← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96336

منكرات الأفراح

غانم غالب غانم

Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

منكرات الأفراح تأليف غانم غالب غانم راجعه د. محمد عساف رئيس دائرة الفقه والتشريع ـ كلية الدعوة وأصول الدين ـ جامعة القدس

стр. 2

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ١٠٢). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا). (النساء: ١) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا). (الأحزاب: ٧١،٧٠) أما بعد: فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن مما لا شك فيه أن موضوع المنكر بشكل عام ينبغي أن يكون في اهتمامات كل مسلم غيور على دينه، لأن المسلم الحق إذا علم

стр. 3

المنكر ابتعد عنه خوفا من أن يغضب ربه، ويقع تحت طائلة العذاب «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)» (الشعراء: ٨٩،٨٨). والمشكلة الكبيرة أن يصبح المنكر أمرا طبيعيا عند المسلمين، وأن يقره العرف، بل يتعدى الأمر أكثر من ذلك، فإن الأعراف اليوم تستنكر الكثير من الأفراح التي تقل فيها المنكرات، بحجة أن الفرح لم يواكب التقدم الحاصل في الأفراح، دون النظر في كونه حلالا أم حراما. وقد كنت من سنوات أحب أن أجمع رسالة في منكرات الأفراح، لأن الزواج آية من آيات الله تعالى، التي تدل على كمال قدرته في التأليف بين القلوب، وتكثير الشعوب، وهو من نعم الله العظيمة، ولا يخلو بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه في يوم من الأيام فرح. فلا بد أن يكون هذا الفرح نظيفا من المنكرات التي تغضب الله تعالى. ومن هنا جاءت هذه الرسالة لتوجه الناس نحو ما يحبه الله ويرضاه في أفراحنا التي ينعم الله بها علينا «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (إبراهيم: ٣٤). فكثير من الناس يطلب النعمة دائما فإذا حصل له ما يريد أدار ظهره لأوامر الله تعالى، ولم يحسن شكر هذه النعمة، عدا عن توظيفها فيما يحبه الله ويرضاه. وقد حاولت أن أجمع ما أستطيع من هذه المنكرات التي تفعل في أفراح المسلمين، سواء بالرجوع إلى الكتب الحديثة والقديمة، وشبكات المعلومات، أو ما نسمعه ونشاهده في حياتنا اليومية، أو ما يحدثنا الناس عما شاهدوه وسمعوه في أفراح المسلمين. ولا يمكن لي أن أدعي أني جمعت كل المنكرات في هذه الرسالة،

стр. 4

لأن الذي يحيط بكل شيء إنما هو الله ﵎" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ " (البقرة: ٢٥٥)، سيما وأن هذه المنكرات تختلف من بلد لآخر، عدا عن كونها تختلف من دولة لأخرى. وقد حاولت أن يكون أسلوبي فيه سهلا، بعيدا عن التأصيل العلمي، وذكر الخلاف في المسائل الفقهية، وذلك لأمرين: الأول: الاختصار، وتوصيل المعلومة بأقصر الطرق مع الدلالة على المطلوب إن شاء الله. الثاني: إن الكتاب موجه لعامة الناس، وربما يمل بعض الناس من قراءة الآراء الفقهية وأدلة كل فريق في كل مسألة، ومناقشة الأدلة، ثم الترجيح، بل يحبون الوصول للمطلوب بشكل مباشر. ولكني كنت أرد أحيانا على بعض الشبهات التي يناقش بها الناس مما يسمعونه في بعض الفضائيات، التي تحاول أن تسهل المنكر في حياة الناس، فتعلقهم بشبهات واهية، أو تستضيف بعض الشخصيات المتأثرة بالفكر الغربي، والآراء الدخيلة على الإسلام، وغالب هذه الشخصيات هم من المفكرين الذين لا علاقة لهم بالعلم الشرعي، فيلبسون على الناس أمر دينهم. ورغم عدم وجود الكتب المتخصصة في هذا الموضوع فيما أعلم، إلا أن الكتابة فيه ليست صعبة لأن مفرداته موجودة في بطون الكتب الفقهية التي يعرفها طلاب العلم. وقد عثرت قبل الكتابة في الموضوع، على ثلاثة أبحاث في ذات الموضوع استفدت منها استفادة كبيرة: الأول: للشيخ عبد العزيز الغامدي. الثاني: للشيخ ندا أبو أحمد، وكلاهما على موقع صيد الفوائد الثالث: للطالبة نور كراجة، مقدم للدكتور موسى البسيط في كلية

стр. 5

الدعوة وأصول الدين. وقد حاولت في هذه الرسالة أن أستقصي المنكرات التي تحصل في كل مرحلة من مراحل العرس: فتحدثت عن المنكرات قبل العرس، وفي الخطبة، وعند العقد، وفي أثناء العرس (وهي أكثرها)، وختمت ببعض المنكرات التي تحصل بعد العرس. وقبل الختام فإني أتقدم بالشكر الجزيل لكل من قدم لي النصح في إخراج هذه الرسالة على أكمل وجه، وأخص بالذكر: أستاذي الفاضل: الدكتور محمد عساف. والأستاذ الفاضل عبد الله سلامة. وكلا من الأخوة: حسن مفارجة، محمد عليان، حسن معتوق، كنعان سحويل، تامر سحويل، فجزاهم الله عنا كل خير. وفي ختام هذه المقدمة أسأل الله سبحانه أن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا، وأن يجعل عملنا وعلمنا خالصا لوجهه الكريم، لأن الكُتّاب في هذا العصر كثر، وقلة هم الذين يكتبون لله: وما من كاتب إلا سيفنى ... ويُبقي الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه واسأله سبحانه أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، وأن ينفع بهذا الكتاب عباده، وإن أصبنا في هذا الكتاب فمن الله وحده لأنه صاحب الفضل دائما وأبدا، وإن وقع فيه زلل فمنا ومن الشيطان ونسأله أن يغفر لنا.

