Полный текст (641 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
- بسم الله الرحمن الرحيم -
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي أبطل شبه القاصرين عن إدراك اليقين وقطع بما وصل من سلسلة حفظة دينه دابر الكافرين، والصلاة والسلام على من نطق بجوامع الكلم وموجز المقال وبين بمختصر لفظه سائر الأحكام من الحرام والحلال وميز بما جاء به بين أهل الحق وفرق الكفر والضلال، وعلى آله وأصحابه نجوم سماء الهداية ورجوم شياطين الغواية صلاة وسلاما دائمين إلى النهاية.
أما بعد، فيقول الفقير إلى لطف الله تعالى الهادي محمود شكري بن السيد عبد الله بهاء الدين بن العلامة المفسر الشهير أبي الثناء السيد محمود شهاب الدين الحسيني الآلوسي البغدادي: إن أشرف ما يتعاطاه الإنسان ويصرف فيه نفائس الأوقات والأزمان هو الاشتغال بالعلوم الدينية واقتناص شوارد الأحكام الشرعية، سيما ما يتعلق برد شبه أهل البدع والأهواء ويدمغ أم رأس الزائغين عن المحجة البيضاء. ألا وإن أضرهم على الإسلام وأجرأهم في الهجوم على حمى محارم الملك العلام فرق الروافض المتمسكين بكل ما يناقض الدين المحمدي ويعارض، فهم الأولى بإعداد العدد والأحق ممن خالف أهل الحق بما نستمده من كل برهان وسند، فلقد فرقوا عصا المسلمين وأوهنوا الدين المحمدي المبين بدسائس لا تدري اليهود بعشرها وحيل لا تعرف الشياطين على خبثها ومكرها:
لقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير
ولقد أصبح اليوم أعراق قطر العراق مملوّة من سم أذنابهم، فلا ينجع فيه ترياق ولا ألف راق، فقد ارتد غالب القبائل والعربان على أعقابهم ورجعوا -والأمر لله تعالى- على أدبارهم، فرفضوا شعائر الإسلام وأهملوا سائر الأحكام واتخذوا بغض أئمة الدين عبادة وصيروا مقت أصحاب سيد المرسلين وسيلة لنيل السعادة وقعدوا عن نصرة إمام المسلمين في الجهاد، بل عدوا ذلك من باطل الاعتقاد.
стр. 2
فلذا ترى أحبارهم ورهبانهم يسرعون إليهم إذا قامت حرب بين المسلمين والكفار، فيعظونهم بالقعود عن نصرة المسلمين وإعانتهم ولو بأقل مقدار. إن سمعوا بنكبة المسلمين كان ذلك أسعد عيد، وإن أخبروا بنصرتهم غشيهم همّ ليس عليه من مزيد. فما أشبه حالهم بما قص تعالى في كتابه من حال إخوانهم اليهود حصب جهنم وحطبها: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾، كل ذلك من إهمال أولي الأمر وعدم المبالاة بهذا الأمر الأمَرّ.
فلم يعيّنوا من يلقن عقائد الدين جهلة الناس وعوام المسلمين ولا من يبين لهم الأحكام ويميز لهم بين الحلال والحرام:
وتراخى الأمر حتى أصحبت ... هملا يطمع فيها من يراها
فإن إزاحة جيوش ظلام الضلال بإيقاد مصباح الهدى والرشاد لا تتيسر من غير مساعدة من ولاه الله تعالى زمام أمور العباد. ومع ذلك إن من وقف على ما انطووا عليه واطلع زيغهم وضلالهم وشبههم فيما ذهبوا إليه ظهر له أنهم ليسوا على شيء وتبين لديه أن ما هم عليه ضلال وغي، فيستمسك المؤمن بعرى دينه ويعض بنواجذه على إيمانه ويقينه.
وقد أُلف في إبطال مذاهب هذه الفرقة السالكة طريق الردى والفئة الزائغة عن منهج الهدى كتب تصدع بالحق وتنطق بالصدق وتقلع أساس الكفر من محله وتستأصل عرق الرفض من أصله. غير أن البعض منها فيه إطناب ممل، والبعض الآخر فيه إيجاز مخل.
ولقد لخصت فيما مضى ترجمة التحفة الاثني عشرية بألفاظ موجزة وعبارات مرضية. وقد ظفرت في هذه الأيام بكتاب الصواقع المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة لخاتمة فحول الأنام وشيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره: نصير الدين الشيخ
стр. 3
محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي ابن العلامة جامع المعقول والمنقول حادي الفروع والأصول خواجة محمد سميع الشهير بمولانا برخور ولد الحسيني الصديقي، سقى الله ثراه صيب رحمته وأسكنه جل شأنه فسيح جنته. فرأيته كتابا تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل. وهو أشبه شيء بالتحفة الاثني عشرية وأوفقها بجميع ما انطوت عليه من كلية وجزئية:
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
غير أن فيه بعض زيادات تعد من جمة الإفادات. وكان مفتقرا إلى الإيجاز وتبديل بعض عبارات فيه كالألغاز، حيث أن المؤلف رحمه الله تعالى أدى غالب مقاصده بألفاظ غير مأنوسة الاستعمال وكلمات لا تكاد تعرف إلا بمراجعة كتب اللغة وكملّ الرجال. وقد اشتملت مع ذلك على ذكر حكايات لا تفيد شيئا لدى الخصام والمشاجرات وعلى عبارات لا دخل لها في المقصد ولا تعرض لها في دفع الخصم الألد.
فأحببت أن ألخصها ليعم نفعها وأختصرها كي يسهل أخذها ونقلها. وسميت ما كتبته واختصرته ولخصته "السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة". والله سبحانه الميسر وهو المعين وبه جل شأنه في كل الأمور نستعين.
