← Поэзия

Поэзия · id 96335

ديوان الشيخ أحمد سحنون

أحمد سحنون

Полный текст (714 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بين البيت والمقام بمقام إبراهيم كان مقامي ... والحجر والبيت الحرام أمامي وبمشرق الأنوار قد أنزلتني ... يا رب حسبي قد بلغت مرامي استنشق العرف الزكي وأنثشي ... بأريج أرض الوحي والإلهام يا ليتني أبقى هنا يا ليني ... ألقى هنا عند الحمام حمامي! يا ليت قبري خط في هذا الثرى ... فصبابتي تثوي هنا وغرامي فالأرض كل الأرض صارت ... بؤرة للإثم والعدوان والإجرام! وقرابة الأرحام قد عبثت بها ... أيد تبيح قطيعة الأرحام وأخوة الإسلام أسكت صوتها ... صوث النحيب وصرخة الآلام فالحرب قائمة بكل ضراوة ... تقضي على الآمال والأحلام حرب على طول المدى لا تنتهي ... ودعاتها لم يقبوا بسلام يا رب إن أوليتني ما أرتجي ... فلأنت أهل الفضل والإنعام يا من يجيب دعاء من يدعونه ... أدعوك من قلب جريح دام!! قيض لدينك من يفك حصاره ... ويعيد عزة أمة الإسلام! واحرس مبادئه ووفق أهله ... كي يجعلوه مصدر الأحكم ١٠ ربيع الثاني ١٤٠٨ للهجرة ٢ ديسمبر ١٩٨٧م.

стр. 667

لك الحمد يا رب لك الحمد كم أوليت يا رب من فضل ... وآتيت من علم ووقيت من جهل ووفقت من بر وألهمت من تقى ... ومن خلق سهل ومن منطق جزل فإن كنت -يا رب- عن الشكر عاجزا ... فما شكر هذا الفضل بالعمل السهل سرينا سرينا لأرض العلا والخلود ... ونبع الصفاء وسر الوجود! ودنيا كمال بغير حدود!!! ... وكعبة فضل وقمة جود سرينا إلى أن طوينا البعيد ... إلى أن أوينا لركن شديد لأفق حوى كل مجد تليد ... نطير بأجنحة من حديد سرينا نروم شفاء القلوب ... فقد مرضت باقتراف الذنوب وما من شفاء سوى أن نتوب ... فقد جنحت شمسنا للغروب سرينا وأشواقنا حاديه ... إليها وآمالنا هاديه وأرواحنا بالهوى صاديه ... وألبابنا بالمنى شادية سرينا إلى التربة الحالية ... كل مآثرنا الخالية لطيبة للروضة الغاليه ... لمكة في فرحة طاغيه وها قد وصلنا إلى ما قصدنا ... كل الذي قد قصدنا وجدنا لك الحمد يا ربنا إذ عبدنا ... إلها يبلغنا ما أردنا

стр. 668

أعظم بها بشهرى رأيت مناما وجه من جاء رحمة ... فأنعم بها بشرى وأعظم به ذخرا وهل كرسول الله ذخرا مخلدا ... فينفع في الدنيا ويشفع في الأخرى فيا رب إذ فضلتنا بمحمد ... فأوليتنا مجدا وخلدتنا ذكرا أنلنا اتباعا للذي جاءنا به ... فنصبح في الدنيا أجل الورى قدرا ليكمل أوليتنا باتباعه ... وتملأ سمع الدهر ألسننا شكرا ذكر الله! ذكر الله تضيق بي الدنيا فأفزغ للذكر ... وهل مثل ذكر الله أرحب للصدر؟ وهل مثل ذكر الله أشفى لدائنا؟ ... وهل مثل ذكر الله أجدب للصبر؟ وهل مثل ذكر الله أدنى إلى الغنى؟ ... وهل مثل ذكر الله أبعد للفقر؟ وهل مثل ذكر الله أوصل للمنى؟ ... وهل مثل ذكر الله أنفع في العسر؟ وهل مثل ذكر الله أقهر للعدى؟ ... وهل مثل ذكر الله أدفع للشر؟ وهل مثل ذكر الله للهم طارد؟ ... وهل مثل ذكر الله أجمع للفكر؟ وهل مثل ذكر الله أزجر للهوى؟ ... وهل مثل ذكر الله أعظم للأجر؟ فيا رب مالي غير ذكرك عدة ... فلا تخل قلبي -يا إلهي- من الذكر

стр. 669

قيام الليل يا ممضيا ليله مناما ... أتيت ما يوجب الملاما فالعمر شطران منه شطر ... ليل فلا تمضه حماما والليل خير الشطرين فيه ... تلقى الهدوء والانسجاما ولا تحس ضوضاء صوت ... ولا صياحا ولا كلاما والقلب يخلو من الخطايا ... والفكر يصفو وبه تماما كم أنتج الباحثون فيه ... معارفا تنفع الأناما واكتشف العارفون فيه ... معارجا ترفع المقاما فيا أخي إن تنم كثيرا ... تخسر كثيرا فكن هماما فإن أردت حصول تقوى ... فاطو الظلام به قياما وإن أردت اكتساب علم ... تجلو بأنواره الظلاما شمر على ساعديك واصمد ... واسهر ولا تطلب المناما غناك في الليل فالتمسه ... به ستغنى به دواما ولا تنمه تعش فقيرا ... ولن ترى في الكرى مراما علام تقضي الحياة موتا ... وأنت ذو فطنة، علاما؟

стр. 670

غربة الإسلام لقد أصبح الإسلام في دار غربة ... فلست ترى إلا عدوا محاربا ولست تراى إلا صديقا منافقا ... ولست ترى إلا حقودا مشاغبا وما نفموا منه سوى الصدق والهدى ... وعدل وإيمان تحدى الكتائبا وقد كان رمزا للسيادة والعلا ... ومن كان مغلوبا به صار غالبا وهل كان إلا سلما لرقيهم ... به بلغوا مذ طبقوه الكواكبا وهل كان إلا ثورة خلقية ... حضارية في النفع تحكي السحائبا وهل كان إلا نور علم وحكمة ... وهل كان إلا الصبح يجلو الغياهبا وهل كان إلا دين فكر ومنطق ... فلا رحمة ترجى إذا كان غائبا متى تنتهي -يا رب- غربتنا التي ... عدمنا بها من كان بالأمس صاحبا