стр. 6

وأقول لمن يقرأ هذا الكتاب: بالله يا ناظرا فيه ومنتفعا ... منه سل الله توفيقا لجامعه وقل أنله إله العرش مغفرة ... واقبل دعاه وجنب عن موانعه وخص نفسك من خير دعوت به ... ومن يقوم بما يكفي لطابعه والمسلمين جميعا ما بدا قمر ... وكوكب مستنير من مطالعه غانم غانم إمام مسجد ديرابزيع- رام الله ٢٠/جمادى الأولى/١٤٣٢هـ. ٢٣/نيسان/٢٠١١م.

стр. 7

تمهيد: تعريفات: المنكر: ضد المعروف وكلُّ ما قبحه الشرع وحَرَّمَهُ وكرهه فهو منكر، وفي التنزيل: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا» (الكهف: ٧٤) (١). والمنكر عند أهل الأصول هو الحرام، لذا فإني لم أجد من علماء الأصول من عرف المنكر تعريفا اصطلاحيا، لأنهم يكتفون بتعريف الحرام، على اعتبار أن كل منكر: حرام، وكذلك كل حرام: منكر. فالحرام عند علماء الأصول: ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا مطيعا، وفاعله آثما عاصيا (٢). وأما الفرح: فهو نقيض الحزن، وهو أن يجد في قلبه خفة، والفرحة: المسرة. (٣) ولا شك أننا عندما نتحدث عن منكرات الأفراح نقصد بذلك المعاصي والآثام التي يقترفها الناس في أفراحهم، والتركيز هنا على موضوع الأعراس على وجه الخصوص، وإن كانت الأفراح

стр. 8

الأخرى يرتكب فيها من المعاصي ما يرتكب، إلا أن العرس هو المقصود في حديثنا هنا. «ونبلوكم بالشر والخير فتنة»: لقد خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعله في اختبار دائم يستغرق وقته وحياته، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، فيبتلى المسلم بالمصائب والمحن، ويبتلى بالفقر وقلة الرزق، ويبتلى بالشهوات وأعظم من ذلك الشبهات، وأكثر من ذلك أن يستهزأ به لأنه مؤمن، أو ملتزم بدينه وهو يرى أهل الباطل والفسق ينتفشون ويكبرون، ويتسابق الناس في صنع الأمجاد لهم. إلا أن الكثير من الناس يظنون أن الفتنة والاختبار الإلهي إنما يكون في المصائب فقط، وإن شئت فقل: في الشر، وقد وضح الحق سبحانه في كتابه أن الفتنة تعم الأمرين: الخير والشر، فقال سبحانه: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» (الأنبياء: ٣٥). ومن ظن أن فتنة الشر أعظم وقعا على النفس من فتنة الخير فهو مخطئ، فالمصيبة تحتاج من الإنسان إلى الصبر، ولكن اختبار الخير يحتاج من المسلم إلى الشكر، وإلى توظيف هذه النعمة فيما أمر الله به، أو على الأقل فيما لا يسخط الله. ولعل الزواج واحد من هذا، فهو من النعم العظيمة بل هو من آيات الله تعالى التي تدل على قدرته، فيتزوج الإنسان ويفرح ويسكن لزوجته ويكون بينهما المودة والرحمة والأولاد وحسن العشرة. فهل يليق بكل هذه النعم التي ينتجها الزواج أن يقابل المنعم سبحانه بكفرانها، وأن تُشكر بمعصية الله تعالى؟ والله الحق سبحانه يقول: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ

стр. 9

عَذَابِي لَشَدِيدٌ» (إبراهيم: ٧). ولا شك أن تهاون الناس في مثل هذه المنكرات جر على البيوت العديد من الويلات، ولعل هذا يكون واحدا من أسباب الفشل في الحياة الزوجية، لأنه لا يمكن للمعاصي أن تأتي بخير بل كل المصائب التي تصيب الإنسان والشرور التي تلحقه سببها المعاصي والآثام، قال تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ» (الشورى: ٣٠). أسباب منكرات الأفراح: لعل السبب الرئيس للمنكرات بشكل عام: هو ضعف الوازع الديني عند الناس، مما أدى إلى استهانتهم في الوقوع في سائر المحرمات، وما عاد الكثير من الناس يحركهم الدين في الحياة، فصار الكثير من الناس يأخذ من الدين ما شاء ويدع ما شاء، فصار الدين كالفاكهة، إن أحبها أكلها وإن كرهها تركها، أو يختار من أصنافها ما يشاء، حتى صدق عليهم قول الحق ﵎: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ» (الجاثية: ٢٣). فصحيح أنه يصلي، إلا أنه في عرسه فعل المنكرات، وشرب المسكرات، وأغضب رب الأرض والسموات، وما ردته صلاته عن المعصية والعياذ بالله. ولعل من أسباب منكرات الأفراح بشكل خاص (١):

стр. 10

أن الناس يظنون أن يوم الفرح لا حساب عليه، ويردد الكثير منهم عبارة: هو يوم في العمر، حتى يتسابق العديد منهم أيهم يسبق ويزيد ولو بالمعاصي والآثام، بحجة المباهاة وأن فرح آل فلان ليس أفضل من فرحي فيحصل منهم الغيرة في الباطل فيتسابقون عليه، وقد بين الحق سبحانه أن الفرح الحقيقي إنما يكون بما عند الله، قال الله ﵎: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (يونس: ٥٨). ولقد غفل هؤلاء أن المسلم الحق هو الذي ينضبط في أفراحه وأحزانه بمنهج الله تعالى. وأن المؤمن الحق هو الذي يعرف بإيمانه في هذه الأوقات. ومن أسباب منكرات الأفراح أن الأمة الإسلامية اليوم أمة مقلدة تحب كل شيء مستورد من ركام الغرب وفضلاته، فما يأتي إلينا من تحلل وسفور، واختلاط ومجون، وشرب خمور نتسابق لتطبيقه دون النظر في حله وحرمته، ودون سؤال لأهل العلم عن حكمه. وقد صدق في العديد من الناس اليوم قول رسولنا ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» رواه البخاري: ٣٤٥٦. وليعلم هؤلاء خطورة التشبه بالكفار، لما يجره ذلك من ويلات على الأمة الإسلامية جمعاء في الدنيا والآخرة، «ومن تشبه بقوم فهو منهم» كما قال رسولنا ﷺ » رواه أبو داود: ٤٠٣١، وقال الألباني: حسن صحيح.

