البحر حسبي (١)
البحر حسبي- أبا بكر- مناجاة ... وحسبه بأغاريدي مناغاتا!
وجدت فيه لآمالي مشابهة ... كما وجدت لآلامي مواساتا!
يروقني منه- إن أبصرته- عظم ... أرى به الكون لا يدنو محاكاتا!
دنيا تتيه على الدنيا بما وسعت ... قد احتوت من فنون الحسن اشتاتا
كم وقفة لا على شطيه أنشده ... شعرا وأشكوه من دنياي أعناتا
ألقي إليه أغاريدي فتسكبها ... هوادر الموج أنغاما وأصواتا
وكم تيممته والليل قد سترت ... أثوابه السود أحياء وأمواتا!
أفضى إليه بهم ذاد لا عجه ... نومي فأفلت من عيني افلاتا!
والبحر خير صديق ما شكوت له ... إلا وأولاك إصغاء وإنصاتا
هناك أنسى جوى حزني بجانبه ... ولا أحس لأتعابي معاناتا
وهل أرى صاحبا كالبحر أوليه من ... صفو الوداد ويوليني مصافاتا؟
стр. 37
قسنطينة
مهداة إلى إخوان لي هناك
نظمتها خلال الايام التي قضيتها بقسنطينة لحضور جلسات المجلس الإداري "لجمعية العلماء" في أوائل ذي الحجة الحرام عام ١٣٦٧ للهجرة، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها قسنطينة ونشرت القصيدة بالبصائر عدد "٥٣".
"قسنطينة" أني حللت بواديك ... فلله ما شاهدت من حسن "واديك "
كأن عليه الجسر بات مرابطا ... ليحرس هاتيك الربا من أعاديك!
ذكرت به "عبد الحميد" وبأسه ... وكيف تحدى كل هول ليفديك!
وكيف بنى صرح المكارم عاليا ... وهب لتشييد المكارم يدعوك!
وجهز جيشا للجهاد مسلحا! ... بعلم وللتحرير قاد عاش يحدوك!
قضى عمره للمكرمات مشيدا ... ومات وتشييد العلا من مآتيك
وتمم ما قد خط من أسس الهدى ... بنوك فهم من بعده خير بانيك
"فمعهده "الباقي على الدهر كاسمه ... يد- لا تحاكيها يد- من أياديك
"وناديك" أحسست ابن باديس ماثلا ... به ليته قد كان عاش "لناديك"!
ولكنه إن لم يعش فرفاقه! ... على نهجه يرعون ما قد رعى فيك
"قسنطينة" لله حسنك إنه ... ليوهم أن الخلد بعض مجاليك
وما حسن أرض غير أرضك إن يكن، ... سوى نفحة مرت بها من رواييك
ولله إخوان هناك عرفتهم ... عرفت بهم صدق الهوى بين أهليك
стр. 38
وشمت سجايا العرب فيهم صريحة! ... وأين سجايا العرب إن لم تكن فيك؟
وما عشت لا أنسى مجالس فتية ... عصامية أحيت مآثر ماضيك!
وواسطة العقد "البشير"متى يفه ... بمنطقه اهتزث سرورا نواديك!
يعيد لنا مجد البيان حديثه! ... ويحيى عهودا أشرقت من مغانيك
و"معهدك المعمور لله حسنه ... لقد كان طغرى الفن بين مبانيك
قسنطينة ان لم أزرك فإن لي ... فؤادا له شوق إليك يناجيك
ولكن حظي كان عنك يصدني ... ولو لم يعقني الحظ ما كنت أسلوك
стр. 39
يا بنات النيل
ألقيت في حفلة التكريم لمديرى الفرقة القومية المصرية للتمثيل "يوسف وهبي " و"زكي طليمات " بمركز "جمعية العلماء" بالجزائر العاصمة ونشرت بالبصائر عدد ١٠٨ في ٣ جمادى الأولى ١٣٦٩ للهجرة.
يا بنات النيل هل من نفحة ... من عبير النيل في أردانكم؟!
لي إلى مصر هوى يا ليتني! ... طائر يصدح في أفنانكم!
فأرى موطن "شوقي " وأرى ... نيله الموحي إلى حسانكم!
كل قلب للقاكم نابض! ... هزه الشوق إلى أوطانكم!
قد وعيتم حق إخوان لكم! ... وتذكرتم هوى جيرانكم!
أبلغوا إعجابنا مصر بما! ... بلغت في الفن من إحسانكم!
نحن لا ننسى لكم فضلكم! ... كيف ينسى الفضل من إخوانكم
إنما نشكو إليكم منكم! ... وحشة لم تخف عن أذهانكم
لم تغيبوا قط عن وجداننا ... كيف غبنا نحن عن وجدانكم
نحن نصلى نار حكم بلغت! ... منه شكوانا إلى آذانكم!
نحن في بلداننا في غربة! ... فتشوقنا إلى بلدانكم!
إننا نبني ولكن من يكن ... مثلنا يحتج إلى بنيانكم!
فأعيوننا على تحريرنا! ... تجدونا السيف في أيمانكم!
стр. 40
شوق إلى صديق كريم
راسلت بها الأخ "بوزيدي" الطاهر بن بلقاسم عندما غادرنا بالجزائر وذهب إلى بلده "برج طولقة" بعد أن عاد من منفاه "بجنين بورزق " بجنوب وهران:
قضى الله أن نشقى بتفريق شملنا ... فأسكنك الصحرا وأوطننا البحرا!