стр. 4
المقصد الأول في بيان سبب ظهور الرافضة وسبب افتراقهم وعدد فرقهم
وبيان أول من لقب بالشيعة ومدتهم وذكر مكائدهم وغير ذلك مما سيجئ إن شاء الله تعالى في فصول متعددة
стр. 5
الفصل الأول في بيان مبدأ ظهور الرافضة
اعلم أن الله تعالى لما فتح بلاد الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وعباد الوثن والنار على أيدي أصحاب رسول الله ﷺ وأيدي من اتبعهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم وشرفهم وعظمهم وكرمهم، وهلكت أعداء الله بسيوفهم القاطعة وأسنتهم اللامعة وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ذلك بما قدمت أيديهم من معصية خالقهم عز اسمه وجل علاه؛ تستر من تستر منهم بإظهار الإسلام وجعله جنة لرشق مصيب السهام، فأظهروا الانقياد والإيمان وأبطنوا الضلال والكفران، ومع ذلك فهم لم يألوا جهدا في إعداد ما يطفئ نور الله الذي أراد ظهوره، وأنى لهم ذلك ويأبى الله إلا أن يتم نوره. فكان الدين المحمدي إذ ذاك في ترقٍ واستظهار، وكلمة المسلمين غير مختلفة ويدهم واحدة على الكفار، فلم يحصل مراد المنافقين من تشتيت شمل الموحدين، ولم يتيسر لأولئك الأشقياء إلقاء العداوة بينهم والبغضاء، حتى خرج أهل مصر بتقدير العزيز العليم على ثالث الخلفاء ذي النورين عثمان بن عفان المبشر على بلوى تصيبه بجنات النعيم. فانتهز المنافقون إذ ذاك فرصة الظفر بمقاصدهم ونيل أوطارهم ومرادهم فاتبعوا أولئك المارقين، واتفقوا مع الخارجين وحملوا حينئذ على قتل عثمان وسقيه كأس المنون، فقتلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فحل بالمسلمين من البلاء ما حل، والأمر كله لله . وبعد أن استشهد رضي الله تعالى عنه بويع لعلي كرم الله تعالى وجهه بالخلافة، وكان أهلا لذلك، فقد اختاره للإمامة من اختار أسلافه. وقد خرج عليه من خرج وبغى عليه من بغى ممن أخطأ في ذلك المنهج، فسمي حينئذ من تابع الأمير بشيعة علي ذي القدر الخطير، وكانوا على اعتقاد أهل الحق، ثم تابعهم المنافقون ومن خرج على عثمان واختلطوا جميعا وقيل للكل شيعة علي. وكان من جملة المنافقين عبد الله بن سبأ اليماني الصنعاني. وكان أول أمره
стр. 6
يهوديا خبيث النفس، فأظهر للشيعة الذين كانوا على نهج الحق كمال المحبة لعلي وسائر أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحث المسلمين على ذلك ورغبهم فيما هنالك، وهو يستبطن إضلالهم وتفريق شملهم، حتى تأكد لديهم أنه من المخلصين ومن أجلة المسلمين، وأنه حل عندهم أعلى محل.
ولما تيقن أن قوله لديهم يسمع وأمره مقبول ومطاع وأن خزعبلاته تروج عليهم، ذكر لهم أن أمير المؤمنين أفضل البشر بعد رسول الله ﷺ لأنه أخوه وابن عمه ووصيه وصهره وأولى الناس به، وتلا لهم الآيات الواردة في فضائله وروى الأحاديث الصحيحة والموضوعة في مناقبه. فلما صدقوه بذلك وانطوت عقائدهم على ما هنالك، ألقى على طائفة من هؤلاء الشيعة دسائس أخرى، وهي أن أمير المؤمنين كان وصي النبي ﷺ وخليفته من بعده، وقد نصّ على خلافته وأمر أصحابه باتباعه والاعتراف بإمامته وأوصاهم بإطاعته وأنزل الله تعالى فيه لما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة راكعا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾،
стр. 7
ولكن الصحابة أضاعوا وصيته في وصيّه، ولم يطيعوا الله ورسوله فيما أمروا به، ونبذوا أمر الرسول وراء ظهورهم وارتدوا على أعقابهم إلا أربعة منهم، وعصب أبو بكر وصاحباه حقه وظلموه. فاعتقدوا ذلك حقا وحسبوا هنالك صدقا، فصدق إبليس عليهم ظنه فاتبعوه من دون الله، لا يلتفتون في ذلك لعذل عاذل ولا يصغون لقول قائل ولا يفيدهم الوعظ والزجر ولا ينفعهم الدعاء والذكر. والذكرى تنفع المؤمنين وتفيد الموحدين.
ثم إن ابن سبأ لما رأى من طاعة قومه له ما رأى وحصل له بعض الأماني، قصد أن يظهر مطلوبه ويطلب منهم مراده ومقصوده، فاختلى بطائفة منهم ممن لا يفرق بين القشر واللب ولا يميز بين الغث والسمين، وناجاهم بأنكم قد شاهدتم من خوارق الأمير ما شاهدتم وعلمتم أن ذلك مما لا يمكن صدوره عن بشر، كقلب الأعيان وإحياء الموتى والإخبار عن الغيوب وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، فما تقولون فيه؟ قالوا أنت أعلم به منا وأبصر بحاله. قال هلموا إلي في الليل أبين لكم رأيي فيه. فلما جاءوه عشاءً قال: يا معشر الأحباب وذوي الألباب، إنكم لتعلمون أنه لا يمكن صدور مثل تلك الأمور إلا من الله، فاعلموا أن عليا هو الإله لا إله إلا هو، وقد سمعت منه أنه يناجي: أنا حي لا يموت، أنا باعث من في القبور، أنا أقيم القيامة! فجذبهم بعنان كذبه وافترائه إلى الكذب والضلال لأنهم كانوا مستعدين لمثل هذا، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾، وكل ميسر لما خلق له، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
стр. 8
وكان ابن سبأ يدعو الناس إلى ما دعى إليه سرا وعلانية، حتى قال هو وأصحابه للأمير شفاها بعد ما رأوا شيئا من خوارقه: أنت الإله حقا، فزجرهم ونهاهم عن ذلك واستتابهم، فأظهروا التوبة، فنفاهم إلى المدائن. فلما استقر ابن سبأ وأصحابه بها شرعوا يغوون الناس ويستميلونهم إلى عقائدهم الخبيثة، ووافقهم جم غفير على القول بألوهية علي رضي الله تعالى عنه، فضلوا ضلالا بعيدا.
وسيّر ابن سبأ دعاته إلى البلاد الدانية والقاصية ليدعوا الناس إليه، حيث لم يكن له عن هذا الأمر دافع ولا صاد.
وافترقت الشيعة حينئذ إلى أربع فرق
الفرقة الأولى المخلصون: وهم الناجية الذين هم أهل السنة والجماعة ما عدا البغاة.
الفرقة الثانية التفضيلية: وهم الذين يفضلون عليا كرم الله تعالى وجهه على كافة أصحاب رسول الله ﷺ .
والثالثة السبئية: وهم الذين يسبون أصحاب رسول الله ﷺ ، بل يكفرونهم، وحاشاهم رضي الله تعالى عنهم.
