اللّه بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد، وسيجيء بعدي صالح بن كالوة فيكذّبه قومه فتأخذهم الصيحة؛ قال له عليّ، ﵁: صدقت، هكذا قبر هود، ﵇.
وبها بئر برهوت وهي التي قال النبيّ، ﷺ : ان فيها أرواح الكفّار والمنافقين، وهي بئر عاديّة قديمة عميقة في فلاة وواد مظلم.
وعن عليّ، ﵁، قال: ابغض البقاع إلى اللّه تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفّار.
وذكر الأصمعيّ عن رجل حضرميّ انّه قال: إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدّا فيأتينا الخبر أن عظيما من عظماء الكفّار مات.
وحكى رجل أنّه بات ليلة بوادي برهوت قال: فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه، فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال: إن الملك الموكّل بأرواح الكفّار اسمه دومه.
وبها ماء الخنوثة؛ قال ابن الفقيه: بحضرموت ماء بينها وبين النّوب، من شربه يصير مخنّثا.
دلان ودموران (١)
قريتان بقرب ذمار من أرض اليمن. قالوا: ليس بأرض اليمن أحسن وجها من نساء هاتين القريتين. وقالوا: الفواجر بهما كثيرة يقصدهما الناس من الأماكن البعيدة للفجور! قالوا: إن دلان ودموران كانا ملكين أخوين، وكلّ واحد بنى قرية وسمّاها باسمه، وكانا مشغوفين بالنساء وينافسان في الحسن والجمال، والناس يجلبون من الأطراف البعيدة ذوات الجمال لهما، فمن هناك أتى أهل القريتين الجمال، وإلّا فالجمال بأرض اليمن كالسمك على اليبس، واللّه الموفق.
стр. 37
دنقلة
مدينة عظيمة ببلاد النوبة، ممتدّة على ساحل النيل، طولها مسيرة ثمانين ليلة وعرضها قليل، وهي منزل ملكهم كابيل، وأهلها نصارى يعاقبة، أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم، ومع شدّة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة.
ولهم نخل وكرم ومقل وأراك. وبلادهم أشبه شيء باليمن، وبيوتهم أخصاص كلّها، وكذلك قصور ملكهم.
وأهلها عراة مؤتزرون بالجلود، والنمر عندهم كثيرة، يلبسون جلودها، والزرافة أيضا وهي دابّة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها، وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم.
ذات الشّعبين
مخلاف باليمن، وقال محمّد بن السائب: حكى لنا رجل من ذي الكلاع أن سيلا أقبل باليمن، فخرق موضعا فأبدى عن أزج، فإذا فيه سرير عليه ميت عليه جباب وشي مذهبة، وبين يديه محجن من ذهب في رأسه ياقوتة حمراء، وإذا لوح فيه مكتوب: بسم اللّه ربّ حمير، أنا حسّان بن عمرو القيل، حين لا قيل إلّا اللّه، متّ زمان خرهيد وماهيد هلك فيه اثنا عشر ألف قيل، وكنت آخرهم قيلا، فأتيت ذات الشّعبين ليجيرني فأجفرني، قالوا:
لعلّ كان ذلك وقت الطاعون، فمات من مات لفساد الهواء، فأتى حسّان ذات الشعبين ليكون الهواء فيه أصحّ، بسبب هبوبها من الشعبين، فيسلم من الطاعون وما سلم.
ذمار
مدينة ببلاد اليمن، حكى أبو الربيع سليمان الزنجاني: انّه شاهد ذمار، ورأى على مرحلة منها آثار عمارة قديمة، قد بقي منها ستّة أعمدة من رخام،
стр. 38
وفوق أربعة منها أربعة أعمدة، ودونها مياه كثيرة جارية، قال: ذكر لي أهل تلك البلاد أن أحدا لا يقدر على خوض تلك المياه إلى تلك الأعمدة، وما خاض أحد إلّا عدم، وأهل تلك البلاد متّفقون على أنّها عرش بلقيس.
سبأ
مدينة كانت بينها وبين صنعاء ثلاثة أيّام، بناها سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان، كانت مدينة حصينة كثيرة الأهل طيّبة الهواء عذبة الماء، كثيرة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة أنواع الحيوان، وهي التي ذكرها اللّه تعالى:
لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنّتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربّكم واشكروا له، بلدة طيّبة وربّ غفور؛ ما كان يوجد بها ذباب ولا بعوض ولا شيء من الهوام كالحيّة والعقرب ونحوهما.
وقد اجتمعت في ذلك الموضع مياه كثيرة من السيول، فيمشي بين جبلين ويضيع في الصحارى، وبين الجبلين مقدار فرسخين، فلمّا كان زمان بلقيس الملكة بنت بين الجبلين سدّا بالصخر والقار، وترك الماء العظيم خارج السدّ، وجعلت في السدّ مثاعب أعلى وأوسط وأسفل ليأخذوا من الماء كلّ ما احتاجوا إليه، فجفّت داخل السدّ ودام سقيها، فعمرها الناس وبنوا وغرسوا وزرعوا، فصارت أحسن بلاد اللّه تعالى وأكثرها خيرا، كما قال اللّه تعالى: جنّتان عن يمين وشمال. وكان أهلها اخوة وبنو عمّ بنو حمير وبنو كهلان، فبعث اللّه تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيّا فكذّبوهم، فسلط اللّه تعالى الجرذ على سدّهم.
منها عمران بن عامر، وكانت سيادة اليمن لولد حمير ولولد كهلان، وكان كبيرهم عمران بن عامر، وكان جوادا عاقلا، وله ولأقربائه من الحدائق ما لم يكن لأحد من ولد قحطان.
وكانت عندهم كاهنة اسمها طريفة، قالت لعمران: والظلمة والضياء والأرض والسماء ليقبلنّ إليكم الماء كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم خلاء
стр. 39
يسفي عليها الصّبا! فقالوا لها: فجعتنا بأموالنا فبيّني مقالتك! فقالت: انطلقوا إلى رأس الوادي لتروا الجرذ العادي يجرّ كلّ صخرة صيخاد بأنياب حداد وأظفار شداد! فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السدّ، فإذا هم بجرذ أحمر فيقلع الحجر الذي لا يستقلّه رجال ويدفعه بمخاليب رجليه إلى ما يلي البحر ليفتح السدّ.
فلمّا رأى عمران ذلك علم صدق قول الكاهنة فقال لأهله: اكتموا هذا القول من بني عمّكم بني حمير لعلّنا نبيع حدائقنا منهم ونرحل عن هذه الأرض، ثمّ قال لابن أخيه حارثة: إذا كان الغد واجتمع الناس أقول لك قولا خالفني، وإذا شتمتك ردّها عليّ، وإذا ضربتك فاضربني مثله! فقال: يا عم كيف ذلك؟ فقال عمران: لا تخالف فإن مصلحتنا في هذا.
فلمّا كان الغد واجتمع عند عمران أشراف قومه وعظماء حمير ووجوه رعيّته، أمر حارثة أمرا فعصاه فضربه بمخصرة كانت بيده، فوثب حارثة عليه واطمه، فأظهر عمران الغضب وأمر بقتل ابن أخيه فوقع في حقّه الشفاعات.
فلمّا أمسك عن قتله حلف أن لا يقيم في أرض امتهن بها، وقال وجوه قومه:
ولا نقيم بعدك يوما! فعرضوا ضياعهم على البيع واشتراها بنو حمير بأعلى الأثمان، فارتحل عن أرض اليمن فجاء السيل بعد رحيلهم بمدّة يسيرة، وخربت البلاد كما قال تعالى: فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. فتفرّقوا في البلاد، ويضرب بهم المثل فيقال: تفرّقوا أيادي سبا.
وكانوا عشرة أبطن: ستّة تيامنوا وهم كندة والأشعريون والأزد ومذحج وانمار وحمير، وأربعة تشاءموا وهم عامرة وجذام ولخم وغسّان. وكانت هذه الواقعة بين مبعث عيسى ونبيّنا، صلّى اللّه عليهما وسلّم.
стр. 40
سجلماسة
مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، في مقطع جبل درن في وسط رمل، بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلا مدّ البصر. حدّثني بعض الفقهاء من المغاربة وقد شاهدها: ان مزارعها اثنا عشر فرسخا من كلّ جانب لكن لا يزرع في كلّ سنة إلّا خمسها، ومن أراد الزيادة على ذلك منعوه، وذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الطّنّاء بشيء. وبها أصناف العنب والتمر وأمّا تمرها فستّة عشر صنفا ما بين عجوة ودقل.
ولنسائها يد صناع في غزل الصوف، ويعمل منه كلّ عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب، ويبلغ ثمن الإزار ثلاثين دينارا وأربعين كأرفع ما يكون من القصب ويتّخذن منه عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان، وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا لأنّها على طريق غانة التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها، وهي في بلاد التبر يعرف منها، واللّه الموفق.
سرنديب
جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين؛ قال محمّد بن زكرياء: هي ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.
ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته، والمديون إذا تقاعد عن أداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده، فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن، أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين، ويسلّم ثلثه إلى المستحقّ ويأخذ الملك ثلثيه.
وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار،
стр. 41
وترافقه زوجته حتى يحتزقا معا.
وبها أنواع العطر والافاويه والعود والنارجيل ودابّة المسك، وأنواع اليواقيت ومعدن الذهب والفضّة ومغاص اللؤلؤ.
وعن رسول اللّه، ﷺ : خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكّة ومسجدي هذا والمسجد الأقصى، وجزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم، ﵇، بها جبل أهبط عليه آدم، ﵇، وهو ذاهب في السماء يراه البحريّون من مسافة أيّام، وفيه أثر قدم آدم، ﵇، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر. ويرى على هذا الجبل كلّ ليلة مثل البرق من غير سحاب وغيم ولا بدّ له كلّ يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم، ﵇.
ويقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدّره السيل منها إلى الحضيض وقطاع الماس أيضا والبلّور. وقالوا: أكثر أهل سرنديب مجوس وبها مسلمون أيضا، ودوابّها في غاية الحسن لا تشبه دوابّنا إلّا بالنوع، وبها كبش له عشرة قرون.
منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي، ورد قزوين وأهل قزوين تبرّكوا به. وكان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانيّة والعوامّ يكرهون ذلك، فربّما عملوا غوغاة ونهبوا دار القاضي وخرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي وخرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي شيئا ذهبوا إلى السرنديبي وقالوا: قم ساعدنا على القاضي! فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف، فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح.
فطلبه ذات يوم، فلمّا دخل عليه تحرّك له وانبسط معه وسأله عن حاله ثمّ قال: إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروكا، ولست أرى من لا يأخذه في اللّه لومة لائم غيرك. وأخرج من داره قميصا غسل مرارا وعمامة عتيقة، وأركبه على دابّة وغلمان الاحتساب في خدمته،
стр. 42
وكلّ من سمع بهذا استحسن وصار السرنديبي محتسبا.
فإذا في بعض الأيّام جاء شخص إلى السرنديبي وقال: في موضع كذا جماعة يشربون. فقام بأصحابه وذهب إليهم فأراق خمورهم وكسر ملاهيهم.
وكان القوم صبيانا جهّالا قاموا إليه وضربوه وضربوا أصحابه ضربا وجيعا، فجاء السرنديبي إلى القاضي وعرّفه ذلك، فالقاضي غضب وحولق وقال:
ابصروا من كانوا أولئك، فقالوا: ما نعرف منهم أحدا.
ثمّ بعد أيّام قالوا للسرنديبي: في بستان كذا جماعة يشربون، فذهب إليهم بأصحابه وأراق خمورهم وكسر ملاهيهم، فقاموا وقتاوا أصحاب السرنديبي وجرحوه، فعاد السرنديبي إلى بيته وأخذ القميص والعمامة وذهب إلى القاضي وقال: اخلع هذا على غيري فإني لست أهلا لذلك، فقال القاضي:
لا تفعل يا سديد الدين ولا تمنع الثواب! فقال له: دع هذا الكلام، أنت غرضك اني أقتل وأجرح على يد غيرك، وإني قد عرفت المقصود ولا أنخدع بعد ذلك.
سفالة
آخر مدينة تعرف بأرض الزنج، بها معدن الذهب، والحكاية عنها كما مرّ في بلاد التبر من أن التجّار يحملون إليها الأمتعة، ويضعونها في أرض قريبة منهم ويرجعون. ثمّ ان أهل سفالة وهم سودان يأتون ويتركون ثمن كلّ متاع بجنبه، والذهب السّفالي معروف عند تجّار الزنج.
وبها الحواي وهو صنف من الطير يعيد ما سمع بصوت رفيع ولفظ صحيح أصحّ من الببغاء، ولا يبقى أكثر من سنة، وبها ببغاء بيض وحمر وخضر، وقال محمّد بن الجهم: رأيت قوما يأكلون الذباب ويزعمون أنّه دافع للرمد ولا يرمدون شيئا البتّة.
стр. 43
سلوق
مدينة بأرض اليمن؛ قال ابن الحايك: كانت مدينة عظيمة ولها آثار عظيمة باقية، يوجد بها قطاع الذهب والفضّة والحليّ، وكان بها صنّاع الدروع المحكمة النسج، قال الشاعر:
نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه … ويوقد بالصّفّاح نار الحباحب
وبها الكلاب الضّواري، وذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب، فتأتي بالكلاب السلوقيّة وهي أخبث الكلاب؛ قال الشاعر:
منهم ضوار من سلوق كأنّها … حصن تجول تجرّر الأرسانا
سمهر
قرية بالحبشة، بها صنّاع الرماح السّمهريّة، وهي أحسن الرّماح؛ قاله الصولي، وقال غيره: إنّ هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا، يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله ويثقّفون جيّده ويبيعونه، وهو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد، واللّه الموفّق.
سندابل
قصبة بلاد الصين ودار المملكة، يشقّها نهر أحد شقيّه للملك والشقّ الآخر للعامّة؛ قال مسعر بن مهلهل: دخلتها وهي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم، ولها ستّون شارعا، كلّ شارع ينفذ إلى دار الملك، ولها سور ارتفاعه تسعون ذراعا، وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرّق ستّين جزءا، كلّ جزء ينزل على
стр. 44
باب من أبوابها، تلقاه رحى يصبّ إليها ثمّ إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض. ثمّ يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين، ويدخل نصفه المدينة ويدور في الشوارع كلّها، وكلّ شارع فيه نهران: داخل يسقيهم، وخارج يخرج بفضلاتهم.
وفيها من الزروع والبقول والفواكه والخيرات وأنواع الطيب كالقرنفل والدارصيني. وبها أنواع الجواهر كاليواقيت ونحوها والذهب الكثير. وأهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن، وأبوابهم آبنوس، وفيهم عبدة الأوثان والمانويّة والمجوس ويقولون بالتناسخ.
ومنها خاقان، ملك الصين الموصوف بالعدل والسياسة، له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر، والطرف الآخر عند مجلس الملك ليحرّكها المظلوم فيعلم الملك. ومن عادته ركوب الفيل كلّ جمعة والظهور للناس، ومن كان مظلوما يلبس ثوبا أحمر، فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره ويسأله عن ظلامته.
ومن ولد في رعيّته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلّا يخفى عليه أحد.
وبها بيت عبادة عظيم، فيه أصنام وتماثيل، ولأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة، يعبدون الأوثان ولا يذبحون الحيوان، ومن فعل أنكروا عليه.
ولهم آداب حسنة للرعيّة مع الملك وللولد مع الوالد: فإن الولد لا يقعد في حضور أبيه ولا يمشي إلا خلفه ولا يأكل معه.
قال ابن الفقيه: أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم، ولهم كتب يشتغلون بها، والزنا عندهم مباح، ولهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على البدّ للزنا، وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.
والملك وكلّ بالصّنّاع ليرفع إلى الملك جميع المعمول، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته، وإلّا يباع في السوق، وما فيه عيب يمزّقه.
وحكي أنّه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلّهم إلّا واحدا، فسئل عن عيبه فقال: إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس، وقد حمل قنو موز،
стр. 45
والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون: أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.
الشّحر
ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.
حكى بعض العرب قال: قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال: إنّا لنصيده ونأكله، وهو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل واحدة، وكذلك جميع الأعضاء، فقلت: أنا أحبّ أن أراه، فقال لغلمانه: صيدوا لنا شيئا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه، وله يد واحدة في صدره، وكذلك رجل واحدة، فلمّا نظر إليّ قال: أنا باللّه وبك. فقلت لهم: خلّوا عنه. فقالوا:
لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا، فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعا كالريح.
فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه: أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا: فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك وقال: خدعك واللّه! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد، فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل، فإذا واحد يقول: يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر واللّيل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر: كلي ولا تراعي، فأرسلوا الكلاب عليهم، فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول:
الويل لي ممّا به دهاني … دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبان … واسمعا قولي وصدّقاني
إنّكما حين تحارباني … ألفيتماني خضلا عناني
لو بي شبابي ما ملكتماني … حتى تموتا أو تركتماني
стр. 46
فالتقياه وأخذاه، فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويّا، وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.
شعب
جبل باليمن فيه بلاد وقرى، يقال لأهلها الشّعبيّون، قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا وهو خال الشنفرى:
إنّ بالشّعب من دون سلع … لقتيلا دمه ما يطلّ
منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي، كان عالما ورعا فريد دهره، ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان، بعثه إلى الروم رسولا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول، فيقولون: خدّم للملك، فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه، فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له: أمن بيت الخلافة أنت؟ قال: لا، أنا رجل من العرب.
فكتب إلى عبد الملك: عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي: حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي:
إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال: للّه درّك ما عدا ما في نفسي.
وحكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان، وكانت المرأة من أجمل النساء، فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج: هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول:
فتن الشّعبيّ لمّا … رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال … وتخطّى حاجبيها
قال للجوّار قرّب … ها وقرّب شاهديها
فقضى جورا على الحص … م ولم يقض عليها
стр. 47
قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان، فلمّا نظر إليّ تبسّم وقال:
فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها
ثمّ قال: ما فعلت بقائل هذا؟ قلت: أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال: أحسنت واللّه وأجملت!
وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال:
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وسبّه رجل فقال: يا هذا إن كنت صادقا غفر اللّه لي، وإن كنت كاذبا غفر اللّه لك!
توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة.
شمخ
قرية بأرض اليمن، من عجائبها أن بها شقّا ينفذ إلى الجانب الآخر، فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه.
حكى رجل من مراد قال: وليّت صدقات، فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل: ألا أريك عجبا؟ قلت: نعم. فأدخلني شعب جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوّقا، تشبّث بذروة الجبل وعليه مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى … لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها … إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
ثمّ أخذ بيدي إلى الساحل، فإذا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر أخرى، وعليه مكتوب: يا ابن آدم، يا عبد ربّه، اتّق اللّه ولا تعجل في رزقك،
стр. 48
فإنّك لن تسبق رزقك، ولن ترزق ما ليس لك، ومن لم يصدّق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر!
شيلا
بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب، لا يرى بها ذو عاهة من صحّة هوائها وعذوبة مائها وطيب تربتها. أهلها أحسن الناس صورة وأقلّها أمراضا، وذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، وهي قليلة الآفات والعلل، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله.
قال محمّد بن زكرياء الرازي: من دخلها استوطنها ولا يخرج عنها لطيبها ووفور خيراتها وكثرة ذهبها. واللّه الموفق.
صنعاء
قصبة بلاد اليمن، أحسن مدنها بناء وأصحّها هواء وأعذبها ماء، وأطيبها تربة وأقلّها أمراضا، ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، وهي قليلة الآفات والعلل، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ، وإذا اعتلّت الإبل وأرعيت في مروجها تصحّ، واللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد.
بناها صنعاء بن أزال بن عنير بن عابر بن شالح، شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها، وتخرّق مياهها وصنوف فواكهها.
قال محمّد بن أحمد الهمذاني: أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين ويصيّفون مرّتين، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطا، فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم، فيكون شتاء، فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفا، وإذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.
стр. 49
قال عمران بن أبي الحسن: ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء، وهو بلد بخطّ الاستواء، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها.
وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة؛ قالوا: بانيه ليشرخ ابن يحصب؛ قال ابن الكلبي: اتّخذه على أربعة أوجه: وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر، وبنى في داخله قصرا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال، وجعل في أعلاه مجلسا بناه بالرخام الملوّن، وجعل سقفه رخامة واحدة، وصيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد، إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد، وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق، وفيه قال ذو جدن الهمداني:
وغمدان الذي حدّثت عنه … بناه مشيّدا في رأس نيق
بمرمرة وأعلاه رخام … تحام لا يعيّب بالشّقوق
مصابيح السّليط يلحن فيه … إذا أمسى كتوماض البروق
فأضحى بعد جدّته رمادا … وغيّر حسنه لهب الحريق
وقال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها:
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا … في رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فصارا بعد أبوالا
وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام.
حكي أن عثمان بن عفّان، ﵁، لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له:
إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته، فقالوا له: لو أنفقت
стр. 50
عليه خراج الأرض ما أعدته كما كان، فتركه، ولمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبا: اسلم غمدان، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.
ووجد على حائط إيوان من مجالس تبع مكتوبا:
صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن بعده لا الحزن دام ولا السّرور
وبصنعاء جبل الشبّ وهو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض، وهو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.
ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.
وبها نوع البرّ حبّتان منه في كمام، ليس في شيء من البلاد غيرها، وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم، زرع سنة يبقى عشرين سنة.
وحكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة، بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها، وسمّاها القلّيس، وزيّنها بالذهب والفضّة والجواهر، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك، وأريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها، فسأل أبرهة عنه، فقالوا: إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.
فغضب وآلى ليسيرنّ إلى الكعبة ويهدمنّها، ثمّ جاء بعسكره وفيلته، فأرسل اللّه تعالى عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.
وبها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين، وهي على أربعة فراسخ من صنعاء، وكانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله، ويتصدّق على المساكين، فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين، فلمّا رأوها قالوا
стр. 51
إنّا لضالّون، يعني ما هذا طريق بستاننا، فلمّا رأوا الجنّة محترقة قالوا: بل نحن محرومون. ويسمّى ذاك الوادي الضّروان، وهو واد ملعون، حجارته تشبه أنياب الكلاب، لا يقدر أحد أن يطأها، ولا ينبت شيئا ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه، فإذا قاربه مال عنه؛ قالوا: كانت النار تتّقد فيها ثلاثمائة سنة.
الصّين
بلاد واسعة في المشرق ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى الثالث، عرضها أكثر من طولها، قالوا: نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. وانّها كثيرة المياه كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات، من أحسن بلاد اللّه وأنزهها، وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة، لكنّهم قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير، وحليهم عظام الفيل والكركدن، ودينهم عبادة الأوثان.
وفيهم مانويّة ومجوس، ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات.
من عجائب الصين الهيكل المدوّر؛ قال المسعودي: هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب، في داخله قبّة عظيمة البنيان عالية السمك، وفي أعلى القبّة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل، وان جمعا من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكّنوا من ذلك، فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خرّ ميتا، وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال، فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. وكذلك إن رمى إليها شيئا، وإن تعرّض أحد لهمدم الهيكل مات، وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس، من أكبّ عليها وقع في قعرها، وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه: هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض، وما كان فيها وما يكون، وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلّا من وازن علمه علمنا، فمن قدر عليه علمه كعلمنا، ومن عجز فليعلم أنّه دوننا في العلم.
والأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجريّة عالية كجبل شامخ لا يرام
стр. 52
قلعه، ولا يتأتى نقبه، وإذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل والقبّة والبئر وحسن بنيتها، مال قلبه إليها وتأسف على فساد شيء منها.
ومن عجائب الصين ما ذكر صاحب تحفة الغرائب ان بها طاحونة يدور حجرها التحتاني، والفوقاني ساكن، ويخرج من تحت الحجر دقيق لا نخالة فيه، ونخالة لا دقيق فيها، كلّ واحد منهما منفرد عن الآخر.
وبها قرية عندها غدير فيه ماء في كلّ سنة يجتمع أهل القرية ويلقون فرسا في ذلك الغدير، والناس يقفون على أطرافه، كلّما أراد الفرس الخروج من الماء منعوه، وما دام الفرس في الماء يأتيهم المطر، فإذا أمطروا قدر كفايتهم وامتلأ الغدير، أخرجوا الفرس وذبحوه على قلّة جبل، وتركوه حتى يأكله الطير، فإن لم يفعلوا ذلك في شيء من السنين لم يمطروا.
وبأرض الصين الذهب الكثير والجواهر واليواقيت في جبل من جبالها، وبها من الخيرات الكثيرة من الحبوب والبقول والفواكه والسكر، وفي جزائرها أشجار الطيب كالقرنفل والدارصيني ونحوها، قالوا: القرنفل تأتي بها السيول من جبال شامخة لا وصول إليها وبها من الهوام والحشرات والحيّات والعقارب شيء كثير، ولا تظهر بالصيف لأنّها ملتفّة بأشجارها، تأكل من ثمارها وأوراقها وتظهر في الشتاء.
ولأهل الصين يد باسطة في الصناعات الدقيقة، ولا يستحسنون شيئا من صناعات غيرهم، وأيّ شيء رأوا أخذوا عليه عيبا، ويقولون: أهل الدنيا، ما عدانا، عمي إلّا أهل كابل، فإنّهم عور! وبالغوا في تدقيق صنعة النقوش حتى انّهم يصوّرون الإنسان الضاحك والباكي، ويفصلون بين ضحك السرور والخجالة والشماتة. وإذا أراد ملكهم شيئا من المتاع، يعرضه على أرباب الخبرة ولا يتركه في خزائنه إلّا إذا وافقوا على جودته.
وحكي أن صانعا اتّخذ ثوبا ديباجا عليه صورة السنابل وقعت عليها العصافير، فعرضها الملك على أرباب الخبرة واستحسنوها إلّا صانع واحد؛ قال: العصافير
стр. 53
إذا وقعت على السنابل أمالتها، وهذا المصوّر عملها قائمة لا ميل فيها. فصدّقه الحاضرون وتعجّبوا من دقّة نظره في الصنعة.
ومن خواص بلاد الصين انّه قلّما يرى بها ذو عاهة كالأعمى والزمن ونحوهما، وان الهرّة لا تلد بها.
وقال محمّد بن أبي عبد اللّه: رأيت في غياض الصين إنسانا يصيح صياح القردة، وله وبر كوبر القرد، ويداه تنالان ساقيه إذا بسطهما قائما. ويكون على الأشجار يثب من شجرة إلى شجرة وبينهما عشرة أذرع.
وقال ابن الفقيه: بالصين دابّة المسك، وهي دابّة تخرج من الماء في كلّ سنة في وقت معلوم، فيصطاد منها شيء كثير، وهي شديدة الشبه بالظباء، فتذبح ويؤخذ الدم من سرّتها، وهو المسك، ولا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن.
وبها الغضائر الصيني التي لها خواصّ، وهي بيضاء اللون شفّافة وغير شفّافة، لا يصل إلى بلادنا منها شيء، والذي يباع في بلادنا على أنّه صيني معمول بلاد الهند، بمدينة يقال لها كولم، والصيني أصلب منه وأصبر على النار، وخزف الصين أبيض؛ قالوا: يترشّح السمّ منه، وخزف كولم أدكن.
وطرائف الصين كثيرة: الفرند الفائق والحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون، يشترى بأضعافه فضّة، ومناديل الغمر من جلد السمندل، والطواويس العجيبة، والبرادين الغرّة التي لا نظير لها في البلاد.
ظفار
مدينة قرب صنعاء، كان بها مسكن ملوك حمير، وفيها قيل: من دخل ظفار حمّر أي تكلّم بالحميريّة، وسببه أنّه دخل رجل من العرب على ملك من ملوك حمير، وهو على موضع عال، فقال له الملك: ثب، فوثب الرجل من العلو فانكسرت رجله، ومعنى ثب بالحميريّة اقعد، فقال الملك: ليس عندنا
стр. 54
عربيّة، من دخل ظفار حمّر.
ينسب إليها الجزع الظفاري الجيّد، وحكي انّه مكتوب على سور ظفار على حجر منها بقلم الأوائل: يوم شيّدت ظفار قيل لمن أنت؟ قالت: لحمير الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك، فقالت: للأحبش الأشرار! ثمّ سئلت بعد ذلك، فقالت: للفرس الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت: لقريش التجّار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت: لحمير سنجار، وقليلا ما يلبث القوم فيها ثمّ يأتيهم البوار، من أسود يلقيهم في البحر ويشعل النار في أعلى الديار.
وبها اللّبان الذي لا يوجد في الدنيا إلّا في جبالها، وانّه غلّة لسلطانها، وانّه من شجر ينبت في تلك المواضع مسيرة ثلاثة أيّام في مثلها فيأتيها أهل ظفار ويجرحون أشجارها بالسكّين فيسيل منها اللبان، فيجمعونه ويحملونه إلى ظفار، فيأخذ السلطان قسطه ويعطيهم الباقي.
عمان
كورة على ساحل بحر اليمن في شرقي هجر، تشتمل على مدن كثيرة، سمّيت بعمان بن بغان بن إبراهيم الخليل، ﵇، والبحر الذي يليه منسوب إليه يقال بحر عمان.
روى ابن عمر عن النبي، ﷺ ، أنّه قال: إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها عمان على شاطئ البحر، الحجّة منها أفضل أو خير من حجّتين من غيرها.
وعن الحسن البصري هو المراد من قوله تعالى: يأتين من كلّ فجّ عميق، يعني من عمان، وعن النبيّ، ﷺ : من تعذّر عليه الرزق فعليه بعمان. وأمّا حرّها فممّا يضرب به المثل.
بها اجتماع الخوارج الإباضية في زماننا هذا، وليس بها من غير هذا المذهب إلّا غريب، وهم أتباع عبد اللّه بن اباض الذي ظهر في زمن مروان
стр. 55
ابن محمّد، آخر بني أميّة، وقد قتل وكفي شرّه.
وحكى ابن الأثير في تاريخه: إنّه في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج بعمان طائر من البحر أكبر من فيل، ووقف على تلّ هناك وصاح بصوت عال ولسان فصيح: قد قرب! قد قرب! قد قرب! ثمّ غاص في البحر، فعل ذلك ثلاثة أيّام ثمّ غاب ولم ير بعد ذلك.
غانة
مدينة كبيرة في جنوب بلاد المغرب، متّصلة ببلاد التبر، يجتمع إليها التجّار ومنها يدخلون بلاد التبر، ولولاه لتعذّر عليهم ذلك، وهي أكثر بلاد اللّه ذهبا لأنّها بقرب معدنها، ومنها يحمل إلى سائر البلاد، وبها من النمور شيء كثير، وأكثر لباس أهلها جلد النمر.
وحكى الفقيه أبو الربيع الملتاني أن في طريق غانة من سجلماسة إليها أشجارا عظيمة مجوّفة، يجتمع في تجاويفها مياه الأمطار فتبقى كالحياض، والمطر في الشتاء بها كثير جدّا، فتبقى المياه في تجاويف تلك الأشجار إلى زمان الصيف، فالسابلة يشربونها في مرورهم إلى غانة، ولولا تلك المياه لتعذّر عليهم المرور إليها، ويتّخذون أقتاب البعران من خشب الصنوبر، فإن مات البعير فقتب رحله يفيء بثمنه.
غدامس
مدينة بالمغرب في جنوبيّه ضاربة في بلاد السودان، يجلب منها الجلود الغدامسيّة، وهي من أجود الدباغ لا شيء فوقها في الجودة، كأنّها ثياب الخزّ في النعومة.
بها عين قديمة يفيض الماء منها، ويقسمها أهل البلد قسمة معلومة، فإن أخذ أحد زائدا غاض ماؤها، وأهل المدينة لا يمكنون أحدا يأخذ زائدا خوفا من النقصان. وأهلها بربر مسلمون صالحون.
стр. 56
قاع
برية بين عمان وحضر موت، من العجائب أن التاجر يمرّ بها إلى عمان بسلعته ليبيعها، فيسمع في تلك البرية: فلان بن فلان معه سلعة تساوي كذا دينارا أو درهما! فيدخل عمان لم يزد على ذلك شيء أصلا، واللّه الموفق.
قلعة الشرف
قلعة حصينة باليمن قرب زبيد لا يمكن استخلاصها قهرا لأنّها بين جبال لا يوصل إليها إلّا في مضيق لا يسع إلّا رجلا واحدا مسيرة يوم وبعض يوم، ودونه غياض، أوى إليه عليّ بن المهدي الحميري المستولي على زبيّد سنة خمسين وخمسمائة، واللّه الموفق.
كاكدم
مدينة بأقصى المغرب جنوبيّ البحر متاخمة لبلاد السودان، منها صنّاع أسلحة.
منها الرماح والدرق اللمطية من جلد حيوان يقال له اللمط، لا يوجد إلّا هناك، وهو شبه الظباء أبيض اللون، إلّا أنّه أعظم خلقا، يدبغ جلده في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام سنة كاملة، لا يعمل فيه الحديد أصلا، إن ضرب بالسيوف نسبت عنه، وإن أصابه خدش أو بتر يبلّ بالماء ويمسح باليد فيزول عنه، يتّخذ منه الدرق والجواشن قيمة كل واحد منها ثلاثون دينارا، وحكى الفقيه علي الجنحاني: انّه مرّ بقرب كاكدم بتلّ عال، والناس يقولون من صعد هذا التلّ اختطفه الجنّ، وعنده مدينة النحاس التي اشتهر ذكرها، وسيأتي ذكرها في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
стр. 57
كله
بلدة بأرض الهند في منتصف الطريق بين عمان والصين، موقعها في المعمورة في وسط خطّ الاستواء، إذا كان منتصف النهار لا يبقى لشيء من الأشخاص ظلّ البتّة.
بها منابت الخيزران، منها يحمل إلى سائر البلاد.
كنام
قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: هي أرض بين الصين والهند من عجائب الدنيا، بها بطّة من نحاس على عمود من نحاس أيضا، فإذا كان يوم عاشوراء نشرت البطّة جناحيها ومدّت رقبتها فيفيض من الماء ما يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى القابل.
كوّار
ناحية من بلاد السودان جنوبي فزّان، بها عين الفرس، قيل: إن عقبة ابن عامر ذهب إلى كوّار غازيا، فنزل ببعض منازلها فأصابهم عطش حتى أشرفوا على الهلاك، فقام عقبة وصلّى ركعتين ودعا اللّه تعالى، فجعل فرس عقبة يبحث في الأرض حتى كشف عن صفاة فانفجر منها الماء، وجعل الفرس يمصّه، فرأى عقبة ذلك فنادى في الناس أن احتفروا، فحفروا وشربوا فسمّي ذلك الماء ماء الفرس، وافتتح كوار وقبض على ملكها، ومنّ عليه وفرض عليه مالا.
لنجوية
جزيرة عظيمة بأرض الزنج، بها سرير ملك الزنج، وإليها تقصد المراكب من جميع النواحي، من عجائبها كروم بها تطعم في كلّ سنة ثلاث مرّات، كلّما انتهى أحدها أخرج الآخر.
стр. 58
مأرب
كورة بين حضر موت وصنعاء، لم يبق بها عامرا إلّا ثلاث قرى يسمّونها الدروب، كلّ قرية منسوبة إلى قبيلة من اليمن، وهم يزرعونها على الماء الذي جاء من ناحية السدّ، يسقون أرضهم سقية واحدة ويزرعون عليه ثلاث مرّات في كلّ عام، فيكون بين زرع الشعير وحصاده في ذلك الموضع نحو شهرين.
وكان بها سيل العرم الذي جرى ذكره في سبأ.
ذكروا أن مياه جبالها تجتمع هناك وسيول كثيرة، ولها مخرج واحد؛ فالأوائل قد سدّوا ذلك المخرج بسدّ محكم، وجعلوا لها مثاعب يأخذون منها قدر الحاجة، فاجتمعت المياه بطول الزمان وصار بحرا عظيما خارج السدّ، وداخله عمارات وبساتين ومزارع، فسلّط اللّه تعالى الجرذ على السدّ يحفره بأنيابه ويقلعه بمخاليبه، حتى سدّ الوادي الذي نحو البحر وفتح ممّا يلي السدّ، فغرقت البلاد حتى لم يبق إلّا ما كان على رؤوس الجبال، وذهبت الحدائق والجنان والضياع والدور والقصور، وجاء السيل بالرمل فطمّها، وهي على ذلك إلى اليوم، كما أخبر اللّه تعالى، فجعلهم اللّه أحاديث ومزّقهم كلّ ممزّق.
والعرم المسنّاة بنتها ملوك اليمن بالصخر والقار حاجزا بين السيول والضياع، ففجرته فأرة ليكون أظهر في الأعجوبة؛ قال الأعشى:
ففي ذلك للمؤتسي أسوة … ومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير … إذا ما نأى ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابها … على سعة ماؤهم إن قسم
فكانوا بذلكم حقبة … فمال بهم جارف منهدم
стр. 59
مذيخرة
قلعة حصينة قرب عدن، على قلّة جبل لا سبيل للفكر إلى استخلاصها إذ لا مصير إليها إلّا من طريق واحد، وهو صعب جدّا، وفيها عين عظيمة على رأس الجبل تسقي عدّة قرى.
قال الإصطخري: أعلى هذا الجبل نحو من عشرين فرسخا، فيها مزارع ومياه كثيرة، ونباتها الورس، تغلّب عليها محمّد بن الفضل القرمطي الذي خرج من اليمن، وقصّته مشهورة، واللّه الموفق.
مرباط
مدينة بين حضر موت وعمان، وهي فرضة ظفار، لأن ظفار مرساها غير جيّد، بها اللبان يحمل منها إلى سائر البلدان وهو غلّة للملك.
أهلها عرب موصوفون بقلّة الغيرة، وذلك ان كلّ ليلة نساؤهم يخرجن إلى خارج المدينة، ويسامرن الرجال الأجانب، ويجالسنهم ويلاعبنهم إلى نصف الليل، فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمّه وهي تلاعب آخر وتحادثه فيعرض عنها ويمشي إلى زوجة غيره يحادثها.
وقال صاحب معجم البلدان: رأيت بجزيرة قيس رجلا عاقلا أديبا من مرباط، فقلت له: بلغني منكم حديث أنكرته. فقال: لعلّك تقول عن السمر؟ فقلت: نعم أخبرني أصحيح أم لا؟ فقال: إنّه صحيح! وباللّه أقسم إنّه لقبيح، ولكن على ذلك نشأنا، ولو استطعنا لأزلناه ولكن لا سبيل إلى إزالته!
стр. 60
مسور
مخلاف باليمن، بها قرى كثيرة ومزارع وأودية كثيرة من خواصّها العجيبة أن البرّ والشعير والذرة يبقى بها مدّة طويلة لا يتغيّر، وذكر أنّهم ادّخروا حنطة، فرأوها بعد ثلاثين سنة ولم يتغيّر منها شيء.
مقدشو
مدينة في أوّل بلاد الزنج، في جنوبي اليمن على ساحل البحر. وأهلها عرباء لا سلطان لهم، ويدبّر أمرهم المتقدّمون على الاصطلاح، وحكى التجّار أنّهم يرون بها القطب الجنوبي مقاربا لوسط السماء وسهيلا، ولا يرون القطب الشمالي البتّة، وانّهم يرون هناك شيئا مقدار جرم القمر شبه قطعة غيم بيضاء، لا يغيب أبدا ولا يبرح مكانه، يحمل منها الصندل والآبنوس والعنبر والعاج إلى غيرها من البلاد.
مقرى
قرية على مرحلة من صنعاء، بها معدن العقيق ونيله من أجود أنواع العقيق، حكى معالجوه أنّهم يجدون قطعة نحو عشرين منّا، فيكسر ويلقى في الشمس عند شدّة الحرّ، ثمّ يسجر له التنّور بأبعار الإبل، ويجعلونه في شيء يكنّه عن ملامسة النار، فسيّر منه ماء يجري في مجرى وضعوه له، ثمّ يستخرجونه لم يبق منه إلّا الجوهر وما عداه صار رمادا.
مهرة
أرض باليمن؛ قال ابن الفقيه: بها شجرة إذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء، فيمتلئ منه الحياض والمصانع، وإذا مرّت الأشهر الحرم انقطع الماء.
стр. 61
منها النجائب المهريّة، وانّها كريمة جدّا، ذكر أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله باليمن ليشتري له نجائب مهرية، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، فقدم رجل من بجيلة على جمل عظيم الهامة، فساوموه فقال: لا أبيعه.
فقالوا: لا نغصبك ولا ندعك، لكن نحبسك ونكاتب أمير المؤمنين حتى يأتينا أمره! فقال: هلّا خيرا من هذا؟ قالوا: وما هو؟ قال: معكم نجائب كرام وخيل سبّق، دعوني حتى أركب جملي واتبعوني، فإن لحقتموني فهو لكم بغير ثمن. ثمّ قال: تأهّبوا. فصاح في أذنه ثمّ أثاره، فوثب وثبة شديدة فتبعوه فلم يدركوه.
وبار
قال اللّيث: هو أرض بين اليمن وجبال يبرين من محالّ عاد، فلمّا أهلكوا أورث اللّه أرضهم الجنّ فلا يتقاربها أحد من الناس.
قال أهل السير: هي مسمّاة بوبار بن ارم بن سام بن نوح، ﵇، وهي ما بين الشّحر إلى صنعاء زهاء ثلاثمائة فرسخ في مثلها.
قال أحمد بن محمّد الهمذاني: وبار كانت أكثر الأرضين خيرا وأخصبها ضياعا وأكثرها شجرا ومياها وثمرا، فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم، وكانوا ذوي أجسام فأشروا وبطروا لم يعرفوا حقّ نعم اللّه تعالى عليهم، فبدّل اللّه تعالى خلقهم وصيّرهم نسناسا، لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطئ البحر كما ترعى البهائم، وهم فيما بين وبار وأرض الشّحر وأطراف اليمن، يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب، ينفّرونهم عن زروعهم وحدائقهم.
حكى ابن الكيس النمري قال: كنّا في رفقة أضللنا الطريق، فوقعنا في غيضة على ساحل البحر لا يدرك طرفاه، فإذا أنا بشيخ طويل كالنخلة، له
стр. 62
نصف رأس ونصف بدن وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، فأسرع مثل حضر الفرس العتيق وهو يقول:
فررت من جور الشّراة شدّا … إذ لم أجد من الفرار بدّا
قد كنت دهرا في شبابي جلدا … فها أنا اليوم ضعيف جدّا
زعم العرب أن سكّان أرض وبار جنّ، ولا يدخلها إنسي أصلا، فإن دخلها غالطا أو عامدا حثوا في وجهه التراب، فإن أبى إلّا الدخول خبّلوه أو قتلوه، أو ضلّ فيها ولا يعرف له خبر، ولهذا قال الفرزدق:
ولقد ضللت أباك تطلب دارما … كضلال ملتمس طريق وبار
لا تهتدي به أبدا ولو بعثت به … بسبيل واردة ولا آثار
منها الإبل الحوشية، تزعم العرب أنّها التي ضربها إبل الجنّ، وهي إبل لم ير أحسن منها؛ قال الشاعر:
كأني على حوشيّة أو نعامة … لها نسب في الطّير أو هي طائر
حكي أن رجلا من أهل اليمن يوما رأى في إبله فحلا كأنّه كوكب بياضا وحسنا، فأقرّه فيها حتى ضرب إبله، فلمّا لقحها لم يره حتى كان العام المقبل، وقد نتجت النوق أولادا لم ير أحسن منها، وهكذا في السنة الثانية والثالثة. فلمّا ألقحها وأراد الانصراف هدر فاتبعه سائر ولده، فتبعها الرجل حتى وصل إلى أرض وبار، فرأى هناك أرضا عظيمة وبها من الإبل الحوشية والبقر والحمير والظباء ما لا يحصى كثرة، ورأى نخلا كثيرا حاملا وغير حامل، والتمر ملقى حول النخل قديما وحديثا بعضه على بعض، ولم ير أحدا من الناس، فبينا هو كذلك إذ أتاه آت من الجنّ وقال له: ما وقوفك هاهنا؟ فقصّ عليه قصّته وما كان من الإبل، فقال له: لو كنت فعلت ذلك على معرفة لقتلتك!
стр. 63
وإياك والمعاودة، فإن ذاك لفحل من إبلنا، عمد إلى أولاده فجاء بها. وأعطاه جملا، وقال: انج بنفسك وهذا الجمل لك.
قالوا: إن النجائب المهريّة من نسل ذلك الجمل.
ورور
حصن منيع في جبال صنعاء، من استولى عليه يختلّ دماغه، يدّعي نبوة أو خلافة أو سلطنة، ولمّا استولى عليه عبد اللّه بن حمزة الزيدي ادّعى الإمامة، وأجابه خلق من اليمن، زعم أنّه من ولد أحمد بن الحسين بن القاسم بن إسماعيل ابن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ورواة الأنساب يقولون: ان أحمد لم يعقب، وكان ذا لسان وبلاغة، وله تصانيف في مذهب الزيدية، وله أشعار منها:
لا تحسبوا أنّ صنعا جلّ مأربتي … ولا ذمار إذا أشمتّ حسّادي
واذكر إذا شئت تشجيني وتطريبي … كرّ الجياد على أبواب بغداد
اليمن
بلاد واسعة من عمان إلى نجران، تسمّى الخضراء لكثرة أشجارها وزروعها، تزرع في السنة أربع مرّات، ويحصد كلّ زرع في ستّين يوما، وتحمل أشجارهم في السنة مرّتين.
وأهلها أرقّ الناس نفوسا وأعرفهم للحقّ، سمّاهم اللّه تعالى الناس حيث قال: ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس، وقال، ﷺ :
إني لأجد نفس الرحمن من صوب اليمن. أراد به نصرة الأوس والخزرج.
وقال أيضا: الإيمان يمان والحكمة يمانية.
قال الأصمعي: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا ولا تكون إلّا باليمن: الورس والكندر والخطر والعقيق.
стр. 64
وبها الأحقاف وهي الآن تلال من الرمل بين عدن وحضر موت، وكانت مساكن عاد أعمر بلاد اللّه وأكثرها عمارة وزرعا وشجرا، فلمّا سلّط اللّه تعالى عليهم الريح طمّها بالرمل، وهي إلى الآن تحت تلك الأحقاف، جعلها اللّه تعالى عبرة للناظرين وخبرة للغابرين، كما قال تعالى: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم وأشدّ قوّة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ممّا عمروها.
وبها قصران من قصور عاد، ولمّا بعث معاوية عبد الرحمن بن الحكم إلى اليمن واليا، بلغه أن بساحل عدن قصرين من قصور عاد وان في بحرها كنزا، فطمع فيه وذهب في مائة فارس إلى ساحل عدن إلى أقرب القصرين فرأى ما حولهما من الأرض سباخا بها آثار الآبار، ورأى قصرا مبنيّا بالصخر والكلس، وعلى بعض أبوابه صخرة عظيمة بيضاء مكتوب عليها:
غنينا زمانا في عراضة ذا القصر … بعيش رخيّ غير ضنك ولا نزر
يفيض علينا البحر بالمدّ زاخرا … وأنهارنا بالماء مترعة تجري
خلال نخيل باسقات نواضر … تأنّق بالقسب المجزّع والتّمر
ونصطاد صيد البرّ بالخيل والقنا … وطورا نصيد النّون من لجج البحر
ونرفل في الخزّ المرقّم تارة … وفي القزّ أحيانا وفي الحلل الحضر
يلينا ملوك يبعدون عن الحنا … شديد على أهل الخيانة والغدر
يقيم لنا من دين هود شرائعا … ويؤمن بالآيات والبعث والنّشر
إذا ما عدوّ حلّ أرضا يريدنا … برزنا جميعا بالمثقّفة السّمر
نحامي على أولادنا ونسائنا … على الشّهب والكمت المعانيق والشّقر
نقارح من يبغي علينا ويعتدي … بأسيافنا حتى يولّون بالدّبر
ثمّ مضى إلى القصر الآخر وبينهما أربعة فراسخ، فرأى حوله آثار الجنان
стр. 65
والبساتين. قال: فدنونا من القصر فإذا هو من حجارة وكلس غلب عليه ماء البحر ورأينا على بابه صخرة عظيمة عليها مكتوب:
غنينا بهذا القصر دهرا فلم يكن … لنا همّة إلّا التّلذّذ والقصف
يروح علينا كلّ يوم هنيدة … من الإبل يعشو في معاطنها الطّرف
وأضعاف تلك الإبل شاء كأنّها … من الحسن آرام أو البقر القطف
فعشنا بهذا القصر سبعة أحقب … بأطيب عيش جلّ عن ذكره الوصف
فجاءت سنون مجد بات قواحل … إذا ما مضى عام أتى آخر يقفو
فظلنا كأن لم تغن في الخير لمحة … فماتوا ولم يبق خفّ ولا ظلف
كذلك من لم يشكر اللّه لم تزل … معالمه من بعد ساحته تعفو
قال: فعجبنا من ذلك، ثمّ مضينا إلى الساحل الذي ذكر أن فيه كنزا، فأمرنا الغوّاصين فغاصوا وأخرجوا جرارا من صفر مطبقة بصفر، فلم نشكّ انّه مال حتى جمعت جرار كثيرة، ففتحنا بعضها فخرج منها شيطان وقال:
يا ابن آدم إلى متى تحبسنا؟ فبينا نحن نتعجّب من ذلك إذ رأينا سوادا عظيما أقبل من جزيرة قريبة من الساحل، ففزعنا فزعا فاقتحم الماء وأقبل نحونا، فإذا هي قردة قد اجتمع منها ما لا يعلم عددها إلّا اللّه.
وكانت تلك الجزيرة مأواها، وأمامها قرد عظيم في عنقه لوح حديد معلّق بسلسلة، فأقبل إلينا ورفع اللوح نحونا، فأخذنا اللوح من عنقه فإذا فيه كتابة بالسريانيّة، وكان معنا من يحسن قراءتها فقرأها فإذا هي: بسم اللّه العظيم الأعظم. هذا كتاب من سليمان بن داود رسول اللّه لمن في هذه الجزيرة من القردة، إني قد أمرتهم بحفظ هؤلاء الشياطين، المحبّسين في هذه الناحية في هذه الجرار الصفر، وجعلت لهن أمانا من جميع الجنّ والإنس، فمن أرادهن أو عرض لهنّ فهو بريء مني، وأنا بريء منه في الدنيا والآخرة.
стр. 66
فأردنا أن نمضي باللّوح إلى معاوية لينظر إليه، فلمّا ولّينا وقفت القردة كلّها أمامنا وحاصرتنا، وضجّت ضجّة فرددنا اللوح إليها، فأخذته واقتحمت الماء وعادت إلى الجزيرة.
ومن عجائب اليمن ما ذكر ابن فنجويه أن بأرض عاد تمثالا على هيئة فارس.
ومياه تلك الأرض كلّها ملحة، فإذا دخلت الأشهر الحرم يفيض من ذلك التمثال ماء كثير عذب، لا يزال يجري إلى انقضاء الأشهر الحرم، وقد تطفّحت حياضهم من ذلك الماء فيكفيهم إلى تمام السنة؛ قال الشاعر:
وبأرض عاد فارس يسقيهم … بالعين عذبا كالفرات السّائح
في الأشهر الحرم العظيمة قدرها … يغنون عن شرب الزّعاق المالح
فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت … تلك الحياض بماء عين السّافح
وبها جبل الشّبّ، وعلى رأس هذا الجبل ماء يجري من كلّ جانب، وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض، والشبّ اليماني الأبيض من ذلك.
وبها جبل شبام؛ قال محمّد بن أحمد بن إسحاق الهمذاني: إنّه جبل عظيم بقرب صنعاء، بينها وبينه يوم واحد، وهو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد، وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة ومزارع وكروم ونخيل، والطريق إليها في دار الملك، وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك، فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له، وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلّا اللّه. ومياه هذا الجبل تنكسب إلى سدّ هناك، فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخاليفها.
وبها جبل كوكبان، إنّه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر، يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما. قيل: إنّهما من بناء الجنّ.
وبها نهر اليمن؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض اليمن نهر عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب، وعند غروبها من المغرب إلى المشرق.
стр. 67
وبها العلس، وهو نوع من الحنطة حبّتان منه في كمام لا يوجد إلّا باليمن، وهو طعام أهل صنعاء.
وبها الورس، وهو نبت له خريطة كما للسمسم، ذكروا انّه يزرع سنة ويبقى عشرين سنة.
وبها الموز وهي ثمرة شبيهة بالعنب إلّا أنّه حلو دسم، لا تحمل شجرتها إلّا مرّة واحدة.
وبها نوع من الكمثرى، من أكل منها واحدة يطلق عشر مرّات، وان أكل اثنتين يطلق عشرين مرّة، وإن أكل ثلاثا يطلق ثلاثين. ويتّخذ منه عسل يلعق منه صاحب القولنج فينفتح في الحال.
ويجلب منها سيوف ليس في شيء من البلاد مثلها، ويجلب منها البرود اليمانية، وقرودها أخبث القرود وأسرع قبولا للتعليم.
وبها الغدار، وهو نوع من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن، يلحق الإنسان ويقع عليه، فإذا أصيب الإنسان منه يقول أهل تلك النواحي: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح أيسوا منه، وإن كان مذعورا سكن روعه وشجع، ومن الناس من لم يكترث به لشجاعة نفسه.
وحكي عن الشافعي أنّه قال: دخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت فيها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرّقان بأربع أيد ورأسين ووجهين، وهما يتلاطمان مرّة ويصطلحان أخرى، ويأكلان ويشربان.
ثمّ غبت عنهما سنين ورجعت، فسألت عنها فقيل لي: أحسن اللّه عزاءك في أحد الجسدين! توفي فربط من أسفله بحبل حتى ذبل ثمّ قطع، والجسد الآخر تراه في السوق ذاهبا وجائيا.
ومنها أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني افتخار اليمن، كان من أعلم الناس بالحلال والحرام، له نسل بقزوين مشايخ وعلماء إلى الآن، وهو جدّي من قبل الأم، ذكر يوسف بن أسباط أن طاووسا مرّ بنهر سلطاني، فهمّت
стр. 68
بغلته أن تشرب منه فمنعها. وذكر بشر بن عبد اللّه أن طاووسا مرّ بالسوق فرأى رؤوسا مشويّة بارزة الأسنان فلم ينعس تلك الليلة، وقال إن اللّه تعالى يقول:
تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
وقال منعم بن إدريس: صلّى طاووس اليماني صلاة الفجر بوضوء العتمة أربعين سنة. توفي سنة ستّ ومائة بمكّة قبل يوم التروية عن بضع وتسعين سنة.
وكان الناس يقولون: رحم اللّه أبا عبد الرحمن، حجّ أربعين حجّة وصلّى عليه هشام بن عبد الملك، وهو خليفة حجّ تلك السنة.
ومنها أويس بن عامر القرني. روى أبو هريرة عن رسول اللّه، ﷺ ، أن للّه تعالى من خلقه الأصفياء الأحفياء، الشعثة شعورهم الغبرة وجوههم الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا.
قالوا: يا رسول اللّه كيف لنا برجل منهم؟ قال: ذاك أويس القرني! قالوا: وما أويس القرني؟ قال: أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين الكتفين معتدل القامة، آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع بيمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متّزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه! الا وان تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، الا وانّه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنّة، وقيل لأويس: قف واشفع! يشفّعه اللّه، ، في مثل عدد ربيعة ومضر. يا عمر ويا عليّ إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما. فكانا يطلبانه عشرين سنة، فلمّا كان سنة هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من اليمن، أفيكم أويس؟ فقام شيخ كبير وقال:
إنّا لا ندري ما أويس، لكن لي ابن أخ يقال له أويس، هو أخمل ذكرا وأقلّ
стр. 69
مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك! وإنّه ليرعى إبلنا حقين بين أظهرنا! فقال له عمر: إن ابن أخيك هذا عزمنا! قال: نعم. قال: فأين يصاب؟ قال: بأراك عرفات.
فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى، فأقبلا إليه وقالا: السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته! فردّ عليهما جواب السلام. قالا له: من الرجل؟ قال: راعي إبل وأجير قوم! قالا:
ما اسمك؟ قال: عبد اللّه. قالا: اسمك الذي سمّتك أمّك به؟ قال: يا هذان ما تريدان إليّ؟ قالا: وصف لنا رسول اللّه، ﷺ ، أويسا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة، أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء أوضحها لنا. فأوضح منكبه، فإذا اللمعة فابتدار يقبّلانه وقالا: نشهد أنّك أويس القرني! فاستغفر لنا يغفر اللّه لك! فقال: ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم، ولكنّه من في البحر والبرّ من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. يا هذان، قد شهر اللّه لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما؟ قال عليّ: أمّا هذا فعمر أمير المؤمنين، وأمّا أنا فعليّ بن أبي طالب!
فاستوى أويس وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، وعليك يا عليّ بن أبي طالب، فجزا كما اللّه عن هذه الأمّة خيرا! قالا: وأنت جزاك اللّه عن نفسك خيرا! فقال له عمر: مكانك يرحمك اللّه، حتى أدخل مكّة وآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي، هذا المكان ميعاد بيني وبينك. فقال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك، لا أراك بعد اليوم تعرفني، ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى عليّ إزارا ورداء من صوف متى تراني أبليهما؟ أما ترى أني أخذت رعائي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين، إن بين يديّ ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلّا ضامر مخفّ مهزول! فلمّا سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثمّ قال بأعلى صوته:
يا ليت عمر لم تلده أمّه! يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها! قال: يا أمير
стр. 70
المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا؛ فولّى عمر نحو ناحية مكّة وساق أويس إبله، فأتى القوم بإبلهم وخلّى الرعاية وأقبل على العبادة.
وحكي أن أويسا إذا خرج يرميه الصبيان بالحجارة، وهو يقول: إن كان لا بدّ فبالصغار حتى لا تدموا ساقيّ فتمنعوني من الصلاة. وحدّث عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنّه نادى يوم صفّين رجل من أهل الشام: أفيكم أويس القرني؟ قلنا: نعم! ما تريد منه؟ قال: إني سمعت رسول اللّه، ﷺ ، يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان. وعطف دابته ودخل مع أصحاب عليّ فنادى مناد في القوم: أويس! فوجد في قتلى عليّ، كرّم اللّه وجهه.
ومنها أبو عبد اللّه وهب بن منبّه، وكان الغالب عليه قصص الأنبياء وأخبار القرون الماضية والوعظ؛ قال: قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء الرابعة كلّ صباح: أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده! أبناء الخمسين ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم؟ أبناء الستّين لا عذر لكم! ليت الخلق لم يخلقوا وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا. قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم؛ قال منعم بن إدريس:
إن وهب بن منبّه صلّى أربعين سنة صلاة الفجر بوضوء العشاء. مات سنة أربع عشرة ومائة.
هذا آخر ما عرفناه من الإقليم الأوّل.
стр. 71
الإقليم الثاني
هو حيث يكون ظلّ الاستواء، في أوّله نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدمين وثلاثة أخماس قدم، وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر سدس قدم، يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصين وبلاد الهند والسند، ويمرّ بملتقى البحر الأخضر، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين، ثمّ يقطع بحر القلزم ونيل مصر إلى أرض المغرب.
ويكون أطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة، وآخره ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع، وأوسطه ثلاث عشرة ساعة ونصف، وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف وثلاثمائة واثنا عشر ميلا واثنتان وأربعون دقيقة، وعرضه أربعمائة ميل وميلان واحدى وخمسون دقيقة، ومساحتها مكسرا ثلاثة آلاف ألف وستّمائة ألف ميل، وتسعون ألف ميل، وثلاثمائة وأربعون ميلا وأربع وخمسون دقيقة، وأمّا المدن الواقعة فيها فسنذكرها مرتّبة على حروف المعجم، ما انتهى خبرها إلينا، واللّه المستعان.
الأبلق
حصن السّموأل بن عاديا اليهودي الذي يضرب به مثل الوفاء، والحصن يسمّى الأبلق الفرد، لأنّه كان في بنائه بياض وحمرة، وهو بين الحجاز والشام على تلّ من تراب، والآن بقي على التلّ آثار الأبنية القديمة، بناه أبو السموأل عاديا اليهودي. يقال: أوفى من السموأل.
وكان من قصّته أن امرأ القيس بن حجر الكندي، لمّا قتل أبوه مرّ إلى قيصر
стр. 72
يستنجده على قتلة أبيه، وكان اجتيازه على الأبلق الفرد، فرآها قلعة حصينة ذاهبة نحو السماء، وكان معه أدراع تركها عند السموأل وديعة وذهب.
فبلغ هذا الخبر الحرث بن ظالم الغسّاني، فسار نحو الأبلق لأخذ الدروع، فامتنع السموأل من تسليمها إليه، فظفر بابن السموأل وكان خارج الحصن يتصيّد، فجاء به إلى أسفل الحصن وقال: إن دفعت الدروع إليّ وإلّا قتلت ابنك! فقال السموأل: لست أخفر ذمّتي فاصنع ما شئت! فذبحه والسموأل ينظر إليه وانصرف الملك على يأس! فضرب العرب المثل في الوفاء. وقال السموأل:
بنى لي عاديا حصنا حصينا … وماء كلّما شئت استقيت
رفيعا تزلق العقبان عنه … إذا ما نابني ضيم أبيت
وأوصى عاديا قدما بأن لا … تهدّم يا سموأل ما بنيت
وفيت بأدرع الكنديّ إني … إذا ما خان أقوام وفيت
أجأ وسلمى
جبلان بأرض الحجاز، وبها مسكن طيّء وقراهم. موضع نزه كثير المياه والشجر. قيل: أجأ اسم رجل وسلمى اسم امرأة كانا يألفان عند امرأة اسمها معروجا، فعرف زوج سلمى بحالهما فهربا منه، فذهب خلفهما وقتل سلمى على جبل سلمى وأجأ على جبل أجأ، ومعروجا، فسميّت المواضع بهم، وقال الكلبي: كان على أجأ أنف أحمر كأنّه تمثال إنسان يسمّونه فلسا، كان طيّء يعبدونه إلى عهد رسول اللّه، ﷺ ، فلمّا جاء الإسلام بعث رسول اللّه، ﷺ ، عليّ بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار، فكسروا فلسا وهدموا بيته وأسروا بنت حاتم.
ينسب إليها أبو سليمان داود بن نصير الطائي الزاهد العابد؛ قيل إنّه سمع
стр. 73
امرأة عند قبر تقول:
مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه … لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كلّ يوم وليلة … وتبقى كما تبلى وأنت حبيب
كان ذلك سبب توبته. وقيل: إنّه ورث من أبيه أربعمائة درهم، أنفقها ثلاثين سنة، وصام أربعين سنة، ما علم أهله أنّه صائم. وكان حرّازا يأخذ أوّل النهار غداءه معه إلى الدكان، ويتصدّق به في الطريق، ويرجع آخر النهار يتعشّى في بيته، ولا يعلم أهله أنّه كان صائما. وكان له داية قالت: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية! وقال حفص بن عمر الجعفي: إن داود الطائي مرّ بآية يذكر فيها النار فكرّرها في ليلة مرارا، فأصبح مريضا، فوجدوه مات ورأسه على لبنة، سنة خمس وستّين ومائة في خلافة المهدي.
وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر المفلق، فاق على كلّ من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى؛ قيل إنّه أنشد قصيدته في مدح المعتصم:
ما في وقوفك ساعة من باس … تقضي ذمام الأربع الدّرّاس
فلمّا انتهى إلى المديح قال:
إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال بعض الحاضرين: مه! من هؤلاء حتى تشبّه الخليفة بهم؟ فأطرق أبو تمام هنيّة ثمّ رفع رأسه وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودا في النّدى والباس
فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره … مثلا من المشكاة والنّبراس
стр. 74
فتعجّب الخليفة والحاضرون من قدرته على الكلام فولّاه الموصل.
وحكى البحتري أنّه دخل على بعض الولاة، ومدحه بقصيدة قرأها عليه، قال: فلمّا تمّمتها قال رجل من الحاضرين: يا هذا أما تستحي تأتي بشعري وتنشده بحضوري؟ قلت: تعني أن هذه القصيدة لك؟ قال: خذها! وجعل يعيدها إلى آخرها. قال: فبقيت لا أرى بعيني شيئا واسودّ وجهي، فقمت حتى أخرج فلمّا شاهد مني تلك الحالة قام وعانقني وقال: الشعر لك وأنت أمير الشعراء بعدي! فسألت عنه، قالوا: هو أبو تمام الطائي.
وينسب إليها حاتم الطائي، وكان جوادا شاعرا شجاعا، إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب، وكان أقسم باللّه أن لا يقتل واحد أمّه، وكان يقول لعبده يسار إذا اشتدّ كلب الشتاء:
أوقد فإنّ اللّيل ليل قرّ … والرّيح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّ … إن جاءنا ضيف فأنت حرّ
وقالوا: لم يكن يمسك إلّا فرسه وسلاحه.
وحكي أنّه اجتاز في سفره على عترة، فرأى فيهم أسيرا، فاستغاث بحاتم، فاشتراه من العتريّين وقام مقامه في القدّ حتى أدّى فكاكه.
ومن العجب ما ذكر أن قوما نزلوا عند قبر حاتم، وباتوا هناك وفيهم رجل يقال له أبو الخيبري، يقول طول ليله: يا حفر أقر أضيافك! فقيل له:
مهلا ما تكلّم من رمّة بالية! فقال: إن طيّئا يزعم أنّه لم ينزل به أحد إلّا قراه! فلمّا نام رأى في نومه كأن حاتما جاء ونحر راحلته، فلمّا أصبح جعل يصيح: وا راحلتاه! فقال أصحابه: ما شأنها؟ قال: عقرها حاتم بسيفه واللّه وأنا أنظر إليها حتى عقرها! فقالوا: لقد قراك! فظلّوا يأكلونها واردفوه، فاستقبلهم في اليوم الثاني راكب قارن جملا، فإذا هو عديّ بن حاتم فقال:
أيّكم أبو الخيبري؟ قالوا: هذا. فقال: إن أبي جاءني في النوم وذكر شتمك
стр. 75
إيّاه، وأنّه قد قرى براحلتك أصحابك، وقال في ذلك أبياتا وهي هذه:
أبا الخيبريّ وأنت امرؤ … حسود العشيرة شامها
لماذا عمدت إلى رمّة … بدوّية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارها … وحولك غوث وأنعامها
وإنّا لنطعم أضيافنا … من الكوم بالسّيف نعتامها
وأمرني ببعير لك فدونكه! فأخذه وركبه وذهب مع أصحابه.
وقال ابن دارة لمّا مدح عديّا:
أبوك أبو سفّانة الخير لم يزل … لدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا
به تضرب الأمثار في النّاس ميّتا … وكان له إذ كان حيّا مصاحبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به … ولم يقر قبر قبله قطّ راكبا
أرام
مدينة بأرض الهند، فيها هيكل فيه صنم مضطجم، يسمع منه في بعض الأوقات صفير فيرى قائما، فإذا فعل ذلك كان دليلا على الرخص والخصب في تلك السنة، وإن لم يفعل يدلّ على الجدب، والناس يمتارون من المواضع البعيدة، ذكره صاحب تحفة الغرائب.
البحرين
ناحية بين البصرة وعمان على ساحل البحر، بها مغاص الدرّ، ودرّه أحسن الأنواع، وينتقل إليها قفل الصدف في كلّ سنة من مجمع البحرين، يحمل الصدف بالدرّ بمجمع البحرين، ويأتي إلى البحرين ويستوي خلقه هاهنا، وإذا وصل قفل الصدف يهنئ الناس بعضهم بعضا، وليس لأحد من الملوك مثل