نفاك إليها قبل كرها فما اشتفى ... فساقك طوعا نحوها كرة أخرى
فقل لي: أأرض "زاب" أرضتك موطنا ... أم أنت بأرض "الزاب" لم تستط صبرا!؟
وهل بين أهل "البرح" ألفيت فتية ... سراعا إلى ما يكسب الحمد والفخرا؟
وهل فيهم من كاتب يسحر النهى! ... بآياته أو شاعر ينظم الدرا؟
وهل في شباب الزاب ذو وطنية ... يرى نهضة الأوطان غايته الكبرى؟
وهل فيهم من صادق الود مخلص ... لإخوانه لايعرف الختل والغدرا؟
فإنني لم أرض "لجزائر"موطنا ... وحقك إلا مرغم النفس مضطرا
ولا ملكت قلبي بروعة حسنها ... ولا بحرها الجذاب أنساني الصحرا
ولكن رأيت "الزاب" للضيم راضخا ... ومستسلما للبغي قد ألف القهرا
تمكن منه الخوف حتى حسبته! ... تجرد من إيمانه واكتسى كفرا
إلى أن رأينا "الزاب" للشيخ زوجة ... تزوجها كرها ولم يعطها مهرا
تزوج منها لاهيا ما بحبها! ... ويجعل بعد العسر من أمرنا يسرا
стр. 41
إذا ما شكت يوما له سوء عشرة ... بما نالني من زهد آبائه عذرا
فكيف يطيق الحر فيه إقامه ... أأمل فيه لو بقيت له خيرا
ففارقته والله يعلم أنني! ... أحس لذكراه على كبدي جمرا
ولا سيما نشء به قد تركته ... بربك يوما وهو يستعبد الحرا؟
فإن ناله مني جفاء فإن لي ... وسوء خلال منه أوسعها نهرا
فصبرا لعل الله يجمع شملنا ... ولكن ملا عندها ابتزه قسرا!
стр. 42
موكب الربيع
نشرت بالبصائر عدد ٢٢٠ السنة الخامسة السلسلة الثانية في ٢٠ جمادي الثانية عام ١٣٧٢ للهجرة.
قد تجلى لنا محيا الربيع! ... رافلا في ثياب حسن
وتولى الشتاء يعثر في أذياله ... مسرع الخطى في الرجوع
كان ضيفا على النفوس ثقيلا ... لم تجد يوم بينه بدموع!
كان للبائسين سوط عذاب ... إذ تولى بغصة في الضلوع
كان في القلب غصة ما شعرنا ... وأداة للفتك والترويع!
كم طريح على الثرى مات ... جوعا ويتيم على الطريق صريع
لم يذوقوا طعم الهناء نهارا لم ... يذوقوا في الليل طعم الهجوع
زمهرير يفري الجلود مذيب ... وثلوج تأتي بإثر صقيع!
ورعود لها هزيم مريع ... ودوي يصم سمع السميع
ذاك جيش الشتاء ولى كسيرا ... مذ أطلت عليه شمس الربيع
وتجلت فالكون دنيا من السحر ... لمغرب بكل سحر ولوع!
فالعصافير رجعت كل لحن ... يسترق النفوس بالترجيع
حضرت مأتم الشتاء لتشفى ... من جراحات قلبها المفجوع
وثبت من مخابيء الدوح ... نشوى تتناغى بالشدو والترجيع
стр. 43
وعلى هامة الخمائل إكليل ... من الزهر محكم الترصيع!
والمروج الخضر تختال عجبا ... أثوابا حبتها بها أكف الربيع
والسهول اكتست من العشب ... والروابي ضواحك بالزروع!
وعبير الأزهار يعبق في الروض ... فتشفى به جل الوجيع
فزمان الربيع أغنية الدنيا ... والسحر في جميع الربوع
فشا البشر والطلاقة والنشوة ... وعيد الورى ومهوى القطيع
وجلاء القلوب من صدى ... الهم وسلوى الحزين والمفجوع
ونشيد الهوى وينبوع إلهام ... ووحي للشاعر المطبوع!
ايه! هل فيك يا ربيع انعتاق ... لبني الضاد من حياة الخضوع
هل يرى المسلمون فيك خلاصا ... من أسار مضن ورق فظيع
لك شهس طلوعها مستمر. هل ... لشمس لنا اختفت من طلوع؟
стр. 44
وداع الربيع
كانت أمسية جميلة ممتعة تلك التي ودعنا فيها الربيع الحبيب في ربض "بوزريعة" الجميل، عند صديق كريم وبصحبة كاتب وشاعر، هما الأستاذ إسماعيل العربي والأستاذ عبد الكريم العقون فإلى الإخوة الثلاثة أهدي هذه القصيدة:
أي سر فصل الربيع حواه ... فغزا كل ذي فؤاد هواه؟!
