← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رجعوا عن مذهبه بسبب إنكاره إمامة السبطين. وقالوا إن محمد بن علي بن أبي طالب إمام هذه الأمة بعد أخويه. وارتضى هذا القول سائر الكيسانية، وقدوتهم مختار بن أبي عبيد الثقفي. ولما ولي الكوفة وما حولها دعى الناس إلى مذهبه فتبعه جمع كثيرون من الشيعة لسلطانه وإحسانه إليهم وقوله بإمامة السبطين وادعائه أن محمد بن علي بن أبي طالب استخلفه لطلب ثأر أخيه والجهاد مع النواصب من آل مروان وتابعيهم وإدارة البلاد التي تفتح. ودفع إلى رؤساء الشيعة كتابا منه إليهم بخطه وطبع عليه بطابعه فإذا فيه: "من محمد بن علي أمير المؤمنين إلى فلان وفلان وفلان وأتباعهم، يا معشر الشيعة اعلموا أني قد جعلت مختار بن أبي عبيد الثقفي خليفتي، فأطيعوا أمره وجاهدوا معه الأعداء بأموالكم وأنفسكم وحثوا أتباعكم على مقاتلتهم وعلى إطاعة المختار فيما يأمر وينهى، والسلام على من اتبع الهدى". فلما قرأوا الكتاب أطاعوه من غير توقف. وحاربوا أول من كان بالكوفة ممن قاتل السبط الشهيد وقتلوهم حيث وجدوهم، وهرب أمير الكوفة، فآتاه الله الملك. ثم أرسل إبراهيم بن مالك بن الأشتر إلى جهاد من كان في بلاد العراق من النواصب وقتل من وجد من محاربي السبط الجليل ومن نصرهم ووالاهم، وأمره [بأن] يثخن في الأرض. فخرج إبراهيم من الكوفة وقتل من وجد منهم، وفتح بلاد العراق والأهواز وديار

стр. 72

بكر وأذربيجان. ثم قصد دمشق، فأخبر به ابن مروان فسير إليه عبيد الله بن زياد مع مائة ألف فارس، واستقبله إبراهيم ومعه اثنا عشر ألف فارس. فقالتهم فقتل إبراهيمُ عبيد الله بن زياد ودوخ من كان معه من الجنود. وقد بلغ عدد القتلى في حروب المختار مائة وأربعين ألف رجل. فارتفع قدر المختار إذ ذاك واستشفت الشيعة المخلصون وغيرهم بقتل ابن زياد وأعداء أهل البيت وانهزام جيش العدوان، وشكروا صنيع المختار وأثنوا على إبراهيم ومن معه. وأتت الشيعة تسعى إلى المختار من كل فج. واختار مذهبه جمع لا يحصى منهم. ولقب أهل مذهبه بالمختارية، وأبقوا في أحسن حال وأرفه عيش نحو اثنتي عشرة سنة. ثم ادعى أنه يوحى إليه. فقاتله ابن الزبير فنصره الله تعالى عليه، فغلبه وقتله بعد أن أسره. وتفرقت حينئذ أتباعه وجنوده. ورجع الكيسانية عن مذهبه واختلفت كلمتهم في

стр. 73

تعيين الإمام بعد محمد كما سبق. ثم تعين هشام الأحول وهشام بن سالم وأحول آخر يلقب بشيطان الطاق. فطفق كل منهم مع من وافقهم يدعون الناس إلى إمامة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم إلى إمامة محمد بن علي الباقر. فتبعهم جمع من التفضيلية والمختارية، ورجعت جماعة كثيرة من الشيعة إلى مذهبهم. وهؤلاء الرهط أسلاف الشيعة الإمامية وقدماء دعاتهم ورواة أخبارهم ومتكلميهم، مع أنهم قد بلغوا في الضلال ما علمت واتبعوا أهواءهم من دون الله فضلوا وأضلوا. والأئمة الذين يدعون هؤلاء أنهم يروون عنهم أحكام الدين كانوا يتبرؤون منهم ويكذبون ما يروون عنهم من العقائد الباطلة والهفوات الزائغة ويدعون عليهم بالهلاك. وقد ثبت ذلك بالآثار الصحيحة المروية من طريق الإمامية أيضا كما سيجيء إن شاء الله تعالى ذكره في غير موضع من هذا الكتاب. ودعى أصحاب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جمعا من الشيعة إلى إمامته لما بايعه جمع كثير سرا. ونهض يطلب الخلافة. وكان الإمام أبو حنيفة تعالى يحض الناس على إمامته ويقول: "لولا ودائع الناس عندي لجاهدت الأعداء معه". فقاتل أمير العراقين. ولما أخبر به عبد الملك بن مروان جهز إليه خمسة آلاف مقاتل، فقتلوه وغلبوا في مواطن كثيرة. ثم رفضه الجم الغفير من أهل الكوفة ممن ينتحلون حب جده ويزعمون أنهم من خلص الشيعة. ومن دعاة الزيدية يحيى بن زيد بن علي. ومنهم أبو عبد الله يحيى بن الحسين بن القاسم الحسيني، من ولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب بالهادي، وكان فاضلا نبيلا وعالما جليلا. استولى على بلاد اليمن سنة ثمان ومائتين، ثم استولى على الحجاز. وصنف كتابا في فقه الزيدية سماه الأحكام.

стр. 74

ومنهم ابنه محمد الملقب بالمرتضى، وحفيده حسن بن أحمد، ويحيى بن أحمد وغيرهم من الزيدية. ومنهم من غيّر مذهبه، كجارود وسليمان بن جرير التبر التومي وحسن بن صالح ونعيم بن اليمان ويعقوب. وكل منهم يدعو الزيدية إلى مذهبه بعد أن ابتدعوا في المذهب أمورا كما سبق. ولما كان الهشامان وشيطان الطاق أكثر دعاة الإمامية كيدا وأعلمهم وأوفرهم خداعا، تبعهم جمع لا يحصى ومن ثم كثرت فرقة الإمامية وزادت على سائر فرق الرافضة. ثم إن الإمامية لما افترقت إلى فرق كثيرة كما سلف كثر دعاة كل فرقة منهم وتصدر جمع من كل فريق واتبعهم جمع من سفهاء الأحلام. وكان كل فرقة تقول بإمامة رجل من أهل البيت ثم بعد وفاته بإمامة ولد من ولده أو بإمامة أخيه أو تنكر موته وتزعم أنه اختفى وسيظهر بعد حين، إلى أن قالوا بإمامة الحسن بن علي العسكري واختفائه بعد موته. فادعى جمع أن حسنا لم يخلف ولدا وأن الإمام بعده أخوه جعفر فسمّ فمات ولم يخلف ولدا، فزعموا أنه خاتم الأئمة وكانوا شرذمة قليلة. وزعمت جماعة أخرى منهم أن الحسن بن علي خلف ولدا وهو المهدي الموعود وهو خاتم الأئمة، لكنه اختفى من خوف الأعداء. واستقرت أراؤهم على انحصار الأئمة في الاثني عشر رجلا، فلقبوا بالاثني عشرية.

стр. 75

وكثرت دعاتهم، وأولهم ادعى السفارة بينه وبين شيعته، وذلك سنة ست وستين ومائتين، ثم بعده خلفاؤه إلى أن أفضت نوبة السفارة سنة ست عشرة وثلاثمائة إلى علي بن محمد، وهو خاتم الدعاة من السفرة، وعاش إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومن دعاتهم من ادعى الكتابة، فكان يظهر للشيعة كتابا يزعم أنه خط الإمام الحجة قد بعثه جوابا نمقه إليه. ومن هؤلاء من يثبت الواسطة بينه وبين صاحب الزمان. ومنهم من لا يثبت كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم علماؤهم الذين صنفوا الكتب أو تصدروا لتعليم الفقه والكلام. وسيجيء ذكر عيون مصنفيهم ومشاهير علمائهم إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم من يروي الأخبار عن الأئمة الأخيار وأصحابهم بواسطة أو بغير واسطة في الأصول والفروع وفضائل الأعمال. ومن دعاتهم بعض من استولى على البلاد من الزائغين. وأنكر بعضهم إمامة موسى بن جعفر ومن بعده من ولده، فزعم بعضهم أن جعفر بن محمد الصادق لم يمت ولكنه غاب وسيظهر بعد حين، وهو المهدي المنتظر، ورووا عنه في ذلك آثارا ودعى الشيعة إليه، منهم عبد الله بن ناؤس. وادعى بعضهم أنه بعد جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي، مع أنه مات قبل أبيه في المدينة ودفن في بقيع الغرقد باتفاق المؤرخين والإخباريين من أهل السنة وجماهير الشيعة. وزعموا أنه لم يمت ولكنه غاب وهو القائم المنتظر الموعود. وأول دعاة هؤلاء الضلال مبارك ثم خلفاؤه. وذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الصادق ابنه محمد ودعى الناس إلى إمامته. وزعم بعضهم أن الإمام بعد جعفر محمد بن إسماعيل بنص الصادق عليه.

стр. 76

وهذه الفرق الثلاثة كانوا شرذمة قليلة ودعاتهم من ابتدع المذهب وأصحابه. وأولهم حمدان قرمط. وزعم بعضهم أن إسماعيل بن جعفر مات بعد أبيه، والإمامة بعد جعفر لإسماعيل وبعده لأولاده بنص السابق على اللاحق كما سبق. ودعاتهم عبد الله بن ميمون وحدان قرمط ويحيى بن أبي الشمط وخلف وأحمد وخلفاؤهم. وادعى محمد بن عبد الله بن عبد الله الذي لقب بالمهدي أنه من ولده وأنه إمام هذه الأمة. فانخدع جمع من السفهاء من أهل المغرب وصدقوه وبايعوه وكثرت أتباعه. ونهض لطلب الملك فحارب من ولاه المقتدر العباسي فغُلب، وغلب المهدي على إفريقية وهي من مشاهير بلاد المغرب. وانتشرت دعاته إلى بلاد المغرب وأورث الولاية أولاده وفتحوا مصر. ومال إلى مذهبهم علماء السوء وعلموا الناس مذهب العبيدية وكثرت دعاتهم من العلماء. منهم نعمان بن محمد بن منصور وعلي بن نعمان ومحمد بن نعمان وعبد العزيز ومحمد بن المسيب والمقلد بن المسيب العقيلي وأبو الفتوح برحوان ومحمد بن

стр. 77

عماد الكتامي الملقب بأمين الدين وغيرهم. ومن دعاتهم زمن المستنصر عامر بن عبد الله الزواحي. ومن أكابر دعاتهم في ذلك الزمان علي بن محمد الصليحي، وكان أبوه قاضيا في اليمن سني المذهب عالما ورعا، وكان علي الداعي خليفة عامر المذور في الدعوة، وذلك أن عامر الداعي كان يركب إلى القاضي ويلاطفه لرئاسته وصلاحه وعلمه وسؤدده وفضله، وكان يرى لولده علي مخايل النجابة، فلم يزل عامر يتردد إليه حتى استمال قلب ولده وهو يومئذ دون البلوغ. وقال بعض أئمة التاريخ كان عند عامر حلية علي الصليحي في كتاب الصور، وهو من الذخائر العظيمة، فأوثقه منه على تنقل حاله وجزيل ماله وأطلعه على ذلك من غير علم أبيه وأهله، ثم مات عامر بعيد ذلك وأوصى له بكتبه وعلومه ورسخ في ذهنه من كلام عامر ما رسخ، فعكف على الدرس وكان ذكيا، فلم يبلغ الحلم إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم العربية والكلامية والحكمية والفقهية، وصار فقيها في مذهب الدولة العبيدية، ثم صار يحج بالناس دليلا على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة. وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رقى قلعة منيعة من جبال اليمن، وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام على الدعوة إلى مذهب المهدوية وبيعة المستنصر العبيدي، وكل منهم له أتباع كثيرون. وبنى فيها حصنا حصينا واستفحل أمره شيئا فشيئا. وكان يدعو للمستنصر خفيا ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكن لأمره ظاهرا وهو يسعى

стр. 78

في قتله باطنا، حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وهرب أبناؤه، وملك تهامة. وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة كتب إلى المستنصر في إظهار الدعوة، فأذن له. فطوى بلاد اليمن وفتح الحصون وملك بلاد اليمن كلها في أقل من سنتين، وأخذ البيعة من كافة أهل اليمن وأضل منهم خلقا كثيرا. وعزم على الحج سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وتوجه في ألفي فارس فيهم من أهله مائة وستون رجلا، حتى إذا كان في النهجر نزل في ظاهره بضيعة يقال لها بئر أم معبد، وكان سعيد وخباس ابنا صاحب تهامة مستترين في زبيد، فلما أخبرا أن الصليحي توجه من مكة خرجا ومعهما سبعون رجلا كلهم مشاة ليس معهم سوى الجريد وفي رؤسها مسامير، وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل. وكان الصليحي قد سمع بخروجهم فسير جمعا ممن في ركابهم لقتالهم، واختلفوا في الطريق فوصل سعيد ومن معه قريب بئر أم معبد، فظن الناس من الصليحيين أنهم من عبيد عسكرهم فلم يكترثوا منهم، وإن حذرهم منهم بعض دعاتهم ونصحهم، فهجموا عليهم بغتة فقتلوه وجزوا رأسه بسيفه وقتلوا أخاه وسائر الصليحيين في تلك السنة فقطع دابرهم. ومن أكابر دعاتهم [الطلائع بن زريك] الأرمني وزير الفائز بن الظافر العبيدي،

стр. 79

وكان يرغب الناس في التشيع ويدعوهم إلى مذهب العبيدية. وممن يرغبهم في المذهب ويدعوهم إلى مذهب المهدوية الفقيه عمارة اليمني الشاعر المشهور صاحب تاريخ اليمن، وكان شافعي المذهب لم يكن منهم، وكان يمدح الفائز والصالح ويثني عليهما بما ليس فيهما، حتى قال في قصيدة يمدحهما بها: لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفرّاج للغمم مع اعتقادده فساد مذهبهما، وذلك لكثره إحسانهما إليه. ولما انقضت دولتهم وذهبت ريحهم وملك صلاح الدين مصر، اتفق الفقيه عمارة اليمني مع جماعة من رؤساء مصر على التعصب لهم وإعادة دولتهم، وكانوا ثمانية من الأعيان من جملتهم الفقيه عمارة، وكاتبوا الإفرنج واستدعوا بهم إلى السلطان حتى يجلسوا ولد العاضد مكانه، فأحس بهم السلطان فقبضهم وصلبهم ودمر العبيدية وعاش عيشا رغدا.

стр. 80

ولم يبق من العبيدية من يدعي الإمامة. ورجع الناس عن مذهبهم ولم يبق من المتمذهبين بمذهبهم إلا رهط من أهل اليمن وجمع هربوا من مصر إلى أقاصي الهند ودعوا جمعا إلى مذهبهم فأجابتهم عصبة من الحمقى، وبقي أهل مذهبهم في الهند وبعض بلاد اليمن إلى الآن. وزعم بعض من هؤلاء الضلال أن ابن العاضد قدم الهند، وادعى أنه المهدي فأطاعه قوم من الجهلة وعاش مدة، ثم مات ودفن هناك، وأذاعوا أنه قبر المهدي. والمهدوية يزورونه ويتبركون به. ومن دعاتهم المكرم الصليحي ملك مدينة ذي جبلة من بلاد اليمن وزوج السيدة بنت الصليح القائمة مقام زوجها بعد موته. وسبأ بن أحمد بن مظفر الصليحي الذي استولى على أكثر بلاد اليمن في جماعة من الصليحيين وعظماء اليمن وشرذمة من علمائهم. ومن دعاتهم رؤساء القرامطة أبو سعيد القرمطي الجنابي وابنه أبو طاهر، فإنهم منهم إلا أنهم كانوا يظهرون ما يخفونه من الاعتقادات الفاسدة. ومن دعاتهم النزارية حسن بن علي بن محمد بن الحسين بن محمد بن صباح الحميري الشهير بابن الصباح وكبار أولاده. وابن الصباح أول من ابتدع مذهب النزارية. اللهم اعصمنا من هؤلاء الشياطين واحفظنا من البدع والأهواء بمنك وكرمك.

стр. 81

الفصل السادس في بيان مكائد الرافضة لإضلال الناس وميلهم عن الحق اعلم أن الرافضة أحرص الناس عل تكثير سوادهم ورجوع المسلمين إلى مذهبهم، فيكيدون لذلك كيدا ويمكرون مكرا كبارا. وأكثرهم كيدا الإمامية، وهم أكثر فرق الرافضة اليوم، ولم يزالوا ينصبون للأنام شرك الشبه والأوهام كي يوقعوهم بما وقعوا فيه من ورطة الضلال ويجلبوهم إلى ما كلانوا عليه من رداءة الأحوال، مع أن ذلك منهي عنه عندهم، كما نبهوا عليه وأشاروا في معتمد كتبهم إليه. فقد روى الكليني عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال: "كفوا عن الناس ولا تدعوا أحد إلى أمركم". هذا ولهم مكائد كثيرة ربما يعثر عليها بعض القاصرين فينخدع بها. فوجب التنبيه عليها وبيان تزويرها وافترائها، ولنذكر منها تسعا وسبعين مكيدة. الأولى: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون أن يخل الله تعالى بواجب. وهذا افتراء لأن أهل السنة أجمعوا على أنه تعالى لا يخل بالواجب، إذ لا واجب عليه كما سيجيء تحقيق ذلك في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى، وإنما يستلزم ذلك من أصولهم.

стр. 82

فإنهم قالوا إن الله تعالى أنظر إبليس إلى يوم الوقت المعلوم، ومكنه من إضلال المكلفين وخلق له قدرة على ذلك، والواجب عليه أن لا ينظره لأنه الأصلح للمكلف، وأن لا يمكنه إضلالهم فإن تمكينه إخلال بالواجب، وأن لا يخلق له تلك المقدرة فإن خلقها كذلك. ولأنهم زعموا أن الله سبحانه أمر محمد بن الحسن المهدي أن يختفي بعد أن خوّفه الأعداء ما يزيد ألف سنة في الكتاب المختوم بخواتم الذهب فحرم عباده من اللطف بسبب إخافة جمع من أهل بلد انقرضوا. الثانية: يقولون إن أهل السنة يجوزون أن يفعل الله تعالى القبيح. وهو افتراء أيضا، فإن مذهب أهل السنة أنه لا قبيح منه تعالى، بل ذلك إنما يلزم من أصولهم المؤسسة على شفا جرف هار، فإن من مكّن على فعل القبيح فهو كفاعله، كمن دفع سكينا إلى رجل يعلم أنه يمزق بطن نفسه، فإنه مما يذمه أهل العقول. وقد صرحوا بخلقه تعالى القدرة للعاصي على خلق أفعاله القبيحة، فإنه أيضا قبيح. وأيضا قواعد أصول القوم على أن الله تعالى يفعل القبيح، فإنهم لا ينكرون أنه تعالى يخلق للعاصي القدرة والإرادة ويمكّنه من الشر، وكل ذلك قبيح. وأنه تعالى أباح لحوم الحيوانات للإنسان وسلطه عليها فيأخذها ويعذبها، ولا شك أن الإنسان أكثرهم عصاة والحيوانات مطيعة وتسليط العاصي على المطيع قبيح، وأنه تعالى يبسط الرزق لكثير من عباده وهو يعلم أن الغنى أضر له من السم الواقع حيث إنه يتمكن بسببه من سفك الدماء والجور والظلم وسائر المنهيات، ويعلم أن منهم من يدعي الألوهية كنمرود وفرعون والمقنع وغيرهم، وأن منهم من يقتل الأنبياء والصالحين بغير حق، والتمكين من القبيح قبيح.

стр. 83

الثالثة: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون الظلم على الله تعالى، فأنى له أن يظلم عباده عندهم ويلومهم من غير جرم وإيصال عوض؟ وهذا باطل عندهم لا أصل له، فإن مذهب أهل السنة امتناع صدور الظلم منه تعالى، كما سيجيء ذلك في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى. بل إنما يلزم ذلك من مذهبهم، فإن قواعد أصولهم تنص على ذلك. روى ابن بابويه وغيره عن الأئمة: "أن أولاد

стр. 84

الكفار في النار"، وذلك ظلم وإيلام ومن غير جرم. ولأنهم اعترفوا بأن الله تعالى خلق السباع وجعل أقواتها لحوم الحيوانات الضعيفة وأنه سلطها عليها من غير جرم، وتسليط القوي على الضعيف ظلم بين. وإنه خلق الإنسان ضعيفا، وخلق له نفسا وخلق لها ما تلتذ به وما تنفر عنه وخلق لها ميلا إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورا عن التكليفات الموجبة لسعادتها، ومكن أكثرهم من تحصيل ما يريده ثم أمر بفعل ما ينافرها ونهاها عن ارتكاب ما يلائمها، وهو يعلم أن أكثرهم لا يأتمر بما أمره ولا ينتهي عما نهاه عنه، وقيض له عدوا يراه من حيث لا يراه ويوسوس له في صدره ويزين له سوء عمله، وخلق له القدرة على الوسوسة والتزيين، وهو لا يتمكن من دفعه، وهو سبحانه يعلم أنه يتبعه، ثم يعذبه. وكل ذلك صريح، فإن من حبس مسكينا ومنعه من الطعام والماء إلى أن بلغ جهده، ثم أحضر عنده ألوانا من لذائذ الأطعمة ووضعها بين يديه وخلى بينه وبينها ثم قال له: إن أكلت شيئا منها لأعذبنك عذابا شديدا، ثم قيض له قرينا عدوا له يدعوه إلى أكلها ويغريه عليه ويقول له: إن صاحب الطعام جواد كريم عفو، إن أكلت منها لا يؤاخذك به ويعفو عنك والجوع يرديك، فأكل منه شيئا يسيرا، وعذبه عذابا أليما، عده أولو العقول ظالما كما لا يخفى. وأما تجويز الإيلام من غير جرم وإيصال عوض فهو مذهب أهل البيت، وهم قدوة هؤلاء، وقد نص عليه أمير المؤمنين والسجاد زين العابدين كما سيجيء إن شاء الله تعالى في الإلهيات. والجواز لا يستلزم الوقوع، ومع ذلك يتقونه لأن الله تعالى وعد وعد الحق أن يكفر عن المتألم بالإيلام سيئاته أو يرفع له الدرجات على طريق الوجوب، إذ لا يجب عليه سبحانه شيء. هذا ويلزم ذلك هؤلاء الضلال بمقتضى أصولهم، وذلك لأن الله تعالى يبتلي الحيوانات العجم بالأمراض والموت بلا جرم وإيصال عوض، ولا فرق بين المكلف وغيره.

стр. 85

الرابعة: إنهم يقولون إن أهل السنة يزعمون أن الله تعالى عابث لاعب في أفعاله، حيث إنه يجوز عندهم أن يفعل سبحانه لا لغرض. وهو أيضا افتراء وزور، فإن مذهب أهل السنة أن أفعاله تعالى كلها محكمة متينة مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى. وتلك الحكم والمصالح غايات لأفعاله تعالى ومنافع راجعة إلى المخلوقات. والعبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع، لكنها ليست أسبابا باعثة على إقدامه وعللا مقتضية لفاعليته، فلا تكون أغراضا وعللا نائبة لأفعاله، فإنه لو كان فعله تعالى لغرض لكان مستكملا بتحصيل ذلك الغرض، فإنه هو الآمر الباعث للفاعل على الفعل، فهو المحرك الأول له وبه يصير الفاعل فاعلا لغرض، فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس من عدمه، وإلا لم يصلح لأن يكون غرضا له فيكون الفاعل حينئذ بفعله مستفيدا لتلك الأولوية ومستكملا بغيره فيلزم انفصاله سبحانه عنه واستكماله به، ويلزم أيضا أن يكون تعالى محلا للحوادث. ولأن فعله سبحانه لو كان لغرضه لكان ناقصا لأن غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله كان ذلك الفاعل ناقصا في

стр. 86

فاعليته مستفيدا لها من غيره، ولا سبيل للاستكمال والنقصان إلى سرادقات جلاله وكبريائه سبحانه. ونحو قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ محمول على الغايات والمنافع المترتبة عليها دون الأعراض والعلل الغائبة. ومن قال من الفقهاء بتعليل أفعاله تعالى فقد أراد بالغرض ما ذكرنا، ولا مشاحة في الاصطلاح. هذا ثم إن هؤلاء القوم طعنوا في أهل الحق لإنكارهم التعليل ظنا منهم أنه يستلزم العبث وعموا عما صرحوا به في كتبهم، فإن القول به يوجب كونه تعالى عابثا في كثير من أفعاله، فإن الله تعالى كلف بالإيمان عن علم أنه لا يؤمن ويموت كافرا وتكليفه عبث، فإن الغرض من التكليف الانزجار عن القبائح عندهم، وكذا تكليف سائر من لا ينزجر عن المعاصي ولا يستمر بما أمر به ولا ينتهي عما نهي عنه. الخامسة: إشاعتهم أن أهل السنة يزعمون أن الله تعالى لا يفعل ما هو الأصلح لعباده، بل ما هو فساد في الحقيقة. وهو افتراء أيضا، فإن أهل الحق يقولون لا يجب على الله تعالى الأصلح، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يشأه لمصلحة أخرى تركه. وما رموا به هو مذهبهم، لأن الله تعالى ترك كثيرا مما هو الأصلح بزعمهم كما سبق، وكما سيأتي في مباحث وجوب الأصلح إن شاء الله تعالى. السادسة: يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف المعدوم ومخاطبته، فيقول الله تعالى في الأزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولا شخص هناك. ولا يخفى بطلانه، وهذا أيضا من افترائهم، لأن وجود المكلف عندهم شرط للتكليف الذي هو طلب الفعل من المكلف، لأن الطلب من المعدوم ممتنع.

стр. 87

نعم إنهم يقولون إن الأمر يتعلق بالمعدوم فإنه مكلف، ويريدون بذلك التعليق العقلي، وهو أن المعدوم الذي علم الله أنه يوجد بشرائط التكليف توجه عليه حكم في الأزل بما يفعله ويفهمه فيما لا يزال، فإذا وجد وصار مكلفا تعلق به ذلك الحكم من غير تجدد أمر آخر، كما في خطابات النبي ﷺ بأوامره ونواهيه كل مكلف يولد إلى يوم القيامة واختصاصها بأهل عصره. وثبوت الحكم فيما سواهم بطريق القياس بعيد جدا. وليس المراد بتنجيز التكليف في حال العدم بأن يطلب منه الفعل حال عدمه. السابعة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف من لا يفهم قبل فهمه. وهو افتراء أيضا لأن تكليف من لا يفهم الخطاب لا يجوز، لأن فهم الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال شرط لصحة التكليف، لأن الامتثال بدون الفهم محال وتكليف لا لا يطاق، وهو ممتنع عند الجمهور. ومن جوزه قال لأنه لا يكون للابتلاء بالعزم وعدم الإعراض والبشر والكراهة وهو معدوم هاهنا.

стр. 88

الثامنة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف الرضيع والمجنون المطبق جنونه. وهو أيضا افتراء، لأن مذهب أهل السنة أن القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق. والقول بجواز التكليف محال كما هو مذهب بعض الأشاعرة، وإن كان يوجب جوازه إلا أنهم أنكروا الوقوع والفساد، وإنما هو فيه دون الجواز. التاسعة: إنهم يقولون إن أهل السنة كلهم جوزوا التكليف بالمحال، كتكليف الزمن الطيران إلى السماء. وهذا افتراء لأن مذهب جماهير أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين من الماتريدية وأكثر الأشاعرة أن إمكان الفعل شرط التكليف به اقتضاء للطاعة، فإذا لم

стр. 89

يكن في الفعل طاعة لم يكن الاقتضاء متصدرا. وأما ما نسب للأشعري ما يشعر بذلك فلم يثبت، ومن جوزه من الأشاعرة وهم شرذمة قليلة فأكثرهم على عدم الوقوع للاستقراء في التكاليف، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولا فساد في الجواز. ومن ادعى الوقوع بناء على أن الله تعالى كلف من علم أنه لا يؤمن بالإيمان اعترف بندرته وقلة وقوعه. وهذه المسألة مفصلة في كتب أصول الفقه وعلم الكلام أتم أصيل. العاشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون كون المأمور به حراما. وهو أيضا افتراء، لأن مذهب جمهور أهل السنة أنه يستحيل كون الشيء الواحد من جهة واحدة مأمورا به وحراما، لأن مقتضى الأمر الفعل ومقتضى الحرمة الترك والجمع بينهما محال، وحين جوز التكليف بالمحال قال إنه ليس منه، بل هو تكليف وهو محال في نفسه، لأن معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه ولا يجوز وهو يناقض الأول. الحادية عشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا المعاصي على الرسل، وهو قول يبطل الشرائع، فإنه إذا جاز صدور المعاصي منهم لا يبقى وثوق بأقوالهم فتنتفي فائدة البعثة. وهذا أيضا من افترائهم، لأن مذهب الحنفية وجماهير الأشاعرة أنهم معصومون عن الكبائر عمدا وسهوا قبل النبوة وبعدها، وعمدا قبل النبوة عند جماعة منهم. وجوز بعضهم صدورها

стр. 90

عنهم قبل الوحي إذ لا دليل على الامتناع عقلا ونقلا. هذا والجواز لا يستلزم الصدور. وورد عند الإمامية عن أبي عبد الله وعلي بن موسى الرضا ما يدل على صدور كبيرة عن الرسل قبل البعثة كما سيجيء في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى. والأكثر على عصمتهم عن الصغائر بعد البعثة عمدا وسهوا، [و] الصغائر الخسيسة مطلقا، وهي ما يلحق فاعلها بالسفل والأرذال ويحكم عليه بدناءة الهمة، كسرقة لقمة وتطفيف حبة. ومن جوزه عقلا لا فساد فيه، إنما الفساد في الوقوع. وجوزت الإمامية صدور الذنب عنهم قبل البلوغ، كما ذكره المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة، وعليه حمل فعل إخوة يوسف به بعدما تعسف ومنع كون الأسباط هؤلاء. وقد روى جمع من الإمامية عن الأئمة صدور الكبيرة عن بعض الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بعد البعثة.

стр. 91

فقد روى الكليني بإسناد صحيح عن أبي يعفور عن الصادق أنه صدر عن يونس بن متى الذي هو من المرسلين ذنب كان الموت عليه هلاكا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا السهو على الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه، وهذا يستلزم إبطال الشرائع. نعم جوزوا ذلك ولكن لا طعن فيه، فإن مذهب أهل السنة جواز السهو عليهم بشرط أن لا يقروا عليه بل يشعروا به ليرتفع الالتباس. وهذا الشرط يقطع دابر الاستلزام. وقد روى أصحاب الصحاح منهم أن النبي ﷺ سهى في الرباعية فصلاها ركعتين. وذهب بعض الفقهاء من أهل السنة والصوفية إلى المنع وحملوا المنع على ما روي عنه ﵊ في حديث ذي اليدين على القصد والعمد ليبين للناس حكم السهو، قالوا ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "لم أفعل"،

стр. 92

وفي رواية: "لم يكن" حين قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت. وقال بعض المحققين إن سهو غير المعصوم من الغفلة وهو آفة، وأما سهوه فعن حضور فهو في حقه كمال وفي حق غيره نقصان. وقد أجاد من قال: يا سائلي عن رسول الله كيف سهى ... والسهو من فعل قلب غافل لاهي قد غاب عن كل شيء سره فسهى ... عما سوى الله في التعظيم لله وقد بالغ الحلي الصيرفي ومن يحذو حذوه في الطعن على أهل السنة في رواية حديث ذي اليدين، وقد روته الإمامية في كتبهم كالكليني وابن جعفر الطوسي في التهذيب بأسانيد صحيحة عندهم. فطعنهم على

стр. 93

أهل السنة في ذلك مكابرة وعناد ظاهر. الثالثة عشر: إنهم يقولون إن أهل السنة كفروا بقولهم إن النبي ﷺ تكلم بما هو كفر من ثناء اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهم رووا أن النبي ﷺ قرأ في سورة النجم وهو بمكة بمجلس قريش بعد قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، بإلقاء الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"، فلما ختم السورة سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون لما سمعوه يثني على آلهتهم. وهذا أيضا من مفترياتهم لأن القول بأنه ﷺ فاه به مما وضعته الزنادقة، وأورده بعض المفسرين الذين لا يميزون بين الغث والسمين والصحيح والسقيم. والصحيح أن الشيطان ألقاه في أسماع الكفار وقلوبهم، محاكيا نغمته ﷺ حين وقف على ﴿الْأُخْرَى﴾ فظن الكافرون أنه ﷺ تكلم بهذا. وقد روى ابن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها، ولذا لم يخبره أحد منهم أنه تكلم به

стр. 94

حتى أخبره جبريل بأن الشيطان ألقى ذلك في أسماع المشركين، فحزن النبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه تسلية له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. وقد روى جمع من الإمامية ما ينبئ عن كفر بعض الرسل والأنبياء، كما سيجيء ذلك في مبحث النبوات إن شاء الله تعالى. وأقول: إن هذا البحث مفصل أتم تفصيل في سورة الحج لجدنا روح الله تعالى روحه فراجعه. الرابعة عشر: إنهم يقولون إن الصحابة كلهم إلا أربعة أو ستة منهم كانوا يقلون أهل البيت ولبغضونهم. وهو أيضا من أكاذيبهم ومفترياتهم، فإن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كانوا يحبون أهل البيت أشد الحب، ويروون عن النبي ﷺ أخبارا في فضائلهم. وهذه كتب الحديث الصحيحة عند أهل السنة مشحونة بمآثرهم ومزاياهم. ولا يشك في ذلك إلا من أعمى الله بصيرته. الخامسة عشر: إنهم يقولون إن في مذهب أهل السنة مخالفة لكتاب الله تعالى، كغسل الرجلين في الوضوء، والقرآن نص على المسح، فإنه قرئ بجر الأرجل ونصبها، وكلتا القراءتين تدل على المسح، أما النصب فإنه عطف على المحل، وأما الجر فعطف على اللفظ لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى (مع) فينصب ما

стр. 95

بعدها كما تقول: قام زيد وعمرا، واستوى الماء والخشبة. وهذا باطل بل هو أيضا من مفترياتهم، لأن كلتا القراءتين تدل على الغسل. أما النصب فلأن الأرجل معطوف على الوجوه والأيدي، والفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية غير ممتنع بل جائز، وقد نقل أبو البقاء وغيره اتفاق النحاة على الجواز، والعطف على المحل -وإن كان جائزا- لكن العطف على اللفظ أولى بإجماع أئمة العربية، ولأن العطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، ولا يجوز ترك الظاهر إلا بدليل، لأن العطف على المحل مجاز فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولأن دليل العطف على المغسول ما تواتر من الأخبار، ولأن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس لا يقال: "ضربت زيدا ومررت بعمرو وبكرا"، بعطف بكرا على عمرو محلا. وقراءة الجر غير خاصة على المدعى. أو معطوف على فعل مقدر، وهو ﴿فَاغْسِلُوا﴾ واضمار الفعل في غير القرآن غير عزيز، والدليل عليه ما تواتر عن النبي ﷺ أنه غسل رجليه من أول أمره إلى أن قضى نحبه. والعطف على البعيد جائز باتفاق البصريين والكوفيين. ويا للعجب أن هؤلاء الضالين يطعنون على أهل الحق بإيثارهم العطف البعيد، وهم يفسرون كثيرا من آي القرآن بما يضحك منه صبيان العرب وجهلة الأعراب كما سيجيء كثير من ذلك. ومنه تفسير الخطاب بالغيبة أو معطوف على محل رؤوسكم، فإن العرب جوزت حذف أحد فعلين متقاربي المعنى، ولكل متعلق، وعطف متعلق المحذوف على المذكور كأنه متعلقه. قال لبيد بن ربيعة العامري ﵁ في معلقته الشهيرة:

стр. 96

فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها أي وباضت فإن النعام (بضم الهاء وفتحها) تبيض ولا تلد الأطفال، يريد أن الديار التي ذكرت في الأبيات السابقة مخضبة كثيرة العشاب قد علا بها فروع هذا الضرب من النبات وأصبحت الظباء والنعام ذوات الأطفال بجانبي وادي هذه الديار. وقال الآخر: إذا ما الغانيات برزن يوما ... يزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن العيون. وقال الأخر: يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا أي حاملا رمحا. وقال الآخر: تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر أي ويفقأ عينيه. ومنه قول العرب: علفتها تبنا وماء باردا، أي وسقيتها. إلى غير ذلك من الشواهد. ولا يجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" لفقد القرينة. وإن الحجة ناهضة على خلافه لما سيجيء إن شاء الله تعالى. وأما الجر فعلى الجواز وهو جائز، وقد أثبته سيبويه والأخفش إماما العربية وأبو البقاء وجمع كثير من النحويين في النعت

стр. 97

وغيره وفي العطف وفي التوكيد وغيره. وللنحاة باب في ذلك، وقالوا: قد وقع الجر بالجوار في القرآن وكلام العرب من النظم والنثر كثيرا. فمن القرآن ﴿عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وحقه الرفع، ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ على قراءة حمزة والكسائي ورواية الفضل عن عاصم، وهو عطف عام ب ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ لا على ﴿وِلْدَانٌ﴾ إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون. ومن النثر: "هذا حجر ضبٍّ خربٍ" بالجر، والأصل الرفع فإنه صفة جحر. ومن النظم قول النابغة: لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القد مسلوب فخفض موثق بالمجاورة لمنفلت، وحقه الرفع إذ التقدير لم يبق إلا أسيرا وموثق. وقول امرئ القيس:

стр. 98

فظل طهاة الفحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قديد معجل فإن قديد عطف على صفيف فخفض على الجوار وكان حقه النصب. وقول الأخر: يا صاح بلّغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب بجر كلهم والأصل نصبه لأنه توكيد ذوي. وإنكار الزجاج الجر بالمجاور في غير النعوت، ومع العطف لا معتبر له إن ثبت بعد أن أثبته من هو أعلى كعبا منه ومن لا يشق الزجاج غباره كسيبويه والأخفش ووافقهما جماهير أهل العربية وورد في كلام البلغاء. مع أن شهادة الزجاج لو ثبتت نفي، وشهادة جمهور أئمة العربية إثبات، وهي مقبولة وشهادة النفي غير مقبولة. ودعوى قلة وقوعها في كلام العرب باطل، كيف وقد نص أبو البقاء وجمع من أئمة العربية على وروده في النظم والنثر كثيرا. ولو سلم قلته، والوقوع ليست بمانع من الحمل، وإنما المانع عدم وروده في كلام العرب. وقد حملت الإمامية الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ على التبعيض ولم يلتفتوا إلى إنكار سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه، وأنكره أيضا أبو الفتح ابن جني وأبو البقاء العكبري وجماهير النحاة من الكوفيين والبصريين. واعترف جمع من عيون علماء القوم كابن المطهر الحلي والمقداد ومحمد بن حسن الطوسي شيخ الطائفة بصحة قول سيبويه. وقد بالغ الطوسي في عدم وروده في كلام العرب فقال في التهذيب: "وإفادتها للتبعيض غير موجودة في كلام العرب".

стр. 99

وقال المقداد في كنز العرفان: أنكر أهل العربية الباء للتبعيض، وما قيل إنه أثبته الأصمعي فلم يثبت، نعم قد توهم بعض المتأخرين من أهل العربية كالفارسي والقتيبي وابن مالك أن الباء في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ للتبعيض، وكذا قول الشاعر: فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وهو وهم واضح وغلط فاضح، فإن الظاهر أن الباء فيهما للإلصاق، فلم يكن قولهم هذا شهادة حتى يسمع ولا يلتفت إلى قول سيبويه وجمهور أئمة الأدب. أو الأرجل معطوف على الرؤوس، والغسل والمسح في المعطوف بمعنى إمرار اليد المبتلة في المعطوف عليه بمعنى صب الماء. وقد جاء المسح بمعنى الغسل حقيقة. روي عن أبي زيد الأنصاري وغيره من أئمة العربية أنهم قالوا المسح في لغة العرب يكون غسلا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ وغسل أعضاءه قد تمسح، ويقال مسح الله ما بك، أي غسل عنك وطهرك، ومنه

стр. 100

قولهم دخلت البحر فمسحت جسدي بالماء، وقولهم مسح المطر الأرض. والدليل عليه أيضا الأخبار المتواترة معنى، ولا يلتفت إلى قول المنكر من الفرقة الضالة بعد ما ثبت عن أئمة اللغة، وكونه بمعناه مجازا لم ينكره أحد، ويجري إرادة المعنى المجازي في المعطوف والمعنى الحقيقي في المعطوف عليه. وقد نقل شارح زبدة الأصول على مذهب الإمامية عن بعض المهرة في العربية من علمائهم أنه صحح ذلك، وقال الصلاة في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، أي في المعطوف عليه على المعنى الحقيقي، وهو في الأركان المخصوصة، وفي المعطوف عليه على المعنى المجازي وهو موضع الصلاة أعني المساجد، وقال إنه نوع من الاستخدام. وفسرها به جمع من مفسري القوم وفقهائهم، وبعض فقهاء الشافعية. فيجوز أن يراد هنا في المعطوف عليه المعنى الحقيقي، وفي المعطوف المعنى المجازي، والدليل عليه ما تقدم. ولأن قراءة الجر لو دلت على المسح فقراءة النصب ناسخة، لأن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، أو متعارضة فحينئذ يجب المصير إلى ما في الأخبار المتواترة معنى. ولم يرو أحد من أهل السنة عن الأئمة إلا الغسل، ورواه عنهم الإمامية أيضا. روى العياشي عن علي بن

стр. 101

أبي حمزة قال: سألت أبا إبراهيم عن القدمين، قال: تغسلا غسلا. وروى محمد بن نعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله: إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم تغسل رجليك. وروى هذا الأثر جمع منهم كالكليني وأبي جعفر الطوسي وغيرهما بأسانيد صحيحة عندهم. وروى محمد بن الحسن الصفار عن زيد بن علي عن آبائه عن علي قال: جلست

стр. 102

أتوضأ فأقبل رسول الله ﷺ فلما غسلت قدمي قال: يا علي خلل بين الأصابع. إلى غير ذلك من الأخبار. فسند الغسيل من الأحاديث متفق عليه، وسند المسح مختلف فيه، فوجب طرحه على ما يقتضيه أصول القوم. والتقية باطلة كما سيجيء إن شاء الله تعالى. والنسخ لم يثبت عند أهل السنة، والآية لا تدل على ذلك فإن الناسخ يجب أن يكون ظاهر الدلالة بالاتفاق. وما رواه الصفار ناص على عدم النسخ. هذا ولو لم يكن في هذه الآية دلالة الغسل لسأل الصحابة النبي ﷺ عن مواظبة الغسل، وما ذكره الكراكجي: أنه روى المخالفون أن النبي ﷺ توضأ ومسح رجليه، وأن عليا علم الناس وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه؛ ففرية بلا مرية، وبهتان عظيم، وإنما الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم رووا أنه ﷺ كان يغسل رجليه في الوضوء إلى أن قضى نحبه، وهم لا يكذبون عليه باتفاق الفريقين. وقد روت الشيعة ذلك عن أمير المؤمنين، وأورده الرضي في نهج البلاغة.

стр. 103

وما روى عباد بن تميم عن عمه أنه ﵇ توضأ ومسح قدميه، فهو معل بتفرد الراوي ومخالفة الجمهور، ولأنه لا يحتاج إلى بيان سنده وبيان من أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، ولأنه يحتمل أن يكونا غير ثابتين، ولكن الراوي لما رآه من بعيد ظن أنه مسح رجليه. [وما روي] عن أمير المؤمنين: "أنه مسح رأسه ورجليه وشرب فضل ماءه قائما، وقال: إن الناس تزعم أن هذا مكروه، وإني رأيت رسول الله ﷺ يصنع ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث". فإن صح فلا يدل على المدعى لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلا خفيفا فكذلك يحتمل أن يكون مسح رجليه كذلك، وهذه إشارة إلى الغسل الخفيف، يعني أن الناس تكره الغسل الخفيف ويرون الإسباغ.

стр. 104

ولو كان المسح لقال إن الناس تزعم أن هذا لا يجوز، ولأن المتنازع فيه وضوء من يحدث، ولأنه محتمل أن يكون المراد بالمسح إمرار اليد المبتلة في الأعضاء الخمسة. وقد صح عن أمير المؤمنين أنه كان يغسل رجليه في الوضوء ولا يمسح. روي عن أبي عبد الله الحسين أنه قال: دعاني أبي علي بوضوء فقربته إليه ... إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى. وروى أبو داود والطحاوي وغيرهما أنه: دخل الرحبة فدعا بماء فأتاه غلام بإناء فيه ماء وطست فتوضأ وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا. وما قيل إن المسح مذهب جماعة من أعيان الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وسلمان وأبي ذر وأنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وجمع من التابعين كأبي العالية وعكرمة والشعبي والحسن

стр. 105

البصري، إلا أنه كان يحب الجمع بين الغسل والمسح، وهو قول الناصر من أئمة الزيدية، وأن التخيير مذهب محمد بن جرير الطبري؛ فهو افتراء، فإنه لم يتثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بإسناد، وإنما حكاه من هو كحاطب ليل. والدليل على أنه كذب لا أصل له ما أخرجه الطحاوي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من الصحابة أنه مسح على القدمين؟ قال: لا. ولأن ارتكاب أحد الأمرين يوجب مخالفة صاحب الشرع، فإنه

стр. 106

إذا كان يغسل رجليه من أول الأمر إلى أن قضى نحبه لا يجوز المسح، فالذين كانوا يلازمونه بالعشي والأبكار ولا يفارقونه آناء الليل وأطراف النهار ويأخذون الوحي عنه غضا طريا، وكان كل منهم عن الخلاف بريئا منه، كيف يخالفون فعل نبيهم ﵇ وقد وعدهم الله تعالى الخلود في دار السلام. ومحمد بن جرير المذكور هو محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الشيعي صاحب الإيضاح والمسترشد في الإمامة، لا أنه محمد بن جرير بن غالب الطبري أبي جعفر صاحب التفسير والتاريخ الكبير من أهل السنة، فإنه لم يذكر في تفسيره إلا الغسل. هذا وعزو المخالفة إلى من لا يجوّز المخالفة أصلا بل يكفر المخالف افتراء منشأه العصبية والعناد، فإن حمل إعرابه على ما نص على جوازه عيون أئمة العربية، وليس من المخالفة في شيء، إنما المخالفة في إنكار كثير من كلماته كرم الله تعالى وجهه ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ و ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، و ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني والسادس. وفي ترك العمل بما دل عليه النص، وذلك في مذهب القوم كثير جدا كتخصيص الابن

стр. 107

الأكبر للميت بسيف أبيه ومصحفه وخاتمه وثياب بدنه إن ترك مالا سواها، وعدم توريث الزوجة من الأرض والعقارات والدور والسلاح والدواب، فإن القرآن دل عل التوريث مطلقا، والتخصيص مخالفة. وقد اعترف ابن المطهر الحلي في المختلف بتكفير الصحابة من المهاجرين والأنصار مع أن القران ناص على أنهم مؤمنون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. إلى غير ذلك من المخالفات. والرافضة يعيبون أهل الحق بعيوبهم، والمرء يولع بالذي يتعود. السادسة عشر: إنهم يقولون إن مذهب أهل السنة مخالف للنبي ﷺ ، كتحريم المتعة وقد أباحها النبي ﷺ ، وصلاة الضحى وقد روي عن عائشة أنها قالت: صلاة الضحى ما صلاها النبي ﷺ . وهذا أيضا من مفترياتهم، فإن المتعة قد نهى رسول الله ﷺ -

стр. 108

بعد أن أباحها لجنوده خاصة في بعض الغزوات كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وأما صلاة الضحى فقد صلاها النبي ﷺ . أخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح والطبراني في الدعاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت بصلاة الضحى. وأخرج مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاذة بنت عبد الله: سألت عائشة: كم كان يصلي رسول الله ﷺ صلاة الضحى؟ قالت: أربع [ركعات] ويزيد ما يشاء. وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس قال النبي ﷺ : "صلاة الضحى ست ركعات" إلى غير ذلك من الأخبار.

стр. 109

قال الشيخ ولي الله العراقي: ورد في صلاة الضحى أحاديث كثيرة مشهورة، وقال محمد بن جرير الطبري: قد بلغت الروايات في صلاة الضحى مبلغ التواتر المعنوي. وما ورد في النفي فهو خبر واحد له معارضات، وشهادة الإثبات تهدم دجى النفي، ورواية النفي لا تقاوم أخبار الإثبات لكثرتها. ولو كان العمل بأحد الخبرين المتعارضين بسبب ترجيح أحدهما على الأخر مخالفة، فهو في مذهبهم أكثر من أن يحصى، فإن جميع آثارهم متعارضة كما سيجيء إن شاء الله تعالى. والمخالفة إنما هي في مذهبهم كترك صلاة الجمعة والجماعة وطهارة الودي والمذي وعدم انتقاض الوضوء من خروجه وطهارة البول بعد نثر الذكر ثلاثا وجواز الصلاة مع خروجه وسيلانه إلى الساق، إلى غير ذلك. وسيجيء نبذة عنه إن شاء الله تعالى. السابعة عشر: إنهم يقولون إن أهل السنة شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، كالعمل بالقياس. وهذا أيضا باطل وزور، فإنه قد تواتر عن أهل البيت والصحابة أنهم يقيسون، وأن النبي ﷺ أجاز لهم ذلك، وروت الزيدية عن أهل البيت جوازه. وجوزه من الإمامية أبو نصر هبة الله بن أحمد بن محمد وتابعوه، وهم الثالث عشرية، لما سنح لهم من الدلائل القاطعة من الروايات الصحيحة عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم.

стр. 110

وروت الفرقة الاثنا عشرية عن أمير المؤمنين ما ينص على أنه كان يقيس وعن غيره من الأئمة جوازه. من ذلك ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن أبي جعفر محمد الباقر أنه جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: توجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الختانان وجب الغسل. فإنه كرم الله تعالى وجهه قاس الغسل بالحد، وليس هذا من طريق الأولوية كما زعموا بناء على أن المجامعة بدون الإنزال إذا كان لها تأثير في أقوى الشقين -أي حد الزنا- كان لها تأثير في ضعفها بطريق الأولى، فإن السحق يوجب التعزير عند أهل السنة والحد عند الإمامية، ولا يوجب الغسل بالاتفاق. واللواطة وإن كانت إيغابا يحد عند فرقة من أهل السنة والإمامية، ويعزر عند غيرهم، ولا يجب على اللائط الغسل إن لم ينزل عند الإمامية. والمباشرة الفاحشة مع الأجنبية توجب أحد الأمرين ولا توجب الغسل. والأجنبيتان إذا وجدتا في إزار واحد عزرتا ولا يجب الغسل. وقولهم إن الروايات المذكورة توافق العامة فيجب طرحها من فرط العصبية والعناد، وهو يناقض قولهم إن المختلف فيه يطرح للمتفق عليه. وما رووه عن أهل البيت أنهم قالوا إذا ورد منا حكمان مختلفان: "خذوا بما خالف العامة ودعوا ما وافقهم" افتراء.
следующие страницы →