والرابعة الغلاة: وهم الذين يقولون بألوهية علي كرم الله تعالى وجهه.
ثم إنه قد افترق كل من الفرقتين الأخيرتين إلى فرق كثيرة وصاروا طرائق قددا. وسيجيء إن شاء الله تعالى ذكرهم بالتفصيل، ومنه الهداية والتوفيق.
стр. 9
الفصل الثاني في بيان سبب افتراق الرافضة
اعلم أن ابن سبأ لما دعى الناس إلى ما دعاهم إليه من الرفض والضلال، وأجابه من أجابه من الحمقاء، صارت الرافضة فرقتين، وكانت دعاة كل فرقة يدعون الناس إلى مذهبهم. ولما دعى بعض دعاة الفرقة الغلاة إلى مذهبه طائفة من الفرقة السبئية وتبعه منهم من تبعه، وكان فيهم من له أدنى روية وعقلٍ أعرض عنه وشدد عليه النكير، وقال من يأكل ويشرب ويصحّ ويمرض ويجوع ويعرى ويلد ويولد كغيره من الحيوانات أنى يسوغ أن يدعى فيه الألوهية.
فلما أذعن طائفة منهم إلى هذا القول واستشكل عليه الأمر والتبس عليه طريقه، راجع من يعوّل عليه ويقبل قوله لديه، ففكر وقدر ثم قتل كيف قدر، ثم قال له مجيبا: إن الله روح حلّ في علي وهو ليس بإله، وإنما حلّ الإله فيه كما حلّ في عيسى بن مريم واتحد بناسوته. فاستحسنه جماعة من الحمقى وعقدوا قلوبهم عليه. فافترقت فرقة الغلاة إذ ذاك فرقتين: فرقة تقول إن عليا هو الإله، وأخرى تقول بحلول الإله فيه. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم زاد رؤساء كل فرقة ما دعته له أهواؤهم وأوحته إليهم شياطينهم. فكثرت فرقهم وتشعبت طرقهم. ولما استشهد ريحانة الرسول الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه، ومضت برهة من الزمان، نهض كيسان مولى السبط الأكبر يدعو الناس إلى إمامة محمد بن علي بن أبي طالب، لأنه بعد أن جاء مولاه بنفسه لازم صحبة أخيه محمد وأخذ عنه
стр. 10
غرائب العلوم، فلبى دعوته جمع من الفرقة الأولى، منهم مختار بن أبي عبيدة الثقفي، وسمَت نفسه للسلطنة، فادعى أنه استخلفه محمد لطلب ثأر أخيه والجهاد مع أعدائه، إلا أنه قال بإمامة السبطين وكان كيسان ينكرها، ودعى جمعا كثيرا إلى مذهبه فاتبعوه، ولقب أصحابه بالمختارية. وحاربوا معه النواصب من المروانية فهزموهم بإذن الله، واستولى على العراق وديار بكر والأهواز وأذربيجان. ثم اختلفوا في الإمام بعد محمد:
فقال أبو كريب وكان من رؤسائهم: محمد خاتم الأئمة، وقد اختفى من خوف الأعداء وسيظهر بعد حين.
وقال إسحاق منهم: الإمام بعد محمد ابنه أبو هاشم بن حرب، وكان من
стр. 11
رؤساء الكيسانية.
وذهبت فئة من موالي آل جعفر بن أبي طالب إلى أن الإمام بعد أبي هاشم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وتبعهم جمع كثير.
وذهبت جماعة أخرى من الكيسانية إلى أن الإمام بعد ابي هاشم علي بن عبد الله بن عباس لما انتقلت الخلافة إلى آل عباس ثم إلى أولاد المنصور.
ولما خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم على ابن عبد الملك بن مروان الأموي، وتابعه جماعة من الشيعة المخلصين واثنا عشر ألفا من الفرقة الأولى من الرافضة، وحاربوا معه يوسف بن عمرو الثقفي أمير العراقين، ورفضه الرافضة واستشهد؛ قال لأصحابه: إن الإمام بعد الحسين زيد. ثم اختلفوا في تعيين الإمام بمقتضى ما عرض لأوهامهم.
стр. 12
ونهض بعض الفرقة الأولى لما سمَت نفسه للرئاسة يدعو الناس إلى إمامة الحسن المثنى بن الحسن السبط، وجمع [عددا] منهم إلى إمامة علي بن الحسين. وكان أفضل أهل زمانه في العلم والورع. فاتبعه جمع كثير ودعوا الشيعة إليه.
وكان من تلك الدعاة هشام بن الحكم الأحول وهشام بن
стр. 13
سالم الجواليقي وشيطان الطاق والميثمي وزرارة بن أعين.
وقالوا الإمام بعد علي بن الحسين ابنه محمد الباقر. واختلفوا فيه، فقال جمع إنه حي وقال آخرون إنه مات والإمام ابنه زكريا وهو حي. وقالت جماعة الإمام بعده ابنه الصادق، فتبعهم جمع كثير ولقبوا بالإمامية. وزاد كل
стр. 14
منهم في أصول المذهب أشياء ودعى الناس إليه فتبعه جمع كثير. فافترقت الإمامية ست فرق: الحسنية والحكمية والسالمية والشيطانية والميثمية والزرارية. ثم اختلفوا في الإمام بعد الصادق. فقالت جماعة هو حي لكنه اختفى وسيظهر بعد حين، وقال جمع إنه مات والإمام بعده ابنه موسى. ثم افترقوا وسبب ذلك اختلافهم في تعيين الإمام بعد الإمام السابق أو إنكار أو ادعاء رجوعه بعد الموت، ولذلك كثرت فرقهم.
وقالت جماعة أخرى الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل. وافترقوا فرقتين. منهم من قال إنه حي وهو خاتم الأئمة، ومنهم من قال إنه مات والإمام بعده ابنه محمد.
