائر الأقاليم فمختلف طولها وعرضها، وعلى الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها.
وهذه القسمة ليست قسمة طبيعيّة، لكنّها خطوط وهميّة وضعها الأوّلون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض، ليعلموا بها حدود الممالك والمسالك، مثل افريدون النّبطي وإسكندر الرومي واردشير الفارسي، وإذا جاوزوا الأقاليم
стр. 11
السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة والجبال الشامخة، والأهوية المفرطة التغيّر في الحرّ والبرد، والظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش، فإن البرد هناك مفرط جدّا، لأنّ ستّة أشهر هناك شتاء وليل، فيظلم الهواء ظلمة شديدة ويجمد الماء لشدّة البرد، فلا حيوان هناك ولا نبات. وفي مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستّة أشهر صيفا نهارا كلّه، فيحمى الهواء ويصير نارا سموما يحرق كلّ شيء، فلا نبات ولا حيوان هناك.
стр. 12
وأمّا جانب المغرب فيمنع البحر المحيط السلوك فيه لتلاطم الأمواج. وأمّا جانب المشرق فيمنع البحر والجبال الشامخة، فإذا تأمّلت وجدت الناس محصورين في الأقاليم السبعة، وليس لهم علم بحال بقية الأرض. فلنذكر ما وصل إلينا بقعة بقعة في إقليم إقليم، مرتبة على حروف المعجم، واللّه الموفق للسداد والهادي إلى سواء الصراط.
стр. 13
الإقليم الأول
فجنوبيّه ما يلي بلاد الزنج والنوبة والحبشة، وشماليّه الإقليم الثاني، وأوله حيث يكون الظلّ نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدما واحدة ونصفا وعشرا وسدس عشر قدم، وآخره حيث يكون ظلّ الاستواء فيه نصف النهار قدمين وثلاثة أخماس قدم. وقد يبتدئ من أقصى المشرق من بلاد الصين، ويمرّ على ما يلي الجنوب من الصين جزيرة سرنديب، وعلى سواحل البحر في جنوب الهند، ويقطع البحر إلى جزيرة العرب ويقطع بحر قلزم إلى بلاد الحبشة، ويقطع نيل مصر وأرض اليمن إلى بحر المغرب؛ فوقع في وسطه من أرض صنعاء وحضرموت، ووقع طرفه الذي يلي الجنوب أرض عدن، ووقع في طرفه الذي يلي الشمال بتهامة قريبا من مكّة.
ويكون أطول نهار هؤلاء اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة في ابتدائه، وفي وسطه ثلاث عشرة ساعة، وفي آخره ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة. وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف ميل وسبعمائة واثنان وسبعون ميلا وإحدى وأربعون دقيقة، وعرضه أربعمائة ميل واثنان وأربعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة وأربعون ثانية، ومساحته مكسرا أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألف ميل وثمانمائة وسبعة وسبعون ميلا وإحدى وعشرون دقيقة، ولنذكر بعض بلادها مرتبا على حروف المعجم.
إرم ذات العماد
بين صنعاء وحضرموت، من بناء شدّاد بن عاد، روي أن شداد بن عاد كان جبّارا من الجبابرة، لما سمع بالجنّة وما وعد اللّه فيها أولياءه من قصور
стр. 14
الذهب والفضّة والمساكن التي تجري من تحتها الأنهار، والغرف التي فوقها غرف، قال: إني متّخذ في الأرض مدينة على صفة الجنّة، فوكل بذلك مائة رجل من وكلائه، تحت يد كلّ وكيل ألف من الأعوان، وأمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن، ويختاروا أطيبها تربة. ومكّنهم من الأموال ومثّل لهم كيفيّة بنائها، وكتب إلى عمّاله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب والفضّة والجواهر؛ فجمعوا منها صبرا مثل الجبال، فأمر باتّخاذ اللبن من الذهب والفضّة، وبنى المدينة بها، وأمر أن يفضّض حيطانها بجواهر الدرّ والياقوت والزبرجد، وجعل فيها غرفا فوقها غرف، أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت. ثمّ أجرى إليها نهرا ساقه إليها من أربعين فرسخا تحت الأرض فظهر في المدينة، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع، وأمر بحافتي النهر والسواقي فطليت بالذهب الأحمر، وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر، ونصب على حافتي النهر والسواقي أشجارا من الذهب، وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت.
وجعل طول المدينة اثني عشر فرسخا وعرضها مثل ذلك، وصيّر سورها عاليا مشرفا، وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر، مفضّضا بواطنها وظواهرها بأصناف الجواهر. ثمّ بنى لنفسه على شاطئ ذلك النهر قصرا منيفا عاليا، يشرف على تلك القصور كلّها، وجعل بابه يشرع إلى واد رحيب، ونصب عليه مصراعين من ذهب مفضّض بأنواع اليواقيت.
وجعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع. وجعل تراب المدينة من المسك والزعفران.
وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضا من الذهب والفضّة لينزلها جنوده.
ومكث في بنائها خمسمائة عام، فبعث اللّه تعالى إليه هودًا النبي، ﵇، فدعاه إلى اللّه تعالى، فتمادى في الكفر والطغيان. وكان إذ ذاك تمّ ملكه سبعمائة سنة، فأنذره هود بعذاب اللّه تعالى وخوّفه بزوال ملكه، فلم يرتدع عمّا كان
стр. 15
عليه. وعند ذلك وافاه الموكلون ببناء المدينة وأخبروه بالفراغ منها، فعزم على الخروج إليها في جنوده، وخرج في ثلاثمائة ألف رجل من أهل بيته، وخلّف على ملكه مرثد بن شدّاد ابنه، وكان مرثد، فيما يقال، مؤمنا بهود، ﵇. فلمّا انتهى شدّاد إلى قرب المدينة بمرحلة جاءت صيحة من السماء، فمات هو وأصحابه وجميع من كان في أمر المدينة من القهارمة والصنّاع والفعلة، وبقيت لا أنيس بها فأخفاها اللّه، لم يدخلها بعد ذلك إلّا رجل واحد في أيّام معاوية يقال له عبد اللّه بن قلابة، فإنّه ذكر في قصة طويلة ملخّصها أنّه خرج من صنعاء في طلب إبل ضلّت، فأفضى به السير إلى مدينة، صفتها ما ذكرنا، فأخذ منها شيئا من المسك والكافور وشيئا من الياقوت، وقصد الشام وأخبر معاوية بالمدينة، وعرض عليه ما أخذه من الجواهر، وكانت قد تغيّرت بطول الزمان. فأحضر معاوية كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال: هذا إرم ذات العماد التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه، بناها شداد بن عاد، لا سبيل إلى دخولها ولا يدخلها إلّا رجل واحد صفته كذا وكذا. وكانت تلك الصفة صفة عبد اللّه ابن قلابة؛ فقال له معاوية: أمّا أنت يا عبد اللّه فأحسنت النصح، ولكن لا سبيل لها. وأمر له بجائزة.
وحكي أنّهم عرفوا قبر شدّاد بن عاد بحضرموت، وذلك أنّهم وقعوا في حفيرة، وهي بيت في جبل منقورة مائة ذراع في أربعين ذراعا، وفي صدره سرير عظيم من ذهب، عليه رجل عظيم الجسم، وعند رأسه لوح فيه مكتوب:
اعتبر يا أيّها المغرور بالعمر المديد … أنا شدّاد بن عاد صاحب القصر المشيد
وأخو القوّة والبأساء والملك الحسيد … دان أهل الأرض طرّا لي من خوف وعيدي
فأتى هود وكنّا في ضلال قبل هود
стр. 16
فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرّشيد … فعصيناه ونادينا: ألا هل من محيد؟
فأتتنا صيحة تهوي من الأفق البعيد
فشوينا مثل زرع وسط بيداء حصيد
واللّه الموفّق للصواب.