مجتلي للجمال والحب والشعر ... وعهد الصبا وطيب جناه
قد تجلى الفصول بين كبدر ... إن تجلى أخفى النجوم سناه
مثل عهد الشباب ولى سريعا ... أو كيوم اللقاء كان مداه
ليته لم يغب سريعا ليروى ... كل قلب من الجمال صداه
ليت كل الزمان كان ربيعا ... ليت الفصول كان فداه
مذ أطل اكتسى الزمان شبابا ... وازدهى الكون في بديع حلاه
وأقامت لها الطبيعة عرسا ... رن في مسمع الوجود صداه
فابتسام الزهور فيض سرور ... وغناء الطيور سحرغناه!
وحفيف الأوراق وسوسة الحلي ... وعرف الزهوو طيب شذاه
وتثني الأغصان رقص عذارى ... كلما نقل النسيم خطاه!
ومروج النبات والزهر بسط ... متى غرد الهزار حكاه ... !
أبدعت وشيه مغازلة الشمس ... كل سهل به بساط كساه ... !
стр. 45
وصفوف الأدواح تحكي عروشا ... وحاكت يد الغيوث سداه
وخرير الأنهار أنغام أوتار ... لم تعفر أمامهن جباه!!
كل ما في الربيع جالب أنس ... لأخى البؤس طارد لأساه!
فكأن الربيع بعث حياة! ... أو طبيب تأسو الجراح يداه
أو تباشير من منى أو ... أفانين نعيم لا تنتهي دنياه!!
يا مراد الأحلام يا مهبط ... الإلهام يا نفحة الخلود لقاه
يا مجالي الصفاء والأنس يا ... مهوي نفوس القطيع يا مرعاه!
يا مثار الإحساس للشاعر ... الشادي ومرمى أنظاره وعزاه
إن تغب فانتظار قلبي للقياك ... ولو بعد طول عهد مناه
نشرت بمجلة "إفريقية الشمالية"
стр. 46
ثورة الطبيعة، أو الخريف يودع
حال لون الرياض بعد ازدهار ... وتمشي الذبول في الأزهار
وبدت وحشة الخمائل لما، ... فارقتها سواجع الأطيار
وتعرى وجه البسيطة مما ... كان يكسوه من حلى النوار
وعرا صفحة السماء عبوس! ... فهي ترمي من غيظها بشرار
وتفشي الشحوب في ورق الغصن ... وجفت نضارة الأشجار
تلكم ثورة الطبيعة قد ... ذادت عن الكائنات كل قرار
إنها الثورة التي تنذر الكون ... بأن الخريف في إدبار!
إنها طلعة "الشتاء" وما اسمج ... مرآه الشتاء في الأنظار
إن مرآه كالشجى في حلوق الناس ... أو كالقذى على الأشفار
يا زمانا مضى سريعا وولى ... بأماني للنفوس كبار!
فيك أنس الأديب إن ضاق ... بالناس وسلوانه من الأكدار!
فيك للشاعر الذي ينشد الحسن ... مثال من ورقة الأشعار!
فيك للموجع الحزين جلاء ... النفس مما تشكوه من أضرار!
فسلام حتى تعود إلينا، ... بعد عام فنحن في الانتظار
نشرت في البصائر
стр. 47
يا زهرة !
يا زهرة هي ملهى ... لأنفس مكروبه!
وسلوة لشجى ... تذود عنه خطوبه
أفديك همزة وصل ... بين القلوب الكئيبه
أفديك قطرة غيث ... على العقول الجديبه
أفديك مبعت أنس ... لكن نفس حبيبه
لكنما فيك ذكرى ... بغيضة مرهوبه!
ذكرى الشباب المفدي ... يذوى ويبدي شحوبه
تقضى عليه سريعا ... آجالنا المكتوبه!
نشرت في البصائر
стр. 48
أشتاء ذا أم الصيف أظلا ؟
يوم من أيام الشتاء أشرقت شمسه دافئة حارة منعشة! كأنه فر من أيام الصيف أو انفلت من موكب الربيع مما أوحى إلي بالقطعة التالية:
أشتاء ذا أم الصيف أظلا ... فتجلى البشر واليأس تولى
بث في الجو سريعا دفئه ... أم ربيع بمحياه أطلا؟!
يا له يوما تناسينا به ... ما دهى من عنت الدهر وجلا
شمسه أنحت على البرد فلم ... تبق للبرد ولا للثلج ظلا!
هزمت كل سحاب فانجلى ... ومحت كل ضباب فاضمحلا
وتناسى كل عار همه ... وانتشى كل فقير وتسلى
حبذا الشمس حياة وسنى ... وعزاء لأخي البؤس وظلا
نشرت بعدد ٢٥ من البصائر، في ١٩ ربيع الثاني ١٣٦٧ للهجرة.
стр. 49
متى يبدأ الربيع ؟!
عصافير هذى الرياض اصدحي
وغني نشيد المنى وافرحي،
وعبي رحيق الهوى وامرحي،
فإنك في مهرجان الربيع
ففي مهرجان الربيع الجديد!
يطيب الغناء ويحلو النشيد!
فغني بكل نشيد بديع
فإنك في مهرجان الربيع
أقيمي على الشدو ولا تفتري
وطوفي على الأرج المسكر
وطيري إلى كل أوج رفيع
فإنك في مهرجان الربيع
سئمنا حياة الأسى والألم
فغني لننسى دبيب السأم
وننسى أسانا المرير الفظيع
فإنك في مهرجان الربيع
стр. 50
ألا تبصرين ابتسام الزهر؟
ألا تشعرين برقص الشجر؟
فإن لم تغني لقلب صريع،
فغني احتفالا بعيد الربيع
ولكن ألا تسمعين الصراخ؟
لهدم البيت ليتم الفراخ
لخطب مريع لموت ذريع
فكيف تغنين لحن الربيع؟
وذا بلبل طار من وكره!