وافترقت الفرقة الثانية أيضا. وسبب افتراقهم أنه لما مات إسماعيل خلّف ابنا يدعى محمدا، فقدم مع جده إلى بغداد ومات هناك ودفن في مقابر قريش. وكان له عبد حجازي سماه المبارك، وكان مشهورا بجودة الخط والقرمطة، فلاقاه عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي بعد وفاة الصادق، فادعى أنه من شيعة هؤلاء، وكان ينادمه ويلازمه حتى حل
стр. 15
عنده محل الروح من الجسد وقال: قد ظهر لي من مولاك محمد ما ظهر من الأسرار المكتومة على غيري، فراج عليه كذب حتى ألحّ عليه أن يبين له ما باح له مولاه من أسراره، فقال له: بشرط أن يجعل ليلك ليل أنقد، وأعطاه مال عن ظهر يد. فذكر له شيئا من كلام الأئمة في المقطعات، ودس فيه شيئا من الفلسفة، وعلمه طرفا من الشعوذة والسحريات والطلاسم، وكان ماهرا في تلك العلوم. وقد ذكره محمد بن زكريا الرازي في كتاب المخاريق مع غيره من الحكماء. ثم بين له شيئا من عقائده الزائغة، فراج عليه زيفها وقبل ما ألقاه عليه. ثم افترقا. فخرج المبارك إلى الكوفة ودعا أهلها إلى مذهب الإسماعيلية، فأجاب دعوته جمع كثير ممن لا يفرق بين النقير والقطمير، ولقب شيعته بالمباركية والقرامطية أيضا. وخرج عبد الله بن ميمون إلى قهستان العراق ودعى جمعا إلى مذهبه، فاتبعه فريق من الضالين ورهط من المفسدين، ولقب شيعته بالميمونية. ثم استخلف رجلا اسمه خلف
стр. 16
سيّره إلى خراسان وقم وقاشان، فأضل من ابتع هواه وأطاع الشيطان وعصى الإله. وارتحل ميمون إلى البصرة فدعى جمعا من أهلها إلى مذهبه فأبى أكثرهم. ولم يزل يروق لهم كلماته ويموه عليهم غلطاته حتى أجابه الغفير الجمّ منهم. وقدم خلف طبرستان ودعى الشيعة إلى مذهب القداح، وقال هو مذهب أهل البيت، وإذا خرج قائمهم أذاع ذلك وسيخرج عن قريب. ثم قدم الكوفة فأضل من أضل. ثم توجه إلى نيسابور فأقام في قراها يدعو الناس إلى مذهبه الباطل، فأجابه من الجهلة من أجابه. وقد انتشر أمره بين أهل السنة فقصدوه، فلما أحس بذلك هرب منهم وشرع يجول في الفلوات، إلى أن قصم الله عمره.
ثم أقام مقام الخلف بعده أحمد واستخلف رجلا من علماء السوء اسمه غياث وسيره إلى العراق وحثه على استمالة الناس إلى مذهبه.
وكان غياث أديبا ماهرا في النحو واللغة شاعرا مجيدا، فصنف في أصول مذهب الباطنية كتابا سماه بالبيان، وقد رصعه بأمثال العرب وأشعارهم، واستدل على مذهبه بالآيات والأخبار، وذكر معنى الوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الأحكام لغةً، وقال هو مراد الشارع دون ما فهمته العامة. وكان كثير الجدل والمناظرة مع مخالفيه، فأتاه ذوو الضلال من كل فج عميق وأسرعوا له من كل بلد سحيق، ليأخذوا عنه مذهبه الباطل ظنا منهم أنه الحق، ولم يدروا أنه بعيد
стр. 17
عنه بمنازل. ولقب تابعيه بالخليفية، وكان ذلك سنة اثنين ومائتين. فينما هو راكب متن ضلاله سائر في أودية سوء أفعاله إذ أخبره رجل بأن الملأ يريدون قتلك. فخرج حينئذ منها إلى مرو الشاهجان. فأقام هناك مدة وأضل فيه من أضل بتقدير الله . ثم رجع إلى الري فأُخبر أن أهل السنة يطلبونه، فهرب منهم هو وأتباعه الفجرة، فاختارته المنية في الطريق، ومات في البصرة ودفن هناك.
واستخلف بعده ولده أحمد. وكان يتلو تلو أبيه من البصرة إلى الشام ولم ينل هناك شيئا من بغيته، فارتحل إلى المغرب وثوى في بلد كان أكثر أهله كالأنعام. ودعاهم إلى مذهب الإسماعيلية فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. ثم رجع إلى الشام فلم ينل مراده أيضا، فقدم البصرة ولقي هناك هند الأخاسس، وخلّف ابنه محمدا، فخرج إلى المغرب فعلا قدره
стр. 18
ثمّة، وادعى أنه هو المهدي الموعود به. فاستولى على الإفريقية وغيرها من بلاد المغرب. ولقب أتباعه بالمهدوية. ثم افترقت المهدوية بعد مدة فرقتين. وسبب ذلك أن المستنصر من ولد المهدي نصّ على إمامة ولده نزار ثم على إمامة ولده المستعلي، فأخذ جمع بالنص الأول وآخرون بالثاني.
ثم خرج من هؤلاء القوم محمد بن علي البرقعي في الأهواز سنة خمس وخمسين ومائتين. وادعى أنه من العلوية ولم يكن منهم، إلا أن بعض العلوية تزوج بأمه فعزا نفسه إليه. واستولى على خوزستان بصرة وأهواز. وأضل خلقا كثيرا من الناس. ولقب أتباعه بالبرقعية.
وأرسل إليهم المعتضد العباسي غير مرة جنودا كثيرة، فغلبوا عليهم في كل مرة
стр. 19
بتقدير الله تعالى. وبقي خمس عشرة سنة في أرغد عيش حتى أتى أمر الله، فسيّر المعتضد جنودا لا قبل لهم بها، وذلك سنة سبعين ومائتين، فقاتلوا جنوده أشد القتال، فهزموهم بإذن الله وأسروا البرقعي وذهبوا به إلى بغداد. فأمر المعتضد أمير العسكر أن يقتله ويصلبه في جذع نخلة، ففعل كما أمر، فاضمحل الباطل حينئذ وانقشعت غيوم الضلال وتفرقت أتباعه أيادي سبأ.
ثم خرج سنة ثمان وسبعين ومائتين رئيس القرامطة واستولى على قطيف. وخرج هذه السنة فيما وراء النهر رجل منهم يقال له حكيم بن هشام الملقب بالمقنع، وكان بليغا ماهرا في علوم الشعوذة والحيل والنجوم والسحريات والطلمسات وكثير من علوم الفلاسفة، وكان يظهر للناس أمورا غريبة من السحر والشعوذة. فتبعه جمع كثير من الجهلة، حتى عمل قليبا في بلدة نسف يخرج منه بعد المغرب قمر منير يضيء خمس فراسخ ثم يأفل فيه قبل طلوع الفجر. فكثرت أتباعه إذ ذاك. ولقب تابعيه بالمقنعية. وادعى الخبيث أنه رابع أربعة آلهة فصدقته شيعته.