البجّة
بلاد متّصلة بأعلى عيذاب في غرب منه، أهلها صنف من الحبش، بها معادن الزمرذ. يحمل منها إلى سائر الدنيا، ومعادنه في جبال هناك، وزمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السّلقي الكثير المائية، يسقى المسموم منه فيبرأ، وإذا نظرت الأفعى إليه سالت حدقتها.
بكيل
مخلاف باليمن؛ قال عمارة في تاريخه: بهذا المخلاف نوع من الشجر لأقوام معيّنين في أرض لهم، وهم يشحّون به ويحفظونه من غيرهم مثل شجر البلسان بأرض مصر؛ وليس ذلك الشجر إلّا لهم يأخذون منه سمّا يقتل به الملوك، وذكر أن ملوك بني نجاح ووزراءهم أكثرهم قتلوا بهذا السمّ.
بلاد التّبر
هي بلاد السودان في جنوب المغرب؛ قال ابن الفقيه: هذه البلاد حرّها شديد جدّا. أهلها بالنهار يكونون في السراديب تحت الأرض، والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا، وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب، وطعامهم الذّرة واللوبيا، ولباسهم جلود الحيوانات،
стр. 17
وأكثر ملبوسهم جلد النمر، والنمر عندهم كثير.
ومن سجلماسة إلى هذه البلاد ثلاثة أشهر، والتجار من سجلماسة يمشون إليها بتعب شديد، وبضايعهم الملح وخشب الصنوبر وخشب الأرز، وخرز الزجاج والأسورة والخواتيم منه، والحلق النحاسيّة.
وعبورهم على براري معطشة، فيها سمايم بماء فاسد لا يشبه الماء إلّا في الميعان، والسمايم تنشف المياه في الأسقية، فلا يبقى الماء معهم إلّا أيّاما قلائل.
فيحتالون بأن يستصحبوا معهم جمالا فارغة من الأحمال، ويعطشونها قبل ورودهم الماء الذي يدخلون منه في تلك البراري، ثمّ أوردوها على الماء نهلا وعللا حتى تمتلي أجوافها، ويشدون أفواهها كي لا تجتر فتبقى الرطوبة في أجوافها، فإذا نشف ما في أسقيتهم واحتاجوا إلى الماء، نحروا جملا جملا وترمّقوا بما في بطونها، وأسرعوا بالسير حتى يردوا مياها أخرى، وحملوا منها في أسقيتهم.
وهكذا ساروا بعناء شديد حتى قدموا الموضع الذي يحجز بينهم وبين أصحاب التبر، فعند ذلك ضربوا طبولا ليعلم القوم وصول القفل. يقال: انّهم في مكان وأسراب من الحرّ وعراة كالبهائم لا يعرفون الستر. وقيل: يلبسون شيئا من جلود الحيوان، فإذا علم التجار أنّهم سمعوا صوت الطبل أخرجوا ما معهم من البضائع المذكورة، فوضع كلّ تاجر بضاعته في جهة منفردة عن الأخرى وذهبوا وعادوا مرحلة فيأتي السودان بالتبر، ووضعوا بجنب كلّ متاع شيئا من التبر وانصرفوا. ثمّ يأتي التجار بعدهم فيأخذ كلّ واحد ما وجد بجنب بضاعته من التبر ويترك البضاعة، وضربوا بالطبول وانصرفوا، ولا يذكر أحد من هؤلاء التجّار أنّه رأى أحدا منهم.
стр. 18
بلاد الحبشة
هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري، وجنوبها البرّ. وشرقها الزنج، وغربها البجة. الحرّ بها شديد جدّا، وسواد لونهم لشدّة الاحتراق، وأكثر أهلها نصاري يعاقبة، والمسلمون بها قليل. وهم من أكثر الناس عددا وأطولهم أرضا، لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلّة الأمطار، وطعامهم الحنطة والدخن، وعندهم الموز والعنب والرمان، ولباسهم الجلود والقطن.
ومن الحيوانات العجيبة عندهم: الفيل والزرافة. ومركوبهم البقر، يركبونها بالسرج واللجام مقام الخيل، وعندهم من الفيلة الوحشيّة كثير وهم يصطادونها.
فأمّا الزرافة فإنّها تتولّد عندهم من الناقة الحبشيّة والضبعان وبقر الوحش، يقال لها بالفارسيّة «اشتركاوپلنك» رأسها كرأس الإبل، وقرنها كقرن البقر، وأسنانها كأسنانه، وجلدها كجلد النمر، وقوائمها كقوائم البعير، وأظلافها كأظلاف البقر، وذنبها كذنب الظباء، ورقبتها طويلة جدّا، ويداها طويلتان ورجلاها قصيرتان.
وحكى طيماث الحكيم أنّه بجانب الجنوب، قرب خطّ الاستواء في الصيف، تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدّة العطش والحرّ، فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة، فإنّها من الناقة الحبشيّة والبقرة الوحشيّة والضبعان، وذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشيّة فتأتي بولد عجيب من الضبعان والناقة، فإن كان ذلك الولد ذكرا ويسفد البقرة الوحشيّة أتت بالزرافة.
ولهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصبّاح. ولمّا مات ذو يزن، وهو آخر الأذواء من ملوك اليمن، استولى الحبشة على اليمن، وكان عليها أبرهة من قبل النجاشي، فلمّا دنا موسم الحجّ رأى الناس يجهزّون للحجّ، فسأل عن ذلك، فقالوا: هؤلاء يحجّون بيت اللّه بمكّة. قال: فما هو؟ قالوا: بيت من حجارة.
стр. 19
قال: لأبنينّ لكم بيتا خيرا منه! فبنى بيتا من الرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضّة ورصّعه بالجواهر، وجعل أبوابه من صفائح من ذهب، وجعل للبيت سدنة ودخنه بالمندليّ، وأمر الناس بحجّه وسمّاه القليّس، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها! أريد أصرف إليه حجّ العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة، انتهز الفرصة حتى وجدها خالية، فقعد فيها ولطخها بالنجاسة.
فلّا عرف أبرهة ذلك اغتاظ وآلى أن يمشي إلى مكّة، ويخرّب الكعبة غيظا على العرب. فجمع عساكره من الحبشة ومعه اثنا عشر فيلا، فلمّا دنا من مكّة أمر أصحابه بالتأهّب والغارة، فأصابوا مائتي إبل لعبد المطّلب، جدّ رسول اللّه، ﷺ . وبعث أبرهة رسولا إلى مكّة يقول:
إني ما جئت لقتالكم إلّا أن تقاتلوني! وإنّما جئت لخراب هذا البيت والانصراف عنكم! فقال عبد المطّلب، وهو رئيس مكّة إذ ذاك: ما لنا قوّة قتالك وللبيت ربّ يحفظه، هو بيت اللّه ومبنى خليله! فذهب عبد المطّلب إليه، فقيل له:
إنّه صاحب عير مكّة وسيّد قريش، فأدخله، وكان عبد المطّلب رجلا وسيما جسيما، فلمّا رآه أكرمه فقال له الترجمان: الملك يقول ما حاجتك؟ فقال:
حاجتي مائتا بعير أصابها. فقال أبرهة للترجمان: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، وقد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك ودين آبائك! جئت ما تكلّمت فيه وتكلّمت في الإبل! فقال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه العير، وللبيت ربّ سيمنعه! فردّ إليه إبله، فعاد عبد المطّلب وأخبر القوم بالحال، فهربوا وتفرّقوا في شعاب الجبال خوفا فأتى عبد المطّلب الكعبة وأخذ بحلقة الباب وقال:
جرّوا جميع بلادهم … والفيل كي يسبوا عيالك!