وفر لينجو من أسر!
فلم يبق أي ملاذ منيع!
فكيف تقيمين عيد الربيع؟
إذا ما انجلت غمرات الخطوب
وحل السلام محل الحروب
فلا من دموع ولا من نجيع
هنالك يبدأ عيد الربيع
стр. 51
منظر !
يا له منظر كسا الكون سحرا ... وسرى في شعاب نفسي عطرا
ومشى في دمي حياة وفكرا! ... وجرى في فمي خيالا وشعرا
**
قد صفا الجو من سناه وأشرق ... وأديم السماء فيه ترقرق!
فكأن السماء نص تدفق! ... وعليه الهلال يطفو كزورق!
**
ضوا الليل والنهار استنارا، ... فكأن الدجى استحال نهارا
فشخصنا نحو السماء حيارى ... ننشدا الليل أين ولى وسارا
وإذا بالهلال فيها تجلى! ... برداء من سحره قد تحلى ...
قال: تدورون بالدحى أين ولى؟ ... قد توارى مني حيا واضمحلا
стр. 52
أيها الطود !
إن أعظم ما تبرر فيه عظمة الكون ويتجلى فيه جمال الطبيعة: البحر والصحراء والجبل.
وقد تقدم خلال قصائد هذا الديوان وصف البحر والصحراء.
وهذه قصيدة في عظمة الجبل خاطب فيها الشاعر جبل (الضاية) - بوسوى- من وراء قضبان المعتقل إبان حرب التحرير:
أيها الواقف المطل على ... الدنيا برأس متوج بالإباء!
يتحدى الردى ويهزأ ... بالإعصار والعاصفات والأنواء
لا يبالي صرف الليالي ... ولا يحفل بالحادثاث والأرزاء
أيها الطود ليت لي منك ما ... أوتيته من مناعة واعتلاء!
ليتني كنت- أيها الطود- حرا ... من قيود قد حطمت كبريائي
ليتني كنت منك قطعة صخر ... لا تحس الغرور في الأدعياء
وإذا ما الرياح مرت عليها ... رمقتها بنظرة استهزاء!
ليتني كنت منك حبة رمل تتهادى في حلة من ضياء!
وتلاقي غذاءها من ندى ... الفجر ومن صيب الحيا والهواء
وتغنى الأثير بالهمس لحنا ... أزلي الأنغام والأصداء
ليتني كنت منك- يا طود- ... جزءا مستقرا في القمة الشماء!
ليتني كنت لا أبالي بما يجري ... حوالي من ضروب البلاء
стр. 53
أيها الطود أيها الجبل ... الموحي جلال الخلود للشعراء
أيها المارد الذي يتحدى ... كل هول بالتيه والخيلاء!
أيها القوة الكبيرة يا نبع ... قصدي ويا معين غنائي
أنا في هذه الحياة شقي ضاق ... ذرعا بما بها من شقاء
أنا فيها عبد لأطماع ... نفسي مستذل لسلطة الأهواء
أنا نهب لكل داء ومرمى كل ... سهم من نافذات القضاء
فامنحيني منك الثبات فآلام ... جروحي قد مزقت أحشائي
وهبيني من قوة الروح ما ... أسمو به فوق هذه الأدواء
من ذراك المنيعة ابثق النور ... على التائهين في الظلماء
وتوالي الهتاف بالخطة المثلى ... من الثائرين والأنبياء
لم تزل مبعث الرسالات والثورات ... مثوى الأبطال والزعماء
أيها الطود قد بثثتك آلامي ... فهل أنت سامع لندائي؟
стр. 54
الثلج !
ماذا أرى فوق الجبال ... كأنه الثوب القشيب؟
ماذا أراه من البياض ... كأنه الشيب المهيب؟
عجبا أرى! حتى الجبال ... الشم يدركها المشيب!
أم ذاك موج البحر يكسو ... غارب الطود السليب
عجبا أيعلو الموج حتى ... ذروة الجبل الرهيب!
أم ذاك زهر الأقحوان ... كأنه الثغر الشنيب!
كلا فإنا في الشتاء الجهم ... في الفصل الجديب!
ما ثم من زهر ولا ... عشب ولا مرعى خصيب؟!
أفما سمعت الطير يعلن ... مأتم الكون الكئيب؟!
أو ما رأيت الغيث ... يبكي والرياح لها نحيب!
أفما تحس الموت في ... جسم الحياة له دبيب؟
ماذا البياض إذن- ككافور ... حكى خد الحبيب!؟
ألأن هذا الكون مات ... وذا له كفن وطيب؟!
لا فالحياة لها البقاء ... وغصنها أبدا رطيب!
وإذا نضت أثوابها ... فلكي تنام بلا وجيب!
ماذا البياض إذن- وماذا ... ثم من سر عجيب؟
لا سر يخفى ثم لا ... لغز ولا شيء غريب!
لا ما يدق ولا يشق ... على الغبي ولا الأريب
стр. 55
ما ثم إلا صورة للحسن ... ليس لها ضريب!