стр. 11

العزوف عن الزواج وأضراره . لقد حث الإسلام على الزواج ورغب فيه، فقال ﵊ في وصيته المشهورة للشباب: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه البخاري: ١٩٠٥، ومسلم: ١٤٠٠. وقد أمر الإسلام بتسهيل سبل الزواج حتى يكون في متناول كل محتاج، فحث على عدم المغالاة في المهور. كما شنع النبي ﷺ على من أراد أن يتبتل بحجة الانقطاع لأعظم شيء في هذه الدنيا، للشيء الذي خلق الله العباد من أجله، ألا وهو العبادة. ويتضح ذلك جليا في قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي ﷺ يسألون عن عبادته كما يرويها الإمام البخاري في صحيحه (٥٠٦٣): من حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قالُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا، كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».

стр. 12

فترك الزواج مخالفة لسنة النبي ﷺ ، وفيه من المضار ما فيه خصوصا، ونحن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتبرجت النساء، وقل الحياء، فمن أراد أن يحصن نفسه فعليه بالزواج. والغريب أن الغرب يحذرون من خطورة الزواج المبكر، وينشرون الكتب، والمقالات عن ذلك، بل ويساعدون الجمعيات والمؤسسات المصطنعة التي تدعم موقفهم. نجدهم يجيزون في بلادهم الزواج المبكر، بل إن المفهوم من قوانينهم الحث عليه. فمثلا: سن الزواج للفتيات في كل من فرنسا ورومانيا وبلجيكا واليابان: هو سن الخامسة عشرة. وأما إيطاليا فتجيز المحكمة عقد الزواج على فتاة سنها الرابعة عشرة، بل إن بريطانيا وإسبانيا والأرجنتين حددت سن الزواج بالثانية عشرة للفتاة. (١) ويتبين من مخططاتهم أنهم يريدون بذلك هلاك المجتمع في بلادنا، لأن أفكارهم وتوجيهاتهم تحذر من الزواج المبكر، وتحث النساء على التبرج. فماذا يكون حال المجتمع إذا أصغى لمثل هذه الأفكار؟ إنه مجتمع تنتشر فيه الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وخاصة: جريمة الزنا وما تجره من نتائج على المجتمع، من: أولاد الحرام، وقلة الأسر وغير ذلك. فأنا أقول أنه ليس هناك حجة من ترك الزواج إلا الفقر وعدم

стр. 13

الاستطاعة، وأما ما يمليه الناس من حجج فليس لها من الواقع رصيد: من إكمال الدراسة، أو لا يزوج الصغيرة قبل الكبيرة، أو المغالاة الكبيرة في المهور التي تبعد الرجال عن الزواج. فعلى الجميع أن يسهلوا أمور الزواج وييسروا سبله، حتى يعيش المجتمع براحة واستقرار.

стр. 14

المبحث الأول: منكرات قبل الزواج المطلب الأول: الرغبة عن ذوات الدين حث الإسلام أن يتزوج المسلم الزوجة ذات الدين، صاحبة الصلاح والتقوى، فهي خير متاع يتمتع به المسلم في دنياه، كما قال النبي ﷺ : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» رواه مسلم: ٢٦٦٨. وقد بين النبي ﷺ حال الرجال، ورغبتهم في صفات الزوجة المستقبلية، فمنهم من يبحث عن نسب قد يكون تافها ليسد ما عنده من عجز في شخصيته. ومنهم من يبحث عن مال ما هو في الحياة إلا زينة وليس قيمة، ومنهم من يبحث عن جمال قد يتهاوى بعد فرحه بأيام عندما تكشف الحياة الزوجية عن طبيعتها، فهي ليست مجرد خيال وآمال، طموح وتطلعات، جنس وفراش. بل إن في الحياة الزوجية ما فيها من التعب والعناء والمشقة، وتربية الأولاد التربية الصالحة، والتنشئة الصحيحة. قال النبي ﷺ : «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» رواه البخاري:٤٧٠٠، ومسلم:٢٥١٨. وإذا كان ينبغي للرجل أن يبحث عن ذوات الدين، فينبغي أيضا للمسلمة أن تبحث عن الرجل الصالح، عن المسلم التقي النقي، صاحب الخلق، كما أمر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى، قال ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا

стр. 15

تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ» رواه الترمذي: ١٠٨٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي. والرغبة عن ذوات الدين، ورغبة المسلمة عن المسلم الصالح يستحق بحق أن يكون من منكرات الأفراح، لما يجره على الأمة من الويلات الكثيرة، من حياة زوجية مليئة بالنكد والمشاكل، وأولاد سوء تربوا على أيدي والدَين منحرفين. ونحن نرى في هذا الزمن والله المستعان من يتساهل في هذا الأمر كثيرا، فيزوج الرجل ابنته من تارك الصلاة وهو يعلم أن أمره دائر بين الكفر والفسق والعياذ بالله، ومن شارب الخمر، كما نرى ونشاهد. وقد يصل الأمر إلى أبعد من هذا فيزوج ابنته من رجل يسب الذات الإلهية ويسب دين المسلمين والعياذ بالله، فعدا عن كون الزواج باطلا لأن الزوج كافر بمسبته هذه، فماذا سيكون مصير الأسرة إذا كان الرجل فيها يسب الذات الإلهية؟ وفي المقابل قد ينسى الرجل صفة الخلق والدين في المرأة التي يريد خطبتها، في مقابل الجمال، أو المال، أو غير ذلك، مما يؤدي إلى أسرة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا. وكم ندم الرجل، وكم ندمت المرأة في مشاهد حية من المجتمع عندما لم يبحثوا عن هذا الأصل الأصيل.