عمدوا حماك بجهلهم … كيدا وما رقبوا حلالك
لاهمّ إنّ المرء يم … نع حلّه فامنع حلالك
стр. 20
لا يغلبنّ صليبهم … ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكع … بتنا فأمر ما بدا لك!
وترك عبد المطّلب الحلقة وتوجّه مع قومه في بعض الوجوه، فالحبش قاموا بفيلهم قاصدين مكّة، فبعث اللّه من جانب البحر طيرا أبابيل مثل الخطّاف، مع كلّ طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره على شكل الحمّص. فلمّا غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب أحدا إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، فجعلهم كعصف مأكول.
ومنها النجاشي الذي كان في عهد رسول اللّه، ﷺ ، واسمه أصحمة، كان وليّا من أولياء اللّه يبعث إلى رسول اللّه الهدايا، والنبي، ﷺ ، يقبلها. وفي يوم مات أخبر جبرائيل، ﵇، رسول اللّه بذلك مع بعد المسافة، وكان ذلك معجزة لرسول اللّه، ﷺ ، في يوم موته، صلّى عليه الصلاة مع أصحابه وهو ببلاد الحبشة.
بلاد الزّنج
مسيرة شهرين، شمالها اليمن وجنوبها الفيافي، وشرقها النوبة وغربها الحبشة، وجميع السودان من ولد كوش بن كنعان بن حام، وبلاد الزنج شديدة الحرّ جدّا، وحلكة سوادهم لاحتراقهم بالشمس. وقيل: إن نوحا، ﵇، دعا على ابنه حام فاسودّ لونه، وبلادهم قليلة المياه قليلة الأشجار، سقوف بيوتهم من عظام الحوت.
زعم الحكماء أنّهم شرار الناس ولهذا يقال لهم سباع الإنس. قال جالينوس:
الزنج خصّصوا بأمور عشرة: سواد اللون وفلفلة الشعر وفطس الأنف وغلظ الشفة وتشقق اليد والكعب، ونتن الرائحة وكثرة الطرب وقلّة العقل وأكل
стр. 21
بعضهم بعضا، فإنّهم في حروبهم يأكلون لحم العدو، ومن ظفر بعدوّ له أكله.
وأكثرهم عراة لا لباس لهم، ولا يرى زنجيّ مغموما، الغمّ لا يدور حولهم والطرب يشملهم كلّهم؛ قال بعض الحكماء: سبب ذلك اعتدال دم القلب، وقال آخرون: بل سببه طلوع كوكب سهيل عليهم كلّ ليلة فإنّه يوجب الفرح.
وعجائب بلادهم كثيرة منها كثرة الذهب، ومن دخل بلادهم يحبّ القتال، وهواؤهم في غاية اليبوسة، لا يسلم أحد من الجرب حتى يفارق تلك البلاد.
والزنوج إذا دخلوا بلادنا وآنقهم هذه البلاد استقامت أمزجتهم وسمنوا.
ولهم ملك اسمه اوقليم، يملك سائر بلاد الزنج في ثلاثمائة ألف رجل. ودوابهم البقر يحاربون عليها بالسرج واللجم، تمشي مشي الدواب، ولا خيل لهم ولا بغال ولا إبل، وليس لهم شريعة يراجعونها، بل رسوم رسمها ملوكهم وسياسات.
وفي بلادهم الزرافة والفيل كثيرة وحشيّة في الصحارى يصطادها الزنوج.
ولهم عادات عجيبة، منها أنّ ملوكهم إذا جاروا قتلوهم وحرموا عقبة الملك، ويقولون: الملك إذا جار لا يصلح أن يكون نائب ملك السموات والأرض.
ومنها أكل العدوّ إذا ظفر به. وقيل: إن عادة بعضهم ليس عادة الكلّ. ومنها اتّخاذ نبيذ من شربها طمس عقله؛ قيل: إنّها مأخوذة من النارجيل يسقون منها من أرادوا الكيد به. ومنها التحلّي بالحديد مع كثرة الذهب عندهم، يتّخذون الحليّ من الحديد كما يتّخذ غيرهم من الذهب والفضّة، يزعمون أن الحديد ينفرّ الشيطان ويشجّع لابسه. ومنها قتالهم على البقر وانّها تمشي كالخيل، قال المسعودي: رأيت من هذا البقر وانّها حمر العيون يبرك كالإبل بالحمل ويثور بحمله. ومنها اصطيادهم الفيل وتجاراتهم على عظامها، وذلك لأن الفيل الوحشيّة ببلاد الزنج كثيرة، والمستأنسة أيضا كذلك، والزنج لا يستعملونها في الحرب ولا في العمل، بل ينتفعون بعظامها وجلودها ولحومها، وذاك أن
стр. 22
عندهم ورقا يطرحونها في الماء، فإذا شرب الفيل من ذلك الماء أسكره فلا يقدر على المشي، فيخرجون إليه ويقتلونه، وعظام الفيل وأنيابها تجلب من أرض الزنج، وأكثر أنيابه خمسون منّا إلى مائة منّ، وربّما يصل إلى ثلاثمائة منّ.
بلاد السودان
هي بلاد كثيرة وأرض واسعة، ينتهي شمالها إلى أرض البربر، وجنوبها إلى البراري، وشرقها إلى الحبشة، وغربها إلى البحر المحيط. أرضها محترقة لتأثير الشمس فيها، والحرارة بها شديدة جدّا لأنّ الشمس لا تزال مسامتة لرؤوسهم، وأهلها عراة لا يلبسون من شدّة الحرّ، منهم مسلمون ومنهم كفّار.
أرضهم منبت الذهب، وبها حيوانات عجيبة: كالفيل والكركدن والزرافة.
وبها أشجار عظيمة لا توجد في غيرها من البلاد.
وحدّثني الفقيه علي الجنحاني المغربي أنّه شاهد تلك البلاد، ذكر أنّ أهلها اتّخذوا بيوتهم على الأشجار العظيمة من الأرضة، وان الأرضة بها كثيرة جدّا، ولا يتركون شيئا من الأثاث والطعام على وجه الأرض إلّا وأفسده الأرضة، فجميع قماشهم وطعامهم في البيوت التي اتّخذوها على أعالي الأشجار. وذكر، ﵀، انّه أوّل ما نزل بها نام في طرف منها فما استيقظ إلّا والأرضة قرضت من ثيابه ما كان يلاقي وجه الأرض.
بلاد النّوبة
أرض واسعة في جنوبي مصر وشرقي النيل وغربيّه. هي بلاد واسعة، وأهلها أمّة عظيمة نصارى بعامتهم، ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنّه من نسل حمير؛ قال، ﷺ : خير سبيكم النوبة. وقال أيضا:
من لم يكن له أخ فليتّخذ أخا نوبيّا.
ومن عاداتهم تعظيم الملك الذي اسمه كابيل، وهو يوهم أنّه لا يأكل،
стр. 23
ويدخلون الطعام عليه سرّا، فإن عرف ذلك أحد من الرعيّة قتلوه لوقته، ويشرب شرابا من الذّرة مقوّى بالعسل، ولبسه الثياب الرفيعة من الصوف والخزّ والديباج، وحكمه نافذ في رعيته، ويده مطلقة يسترق من شاء ويتصرّف في أموالهم، وهم يعتقدون أنّه يحيي ويميت ويصحّ ويمرض.