ما ثم إلا بسمة ... الأقدار للأمل القريب!
ذاك ابتسام الثلج ... يوحى بالروائع للأديب
стр. 56
زهرات !
زهرات تبسمت في حبور ... لانتصار السنا على الديجور
وأشارت إلى الصباح تحييه ... تحايا المظفر المنصور!
بعبير طوت عليه حناياها ... وباحت بسره للطيور
فهي تشدو بكل لحن شجي ... في انتشاء كالشارب المخمور
وتناجي الزهورنجوى محب ... مستهام متيم مهجور!
زهرات كأنهن العذارى ... في خدود تضمخت بالعطور
وثغور تبسمت في ازدهاء ... أي سحر مثل ابتسام الزهور؟
وعيون تحيي القلوب وترديها ... بما في جفونها من فتور
وقدود تميس تيها إذا ما الريح ... مرت بذيلها المجرور!
وإذا ما الفراش خف إلى أحضانها ... هائما بخمر الثغور!
زهرات نمت حيالي مثالا ... من جمال وألفة وسرور!
سوف أرعاك -يا زهور- كجارات ... حسان من كل باغ غدور
وأناجيك في صباحي وإمسائي ... وعند الضحى وعند البكرور
وإذا لم يكن جمالك يصبي ... كل قلب، لا تغضبي لا تثوري
كم نفوس تسعى بغير حياة ... وقلوب تحيا بغير شعور!
стр. 57
شجرة !
شجرة ناضرة مخضره ... إلى النفوس تبعث المسره
قامت حيال غرفتي في "المعتقل " ... مختالة كأنها طيف الأمل
ذات قوام فارع جذاب! ... يأخذ بالأبصار والألباب
أغصانها كأذرع الحسان ... تهم بالضم والاحتضان
لا غرو إن هام بها النسيم ... فمثله بمثلها يهيم!
أوراقها مثل صغار الطير ... منظرها يطرد كل ضير!
لذا أوت أسرابها إليها ... وأودعت أفراخها لديها
والشمس من عشق لها لما تزل ... تغمرها -كل صباح-بالقبل
والناس قد تفيؤوا ظلالها ... والشعراء استلهموا جمالها
سلمت- يا شجرتي- من الغير ... ولا عراك سقم ولا كبر!
ولارميت بشقاء الغربه ... فقد لقيت منه كل كربه
стр. 58
أسيرة الطير
يا أسرة الطير مرحى ... شيدت للبر صرحا!
أذهبت عن كل قلب! ... بسحر صوتك برحا!
كل النفوس الحزانى ... غدت بشدوك فرحى!
لا سيما نفس حر! ... بصدمة الظلم قرحى!
يبيت يشكو أساه ... ويشرح الهم شرحا!
داوي بشدوك نفسا ... بأسهم البيان جرحى!
فإن شفيت جروحي ... هتفت: يا طير مرحى!
стр. 59
ابنتاي
من مناغاة الطفولة
تبوأتما مهجتي يا ابنتيا! ... ولازم طيفاكما مقلتيا
أرى البيت روضا بشخصيكما ... وإن غبتما كان سجنا عليا
وأسمع صوت الحياة الرخيم ... إذا مس صوتاكما مسمعيا
وأبصر شمسي جمال متى! ... يقابل وجهاكما ناظريا
متى عدت للبيت أقبلتما ... قطاتين خفاقتين إليا
تقبل إحداكما وجنتي ... وتلثم أخراكما شفتيا
وكلتاكما تتشبث بي! ... وتثني على عنقها ساعديا
أماشيكما كصديقين لي! ... وهل أنتما غير ذاك لديا
وأدخل للبيت في نشوة ... عظيم السرور بما في يديا
هنالك تسكن نفساكما! ... بقربي وتسكن نفسي مليا
وأنسى متاعب يومي فلا ... أحس بها بعد ذلك شيا
ويعقد ما بيننا مجلس! ... يعد مثالا من الود حيا
فما فيه من أثر للنفاق ... يشوه وجه الوداد الوضيا
وما فيه ذو هيبة في الخطاب ... ولا ثم تلفى لسانا عييا!
إذا فاه أصغرنا خلته! ... "وأن لم يبن " شاعرا عبقريا!
فما كالطفولة من بلسم ... لقلب غدا بالحياة شقيا!
ابنتي متعتما بالحياة! ولا زلتما إن دجت نجمتيا
стр. 60
أنا وابناي
الرسالة ١٥ فبراير ١٩٣٧م
أوحى إلي بهذه القصيدة ما قرأته للشاعر "محمود غنيم "
من قصيدته في ابنيه وهذه هي القصيدة:
وأطيب ساع الحياة لديا! ... عشية أخلو إلى ولديا!
إذا أنا أقبلت يهتف باسمي ... الفطيم ويحبو الرضيع إليا!
فأجلس هذا إلى جانبي! وأجلس هذا على ركبتيا!