стр. 671

غربة المسلمين مر بي الشاب "ناصر الدين" وأنا أفكر في غربة المسلمين، فأجرى الله على لساني هذه الأبيات رثاء لحال المسلمين: يا "ناصر الدين" هل للدين أنصار ... وأنت مستعبد والناس أحرار؟ بالأمس كانت لنا الدنيا بأجمعها ... واليوم ليس لنا أهل ولا دار والقول ما قال أهل الغرب وحدهم ... والأرض يحكمها بالعسف جبار كل التعاليم والآداب مهدرة ... وكل ما شيد ابن الضاد منهار ولا ترى غير أشلاء ممزقة ... ومن دماء بني الإسلام أنهار عار على أمة الإسلام غربتها ... لا العار -يا رب- نرضاه ولا النار يا أمة المصطفى إن لم تقومي بما ... أتى به المصطفى فالنار والعار وأنت مسؤولة عن نصره فإذا ... لم تنصريه فما للدين أنصار

стр. 672

دين الله ؟ رب إنا بغير دينك نشقى ... وبتحكيمه نسود ونرقى لم نكن خير أمة بسوى ... الإسلام إنا به نفوز ونبقى خاب من حاد عن هداه فلم ... يقض على باطل ولم يقض حقا إن دين الإسلام دستور من ... شرعه للعباد حقا وصدقا عجبا كيف يترك الناس ما ... يجعلهم سادة ويرضون رقا؟ من هنا ندرك الحقيقة للإنسان ... فهو الضعيف فكرا ونطقا هو لولا فضل من الله جم ... سحقته حوادث الدهر سحقا يا بعيدا عن ربه وهو محتاج ... إليه دوما حياة ورزقا عد إليه فأنت عبد لدنياك ... تجد عنده من الرق عتقا وتنل ما تريد دنيا وأخرى ... وإذا لم تعد فإنك تشقى دار القرآن طف بدار القرآن واسع إليها ... فستلقى القرآن يتلى لديها وستلقى بناتنا وبنينا ... حائمات مثل الطيور عليها تلك أمنية الجزائر، كم قد حنت ... لإدراكها نفوس ذويها

стр. 673

سر إليها وطف بها واقر فيها ... وتحمل أزكى سلامي إليها وإذا ما لقيت نفسا بنتها ... فتواضع لها وقبل يديها

стр. 674

ألا كيف ؟ ألا كيف ينسى الناس من ليس ينساهم؟ ... ومن هو بالإحسان والفضل يرعاهم وما انفك لم يشغله عنهم سواهم ... وتشغلهم عنه توافه دنياهم وكيف استطاع الناس نسيان ربهم ... ومنه -لعمري- عيشهم ومناياهم؟ ولم ينسهم من رحمة أو كلاءة ... وما كان محتاجا لنيل عطاياهم وكلهم يحتاج فيض عطائه ... فأين مزاياهم وحسن سجاياهم؟ ولا عيب في الإنسان مثل جحوده ... جميل الألى تبني الحياة مزاياهم والأم منه جاحدو فضل ربهم ... فتلك لعمر الله كبرى خطاياهم سأبكي سأبكي إلى أن ينفد الدمع من جفني ... وأحزن حتى ألفظ الروح في حزني فلم يبق في هذي الحياة مساعد ... على ما تفشى في الحياة من الغبن فكم من أخ قد كنت أحسبه أخا ... بذلت له ودي فخاب به ظني فضاقت بي الدنيا الرحيبة بعدما ... بلوت أذاها فهي أضيق من سجن فخذ بيدي يا كاشف الضر واحمني ... فإئك ذو فضل علي وذو من

стр. 675

أشكوك يا رب كتبت عشر قطع شعرية جديدة في دفتر صغير وخبأته في مكان ما ريثما أعطيه لكاتبتي- التي هي ابنتي عائشة- لتنقلها مع القصائد الأخرى ثم نسيت المكان الذي خبأت فيه الدفتر، فبت مشغول الفكر حائرا من هذا النسيان الذي بسببه أضعت الكثير، فقلت هذه الأبيات: أشكوك -يا رب- نسيانا ألح على ... ما عشت أودع من علم بذكرتي ومن تجارب لا أحصي لها عددا ... فصرت أحيا بلا علم وتجربة وقد أضعت الذي قد صغت من قطع ... عشر، فأصبحت محتاجا لتعزية لقد نسيت مكنا فيه دفترها ... فلم أصب مثلها يوما بكارثة رباه! ذاكرتي ضاقت بموهبتي ... وليس لي حيلة في حل مشكتي بدنيانا سكنا بدنيانا بلا قصد سكنا ... ونتركها برغم الأنف منا فإن نشرب من اللذات كأسا ... بها نشرب من الآفات دنا فهل ستكون عقبانا عقابا ... شديدا أم سيعفو الله عنا على أنا إذا كنا أسأنا ... فإنا لم نسيء بالله ظنا بأن الله ذو فضل ومن ... ونرجو دائما فضلا ومنا

стр. 676

بكيت بكيت ولم يشفني ما بكيت ... على ميت خلا منه بيت على هدم كل الذي قد بنيت ... وما ضاع من كل ما قد حويت بكيت على كل دنب جنيت! ... بكيت على خطوات مشيت! بكيت على أنني قد سعيت!! ... إلى ما رمته واشتهيت! وأني كل الثمار جنيت!!! ... شربت ولكنني ما ارتويت أكلت ولكنني ما اكتفيت ... أمرت ولكنني قد أبيت! نهيت ولكنني قد عصيت ... وأني لما لا يفيد اقتنيت وأني بحضن الهوان ارتميت ... وأني بأعداء ديني اقتديت وأني بأهل الضلال اهتديت ... وأني لدار الغرور أويت! وأني لبهرجها قد هويت! ... وأني بدنيا الطغاة احتميت وأني ابتسمت لهم وانحنيت ... وأني بغدر الصحاب اكتويت وأني رأيت ويا ما رأيت! ... رأيت الورى كل حي كميت لذا قد بكيت ويا ما بكيت ... ولم يشفني كل ما قد بكيت