فأرسل إليه الخليفة وملوك ما وراء النهر جنودا تترى يقاتلونهم ثم يغلبون، حتى
стр. 20
جاء أمر الله، فأرسل الخليفة والملوك وأمراء خراسان جنودا متتابعة، فحاربهم فضاقت عليه الأرض، فتحصن هو وأصحابه حصنا حصينا قد بناه على بعض التلال وهرب الآخرون منهم، وقاتل المسلمون أهل الحصن من وراء الجدر. فلما نفد ما عندهم من الزاد أمر أصحابه أن يوقدوا نارا عظيمة فأوقدوها، ثم سقاهم سما مع الخمر فماتوا جميعا، فألقى أجسادهم في النار، فلما صارت رمادا نسفها نسفا، ثم دخل الخبيث في جب من المياه الحارة التي لا يقع فيها شيء إلا صار ماءً، وكانت في زاوية من زوايا الحصن جارية مريضة قد أغمي عليها، فأفاقت بعد يومين ولم تر أحدا في الحصن، فزحفت إلى الباب فنادت أن ليس في الحصن أحد غيري، فستور جمع منهم الحصن فلم يروا منهم أحدا، فنزلوا وفتحوا الباب ودخل فيه المسلمون فلم يروا منهم أثر فتعجبوا. وزعم أتباعه الذين تفرقوا في البلاد أنه عرج هو وأصحابه إلى السماء.
وخرج أيضا رجل منهم في عهد المعتضد، وهو أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، في البحرين على أبحر والحسا والقطيف وسائر بلاد البحرين. ودعى الناس إلى مذهب الباطنية من الرافضة. ولقب تابعيه بالجنابية. وكانوا يغيرون على القرى ويقطعون السبل ويقتلون المسلمين. فقتله خادم له في الحمام سنة إحدى وثلاثمائة. وقام مقامه ولده طاهر، وكان هو وأبوه على عقيدة واحدة، وهوه الذي قتل الحجاج في الموسم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وقيل قتلهم أبوه. وأذاع مذهب الباطنية. وكان يسعى غاية السعي في الإضلال حتى صاحت به وبأكثر أتباعه حوادث الدهر.
стр. 21
ونهض حمدان منهم، وكان من قرمط يدعو الناس إلى إمامة محمد بن إسماعيل وأنه حي لم يمت وهو المهدي. ولقب أتباعه بالقرمطية، وغلب عليهم بهذا اللقب، ولا يلقب به المباركية بعده.
ثم نهض ابن أبي الشمط وخالف حمدان وقال الإمام بعد إسماعيل أخوه محمد ثم أخوه موسى الكاظم ثم أخوه عبد الله ثم أخوه إسحاق. ولم ينكر إمامة محمد بن إسماعيل لكن أنكر حياته. ودعى الناس إليه. ولقب أصحابه بالشمطية. وعاش أعواما في إضلال الناس حتى ورد حياض غتيم.
والميمونية والخلفية والبرقعية والمقنعية والجنابية والقرمطية كلهم من الباطنية. ولا خلاف بينهم في العقائد إلا في بعض المسائل. وكلهم يوجبون العمل ببواطن النصوص لا بظواهرها، ولذا لقبوا بالباطنية. لكن لقبت كل قوم منهم بلقب ليتعارفوا، إلا أن المقنع في أواخر ايامه ادعى الألوهية.
والباطنية كلهم من الإباحية وغلاة الرافضة. وكان بين البرقعي والمقنع والقرمطي عيبة مكفوفة، وكان بينهم مكاتبات، وهم على وتيرة واحدة. وأول من دعى الناس إلى مذهب الباطنية القداح. وأول من جهر به البرقعي ثم المقنع والجنابي ثم الحسن من
стр. 22
النزارية ثم غير واحد من ولده. والمهدوية منهم يبالغون في إجراء الأحكام الشرعية خشية أن ينفر عنهم الناس.
وتقول أئمتهم لكل من شيعتهم سبح يغتروا.
стр. 23
الفصل الثالث في بيان فرق الشيعة
اعلم أن فرق الشيعة كثيرة، وأصولهم خمسة: الشيعة الأولى والغلاة والكيسانية والزيدية والإمامية. وأصل الفرق الأربعة الكذب والبهتان، وجل مقالاتهم في اتباع الهوى.
أما الشيعة الأولى فهم المخلصون. وهم الذين شايعوا عليا كرم الله تعالى وجهه بعد أن بايعه المسلمون للخلافة ولازموا صحبته من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة وغيرهم ممن تبعهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم. وهؤلاء افترقوا فرقتين: السنية قالوا إن عليا هو الخليفة بعد عثمان والإمام الذي افترضت طاعته، ومن خرج عليه فو باغ مخطئ؛ والتفضيلية قالوا إن عليا وأولاده أحق بالخلافة من غيرهم وهو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، ولا يذكرون الصحابة إلا بخير ولا يعزونهم إلى الضلال. ولا خلاف بينهم وبين الفرقة الأولى في هذه المسألة.
وأما الغلاة فأربع وعشرون فرقة
الأولى السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ. قالوا إن عليا هو الإله حقا وإنه لم يقتل وإنما قتل ابن ملجم شيطانا تصور بصورته وإنه في السحاب وإن الرعد صوته والبرق سوطه وإنه ينزل بعد حين يقتل أعداءه.
الثانية المفضلية: أصحاب المفضل الصيرفي. قالوا في الأئمة مثل ما قالت النصارى في المسيح وإنه تعالى حل فيهم واتحد بناسوته وإن النبوة لم تنقطع،
стр. 24
وينتحلون النبوة والرسالة.
الثالثة السريغية: أصحاب السريغ. قالوا إن الله تعالى حل في خمسة أشخاص، النبي والعباس وعلي وجعفر وعقيل.
الرابعة البزيعية: أصحاب بزيع بن يونس. قالوا جعفر بن محمد هو الإله لا يرى، ولكن شبه بهذه الصورة، والأئمة يوحى إليهم ويرقون في الملكوت.
الخامسة الكاملية: أصحاب أبي كامل. قالوا إن لله تعالى مكانا وإن الأرواح تتناسخ وكان روح الله في آدم ثم في ولده شيث ثم في الأنبياء والأئمة، وكذلك تتناسخ في سائر بني آدم، وإن الصحابة كفروا بترك بيعة علي، وكذا علي بترك طلب الحق.
السادسة المغيرية: أصحاب مغيرة بن سعد العجلي. قالوا إن الله تعالى على صورة رجل وإنه جسم على رأسه تاج من نور قلبه منبع الحكم.