وجرى ذكر ملك النوبة في مجلس المهدي أمير المؤمنين، فقال بعض الحاضرين إن له مع محمّد بن مروان قصّة عجيبة، فأمر المهدي بإحضار محمّد بن مروان، وسأله عمّا جرى بينه وبين ملك النوبة، فقال: لمّا التقينا أبا مسلم بمصر وانهزمنا وتشتّت جمعنا، وقعت أنا بأرض النوبة، فأحببت أن يمكنني ملكهم من المقام عنده زمانا، فجاءني زائرا، وهو رجل طويل أسود اللون، فخرجت إليه من قبّتي وسألته أن يدخلها، فأبى أن يجلس إلّا خارج القبّة على التراب.
فسألته عن ذلك فقال: إن اللّه تعالى أعطاني الملك فحقّ عليّ أن أقابله بالتواضع.
ثمّ قال لي: ما بالكم تشربون النبيذ وانّها محرّمة في ملّتكم؟ قلت: نحن ما نفعل ذلك وإنّما يفعله بعض فساق أهل ملّتنا! فقال: كيف لبست الديباج ولبسه حرام في ملّتكم؟ قلت: إن الملوك الذين كانوا قبلنا، وهم الأكاسرة، كانوا يلبسون الديباج، فتشبّهنا بهم لئلا تنقص هيبتنا في غير الرعايا. فقال: كيف تستحلّون أخذ أموال الرعايا من غير استحقاق؟ قلت: هذا شيء لا نفعله نحن ولا نرضى به، وإنّما يفعله بعض عمّالنا السوء! فأطرق وجعل يردّد مع نفسه: يفعله بعض عمّالنا السوء! ثمّ رفع رأسه وقال: إن للّه تعالى فيكم نعمة ما بلغت غايتها، اخرج من أرضي حتى لا يدركني شؤمك! ثمّ قام ووكّل بي حتى ارتحلت من أرضه، واللّه الموفق.
تغارة
بلدة في جنوبي المغرب بقرب البحر المحيط، حدّثني الفقيه علي الجنحاني أنّه دخلها فوجد سور المدينة من الملح، وكذلك جميع حيطانها، وكذلك السواري
стр. 24
والسقوف، وكذلك الأبواب فإنّها من صفائح ملحيّة مغطاة بشيء من جلد الحيوان كي لا يتشعّب أطرافها. وذكر أن جميع ما حول هذه المدينة من الأراضي سبخة وفيها معدن الملح والشبّ، وإذا مات بها شيء من الحيوان يلقى في الصحراء فيصير ملحا، والملح بأرض السودان عزيز جدّا، والتجّار يجلبونه من تغارة إلى سائر بلادهم يبتاع كلّ وقر بمائة دينار.
ومن العجب أن هذه المدينة أرضها سبخة جدّا، ومياه آبارهم عذبة، وأهلها عبيد مسوّفة، ومسوفة قبيلة عظيمة من البربر. وأهل تغارة في طاعة امرأة من إماء مسوّفة، شغلهم جمع الملح طول السنة. يأتيهم القفل في كلّ سنة مرّة يبيعون الملح ويأخذون من ثمنه قدر نفقاتهم، والباقي يؤدّونه إلى ساداتهم من مسوّفة، وليس بهذه المدينة زرع ولا ضرع، ومعاشهم على الملح كما ذكرنا.
تكرور
مدينة في بلاد السودان عظيمة مشهورة، قال الفقيه علي الجنحاني المغربي:
شاهدتها وهي مدينة عظيمة لا سور لها، وأهلها مسلمون وكفّار، والملك فيها للمسلمين، وأهلها عراة رجالهم ونساؤهم، إلّا أشراف المسلمين فإنّهم يلبسون قميصا طولها عشرون ذراعا، ويحمل ذيلهم معهم خدمهم للحشمة، ونساء الكفّار يسترن قبلهنّ بخرزات العقيق، ينظمنها في الخيوط ويعلقنها عليهن، ومن كانت نازلة الحال فخرزات من العظم.
وذكر أيضا أن الزرافة بها كثيرة، يجلبونها ويذبحونها مثل البقر، والعسل والسمن والأرز بها رخيص جدّا. وبها حيوان يسمّى لبطى، يؤخذ من جلده المجنّ يبتاع كلّ مجنّ بثلاثين دينارا، وخاصيّته أن الحديد لا يعمل فيه البتّة.
وحكى أنّه لمّا كان بها إذ ورد قاصد من بعض عمّال الملك يقول:
قد دهمنا سواد عظيم لا نعرف ما هو. فاستعدّ الملك للقتال وخرج بعساكره، فإذا فيلة كثيرة جاوزت العدّ والحصر، فجاءت حتى ترد الماء بقرب تكرور،
стр. 25
فقال الملك: احشوها بالنبل. فلم يكن يعمل فيها شيء من النبال، وكانت تخفي خراطيمها تحت بطنها لئلّا يصيبها النبل، وإذا أصاب شيئا من بدنها أمرّت عليها الخرطوم ورمتها، فشربت الماء ورجعت. واللّه الموفق.
جابرسا
مدينة بأقصى بلاد المشرق، عن ابن عبّاس، ﵁، قال: إن بأقصى المشرق مدينة اسمها جابرس، أهلها من ولد ثمود، وبأقصى المغرب مدينة اسمها جابلق أهلها من ولد عاد، ففي كلّ واحد بقايا من الأمّتين. يقول اليهود: إن أولاد موسى، ﵇، هربوا في حرب بخت نصّر، فسيّرهم اللّه تعالى وأنزلهم بجابرس، وهم سكّان ذلك الموضع لا يصل إليهم أحد ولا يحصى عددهم.
وعن ابن عبّاس، ﵁، أن النبيّ، ﷺ ، في ليلة أسري به قال لجبريل، ﵇: إني أحبّ أن أرى القوم الذين قال اللّه تعالى فيهم: ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. فقال جبريل، ﵇: بينك وبينهم مسيرة ستّ سنين ذاهبا وستّ سنين راجعا، وبينك وبينهم نهر من رمل يجري كجري السهم، لا يقف إلّا يوم السبت، لكن سل ربّك، فدعا النبي، ﷺ ، وأمّن جبريل، ﵇، فأوحى اللّه إلى جبريل أن أجبه إلى ما سأل، فركب البراق وخطا خطوات، فإذا هو بين أظهر القوم، فسلّم عليهم فسألوه: من أنت؟ فقال: أنا النبيّ الاميّ! فقالوا: نعم، أنت الذي بشّر بك موسى، ﵇، وإن أمّتك لولا ذنوبها لصافحتها الملائكة، قال رسول اللّه، ﷺ : رأيت قبورهم على باب دورهم فقلت لهم: لم ذاك؟ قالوا: لنذكر الموت صباحا ومساء، وإن لم نفعل ذلك ما نذكر إلّا وقتا بعد وقت! فقال، ﷺ : ما لي أرى بنيانكم مستويا؟ قالوا: لئلّا يشرف بعضنا على بعض،
стр. 26
ولئلّا يسدّ بعضنا الهواء عن بعض. فقال، ﷺ : ما لي لا أرى فيكم سلطانا ولا قاضيا؟ فقالوا: أنصف بعضنا بعضا، وأعطينا الحقّ من أنفسنا، فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا، فقال، ﷺ : ما لأسواقكم خالية؟ فقالوا: نزرع جميعا ونحصد جميعا، فيأخذ كلّ رجل منّا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه. فقال، ﷺ : ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون؟ قالوا: مات لهم ميت! قال: ولم يضحكون؟ قالوا:
سرورا بأنّه قبض على التوحيد! قال، ﷺ : وما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: ولد لهم مولود وهم لا يدرون على أيّ دين يقبض. قال، ﷺ : إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون؟ قالوا: نصوم للّه شهرا شكرا. قال: وإن ولدت لكم أنثى؟ قالوا: نصوم للّه شهرين شكرا، لأنّ موسى، ﵇، أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجرا من الصبر على الذكر. قال، ﷺ : أفتزنون؟ قالوا: وهل يفعل ذلك أحد إلّا حصبته السماء من فوقه، وخسفت به الأرض من تحته؟ قال: افتربون؟ قالوا: إنّما يربي من لا يؤمن رزق اللّه! قال: أفتمرضون؟ قالوا: لا نذنب ولا نمرض وإنّما تمرض أمّتك ليكون كفّارة لذنوبهم. قال، ﷺ : أفلكم سباع وهوام؟ قالوا: نعم تمرّ بنا ونمرّ بها فلا تؤذينا.