وأغزو الشتاء بموقد فحم! ... وأبسط من فوقه راحتيا
هنالك أنسى متاعب يومي ... كأني لم ألق في اليوم شيا
وأحسبني بين طفلي "شاها" ... وأحسب كوخي قصرا عليا
فكل طعام أراه لذيذا! ... وكل شراب أراه شهيا
وما حاجتي لغذاء وماء! ... بحسبي طفلاي زادا وريا
وأية نجوى كنجواي طفلي ... يقول: أبي وأقول: بنيا
ويا رب لغو يفوه الصبي ... به فيكون حديثا شجيا
وأفصح من أفصح الناس طفل ... أراد الكلام فكان عييا
هنا أستعيد قديم حياتي ... وأرجع أطوي الليالي طيا
فأنسى عذاري وأنسى وقاري ... وأحسب أني عدت صبيا
أيا ابني أحبب بما تتلفان! ... وأهون بما تكسران عليا
стр. 61
يصونكما الله من حادثات ... الزمان ويبقيكما لي مليا
ويكفيكما الله شر البكاء ... ويحفظ من وقعه أذنيا
أمن كبدي أنتما فلذتان ... أم أنتما حبتا مقلتيا؟
ألا ليت شعري أتمتد بي ... حياتي فأجني غرس يديا!؟
وأشهد طفلي ييفع ثم ... يشب ويصبح شهما أبيا!
أبوك امرؤ من رجال الكلام ... فكن أنت يا ابني امرأ عمليا
فما احتقر الناس إلا الأديب ... ولا احترم الناس إلا الثريا
стр. 62
عصفورة !
من حصاد السجن
عصفوة مرت على غرفتي ... تشدو بلحن ساحر النبرة
والناس صرعى النوم لم يفطنوا ... كأنهم- بالنوم- في سكرة!
مرت تغني فاستشارت جوى ... قليي وأشواقي لعصفورتي
عصفورة تشبهها روعة ... في الوثب والتغريد والصورة
عصفورتي إن جئت أرض الحمى ... وشمت بيتا قد حوى صبيتي!
كوني رسولا صادقا للتي ... تحية الطل إلى الزهرة!
قولي لها: لا تهلكي بالأسى ... ولا يذب قلبك بالحسرة!
وابتسمي -كالزهر- لا تعبسي ... واحتفلي بالعيد في غبطة
أبوك مازال حليف الوفاء ... حاشاه أن ينساك في الغربة
بوجهك السابح في طهره! ... يحلم في النوم وفي اليقظة!
وسوف تأتي ساعة الملتقى ... لا بد للغائب من أوبة!
стр. 63
أنت !
من حصاد السجن
أنت عبير الزهر في روضة ... أثملها الفجر بخمرالندى!
أنت عناء الطير في أيكة ... ترقص للطير إذا غردا
أنت رفيف القلب في قبلة ... منعشة تطفيئ حر الصدى!
أنت دبيب البرء في مهجة ... كادت تلاقي من أساها الردى
...
أنت أمان الأنفس الخائفه ... والهول يدنو من حماها خطاه
أنت خيالات رؤى سالفه ... ما بين إقبال وعز وجاه!
أنت وميض اللمحة الخاطفه ... من أمل حلو لذيذ جناه!
أنت ظلال الواحة الوارفه ... أوي إليه من هجير الحياه!
...
أنت جمال الكون في ناظري ... لولاك لم أبصر جمال الوجود
أنت أربح الخلد في خاطري ... لولاك لم أعرف معاني الخلود
أنت سماء الوحي للشاعر! ... ينهل منها كل معنى شرود
أنت لذيذ النوم للساهر ... قد ذاد عنه الهم طعم الهجود
стр. 64
أنت وجيب الحب في خافقي ... لولاك لم يعرف فؤادي الغرام
كصوفي في حبه صادق ... يهجر في الله جميع الأنام!
"يا فوز" لم تقض مني عاشق ... ولا انجلى ليل الخطوب الجسام
هل أبصرت عيناك من بارق ... يشفى فؤادينا بنيل المرام!؟
стр. 65
إلى ولدي: رجاء
من حصاد السجن
"يا رجاء" النفس يا أقصا مناها ... يا حبيب الروح يا كل هواها!
يا نشيد القلب في أفراحه ... يا حياة الحب يا طيب جناها!
يا عزائي في شقائي يا هدى ... مهجتي إن أظلم الخطب دجاها
يا رفيف الروض يا همس الربا! ... يا دنى الأحلام يا سحر رؤاها
يا جمال الزهر في رأد الضحى ... يا ندى الأسحار يا عطر شذاها
لا تدع حزنك يرديك فكم! ... قرب الحزن نفوسا من رداها
وتجلد فأمانينا على وشك ... أن يسطع في الأفق سناها
وستلقاني فتنسى كل ما! ... ذقت من حرب الليالي وأذاها
في بلاد سوف تغدو جنة ... تجد الأنفس فيها مشتهاها
فترقب فجر يوم مشرق ... ينجلي فيه عن النفس أساها
стр. 66
وقفة على نهر الرون
من ذكريات ما وراء البحار
أمامي جمال يروع النظر ... وما بفؤادي له من أثر!
جمال ولكنه زائف! ... لقبح وراء الجمال استتر!
كحسناء لكنها مومس ... رصيد الكمالات فيها هدر
ورقطاء ملمسها ناعم! ... ولكن بفيها هلاك البشر
فإني أحس لهذا الجمال ... بقلبي وخزا كوخز الإبر!