السابعة الجناحية: قالوا الأرواح تتناسخ، وكان روح الله تعالى في آدم ثم في شيث ثم سائر الأنبياء والأئمة حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة ثم إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، وهو الإمام بعد محمد بن الحنفية. وأنكروا المعاد
стр. 25
واستحلوا المحارم.
الثامنة البيانية: أصحاب بيان بن سمعان النهدي. قالوا إن لله تعالى صورة وإنه حل في علي واتحد بناسوته ثم في ابنه محمد ثم في ولده أبي هاشم ثم في بيان واتحد بناسوته.
التاسعة المنصورية: أصحاب أبي منصور العجلي، ويقال لهم العجلية أيضا. قالوا الرسل لا تنقطع أبدا وإن العالم قديم. وأنكروا الأحكام والجنة والنار وأولوها. وقالوا الإمامة صارت إلى محمد بن علي بن الحسين ثم انتقلت منه إلى أبي منصور هذا.
العاشرة الغمامية: ويقال لهم الربيعية أيضا. قالوا إن الله تعالى ينزل إلى الأرض كل ربيع في غمام فيطوف الدنيا ثم يعرج إلى السماء.
الحادية عشرة الأموية: أصحاب الأموي. قالوا إن عليا كان شريكا لمحمد في النبوة.
стр. 26
الثانية عشرة التفويضية: قالوا إن الله تعالى خلق الدنيا وفوضها إلى محمد وأباح له كل ما فيها. وقالت طائفة منهم فوضها إلى علي. وقالت أخرى إليهما.
الثالثة عشر الخطابية: أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي. قالوا إن الأئمة أبناء الله وعلي إله وجعفر الصادق الإله الأصغر وأبو الخطاب نبي، والأنبياء فرضوا على الناس طاعة أبي الخطاب. وكان يأمر أصحابه بشهادة الزور على مخالفيه.
الرابعة عشر المعمرية: أصحاب المعمر. قالوا جعفر بن محمد الصادق نبي ثم بعده أبو الخطاب وبعد قتله معمر، وأحكام الشريعة مفوضة إلى النبي وقد أسقطها معمر. وهؤلاء فرقة من الخطابية.
الخامسة عشر الغرابية: قالوا إن الله تعالى أرسل جبريل فغلط في تبليغ الرسالة من علي إلى محمد، وكان محمد لعلي أشبه من الغراب بالغراب، لذلك لقبوا بالغرابية.
السادسة عشر الذبابية: قالوا إن عليا إله وإن محمدا نبي وهو أشبه له من الذباب بالذباب. وهؤلاء طائفة من الغرابية رجعوا عن عقيدتهم إلى هذه العقيدة.
السابعة عشر الذمية: قالوا إن عليا إله، ويذمون محمدا لأنهم يزعمون أن عليا هو
стр. 27
الإله وقد بعث محمدا ليدعو الناس إليه فدعاهم إلى نفسه دونه، فلذا لقبوا بالذمية.
الثامنة عشر الاثنينية: قالوا إن محمدا وعليا كلاهما إله، وافترقوا فرقتين؛ فقدمت فرقة عليا وقدمة فرقة أخرى محمدا، وهؤلاء الفرقة من الذمية رجعوا عن الذم وشاركوا محمدا مع علي في الإلهية.
التاسعة عشر الخمسية: وهم فرقة من الذمية أيضا. قالوا الآلهة خمسة محمد وعلي وفاطمة وحسن والحسين، وزعموا أن الخمسة شيء واحد وأن الروح حالة فيهم على السوية لا مزية لواحد منهم على الآخر. ومن أعجب العجائب أن طائفة منهم كانوا يحذفون التاء من فاطمة تحاشيا عن وصمة التأنيث مع اعترافهم بأنها بنت محمد وبعلة علي وأم الحسن والحسين، وذلك من فرط شركهم وجهالتهم وغباوتهم وضلالتهم. وربما يطلق عليهم وعلى الاثنينية النزة الأولى مع أنهم تبرؤوا عن الذم.
العشرون النصيرية: أصحاب نُصير. قالوا إن الله تعالى حل في علي ثم الأئمة من ولده، ولذا أطلقوا الألوهية على علي والأئمة.
الحادية والعشرون الإسحاقية: أصحاب إسحاق. قالوا الأرض لا تخلو من نبي، والله حل في علي ثم في الأئمة من ولده كما قالت النصيرية. إلا أنهم اختلفوا فيمن حل الله فيه بعد علي من ولده.
الثانية والعشرون [العلبائية]: أصحاب [علباء] بن دراع الأوسي، وقيل
стр. 28
الأسدي. قالوا إن عليا هو الإله وهو أفضل من محمد وإن بايعه.
الثالثة والعشرون الرزامية: أصحاب الرزام. قالوا الإمام بعد علي ابنه محمد ثم ولده أبو هاشم ثم علي بن عبد الله بن العباس بوصية أبي هاشم له ثم محمد بن علي ثم أولاده إلى المنصور ثم حل الله تعالى في أبي مسلم صاحب الدعوة وإنه لم يقتل. واستحلوا المحارم وتركوا الفرائض.
الرابعة والعشرون المقنعية: أصحاب المقنع. ادعوا الألوهية في المقنع، وقالوا الآلهة أربعة علي والحسن والحسين والمقنع. وهؤلاء فرقة من الرزامية.
وأما الكيسانية فهم أصحاب كيسان مولى الحسن السبط، وقيل مولى علي بن أبي طالب. وقال الجوهري في صحاحه: كيسان لقب المختار، وتبعه غيره. والصحيح ما قدمناه. تتلمذ على محمد بن علي وأخذ عنه العلوم الغريبة. وهم ست فرق:
стр. 29
الفرقة الأولى الكربية: أصحاب أبي كريب الضرير. قالوا الإمام بعد علي ابنه أبو القاسم محمد لأن عليا رفع إليه الراية بالبصرة وإنه حي مقيم بجبل رضوى في شعب منه، وهو صاحب الزمان، دخل الشعب ومعه أربعون رجلا من أصحابه، وعنده عينان نضاختان يجريان عسلا وماء. وإلى هذا يشير كُثير عزة الشاعر المشهور من جملة أبياته، وكان كيساني الاعتقاد:
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيّب لا يُرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
وأبو كريب هذا أول من قال باختفاء صاحب الزمان من خوف الأعداء وظهوره بعد حين، وتبعه جماهير الإمامية فوقعوا في وادي الجبت.
الفرقة الثانية الإسحاقية: أصحاب إسحاق بن عمر. قالوا الإمام بعد محمد ابنه أبو الهاشم وبعده أولاده بوصية الآباء للأبناء.
الفرقة الثالثة الكندية: أصحاب عبد الله بن الحرب، ويقال لهم الحربية أيضا. قالوا الإمام بعد أبي الهاشم عبد الله بن الحرب الكندي بوصيته له.
الفرقة الرابعة العباسية: قالوا الإمام بعد أبي الهاشم [علي بن عبد الله بن العباس] ثم انتقلت إلى ولده محمد بن
стр. 30
علي بوصية له ثم انتقلت إلى ابنه.
الفرقة الخامسة الطيارية: قالوا الإمام بعد أبي الهاشم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب بوصية له.
الفرقة السادسة المختارية: أصحاب مختار بين أبي عبيدة الثقفي. قالوا الإمام بعد علي ابنه الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنفية.
(فرق الزيدية)
وأما الزيدية فهم المنسوبون إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهم تسع فرق:
الفرقة الأولى الزيدية المخلصون: الذين هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأخذوا عنه أصول المذهب وفروعه، ولا يتبرؤون من الصحابة ولا يذكرونهم إلا بخير. وقالوا الإمامة كانت حق علي إلا أنه ترك الولاية للمتقدمين عليه، وإن بيعة أبي بكر وصاحبيه لم تكن على خطأ لأن عليا رضي بها. ومذهبهم موافق لمذهب أهل السنة ولا خلاف بينهم إلا في هذه المسألة، وقد وافقوا بها الفرقة الثانية من فرقتي الشيعة الأولى. ولا يغلون في دينهم. ومن القائلين بصحة إمامته وجواز خروجه على الظلمة ووجوب اتباعه أبو حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي. وغيّر مذهبه من جاء بعده من الزيدية.
الفرقة الثانية الجارودية: أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي الزياد. قالوا الإمام بعد النبي ﷺ علي بن أبي طالب بالنص عليه وصفًا لا تسمية.
стр. 31
وكفروا الصحابة بتركهم الاقتداء بعلي بعد النبي ﷺ وبعده الحسن وبعده الحسين. والإمامة بعدهما شورى في أولادهما، فمن خرج منهم بالسيف وهو عالم شجاع فهو إمام، فزيد إمام ويحيى ابنه إمام. واختلفوا في المنتظر. فقالت طائفة المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن الذي ادعى الإمامة وقتل في أيام المنصور وقالوا إنه حي لم يقتل. وذهبت جماعة منهم إلى أنه محمد بن القاسم بن الحسين صاحب طالقان، أسر في أيام المعتصم وحبس حتى مات في الحبس، وأنكروا موته، وزعمت عصبته أنه يحيى بن عمر من أحفاد زيد نبن علي بن الحسين صاحب الكوفة، قتل أيام المستعين بالله
стр. 32
وأنكروا قتله.
الفرقة الثالثة الجريرية: ويقال لهم السليمانية أصحاب سليمان بن جرير. قالوا الإمامة شورى فيما بين الخلق، وإنما تنعقد برجلين من خيار المسلمين، وأبو بكر وعمر إمامان وإن أخطأت الأمة في البيعة لهما مع وجود علي. وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة.
الفرقة الرابعة البترية: ويقال لهم الثومية أصحاب البتر الثومي، وهو المغيرة بن سعد الملقب بالأبتر. وقالوا بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن عليا ترك البيعة لهما، وتوقفوا في عثمان. وقالوا علي إمام حين بويع.
الفرقة الخامسة النعيمية: أصحاب نعيم بن اليمان. قالوا مثل ما قالت البترية إلا أنهم يكفرون عثمان ويتبرؤون منه دون غيره من الصحابة.
الفرقة السادسة الدكينية: أصحاب الفضل بن دكين. قالوا مثل ما قالت الجارودية إلا أنهم يكفرون طلحة والزبير وعائشة دون غيرهم من الصحابة.
الفرقة السابعة الخشبية: أصحاب خلف بن عبد الصمد. قالوا الإمامة شورى بين
стр. 33
أولاد فاطمة ويجب الخروج على من تقمص بالخلافة من غيرهم. سموا بذلك لأنهم خرجوا على السلطان ولم يكن لهم سلاح غير الخشب.
الفرقة الثامنة اليعقوبية: أصحاب يعقوب. قالوا بالرجعة، وينكرون إمامة أبي بكر وعمر، ومنهم من يتبرأ منهما.
الفرقة التاسعة الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح. قالوا الإمامة شورى في أولاد فاطمة، فمن خرج منهم وهو عالم شجاع سخي فهو إمام.
(فرق الإمامية)
وأما الإمامية فهم يزعمون أن زمان التكليف لا يخلو من إمام من أولاد فاطمة. وهم تسع وثلاثون فرقة:
الأولى الحسنية: قالوا الإمام بعد علي ولده الحسن ثم الحسن المثنى بوصيته له وهو الذي لقب بالرضا من آل محمد، ثم بعده ولده محمد الملقب بالنفس الزكية، ثم بعده أخوه إبراهيم بن عبد الله، وهو وأخوه خرجا أيام خلافة المنصور الدوانيقي ودعيا الناس إلى نفسيهما واجتمع
стр. 34
إليهما خلائق لا تحصى وقتلا.
الثانية النفسية: قالوا النفس الزكية لم يقتل لكنه غاب وسيظهر بعد حين. وهؤلاء طائفة من الحسنية.
الثالثة الحكمية، ويقال الهشامية: أصحاب هشام بن الحكم. قالوا الإمام بعد علي الحسن وبعده الحسين وبعده ابنه علي وبعده ولده الباقر وبعده جعفر الصادق. وقالوا إن الله تعالى جسد عريض عميق وهذه المقادير متساوية فيه.
الرابعة السالمية، ويقال لهم الجواليقية: أصحاب هشام بن سالم الجواليقي. قالوا الإمام بعد النبي علي ثم الحسن ثم الحسين ثم ولده الباقر ثم الصادق. قالوا إن الله تعالى جسم على صورة إنسان.
الخامسة الشيطانية، ويقال لهم النعمانية أيضا: أصحاب محمد بن النعمان الصيرفي الملقب بشيطان الطاق. قالوا الإمام بعد علي ولديه الحسن والحسين ثم ولده الباقر ثم ولده الصادق. وقالوا إن الله تعالى على صورة إنسان لا يعلم الأشياء إلا بعد كونها.
السادسة الميثمية: أصحاب الميثمي. قالوا الإمام بعد علي الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد الباقر ثم جعفر بن محمد الصادق ثم ابنه موسى الكاظم. وقالوا إن الله تعالى جسم وله أعضاء.
السابعة الزرارية: أصحاب زرارة بن أعين. قالوا الإمام بعد علي ولداه ثم
стр. 35
حفيده علي بن الحسين ثم ولده محمد ثم ولده جفعر. وقالوا صفات الله حادثة، ولم يكن قبل ذلك حيا ولا عالما ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا.
الثامنة اليونسية: أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي. قالوا إن الله تعالى على العرش تحمله الملائكة.
التاسعة البدائية: قالوا لا يجوز البداء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئا ثم يبدو له ما لم يكن ظاهرا له.
العاشرة المفوضة: قالوا إن الله تعالى فوّض خلق الدنيا إلى محمد فهو الذي خلق الدنيا بما فيها، وقالت طائفة منهم فوّض ذلك إلى علي، وقالت طائفة أخرى فوضه إليهما. وهؤلاء الفرقة من غلاة الإمامية، وكلهم كفار وكلهم متفقون على الأئمة الستة.
الحادية عشرة الباقرية: قالوا الإمام بعد علي بن الحسين ولده الباقر بنص أبيه وإنه لم يمت، وهم ينتظرونه.
стр. 36
الثانية عشرة الحاصرية: قالوا الإمام بعد محمد الباقر ابنه زكريا وهو حي مختفٍ في جبل حاصر إلى أن يؤذن له بالخروج.
الثالثة عشر الناوسية: أصحاب عبد الله بن ناؤس البصري. قالوا الإمام بعد محمد الباقر ابنه جعفر الصادق. واختلفوا فيما بينهم بعد اتفاقهم على أنه حي. فقالت طائفة إنه غاب ولا يموت حتى يظهر أمره وهو القائم المنتظر والمهدي الموعود به، وهم أكثر الناؤسية. وقالت طائفة أخرى منهم إنه لم يغب وإن أولياءه يرونه في بعض الأوقات.
الرابعة عشر العمارية: أصحاب عمار. قالوا الإمام بعد جعفر ولده محمد.
(فرق الإسماعيلية)
الخامسة عشر الإسماعيلية: وهم الذين يزعمون أن الإمام بعد جعفر ولده إسماعيل، وكان أكبر أولاده، وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي. وافترقوا ثمان فرق:
السادسة عشر المباركية: أصحاب مبارك. قالوا إسماعيل هو القائم المنتظر والمهدي الموعود.
السابعة عشر الباطنية: قالوا مات إسماعيل والإمام بعده أولاده بنص السابق على
стр. 37
اللاحق، وقالوا يجب العمل بباطن الكتاب دون ظاهره.
الثامنة عشر القرمطية: أصحاب رجل من سواد الكوفة، وقيل اسمه حمدان بن قرمط. وقرمط قرية من قرى واسط. قالوا الإمام بعد جعفر محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لأن الصادق نصّ عليه، ومحمد حي لم يمت وهو المهدي. وقالوا بإباحة المحرمات.
التاسعة عشر الشمطية: أصحاب يحيى بن أبي الشمط. قالوا الإمام بعد محمد بن علي ابنه جعفر الصادق، ثم الإمامة في بنيه إسماعيل ومحمد وموسى الكاظم [ثم] عبد الله وإسحاق ثم في ولدهم.
العشرون الميمونية: أصحاب عبد الله بن ميمون. قالوا يحرم العمل بالظواهر، وأنكروا المعاد.
الحادية والعشرون الخلفية: أصحاب خلف. قالوا ما ورد في الكتاب والأخبار من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها فهو محمول على معناه اللغوي. وأنكروا القيامة والجنة والنار.
الثانية والعشرون البرقعية: أصحاب محمد بن علي البرقعي. قالوا لا معاد وأنكروا الشرائع والأحكام وأولوا النصوص وأنكروا نبوة الأنبياء وأوجبوا لعنهم.
الثالثة والعشرون الجنابية: أصحاب أبي طاهر الجنابي. قالوا لا معاد وأنكروا الأحكام وأوجبوا قتل من يعمل بها ولذا قتلوا الحجاج. وهؤلاء الفرق الأربعة كلهم من
стр. 38
القرامطة القائلين بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق.
الرابعة والعشرون السبعية: قالوا بالناطقون بالشرائع، وهم الرسل، سبعة، آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والمهدي، وبين كل اثنين من هؤلاء سبعة يقيمون شرائعه، ولا بد في كل عصر من سبعة يقتدى بهم، وإسماعيل بن جعفر منهم.
الخامسة والعشرون المهدوية: قالوا الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل ثم ولده محمد الوصي ثم ولده أحمد الوفي ثم ولده محمد التقي ثم ولده
стр. 39
عبيد الله الرضي ثم ولده أبو القاسم عبد الله ثم ولده محمد الذي سمى نفسه بمحمد المهدي ثم ولده [محمد] القائم بأمر الله ثم إسماعيل بن [محمد] المنصور بقوة الله ثم معد بن إسماعيل المعز لدين الله ثم أبو منصور نزار بن معد العزيز بالله ثم أبو علي منصور بن نزار الحاكم بأمر الله ثم أبو الحسن علي بن منصور الظاهر لدين الله ثم معد بن علي
стр. 40
بن المنصور المستنصر بالله بنص الآباء على الأبناء. ولما أفضت نوبة الإمامة إلى المهدي أظهر أمره في بلاد المغرب وطلب الملك وتبعه جمع لا يحصى، فاستولى على بلاد إفريقية وبقي الملك في أولاده حينا من الدهر، واستولى بعض أولاده على بلاد مصر وبعضهم على بلاد الشام، وآثر أهل اليمن مذهبهم ولبى ملوكه دعوتهم.
السادسة والعشرون المستعلية: قالوا الإمام بعد المستنصر [المستعلي] وبعده أبو القاسم أحمد بن المستعلي بالله لأن المستنصر نص على إمامته بعد ما نص على إمامة أخيه نزار والنص الثاني ينسخ الأول، ثم منصور بن أحمد الآمر بأحكام الله ثم أبو ميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله ثم أبو المنصور إسماعيل الظافر بأمر الله ثم أبو القاسم عيسى بن
следующие страницы →