فعرض عليهم النبيّ. ﷺ ، شريعته، فقالوا: كيف لنا بالحجّ وبيننا وبينه مسافة بعيدة؟ فدعا النبي، ﷺ ، قال ابن عبّاس: تطوى لهم الأرض حتى يحجّ من يحجّ منهم مع الناس.
قال: فلمّا أصبح النبيّ، ﷺ ، أخبر من حضر من قومه، وكان فيهم أبو بكر، ﵁، قال: إن قوم موسى بخير، فعلم اللّه تعالى ما في قلوبهم فأنزل: وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. فصام أبو بكر شهرا واعتق عبدا، إذ لم يفضل اللّه أمة موسى على أمّة محمّد، ﷺ .
стр. 27
جاوة
هي بلاد على ساحل بحر الصين ممّا يلي بلاد الهند، وفي زماننا هذا لا يصل التجّار من أرض الصين إلّا إلى هذه البلاد، والوصول إلى ما سواها من بلاد الصين متعذّر لبعد المسافة واختلاف الأديان، والتجّار يجلبون من هذه البلاد العود الجاوي والكافور والسنبل والقرنفل والبسباسة، والغضائر الصيني منها يجلب إلى سائر البلاد.
جزاير الخالدات
ويقال لها أيضا جزاير السعادات، وانّها في البحر المحيط في أقصى المغرب كان بها مقام جمع من الحكماء بنوا عليها ابتداء طول العمارات، قال أبو الريحان الخوارزمي: هي ستّ جزاير واغلة في البحر المحيط، قريبات من مائتي فرسخ، وإنّما سميّت بجزاير السعادات لأن غياطها أصناف الفواكه والطيب من غير غرس وعمارة، وأرضها تحمل الزرع مكان العشب، وأصناف الرياحين العطرة بدل الشوك.
قالوا: في كلّ جزيرة صنم طوله مائة ذراع كالمنار ليهتدى بها، وقيل:
إنّما عملوا ذلك ليعلم أن ليس بعد ذلك مذهب فلا يتوسّط البحر المحيط، واللّه أعلم بذلك.
جزيرة الرّامني
في بحر الصين؛ قال محمّد بن زكريّاء الرازي: بها ناس عراة لا يفهم كلامهم لأنّه مثل الصفير، طول أحدهم أربعة أشبار، شعورهم زغب أحمر،
يتسلّقون على الأشجار، وبها الكركدن وجواميس لا أذناب لها، وبها من الجواهر والافاويه ما لا يحصى، وبها شجر الكافور والخيزران والبقمّ وعروق هذا
стр. 28
البقّم دواء من سمّ الأفاعي، وحمله شبه الخرنوب وطعمه طعم العلقم.
وقال ابن الفقيه: بها ناس عراة رجال ونساء على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، وهم أمّة لا يحصى عددها، مأكولهم ثمار الأشجار، وإذا اجتاز بهم شيء من المراكب يأتونه بالسباحة مثل هبوب الريح، وفي أفواههم عنبر يبيعونه بالحديد.
جزيرة زانج
إنّها جزيرة عظيمة في حدود الصين ممّا يلي بلاد الهند، بها أشياء عجيبة ومملكة بسيطة، وملك مطاع يقال له المهراج؛ قال محمّد بن زكريّاء: للمهراج جباية تبلغ كلّ يوم مائتي منّ ذهبا، يتّخذها لبنات ويرميها في الماء، والماء بيت ماله، وقال أيضا: من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور وانّه عظيم جدّا، يظلّ مائة إنسان وأكثر، يثقب أعلى الشجر فيسيل منه ماء الكافور عدّة جرار، ثمّ يثقب أسفل من ذلك وسط الشجرة فينساب منها قطع الكافور وهو صمغ تلك الشجرة، غير أنّه في داخلها، فإذا أخذت ذلك منه يبست الشجرة.
وحكى ماهان بن بحر السيرافي قال: كنت في بعض جزاير زانج فرأيت بها وردا كثيرا أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك، فأخذت ملاءة حمراء وجعلت فيها شيئا من الورد الأزرق، فلمّا أردت حملها رأيت نارا في الملاءة واحترق ما فيها من الورد ولم تحترق الملاءة، فسألت عنها فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة لكن لا يمكن إخراجها من هذه الغيطة.
وقال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة قوم على صورة البشر، إلّا أن أخلاقهم بالسباع أشبه، يتكلّم بكلام لا يفهم ويطفر من شجرة إلى شجرة. وبها صنف من السنانير لها أجنحة كأجنحة الخفافيش من الأذن إلى الذنب، وبها وعول كالبقر الجبليّة، ألوانها حمر منقّطة ببياض، وأذنابها كأذناب الظباء ولحومها حامضة، وبها دابّة الزباد وهي شبيهة بالهرّ يجلب منها الزباد، وبها فارة المسك.
стр. 29
وبها جبل النصبان، وهو جبل فيه حيّات عظام تبلع البقر والجاموس، ومنها ما يبلع الفيل، وبها قردة بيض كأمثال الجواميس والكباش، وبها صنف آخر بيض الصدر سود الظهر.
وقال زكرياء بن محمّد بن خاقان: بجزيرة زانج ببغاء بيض وصفر وحمر، يتكلّم بأيّ لغة يكون، وبها طواويس رقط وخضر، وبها طير يقال له الحوارى دون الفاختة، أبيض البطن أسود الجناحين أحمر الرجلين أصفر المنقار، وهو أفصح من الببغاء، واللّه الموفق للصواب.
جزيرة سكسار
جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب، حكى يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا في وجهه خموش، فسألته عن ذلك، فقال: خرجنا في مركب فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نقدر أن نبرح عنها، فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وسائر بدنهم كبدن الناس، فسبق إلينا واحد ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم، فإذا فيها جماجم الناس وأسوقهم وأذرعهم، فأدخلنا بيتا فإذا فيه إنسان أصابه مثل ما أصابنا، فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول، فقال لنا الرجل: إنّما يطعمونكم لتسمنوا فمن سمن أكلوه، قال: فكنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت نحيفا والرجل كان عليلا، فقال لي الرجل: قد حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم ويمكثون ثلاثا، فإن أردت النجاة فانج بنفسك! وأمّا أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الذهاب. واعلم أنّهم أسرع شيء طلبا وأشدّ اشتياقا وأعرف بالأثر، إلّا من دخل تحت شجرة كذا فإنّهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه. قال: فخرجت أسير ليلا وأكمن النهار تحت الشجرة، فلمّا كان اليوم الثالث رجعوا، وكانوا يقصّون أثري، فدخلت تحت الشجرة فانقطعوا عني ورجعوا فأمنت.