стр. 16

المطلب الثاني: العلاقات المحرمة قبل الزواج يبدو أن الكثير من المسلمين فقدوا الغيرة على أعراضهم، فسمحوا لبناتهم أن يخرجن متبرجات، وأن يكلمن الرجال، ويصافحنهم، وقد يقر البعض صداقة ابنته مع بعض الشباب، بحجة الانفتاح والاستفادة من الثقافات أحيانا، والحرية الشخصية أحيانا أخرى. وبذلك يكون حديث النبي ﷺ له من الواقع الرصيد الكبير، عندما قال ﵊: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث» (رواه النسائي: ٢٥٦٢، وصححه الألباني). والديوث: هو الذي يقر الخبث في أهله ولا يغار على عرضه (١) , فينبغي على كل مسلم غيور، وعلى كل شهم، أن يكون عرضه مصونا محفوظا، محل الثناء والتقدير، ولا يكون مرتعا لفساق الناس. بل لا يقف الأمر عند هذا، فإن المسلم الغيور ليخاطر بحياته، ويعرض نفسه للخطر إذا حاول أحدهم أن يعتدي على عرضه. وقد مدح النبي ﷺ أمثال هذا عندما قال: «من قتل دون أهله فهو شهيد» رواه الترمذي:١٤٢١، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني. وقد أقر النبي ﷺ غيرة سعد في أهله، فعَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ (أي بحد السيف لا بعرضه) فَبَلَغَ ذَلِكَ

стр. 17

النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» رواه البخاري: ٦٨٦٦. ومما يعين على ذهاب الغيرة من النفوس تلك الأقلام الساقطة، والأفلام الهابطة التي تدعمها ثلة مجرمة من الحاقدين على الإسلام وتعاليمه وأهله المخلصين. ونحن نعيش في زمن اختلطت فيه المرأة في معظم مجالات الحياة بالرجال: في المؤسسات، وفي الدوائر الرسمية وغير الرسمية، وأوسع من ذلك في دور العلم والجامعات. وتخطئ الكثير من الفتيات عندما يقرأن لكاتب غربي، أو لرجل مهووس من المسلمين ممن تأثروا بالثقافة المنحرفة (وهم في هذا الزمان كثير)، أن الزواج لا ينجح إلا إذا كان قبل ذلك علاقة مفتوحة بينها وبين ذلك الرجل الذي تريد أن تتزوج منه، حتى تدرس أفكاره، وتتعرف على شخصيته كما يزعمون. وقد بين القرآن أن الزواج الناجح هو الذي تنشأ العلاقات فيه بعد الزواج لا قبله، كما يفهم من قوله تعالى: «وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الروم:٢١). فبعد الزواج يكون السكن، وبعد الزواج تكون المودة والرحمة. وأما الحب المنشود الذي يبحث عنه الكثير من الشباب والفتيات فما هو إلا سراب، وقد سمعنا بعض هؤلاء الشباب الذين يبحثون عن مثل هذا الحب، يخالف قولهم فعلهم ولتبصر الفتيات شهاداتهم: هم يريدون علاقات محرمة، ولكن كلهم لا يقبل هذه العلاقة لأخته، أو أمه أو أي من أقاربه. وهو أيضا وإن كان يبحث عن مثل هذه العلاقات، إلا أنه لا يقبل

стр. 18

هذه البنت زوجة له، لإيمانه: أن هذه التي تبني معه علاقة، فعندها الاستعداد أن تبني مع غيره فلا يؤمَن جانبها. وإتماما للفائدة لا بد من الإجابة على سؤال روتيني يسأله كل شاب وشابة: ما هو حكم الحب ؟ بداية: يضيق الناس مفهوم الحب كثيرا، حتى إذا ذكرت هذه الكلمة انصرفت عند الغالبية العظمى من الناس إلى العلاقة بين الرجل والمرأة وضيقت في هذا المفهوم. والحق الذي ينبغي أن يعرفه الجميع أن الحب عقيدة مهمة من عقائد المسلمين. فلا يتم الإيمان إلا بحب الله ورسوله وكتابه والصحابة وجماعة المؤمنين، وهذا ما جاءت به الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تدل على هذا الأصل العظيم. فقد بين الحق سبحانه أن حب الله لا يتم إلا باتباع أمر النبي ﷺ : «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (آل عمران:٣١). وقد قال النبي ﷺ :» لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رواه مسلم: ٦٢. وكثيرة هي أنواع الحب التي ينساها الناس، فإذا ذكر الحب انصرف إلى العلاقة بين الرجل والمرأة فحسب. وأما الحب بين الرجل والمرأة فنوعان: النوع الأول: ما لا يستطيع القلب رده وهذا يعرض على القلب، ولا دخل للإنسان فيه.

стр. 19

فمثلا: إذا ذكرت امرأة ومدحها الناس لجمالها أو لعلمها أو لدينها وأخلاقها أو لشيء تتميز به، فإن بعض قلوب السامعين يتعلق بها دون أن يكون له قصد أو دخل في هذا. وقد يرى الرجل المرأة بنظرة عابرة فيحصل هذا الذي يجده في قلبه من حبها، والتعلق بها، ويتمنى أن تكون زوجته. وقد يكون العكس فالمرأة قد يذكر أمامها رجل، بصفات مثالية من خلق ودين وعلم وغير ذلك، أو تراه وتعجب لشيء فيه فيدخل في قلبها وتتمنى أن يكون زوجا لها. وهذا النوع من الحب: لا يأثم به المسلم لأنه خارج عن إرادته. وهذا الذي كان النبي ﷺ يطلب من ربه أن يسامحه عليه: ميل القلب الذي لا يملكه الإنسان. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» رواه أبو داود: ٢١٣٤. وقال الشوكاني: صححه ابن حبان والحاكم (١)، وضعفه الألباني. النوع الثاني: ما كان القلب فيه مختارا، وتسرح فيه الجوارح بما تشاء من كلام وغزل ومراسلات، وأحيانا اختلاط وخلوة، مما يدمر البيوت ويذر الديار بلاقع، ويسبب العداوة والبغضاء فيما بين الناس. ولعل هذا الذي يقصده أكثر الشباب في أسئلتهم. وإقامة هذا النوع من الحب كانت وسائله في القديم قليلة، لا بد فيها من اللقاء بين الرجل والمرأة، أو على الأقل وجود من يسوق مثل