هنا أمة ظلمت أمتي! وسامت بنيها شقاء العمر
وساست حكومتها موطني ... بأنظمة تتحدى القدر
وعاشت مثالا لسلب الحقوق ... ووأد العقول وخنق الفكر
فثارت عليها جميع الشعوب ... ودارت عليها ضروب الغير
وباتت تقاسي المصير الوبيل ... ويفزعها الفشل المستمر
وللبغي عقبى انهيار الديار ... وهدم البلاد وطمس الأثر
إذا طفحت بالشرور النفوس ... فماذا يفيد جمال الصور!؟
стр. 67
إلى أولادي !
من حصاد السجن
ما يبن أولادي يقيم فؤادي! ... لا خير في عيش بلا أولاد!
أبني ما ذكر يمر بخاطري! ... لسواكم في يقظتي ورقادي
قد عشت ذكركم نجى مشاعري ... وغذاؤها في غربتي وبعادي
فارقتكم فإذا الحياة جميعها! ... في ناظري قد جللت بسواد
لكن فرقتكم يهون وقعها! ... إنني أفارقكم لأجل بلادي
الله يرعاكم إلى أن نلتقي! ... وننال بالتحرير كل مراد
стр. 68
إلى أبي
من حصاد السجن
حياتك كلها كانت كفاحا ... مريرا قد جنيت به النجاحا!
فكنت أبا مثاليا حكيما ... به نلت السعادة والفلاحا!
وكنت أخا كريما أريحيا ... يبادلني الفاكهة والمزاحا!
وكنت معلما يقظا تقيا ... يقلدني من التقوى سلاحا!
يعلمني المكارم والمعالي ... ويهديني الفضيلة والصلاحا
حنانك كان في بؤسي عزاء ... ورأيك كان في ليلي صباحا!
فتحت بصيرتي وأنرت نهجي ... فسرت إلى الكمال خطى فساحا
ويوم فقدت أمي كنت أمي ... تواسيني وتنسيني الجراحا
فليس أحق منك بصفو ودي ... ولا أولى احتراما وامتداحا
وإن قصرت في شكري وبري ... ففضلك يفحم اللسن الفصاحا
سألت الله أن تبقى وحسبي ... بقاؤك لي رجاء واقتراحا
ليحظى ناظري بسنا محيا ... مددت به إلى الجوزاء راحا
стр. 69
الإخوان بلسم الأحزان
من حصاد السجن
مهداة إلى الأخ الكريم الأستاذ إسماعيل إسماعيل
بمناسبة إلحاقه بنا إلى معتقل "بوسوى" القديم.
اصدحي يا بلابل الأدواح ... لعناق القلوب والأرواح!
أنشدي لطلوع نجم من الصحب ... نشيد السرور والارتياح
ينجلي الهم باجتماعي باخواني ... كما ينجلي الدجى بالصباح!
ليس كالأصدقاء في الخطب ... والأيام بالأصدقاء جد شحاح
ظفرت راحتي بإخوان صدق ... ووفاء كانوا أداة نجاحي!
بعد ما غاب "خالد" ... إسماعيل يأسو كآبتي وجراحي
وإذا كانت الحياة كفاحا ... فالصديق الكريم خير سلاحي
стр. 70
ربيع ١٩٦٢م
على أثر إعلان الاستقلال
راسلت بهذه القصيدة، وأنا لاجيء في مدينة "سطيف " أحد الأصدقاء ١ في الجزائر- العاصمة- على إثر إعلان الاستقلال الذي زاد في ضراوة المنظمة السرية للمستوطنين الفرنسيين المسماة "الواس" وضاعف من وحشيتها وأصبحت "الجزائر" عبارة عن مجزرة رهيبة هوجاء.
جاء الربيع ومن أحب بعيد! ... ما للذي فقد الأحبة عيد!!
أحباب قلبي فرقتهم زعزع ... فبكل أرض لاجىء وشريد!!
تركوا "الجزائر" لا عقوقا إنما ... هجروا الحياة يسودها التهديد
والطير تهجر وكرها إن أبصرت ... من حولها رامي السهام يصيد!!
جاء الربيع ولم تزل أرض الحمى ... "بالنازلات الماحقات " تميد!!
والأفق موار الجوانب باللظى ... والهول يندر والبلاء شديد
وبكل مدرجة دم لمجاهد ... وأريح قبر قد ثواه شهيد!
وبكل نفس لوعة مجتاحة ... وبكل قلب للأسى ترديد!
يا إبن الأسى هل في ربيعك نفحة ... تشفي الأسى وإلى الحياة تعيد؟
هل في ربيعك ما يبشر بالمنى ... فيعود عهد للبلاد سعيد؟
عهد تكون به "الجزائر" حرة ... لا سيد من غيرها لا "سيد"
إني لأومن بانتصار كفاحنا ... ونجاح من حمل السلاح أكيد
فبلوغ الاستقلال صار عقيدة ... من شك فيه فإنه لبليد
إني لأنشق في الزهور عبيره ... فالروض ينشر عرفه والبيد
стр. 71
وأحس في شدو البلابل لحنه ... فالبلبل الشادي به غريد
لكن عدمت تصبري عن موطن ... ناء أدين بحبه وأشيد!
