Полный текст (714 стр.). Показаны 701–714 · переход к 706.
стр. 701
عزلة
صدم نفسي الصخب المعربد، وصدع رأسي الفضولي المستأسد، في حجرة مخثنقة الأنفاس، بازدحام الناس، يفعمها دخانا خمسون إنسانا، ويملأها ضجيجا خمسون لسانا، فخرجت أطلب لي في العزلة أمانا، فلم تتح لي إلا بعد جهد جهيد، وبحث شديد، إذ كلما جلست مجلسا ظننته منعزلا سقط علي فيه من لا يسعني طرده، ولا أرتاح إلى ظله.
وعندما ظفرت من الفراغ بلحظات محدودة، فوجئت بما ردني إلى صوابي، ونبهني إلى خطئي في ضيقي بالناس، وضجري بالضوضاء، لقد وجدت في العزلة ظلا من السكون، ولكنه من السكون الذي يحرك الشجون، فقد أتاح لي جو العزلة أن أفكر، وأتاح لي التفكير أن أعرف، ولكن معرفة ما ينغص علي عزلتي، ويضاعف قلقي، وإن هداني إلى الحقيقة المرة التي يجب أن أعرفها، ولو أقضت مضجعي، وشردت النوم عن عيني، وأطارت الهدوء من نفسي، عرفت تفاهة الحياة، وزيف الأحياء، وعرفت مع ذلك أنني مرغم على أن أحيا هذه الحياة مع هؤلاء الأحياء مرغم على أن أعود إلى الصخب الذي منه فررت، والفضول الذي به ضقتط وإذا وجد ما يحرر من هذا الرق، ويخلص من هذا السام، فهو الموت الذي يعالج الألم بالألم، وينسخ الوجود بالعدم، ويقدم بنا على عالم مجهول، يكتنفه غموض مهول، جعلنا نلج من الموت فرارا، ونرضى بالحياة اضطرارا، وهكذا خرجت من عزلتي القصيرة، بتجربة خطيرة تكون لي في فترات ضيقي بالحياة خير ذخيرة، وهي أن الحيا كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتفرق، هي لقاح من خير وشر، ومزيج من حلو ومر، وأن من قضي عليه بأن يحيا هذه الحياة لا بد أن يبلو خيرها وشرها، ويذوق حلوها ومرها.
وإن الذي يحسب الحياة خيرا بلا شر، وحلوا بلا مر، لهو الذي جهل الحياة ولم يهتد فيها إلى سر، رحماك اللهم، ما أجل حكمتك، وأعظم قدرتك، وأسمى تدبيرك ...
стр. 702
القلم !
أنت صديقي العزيز يا قلم، كم أزحت بك من ألم! وأطرت من سأم!!
وكم جلوت بك للشعر عرائس، وخططت على الورق حدائق، كم قطفت بك من رياض الكتب أزهارا. وجنيت من بساتين الأفكار ثمارا. كنت لي خير شفيع إلى من أحب. ونعم الترجمان عما أكن.
كم حفظت بك من ذكريات، وسجلت من مشاهد، ودونت من معارف.
إن سنك -يا قلم- لأعظم قدرا، وأكبر جدوى من سن المحراث فإذا كان المحراث يقوت بطونا، فأنت تقوت عقولا، ولئن كنت دون المحراث حجما، وكنت منه أضعف جسما، فإن فيما تنتج من بدائع الفكر، وروائع الفن، وحقائق العلم، لأعظم دليل على أن الأشياء لا تقوم بكبر الأحجام وعظم الأجسام وإنما تقوم بالنتائج والآثار، وإنك لأعظم في الأثر، وأجل في الخطر، من المطر، وأخلد على الزمن، من الزمن، لله أنت -يا قلم- لولاك لما كان للبشرية تاريخ، ولما اتصل ماضيها بحاضرها، ولما انتفع آخرها بتجاريب أولها، لله أنت -يا قلم- تغمس منقارك الذهبي في المادة السوداء، ثم تسعى على الرقعة البيضاء، فتأتي بالمعجزة الكبرى.
إذ تخلق كائنات حية عجيبة تتكلم وهي صامة، وتخبر عن قديم العصور وسحيق الدهور، وتتحدث عن اكتشافات الفلك، واختراعات العلم، وابتكارات الشعر، ودقائق الفلسفه، فتجعل من الورق روضة للعين، ونزهة للقلب ومدرسة للفكر، وتراثا خالدا تتداوله الأيدي، وتتوارثه الأجيال ...
