أحمد سحنون
ديوان
الشيخ أحمد سحنون
الديوان الأول
الطبعة الثانية ٢٠٠٧
منشورات الحبر
стр. 3
الكتاب: ديوان الشيخ أحمد سحنون
تأليف: أحمد سحنون
الطبعة: الثانية ٢٠٠٧
الناشر: منشورات الحبر
стр. 4
هذه القصائد
هذه مجموعة قصائد، بل مجموعة أحاسيس رقيقة، وخلاصة مشاعر سامية لقلب شاعر حساس في فترة من أصعب وأقسى فترات حياته العامرة بالأعمال العظكيف الحافلة بالمواقف الصلبة الصامدة.
وهل يوجد ما هو أصعب على القلب وأقسى على النفس من أن يعيش الإنسان منفردا معزولا مقطعا عن أهله وأحبائه مبعدا عن صحبه وخلانه؟ فكيف بالإنسان الشاعر رقيق القلب مرهف الإحساس؟
من الشعراء من يفضل الوحدة، وينشد العزلة لينظم أشعاره في هدوء، ويسرح بخياله بعيدا عن الضوضاء والضجيج، فالشاعر يضيق به صخب الحياة وضجيجها ومشاكل الناس ومضايقاتهم، فيلوذ بالخلاء أفقا أنيسا، يسرح بفكره ويسبح بروحه في الفضاء العريض، ويتأمل الكون العظيم، وينعم بالسكون الشامل، والهدوء الكامل، أو يتجول في الغابات والحقول بين الأشجار والورود والطيور، ليستمع لأفكاره، ويستوحي أشعاره من الطبيعة الخلابة، ومناظر بلاده الجميلة الساحرة.
وشاعرنا شاعر الطبيعة والجمال، وعاشق البحار والجبال، فكثيرا ما تغنى بحسن الربيع وعبير أزهاره وتغريد أطياره، وجمال البحر وعظمته وأسراره، وجلال الصحراء وغموضها وسكونها وشموخ الجبال وصمودها وكبريائها.
ولا أحد ينكر أن الشاعر يحتاج إلى فترات من الوحد ة يعتزل فيها الناس ويخلو إلى نفسه يعتكف بين أوراقه وكتبه، يجمع شتات فكره، ويتفرع لتنطيم نتاجه ونشر مؤلفاته، وهو في فلك مختار، مقرر بإرادته، حيث يشعر بكمال حريته وانطلاقه، أما هذه
стр. 5
العزلة التي فرضت عليه قسرا، وأرغم عليها ظلما وعدوانا، والتي قيدت حريته، وكبلت إرادته، وجعلته يحس برسف الأغلال وثقل القيود، وحرمته من الأماكن القريبة إلى نفسه، وأبعدت عنه الوجوه الحبيبة إلى قلبه، هذه الوحدة أثرت في نفسه الأدبية تأثيرا عميقا، وأصابت قلبه الكبير إصابة بالغة في الصميم.
لقد شعر بآلام الغربة وعذاب الحرمان من وطنه وهو على أديمه وتحت سمائه، وكابد لوعة الفراق والشوق والحنين إلى أحنانه وأبناء بلده وهو قريب منهم، فأي عذاب لقلبه الذي يجيش بالحب الخالص والوفاء النادر لوطنه؟ وأي شقاء لنفسه التي تفيض بالمحبة والحنان والرحمة لأبناء بلده؟
فإذا بنات قريحته تتدفق جنباتهن شعرا صادقا يعبر عن آمالهم وآلامهم، ويصف أفراحهم وجراحهم ويصور حيرتهم واضطرابهم، ويحرك وجدانهم، ويثير طموحهم، ويحثهم على الاتحاد والتآخي والتسامح، ويزرع في نفوسهم حب الخير والتمسك بالدين والإخلاص للوطن.
فالشاعر يجد السعادة القصوى والراحة الكبرى وهو بينهم يحس بمشاعرهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويساعدهم في حل مشاكلهم، ويبعث في قلوبهم الأمل، ويقوي في نفوسهم الإيمان.
لذلك كان شعوره بالحرمان من ذلكم الوصال، وإبعاده المر المرير عميقا جدا لا يقدر على وصفه والتعبير عنه إلأ هذه القصائد المؤثرة التي هي أصداء نفسه ونبضات قلبه، وخلجات فكره، وزفرات روحه في تلك الفترة العسيرة من الزمن.
عائشة سحنون
стр. 6
المقدمة
стр. 7
مقدمة الشاعر
يضم هذا الديوان جل شعري لا كله، فإن بعضه ضاع، وبعضا آخر منه حذفته أو وأدته كما يئد بعض قبائل العرب بناتهم خوف عار يلحقهم بسبب حياة هؤلاء البنات.
وحتى هذا الذي أثبته أو بقي سالما بعد الضياع والحذف من شعري لولا الإلحاح المتكرر من الأصدقاء ومن الإخوة المعنيين بحفظ التراث، والموكول إليهم جمعه ونشره لما وجدت أي باعث لتقديمه إلى القراء.
اللهم إلا باعثا واحدا هو حاجة الطلاب والدارسين للأدب، بالخصوص في أبحاثهم ودراساتهم، فإن في هذا الديوان- ولا شك- مادة من الأدب الجزائري-كيفما كانت هذه المادة- وفي نشره بعض ما يساعدهم في أبحاثهم ودراساتهم، وفي ذلك ما يرضي شعوري ويريح ضميري.
وربما دهش القراء لهذا الزهد- فيما يحرص عليه الأدباء عدة من نشر نتاجهم ورؤيته متداولا بين الناس، وفي ذلك ما يرضي غرورهم أو طموحهم لأنه- في رأيهم- يثبت وجودهم، أو يؤكده أو يوسعه ويعمقه.
وأبادر فأشرح السبب لأول: إن سبب زهدي في تقديم ديواني إلى القراء هو أنني لا أرضى عن شعري لأنني لا أراه معبرا عما أشعر به من صور وأخيلة- لأن الشعر هو شعور الإنسان- والناس يختلفون في التعبير عن شعورهم ويتفارقون، وإذا كان شعري لا يرضيني في التعبير عن شعوري، فإن معنى ذلك أنه لا يرضي غروري أو طموحي كما يحلو للناس أن يغطوا هذا الغرور بالتعبير عنه بلفظ الطموح.
стр. 8
وإني ما أزال أذكر كلمة لها أهميتها في هذا الباب لصديقنا الشيخ فرحات بن الدراجي ﵀، إذ يقول: "إنني أرى الشاعر غير معذور، فإما أن يكون شاعرا أو غير شاعر: شاعر يلفت الأنظار ويهز المشاعر ويحمل الناس على احترامه، وإلا فليدع الميدان لفرسانه، فليس عندي وجود لشاعر من الطبقة الثانية أو الطبقة المتوسطة، وإن شعرا يقال فيه: "شعر لا بأس به لا يصح أن يدعى شعرا".
كما أنني لا أستطيع أن أنسى كلمة لجبران لا يقول مثلها إلا جبران، وذلك إذ يقول: "أشتاق إلى الأبدية، لأنني سأجتمع فيها بقصائدي غير المنطومة، ورسومي غير المرسومة" وبعبارة أخرى: إن أعظم معبر عن غرور الإنسان هو الشعر وإن هذا الغرور الذي طبع عليه الإنسان لا يعرف حدا ينتهي إليه، وهذا هو السبب في زهد من زهد في إظهار إنتاجه، كما أنه- في الوقت نفسه- السبب في حرص من حرص على إظهار إنتاجه.
وهناك باعث آخر لنشر هذا الشعر الذي لست راضيا عنه، بالإضافة إلى واجب الحفاظ على التراث، وواجب إمداد الطلاب والدارسين، وواجب إرضاء الأصدقاء بإجابة رغبتهم-: هو أنه كان يعتبر شعرا له أهميته ومنزلته في فترة حاسمة سبقت فترتنا الحاضرة هذه، وكان فيها -حقا- حاديا في قافلة حركتنا الفكرية الإصلاحية التي سبقت الثورة ومهدت لها فكانت أساسا لها، ومن ثم فالذي يؤرخ لثورتنا التحريرية لا يسعه إلا أن يؤرخ لهذه الفترة الحاسمة التي تكون في أحشائها جنين الثورة، فإنه- بالحري- لا بد لكل ثورة مسلحة، أن تسبقها ثورة فكرية.
الجزائر ٩ شوال ١٣٩٥ هجرية، الموافق لـ ١٤ أكتوبر ١٩٧٥ ميلادية
أحمد سحنون
стр. 9
ابتهال
يا ملهما لروائع الشعر ... يا موحيا بخولد الفكر
يا مودع الإعجاز في الذكر ... يا مبدع الرهبة في البحر
يا موجد البسمة في الفجر ... يا خالق الفتنة في الثغر
هب لي خيال الشاعر الحر ... وقوة التحليق كالنسر
وقدرة الغوص على الدر ... لعلني أظفر بالسر
في مجتلى الفتنة والسحر ... من عالم الإلهام والشعر
من كل معنى معجز بكر ... يومض مثل الأنجم الزهر
له شذا مثل شذا الزهر ... أبقى على الدهر من الدهر
стр. 10
إلى القاريء
يا قارىء يا صديق ديواني ... يا ملهمي يا أداة إحساني
أنا لم أفكر في الذي صغه ... من كل أشعاري وألحاني
حتى لمحك في خيالي سنى ... قد شع في فكري ووجداني
وعرفت كنه سؤالك لي ... عن غايتي من نظم أوزاني
فجعلت منك معين ملحمتي ... وسماء إلهامي وإيماني
حسبك أني- قارئي- لم أجيء ... بلفظه من غير إمعان
وكل بيت صيغ لم أحبه ... مني الحياة دون إتقان
وكان حادي رحلتي ما دجا ... من ليل آلامي وأحزاني
فإن أكن قصرت عن غايتي ... ولم يفز بالحمد ديواني
ولم انل ما كنت أملته ... في الشعر من حسن وإحسان
ولم أعد من طل سعي سوى ... بمحض إفلاس وخسران
ولم تكن يا قارئي راضيا ... عنه فحسبي بذل إمكاني
стр. 11
البصائر تتكلم*
طال صمتي تحت أعباء ثقال ... وعواد أخرست كل مقال
طال صمتي تحت أحداث جسام ... عبر الكون بها طور انتقال
ظن عجزي في سكوتي وفشا ... كل قيل - سيء القصد- وقال
وغدا الناس فريقين فذو ... مقة يمحضني الود وقال
سوف يدرون بأني صارم ... لم يزده غمده غير صقال
فانشطوا للعمل المجدي فها ... قد نشطت اليوم من أسر عقالي
لم أحد عن سيرتي الأولى وإن ... "طال صمتي تحت أعباء ثقال"
стр. 12
إلى المعلم
نشرت بالعدد السابع من السلسلة الثانية من البصائر ثم طبعت مع قصيدة "إلى التلميذ" المنشورة بعدها ووزعت على مدارس "جمعية العلماء" باقتراح من كاتبها العام الأستاذ "أحمد توفيق المدني".
هات من نشء الحمى خير عتاد ... وادخرهم لغد جند جهاد!
هات نشئا صالحا يبني العلا ... ويفك الضاد من أسر الأعادي
هاته نشئا قويا باسلا ... إن دجا خطب يكن أول فاد!
حطه بالإسلام من كل أذى ... واحمه بالخلق من كل فساد!
واهده بالعلم فالعلم سنى! ... ومن القران زوده بزاد!
صغه للإسلام نبراس هدى ... ومثالا من ذكاء واجتهاد!
سر به في طرق مأمونة ... إن في كفيك امال البلاد
إن في كفيك بذرا فاسقه ... من ينابيع المعالي فهو صاد
إن في يمناك جيلا فاهده ... نهجه إنك للأجيال هاد!
إن في يمناك شعبا كاملا ... يتنزى بين ظلم واضطهاد
لم يزل في القيد منهوك القوى ... منذ ألقى للأعادي بالقياد
فرقت أهواؤه أجزاءه! ... ويحه لم يلتجيء للاتحاد!
وتفشى كل داء قاتل ... فيه من جهل سوء اعتقاد
стр. 13
وصل الناس إلى غاياتهم ... وهو في أسر جمود كالجماد
يا مربي النشء يا باني النهى ... يا محل الحب من كل فؤاد!
قد إلى العلياء أبناء الحمى ... وإلى تحريرهم كن خير حاد
لا تقل: شمس بني الضاد اختفت ... وطوت أيامهم سود عواد!
إن ذوى النبت فإن البذر ... باطن الأرض لينمو في ازدياد
لا تضق ذرعا ولا تهلك أسى ... أمة الضاد ستحظى بالمراد
стр. 14
إلى التلميذ
لكفي كل حشى نبع وداد ... يا رجاء الضاد يا ذخر البلاد
شعبك الموثق لم يبق له ... من عتاد، فلتكن خيرعتاد
لج الاستعمار في طغيانه ... كل يوم منه ألوان اضطهاد
لغة الضاد التي ما برحت ... لغة الإعجاز سيمت بكساد!
دينك الإسلام في أوطانه ... ناله المكروه من أيدي الأعادي
وطباع الخير في النشء ذوت ... فتولى خلقه كل فساد!
وذوو المال لهم أفئدة أكباد ... من جمود صورت أو من جماد!
سود من الشح فما! ... لهم في الخير من بيض أياد!
فمتى تحمى حمى سيم الأذى ... فعلى نشء الحمى كل اعتماد؟
ومتى تفدى بلادا طالما ... ساسها أعداؤها فالحر فاد؟
كن لها في سلمها رمزعلا ... كن لها في حربها جند جهاد
وامتثل أمر مربيك وكن! ... قبسا من روحه شهم الفؤاد
اجعل العلم دليلا وهدى ... إنما الجهل دجى والعلم هاد!
واقرإ القرآن واعرف هديه ... إنه نهج فلاح وسداد!
"خالق الناس بخلق حسن " ... فجمال الخلق عنوان الرشاد!
стр. 15
خلطة الأشرار داء فابتعد ... من أذاها وابق منها في حياد
واجتهد تدرك أمانيك فما ... تدرك الآمال إلا باجتهاد.
وليكن حاديك تحرير الحمى! ... إن نحرير الحمى للحر حاد!
هذه غايتك المثلى التي! ... إن تحصلها تنل كل مراد!
стр. 16
كشاف
ألقيت بملعب "بولغين " وأهديت إلى كشافة "لودادا" هناك، ونشرت بالعدد الثالث من البصائر في سلسلتها الثانية.
"كشاف " يا ابن الطبيعة ... وابن الحقول البديعه
كن للبلاد دليل ... كن في الجهاد طليعه
كن للجزائرعينا ... ترى وأذنا سميعه!
خصومها لم يزالوا ... يبيتون الخديعه!
صل حبل كل إخاء ... واقطع حبال القطيعه
أعد بغر المساعي! ... لابن البلاد ربيعه
أنهض أماني شعب! ... غدت مناه صريعه
وخذ له غير وان! ... حق الحياة جميعه
الفجر أبدى سناه! ... لمجده ليذيعه!
لا يدرك المجد إلا ... ساع خطاه سريعه!
ومن ونسى فمناه! ... مثل السراب بقيعه!
كشاف أنت مثال! ... من الخلال الرفيعه
لك النشاط شعار ... والجد فيك طبيعه
وفيك حلم وعطف ... على النفوس الوجيعه
وفيك رقة طبع ... والصبر عند الفجيعه!
стр. 17
تهوى الجمال بريئا ... تهوى الحياة وديعه
تهوى النسيم يحيي ... ذرى الجبال المنيعه
"كشاف" ماضيك خصب ... أوصيك أن لا تضيعه
стр. 18
إلى الشاعر ! *
قال لي الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي ": إن محمد العيد قد سكت، وقد كتبت إليه مرات كثيرة ليعود إلى الشعر فلم يجب " فقلت له: "إن محمد العيد الذي لا ينطق إلا بالشعر لا ينطقه إلا الشعر، فدعني له أحرك شاعريته بالشعر، فكتبت إليه على صفحات الجريدة هذه القصيدة فلما قرأها كتب إلى الشيخ ... يقول: هذا صوت يجب أن يجاب، وعاد إلى الشعر وبعث إلى الجريدة بالقصيدة التي مطلعها: "هيجت وجدي يا حمام "، جوابا على قيصيدتي:
إلى البلبل الذي ملأ جو الجزائر تغريدا شجيا ساحرا،
إلى الوتر الذي أسمع الدنيا أناشيد الحرية والبطولة والمجد،
إلى الشاعر الذي سكت،
إلى الرفيق الذي حجب وجهه وصوته
إلى شاعر الجزائر العظيم الشيخ "محمد العيد":
شاعر الضاد والحمى ما دهاكا ... فحرمت النهى ثمار نهاك؟
ما الذي أسكت الهزار عن ... التغريد يا ملهمي جعلت فداكا؟.
ما الذي عاق يا أخا الوحي ... والإلهام عن أن تبثنا شكواكا!؟
كنث كالطائر الصدوح فما ... تنفك يوما مرددا نجواكا!.
كنت لا تستطيع صبراعن الشعر فمن ذا بهجره أغراكا؟
كان نجواك، كان سلواك ... إن نابك خطب وفي الهوى ليلاكا
стр. 19
كان دنياك كلها كيف لم ... تشغلك عن كل شاغل دنياك!
قد خلت من صداك أندية ... الشعر وملء الوجود كان صداكا
عجبا تستبيح صمتك يوما ... ويد البغي تستبيح حماكا!
أيطيب السكوت والضاد في ... شدة أسر لم تلق منه فكاكا؟
أإذا طاف بالجزائر ما حرك ... حتى الجماد طاب كراكا؟!
أإذا أوشكت بلادك أن ... تجني ثمارالمنى قطعت مناكا؟
كان حب الحمى هواك فلما ... جد جد الحمى تركت هواكا!
شبها ثورة على الظلم وابعثها ... حروبا على الطغاة دراكا!
قد شباب الحمى إلى المجد والعلياء ... وأحثث إلى الجهاد خطاكا
ولتسجل لابن الجزائر سفرا! ... من فخار وسؤدد يمناكا!
ولترتل في مسمع الدهر إنشادك ... سحرا يغري النهى شفتاك
قدم الشعر رافقت قدم ... الوحي فقم بث بالقريض هداكا
عد كما كنت شاديا فلماذا قد ... حرمت الأسماع سحر غناكا؟
стр. 20
و هذه قصيدة الشيخ محمد العيد:
هيجت وجدي
ناحت عليك سواجع الاطيار ... مذ أسكتتك فواجع الأغيار
وتساءل الاصحاب عنك فكلهم ... متطلعون لأصدق الأخبار
من لي بإقناع الرفاق فإنهم ... لم يقنعوا بقواطع الأعذار؟
لم يبق لي في الشعر غير بضاعة ... قد لا تروج بمعرض الأفكار
هيجت وجدى يا حمام بنغمة ... علوية اللهوات والأوتار
هب لي هوى كهوى الشبيبة يانعا ... أقضي به ما رمت من اوطار
ولي عن الصبوات عزمي مدبرا ... ونبا عن الندوات والأشعار
وعدلت متئد الخطى عن رحلة ... في طيها استهدفت للأخطار
وفقدت فيها المسعفين فلم اجد ... سلوى سوى التسليم للأقدار
وجنحت للحرم الذي فارقته ... زمنا جنوح الطير للأوكار
فاهتف بلحنك يا حمام ونل به ... ما ناله داوود بالمزمار
وابلغ به ما انت اهل بلوغه ... من فتنة الأسماع والأبصار
مهما شدوت أملت أغصان النقا ... وأجبت بالتصفيق في الأنهار
وهفت لك الاكباد في أحشائها ... مشدوهة من لحنك السحار
стр. 21
في كونك المعطار كون منصت ... فانشر صداك بروضك المعطار
واقصر مداك فذو السهام وإن غفا ... مترصدا ابدا لذى المنقار
لا تلحني في الصمت اني أرتئي ... أن الضمير أحق بالإضمار
أما الحمى فهواه بين جوانحي ... يرغى ويزبد زاخر التيار
متدفقا كالموج لكن صنته ... عن شاطئ الحمات والأكدار
إن الذي هو مضغة لحمية ... خلق يفوق البحر في الأغوار
علق السماء وهام في عليائها ... متنقلا كالكوكب السيار
القلب بيت الله فهو منزه ... عن ان تطيف به يد (استعمار)
ولرب مغض بات في إغضائه ... يقضان يرعى النجم في الأسحار
ويسامر الدنيا فما يدري امرؤ ... ما دار بينهما من الأسمار
ويح ابن ادم من عواقب بغيه ... وولوعه بالعيث والإضرار
ووثوقه بالنفس وهي كحية ... رقطاء فيه خفية الأجحار
ورضاه في الأعمال عن حسناته ... ولعل أكثرها من الأوزار
وتراه يلهج بالعزائم وهو في ... أيدي الضروف يدار (كالبركار)
ويح العباد من العباد فجلهم ... في نفرة أبدا وفي استنفار
مثل الوحوش وما تسلحهم سوى ... بدع من الأنياب والأضفار
من أفدح الأشرار أن يقضى على ... حرم الإلاه بغارة الأشرار
стр. 22
إن الذي زعم العدالة شرعة ... آذى (الائمة) في رضى (الأحبار)
ودهى العمومة في وشائج نسلها ... وسطى على الأجوار بالإجوار
وأحل بالقانون جرما فادحا ... وأذل دين الله للدينار
قل لابن صهيون اغتررت فلا تجر ... إن ابن يعرب ناهض للثار!
أعرضت عن خطط السلام موليا ... فوقعت منها في خطوط النار
لا تحسبن بأن صبحك طالع ... فالبدر ويحك خاح للسار
سترى امانيك التي شيدتها ... منهارة مع ركنك المنهار
القدس لابن القدس لا لمشرد ... متصهين ومهاجر غدار
يا لجنة التقسيم حدت عن الهدى ... وسخرت منه فبؤت بالإنكار
стр. 23
جمعية العلماء أدت رسالتها
ألقيت في الاجتماع العام (لجمعية العلماء) بقاعة "الماجستيك".
الأطلس- ونشرت بالبصائر في ١٨ ذي القعدة الحرام ١٣٦٦ للهجرة.
هذى الجزائر- لا خابت أمانيها- ... قد وحدتها جراحات تعانيها
الظلم أيقظ أهلها بها وبنى ... من ضعفها قوة لا العدل بانيها
وليس كالظلم يجدو أمة قعدت ... عن العلا وببث العزم وانيها
فهات من شعرك العذب الجميل ... وصغ أغنية لشجي النفس عانيها!
هات القوافي التي تزجي بسامعها ... إلى الفداء وتغريه أغانيها!
هات الأغانى التي ألفاظها قبس ... من الحياة والهام معانيها!
غن الجزائر أنغاما سماوية ... حتى تميد بها سكرا معانيها
غن الجزائر واهتف للألى وقفوا ... في وجه كل مغير من أعاديها!
واذكر جهود حماة الضاد إنهم ... صانوا حماها وذادوا عن مباديها
يهنى "الجزائر" أن هبت كعاصفة، ... تبني المعالي ولبت صوت داعيها
هبت مؤيدة بالله معلنة، ... جهادها بعدما قد قام ناعيها
تقودها لأمانيها وغايتها، ... "جمعية العلما"جلت مساعيها
"جمعية العلما" أدت رسالتها، ... رغم العوادي ولم تبرح تؤديها!
لم تأل جهدا ولم تخضع لطاغية، ... ولم تضق بأذى ممن يعاديها
стр. 24
بوركت يا دار !
ألقيت في حفلة افتتاح "دار العلماء"- المركز العام- ونشرت بالعدد "٥٤"
بالبصائر، في ٢٢ ذى الحجة الحرام عام ١٣٦٧ للهجرة.
بوركت يا دار لاحت لك أكدار! ... فأنت معقل جنلى العلم يا دار
قد كنت حلما جميلا رف طائره ... بالوهم حتى اجتلتك اليوم أنظار
قد كنت واجب شعب هب مندفعا ... كالسيل تحدوه للأوطان أوطار
قد كنت حاجة نفس للعلا طمحت ... فحققت حاجة في النفس أقدار
قد كنت فكرة بناء لأمته ... واليوم أنت بناء ليس ينهار
وهكذا العزم لا تثنيه عادية ... عن المضي ولا يطفيه إعصار!
عزم "البشير" أحال الضعف عاصفة ... والعزم كالسيف للأخطار بتار
"جمعية العلماء" اليوم إن طفرت ... نشوى فكم نالها من قبل أكدار!
قد هزها من وناها واستقل بها ... نسر تعود خوض الجو جبار!
فاليوم نستقبل الدنيا بأفئدة ... شعت بها من أماني المجد أنوار
واليوم نهتف بالبشرى مرددة ... نشيدها الحلو أرجاء وأقطار
واليوم نفرغ للأعمال في ثقة ... والكل للكل أعوان وأنصار!
نمضي لتحقيق غايات مقدسة ... فيها يحاربنا باغ وغدار
سلاحنا الحق والإيمان قائدنا ... وجندنا الصبر لا يعروه إدبار
"جمعية العلماء" اليوم قد وجدت ... أداتها فلتسر لم تبق أعذار
стр. 25
فجر الحياة بدا في الأفق مؤتلقا ... تهفو قلوب لمرآه وأبصار!
يا دار فيك جمال الفن قد ظهرت ... آياته كل جزء فيه آثار!
وشى مبانيك فن من بنيك سما ... كما توشي حواشي الروض أزهار
يا دار يهنيك ما تجنيه من ثمر! ... فيك البلاد وللأعمال أثمار
يا دار فيك تعيد الضاد عزتها ... وكل قلب به للضاد إكبار!
وفيك يبعث ماض طالما حييت ... على مجانيه أجيال وأعصار
وتستعاد عكاظ فيك ثانية ... بها تدوي أناشيد وأشعار
تفديك دور لغير الهدم ما بنيت ... بل تفتديك من الأسواء أعمار
يفديك جيران سوء منك أكمدهم ... جيش من السادة الأحرار جرار
غصوا بهم حنقا منهم ولا عجب ... ليسوا بأول جيران لنا جاروا
يا فتية الضاد حان الوقت فاطرحوا ... هذا الونى وانهضوا فالناس قد طاروا
سيرواعلى نهج آباء لكم سلفوا ... فإنهم في طريق المجد قد ساروا
شقوا الزحام إلى العلياء واقتحموا ... أخطارها إنما العلياء أخطار
اسعوا لتحيوا حياة العز أو فردوا ... حوض الردى فالردى يمحى به العار
أرواح آبائكم في الخلد قد هتفت ... تحرووا فجميع الناس أحرار
стр. 26
الصحراء ! *
أصحراء أنت الكون بل أنت أكبر ... ومرآك في عيني أبهى وأبهر!
بلى أنت دنيا لا تحد على المدى ... إذا كانت الدنيا تحد وتحصر!
بلى أنت دنيا من هناء وغبطة ... وصفو على الأيام لا يتكدر!
بلى أنت دنيا الوحي والشعر والحجى ... فقلبي نشوان بحبك يطفر!
إذا بجمال البحر قد هام معشر ... وأعجبهم منه محاسن تذكر
أهيم بمعنى فيك مهما اجتليته ... تبدى لعيني دونه البحر يزخر
وإن شاقهم منه هدير مرجع، ... فصمتك ذو صوت بأذني يهدر
وإن سكن الناس المدائن إنني ... لجأت إلى سكنى بحضنيك يؤثر
وكيف أرى سكنى المدائن بعدما ... رأيت بها ما يستذم وينكر
نفاق على كل الوجوه مخيم ... وبغض على كل الجباه مسطر
وفوضى على رغم ادعاء حضارة ... بها لم تدع شيئا يحب ويقدر
وسعي وراء العيش ليس بمنته ... وهم على تحصيله ليس يفتر!
стр. 27
وإن قيل: في الصحراء جدب ووحشة ... وحر غدت نيرانه تتسعر!
ففيها جلال يبهر العين شخصه ... ولكن قليل من بمعناه يشعر
وفي أرضها شب الرسول محمد ... ومن أفقها انبث الهدى يتفجر
أصحراء ضميني إليك فإنني! ... -وحقك- من سكنى المدائن أضجر
أنا ابنك قد لقيت حبك ناشئا ... وإني على ذا الحب لا أتغير
وشاعرك الباني علاك ومن غدا ... بمجدك في الدنيا يتيه ويفخر!!
стр. 28
منجاة البحر ! * (١)
هكذا قلت في الصحراء عندنا كنت أسكن الصحراء فلما انتقلت إلى الجزائر" العاصمة" وسكنت بحي "بولوغين"- سانت أوجين- قريبا من البحر لقيني صديقي الشاعر الشيخ محمد العيد فقال لي: من حق البحر عليك وقد أصبح جارك أن تقول فيه شيئا، حي الله الشيخ العيد فما أرق شعوره أنه يذكرنا بحق الجوار حتى مع البحر.
ولم تطل ساعة الاستجابة فقد أتيته في اليوم التالي وقلت له: "إن جار البحر قال في جاره شيئا"، وقرأت عليه القصيدة التالية:
ماذا بنفسك قد ألم ... يا أيها البحرالخضم
نام الخلائق كلهم ... وبقيت وحدك لم تنم
فالكون في صمت عميق ... غير صوتك فهو لم ...
والجو مؤتلق وفي ... جنباته البدر ابتسم
وأرى العبوس على محياك ... الجليل قد ارتسم
وأرى أنينك صارخا ... كالرعد دوى في الأكم
وأراك كالمشفى يضج ... من النسيم إذا ألم
فكأن موجك وهو ... يعثر بالصخور إذا اصطدم
دمع جرى من موجع ... فقد التصبر فانسجم!
يا بحر ما هذى الشكاة ... ألست توصف بالعظم؟
ماذا التبرم بالحياة ... كأنما أشجاك هم؟
*- نشرت بالبصائر والشهاب.
стр. 29
أتضيق ذرعا كابن ... آدم بالوجود وما انتظم؟
ومن المعمر إذ طغى ... كم أباد وكم هدم؟
أتضج من شرف يداس ... ومن المسيطر إذ ظلم!
إتضج من حر يهان ... ومن حقوق تهتضم؟
أتضج من جار يجود ... ومن وضيع يحترم؟
أتضج من عبث السياسة ... ومن أخ خان الذمم
إني حيالك واقف ... فكرت فيك فلم أنم!
وسئمت من أرقي فجئت ... إليك أطرح السأم!
فلعل منظرك الجميل ... يذود عن قلبي الألم
وسماء وحي للأديب ... حويت لمجتليك وكم حكم!
كم قد طويت من القرون ... وكم محوت من الأمم
كم قد حويت من الرفات ... وكم ضممت من الرمم
أفأنت تاريخ تضمن ... ما جرى منذ القدم؟
دم مسترادا للحزين ... وسلوة لذوي الألم
وسماء وحي للأديب ... ومجتلى حسنا أتم!
стр. 30
مناجاة البحر ! (٢)
وقد كان لقربي من البحر ومجاورتي اياه أثر عميق في نفسي إلى درجة أنه جعلني أشعر بأنني بقرب صديق أطارحه الحديث وافضي إليه بذات نفسي وأسأله عن ذات نفسه وكثيرا ما أوثره على الأصدقاء الذين لا تربط بينهم إلا مصالح مادية تافهة وأخصه،- من غير ملق- بكل ثنات واعجاب.
ففي ذات أمسية ساحرة حالمة من أمسيات الصيف جلست إليه على صخرة مرتفعة تداعبها الامواج الرقيقة الرخية من كل جهة، وجعلت أتأمله وأحدوا نظري فيه غير شاعر بمن حولي وإذا بي أقول، كأنني أنطر في صحيفة:
يا صامتا يتكلم ... وضاحكا يتألم!
ويا خطيبا بليغا ... ومعربا وهو أعجم!
ومانحا كل سر ... لشاعر يترنم!
لكنه عن سواه ... بسيره يتكتم!
يا راضيا مطمئنا ... وساخطا يتبرم
ويا حليما وقورا، ... وثائرا ليس يرحم
يا شاديا يتغنى! ... وشاكيا يتظلم
يا مودعا كل لغز ... يا حاويا كل مبهم
حتى كأنك لوح! ... فيه الحقائق ترسم
يا بحر يا خير دنيا ... فيها الجمال تجسم
هذي قلوب صوادى ... على ضفافك حوم
стр. 31
مطيفة بك كادت ... من شوقها تتحطم
يا بحر يا إلف روحي ... وأنسها حين تسأم
نجواك دنيا خيالي ... إذا دجا الليل خيم
ففي هديك شعر ... به النسيم ترنم
وفي صفائك سحر ... كأنه سحر مبسم
وفي هدوئك سر ... من الحقيقة أعظم
يا بحر حسبك أني ... بكل ما فيك مغرم
فأنت للشعر وحي ... وأنت للحزن بلسم
стр. 32
أغنية بجرية !
واشتد الحر يوما بدرجة مفزعة فهرع الناس إلى البحر زرافات ووحدانا شيبا وشبابا رجالا ونساء ولفت نظري من بين هذه الجموع المتراصة والمتدافعة إلأى الأمواج كالأمواج منظر اسراب الأطفال الصغار وهم يتواثبون على رمال الشاطئ بثيابهم المزركشة كالعصافير الملونة فاستولى على نفسي هذا المنظر الساحر والمشهد الرائع ولم أشعر إلا بكلمات هذه الأغنية تجري على لساني وتنساب من بين شفتي:
يا بحر يا رمز الجمال الساحر ... ومهبط الوحي لقلب الشاعر
ومطمح الأنظار والمشاعر ... ومفزع الناس لدى الهواجر
تفديك أرواح إليك تهفو
إن أقبل الصيف وهاج الحر! ... ومسنا من الحرور ضر!
وعيل من لفح الهجير الصير! ... فليس نطفي ناره يا بحر!
إلا بماء فيك لا يجف
هذى الوجوه الغضة اللطاف ... طاب لها من حولك المطاف
لها إلى جمالك انعطاف ... وما لها عن حبك انحراف
لم يرضها غير هواك إلف
تغشاك أسراب من الولدان ... نضوا ثيابهم عن الأبدان
ونشطوا للعلوم كالحيتان ... فظهروا حولك كالأغصان
بروضة جميلة تحف
стр. 33
لك محيا رائع جليل! ... ومنظر محبب جميل.
فيك نسيم بارد عليل ... يطيب فيك الصبح والأصيل
وفيك لطف في الدجى وظرف
إنا لزمنا العوم فيك دوما ... وأي نفس لا تحب العوما
لا نستطيع الصبر عنك يوما ... ولا نلذ راحة أو نوما!
إذا لم نجد خلا سواك يصفو
وكنت يوما راكبا "الترام"، الذي يمر على شاطئ البحر وكان معي صديقي السيد العمري الذي أعجبه منظر البحر فقال لي: "ألا ترى البحر كيف يبتسم اليوم؟ وكنا قد تلقينا اذ ذاك خبر موت مرشد الكشافة الاسلامية الجزائرية السيد "محمد بوردس" الذي أعدمته السلطة الفرنسية في صباح ذلك اليوم فقلت على الفور:
البحر أبدى ابتساما ... لنا وزاد ابتهاجا!
ولو درى البحر شيئا ... مما درينا لهاجا!
ويذكرني هذا اليوم بيوم آخر أشد وقعا على النفس وهو أول يوم من الربيع أشرقت شمسه على الجزائر والسجون والمعتقلات ملأى بالوطنيين ومن مراكز التعذيب يسمع أناين المعذبين وفي كل بيت ثكل وفي كل عين دمع وفي كل قلب ألم واذا بي أقول هذا البيت كأنني أقرؤه في صحيفة:
أتضحك يا ربيع بملء فيكا ... ولم أر مقلة لم تبك فيكا؟
стр. 34
كفا حزنا !
وحينما كنت بالمعتقل "معتقل بطيوه- سان لو-" وكنت أسمع هدير البحر، فقد كان المعتقل قريبا من البحر وذكرت كيف كان البحر مجتلى ناظري في الصباح وفي المساء ومستحم جسمي في الليل وفي النهاو جاشت مشاعري بهذه الحسرة اللاذعة:
كفى حزنا أني قريب من البحر ... ولا أجتلي ما فيه من روعة السحر
أيصبح لي جارا قريبا ولا أرى ... محياه؟ ما لي عن محياه من صبر
إذا ما دجا ليلي سمعت هديره ... فيعصف بي شوق ينوء به صدري
فأقضي سواد الليل بالحزن والأسى ... إذا لج بي حزني لجأت إلى الشعر!
أأحرم مرأى البحر وهو مجاوري ... وقد عشت دهرا مسكني شاطئ للبحر؟
أطارحه شجوى وأشكوه لوعي ... وأستلهم الأمواج عن غامض السر
وأسبح فيه كي تزول لواعجي ... فلا ينطفي ما في الجوانح من جمر
فيا شعري هل درى البحر أنني ... مجاوره أم أنه لم يكن يدري؟
стр. 35
إلى جار بحر الروم !
يا جار بحر الروم هل من وقفة ... لك في مناجاة وفي استفهام؟
كشفت لفكرك ما يكن بصدره ... من زاخر الأحلام والآلام
فلئن أبى الإفصاح عن أسراره ... فسل الصخور أو العباب الطامي
ولئن أبى الكل الإجابة فارتفع ... نحو الهلال الشاعر البسام
فهو الذي يوليك سحر بيانه ... ما شئت من وحي ومن إلهام
له شعر قد شققت عبابه! ... بالروح والأفكار والأحلام
كالبحر في أسراره وجلاله! ... وجماله وعبابه المترامي
بسكرة: أبو بكر رحمون
стр. 36
البحر حسبي (١)
البحر حسبي- أبا بكر- مناجاة ... وحسبه بأغاريدي مناغاتا!
وجدت فيه لآمالي مشابهة ... كما وجدت لآلامي مواساتا!
يروقني منه- إن أبصرته- عظم ... أرى به الكون لا يدنو محاكاتا!
دنيا تتيه على الدنيا بما وسعت ... قد احتوت من فنون الحسن اشتاتا
كم وقفة لا على شطيه أنشده ... شعرا وأشكوه من دنياي أعناتا
ألقي إليه أغاريدي فتسكبها ... هوادر الموج أنغاما وأصواتا
وكم تيممته والليل قد سترت ... أثوابه السود أحياء وأمواتا!
أفضى إليه بهم ذاد لا عجه ... نومي فأفلت من عيني افلاتا!
والبحر خير صديق ما شكوت له ... إلا وأولاك إصغاء وإنصاتا
هناك أنسى جوى حزني بجانبه ... ولا أحس لأتعابي معاناتا
وهل أرى صاحبا كالبحر أوليه من ... صفو الوداد ويوليني مصافاتا؟
стр. 37
قسنطينة
مهداة إلى إخوان لي هناك
نظمتها خلال الايام التي قضيتها بقسنطينة لحضور جلسات المجلس الإداري "لجمعية العلماء" في أوائل ذي الحجة الحرام عام ١٣٦٧ للهجرة، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها قسنطينة ونشرت القصيدة بالبصائر عدد "٥٣".
"قسنطينة" أني حللت بواديك ... فلله ما شاهدت من حسن "واديك "
كأن عليه الجسر بات مرابطا ... ليحرس هاتيك الربا من أعاديك!
ذكرت به "عبد الحميد" وبأسه ... وكيف تحدى كل هول ليفديك!
وكيف بنى صرح المكارم عاليا ... وهب لتشييد المكارم يدعوك!
وجهز جيشا للجهاد مسلحا! ... بعلم وللتحرير قاد عاش يحدوك!
قضى عمره للمكرمات مشيدا ... ومات وتشييد العلا من مآتيك
وتمم ما قد خط من أسس الهدى ... بنوك فهم من بعده خير بانيك
"فمعهده "الباقي على الدهر كاسمه ... يد- لا تحاكيها يد- من أياديك
"وناديك" أحسست ابن باديس ماثلا ... به ليته قد كان عاش "لناديك"!
ولكنه إن لم يعش فرفاقه! ... على نهجه يرعون ما قد رعى فيك
"قسنطينة" لله حسنك إنه ... ليوهم أن الخلد بعض مجاليك
وما حسن أرض غير أرضك إن يكن، ... سوى نفحة مرت بها من رواييك
ولله إخوان هناك عرفتهم ... عرفت بهم صدق الهوى بين أهليك
стр. 38
وشمت سجايا العرب فيهم صريحة! ... وأين سجايا العرب إن لم تكن فيك؟
وما عشت لا أنسى مجالس فتية ... عصامية أحيت مآثر ماضيك!
وواسطة العقد "البشير"متى يفه ... بمنطقه اهتزث سرورا نواديك!
يعيد لنا مجد البيان حديثه! ... ويحيى عهودا أشرقت من مغانيك
و"معهدك المعمور لله حسنه ... لقد كان طغرى الفن بين مبانيك
قسنطينة ان لم أزرك فإن لي ... فؤادا له شوق إليك يناجيك
ولكن حظي كان عنك يصدني ... ولو لم يعقني الحظ ما كنت أسلوك
стр. 39
يا بنات النيل
ألقيت في حفلة التكريم لمديرى الفرقة القومية المصرية للتمثيل "يوسف وهبي " و"زكي طليمات " بمركز "جمعية العلماء" بالجزائر العاصمة ونشرت بالبصائر عدد ١٠٨ في ٣ جمادى الأولى ١٣٦٩ للهجرة.
يا بنات النيل هل من نفحة ... من عبير النيل في أردانكم؟!
لي إلى مصر هوى يا ليتني! ... طائر يصدح في أفنانكم!
فأرى موطن "شوقي " وأرى ... نيله الموحي إلى حسانكم!
كل قلب للقاكم نابض! ... هزه الشوق إلى أوطانكم!
قد وعيتم حق إخوان لكم! ... وتذكرتم هوى جيرانكم!
أبلغوا إعجابنا مصر بما! ... بلغت في الفن من إحسانكم!
نحن لا ننسى لكم فضلكم! ... كيف ينسى الفضل من إخوانكم
إنما نشكو إليكم منكم! ... وحشة لم تخف عن أذهانكم
لم تغيبوا قط عن وجداننا ... كيف غبنا نحن عن وجدانكم
نحن نصلى نار حكم بلغت! ... منه شكوانا إلى آذانكم!
نحن في بلداننا في غربة! ... فتشوقنا إلى بلدانكم!
إننا نبني ولكن من يكن ... مثلنا يحتج إلى بنيانكم!
فأعيوننا على تحريرنا! ... تجدونا السيف في أيمانكم!
стр. 40
شوق إلى صديق كريم
راسلت بها الأخ "بوزيدي" الطاهر بن بلقاسم عندما غادرنا بالجزائر وذهب إلى بلده "برج طولقة" بعد أن عاد من منفاه "بجنين بورزق " بجنوب وهران:
قضى الله أن نشقى بتفريق شملنا ... فأسكنك الصحرا وأوطننا البحرا!
نفاك إليها قبل كرها فما اشتفى ... فساقك طوعا نحوها كرة أخرى
فقل لي: أأرض "زاب" أرضتك موطنا ... أم أنت بأرض "الزاب" لم تستط صبرا!؟
وهل بين أهل "البرح" ألفيت فتية ... سراعا إلى ما يكسب الحمد والفخرا؟
وهل فيهم من كاتب يسحر النهى! ... بآياته أو شاعر ينظم الدرا؟
وهل في شباب الزاب ذو وطنية ... يرى نهضة الأوطان غايته الكبرى؟
وهل فيهم من صادق الود مخلص ... لإخوانه لايعرف الختل والغدرا؟
فإنني لم أرض "لجزائر"موطنا ... وحقك إلا مرغم النفس مضطرا
ولا ملكت قلبي بروعة حسنها ... ولا بحرها الجذاب أنساني الصحرا
ولكن رأيت "الزاب" للضيم راضخا ... ومستسلما للبغي قد ألف القهرا
تمكن منه الخوف حتى حسبته! ... تجرد من إيمانه واكتسى كفرا
إلى أن رأينا "الزاب" للشيخ زوجة ... تزوجها كرها ولم يعطها مهرا
تزوج منها لاهيا ما بحبها! ... ويجعل بعد العسر من أمرنا يسرا