стр. 20

هذا الحب. وأما اليوم فوسائله كثيرة، وسبله سهلة خصوصا في عهد الاتصالات، والهواتف المحمولة، وأكثر من ذلك شبكات الانترنت. وحكم هذا الحب: حرام بالأدلة النقلية والعقلية: الأدلة على تحريمه: ١ - لما كان النبي ﷺ في الحج: « ...... اسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَم (١): فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ. قَالَ: وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ بن العباس، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنْ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ........ » رواه الترمذي: ٨٨٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني. فلما رآه النبي ﷺ وفي نظراته شيء، خشي عليه من الفتنة، فتخيل لو تطور الأمر إلى الكلام بينهما، والمغازلة فهل سيسكت النبي ﷺ عنهما؟!! فدل على أن ذلك حرام بطريق الأولى. ٢ - إذا كانت هناك علاقة بينهما فلا بد أن يكون هناك نظر، ونظر الرجل للمرأة حرام إذا لم يكن هناك حاجة. والأدلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر،

стр. 21

قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» (النور: ٣٠). وكذلك قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» رواه البخاري: ٦١٢٢. ٣ - قال النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» رواه الترمذي: ١١٧١، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني. فهذا الحديث وغيره من مثله الكثير يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، فإذا تطورت العلاقة بينهما فسيصبح هناك لقاءات وخلوات، وكل ذلك لا يقره ديننا، ولا الفِطَر السليمة. ٤ - قال النبي ﷺ : «إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليأت أهله، فإن ذاك يرد ما في نفسه» رواه مسلم: ٢٤٩١. فإذا كان لا أمان من مرور المرأة أمام الرجل فكيف بالحديث والجلوس معه ومراسلته، فدل ذلك من باب أولى على حرمته. ٥ - قال النبي ﷺ : «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» رواه مسلم: ٤٦٣٢. فالإثم لا يتماشى مع النفس، بل النفس المؤمنة تنكره وتكرهه، ولو سألنا هؤلاء الناس الذين يقيمون العلاقات مع النساء: هل تحب أن يراك أحد وأنت مع هذه الفتاة؟ الجواب: لا. أتقبل أن يقيم أحد علاقة مع أختك؟

стр. 22

سيكون الجواب وبدون تفكير أو تردد: لا. فإذا كان لا يقبل هذا لنفسه فكيف يقبله لبنات المسلمين. فدل ذلك بما لا يدع مجالا للشك أن ذلك حرام، وأن المسلم ينبغي له أن يحافظ على عرض المسلمات كما يحافظ على عرضه، لأن المجتمع أمانة في أعناق الجميع.

стр. 23

المبحث الثاني: منكرات الخطبة المطلب الأول: قراءة الفاتحة عند الاتفاق يقوم الناس اليوم بقراءة الفاتحة بعد الاتفاق، وبعد الموافقة على هذا الرجل أن يكون زوجا لهذه الفتاة، في جلسة تكون غالبا عائلية بين أهل العروسين، ثم تقرأ مرة أخرى في مراسم الخطبة الأساسية عند الناس اليوم. ويقوم غالبا رجل بطلب يد البنت صوريا لأن الاتفاق يكون مسبقا، ثم يقرأ الناس الفاتحة تبركا، أن يكون هذا العقد والزواج مباركا. حتى قال لي أحد المثقفين، (ولكنه من العوام في دين الله): لا يصح الزواج بدون قراءة الفاتحة. والحق أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولم يعهد لأمته قراءة الفاتحة عند عقود الزواج أو عند أي عقد آخر، ولم يفعل ذلك واحد في القرون المفضلة. والأصل في مثل هذه الأمور أن تكون مشروعة بدليل، ولا دليل هنا، وقد نص على ذلك جمع من أهل العلم، منهم الشيخ ابن باز، وابن العثيمين وغيرهما الكثير. والأصل في إحداث مثل هذه الأمور أنها مخالفة لهدي النبي ﷺ ، يقول ﵊: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» رواه البخاري: ٢٤٩٩، ومسلم: ٣٢٤٢. وهدي الرسول ﷺ في ذلك أن يقول الذي يطلب العروس: خطبة الحاجة، ثم يبارك للعروسين بما جاء في السنة المطهرة.

стр. 24

فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: «إنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا». رواه أبو داود: ٢١١٨، وصححه الألباني. وأما الدعاء فيكون موافقا لما ورد في الحديث، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ (١) الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الْخَيْرِ» رواه ابن ماجه: ١٩٠٥، والترمذي: ١٠٩١، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني. قالت اللجنة الدائمة (٢): قراءة الفاتحة قبل الزواج بدعة، لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من صحابته، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد «رواه البخاري: ٢٤٩٩.