لله أنت يا قلم، إذ أراك تسبق الرصاصة إلى الطريق.
فإذا كانت الرصاصة قدحت زناد الثورة، فأنت خططت برامجها ورسمت أهدافها فكنت صاحب الخطوة الأولى في طريق التحرير ...
стр. 703
ورقة !
أحببتك -يا ورقة- كما يحب الفلاح أرضه الطيبة.
فأنت أرضي الطيبة الخصبة التي أبذر فيها حب قلبي، فتنبت الثمار الشهية التي تغذي القلوب، وتوقظ المشاعر، وتضمد الجروح، وتطفئ اللواعج، أحببتك، يا ورقة، كما تحب الحسناء مرآتها التي ترى فيها وجهها، فأنت مرآة قلبي التي أرى فيها ما يمور فيه من آمال وآلام، وأشواق وأحزان، وصحو وضباب، ونور وظلام، أحببتك، يا ورقة، كما يجب الطفل لعبته المفضلة، التي يجد فيها هوى نفسه، فيقضي معها معظم وقته، فأنت هوى قلبي، وموضع حبي، وهوايتي المفضلة، أحببتك، يا ورقة، كما يحب الشاعر صفحة السماء، وأديم الماء، وكما يحب العليل المسهد وجه الصباح المشرق، أنت، يا ورقة، بيضاء كقلوب الأطفال، نقية كسرائر الأنبياء، رقيقة كعواطف الشعراء، ناعمة كأحضان الأمهات، لهذا، يا ورقة، أودعتك ما يكنه قلبي من أشواق، وائتمنتك على ما يحويه صدري من أسرار، وبثثتك ما تعانيه نفسي من آلام، واتخذتك صديقا، واصطفيتك نجيا، ورضيت بك نصيبا من كل هذه الحياة ...
стр. 704
فراشة !
لله أنت، يا فراشة، جسم ضعيف، وإهاب لطيف، وجناح شفيف، ولكن أثرك في النفس كبير، وإيحاؤك للقلب عميق، وصورتك للعين باهرة، من أين أقبلت، يا فراشة؟
من روض غني با لزهور والعطور خارج أسوار هذا السجن؟
أم من هذه الأصص الصغيرة المرصوفة المكونة من علب الصفيح، التي زرعتها ونسقتها وألفت من مجموعها روضا حاليا بالزهر، نافحا بالعطر، أنامل بستانيين مهرة من هؤلاء المحكوم عليهم بالحرمان من أوطانهم، والإقامة في هذه الرقعة الصغيرة المسورة بالأسلاك المحروسة بالجند، التي تسمى المعتقل؟
ومن أي شيء صاغ الله إهابك هذا اللطيف، وجناحك هذا الشفيف؟
من نعومة الحرير، أم من نضرة الزهور، أم من رقة الخدود والنحور؟
وما هذا التطواف الدائب الذي لا يقف ولا يفتر، بكل باسم من الزهر، أو حال من الشجر، أو زاه من العشب، كأنما أنت عاشق لا يمل قرب من يحب، ولا يرتوي
صداه من النظر إليه، ولا تشبع نهمته من لثم شفتيه؟
لله أنت، يا فراشة، ما أبدع تكوينك، وما أروع سحرك وما أحبك إلى النفس الحساسة المولعة بكل رائع جميل، فكأنما لفرط رقتك وشفافيتك وسحر ألوانك، وخفة حركتك، وسرعة تنقلك، قطعة ملونة متموجة مضطربة من الهواء الرقيق المنعش، لا يراها إلا شاعر بعين الخيال، ...
стр. 705
الصديق !
أين مني ذلك الصديق الممتاز:
الذي يوجه خطوي، ويكمل نقصي؟ ويسعى في نفعي، ويجد في درء الخطر عني؟
أين الصديق الذي تنعكس أفراحي وأحزاني على صفحة وجهه كما تنعكس صور الأشياء على المرآة المصقولة الصافية، فيفرح لفرحي، ويحزن لحزني، ويشعرني بذلك أنه جزء متمم لي؟
أين الصديق الذي يحس الألم يجثم على صدري، والأسى يحز في نفسي، فأقرأ سطور الألم مكتوبة على محياه، وأتبين لذعات الأسى يتغضن لها جبينه، وتنقبض لها أساريره؟
أين الصديق الذي يتفحصني كلما لقيني ليرى ما ينقصني فيكمله وما يهمني فيعينني عليه، وما يكربني فيدفعه عني؟
أين الصديق الذي إذا حضر استروحت السعادة في قربه، وإذا غاب أحسست جزءا هاما من وجودي ينقصني، فأنا في شوق ملح جامع حتى يعود فتعود سعادتي؟
أين الصديق الذي إذا سمع الثناء علي والإعجاب بي لم يحسد ولم يحقد، بل أرى وجهه يشرق بالبشر والابتهاج، ولسانه ينطق بالإكبار والإعجاب؟
أين الصديق الذي يمحضني نصحه، ويهبني قلبه، ويقاسمني زاده، ويعتذر إلي من تقصيره لأن منزلة الصديق عنده فوق كل منزلة؟
أين هذا الصديق؟ وهل هو موجود؟
أم أن هذا الصديق ثالث المستحيلات، كما يقولون؟
стр. 706
السعادة !
لكل إنسان أمل، وأمل كل إنسان أن يحيا سعيدا، وسعادة كل إنسان في حصوله على ما يعوزه ويحتاج إليه، وتطيب حياته من أجله.
فإن كان ضيق العيش، فارغ اليد، فسعادته في الحصول على مال يقيم أوده، ويسد عوزه، ويصون ماء وجهه، وإن كان سيء الصحة مختل المزاج، فسعادته في عودة صحته، واعتدال مزاجه، وإن كان جديب المنزل من ابتسام الطفولة ومرح الأطفال فسعادته في أن تشرق جنبات بيته بولي عهده، ووارث اسمه، وإن كان يعيش في بلد مستعبد فسعادته في أن يرى وطنه حرا، وأبناءه أعزة.
وإن كان رهن السجن أو المعتقل، فسعادته في إطلاق سراحه وعودته إلى بلاده واجتماع شمله بأهله وأبنائه، وإن كان ممن أصابه الحب بسهمه، فسعادته في قربه من حبيبه ينتشي برياه، وتكتحل عينه بمرآه، ويعب من رحيق الحب ما يطفئ غلته، ولكن قد تجتمع للإنسان كل هذه الألوان من السعادة وهو أظمأ ما يكون إلى السعادة، ذلك لأن السعادة شعاع لا ينبعث إلا من داخل النفس، وما هذه الألوان التي يطلبها الناس خارج النفس، ويرون فيها سعادتهم غير وسائل قد تتخلف عن الوصول بهم إلى السعادة أما السعادة الحقة التي يحس كل إنسان حلاوتها ولذاتها
стр. 707
فهي في راحة البال التي تعقب أداء الواجب لسعادة المجموع فكم من أناس ظفروا بكل ألوان السعادة من صحة ومال وولد واجتماع شمل، ولكنهم لا يفتأون يحسون فراغا في نفوسهم وخواء في قلولهم، وشفاء في حياتهم، ذلك لأن لهم بالا يعذبهم وضميرا يؤنبهم، لأنهم جلبوا الشقاء لغيرهم، إما بالإساءة إليهم، وإما بعدم سعيهم فيما يجلب السعادة لهم، فتخلوا بذلك عن أداء واجبهم في ميدان النفع العام، فباتوا يرون أنفسهم كائنات منحطة أقل شأنا من ذباب يلد العسل، ودود يلد الحرير، وأزاهير تنفح بالعبير، لأن كلا من هذه الكائنات الضعيفة كانت قوية بمساهمتها في النفع العام، فما أتفه الإنسان إذا لم ينفع به أبناء جنسه، ولم يعش إلا لنفسه، السعادة الحقة -إذن- أن تحس أن القلوب من حولك تخفق بحبك، لأنك كففت عن الناس أذاك، واحتملت منهم أذاهم، وبذلت لهم نفسك ومالك، فبت قرير العين، هادئ النفس، ناعم البال، تهتصر أفنان السعادة وترتشف رحيقها، وتشعر بأنك إنسان كامل، ومخلوق ممتاز، جدير بمكانه في الوجود، بين عظماء الرجال ...
стр. 708
أشعار من الخلان
стр. 709
حتى سحنون !
مهداة إلى العلامة الجليل "الشيخ أحمد سحنون" من "أحمد الطيب معاش"
رصاص الطيش والغدر ... رمى شيخي ولم يدر
بأن الغدر مكروه ... وقتل النفس كالكفر
رمى "سحنون" قناص ... فلم يهتم بالأمر
لأن الشيخ في شغل ... عن التقتيل بالذكر
وإن الشيخ في منأى ... عن العصفور والوكر
وإن الشيخ لا يقوى ... على التقريع بالجهر
أتى المحراب مسنودا ... وقد يحبو من الضر
ولم يشفق على نفس ... ولم يبخل على الغير
فينوي ركعتي فجر ... فيغدو الفجر كالوتر
لأن الطلق أثناه ... فحار الشيخ في الأمر
وألغى الركعة الأخرى ... رصاص الكفر والغدر
وسار الشيخ محمولا ... على الأعناق كالبدر
ولم يعبأ بمن أدمى ... ولم يحفل بما يجري
أتم الفجر والقاني ... على الخدين والصدر
ناجى ربه جهرا ... ولم يغفله في السر
فقال الناس للجاني ... ألم تخجل من الفجر؟
فيا شيخي وقى الله ... مثال الصدق والصبر
стр. 710
ويا شيخا بلا كوخ ... ودون القدر في قصر
فهل شر جزا خيرا ... وهل خير جزا الشر
سؤل صغته عمدا ... وعذري أقبح العذر
فما لوي على جهل ... وما لؤمي على الدهر
فإن اللوم يا شيخي ... على الشعراء والشعر!!
فكم واد به هاموا ... فزاد الغير في القهر
وكل اللوم -يا مثلي- ... على الأمثال كالدر
رضعناها بأثداء ... وقرآن مدى العمر
فنلنا بعد آماد ... عباب المد والحزر
ونالت أرضنا نهرا ... رمى الأحلام في البحر
وتقتيلا بلا حد ... وتسخيرا بلا أجر
فصار الموت غداء ... ورواحا بنا يزري!!
وضاع الشعب من فقر ... وشاع الفقر كالكفر
ومحي فتنة أودى ... بكل الناس هل يدري؟
ويمضي الجرح لا يصغى ... وعمق الجرح كالقبر
ويمضي الشيخ محمولا ... فغنى الحزن في الفجر
وطالت ليلة أخرى ... وغابت ليلة القدر
الجزائر في ٣ أوت ١٩٩٦م
стр. 711
سحنون ... الله حافظكم
مهداة إلى فضيلة الشيخ "أحمد سحنون" من "الأخضر بن الطاهر"
شيجي ... أحقا رصاص الغدر قد حاما ... لما رأى النور في عينيك بساما؟
وهل أصاب الأذى محراب معتكف ... قد كان عند صلاة الفجر قداما؟
وهل توارى جناة السوء عن حرس ... وهل "أسامة" يشكو اليوم آلاما؟
كيف أدركت أن السهم منتظر ... فقلت للابن: مهلا ... فالردى قاما؟
خابت يد الجهل في طمس الهدى علنا ... لم تخدش علما ولا سنا وأسقاما
بشراك "سحنون" إن الله حافظكم ... من كل طيش ومن يرضاه إجراما
تبقى نجاتك يا "سحنون" في خلدي ... كيوم "باديس" حين العدا موته راما
هل يقتل الشيخ في أرجاء مسجده ... والقلب في لجة الإيمان قد عاما؟
أنصاره فتية للحق ساجدة ... تبدي الثتاء وترجو العمر أحلاما
روحي فداك- أيا شيخي ويا أبتي- ... أهديك شعرا وأتلو النصر أنغاما
أهواك في الله -يا فخر الحمى- زمنا ... وإن تناءت بنا الأقدار أعواما
أنت الإمام وإن أصواتنا خرست ... أنت الذي أيقظ بالعزم نواما
قد كنت للشعب نبراس الهدى أملا ... بل كنت كالنجم للظالمين مقداما
في دعوة الله كم عانيت من ظلم ... هيهات أن يسعد الرحمن ظلاما
стр. 712
على المنابر كم ألقيت من درر ... لوحدة الصف كم ناديت أقواما
والدرس بعد رحيل الصحب مزدهر ... تمحو عن النشء أحقادا وأوهاما
حتى الشجون فقد ثارت بمعتقل ... لما اللسان عن التغريد قد صاما
ديوان شعرك في الأعماق مسكنه ... "كنوزنا" قد حى شرحا وأحكما
ماذا أقول ونار الحقد في وطني ... عمياء تقتل أشبالا وأعلاما
رباه رحماك إن الخطب منشر ... في كل دار ... متى تطويه إعداما؟
تبا لمن مزق الأوتار في فرح ... وأجهض البسمة الحبلى وإلهاما
لولا التقى لهجرت الناس كلهم ... لقد سئمت رصاصا ثم أصناما
سر في خطى المجد لا تجزع لنائبة ... فالله حارس كل الخلق إكراما
الأخضر بن الطاهر ١٤ أوت ١٩٩٦م
стр. 713
رسالة إلى "الوزير شيبان عبد الرحمن "
مهداة إلى الشاعر "أحمد سحنون" من الشاعر "عبد الرحمن زناقي"
لقد جئته صبحا مجيئة زأئر ... لأشهد عملاقا بأثواب شاعر
وقائد أفكار يقود جيوشها ... إلى النصر محفوفا بكل المفاخر
وقد كان طلق الوجه فيه مهابة ... تنبئ عن نبل بأقصى السرائر
فذكرني جمعية سلفية ... بها شرف المولى جميع المنابر
وأعلى بها قدر الجزائر في الورى ... وأطلق منها بغتة كل ثائر
فزودني والزاد كان وصية ... بها قد رأيت الله في حلم خاطري
وأقرضني ديوانه كي أرى له ... حصاد سجون القهر في عهد جائر
ولما قرأت السفر يممت مسجدا ... بهضبة مجد في ضواحي الجزائر
لكي أرجع الأشعار صبحا لربها ... وقد خرزت في السفر مثل الجواهر
ولكن وجدت الشاعر الفحل غائبا ... ومسجد ما فيه ظل لزائر
ولما سألت القوم قال كبيرهم: ... وهم في مكان عامر بالمخاطر
لقد سجن الصقر الذي كان فكره ... يقود إذا ما طار مليون طائر
فصليت شفعا ثم إني بلا ونى ... لفظت كلاما فيه أرقى المشاعر
وعدت إلى داري بصحبة هاتف ... يردد قولا في كهوف ضمائري
سأوصل أسفارا إلى خير شاعر ... له انقادت الأبيات طوعا كناثر
ولو أنني في السجن صرت ... لأنني أوفي ديوني أولا قبل آخر
ومن بعد أيام رجعت وإنني ... وجدت حبيب الله بين العساكر
стр. 714
فقلت: -لعمر الله- سحنون قد غدا ... أميرا بربع بالنبالة زاهر
وكان "رجال الأمن" في الحي كله ... عيونا، ألا يا بؤس تلك النواظر
لقد أصبحت أرض الجزائر مسرحا ... وقد مثلت فيها فصول "المساخر"
أيسجن شيخ في الثمانين سنه ... وتفتح حانات لمليون ساكر؟
ويسرق أشخاص جهارا بأرضنا ... وتبنى لأجل الفسق أرقى المواخر
فماذا جنى حتى رأينا ظلاله ... تجاوز من عاشوا بشر العنابر
لقد أذنب الشيخ الجليل لأنه ... بأقواله إحياء موتى البصائر
لقد قال للحكام في كل حقبة ... كلاما يقود الناس نحو المآثر
ألا فاتركوا الإنسان في الأرض كلها ... يقول الذي يبغي بثغر مجاهر
فحرية الإنسان فعلا ومنطقا ... ألذ لنا من كل تلك المظاهر
نطقنا فقال الحاكمون بأننا ... نريد به تضليل كل الدساكر
ومن بعد قالوا مثلنا، فغدت لهم ... كفوف جميع الناس مزمار ساحر
ألا يا وزيرا، حاز كل فضائل ... ومن هو فعلا كابر من أكابر
ومن عنده طبع به ساد في الورى ... ومن كان يعفو عن جميع الجرائر
ألست من القوم الذين بخيلهم ... بدا الظلم يغفو في كهوف المقابر
أ "شيباننا" أدرك أخاك فإنه ... غدا حزن سكان القرى والحواضر
ألسنا جميعا أسرة؟ فادفع الأذى ... عن الشيخ سحنون بأفعال قادر
فإنك -يا شيبان- في كل حقبة ... به ربطت -والله- كل الأواصر