حكى الرجل المخموش وقال: بينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفعت لي
стр. 30
أشجار كثيرة فانتهيت إليها، فإذا بها من كلّ الفواكه، وتحتها رجال كأحسن ما يكون صورة، فقعدت عندهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي، فبينا أنا جالس معهم إذ وضع أحدهم يده على عاتقي، فإذا هو على رقبتي ولوى رجليه عليّ وأنهضني، فجعلت أعالجه لأطرحه فخمشني في وجهي، فجعلت أدور به على الأشجار وهو يقطف ثمرها يأكل ويرمي إلى أصحابه وهم يضحكون، فبينا أنا أسير به في وسط الأشجار إذ أصاب عينيه عيدان الأشجار فعمي، فعمدت إلى شيء من العنب وأتيت نقرة في صخرة عصرته فيها، ثمّ أشرت إليه أن اكرع فكرع منها، فتحلّلت رجلاه فرميت به، فأثر الخموش من ذلك في وجهي.
جزيرة القصار
حدّث يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا من أهل رومية قال:
خرجت في مركب فانكسر وبقيت على لوح، فألقتني الريح إلى بعض الجزائر، فوصلت بها إلى مدينة فيها أناس قاماتهم قدر ذراع وأكثرهم عور، فاجتمع عليّ جماعة وساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي، فانتهوا بي إلى شيء مثل قفص الطير، أدخلوني فيه فقمت فكسرته وصرت بينهم، فآمنوني فكنت أعيش فيهم.
فإذا في بعض الأيّام رأيتهم يستعدّون للقتال، فسألتهم عن ذلك فأومأوا إلى عدوّ لهم يأتيهم في هذا الوقت، فلم تلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق، وكان عورهم من نقر الغرانيق أعينهم، فأخذت عصا وشددت على الغرانيق فطارت ومشت، فأكرموني بعد ذلك إلى أن وجدت جذعين وشددتهما بلحاء الشجر وركبتهما، فرمتني الريح إلى رومية.
وقد حكى أرسطاطاليس في كتاب الحيوان تصحيح ما ذكر وقال: إن الغرانيق تنتقل من خراسان إلى ما بعد مصر، حيث يسيل ماء النيل، وهناك تقاتل رجالا قاماتهم قدر ذراع.
стр. 31
جزيرة النّساء
في بحر الصين فيها نساء لا رجل معهنّ أصلا، وإنّهنّ يلقحن من الريح ويلدن النساء مثلهن، وقيل: إنّهنّ يلقحن من ثمرة شجرة عندهن يأكلن منها فيلقحن ويلدن نساء.
حكى بعض التجّار أن الريح ألقته إلى هذه الجزيرة قال: فرأيت نساء لا رجال معهن ورأيت الذهب في هذه الجزيرة مثل التراب، ورأيت من الذهب قضبانا كالخيزران، فهممن بقتلي فحمتني امرأة منهن وحملتني على لوح وسيّبتني في البحر، فألقتني الريح إلى بلاد الصين، فأخبرت صاحب الصين بحال الجزيرة وما فيها من الذهب، فبعث من يأتيه بخبرها، فذهبوا ثلاث سنين ما وقعوا بها فرجعوا.
جزيرة واق واق
إنّها في بحر الصين وتتّصل بجزائر زانج والمسير إليها بالنجوم، قالوا:
إنّها ألف وستّمائة جزيرة، وإنّما سمّيت بهذا الاسم لأن بها شجرة لها ثمرة على صور النساء معلّقات من الشجرة بشعورها، وإذا أدركت يسمع منها صوت واق واق، وأهل تلك البلاد يفهمون من هذا الصوت شيئا يتطيّرون به.
قال محمّد بن زكرياء الرازي: هي بلاد كثيرة الذهب حتى أن أهلها يتّخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب، ويأتون بالقمصان المنسوجة من الذهب.
وحكى موسى بن المبارك السيرافي أنّه دخل هذه البلاد وقد ملكتها امرأة، وأنّه رآها على سرير عريانة، وعلى رأسها تاج وعندها أربعة آلاف وصيفة عراة أبكارا.
стр. 32
جوف
واد بأرض عاد، كان ذا ماء وشجر وعشب وخيرات كثيرة، منها حمار بن مويلع، كان له بنون خرجوا يتصيّدون فأصابتهم صاعقة فماتوا عن آخرهم، فكفر حمار كفرا عظيما وقال: لا أعبد ربّا فعل بي هذا! ودعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، وكان يقتل من مرّ به من الناس، فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته ومن فيه، وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل وقالوا: أكفر من حمار! وقالوا أيضا: أخلى من جوف حمار. وقال شاعرهم:
ولشؤم البغي والغشم قديما … ما خلا جوف ولم يبق حمار
حرث
أرض واسعة باليمن كثيرة الرياض والمياه، طيّبة الهواء عذبة الماء منها ذو حرث الحميري واسمه مثوّب؛ قال هشام بن محمّد الكلبي: كان ذو حرث من أهل بيت الملك يعجبه سياحة البلاد، فأوغل في بعض أوقاته في بلاد اليمن، فهجم على أرض فيحاء كثيرة الرياض، فأمر أصحابه بالنزول وقال: يا قوم إن لهذه الأرض شأنا، لما رأى من مياهها ورياضها ولم ير بها أنيسا، فأوغل فيها حتى هجم على عين عظيمة نظيفة، بها غاب ويكتنفها ثلاث آكام عظام،
فإذا على شريعتها بيت صنم من الصخر، حوله من مسوك الوحش وعظامها تلال.
فبينا هو كذلك إذ أبصر شخصا كالفحل المقرم قد تجلّل بشعره وذلاذله تنوش على عطفه، وبيده سيف كاللجّة الخضراء، فنكصت منه الخيل وأصرّت بآذانها ونفضت بأبوالها، فقلنا: من أنت؟ فأقبل يلاحظنا كالقرم الصّؤول، ووثب وثبة الفهد على ادنانا فضربه ضربة، فقطّ عجز فرسه، وثنّى بالفارس جزله جزلتين. فقال القيل: ليلحق فارسان برجالنا ليأتينا عشرون راميا.
فلم يلبث أن أقبلت الرماة ففرّقهم على الآكام الثلاث وقال: احشوه بالنبل
стр. 33
وان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر، وليحمل عليه الخيل من ورائه، ففرّقنا الخيل للحملة وإنّها تشمئزّ عنه، فأقبل يدنو ويختل، وكلّما خالطه سهم أمرّ عليه ساعده وكسره في لحمه، فضرب فارسا آخر فقطع فخذه بسرجه وما تحت السرج من فرسه، فصاح به القيل: ويلك! من أنت؟ فقال بصوت الرعد: أنا حرث لا أراع ولا ألاع! فمن أنت؟ قال: أنا مثوّب، قال: إنّك لهو؟ قال:
نعم. فقهقر وقال: اليوم انقضت المدّة وبلغت نهايتها العدّة، لك كانت هذه السرارة ممنوعة.
ثمّ جلس وألقى سيفه وجعل ينزع النبل من بدنه، فقلنا للقيل: قد استسلم؟ قال: كلّا لكنّه اعترف دعوة فإنّه ميّت، فقال: عهد عليكم لتحفرنّني! فقال القيل: آكد عهد، ثمّ كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت، فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منّا يحمله على عنقه، فأمر مثوّب فحفر له أخدود ألقي فيه، واتّخذ مثوّب تلك الأرض منزلا وسمّاها حرث، وسمّي مثوّب ذا حرث.
