← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثانية عشرة الحاصرية: قالوا الإمام بعد محمد الباقر ابنه زكريا وهو حي مختفٍ في جبل حاصر إلى أن يؤذن له بالخروج. الثالثة عشر الناوسية: أصحاب عبد الله بن ناؤس البصري. قالوا الإمام بعد محمد الباقر ابنه جعفر الصادق. واختلفوا فيما بينهم بعد اتفاقهم على أنه حي. فقالت طائفة إنه غاب ولا يموت حتى يظهر أمره وهو القائم المنتظر والمهدي الموعود به، وهم أكثر الناؤسية. وقالت طائفة أخرى منهم إنه لم يغب وإن أولياءه يرونه في بعض الأوقات. الرابعة عشر العمارية: أصحاب عمار. قالوا الإمام بعد جعفر ولده محمد. (فرق الإسماعيلية) الخامسة عشر الإسماعيلية: وهم الذين يزعمون أن الإمام بعد جعفر ولده إسماعيل، وكان أكبر أولاده، وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي. وافترقوا ثمان فرق: السادسة عشر المباركية: أصحاب مبارك. قالوا إسماعيل هو القائم المنتظر والمهدي الموعود. السابعة عشر الباطنية: قالوا مات إسماعيل والإمام بعده أولاده بنص السابق على

стр. 37

اللاحق، وقالوا يجب العمل بباطن الكتاب دون ظاهره. الثامنة عشر القرمطية: أصحاب رجل من سواد الكوفة، وقيل اسمه حمدان بن قرمط. وقرمط قرية من قرى واسط. قالوا الإمام بعد جعفر محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لأن الصادق نصّ عليه، ومحمد حي لم يمت وهو المهدي. وقالوا بإباحة المحرمات. التاسعة عشر الشمطية: أصحاب يحيى بن أبي الشمط. قالوا الإمام بعد محمد بن علي ابنه جعفر الصادق، ثم الإمامة في بنيه إسماعيل ومحمد وموسى الكاظم [ثم] عبد الله وإسحاق ثم في ولدهم. العشرون الميمونية: أصحاب عبد الله بن ميمون. قالوا يحرم العمل بالظواهر، وأنكروا المعاد. الحادية والعشرون الخلفية: أصحاب خلف. قالوا ما ورد في الكتاب والأخبار من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها فهو محمول على معناه اللغوي. وأنكروا القيامة والجنة والنار. الثانية والعشرون البرقعية: أصحاب محمد بن علي البرقعي. قالوا لا معاد وأنكروا الشرائع والأحكام وأولوا النصوص وأنكروا نبوة الأنبياء وأوجبوا لعنهم. الثالثة والعشرون الجنابية: أصحاب أبي طاهر الجنابي. قالوا لا معاد وأنكروا الأحكام وأوجبوا قتل من يعمل بها ولذا قتلوا الحجاج. وهؤلاء الفرق الأربعة كلهم من

стр. 38

القرامطة القائلين بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. الرابعة والعشرون السبعية: قالوا بالناطقون بالشرائع، وهم الرسل، سبعة، آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والمهدي، وبين كل اثنين من هؤلاء سبعة يقيمون شرائعه، ولا بد في كل عصر من سبعة يقتدى بهم، وإسماعيل بن جعفر منهم. الخامسة والعشرون المهدوية: قالوا الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل ثم ولده محمد الوصي ثم ولده أحمد الوفي ثم ولده محمد التقي ثم ولده

стр. 39

عبيد الله الرضي ثم ولده أبو القاسم عبد الله ثم ولده محمد الذي سمى نفسه بمحمد المهدي ثم ولده [محمد] القائم بأمر الله ثم إسماعيل بن [محمد] المنصور بقوة الله ثم معد بن إسماعيل المعز لدين الله ثم أبو منصور نزار بن معد العزيز بالله ثم أبو علي منصور بن نزار الحاكم بأمر الله ثم أبو الحسن علي بن منصور الظاهر لدين الله ثم معد بن علي

стр. 40

بن المنصور المستنصر بالله بنص الآباء على الأبناء. ولما أفضت نوبة الإمامة إلى المهدي أظهر أمره في بلاد المغرب وطلب الملك وتبعه جمع لا يحصى، فاستولى على بلاد إفريقية وبقي الملك في أولاده حينا من الدهر، واستولى بعض أولاده على بلاد مصر وبعضهم على بلاد الشام، وآثر أهل اليمن مذهبهم ولبى ملوكه دعوتهم. السادسة والعشرون المستعلية: قالوا الإمام بعد المستنصر [المستعلي] وبعده أبو القاسم أحمد بن المستعلي بالله لأن المستنصر نص على إمامته بعد ما نص على إمامة أخيه نزار والنص الثاني ينسخ الأول، ثم منصور بن أحمد الآمر بأحكام الله ثم أبو ميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله ثم أبو المنصور إسماعيل الظافر بأمر الله ثم أبو القاسم عيسى بن

стр. 41

محمد الفائز بنصر الله ثم أبو عبد الله محمد بن علي العاضد لدين الله. ولما أفضت نوبة الخلافة إليه خرج عليه بعض أمراء ملوك الشام واستولى عليه وحبسه فمات في السجن ولم يبق من ولد المهدي من يدعي الإمامة. السابعة والعشرون النزارية، ويقال لهم الحميرية والصالحية: قالوا العالم قديم والزمان غير متناه والأرواح تتناسخ، وأنكروا المعاد والجنة والنار، وقالوا الإمامة بعد المستنصر لولده نزار لأن المستنصر نص على إمامته أولا ثم هجره وأوصى لابنه أحمد المستعلي، والمعتمد هو النص الأول ولا يجوز العمل بالنص الثاني مع وجود النص الأول، ثم بعده لولده الهادي ثم بعده لولده الحسن.

стр. 42

وهو من أكاذيبهم الفاضحة، لأن المستعلي لما مات أبوه وبايعه الناس وانقادت له الأمراء والعساكر وتابعتهم الرعايا سجن أخاه مع ولديه ومكثوا في السجن إلى أن اغتالتهم يد المنون، فاعتزاء الحسن لنسبه إليه محض افتراء. الثامنة والعشرون المسقطية: قالوا الإمام بعد نزار ولده الهادي ثم ولده الحسن، والإمام غير مكلف بالفروع وله أن يسقط التكاليف الشرعية. ومن خرافاتهم الفاضحة أن الحسن بن الصباح الحميري قدم مصر فلقي بعض نساء نزار وكان معها ولد صغير من ولد نزار فحمله وجاء به إلى الري ثم استولى على حضرموت وبعض قلاع طبرستان، فنقله وأهله إلى حضرموت، فاستخلف كيّا وأوصاه بتوقير الهادي وتربيته وصيانته عن أعدائه، وكان كيا يربيه ويكرمه حتى إذا دنى ارتحاله من الدنيا استخلف ولده محمدا وأوصاه بتعظيم الهادي وتكريمه، فكان معه معززا موقرا مكرما، فنجب ليلة زوجة ابن كيا فحملت بالحسن. وقد زعموا أن المحرمات كلها حل للإمام وله أن يفعل ما يشاء لا يسأل عما يفعل. وزعمت جماعة أنه تغشى امرأة خليعة في ساعة من الليل فحملت، وحملت زوجة ابن كيا تلك الساعة في حين وضعت حملها وضعت تلك المرأة التي ظفر بها الهادي حملها أيضا، وأودى بالهدي الأزلم الجذع واستبدلت زوجة ابن كيا ولده بولد الهادي.

стр. 43

وكل ذلك من الترهات والكذب والمخترعات. ولقد أسس قدوة كل من الفرقتين مذهبه على شفا جرف هار حيث أسس دينه وشرعه على قول امرأة أو امرأتين، وما ذلك إلا لفرط غيهم وضلالهم. ولما مات محمد بن كيا ادعى الحسن أنه من ولد نزار فصدقه قومه، وادعى الإمامة فأطاعوه ولقبوه بـ"على ذكره السلام"، مع أن كل ذي لب لا يرتاب في ضلاله وزيغه عن سواء السبيل. وجمع أتباعه من القرى والحصون والمدن فجلس على المنبر واستقبل القبلة وخطب فقال: يا أيها الناس إني خليفة الله في الأنام، وإني الإمام الحق المفروض طاعته على البرية لا حجحجة فيه ولا لجلجة، وللإمام أن يفعل ما يشاء، وإني أسقطت التكاليف الشرعية عنكم وأبحت لكم المحرمات، فافعلوا ما شئتم. فاستخف قومه فأطاعوه. وكان الحسن هذا مع أنه من أولاد الزنى باعترافه واعتراف أشياعه كان في غاية الخبث، ثم صار هو وأتباعه قوما بورا، وسيصلون سعيرا ويدعون ثبورا. ثم ادعى الإمامة ولده محمد بن الحسن، وكان أكفر من والده، ثم حفيده علاء الدين محمد بن جلال الدين حسن بن محمد، [وكان مذهبه] دون أبيه جلال الدين لأنه أنكر مذهب آبائه

стр. 44

وضللهم وأسلم وحسن إسلامه وبالغ في طعن أسلافه وهدم أساس مذهبهم وأمر أتباعه بالمعروف ونهى عن المنكر، وبنى المساجد في قلاعه وبلاده وصاهر سلاطين الإسلام، وأخبر الخليفة بإسلامه وسير أمه إلى الكعبة لأداء حجة الإسلام، وأخرج من خزائنه كتب الملاحدة التي صنفها ابن الصباح وغيره من أتباعه في بيان اعتقاداتهم الزائغة وأحرقها بإشارة علماء قزوين. ثم ولده ركن الدين، وهو الذي شتت شمله وخرب قلاعه وقتل أشياعه. فلما استولى على قلاعه التتار تحصن أياما في حصن "ألموت" ثم أظهر الطاعة وصاحبهم وسافر معهم إلى أوطانهم فمات في الطريق. ثم ولده الذي لقبوه بجديد الدولة، وقد استولى على بعض قلاع آبائه وأراد تعمير ما خرب منها. ولما أخبر به ملك التتار أرسل إليه جندا فحشد أشياعه فقاتلوهم فغلبوا وقتل منهم جم غفير وهرب سائرهم، واتبعهم التتار فتركوهم شذر مذر، وصير ديارهم عاليها سافلها ولم يبق منهم من يدع الإمامة. وأودت بمن بقي منهم في بعض قرى طبرستان أيادي المنون.

стр. 45

هذا والباطنية والقرامطة والسبعية والحميرية من غلاة الإسماعيلية من فرق الإمامية، وكلهم كفرة لما تقدم. التاسعة والعشرون الفطحية، ويقال لهم الأفطحية والعمائية: وهم أصحاب عبد الله بن عمي. قالوا الإمام بعد الصادق ابنه عبد الله بن جعفر أخو إسماعيل من أمه وأبيه وإنه مات ولكنه يرجع بعد موته ولم يخلّف ولدا. وإنما لقبوا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرجلين. الثلاثون الإسحاقية: قالوا الإمام بعد جعفر ابنه إسحاق. وكان إماما جليل القدر يداني أباه في العلم والتقوى، وقد روى عنه جمع من ثقات المحدثين كسفيان بن عيينة وغيره. الحادية والثلاثون اليعفورية: أصحاب ابن أبي يعفور. قالوا لا يجوز صدور الذنوب عن الأنبياء والرسل. الثانية والثلاثون القطعية، ويقال لهم المفضلية: أصحاب أبي المفضل بن عمرو. قالوا الإمام بعد جعفر ابنه موسى الكاظم، ويقطعون بموته. الثالثة والثلاثون الموسوية: وقفوا على موسى بن جعفر، قالوا لا يدرى أحي هو أم ميت.

стр. 46

الرابعة والثلاثون الممطورية: قالوا الإمام بعد جعفر ابنه موسى وهو حي لم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض شرقها وغربها وهو المهدي. وإنما سموا ممطورية لأنهم ناظروا يونس بن عبد الرحمن من القطعية فقال لهم أنتم أهون من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا اللقب واشتهروا به. الخامسة والثلاثون الرجعية، ويقال لهم الكاظمية: قالوا الإمام بعد الصادق ابنه موسى الكاظم بنص أبيه عليه وإنه مات ولكنه سيرجع بعد موته إلى الدنيا. وهؤلاء الفرق الثلاثة يقال لهم الواقفة لوقوفهم على موسى بن جعفر. السادسة والثلاثون الأحمدية: قالوا الإمام بعد موسى أحمد بن موسى بن جفعر. السابعة والثلاثون الاثنا عشرية: قالوا الإمام بعد موسى ابنه علي الرضا ثم بعده محمد التقي ثم ولده علي النقي ثم ولده الحسن بن علي العسكري ثم ولده

стр. 47

محمد بن الحسن العسكري وهو القائم المنتظر والمهدي الموعود وهو حي وقد اختفى من خوف الأعداء وسيظهر بعد حين. الثامنة والثلاثون الجعفرية: قالوا الإمام بعد الحسن أخوه جعفر بن علي وإنه لم يخلف ولدا. التاسعة والثلاثون الثالث عشرية: وهم فرقتان النصيرية والمختارية: أما النصيرية فهم أصحاب أبي نصر هبة الله بن أحمد بن محمد الكاتب. قالوا الإمام بعد علي بن الحسين ابنه زيد وبعده أخوه الباقر، ثم ساقوا الإمامة إلى محمد بن الحسن العسكري. أما المختارية فهم أصحاب المختار.

стр. 48

خاتمة لهذا الفصل اعلم أن أول من لقب بالشيعة من شايعوا عليا بعد أن بويع له بالخلافة ولازموا صحبته وحاربوا من حاربه وسالموا من سالمه من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان كما سبق، وهم الشيعة المخلصون. وكان تلقبهم بهذا اللقب سنة سبع وثلاثين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل تحية. ثم بعد سنتين أو ثلاث سنين ظهرت التفضيلية. منهم أبو الأسود الدؤلي تلميذ الأمير كرم الله تعالى وجهه وواضع النحو بأمره وتعليمه. ومنهم أبو سعيد يحيى بن يعمر العدواني وكان تابعيا لقي [إسحاق] بن سويد العدواني وكان عالما بالقراءات والتفسير والنحو ولغة العرب وهو أحد قراء البصرة أخذ النحو عن أبي الأسود. وقال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان: "كان يحيى بن يعمر شيعيا من الشيعة الأوائل القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص من أصحاب رسول الله ﷺ ". ومنهم سالم بن أبي حفصة الراوي عن محمد بن علي الباقر وابنه الصادق

стр. 49

وعبد الرزاق. وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت صاحب إصلاح المنطق. وغيرهم. ثم ظهرت الرافضة منهم، وهم الذين يسبّون بعض أمهات المؤمنين وأعاظم الصحابة أو كلهم إلا أربعة أو ستة منهم ويقذفونهم بأنهم ارتدوا عن الدين. ثم افترقوا فرقا كثيرة كما تقدم. وكان بدؤ ظهورهم في عهد أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أوائل سنة إحدى وأربعين. ثم القائلون بألوهية علي. وأول من ظهر منهم السبائية ثم العلبائية. والعلباء هو الذي وافق ابن سبأ. ثم ظهرت الحلولية من الغلاة، وكان بدؤ ظهورهم سنة ستين تقريبا. ثم [ظهرت] باقي الفرق. ثم ظهرت الرزامية، وكان بدؤ ذلك سنة اثنتين وعشرين ومائة. ثم ظهرت المقنعية من الرزامية. ثم ظهور فرق الحلولية. ثم ظهرت الإمامية، وكان بدؤ ظهورهم سنة ثلاث وستين ومائة، وهم أكثر فرق الرافضة اليوم. ثم ظهرت الكيسانية القائلون بإمامة محمد بن علي بن أبي طالب، وكان بدؤ ظهورهم سنة أربع وستين. ثم افترقوا فرقا كثيرة، وكان أكثرهم عددا وعدة المختارية،

стр. 50

وكان بدؤ ظهورهم سنة ست وستين. ثم ظهرت الهشامية في حدود سنة تسع ومائة. ثم ظهرت الزيدية القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان بدؤ ظهورهم سنة اثنتي عشرة ومائة، ثم افترقت فرقا كثيرة. ثم ظهرت الجواليقية والشيطانية من فرق الإمامية سنة ثلاث عشرة ومائة. ثم ظهرت الزرارية واليونسية والمفوضة والكيسانية والبدائية والفارسية والعمائية منهم. وبدؤ ظهورهم سنة خمس وأربعين ومائة. ثم ظهرت الإسماعيلية بالإمامية، وبدؤ ظهورهم سنة خمس وخمسين ومائة. ثم المباركية منهم، وكان بدؤ ظهورهم سنة تسع وخمسين ومائة. ثم الواقفية من الإمامية، وكان بدؤ ظهورهم سنة ثلاث وثمانين ومائة. ثم الاثنا عشرية، وكان بدؤ ظهورهم سنة ست وخمسين ومائتين. ثم المهدوية من فرق الإسماعيلية، القائلون بإمامة محمد بن عبد الله بن عبيد الله الشهير عندهم بمحمد المهدي. وكان بدؤ ظهورهم سنة تسع وتسعين ومائتين. والمهدي هذا هو الذي ادعى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر ثم ادعى الإمامة ونهض لطلب الملك سنة تسع وتسعين ومائتين، واستولى على بعض بلاد المغرب سنة ثلاثمائة.

стр. 51

وزعم أنه ابن عبد الله بن عبيد الله بن قاسم بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق. وكذبه النسابة في دعواه وقالوا إسماعيل بن جعفر مات قبل أبيه جعفر ولم يخلف ولدا سوى محمد وقد مات في بغداد كما تقدم ولم يخلف ولدا، وأنكر ذلك سائر الشيعة أيضا. واختلف النسابة في نسبه، فقالت نسابة المغرب إنه من ولد عبد الله بن سالم البصري، وكان أبوه خبازا في البصرة. وقالت نسابة العراق إنه من ولد عبد الله بن ميمون القداح. وزعمت المهدوية أن محمدا هذا هو المهدي الموعود به، ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: "على رأس ثلاثمائة سنة تطلع الشمس من مغربها"، وأولوا الشمس بالمهدي والمغرب بديار المغرب. وكل ذلك كذب وافتراء. وأصل عقيدة الإسماعيلية إنكار الشرائع. وكان الحاكم من سلاطينهم يأمر الناس أن يسجدوا إذا ذكر اسمه عندهم ويدعي أن الله تعالى يكلمه وأنه يعلم الغيب. وأفعاله شهيرة. وكان المتقدمون من المهدوية يبطنون الإلحاد والزندقة ويظهرون الزهد وكثرة الطاعات وإجراء أحكام الشريعة، وذلك خلاف ما يبطنون، وكذا الحميرية، حتى تابعهم جمهور من الناس. وكانت القرامطة من الإسماعيلية يبدون ما يخفونه غيرهم من تلك الفرقة، وقد خرجوا على المقتدر بالله واستولوا على بعض القرى والأمصار، وقدموا في الموسم مكة وقتلوا من الحجاج في

стр. 52

البيت الحرام قدر ثلاثة آلاف نفس، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة. وكان رئيسهم أبو سعيد الجنابي القرمطي، وكان يقتل من يجد من المسلمين. ثم ابنه أبو طاهر. ولما قدم مكة في الموسم دخل المسجد الحرام وهو على جواده يشرب الخمر ويبالغ في قتل الحاج، وبال جواده فيه. وأمر جنوده أن يقلعوا الحجر الأسود من مكانه، فقلعوه فذهب به إلى الكوفة وألقاه في كناستها، وكان عندهم عشرين سنة. ثم اشتراه منهم سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أبو القاسم فضل بن المقتدر المطيع لأمر الله بثلاثين ألف دينار. فجاء به أبو طاهر بن أبي سعيد في مسجد الكوفة وربطه في سارية من سواري المسجد واستحضر أعيان البلد، فلما حضروه سلم الحجر إلى من أرسله المطيع لأمر الله إليهم لشرائه وقال لمن حضر عنده من المسلمين: اشهدوا أني سلمت الحجر الأسود، قالوا: شهدنا، ثم قال: من أين عرفتهم أنه الحجر الأسود. وكان ابن حكم المحدث حاضرا، فقال روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الحجر الأسود يحشر يوم القيامة وله عينان ينظر بهما ولسان يتكلم به ويشهد لمن استلمه، وإنه يطفوا على الماء ولا يحترق بالنار". فلما سمع بذلك أبو طاهر استهزأ به ودعا بالنار وألقاه فيها فلم

стр. 53

يحترق، ثم دعا بالماء فألقاه فيها فطفى على الماء. فقال بعد ما اختبر ذلك: قد ثبت دين الإسلام بالروايات الصحيحة الموثوق بها فلا يمكن أن يهدم بنيانه أو يثلم. فظهر له الحق وتبين له الرشد من الغي ولكنه استمر على ضلاله وبقي على حاله. ثم ظهرت الحميرية منهم، ويقال لهم الألموتية، وكان بدؤ ظهورهم سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. ثم المسقطية منهم، وكان هؤلاء آخر فرق الروافض ظهورا. أقول: وقد ظهرت في زماننا فرق أخرى كالبابية والكشفية والقرتية. وقد بينت طريقتهم في مختصر التحفة الاثني عشرية.

стр. 54

الفصل الرابع في بيان مدة بقاء كل فرقة من فرق الروافض اعلم أن كل فرقة من الفرق قد تقل في زمان وتكثر في زمان آخر. وقد كثرت الناؤسية في بغداد وغيرها من البلاد في حدود سنة خمسمائة ثم اخترمتهم المنية. وكان الفرق في بلاد الشام ومصر والعراقين وفارس وأذربيجان وخراسان منتشرين لا يظهرون أمرهم إلى أن خرج التتار مرة بعد أخرى وقتلوا المشركين إلا فئة قليلة هربت منهم. وخلت كثير من البلاد عن المسلمين كمصر والشام والعراقين وخراسان خوارزم وكاشغر وبلاد تركستان وما وراء النهر وبلخ وبدخشان وكابل وزابل وقندها وسجستان وطخارستان وفارس وكرمان وأذربيجان. ولما استقام الملك على التتار رجع إلى أوطانهم من هرب. ولم يبق من فرق الرافضة إلا شرذمة قليلة من الغلاة الزيدية والباطنية من الإسماعيلية والمهدوية والاثني عشرية. أما الغلاة فالقائلون منهم بأن عليا إله لم يبق منهم إلا السبائية والعلبائية. أما السبائية فقد طالت مدتهم، فإنهم ظهروا في خلافة أمير المؤمنين وبقوا إلى هذا الزمان،

стр. 55

لكنهم شرذمة قليلة متفرقون في البلاد، وأكثرهم في بلد أردبيل وغيرها من بلاد أذربيجان -ولا عبادة لهم سوى أنهم يصومون في كل سنة ثلاثة أيام- وفي بلدة بغراج من بلاد الترك، وليس فيها غيرهم من أهل المذاهب. وملكهم يدعي أنه من نسل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب. ومن الغرائب أن أهل هذه البلدة كلهم جرد مرد إلا ملكهم فإنه ذو لحية طويلة ويوجد في قرى رابستان. أما العلبائية فقليلة جدا، يأتلفون مع السبائية ولا يفارقونهم. وأما القائلون بالحلول فلم يبق منهم إلا المفضلية والنصيرية. أما المفضلية فقد طالت مدتهم أيضا وكثرت جماعتهم. فإن ابتداء ظهورهم سنة ستين تقريبا. وبقوا إلى هذا اليوم وأكثرهم في قرى قهستان وخراسان وبعض قرى بدخشان وفي بلاد الهند والسند وقرى كابل ولمغان، وهو موضع من كابلستان. وحكى بعض العدول أن في ناحية كابل أربع قرى قطانها كلها من غلاة الرافضة من فرق الحلولية إلا سكان ستة بيوت أو سبعة، وإمامهم رجل يدعي أنه من ولد علي أمير المؤمنين، يسكن قرية من قرى قهستان خراسان يقال لها الجنان، وله في كل بلد من البلاد المذكورة خليفة. وعينوا في كل بلد رجلا لإبلاغ أخبار الخليفة والأتباع إلى الإمام وأجناده. وكانوا يطلقون لفظ الإله على الإمام والرسول على الخليفة وجبريل على المخبر. ويبالغون في ترك العمل بأحكام الشرع ولو تقية، ويقولون إنه لا يجب عليهم شيء إلا أداء العشر من أموالهم إلى الإمام الذي حل فيه الإله، ويبالغون في أداء العشر حتى أنهم يؤدونه عن كل شيء ولو كان لقمة طعام أو شربة ماء، ويعطونه إلى الرسول وهو يرسله بيد جبريل إلى من اتخذوه إلها من دون الله تعالى. ومن خرافاتهم أنه يسأم الله تعالى في طول المكث في الأرض فيدعو السحاب

стр. 56

ويصنع سلما فيرقى إلى السماء ويسير في السماوات ما شاء ثم ينزل إلى الأرض. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. أما النصيرية فقد طالت مدتهم أيضا، فإن ظهورهم كان سنة عشرين ومائة، وبقي منهم إلى زماننا هذا، وأكثرهم في كثير من قرى دمشق. أما الزيدية فكانوا جماعات متفرقة في بلاد العرب حتى استولى بعض الشرفاء الزيدية على بلاد اليمن، فاجتمعت الزيدية عنده، فكثرت هذه الطائفة هناك وبقيت إلى هذا الزمان. وأما الباطنية فقد طالت مدتهم لأن بدء ظهورهم كان زمن الرشيد سنة بضع وثمانين ومائة. وبقي منهم إلى حد الآن [جماعة]، وأكثرهم في بلاد خراسان وبدخشان وبعض أراضي ما وراء النهر والهند. وأما المهدوية من فرق الإسماعيلية فقد طالت مدتهم. فإن محمدا بن عبد الله الملقب بالمهدي خرج في بعض بلاد المغرب سنة ست وتسعين ومائتين على المقتدر العباسي وحارب من ولاه المقتدر بلاد المغرب وغلب عليه وفتح إفريقية وادعى الإمامة، فاستفحل أمره وأمر أولاده وفتح بعضهم مصر وأذاعوا مذهبهم في تلك البلاد. وأجاب دعوته أهل اليمن. وبقي الملك فيهم مائتين وستين سنة. وكانوا على طريقة

стр. 57

حتى سافر الحسن بن الصباح الحميري مع جمع من أصحابه وأسرته إلى بلاد قهستان، وكان يزعم أنه شيعي من فرقة الإسماعيلية وأن الإمام بعد المستنصر ولده نزار دون المستعلي، وكان يتنقل من قرية إلى قرية، فبنى خارج الحصن عريشا واشتغل بالرياضات الشاقة وأظهر للناس كمال الزهد والورع حتى انخدع به جماعة كثيرة من أهل الحصن وأحلوه محل الإمام وانقادوا لأمره ونهيه، ولم يدروا أنه ذئب تقمص بجلد شاة، وكان في غاية من الفقر واشتاقت نفسه للرئاسة والإمارة، فخدع حاكم الحصن فانخدع وأخرجه منه وانتزع ملكه من يده، وذلك سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. وابتدع النزارية فسير دعاته إلى الرساتيق والحصون الحصينة من قهستان وطبرية وقزوين ليدعوا الناس إلى مذهبه، فلبوا دعوته إلا فريقا من المؤمنين. فكثرت أشياع ابن صباح حتى سير دماعات من دهات أتباعه إلى القرى والأمصار ليردوا أعيان أهلها من العلماء والأمراء على أعقابهم، فدخل كل جماعة بلدة ولازم كل رجل منهم من يريد إعطائه، وكان يخدمه أحسن خدمة، فإذا انتهز فرصة قتله فيهرب أو يقتل. فقتلوا على هذه الكيفية جما غفير من أهل الحق وبعض الأمراء ومن خالفهم من المسلمين وعاندهم. ثم حاربوا الملوك فغلبوا واستولوا على كثير من القلاع والبلاد. وعاش ستين سنة ثم لما دنت وفاته واستيقن أنه يرتحل عن الدنيا عن قريب استخلف كيا من خلفائه وأحب أصحابه إليه، وكان صاحب سره وأعلق بقلبه من ولده. ثم إن كيا لم يمتد عمره بل لحق سلفه إلى بئس المصير. ثم استولى على ملكه بعده ولده محمد، ثم ابنه الحسن وادعى أنه من ولد نزار بن المستنصر كما سلف، فأظهر ما أخفاه أسلافه من الزندقة. وبقي الملك فيهم مائة وإحدى وسبعين سنة، ثم أبادهم الله تعالى على يد التتار، فلم يبق منهم من يدعي الإمامة.

стр. 58

ثم المستعلية، فقد بقي الملك فيهم إلى خمسمائة وستين سنة، ولم يبق فيهم من يدعي الإمامة، إلا أن أهل مذهبه قد طالت مدتهم بعد ذلك زمنا طويلا في بعض بلاد اليمن وأقاصي الهند. وكانوا يظهرون مذهبه وكانوا يخطؤون الفرق الإسلامية ويرمون أهل السنة بالإلحاد. وأما الاثنا عشرية فكانوا جماعات متفرقة في البلاد يختفون من أهل السنة والجماعة حتى استولى آل بويه الديلمي على البلاد، وكان أولهم عماد الدولة، سمت نفسه لطلب الملك فاستولى على مُلك مَلكه وحارب الملوك في خلافة المقتدر العباسي. وكان هو وابنا أخويه يصطادون الطيور والأسماك ويقتاتون بها وبثمنها، فأزمعوا الشخوص من جبال ديلم إلى عراق العجم. فلما قدموا البلد الذي ثوى فيه السلطان دخلوا على بعض الأمراء بما عليهم من الأسمال فأعجبه بسطة أجسامهم وعذوبة نطقهم، فذهب بهم إلى الملك فنظمهم في سلك جنوده.

стр. 59

ولما رأى حسن تدبير الأكبر وشجاعته ألبسه أردية الكرام، فاستفحل أمره شيئا فشيئا حتى صار أمير أمرائه. فلما مات الملك سمت نفسه لطلب الملك فاستولى على مُلك ملكه وحارب الملوك في خلافة المقتدر العباسي فغلبهم واستولى على عراق العجم وبلاد فارس وديلم وغيرها سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وبقي الملك فيهم سبعا وعشرين سنة، وكانوا من غلاة الاثني عشرية. فكثرت هذه الفرقة في بلاد العراق وأذربيجان وفارس وخراسان وجرجان وماندران وجيلان وجبال ديلم. وكثرت علماؤهم وصنفوا كتبا جمة في المذهب، لكنهم كانوا يخفونها لكثرة أهل السنة. وكان بعضهم يظهر مذهبه لبعض السفهاء، ويكثر أكثرهم التشيع بالاعتزال، حتى إن الصاحب بن عباد وزير الديالمة كان يستر مذهبه بالاعتزال أيضا، وإنه كان رافضيا غاليا في الرفض كما يظهر من شعره وسبه أصحاب رسول الله ﷺ وحصره الأئمة في اثني عشر رجلا وغير ذلك. ولم يدع سلاطينهم أهل السنة إلى مذهبهم خوفا من الفتنة. فلما أبادهم الله تعالى ضعفت الرافضة وذهبت ريحهم. فإن للباطل جولة ثم يضمحل، ولريح الضلال عصفة ثم يسكن. فستروا مذهبهم وبالغوا في التقية، حتى خرج كفار التتار وقتلوا كل من وجدوه من هذه الأمة من بغداد إلى نهر السند وجازوا الحرمين الشريفين، فقتل من قتل وهرب من هرب، ثم رجعوا إلى بلادهم فرجع من هرب من المسلمين إلى وطنه.

стр. 60

ثم لما قام بعض ولده مقامه سيّر ابن أخيه هولاكو الخبيث مع جنود كثيرة إلى بلاد المسلمين، فاستولى على البلاد التي استولى عليها جده وعبر الشط وفتح دار السلام وقتل الخليفة وهو [المستعصم] العباسي وكثيرا من المسلمين. واستولى على بلاد العرب، سوى الحرمين زادهما الله تعالى شرفا وكرامة، وبلاد الشام. وقتل من المسلمين ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى. فحينئذ أظهرت الرافضة مذهبهم حتى رجع بعض ملوكهم إلى مذهب أهل الحق وعقيدتهم، وهو القان غازان بن أرغون بن بغا بن هولاكو بن طلوس بن جنكيزخان، وسماه من هداه إلى الصراط المستقيم بسلطان أحمد، ودعى أهله وجنوده إلى الإسلام وطريق الحق فلبوه جميعا. فانكسرت شوكة الرافضة وستروا مذهبهم حينئذ، وذلك سنة أربع وستين وتسعين وستمائة. فلما مات السلطان قام أخوه أولجاييق مقامه، وكان يحب العمران مشغوفا باللعب والملاهي غافلا عن

стр. 61

الأوامر والنواهي، وكان على مذهب أهل السنة، حتى اجتمع به تاج الدين، وكان من دعاة الرافضة، فدعاه إلى مذهبه وجدّ في إضلاله وجمع علماء الرافضة عنده، ومنهم ابن المطهر الحلي، وكان أخبثهم وأضلهم عن سواء السبيل. فذكروا عنده مطاعن الصحابة وأن الخلفاء غصبوا حق أهل البيت والصحابة خذلوهم وأضاعوا وصية نبيهم في وصيّه وأخيه وابن عمه وصهره وارتدوا على أعقابهم. وكان ابن المطهر الدجال والمبتدع الضال يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله حتى ملأ قلبه من الوسوسة والشبهة الواهية، فترفض بعد سنة من ولايته وترك ما كان عليه من الهداية في بدايته، ودعى أهله إلى الباطل فأطاعوه ورغبوا إليه رغبة عن الحق واتبعوه. فأضل الرجل قومه وما هدى وأوقعهم في غيابة جب الردى. ولم يعصم الله من هذه الوصمة إلا القليل ممن لا تحركه عواصف الأباطيل. وألّف ابن المطهر له نهج الحق ومنهج الكرامة في مطاعن الصحابة ومثالب أهل السنة وإبطال مذهبهم وأنهم عن الحق بمعزل. ثم دعى السلطان إليه قومه

стр. 62

وجنوده ورعاياه، فأطاعه كل منهم ولباه. ثم سيّر جمعا من أتباعه إلى البلاد ليدعوا المؤمنين إليه ويعولوا في أمر مذهبهم عليه. فأطاعه الأرجاس وأبى عما دعى إليه كثير من الناس. وقاتلهم أهل أصبهان ومن حذا حذوهم فقتلوا كثيرا منهم. وكان بعض أعاظم أمرائه عاونهم ونصرهم حتى كف السلطان عن الإكراه. وكثرت الرافضة وأعلنوا مذهبهم. وصنف علماؤهم كتبا جمة في الأصول والفروع والتفسير والحديث. وألف ابن المطهر بعد أن فرغ من كتابيه السابق ذكرهما شرح التجريد والاستبصار والنهاية والخلاصة والمبادئ في الأصول وغيرها كتاب الألفين، وأورد فيه ألفي دليل لإثبات مذهبه وترويج خزعبلاته، وزعم أنه أبطل مذهب أهل الحق بما أورد من شبهاته. وقد ردها فحول علماء السنة أحسن الرد وألقموا ذلك النباح حجر النكد. فعادت هاتيك الخرافات والشبه الواهيات لا تروج ولو على ابن يوم ولا يخفى فسادها على أحد من القوم. ولم يزل ابن الحلي يجادل بباطله أهل الحق ولم يرتدع عن غيه بعد أن ظهر له الصواب أثناء المناظرة كالفلق حتى مات على التحير والوله. ومن يضلل الله فلا هادي له. والسلطان قبل موت هذا الخبيث عاد إلى مذهب أهل السنة بإرشاد بعض العلماء

стр. 63

الأجلة. وضربت على ابن الحلي وأتباعه المذلة بعد أن سكن في الحلة، فحينئذ ضعفت الرافضة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتفرقوا شذر مذر وفرت علماؤهم خوفا من أهل السنة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. ولم يزل مذهب أهل السنة يتقوى والحق يعلو، وذلك سنة عشر وسبعمائة، حتى استولى بعد مدة بعض التراكمة من فرقة الاثني عشرية على ديار بكر وما حولها من القرى والأمصار سنة ستين وثمانمائة ورجعت الرافضة إلى ديارهم وإلى ما كانوا عليه، وبقي الملك فيهم قريبا من خمسين سنة. ولما أضلتهم الضالة وانتشبت فيهم أنياب المنون، وذلك سنة عشر وتسعمائة، تولى الملك أول سلاطين الحيدرية، وكانوا من غلاة الاثني عشرية. ولما شاع خبرهم في البلاد أتته الرافضة من كل فج عميق وأقبلوا إليه من كل مرمى سحيق. فاستفحل أمره شيئا فشيئا حتى استولى على عراق العجم وفارس وكرمان ومازندران وأذربيجان وخراسان. ووفد عليه رجل من علماء الفرقة الهالكة وكان يزعم أنه نائب صاحب الزمان، فسجد له وقربه ووقره، فحثه الرجل على أن يُكره المؤمنين على قبول مذهب الاثني عشرية ويقتل من أبى وينهى الناس عن الجمعة والجماعة ويحول القبلة إلى اليسار ويخرب المساجد ويأمر الخطباء والأرذال أن يلعنوا عائشة الصديقة وحفصة أمي المؤمنين وكبراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين على المنابر والطرق والأسواق. وصنف في وجوب لعنهم كتابا

стр. 64

اشتمل على دلائل أوهى من نسيج العنكبوت. فأذعن السلطان لقوله وأكره المؤمنين على الرفض وقال لهم أجيبوا إلى ما دعاكم إليه وإلا صببت عليكم العذاب صبا. فأجابت دعوته جماعو وأبت أخرى، وقتل الأرفاض جما غفيرا من علماء أهل السنة ومشائخهم ومن أبى عن إجابتهم والإذعان إليهم، ونهى المصلين عن الجماعة والجمعة، وخربت المساجد وحول القبلة إلى الجنوب. وأمر جنوده أن ينبشوا قبور كبراء أهل السنة ويحرقوا عظامهم، ففعلوا ما أمرهم، فنبشوا قبور جمع من العلماء الأعلام والمشائح العظام إلا قبر شيخ الإسلام أبي الحسن الجامي النامي النامقي والشيخ أبي يزيد البسطامي والشيخ أبي الحسن الخرقاني وشيخ الإسلام عبد الله بن أبي منصور الأنصاري الهروي وسائر مشايخ هراة وغيرهم. ولما فتح هراة دعى أهلها إلى ما دعى إليه غيرهم، فأبوا أن يجيبوا دعوته، فقتل منهم جما غفيرا من العلماء والشرفاء. وتبعه أخوه فوقع في أبي جاد وخطب بأمره في جامع هراة كما أمره به من ذكر الأئمة الاثني عشر ولعن من يوجبون لعنه من الصحابة. وخالفه ابنه فهرب إلى ما وراء النهر كما هرب كثير من علماء خراسان وبعض علماء

стр. 65

فارس وأصفها وغيرهما من البلاد. فعاش برهة من الدهر وله من السلطان مكان. ولما استولى على جميع بلاد خراسان رجع إلى مستقره وولاها أمراءه، فغزاهم خاقان الترك فغلبوا واستولوا على خراسان وقتل من الرافضة ما لا يحصى عددا وهرب أكثرهم. ثم لما قضى نحبه رجعوا وقاتلوا الأتراك وغلبوا واستولوا على خراسان مرة أخرى. ثم جاهدهم من قام مقام الخاقان وفتح بلاد خراسان عنوة. ولما مات استولوا مرة أخرى واستقر لهم الملك، غير أن خواقين ما وراء النهر وأمراء بلخ لا يزالون يغزونهم ويقتلون فريقا منهم ويأسرون فريقا، ويجاهدهم قياصرة الروم وملوك الهند وخوارزم. وأسر ملك خوارزم في بعض غزواته [جمعا] من الأمراء وأبنائهم ونسائهم وعمة السلطان وبنات الأمراء والأعيان، وكانوا يسيرون مع الركب العراقي وقد أفاضوا من أصفهان يريدون زيارة مشهد طوس، ونهب أموالهم.

стр. 66

وبقي الملك فيهم مع المنازع مائتي سنة، ثم ضعفت شوكتهم ووهنت قوتهم، فاستولى عليهم أرذل الرعايا وأقلهم مالا وعددا من أهل السنة وقاتلوهم فانهزموا واستولوا على بلاد سجستان وقندهار وقرة، ثم حاصروا أصبهان وكان ملك الرافضة يسكن فيها، فسير أمراءه من حكام البلاد جنودهم رسلا ليدعوهم إلى محاربتهم فأتاه أكثر من مائة ألف فارس وجمع لا يكاد يحصى من الرجالة، وكان مع من خرج عليه اثنا عشر ألف فارس ولم يكن معهم من الرجالة إلا شرذمة قليلة، فغلبوهم بإذن الله وقتلوا من الرافضة جمعا لا يحصى عددهم وهرب من بقي منهم، فخلت ربوعهم وتفرقت جموعهم وتشتت شملهم وذوى فرعهم وأصلهم. وتحصن السلطان ومن معه من الأمراء والأهالي في البلد، فحاصرهم أهل السنة وضيقوا عليهم أنفاسهم فضاقت عليهم الأرض، حتى اضطروا إلى أكل أوراق الأشجار، بل إلى أكل الميتة ولحم الخنزير. فاضطر السلطان إلى أخذ العهد بأن لا يصل إليه ضرر، وسلم الملك إلى أمير الجيش وأهل السنة، فدخل البلد وجلس على سرير السلطنة وسجن السلطان مع ولده وأهله في دار من أحسن الدور، وعين له خدما ومؤنة وافية وأعزه غاية الإعزاز وتزوج بنته. ثم فتح سائر بلاد فارس والعراق وأذربيجان وغيره وولى الوزراة وزير السلطان وأقر كثيرا من الأمراء على ما كانوا عليه من المناصب. فاجتمع من كان في قلبه مرض في دار بعض الأمراء وشاوره على قتل الملك، فلما عزم الأمر تفرقوا، فأخبر الملك بما أسروا من المكر فقتلهم جميعا وقتل سلطانهم مع من كان معه من الرجال، وكتب إلى أمرائه وسائر البلاد أن يقتلوا كل من وجدوه من أولي الشوكة منهم فقتلوهم وقتلوا كثيرا من روافض فارس وقم وكاشان وهمدان وبعض بلاد خراسان وشروان. ونهض جمع كثير من رعايا هراة وأمروا عليهم بعض رؤسائهم وجاهدوا الروافض، فقتلوهم

стр. 67

قتلا ذريعا واستولوا على البلدة وما حولها من القرى والبلدان كجام وخاف وصاف وباخرز وغيرها. ثم بايعوه وتوجوه بتاج السلطنة. ولما استقر لهم الملك أمر بإحراق ما وجد من كتب الرافضة، وهرب جمع من الرافضة ومن اختفى من جندهم. وأورث الله تعالى ديارهم المؤمنين، فما بكت عليهم السماء والأرض إنهم كانوا قوم سوء فاسقين. وكان مدة أهل السنة فيهم ما يزيد على عشرين سنة. هذا وقد كان لما جنح السلطان الذي قتل إلى السلم هرب شاب من البلد وادعى أنه من ولد السلطان، وأخذ يسير في الأرض هائما حتى وجد خفيرا فسار معه إلى طوس، فقطن ريثما مات ملك أصفهان واستولى على الملك ابن عمه، وكان فظا غليظ القلب فاسقا سفاحا، فانفض من حوله كثير من شجعان قومه فركدت ريحه. وكان في عراق العجم رجل من أهل نيسابور من الدعاة العارفين فنون الحرب، فقدم أصبهان والملك مشغول بالملاهي غافل عن تدبير الملك، وقد علم أن أبسال جنوده تفرقوا أيادي سبأ، فأزمع الشخوص إلى طوس. فلما قدمه دخل على الشاب الذي يدعي أنه ابن السلطان وأخبره بما رأى وشجعه وحثه على القتال وحشد له العساكر وجعل نفسه قائد جنوده وأميرا على أمرائه، فكان عندهم وجيها فنهضوا للقتال. فلما التقى الجمعان وقامت الحرب على ساق تغلبوا على ملك أصفهان فهرب، فاستولوا على أكثر البلاد وملك بعضا آخر منها أخو الفاتح لأصفهان عنوة من أهل السنة. ثم إن الرافضة حبست سلطانهم لما رأوا منه الظلم والجور والاشتغال بالملاهي ونهب أموال الناس وغصب نسائهم واللواطة في أبنائهم وبناتهم. وأقام القائد ولده الرضيع ماقمه وحاربهم الروم وغلبوا عليهم وقهروهم وانتزعوا كثيرا من البلدان من

стр. 68

أيديهم، وحاصروا من هرب منهم في الحرب وتحصنوا بالقلاع وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب فهرب فريق وقتل فريق آخر على أيدي الروم، وهم جنود القيصر نيفا وخمسين ألفا وحرقوا كثيرا من حصونهم الحصينة بأيديهم حتى فتح الروم البلد عنوة وقتلوا من أهله ما قتلوا ونهبوا ما وجدوا من الأموال النفيسة. فوقع من بقي من الرافضة في ضيق عظيم. ثم فتحوا سائر بلاد أذربيجان ولم يألوا جهدا في القتل والأسر والنهب وتخريب العمارات حتى صرا كثير من قراها بلاقع. ثم قصد قهرمان القيصر أصبهان فاستقبله قائد السلطان فقاتلهم فغلب وسالمهم. ورجع إلى أصبهان وسمت نفسه إلى الزعامة الكبرى، فجلس على سرير السلطنة ثم قال: أيها الناس اعلموا أني من أهل السنة والجماعة ولست من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فايم الله ذي الجلال والإكرام إن من سب أحدا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأجعلن الأغلال في عنقه ثم لأقطعن منه الوتين ثم لأصلبنه في جذوع النخل لما تفوه بهذا الكلام. وأمر بقتل من سب بعض الصحابة الكرام. فحسبت الفرقة الناجية أنه على الحق والرافضة زعمت أنه ليس منهم ولكن يؤلف قلوبهم بذلك، ولا غرو في ذلك فإنهم أهل الكذب والبهتان. فكثرت بذلك جنوده وأتباعه. ولم تزل الفرقة الاثنى عشرية إلى يومنا هذا ذليلين صاغرين. نسأله تعالى أن يخذلهم إلى يوم الدين.

стр. 69

الفصل الخامس في بيان دعاة الرافضة وفرقهم اعلم أن لكل فرقة من فرقة الرافضة دعاة كانوا يدعون الناس إلى باطلهم وينصبون حبائل الحيل ليوقعوا الناس في شرك الضلال، كلهم أروغ من ثعلب وأهدى من القطا في طريق الضلال والغي. والدعاة ثلاث فرق: الفرقة الأولى المنافقون. الفرقة الثانية الفجرة الصواغون. الفرقة الثالثة المؤمنون المخدوعون. وكل منهم إما عالم يدعو الناس إلى مذهبه بإقامة الدلائل والشبه الواهية على حقيقته وذم مذهب غيره، وربما يؤلف قلوبهم ببذل الأموال يأخذها من أغنياء شيعته أو بالمواعيد الكاذبة ويريهم أنه أعطف عليهم من أبيهم وأمهم، فيطيعه ويتبعه بذلك كل من أعمى الله تعالى عين بصيرته وختم على قلبه؛ وإما ذو ثروة وفضل يدعو الناس إليه بأمرين: بذل المال وإقامة الدليل؛ وإما ذو شوكة يدعو الناس إليه بالوعد والوعيد؛ وإما غير ذلك ممن اتصف بشيء يوجب اجتماع الناس عليه. ثم الداعي للدعاة على الدعوى أمور: الأول تضليل الأمة وتفريق شملهم. والداعي لذلك الأمر هو المنافق اللعين كعبد الله بن سبأ والعلباء وبيان النهدي وغيرهم ممن تقدم ذكره، وكان أولهم ابن سبأ فإنه كان منافقا قصارى بغيته تفريق جماعة المسلمين وتضليل المؤمنين. الثاني تكثير سواد مذهبه. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا مقلدا للمذهب. الثالث حب الجاه والمال. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا الغاوي المضل. ومن هذه الفرقة من ادعى السفارة بين الإمامية الاثني عشرية وبين صاحب الزمان وادعى المكاتبة

стр. 70

معه والرواية عن الأئمة ليتأسى به الشيعة ويجعلوه قدوة لهم ويبذلوا له أموالهم ويجعلوا له أمهات أولادهم وسائر جواريهم. الرابع إرضاء ملك أو ذي ثروة يحب أن يكثر أهل مذهبه. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا من يشتري الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فيضل الناس ليرضى عنه سلطانه أو ذو الثروة. الخامس رجاء نيل المثوبة من الله تعالى. والداعي لذلك الأمر هو الذي يعتقد أن مذهب الرافضة حق وما عداه باطل، فيدعو الناس لينال أجرا عظيما من عند الله سبحانه. السادس أداء ما أوجب الله تعالى بزعمه من الأمر بالمعروف والهداية إلى طريق الحق. والداعي إنما العالم المخطئ. السابع الشفقة على ذوي القربى وغيرهم من المسلمين والرأفة بهم ظنا منه أن غير أهل مذهبه يعذبون بالنار. والداعي لذلك هو المنخدع أو المخطئ أو المقلد لهما بغير علم ولا بصيرة في المذهب. الثامن إيقاع العداوة والبغضاء بين الرجل وأسرته وأقاربه وعشيرته. والداعي لذلك خبيث النفس لئيم الطبيعة. وأول داعية كل فرقة من ابتدع المذهب. وأول من دعى الناس على الرفض والقول بألوهية علي بن أبي طالب عبد الله بن سبأ. وقد أشرنا سابقا في كيفية إضلاله وجلب الناس إلى زيغه وباطله. وقد أعاد صاحب الأصل ذلك البحث في هذا المقام مع زيادة في بسط الكلام، وقد أعرضت عن ذكره لئلا يطول المقام واعتمادا على فهم ذوي البراعة وأهل الكمال. ثم لما استشهد السبط الجليل أبو عبد الله الحسين بن علي المرتضى رضي الله تعالى عنهما، اختلفت الشيعة في تعيين الإمام. فزعم كيسان أن الإمام بعد علي ابنه محمد بن الحنفية وأنكر إمامة السبطين ودعى الناس إليه، فتبعه جمع كثيرون، إلا أن أكثرهم

стр. 71

رجعوا عن مذهبه بسبب إنكاره إمامة السبطين. وقالوا إن محمد بن علي بن أبي طالب إمام هذه الأمة بعد أخويه. وارتضى هذا القول سائر الكيسانية، وقدوتهم مختار بن أبي عبيد الثقفي. ولما ولي الكوفة وما حولها دعى الناس إلى مذهبه فتبعه جمع كثيرون من الشيعة لسلطانه وإحسانه إليهم وقوله بإمامة السبطين وادعائه أن محمد بن علي بن أبي طالب استخلفه لطلب ثأر أخيه والجهاد مع النواصب من آل مروان وتابعيهم وإدارة البلاد التي تفتح. ودفع إلى رؤساء الشيعة كتابا منه إليهم بخطه وطبع عليه بطابعه فإذا فيه: "من محمد بن علي أمير المؤمنين إلى فلان وفلان وفلان وأتباعهم، يا معشر الشيعة اعلموا أني قد جعلت مختار بن أبي عبيد الثقفي خليفتي، فأطيعوا أمره وجاهدوا معه الأعداء بأموالكم وأنفسكم وحثوا أتباعكم على مقاتلتهم وعلى إطاعة المختار فيما يأمر وينهى، والسلام على من اتبع الهدى". فلما قرأوا الكتاب أطاعوه من غير توقف. وحاربوا أول من كان بالكوفة ممن قاتل السبط الشهيد وقتلوهم حيث وجدوهم، وهرب أمير الكوفة، فآتاه الله الملك. ثم أرسل إبراهيم بن مالك بن الأشتر إلى جهاد من كان في بلاد العراق من النواصب وقتل من وجد من محاربي السبط الجليل ومن نصرهم ووالاهم، وأمره [بأن] يثخن في الأرض. فخرج إبراهيم من الكوفة وقتل من وجد منهم، وفتح بلاد العراق والأهواز وديار

стр. 72

بكر وأذربيجان. ثم قصد دمشق، فأخبر به ابن مروان فسير إليه عبيد الله بن زياد مع مائة ألف فارس، واستقبله إبراهيم ومعه اثنا عشر ألف فارس. فقالتهم فقتل إبراهيمُ عبيد الله بن زياد ودوخ من كان معه من الجنود. وقد بلغ عدد القتلى في حروب المختار مائة وأربعين ألف رجل. فارتفع قدر المختار إذ ذاك واستشفت الشيعة المخلصون وغيرهم بقتل ابن زياد وأعداء أهل البيت وانهزام جيش العدوان، وشكروا صنيع المختار وأثنوا على إبراهيم ومن معه. وأتت الشيعة تسعى إلى المختار من كل فج. واختار مذهبه جمع لا يحصى منهم. ولقب أهل مذهبه بالمختارية، وأبقوا في أحسن حال وأرفه عيش نحو اثنتي عشرة سنة. ثم ادعى أنه يوحى إليه. فقاتله ابن الزبير فنصره الله تعالى عليه، فغلبه وقتله بعد أن أسره. وتفرقت حينئذ أتباعه وجنوده. ورجع الكيسانية عن مذهبه واختلفت كلمتهم في

стр. 73

تعيين الإمام بعد محمد كما سبق. ثم تعين هشام الأحول وهشام بن سالم وأحول آخر يلقب بشيطان الطاق. فطفق كل منهم مع من وافقهم يدعون الناس إلى إمامة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم إلى إمامة محمد بن علي الباقر. فتبعهم جمع من التفضيلية والمختارية، ورجعت جماعة كثيرة من الشيعة إلى مذهبهم. وهؤلاء الرهط أسلاف الشيعة الإمامية وقدماء دعاتهم ورواة أخبارهم ومتكلميهم، مع أنهم قد بلغوا في الضلال ما علمت واتبعوا أهواءهم من دون الله فضلوا وأضلوا. والأئمة الذين يدعون هؤلاء أنهم يروون عنهم أحكام الدين كانوا يتبرؤون منهم ويكذبون ما يروون عنهم من العقائد الباطلة والهفوات الزائغة ويدعون عليهم بالهلاك. وقد ثبت ذلك بالآثار الصحيحة المروية من طريق الإمامية أيضا كما سيجيء إن شاء الله تعالى ذكره في غير موضع من هذا الكتاب. ودعى أصحاب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جمعا من الشيعة إلى إمامته لما بايعه جمع كثير سرا. ونهض يطلب الخلافة. وكان الإمام أبو حنيفة تعالى يحض الناس على إمامته ويقول: "لولا ودائع الناس عندي لجاهدت الأعداء معه". فقاتل أمير العراقين. ولما أخبر به عبد الملك بن مروان جهز إليه خمسة آلاف مقاتل، فقتلوه وغلبوا في مواطن كثيرة. ثم رفضه الجم الغفير من أهل الكوفة ممن ينتحلون حب جده ويزعمون أنهم من خلص الشيعة. ومن دعاة الزيدية يحيى بن زيد بن علي. ومنهم أبو عبد الله يحيى بن الحسين بن القاسم الحسيني، من ولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب بالهادي، وكان فاضلا نبيلا وعالما جليلا. استولى على بلاد اليمن سنة ثمان ومائتين، ثم استولى على الحجاز. وصنف كتابا في فقه الزيدية سماه الأحكام.

стр. 74

ومنهم ابنه محمد الملقب بالمرتضى، وحفيده حسن بن أحمد، ويحيى بن أحمد وغيرهم من الزيدية. ومنهم من غيّر مذهبه، كجارود وسليمان بن جرير التبر التومي وحسن بن صالح ونعيم بن اليمان ويعقوب. وكل منهم يدعو الزيدية إلى مذهبه بعد أن ابتدعوا في المذهب أمورا كما سبق. ولما كان الهشامان وشيطان الطاق أكثر دعاة الإمامية كيدا وأعلمهم وأوفرهم خداعا، تبعهم جمع لا يحصى ومن ثم كثرت فرقة الإمامية وزادت على سائر فرق الرافضة. ثم إن الإمامية لما افترقت إلى فرق كثيرة كما سلف كثر دعاة كل فرقة منهم وتصدر جمع من كل فريق واتبعهم جمع من سفهاء الأحلام. وكان كل فرقة تقول بإمامة رجل من أهل البيت ثم بعد وفاته بإمامة ولد من ولده أو بإمامة أخيه أو تنكر موته وتزعم أنه اختفى وسيظهر بعد حين، إلى أن قالوا بإمامة الحسن بن علي العسكري واختفائه بعد موته. فادعى جمع أن حسنا لم يخلف ولدا وأن الإمام بعده أخوه جعفر فسمّ فمات ولم يخلف ولدا، فزعموا أنه خاتم الأئمة وكانوا شرذمة قليلة. وزعمت جماعة أخرى منهم أن الحسن بن علي خلف ولدا وهو المهدي الموعود وهو خاتم الأئمة، لكنه اختفى من خوف الأعداء. واستقرت أراؤهم على انحصار الأئمة في الاثني عشر رجلا، فلقبوا بالاثني عشرية.

стр. 75

وكثرت دعاتهم، وأولهم ادعى السفارة بينه وبين شيعته، وذلك سنة ست وستين ومائتين، ثم بعده خلفاؤه إلى أن أفضت نوبة السفارة سنة ست عشرة وثلاثمائة إلى علي بن محمد، وهو خاتم الدعاة من السفرة، وعاش إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومن دعاتهم من ادعى الكتابة، فكان يظهر للشيعة كتابا يزعم أنه خط الإمام الحجة قد بعثه جوابا نمقه إليه. ومن هؤلاء من يثبت الواسطة بينه وبين صاحب الزمان. ومنهم من لا يثبت كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم علماؤهم الذين صنفوا الكتب أو تصدروا لتعليم الفقه والكلام. وسيجيء ذكر عيون مصنفيهم ومشاهير علمائهم إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم من يروي الأخبار عن الأئمة الأخيار وأصحابهم بواسطة أو بغير واسطة في الأصول والفروع وفضائل الأعمال. ومن دعاتهم بعض من استولى على البلاد من الزائغين. وأنكر بعضهم إمامة موسى بن جعفر ومن بعده من ولده، فزعم بعضهم أن جعفر بن محمد الصادق لم يمت ولكنه غاب وسيظهر بعد حين، وهو المهدي المنتظر، ورووا عنه في ذلك آثارا ودعى الشيعة إليه، منهم عبد الله بن ناؤس. وادعى بعضهم أنه بعد جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي، مع أنه مات قبل أبيه في المدينة ودفن في بقيع الغرقد باتفاق المؤرخين والإخباريين من أهل السنة وجماهير الشيعة. وزعموا أنه لم يمت ولكنه غاب وهو القائم المنتظر الموعود. وأول دعاة هؤلاء الضلال مبارك ثم خلفاؤه. وذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الصادق ابنه محمد ودعى الناس إلى إمامته. وزعم بعضهم أن الإمام بعد جعفر محمد بن إسماعيل بنص الصادق عليه.
следующие страницы →