فيه تركت أحبة شوقي لهم! ... ينمو على طول المدى ويزيد
كانوا ملاذ القلب ألفى عندهم ... ما ابتغيه من المنى وأريد
ودعتهم وتركتهم لعدوهم ... وعدوهم مستهترعربيد!
يفاتن في تعذيبهم ليصدهم ... عما قضى فيه الكرام الصيد
ويهيج سورته رباطة جاشهم ... فجميعهم صعب القياد عنيد
يمضون كالأسد الغضاب إلى ... الوغى ما فيهم وكل ولا رعديد
عركوا الخطوب فلم يكن ليردهم ... بطش الطغاة ولو فنوا وأبيدوا
جاء الربيع وفي "الجزائر" مأتم ... في كل دار والسرور طريد
لم يبق بيت لم يودع راحلا ... للقبر أو لم يبك فيه فقيد!
أو لم يرع بالزوج فيه أيم!! أو لم يصب باليتم فيه وليد
فالزهر يبسم والقلوب كئيبة ... تبدى الأسى من شجوها وتعيد
ليس الربيع ربيع روض مزهر ... للطير في جنباته تغريد
إن الربيع لفي الفؤاد يظله ... أنس وعيش بالهناء رغيد
إن لم تشع من القلوب سعادة ... فالكون سجن ليس فيه سعيد
يا "خالد" الأدب الصميم لقد دنا ... يوم الجزائر هل لديك نشيد؟
ان لم تكن يوم التحرير شاعرا ... فلأنت عن ساح القريض بعيد
يوم التحرر يوم عيد شامل ... فيه يقام بكل دار عيد
стр. 72
إن رمت أن تجني الخلود فهذه ... ساحاته فاهتف فأنت مجيد
هات القصيد الفذ هذا يومه ... ما كل يوم يستجاد قصيد
قد أشرق الأمل العظيم فلم يعد ... يسع المقصر عذره ويفيد
أيشح شعرك عن بلاد طالما ... جادت عليها بالنفوس الغيد؟
فابعث هناك من "الجزائر" صيحة ... نسمع صداها فالرياح بريد
стр. 73
محياك
محياك مشرق الهاميه ... ودنيا لحوني وأنغاميه
ومبعث أنسي وبهجة نفسي ... وسلوى همومي وآلاميه
وروض قريضي وافق خيالي ... ومسرى مناي وأحلاميه
رضيتك من دون كل الورى ... ملاذا لأشواقي الناميه
علام تصديت لي بالصدود وأصليتني ناره الحاميه؟
علام تحديتني بالجفا ... وجرت على روحي الظاميه؟
علام تساعد جور الزمان ... ولم ترث للأدمع الهاميه؟
هلم لتحيي فؤادا ذوى ... ، ... وتأسو جراحاته الداميه
هلم فقد جف نبع القريض ... وكدت أحطم أقلاميه
هلم فليل الخطوب انبرى ... إلي بأمراجه الطاميه
هلم فوجهك بدري إذا ... تبدى يبدد أظلاميه
هلم فأنت ندى الفجر إن ... ألم يفتح أكماميه
تعال كفاني فقد بح صوتي ... وكلت من السير أقداميه
стр. 74
يوم ميلاد
من حصاد السجن
لقيني المجود البارع الاستاذ دليل مقران في مفتتح أكتوبر فقال لي:
اليوم يوم ميلادي فكانت القطعة التالية من وحي هذه الكلمة.
قال لي: اليوم يوم ميلادي ... فقلت: أهلا بالوليد الجديد!
وإنما أنت رهن أصفاد ... فإن تحررت فأنت الوليد!!
قال لي: الأيام غداره! ... تودعني في قفص من حديد!
وكل من يعلن أفكاره! ... فهو لدى الأيام خصم عنيد!
قلت له: إن كنت شهم الفؤاد ... فما تبالي أي باغ مريد!
وليس كالإيمان أقوى عتاد ... يبلغنا من دهرنا ما نريد!
قال لي: الإيمان لا يقتنى ... لكنه منحة حظ سعيد!
قلت له: بالحزم لا بالمنى ... قد أدرك الناس المرام البعيد
يا صاحب الصوت الندى الرخيم ... وصاحب الخلق الرضي الحميد
رتل لنا آي الكتاب الحكيم ... فهي ملاذ للوجود الشريد
وأفتتح المصحف من حينه ... يرتل الآي بصوت مديد
فانتعش الكون بتلحينه ... ومات فيه كل حزن شديد
стр. 75
عيد ١٩٦٢م
يا عيد فيك عبق ... من المنى وألق!
فيك سنا الفجر بدا ... وسيزول الغسق
فجر وإن كان به ... من الدماء شفق
دماء أبناء الحمى ... بكل درب تهرق
ولحمهم على الثرى ... منتشر ممزق!
والوطن الغالي بأرواح ... بنيه يعتق!
والموت من أجل الحياة ... بالأباة أخلق!
يا عيد فيك أمل! ... له القلوب تخفق
تحرر الأوطان فيك ... غاية تحقق
فليعشق أعداء الحمى ... فإنهم قد أخفقوا
يا موطني الغالي ... الذي، أحبه وأعشق
يا من له بكل فرد ... من بنيه فيلق!
عدوه إذا رآه ... من بعيد يصعق!
ليهنك اليوم الذي ... شمسك فيه تشرق
أنعم بيوم يجد ... الراحة فيه المرهق