ووجد على أكمة صخرة مكتوب عليها: باسمك اللهمّ، إله من سلف ومن غبر، إنّك الملك الكبّار الخالق الجبّار ملكنا هذه المدّة، وحمى لنا أقطارها وأصبارها وأسرابها وحيطانها وعيونها وصيرانها إلى انتهاء عدّة وانقضاء مدّة، ثمّ يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب والمضاء العضب، فيتّخذها معمرا أعصرا ثمّ يجوز كما بدا، وكلّ محتوم آت وكلّ مترقّب قريب، ولا بدّ من فقدان الموجود وخراب المعمور.
حضرموت
ناحية باليمن مشتملة على مدينتين، يقال لإحداهما شبام وللأخرى تريم، وهي بقرب البحر في شرقي عدن، وانّها بلاد قديمة.
حكى رجل من حضرموت قال: وجدنا بها فخّارا فيه سنبلة حنطة وامتلأ
стр. 34
الظرف منها، وزنّاها كانت منّا، وكلّ حبّة منها كبيضة دجاجة.
وكان في ذلك الوقت شيخ له خمسمائة سنة، وله ولد له أربعمائة سنة، وولد ولد له ثلاثمائة سنة؛ فذهبنا إلى ابن الابن قلنا: إنّه أقرب إلى الفهم والعقل، فوجدناه مقيّدا لا يعرف الخير والشرّ. فقلنا: إذا كان هذا حال ولد الولد فكيف حال الأب والجدّ؟ فذهبنا إلى صاحب الأربعمائة سنة فوجدناه أقرب إلى الفهم من ولده، فذهبنا إلى صاحب الخمسمائة سنة فوجدناه سليم العقل والفهم، فسألناه عن حال ولد ولده فقال: انّه كانت له زوجة سيّئة الخلق لا توافقه في شيء أصلا، فأثر فيه ضيق خلقها ودوام الغمّ بمقاساتها، وأمّا ولدي فكانت له زوجة توافقه مرّة وتخالفه أخرى، فلهذا هو أقرب فهما منه.
وأمّا أنا فلي زوجة موافقة في جميع الأمور مساعدة، فلذلك سلم فهمي وعقلي! فسألناه عن السنبلة فقال: هذا زرع قوم من الأمم الماضية كانت ملوكهم عادلة، وعلماؤهم أمناء، وأغنياؤهم أسخياء، وعوامّهم منصفة.
منها القاضي الحضرمي، ﵀، لمّا ولي القضاء أتى عليه سنتان لم يتقدّم إليه خصمان، فاستعفى الملك وقال: إني آخذ معيشة القضاء ولا خصومة لأحد فالأجرة لا تحلّ لي! فاستبقاه الملك وقال: لعلّ الحاجة تحدث، إلى أن تقدّمه خصيمان فقال أحدهما: اشتريت منه أرضا فظهر فيها كنز قل له حتى يقبضها! وقال الآخر: إني بعت الأرض بما فيها والكنز له! فقال القاضي: هل لكما من الأولاد؟ قالا: نعم. فزوّج بنت البائع من ابن المشتري، وجعل الكنز لولديهما وصالحا على ذلك.
وبها القصر المشيد الذي ذكره اللّه في القرآن، بناه رجل يقال له صدّ ابن عاد وذلك أنّه لمّا رأى ما نزل بقوم عاد من الريح العقيم، بنى قصرا لا يكون للريح عليه سلطان من شدّة إحكامه، وانتقل إليه هو وأهله، وكان له من القوّة ما كان، يأخذ الشجرة بيده فيقلعها بعروقها من الأرض، ويأكل من الطعام مأكول عشرين رجلا من قومه، وكان مولعا من النساء، تزوّج بأكثر من سبعمائة
стр. 35
عذراء وولد له من كلّ واحدة ذكر وأنثى، فلمّا كثر أولاده طغى وبغى، وكان يقعد في أعالي قصره مع نسائه، لا يمرّ به أحد إلّا قتله كائنا من كان، حتى كثر قتلاه فأهلكه اللّه تعالى مع قومه بصيحة من السماء، وبقي القصر خرابا لا يجسر أحد على دخوله لأنّه ظهر فيه شجاع عظيم، وكان يسمع من داخله أنين كأنين المرضى، وقد أخبر اللّه تعالى عنهم وأمثالهم بقوله: فكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد، والبئر المعطّلة كانت بعدن، سنذكرها إن شاء اللّه تعالى.
وبها قبر هود النبيّ، ﵇؛ قال كعب الأحبار: كنت في مسجد رسول اللّه، ﷺ ، في خلافة عثمان، ﵁، فإذا برجل قد رمقه الناس لطوله، فقال: أيّكم ابن عمّ محمّد؟ قالوا: أيّ ابن عمّه؟ قال: ذاك الذي آمن به صغيرا، فأومأوا إلى عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال عليّ: ممّن الرجل؟ فقال: من اليمن من بلاد حضرموت. فقال عليّ: أتعرف موضع الأراك والسدرة الحمراء التي يقطر من أوراقها ماء في حمرة الدم؟ فقال الرجل: كأنّك سألتني عن قبر هود، ﵇؟ فقال عليّ: عنه سألتك فحدّثني، فقال: مضيت في أيّام شبابي في عدّة من شبّان الحيّ نريد قبره، فسرنا إلى جبل شامخ فيه كهوف ومعنا رجل عارف بقبره حتى دخلنا كهفا، فإذا نحن بحجرين عظيمين قد أطبق أحدهما على الآخر، وبينهما فرجة يدخلها رجل نحيف، وكنت أنا أنحفهم، فدخلت بين الحجرين فسرت حتى وصلت إلى فضاء، فإذا أنا بسرير عليه ميت وعليه أكفان كأنّها الهواء، فمسست بدنه فكان علبا، وإذا هو كبير العينين مقرون الحاجبين واسع الجبهة أسيل الحدّ طويل اللحية، وإذا عند رأسه حجر على شكل لوح عليه مكتوب: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، وقضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه وبالوالدين إحسانا، أنا هود بن الحلود بن عاد رسول اللّه إلى بني عاد بن عوض ابن سام بن نوح، جئتهم بالرسالة وبقيت فيهم مدّة عمري فكذّبوني، فأخذهم
стр. 36
اللّه بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد، وسيجيء بعدي صالح بن كالوة فيكذّبه قومه فتأخذهم الصيحة؛ قال له عليّ، ﵁: صدقت، هكذا قبر هود، ﵇.
وبها بئر برهوت وهي التي قال النبيّ، ﷺ : ان فيها أرواح الكفّار والمنافقين، وهي بئر عاديّة قديمة عميقة في فلاة وواد مظلم.
وعن عليّ، ﵁، قال: ابغض البقاع إلى اللّه تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفّار.
وذكر الأصمعيّ عن رجل حضرميّ انّه قال: إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدّا فيأتينا الخبر أن عظيما من عظماء الكفّار مات.
وحكى رجل أنّه بات ليلة بوادي برهوت قال: فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه، فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال: إن الملك الموكّل بأرواح الكفّار اسمه دومه.
وبها ماء الخنوثة؛ قال ابن الفقيه: بحضرموت ماء بينها وبين النّوب، من شربه يصير مخنّثا.
دلان ودموران (١)
قريتان بقرب ذمار من أرض اليمن. قالوا: ليس بأرض اليمن أحسن وجها من نساء هاتين القريتين. وقالوا: الفواجر بهما كثيرة يقصدهما الناس من الأماكن البعيدة للفجور! قالوا: إن دلان ودموران كانا ملكين أخوين، وكلّ واحد بنى قرية وسمّاها باسمه، وكانا مشغوفين بالنساء وينافسان في الحسن والجمال، والناس يجلبون من الأطراف البعيدة ذوات الجمال لهما، فمن هناك أتى أهل القريتين الجمال، وإلّا فالجمال بأرض اليمن كالسمك على اليبس، واللّه الموفق.