стр. 677

رب سبحانك رب سبحانك أبدعت الوجودا ... رحمة منك وإحسانا وجودا إنه آيتك الكبرى التي ... لم تزل تثبت لله الوجودا فإذا ما جحد الناس ففي ... صنعك الباهر ما ينفي الجحودا رب إني لك قد وجهت وجهي ... رب إني لك أخلصت السجودا رب إني بك آمنت فهب لي ... ما به أزداد صبرا وصمودا بين المقدرة والمغفرة رب هب لي من لدنك مقدره ... أو فهب لي إن عجزت مغفره إن أرد ما فيه نفع لم أجد ... قدرة حتى كأني لم أرد فإذا لم أبلغ القصد فلا ... ذنب لي لكن حرمت الأملا إن شوقي لسناك غالب ... غير أني لم يكن لي قارب رب هيء لي أسباب الهدى ... وأنر دربي لألقاك غدا

стр. 678

أنا مسلم أنا مسلم وكفى بأني مسلم ... حوت المكارم كلها أنا مسلم أنا مسلم رغم العدا فهم الألى ... كانوا العد، حسدا لأني مسلم أنا مسلم ما عشت لا أخشى الردى ... لكن أسر به لأني مسلم أنا مسلم تشفي الجراح جميعها ... وتحل مشكل وضعنا أنا مسلم أنا مسلم سبب الوصول لخالقي ... ووسيلتي لرضاه أني مسلم أنا مسلم سأفوز يوم لقائه ... بجميل رؤيته لأني مسلم أنا مسلم داري هناك بجنة ... الفردوس تخليدا لأنى مسلم أنا مسلم حزت السعادة كلها وحظيت بالحسنى لأني مسلم أنا مسلم كانت بداية لمجدنا ... وتكون آخر مجدنا أنا مسلم أنا مسلم سمة الخلود لأمتي ... قد عقنا من لم يقل أنا مسلم الجهل أصل البلاء إن جهلي يا رب أصل بلائي ... فقني من مزالق الجهلاء واعع ضعفي ولا تكلني لنفسي ... واعف عما ارتكبت من أخطاء واهدني للذي تحب وترضى ... واحمني من مكائد الأعداء إن حسبي رضاك إن ترض عني ... نلت ما أبتغي بغير عناء

стр. 679

أسلموا! أسلموا ! بمناسبة اعتناق "غارودي" للدين الإسلامي الحنيف، بعد رحلته الطويلة بين الأديان اللأخرى. أيها الناس الألى لم يسلموا ... أسلموا قبل حلول الأجل أسلموا تغئنموا فرصكم ... أسلموا تجنوا ثمار الأمل ** إن هذا العمر أغلى فرصة ... سيضيع العمر إن لم تغنم إنكم لم تخلقوا كي تكفروا ... بالذي أوجدكم من عدم ** إنما أوجدكم كي تعبدوا ... ربكم فلتعرفوا سر الوجود أسلموا فورا ولا تنتظروا ... نفد العمر وما زلتم رقود ** إن "غارودي" الشيوعي لقد ... صار بالإسلام ذا حظ عظيم إن من لم يحظ بالإسلام لم ... يحظ من دنياه بالخير العميم

стр. 680

يا أمة القرآن حسبك نحن أمة القرآن وكفانا فخرا أننا أمة القرآن لأن أمتنا صنعها القرآن صنعا لا يصنعه غير القرآن، ما أبين عجز الإنسان، أمام القرآن المعجز للإنسان: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾. يا أمة القرآن حسبك أننا ... ندعى بحق أمة القرآن فعليك بالقرآن فالتزمي به ... أو لا فإنك بؤت بالخسران والله أكرمنا بحفظ كتابه ... والله ذو كرم وذو إحسان وإذا حفظناه ولم نحفط به ... أحكامه فالحفظ كالنسيان ما أنزل القرآن كي نشقى وكي ... نحيا حياة تعاسة وهوان والله فضلنا على كل الورى ... والفضل منه لا من الإنسان

стр. 681

أمة القرآن أمة القرآن تشقى؟ ... أيكون الأمر صدقا؟ وإذا ما شقيت ... من يا ترى يسعد حقا؟ وإذا مات صحيح ... هل مريض الجسم يبقى؟ وإذا لم يرق ذو علم ... هل الجاهل يرقى؟ أمة القرآن لا ثشقى ... ولا تدرك سبقا إنها أكمل خلق الله ... إيمانا وخلقا وإذا حل بها الداء ... الذي تشكو وتلقى! وغدت في لجة الآلام ... والأرزاء غرقى إنه جهد الذي حقق ... ما جل وشقا وستصحو وسيغدو ... نجمها أشرق أفقا

стр. 682

العلم والخلق سألزم نفسي كل ما يرفع النفسا ... وأمنعها أن تقرب الإثم والرجسا إذا هبطت أخلاقنا ساء حالنا ... وإن كرمت أخلاقنا لم تخف بأسا فقل للذى لم يسم بالعلم خلقه ... ضلل فلم ترشد ولم تفقه الدرسا فلا خير في علم عقيم وإنني ... أرى العلم دون الخلق لا يرفع الرأسا هل الغيث يعطي ثروة الزرع وحده ... إذا الأرض لم تصلح لأن تحضن الغرسا فسبحان من لم يجعل الخلق نسخة ... مكررة جنا من الخلق أو إنسا بل اختلفوا في كل شيء لحكمة ... قد اختلفوا معنى كما اختلفوا حسا بل اختلفوا عقلا وخلقا وصورة ... ودينا وتفكيرا كما اختلفوا جنسا فيا رب قد خطوي إلى ما ينيلني ... رضاك وذكرني رضاك فلا أنسى فغاية آمالي رضاك فإن أنل ... رضاك فلا عزا فقدت ولا أنسا

стр. 683

إنابة رب أعطيتني من العمر ما يكفي ... لإصلاح وضعي المنهار إن ستا من السنين وسبعين ... من العمر أطول الأعمار كيف أجدبتها من الخير كالأرض ... التي أجدبت من الأثمار كيف ضيعتها فلم أحظ منها ... بسوى الموبقات والأوزار كيف لم أنتفع بعمري ولي عقل ... يقيني ضلالتي وعثار أين عقلي إن لم يكن لي إيمان ... يشير بالخير والإيثار أين رأي وحكمة بهما كان ... على معضل الأمور انتصار فتفضل يا رب بالعفو عني ... وتقبل إنابتي واعتذار مطلبي الله مطلبي الأجل ... حتى يحل بي الأجل فهو الملاذ فليس لي ... في غيره أبدا أمل والعبد ذو ظلم وإن ... الله كرم من عدل ما زال بالنعم السوابغ ... منعما منذ الأزل أفلا يقوم بشكره ... أدبا فيخلص في العمل لكنه عبد الهوى ... ضل السبيل ولم يزل يحيا بلا هدف بلا ... معنى بلا أدنى خجل

стр. 684

لماذا خلقت ؟ خلقت كي أرضي إلهي بأعمالي ... فيا خجلي إن ضاع عمري بإهمالي وأوقفني ربي وألقى سؤاله ... علي لكي يبدي الذي كان من حالي وقال: ألم أجعلك أعظم كائن ... فأصبحت بين الخلق بالموضع العالي؟ فكيف رضيت الدون من بعد رفعة ... بأقبح أفعال وأسوئ أقوال؟ وهل عملي إن لم أكن فيه مخلصا ... يخلصني من نار هم وبلبال؟ وإن ظهرت في موقف الحشر خيبتي ... سيكثر نوحي عند ذاك وإعوالي فيا رب وفقني لما قد خلقتني ... فإن به -يا رب- تحقيق آمالي وإن نلت بعضا من رضاك فإنه ... ليكثر -يا رب- على الخير إقبالي

стр. 685

عظم الخطب ! رب مالي إلا إليك التجاء ... عظم الخطب وادلهم البلاء أينما سرت لا أرى غير ألوان ... انحراف يضج منها الإباء إذ غلونا في حبنا للمحاكات ... كأنا ما عندنا آباء من يرانا يقل مسخنا نصارى ... أو يهودا لا أننا أصلاء تحن ثرنا على الأجانب حتى ... ما تبقى بأرضنا دخلاء فلماذا نقلد الآن أعداء ... البلاد كأنهم أصدقاء؟ إن هذا التقليد يقتل فينا ... عزة النفس وهو داء عياء فلنثر ضد موتنا إننا الأحياء ... حقا، ما مثلنا أحياء نحن خير من الذين نحاكيهم ... فكيف يقلد الأدنياء إنما المسلمون أفضل خلق الله ... إذ بهم استقام البناء

стр. 686

الله أكبر ! "الله أكبر" آية التوحيد ... فغدت تردد أيما ترديد "الله أكبر" أصل كل حقيقة ... "الله أكبر" في الحياة نشيدي "الله أكبر" كم أقضت مضجعا ... وقضت على مستهتر عربيد "الله أكبر" قوة كم دمرت ... من صرح بغي للطغاة مشيد "الله أكبر" حصن كل مجاهد ... وعتاده للنصر والتأييد "الله أكبر" بلسم لجراحنا ... ودواء داء للأنام مبيد "الله أكبر" قوتنا وطعامنا ... وصلاتنا ونشيدنا في العيد "الله أكبر" ذكرنا وشعارنا ... وهتافنا لله بالتمجيد

стр. 687

صوت المؤذن صؤت المؤذن صوت المجد من قدم ... من لم يجبه يصب بالخزي والندم لأنه صوت إيمان بخالقنا ... وموجد كل مخلوق من العدم "الله أكبر" عنوان لقوتنا ... لا نرهب الموت لا نأسى لسفك دم فنحن بالله في أمن وفي دعة ... وإننا خير من يمشي على قدم "الله أكبر" لم نبرح نرددها ... فهي النشيد لنا في كل محتدم لكن حماستنا قد جف منبعها ... فلم يعد عندنا شوق إلى القمم وقد خبت بيننا روح الإباء فلم ... نغضب لتقصيرنا عن سائر الأمم ودب كل خلاف بيننا وفشا ... موت الضمير ونقض العهد والذمم كانت لنا همم عظمى بلغنا بها ... ما قصرت عن مداه همة الأمم حتى اهتدت أمم الدنيا بحكمتنا ... واليوم ما بالنا صرنا بلا همم؟ رباه إنا أضعنا كل ثروتنا ... من المكارم والأمجاد والعظم فامنن علينا بإيقاظ لهمتنا ... لنسترد الذي قد ضاع من قيم وامنن علينا يإنهاض لكبوتنا ... لنلحق الركب أو نشفى من السقم ولا تكلنا إلى تديبر أنفسنا ... فنحن نعجز عن إصلاح منهدم

стр. 688

الحياة سجن سمت حياتي فهي "سجن مؤبد" ... وليس بغير الموت أخلص من سجني صديق بلا صدق وعلم بلا تقى ... ودين بلا فهم وأمن بلا أمن ونقض لميثاق وخلف لموعد ... وهتك لأعراض وحزن على حزن وفرط غرور بالحياة وزيفها ... وما الحي فيها غير ميت بلا دفن وإني في الدنيا كراكب لجة ... وقد كاد موج البحر يذهب بالسفن غريب فما لي من قريب ولا أخ ... وكم من قريب لي كم لي من خدن حياة تجلى قبحها وخداعها ... ولم تك دارا للجمال وللحسن الرجاء لا يموت أنا إن أظلمت الدنيا فما أظلم قلبي ... أنا إن زاد بلائي زاد إيماني بربي أنا إن أجدب روضي بعد إثمار وخصب ... وتوارى النور من أفقي وأخفى الشوك دربي سطعت في داخلي شمس "رجائي" وهو حسبي ... وإذا حل بي الموت فما أعظم كسبي إذ به أرجع لله بإيماني وحبي!! ... وأرى ما كنت أرجو من مناجاة وقرب وإذا حزت رضى الله فيا فرحة قلبي ... أي حظ مثل حظي من إلهي رغم ذنبي أسير لنهايتي أحس بأني سائر لنهايتي ... وأني على وشك الرحيل من الدنيا ولا ضير إن أرحل فقد عشت حافظا ... مدى سنوات العمر للقيم العليا

стр. 689

القرار الأخير سأهجر دنيا الزيف والزيغ والرجس ... وأخلو إلى نفسي لتسعد بي نفسي فحسبي نفسي فهي دنياي كلها ... ولست أبيع النفس بالثمن البخس فإنا بدنيانا كراكب لجة ... يظل على خوف قريب من اليأس تحف به الأخطار من كل جانب ... ويصبح فيما يتقيه كما يمسي فمن يأمن الدنيا تصبه شرورها ... وينقل فيها من نعيم إلى بؤس فكن- يا أخا الدنيا- على حذر وكن ... خبيرا، بصيرا، واعيا، مرهف الحس وقدم بها ذخرا لنفسك بما غد ... فما الغد إلا غرسة اليوم والأمس وجند بها طاقاتك الخمس كلها ... لتحمد عقبى الجد في حضرة القدس إن يريدوا قتلي إن يريدوا قتلي ولم يرد الله ... قتلي فذاك محض جهاله إنما الأمر أمر من خلق ... الإنسان لا أمر من يريد قتاله فنجوت ولم لنالوا مرادا ... والمنافق يكشف الله حاله غير أني عفوت عنهم وإن لم ... أعف عنهم عددت ذاك سفاله وأنا أحمد الذي من باللطف ... وأخزى أهل الأذى والنذاله قصتي حجة على كل من يقتل ... شخصا أو يستبيح اغتياله

стр. 690

يستريح الكتاب يستريح الكتاب مني إذا كنت ... استرحت من الحياة بموتي وصريخ اليراع يسكت إن يعلن ... صريخ الحمام لإسكات صوتي النهاية فكرت في أني سأترك منزلي ... يوما وأترك من أحب ورائي فشعرت بالموت الذي سيحل بي ... قد دب مثل السم في أحشائي والموت يوقظني من الحلم الذي ... لم أستفق منه لفرط غبائي والحزن بعدي سوف يلزم أسرتي ... زمنا ويلزم من يود لقائي ويزول حزنهم علي إذا نسوا ... ذكري كما ينسون صدق ولائي وإذا الحياة قد انتهت وإذا الردى ... قد حل بالأحياء والأشياء

стр. 691

الشعر المنثور

стр. 692

حوار ! رأتني أعمل فقلت لي: اعمل، ولا تقض حياتك هائما في أودية الخيال! وقل شعرا تشيد فيه بالعمل، فيعلم الناس أنك تعيش في دنيا الواقع، لا في دنيا الخيال، فلم أجد ما أقول لك إلا أن أحيلك على ما نشر لي من شعر، فكثيرا ما كان الشعر مرآة لصاحبه تعكس صورة حياته، وتكشف عن وجه سلوكه، فقلت لي: إنني لم أقرأ شعرك، وإنما أسمعني بعض معارفي شيئا منه، فقلت لك: إذا لم تقرأ شعري فانظر إلى عملي، فإن عملي يعطيك صورة من نفسي التي يعرب عنها شعري! فقلت لي: يجب أن تعمل، وتقول شعرا في العمل. فلم يبق لي معك إلا أن أقول لك: سأعمل وسأقول شعرا في العمل، وسأهدي إليك هذا الشعر، وأصبحت أعمل، وأصبحت أنظم، وإليك ما نظمت:

стр. 693

شعري رب ألهمتني شعرا، فألهمني شكرا. ووهبتني فكرا، فهب للساني ذكرا. إن نعمك زادت على قدرتي على شكرك وذكرك. فأنا -يا رب- أعجز ما أكون عن شكرك وذكرك. وهذا ما يسبب شقائي وحرماني، فإن نعمة الاتصال بك لا تعد لها نعمة، وإن لذة مناجاتك لا تفوقها لذة. فيا الله، ما أشقى من حرم نعمة قربك، ولذة الاتصال بك. رب ألهمتني شعرا أدون به مظاهر قدرتك، وسوابغ نعمك. وأسجل به عبارات شكرك وتمجيدك، وأعرب به عن امتناني لك، وشعوري بجلالك وإفضالك. إن مجد القلم والفكر الذي خصصت به طائفة من خلقك لمجد لم يظفر به إلا من أضفيت عليهم رضاك ورعايتك، فكيف نستطيع أن نفي بحقك من التقدير والشكر؟

стр. 694

الشاعر زاد سكان قريتي يوما إضافيا في توزيع الماء، ليستغلوه في إحداث مزرعة مشتركة للبطيخ، وكان في القرية رجل واسع الحيلة، بارع النكتة، حلو الحديث، وكان هو الرجل الوحيد الذي لم يثمر بطيخه رغم كبر أوراقه. فكان يسبق جيرانه مطلع كل صبح فيأخذ من بطيخهم ويضعه تحت ورق بطيخه، حتى إذا جاء وقت جني البطيخ رأد الضحى ذهب مع الناس وأخذ من البطيخ كما يأخذون، ولكنه كان يهمس في آذان أوراق بطيخه الكيبرة قائلا: "عليك الورق وعلي الثمر" هكذا الشاعر مع روضة. هي ورق بلا ثمر، قبل أن يقف بها شاعر ويتأمل فيها. فإذا أسعدها الحظ بشاعر يقضي حيالها لحظات، عادت جنة مثمرة لا ينفد ثمرها، ولا يعروه ذبول، وأصبحت في الوجود صفحة مشرقة من كتاب الخلود ... ميلاد ! في ساعة بين الليل والنهار أخدت مجلسي تحت شجرة، وأمام روضه، أشهد الصباح يولد فيولد الكون ويتنفس فتتنفس الحياة. كل شيء هادئ، وادع ساحر، يدعو إلى الغبطة، ويغري بالنشوة، ويبعث على الاستغراق في التأمل والتفكير، الزهور تتفتح في سكون، والندى يتدحرج إليها من أعالي الأفق فيقبل ثغورها في صمت. والنسيم المرح النشوان بروعة المشهد يتسلل إليها من مخدعه السحري على بساط الأثير فيحتضنها في رفق، ويناجيها في همس، ويغازلها في خشوع.

стр. 695

وصغار الطير الملونة الأجنحة والمناقير تستيقظ نشيطة فتحرك أجنحتها في بطء وتمد مناقيرها إلى أعلى تتحسس الحياة وتترقب اليقظة لتتأهب للنهوض من أعشاشها وتنطلق حيث تتجمع حلقا على منصات الشجر، وفوق ذوائب الأغصان لترتيل أنشودة الصباح والسماء الساجية مصحية صافية قد اختفت من صفحتها النجوم، وانحسرت عن محياها الغيوم، وارتدت وشاحا أبيض لماعا كأنما فصل من اللجين، أو صيغ من حور العين. ولم تلبث عصائب الطير أن تجمعت من أعشاشها واندفعت في جوقة مؤتلفة متسقة ترسل من حناجرها الصغيرة ألحان أنشودة الصباح! فسرت الحياة في كل شيء، ودبت اليقظة في كل حي، ولم يبق أسير نومه إلا هذا الجاهل المغرور الذي يسمى"الإنسان"، ويتبجح بأنه سيد الأكوان، وهو يبيع أطيب ساعات يومه، بساعة من نومه. ليت الذي ينام هذه الساعة، عرف قيمة ما أتلف من بضاعة وليت المصر على هذه الهفوه، يدرك مقدار ما بدد من ثروه، في هذه الغفوه. لو أدرك المسكين ما في هذه اللحظات القصار، من صدر النهار من سحر وفتنة، وصفاء ورقة، لترقبها مطلع كل فجر ترقب الظماء إلى برد الماء .. إنه يعلم ولكنه قلما انتفع بما يعلم. ولما عدت إلى البيت بعد أن أرويت غلتي من روعة هذا المشهد وسمع صرعى الكرى، وقع أقدامي على الثرى، ارتفعت حناجرهم بصيحات الاستنكار لأنني حرمتهم من نومهم، وكدرت عليهم صفاء يومهم. ... فيا لغباوة الإنسان!

стр. 696

وطني ! يا أرض أحلامي، وسماء إلهامي. يا مهد صباي، ومعهد هواي. يا مسرح أفكاري، ودنيا أشعاري. يا ملتقى رغباتي، ومستودع ذكرياتي. يا مرقد أجدادي، وموطن أمجادي. فوق خصب أرضك، وتحت سحر أفقك، نشأت وتربيت، وبطيب هوائك وعذوبة مائك انتشيت وتغذيت وفي حدائقك الزاهية وشواطئك الحالية نظمت قصائدي ومقطوعاتي ومن صخور جبالك الشاهقة ورمال صحاراك الواسعة، صغت أناشيدي وأغنياتي. ومن صباياك الفاتنات وعذاراك الساحرات تعلمت الغزل ومن أجلك وحدك يا وطني كان لي في الحياة أمل كل شيء فيك -يا وطني- يسحرني ويغريني بالحياة سماؤك الصافية، وشواطئك الحالية، ورياضك الزاهية، وطيورك الشادية. وذلك الطفل النشيط ينتبه في الصباح الباكر مذعورا كالظبي أو كما انتفض العصفور بلله القطر، فيغسل أطرافه ويبدل ثيابه ويصفف شعره، ثم يطبع على فم أمه قبلة ويتناول محفظته وينطلق إلى المدرسة ليثقف عقله ويسر أهله ويخدم أمته. وتلك البنت المطيعة المهذبة التي تخطر في البيت كما تخطر الفراشة في الروض غادية رائحة في مساعدة أمها حتى إذا فرغت من شأنها في البيت أصلحت من شأن

стр. 697

نفسها، فرجلت شعرها وقسمته ضفيرتين وأرسلت به على الكتفين، ثم تناولت سلتها وأخذ تسمتها إلى السوق في تصون وخفر، لتعود بها مملوءة خضرا وفاكهة. وذلك العامل الكادح الذي يهب من نومه لعمل يومه، فيعول أهله ويعلم طفله ويعد منه للوطن مواطنا صالحا وجنديا باسلا. سماؤك -يا وطني- أصفى سماء، وشمسك أسطع شمس، وبحرك أجمل بحر، وجبالك أمنع الجبال، وصحاراك أجل الصحارى وتربتك أخصب تربة، وثمارك أشهى الثمار، وأبناؤك أبر الأبناء فأنت خير الأوطان. إن عملي لك، ودفاعي عنك، وتحريري كل شبر من أرضك، وموتي من أجلك، ونومي في ثراك، هي كل ما يجول في رأسي من أفكار، ويختلج في قلبي من آمال، ويتردد على لساني من نجوى يتمثل في حركاتي من أعمال. لقد زاحمني فيك -يا وطني- حليف جشع، وأسير طمع، لم ينبت في أرضك، ولم ينحدر من صلبك، ولم يجر في عروقه دم أبطالك، إنما رمى به حب الاستعمار، من وراء البحار، ليصبح شجى في الخلق وقذى في العين، وكابوسا على الصدر، فدافعته بالحسنى فلم ينفع، وقاومته بالمنطق فلم ينجح، فامتشقت السلاح، وصممت على الكفاح وأعلنت الثورة. فلم يحترم ثورتي ولم يعترف بحريتي، وقابل النار بالنار، وواجه الحديد بالحديد، فلم تزدد الثورة إلا ضراما، ولم تزدد الخصومة إلا عراما، ولم يكن خصمي شريفا، فأقصاني عنك وحرمني منك وجعل حرماني من قربك عقابا لي على حبك. ولكن كن واثقا يا وطني بأنني سأطهر أرضك من أقدام هذا الطفيلي الوقح، وسأعود إليك وفي يدي نسيج رايتك، وعلى لساني نشيد حريتك. فانعم بالا، وقر عينا، ولا تكترث بأعدائك، فأنا جنديك الباسل، وابنك البار، وخادمك الأمين ...

стр. 698

الحرية ! حبيبتي حمراء الخدين بلون الدم الفاني ذات شعر أسود لامع مجدول، كسلاسل من حديد مصقول، لها عينان نجلاوان ترميان بالشرر، كعيارين ملتهبين حين ينطلقان إلى الهدف! صوتها ذو رنين قوي مثير شجي تنخلع له القلوب، وتطيش له الأحلام كصليل السلاح عند تحريكه لتنفيذ حكم الإعدام. حبيبتي نشوى بمجد الجمال، والهيمنة على قلوب الرجال. حبيبتي شرود متمردة، تياهة متكبرة، لا تسلس لي قيادها إلا بعد أن تجرعني عنادها، ولا تجود لي بوصالها إلا بعد أن تعذبني بدلالها، ولا تقنع مني إلا ببذل الروح في سبيلها. وحتى بذل الروح أبت أن ترضى به سهلا يسيرا، بل لا تقبله إلا على طريق محفوف بالأخطار، مزروع بالأشواك، متخلل بالعقبات مملوء بما يمض القلب ويضني الجسم ويسهر الجفن. من أجل ذلك تحملت مفارقة الوطن، وتجرعت مرارة الغربة، وزج بي في السجن، وطوح بي إلى المنفى، وألقي بي في خضم من المتاعب والمكاره، لألفظ روحي

стр. 699

على التدريج وأهبها في مهل وبطء، وفي ضيق وعسر، لحبيبتي الغالية المدللة "الحرية". الحرية التي أحبها كل ذي شعور، وكل ذي طموح! يتطلع إلى المجد، ويتوق إلى الكمال. ولكنها لم تحب إلا الذين وهبوها أرواحهم، ومنحوها حياتهم ففازوا برضاها، وظفروا بقربها، أو أصابهم سهم الردى الذي تصدوا له راضين مطمئنين، فماتوا شهداء حبها مبتسمين مبتهجين. إنها الحرية: معشوقة العظماء، ومعبودة الشعراء. على أن حبيبتي، رغم شرودها وعنادها، ودلالها كبريائها، لا تبرح سريري، ولا تغادر غرفتي، إنها تأوي إلى مضجعي كل ليلة، إنها في متناول يدي، إنها رهن إشارتي، وطوع إرادتي، فهي إذن قريبة بعيدة، وليس في الأمر غرابة. إنها قريبة ممن له إرادة تسيطر على هواه، وتقتل في نفسه جراثيم الخوف مما يعترض سبيله إليها من مكاره الحياة. وهي بعيدة ممن استعبدته نفسه فأخلد إلى الأرض واتبع هواه. وهل أضاع من أضاع حريته إلا بعد أن أضاع إرادته؟ حبيبتي: "إنني طوع إرادتك فكوني طوع إرادتي"!

стр. 700

في السجن في السجن: وجدت الفراغ الذي كنت أنشده فلا أجده، ولقيت رفاقي الذين كنت أسمع عنهم ولا أسمع منهم، وعثرت على "المختبر" الأساسي للإيمان، والمسبار الحقيقي للأخلاق. في السجن: عرفت زيف الحياة وباطلها، فقد كنت قبل أن أدخل السجن أتمنى لو أتيح لي فراغ أنظم فيه أشعاري، وألم شعث أفكاري، وأصل إلى ما لم أستطع أن أصل إليه في ضوضاء الحياة من معرفة أسرار الحياة. فلما دخلت السجن فقدت استقرار النفس، وهدوء البال، فلم أنتفع بالفراغ، وأدركت أن فراغ الوقت بدون فراغ البال لا قيمة له ولا جدوى منه. في السجن: أدركت شقاء الوجود وعجز الإنسان عن الوصول إلى سعادته، فقد كنت قبل أن أدخل السجن أشقى بضوضاء الحياة فلما دخلت السجن شقيت بقيود الحياة. في السجن: عرفت أن للأحرار قيودا كما أن للسيوف غمودا وذكرت قول ابن الجهم: "قالوا: حبست-. فقلت: ليس بضائري حبسي، وأي مهند لا يغمد؟ " وقلت: كيف لا يضير المهند أن يغمد؟ وما جدوى المهند في الغمد؟ "وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ " في السجن: أكلت من شجرة المعرفة التي أكل منها الإنسان الأول فعرف؛ عرف الخير والشر، فعرف سر الحياة. وإن أدى ثمن هذه المعرفة غاليا بحرمانه من الجنة التي أخرج منها، كما أديت أنا ثمن هذه المعرفة غاليا، بإخراجي من جنة بلادي إلى هذا السجن ...

стр. 701

عزلة صدم نفسي الصخب المعربد، وصدع رأسي الفضولي المستأسد، في حجرة مخثنقة الأنفاس، بازدحام الناس، يفعمها دخانا خمسون إنسانا، ويملأها ضجيجا خمسون لسانا، فخرجت أطلب لي في العزلة أمانا، فلم تتح لي إلا بعد جهد جهيد، وبحث شديد، إذ كلما جلست مجلسا ظننته منعزلا سقط علي فيه من لا يسعني طرده، ولا أرتاح إلى ظله. وعندما ظفرت من الفراغ بلحظات محدودة، فوجئت بما ردني إلى صوابي، ونبهني إلى خطئي في ضيقي بالناس، وضجري بالضوضاء، لقد وجدت في العزلة ظلا من السكون، ولكنه من السكون الذي يحرك الشجون، فقد أتاح لي جو العزلة أن أفكر، وأتاح لي التفكير أن أعرف، ولكن معرفة ما ينغص علي عزلتي، ويضاعف قلقي، وإن هداني إلى الحقيقة المرة التي يجب أن أعرفها، ولو أقضت مضجعي، وشردت النوم عن عيني، وأطارت الهدوء من نفسي، عرفت تفاهة الحياة، وزيف الأحياء، وعرفت مع ذلك أنني مرغم على أن أحيا هذه الحياة مع هؤلاء الأحياء مرغم على أن أعود إلى الصخب الذي منه فررت، والفضول الذي به ضقتط وإذا وجد ما يحرر من هذا الرق، ويخلص من هذا السام، فهو الموت الذي يعالج الألم بالألم، وينسخ الوجود بالعدم، ويقدم بنا على عالم مجهول، يكتنفه غموض مهول، جعلنا نلج من الموت فرارا، ونرضى بالحياة اضطرارا، وهكذا خرجت من عزلتي القصيرة، بتجربة خطيرة تكون لي في فترات ضيقي بالحياة خير ذخيرة، وهي أن الحيا كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتفرق، هي لقاح من خير وشر، ومزيج من حلو ومر، وأن من قضي عليه بأن يحيا هذه الحياة لا بد أن يبلو خيرها وشرها، ويذوق حلوها ومرها. وإن الذي يحسب الحياة خيرا بلا شر، وحلوا بلا مر، لهو الذي جهل الحياة ولم يهتد فيها إلى سر، رحماك اللهم، ما أجل حكمتك، وأعظم قدرتك، وأسمى تدبيرك ...

стр. 702

القلم ! أنت صديقي العزيز يا قلم، كم أزحت بك من ألم! وأطرت من سأم!! وكم جلوت بك للشعر عرائس، وخططت على الورق حدائق، كم قطفت بك من رياض الكتب أزهارا. وجنيت من بساتين الأفكار ثمارا. كنت لي خير شفيع إلى من أحب. ونعم الترجمان عما أكن. كم حفظت بك من ذكريات، وسجلت من مشاهد، ودونت من معارف. إن سنك -يا قلم- لأعظم قدرا، وأكبر جدوى من سن المحراث فإذا كان المحراث يقوت بطونا، فأنت تقوت عقولا، ولئن كنت دون المحراث حجما، وكنت منه أضعف جسما، فإن فيما تنتج من بدائع الفكر، وروائع الفن، وحقائق العلم، لأعظم دليل على أن الأشياء لا تقوم بكبر الأحجام وعظم الأجسام وإنما تقوم بالنتائج والآثار، وإنك لأعظم في الأثر، وأجل في الخطر، من المطر، وأخلد على الزمن، من الزمن، لله أنت -يا قلم- لولاك لما كان للبشرية تاريخ، ولما اتصل ماضيها بحاضرها، ولما انتفع آخرها بتجاريب أولها، لله أنت -يا قلم- تغمس منقارك الذهبي في المادة السوداء، ثم تسعى على الرقعة البيضاء، فتأتي بالمعجزة الكبرى. إذ تخلق كائنات حية عجيبة تتكلم وهي صامة، وتخبر عن قديم العصور وسحيق الدهور، وتتحدث عن اكتشافات الفلك، واختراعات العلم، وابتكارات الشعر، ودقائق الفلسفه، فتجعل من الورق روضة للعين، ونزهة للقلب ومدرسة للفكر، وتراثا خالدا تتداوله الأيدي، وتتوارثه الأجيال ... لله أنت يا قلم، إذ أراك تسبق الرصاصة إلى الطريق. فإذا كانت الرصاصة قدحت زناد الثورة، فأنت خططت برامجها ورسمت أهدافها فكنت صاحب الخطوة الأولى في طريق التحرير ...

стр. 703

ورقة ! أحببتك -يا ورقة- كما يحب الفلاح أرضه الطيبة. فأنت أرضي الطيبة الخصبة التي أبذر فيها حب قلبي، فتنبت الثمار الشهية التي تغذي القلوب، وتوقظ المشاعر، وتضمد الجروح، وتطفئ اللواعج، أحببتك، يا ورقة، كما تحب الحسناء مرآتها التي ترى فيها وجهها، فأنت مرآة قلبي التي أرى فيها ما يمور فيه من آمال وآلام، وأشواق وأحزان، وصحو وضباب، ونور وظلام، أحببتك، يا ورقة، كما يجب الطفل لعبته المفضلة، التي يجد فيها هوى نفسه، فيقضي معها معظم وقته، فأنت هوى قلبي، وموضع حبي، وهوايتي المفضلة، أحببتك، يا ورقة، كما يحب الشاعر صفحة السماء، وأديم الماء، وكما يحب العليل المسهد وجه الصباح المشرق، أنت، يا ورقة، بيضاء كقلوب الأطفال، نقية كسرائر الأنبياء، رقيقة كعواطف الشعراء، ناعمة كأحضان الأمهات، لهذا، يا ورقة، أودعتك ما يكنه قلبي من أشواق، وائتمنتك على ما يحويه صدري من أسرار، وبثثتك ما تعانيه نفسي من آلام، واتخذتك صديقا، واصطفيتك نجيا، ورضيت بك نصيبا من كل هذه الحياة ...

стр. 704

فراشة ! لله أنت، يا فراشة، جسم ضعيف، وإهاب لطيف، وجناح شفيف، ولكن أثرك في النفس كبير، وإيحاؤك للقلب عميق، وصورتك للعين باهرة، من أين أقبلت، يا فراشة؟ من روض غني با لزهور والعطور خارج أسوار هذا السجن؟ أم من هذه الأصص الصغيرة المرصوفة المكونة من علب الصفيح، التي زرعتها ونسقتها وألفت من مجموعها روضا حاليا بالزهر، نافحا بالعطر، أنامل بستانيين مهرة من هؤلاء المحكوم عليهم بالحرمان من أوطانهم، والإقامة في هذه الرقعة الصغيرة المسورة بالأسلاك المحروسة بالجند، التي تسمى المعتقل؟ ومن أي شيء صاغ الله إهابك هذا اللطيف، وجناحك هذا الشفيف؟ من نعومة الحرير، أم من نضرة الزهور، أم من رقة الخدود والنحور؟ وما هذا التطواف الدائب الذي لا يقف ولا يفتر، بكل باسم من الزهر، أو حال من الشجر، أو زاه من العشب، كأنما أنت عاشق لا يمل قرب من يحب، ولا يرتوي صداه من النظر إليه، ولا تشبع نهمته من لثم شفتيه؟ لله أنت، يا فراشة، ما أبدع تكوينك، وما أروع سحرك وما أحبك إلى النفس الحساسة المولعة بكل رائع جميل، فكأنما لفرط رقتك وشفافيتك وسحر ألوانك، وخفة حركتك، وسرعة تنقلك، قطعة ملونة متموجة مضطربة من الهواء الرقيق المنعش، لا يراها إلا شاعر بعين الخيال، ...

стр. 705

الصديق ! أين مني ذلك الصديق الممتاز: الذي يوجه خطوي، ويكمل نقصي؟ ويسعى في نفعي، ويجد في درء الخطر عني؟ أين الصديق الذي تنعكس أفراحي وأحزاني على صفحة وجهه كما تنعكس صور الأشياء على المرآة المصقولة الصافية، فيفرح لفرحي، ويحزن لحزني، ويشعرني بذلك أنه جزء متمم لي؟ أين الصديق الذي يحس الألم يجثم على صدري، والأسى يحز في نفسي، فأقرأ سطور الألم مكتوبة على محياه، وأتبين لذعات الأسى يتغضن لها جبينه، وتنقبض لها أساريره؟ أين الصديق الذي يتفحصني كلما لقيني ليرى ما ينقصني فيكمله وما يهمني فيعينني عليه، وما يكربني فيدفعه عني؟ أين الصديق الذي إذا حضر استروحت السعادة في قربه، وإذا غاب أحسست جزءا هاما من وجودي ينقصني، فأنا في شوق ملح جامع حتى يعود فتعود سعادتي؟ أين الصديق الذي إذا سمع الثناء علي والإعجاب بي لم يحسد ولم يحقد، بل أرى وجهه يشرق بالبشر والابتهاج، ولسانه ينطق بالإكبار والإعجاب؟ أين الصديق الذي يمحضني نصحه، ويهبني قلبه، ويقاسمني زاده، ويعتذر إلي من تقصيره لأن منزلة الصديق عنده فوق كل منزلة؟ أين هذا الصديق؟ وهل هو موجود؟ أم أن هذا الصديق ثالث المستحيلات، كما يقولون؟
следующие страницы →