стр. 25

المطلب الثاني: لبس الذهب للرجال وبعد الاتفاق، وفي مراسم الخطبة، تقوم العروس بوضع دبلة من الذهب (١) في يد العريس، أو خاتما من ذهب (٢)، كما يقوم هو

стр. 26

بتلبيسها وتحليتها بالذهب. وقد يزداد المنكر ويعظم الإثم عندما يكون ذلك بحضرة النساء، والاختلاط بهن، وفي المكان تبرج وسفور، وسيأتي الكلام عن هذه المنكرات. وقد حرم الإسلام الذهب على الرجال، وجاءت النصوص الكثيرة في ذلك. منها: قول النبي ﷺ :» حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي: وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» رواه الترمذي: ١٧٢٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني. وقد «رأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ

стр. 27

رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ. فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » َرواه مسلم: ٣٨٩٧. وقد يضاف إلى هذا المنكر منكر عقدي آخر: وهو أن هذه الدبلة صارت شعارا للحب بين الزوجين، وعلامة من علامات المودة والتوفيق فيما بينهما، حتى صارت مظهرا من مظاهر السعادة. حتى إذا حدثت مشكلة بين الزوجين، ألقى العريس الدبلة في وجه العروس، أو على الأرض، علامة لتوتر العلاقة بينهما. وإذا صارت هذه من علامات النفع والضر فيما بين الزوجين، حرمت قولا واحدا، سواء من الذهب أو الفضة، حتى لو كانت خاتما. فالنفع والضر بيد الله وحده، وهذه التمائم لا تنفع ولا تضر، قال النبي ﷺ : «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» رواه أحمد: ١٦٧٨١، وصححه الألباني. (١)

стр. 28

وقال ﵊:» من علق تميمة فلا أتم الله له» رواه الحاكم: ٧٥٠١، وقال: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي (١): رجاله ثقات. فالذي ينبغي على المسلمين أن يتحرروا من الأوهام والخرافات، وأن تكون ثقتهم بالله وحده لا شريك له، مالك الأرض والسموات، الذي يتصرف في ملكه كيفما شاء، فهو سبحانه الذي «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» (الأنبياء: ٢٣)، فمن توكل على الله فهو حسبه. المطلب الثالث: الخلوة بالمخطوبة . ينبغي على الخاطب بداية أن يجمع كامل المعلومات عن البنت التي يريد الزواج منها، عن خلقها وخلق أمها، وعن أهلها جميعا لأن العرق دساس كما أرشد لذلك النبي ﷺ ، حيث قال: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ» رواه ابن ماجه: ١٩٦٨، وحسنه الألباني. وبعد جمع المعلومات ينبغي للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، وينبغي على أهلها أن يمكنوه من ذلك، والغرض من ذلك حتى تدوم الحياة بينهما بالوفاق، لأن كل رجل له في نظره حظ، وعنده في قلبه صفات يريدها أن تكون في زوجته، وهي كذلك.

стр. 29

ولو لزم الأمر أن ينظر إليها أكثر من مرة فلا بأس في ذلك. روى مسلم في صحيحه: ٢٥٥٢، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا». وخطب المغيرة بن شعبة امرأة، فقال له النبي ﷺ : «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» رواه الترمذي: ١٠٨٧، وصححه الألباني. فإذا نظر إليها وأعجبته، وتقدم لخطبتها، وتمت الموافقة فلا بد من الحذر من كثرة جلوس الخاطب معها. والناس في ذلك على أصناف: فيعيش كثير من الناس في حياتهم بين إفراط وتفريط، فبعض الناس يتشددون، ولا يسمح للخاطب أن يجلس مع المخطوبة، أو يسمع لحديثها، حتى يتعرف كل منهما على الآخر أكثر. وبعضهم على النقيض تماما فيسمح بالجلوس متى وكيفما شاء الخاطب، في أي ساعة من ليل أو نهار، وربما جلسا في غرفة مغلقة، أو خرجا إلى السوق، ويزيد البعض وربما يتهور بالسماح لهما بالسفر مع بعضهما البعض. والسبب في كل هذا أن البعض يتشدد عن عادة لا عن دين، والبعض يريد أن يعيش الحياة الغربية ولو للحظات من عمره، والبعض لا يعرف معنى الخطبة، فيظن أن الخاطب صار زوجا لابنته. فما هو معنى الخطبة؟

стр. 30

الخطبة: مأخوذة من المخاطبة، وهي: طلب المرأة للزواج، يقال: خطب فلان إلى فلان ابنته: أي طلب منه الزواج بها، قال تعالى: «وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ (البقرة: ٢٣٥)» (١). ومن هذا التعريف يتبين أن الخطبة ما هي إلا وعد بالزواج وليست زواجا، فالمخطوبة لا زالت أجنبية عن الخاطب، لا تكشف شيئا من عورتها أمامه، ولا تخلو به، ولا تخرج معه، ولا تصافحه لأن مصافحة المرأة الأجنبية حرام كما سيأتي بيانه. وربما يترك الخاطب المخطوبة، فهناك أعراف لا ترحم الرحماء. فيقول الناس: كانت تخرج معه، وتخلو به، فتصبح في أعرافهم كأنها مطلقة بعد الدخول. ولذلك لا ينصح بإطالة فترة الخطوبة لأن في إطالتها مظنة الفساد، والفساد يأتي من كثرة زيارة الخاطب لربما اصطدم مع أهلها بكثرة طلباتهم، ولربما شعروا بثقل زياراته المتكررة، وكثيرة هي المشاكل التي تنشأ بين الخاطبين، فيكون مصير ذلك وأد الحياة الزوجية قبل بدايتها. وقد يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن النفس الإنسانية أمارة بالسوء، فقد يترك الخاطب مخطوبته وقد حملت منه، فماذا تفعل بالجنين بعد ذلك، أتمسكه على هون أم تدسه في التراب؟ وكيف تحل مشكلة كهذه بعد ذلك؟! لذلك جاء الإسلام بالتحذير الشديد من الخلوة بالنساء، قال النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما

стр. 31

الشيطان» رواه الترمذي: ١١٧١، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني. ومن هنا يجب على المرأة أن يكون عندها من العلم الكافي بحال الرجل، وصفاته وميوله ورغباته، حتى تكون على حذر، وعلى دراية في كيفية التعامل معه. فيختلف تفكير الرجل عن تفكير المرأة في الخطبة. فهي تحلم في بيت جميل، وحياة زوجية سعيدة، وتفكر في شكلها يوم عرسها وما سيقول الناس عنها، وعن جمالها. وأما الرجل فيكون غالبا تفكيره الجنسي هو الغالب على حياته قبل الزواج، فينظر للمخطوبة نظرة جنسية. ومن هنا جاء الإسلام ليبين: أن مجرد الدخول على النساء فيه من المضرة والفتن ما فيه، قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ» رواه البخاري: ٤٨٣١. والحمو: قريب الزوج، من أخ وعم. ويأتي الموت من قبل هؤلاء لأنه يؤمن جانبهم، ويُطمأن من طرفهم، فيدخل على البيت دون شك أو شبهة، فتحصل عندها الفتنة، وما لا يحمد عقباه. والخاطب كذلك، فهو المحبوب إلى أهل البيت، سيما وهو الزوج المستقبلي للبنت، فهو حامي العورة وكافي المئونة، فيؤمن جانبه غالبا، فينبغي الحذر. وحتى بعد عقد الزواج وقبل الدخول: فالأولى أن لا يتوسع العاقد في علاقته مع المرأة التي عقد عليها، وإن كانت زوجته شرعا، أو في حكم الزوجة، إلا أن العرف يقضي بمراسم احتفالية لانتقال المرأة لزوجها، والإسلام يحترم أعراف الناس التي لا تخالف

стр. 32

نصوص الشريعة وأدلتها، فهذه الأعراف كانت موجودة عند سلفنا الصالح، وأقرها علماؤنا القدامى. والتحذير هنا وإن كان أقل من الناحية الشرعية إلا أن نسب الطلاق في المحاكم الشرعية قبل الدخول كثيرة، فالأولى أن يترك العاقد المرأة التي عقد عليها دون مسيس. لأن أعراف الناس تقضي أن المطلقة قبل الدخول لا زالت بكرا، فكيف إذا تبين غير ذلك؟ (١) المطلب الرابع: الإسراف في بطاقات الدعوة . يقوم الخاطب بعمل بطاقات دعوة، عند مراسم الخطبة، وأخرى عند الزواج، والغرض من هذه البطاقة دعوة الناس وإبلاغهم

стр. 33

بموعد العرس ومكانه. وصارت هذه من العادات اللازمة للعرس، والتي تحتاج إلى مشاورة العروس في شكل البطاقة ولونها ومونتاجها. ويتفنن الناس في الإسراف في مثل هذه البطاقات، وتنفق عليها المبالغ الباهظة أحيانا (١). ويحصل فيها من التنافس ما لا يحصل في أمر من أمور الآخرة، فهذا يريد أن يعمل بطاقات أفضل من عرس فلان، وذاك يريد أن يعمل بطاقة رآها في عرس في بلد مجاور، وآخر يقلب صفحات على الانترنت عسى أن يجد شيئا مميزا في ذلك. وهكذا ..... وأكثر الناس المدعوين لهذه الأفراح يكون عندهم العلم والدراية المسبقة بموعد العرس، وتكون البطاقة بعد ذلك شكلية فقط. فلماذا الإسراف؟ وقد نهانا الله سبحانه ﷻ عن الإسراف، فقال سبحانه:

стр. 34

«وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان:٦٧)». وقال سبحانه مخاطبا عباده «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف:٣١)». والأولى في أمثال هؤلاء أن يستبدلوا هذه البطاقات ببطاقات أقل تكلفة، وحتى لو عملت بطاقة على ورقة عادية مطبوعة، وموضوعة في ظرف، كما رأينا بعضهم يعمل ذلك، لكان ذلك كافيا موفيا بالغرض إن شاء الله. وفي بعض القرى الآن يتم دعوة الناس عبر مكبر صوت محمول على سيارة يدعو الناس من خلاله، ويكون ذلك كافيا.

стр. 35

المبحث الثالث: منكرات عند العقد تمهيد: يقوم العريس بعمل الإجراءات اللازمة لعقد الزواج، من أوراق، وفحوصات طبية لازمة لإجراء العقد، وتسجيله بشكل رسمي في المحكمة الشرعية. أو يقوم بإحضار المأذون إلى بيت العروس في كثير من الأحيان، ويتولى المأذون (١) تسجيل عقد الزواج في البيت، ومن ثم في المحكمة الشرعية. ولم يكن في عهد النبي ﷺ تسجيل العقود وإنما كانت تدار بدون كتابة، وهذا وإن لم يكن موجودا في عهده ﵊، إلا أن فيه من المصالح ما فيه، وهو أحفظ للحقوق الزوجية، وأنفى للنزاع، خصوصا ونحن نعيش في عصر تشترط فيه المرأة شروطا لا بد من حفظها وتوثيقها.

стр. 36

يقول ﵊: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رواه البخاري: ٢٥٢٠. ولعل أكثر شروط النساء اليوم في موضوعي: العلم والعمل. فتشترط عليه أن تبقى في عملها، وكذا أن تبقى في دراستها إن كانت تدرس، أو تسكن في مكان معين، إلى غير ذلك من الشروط التي لا بد من كتابتها حتى ينتفي النزاع فيما بينهما. المطلب الأول: التهنئة المخالفة للسنة وبعد كتابة العقد، والاتفاق على الشروط، يصيح قائلهم: الفاتحة. ثم يقوم الناس بتهنئة العريس، وغالبا يقوم العريس ويصافح الناس، ويهنئونه، مرة بالرفاه (١) والبنين، ومرة مبروك، وكلاهما غلط. والتهنئة بصيغة: بالرفاء والبنين، من عادات الجاهلية التي ذمها الإسلام. روى ابن ماجة في سننه: ١٩٠٦، وصححه الألباني من حديث عقيل بن أبي طالب، أنه تزوج امرأة من بني جشم، فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: كما قال رسول الله ﷺ : «اللهم بارك لهم وبارك عليهم»، والعلة في النهي عن هذه الصيغة من التهنئة: أنها من تهنئة أهل الجاهلية،

стр. 37

كما جاءت بعض روايات الحديث، كما يقول الأمير الصنعاني (١)، والألباني (٢). كما أن فيها: تخصيصا بذكر للبنين دون البنات، وهي خالية من الدعاء للعروسين، والأهم من ذلك أنها لا تحتوي على شكر أو ثناء لله تعالى المنعم والمتفضل بكل هذا. وأما كلمة مبروك: فمأخوذة من البروك، وأصله الثبات، بعكس كلمة مبارك: من البركة (٣). والأصل فينا كمسلمين أن ندع كل هذا مهما كان معناه، وأن نلتزم بما جاءت به السنة عن رسولنا ﷺ ، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الْخَيْرِ» رواه الترمذي: ١٠٩١، وصححه الألباني. المطلب الثاني: فسق الشهود لا يصح عقد الزواج بدون شاهدي عدل في أصح قولي العلماء، وهو رأي الجمهور، لقول الرسول ﷺ : لاَ نِكَاحَ

стр. 38

إِلاَّ بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَىْ عَدْلٍ» رواه الدارقطني في سننه:٣٥٦٧، وصححه الألباني بدون كلمة: عدل وقد ذهب قانون الأحوال الشخصية في بلادنا إلى اشتراط الشهادة على عقد الزواج، وهو الحق إن شاء الله. ومما يؤسف أن القانون لم يشترط العدالة في الشهود، وهذا أمر غريب خلاف ما قال به جمهور أهل العلم (١). وما يحدث اليوم: فإن الفاسق يشهد على عقد الزواج، والذي لا يصلي يشهد على عقد الزواج، وشارب الخمر كذلك يشهد، وربما الكافر الذي يسب الذات الإلهية يشهد على عقد الزواج. ولو ذهبت في جولة وتفحصت ما يجري في عقود الزواج في المحاكم الشرعية، لرأيت الأمور الغريبة في موضوع الشهادة: فأحيانا يأتي العريس بشهود من الشارع، لا يُدرى ما حالهم من الدين والعدالة والاستقامة. ثم إن هؤلاء الشهود لا يدرون على ماذا يشهدون، وإنما يكتفى بتوقيعهم وكتابة أرقام وثائقهم. وهنا ينبغي لمن أراد أن يعقد على امرأة أن يتنبه أن لا يشهد على عقده إلا صاحب الدين والتقوى، وأن لا يقبل رجلا لا يصلي مثلا ليشهد على عقده.

стр. 39

المطلب الثالث: المغالاة في المهور يختلف الناس في فهمهم للحياة بشكل عام، وللحياة الزوجية السعيدة بشكل خاص، حسب اختلافهم في منهجهم في الحياة الذي يسيرون عليه. فمتى كان الدين هو المحرك للناس في حياتهم، ومتى ساس الناس الدنيا بالدين متى استراحوا من عناء البحث عن القوانين المثالية، لأن الله الخالق العالم بما خلق، والأعلم بما صنع، أراح الناس من عناء وضع هذه القوانين، فسن لهم أفضل الشرائع، وأنزل إليهم أفضل الكتب. قال سبحانه: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (الملك:١٤)». فيرى كثير من الناس الزوج المثالي هو الذي يشغل منصبا راقيا، أو الذي يملك المال الكثير، ظنا منهم أن هذا هو سبب سعادة ابنتهم في الحياة. وهم يقتبسون ذلك من حياة غربية لا تمت لديننا وحياتنا وحتى عاداتنا بصلة، أو لأفلام ومسلسلات كاذبة تصور للناس أن الحياة ما هي إلا مال ومركب ونزهة، فيخترق عقل الفتيات ذاك الذي يعيش في برج، وتحته الخدم، وعنده المال أنه الرجل المثالي السعيد في حياته، فلا تقبل الفتاة عن مثله بديلا. ولربما عرفوا الخطأ في هذا الذي يبحثون عنه، عندما ذاقوا الويلات من أمثال هؤلاء، لأن صاحب المال الكثير الذي يعيش في الحياة بلا دين، ينظر إلى ابنتك على أنها متاع كأي متاع يُشترى بالمال. ونتيجة لهذه التراكمات الفكرية صار الناس يتفننون في تعقيد أمور

стр. 40

الزواج، حصولا منهم على الزواج المثالي كما يزعمون. فتفنن الناس أكثر ما تفننوا في مغالاتهم في المهور، وهم يظنون بذلك أن الزوجة كلما كان مهرها أكثر كانت غالية على زوجها. حتى صارت المرأة في الزواج كأنها سلعة تباع وتشترى، ونحن نسمع الناس ينفرون من فلان، لأنه يغالي في مهر بناته، بالفعل: عملية بيع وشراء. وربما يزيد الأمر سوءاً عندما يركن الناس في ذلك لرأي النساء، وعواطفهن دون التدخل في مثل هذه الأمور، لأنه يعتبر أن المرأة أكثر تقديرا منه حتى يكون عرس ابنته يتميز عن أعراس الناس أو على الأقل مثله. وكذا سكوت الدعاة عن مثل هذه الأمور أدى إلى تفشي مثل هذه الظاهرة بل تناميها، كيف إذا أضيف إلى ذلك أن العلماء أنفسهم لم يطبقوه على أنفسهم عند زواج بناتهم، فضلا عن عموم الملتزمين بالدين. وأحيانا يكون السبب في ذلك هم الأزواج الذين يريدون بذلك أن يثبتوا أمام أهل الزوجة قدرتهم على فعل الفرح المثالي الذي تطمح به البنت وأهلها، فيبذل الغالي والنفيس من أجل ذلك، ليس فقط في المهر بل هناك ما هو أدهى من ذلك وأمر. فمنهم من يبيع أرضه لأجل إحضار فرقة موسيقية، أو الذهاب إلى قاعة فاخرة. ونتيجة لمغالاة الناس في المهور نتج عندنا من المشاكل ما لا يحسد عليه المجتمع: منها عدم قدرة العديد من الرجال على الزواج، وبالتالي تأخر سن الزواج، وبالتالي العديد من النساء العوانس التي لا تريد أن تتزوج إلا بمبلغ كبير من المهر، حتى إذا ما طالت بها العنوسة قبلت بأي
следующие страницы →