стр. 37
دنقلة
مدينة عظيمة ببلاد النوبة، ممتدّة على ساحل النيل، طولها مسيرة ثمانين ليلة وعرضها قليل، وهي منزل ملكهم كابيل، وأهلها نصارى يعاقبة، أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم، ومع شدّة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة.
ولهم نخل وكرم ومقل وأراك. وبلادهم أشبه شيء باليمن، وبيوتهم أخصاص كلّها، وكذلك قصور ملكهم.
وأهلها عراة مؤتزرون بالجلود، والنمر عندهم كثيرة، يلبسون جلودها، والزرافة أيضا وهي دابّة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها، وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم.
ذات الشّعبين
مخلاف باليمن، وقال محمّد بن السائب: حكى لنا رجل من ذي الكلاع أن سيلا أقبل باليمن، فخرق موضعا فأبدى عن أزج، فإذا فيه سرير عليه ميت عليه جباب وشي مذهبة، وبين يديه محجن من ذهب في رأسه ياقوتة حمراء، وإذا لوح فيه مكتوب: بسم اللّه ربّ حمير، أنا حسّان بن عمرو القيل، حين لا قيل إلّا اللّه، متّ زمان خرهيد وماهيد هلك فيه اثنا عشر ألف قيل، وكنت آخرهم قيلا، فأتيت ذات الشّعبين ليجيرني فأجفرني، قالوا:
لعلّ كان ذلك وقت الطاعون، فمات من مات لفساد الهواء، فأتى حسّان ذات الشعبين ليكون الهواء فيه أصحّ، بسبب هبوبها من الشعبين، فيسلم من الطاعون وما سلم.
ذمار
مدينة ببلاد اليمن، حكى أبو الربيع سليمان الزنجاني: انّه شاهد ذمار، ورأى على مرحلة منها آثار عمارة قديمة، قد بقي منها ستّة أعمدة من رخام،
стр. 38
وفوق أربعة منها أربعة أعمدة، ودونها مياه كثيرة جارية، قال: ذكر لي أهل تلك البلاد أن أحدا لا يقدر على خوض تلك المياه إلى تلك الأعمدة، وما خاض أحد إلّا عدم، وأهل تلك البلاد متّفقون على أنّها عرش بلقيس.
سبأ
مدينة كانت بينها وبين صنعاء ثلاثة أيّام، بناها سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان، كانت مدينة حصينة كثيرة الأهل طيّبة الهواء عذبة الماء، كثيرة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة أنواع الحيوان، وهي التي ذكرها اللّه تعالى:
لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنّتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربّكم واشكروا له، بلدة طيّبة وربّ غفور؛ ما كان يوجد بها ذباب ولا بعوض ولا شيء من الهوام كالحيّة والعقرب ونحوهما.
وقد اجتمعت في ذلك الموضع مياه كثيرة من السيول، فيمشي بين جبلين ويضيع في الصحارى، وبين الجبلين مقدار فرسخين، فلمّا كان زمان بلقيس الملكة بنت بين الجبلين سدّا بالصخر والقار، وترك الماء العظيم خارج السدّ، وجعلت في السدّ مثاعب أعلى وأوسط وأسفل ليأخذوا من الماء كلّ ما احتاجوا إليه، فجفّت داخل السدّ ودام سقيها، فعمرها الناس وبنوا وغرسوا وزرعوا، فصارت أحسن بلاد اللّه تعالى وأكثرها خيرا، كما قال اللّه تعالى: جنّتان عن يمين وشمال. وكان أهلها اخوة وبنو عمّ بنو حمير وبنو كهلان، فبعث اللّه تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيّا فكذّبوهم، فسلط اللّه تعالى الجرذ على سدّهم.
منها عمران بن عامر، وكانت سيادة اليمن لولد حمير ولولد كهلان، وكان كبيرهم عمران بن عامر، وكان جوادا عاقلا، وله ولأقربائه من الحدائق ما لم يكن لأحد من ولد قحطان.
وكانت عندهم كاهنة اسمها طريفة، قالت لعمران: والظلمة والضياء والأرض والسماء ليقبلنّ إليكم الماء كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم خلاء
стр. 39
يسفي عليها الصّبا! فقالوا لها: فجعتنا بأموالنا فبيّني مقالتك! فقالت: انطلقوا إلى رأس الوادي لتروا الجرذ العادي يجرّ كلّ صخرة صيخاد بأنياب حداد وأظفار شداد! فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السدّ، فإذا هم بجرذ أحمر فيقلع الحجر الذي لا يستقلّه رجال ويدفعه بمخاليب رجليه إلى ما يلي البحر ليفتح السدّ.
فلمّا رأى عمران ذلك علم صدق قول الكاهنة فقال لأهله: اكتموا هذا القول من بني عمّكم بني حمير لعلّنا نبيع حدائقنا منهم ونرحل عن هذه الأرض، ثمّ قال لابن أخيه حارثة: إذا كان الغد واجتمع الناس أقول لك قولا خالفني، وإذا شتمتك ردّها عليّ، وإذا ضربتك فاضربني مثله! فقال: يا عم كيف ذلك؟ فقال عمران: لا تخالف فإن مصلحتنا في هذا.
فلمّا كان الغد واجتمع عند عمران أشراف قومه وعظماء حمير ووجوه رعيّته، أمر حارثة أمرا فعصاه فضربه بمخصرة كانت بيده، فوثب حارثة عليه واطمه، فأظهر عمران الغضب وأمر بقتل ابن أخيه فوقع في حقّه الشفاعات.
فلمّا أمسك عن قتله حلف أن لا يقيم في أرض امتهن بها، وقال وجوه قومه:
ولا نقيم بعدك يوما! فعرضوا ضياعهم على البيع واشتراها بنو حمير بأعلى الأثمان، فارتحل عن أرض اليمن فجاء السيل بعد رحيلهم بمدّة يسيرة، وخربت البلاد كما قال تعالى: فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. فتفرّقوا في البلاد، ويضرب بهم المثل فيقال: تفرّقوا أيادي سبا.
وكانوا عشرة أبطن: ستّة تيامنوا وهم كندة والأشعريون والأزد ومذحج وانمار وحمير، وأربعة تشاءموا وهم عامرة وجذام ولخم وغسّان. وكانت هذه الواقعة بين مبعث عيسى ونبيّنا، صلّى اللّه عليهما وسلّم.
стр. 40
سجلماسة
مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، في مقطع جبل درن في وسط رمل، بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلا مدّ البصر. حدّثني بعض الفقهاء من المغاربة وقد شاهدها: ان مزارعها اثنا عشر فرسخا من كلّ جانب لكن لا يزرع في كلّ سنة إلّا خمسها، ومن أراد الزيادة على ذلك منعوه، وذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الطّنّاء بشيء. وبها أصناف العنب والتمر وأمّا تمرها فستّة عشر صنفا ما بين عجوة ودقل.
ولنسائها يد صناع في غزل الصوف، ويعمل منه كلّ عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب، ويبلغ ثمن الإزار ثلاثين دينارا وأربعين كأرفع ما يكون من القصب ويتّخذن منه عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان، وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا لأنّها على طريق غانة التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها، وهي في بلاد التبر يعرف منها، واللّه الموفق.
سرنديب
جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين؛ قال محمّد بن زكرياء: هي ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.
ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته، والمديون إذا تقاعد عن أداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده، فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن، أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين، ويسلّم ثلثه إلى المستحقّ ويأخذ الملك ثلثيه.
وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار،