← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96338

العثمانية

الجاحظ

Полный текст (277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإن قالوا: الفرق في ذلك أنكم لا تنكرون روايتنا في علي، ونحن ننكر روايتكم في أبي بكر. قيل لهم: إن العجز كل العجز أن تعيد على خصمك بشئ لا يعجزه. فإن أبوا إلا جحد الأخبار وتكذيب الآثار والإيجاب على الناس ما لا يوجبون لهم مثله فإن الذين نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لم ينقلوا معه في الحديث: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". وإنما سمعنا هذه الزيادة من الشيع، ولم نجد له أصلا في الحديث المحمول. روى الأعمش - وكان رافضيا - عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله عليه - عليا في سرية واستعمله عليهم، فلما جاء قال: كيف رأيتم صاحبكم؟ قال: فإما شكوته وإما شكاه غيري، وكنت رجلا مكبابا، فرفعت رأسي فإذا النبي - صلى الله عليه - قد احمر وجهه وهو يقول: "من كنت وليه فعلي وليه". فواحدة أن الذي روى هذا الأعمش، وهو ظنين في علي مضعف عند أهل الحجاز. وسعد بن عبيدة ليس هناك. وثانية أنه لم يقل من كنت مولاه، وقال: "من كنت وليه"

стр. 142

فإذا اختلفت الألفاظ دل ذلك على الوهن. ولم يقل: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه". ونحن نشهد أن من كان النبي - صلى الله عليه - وليه فسعد بن معاذ وليه. وعلى أنهم قد رووا في شكاية أقوام في تلك الغزاة لعلي كلاما قبيحا. ووجه آخر مما يدل في هذا الحديث على الاختلاف والوهن: أنهم نقلوا أن هذا القول في علي كان أن عليا جارى زيد بن حارثة في بعض الأمر، ولاحاه فيه، لأنه أغلظ له فرد عليه زيد مثل مقالته، فقال له علي: تقول هذا القول لمولاك؟ فقال زيد: إنما ولائي لرسول الله - صلى الله عليه -، ولست لي بمولى. فأتى على النبي - صلى الله عليه -، فشكا إليه زيدا، فقال النبي ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه". وصدق النبي - صلى الله عليه - أن عليا مولى زيد، إذ كان النبي - صلى الله عليه - مولاه، وكذلك العباس والفضل وعبد الله وقثم وتمام ومعبد. وإذا كانوا هؤلاء موالي زيد لأن النبي - صلى الله عليه - مولاه، فلعلم النبي - صلى الله عليه - من ذلك ما ليس لهم جميعا فإنما أراد النبي - صلى الله عليه - أن يعلم زيدا غلطه في ذلك القول، حين ظن أن ابن عم النبي - صلى الله عليه - ليس مولاه. فإذا كان أمر على وزيد مشهورا عند أصحاب الآثار، فإنما عنى

стр. 143

مولى النعمة، وليس في هذا إخبار عن فضل على في الدين. ولو كان النبي - صلى الله عليه - قال كما زعمت الروافض: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه" كان هذا القول يدل على أن زيدا قد أتى جرما عظيما، فلم يكن ليتخطى دعاء النبي - صلى الله عليه - على من عادى عليا إلى غيره إلا بعد وقوعه به. لأن زيدا هو المشتكى، ومن أجل صنيعه خرج النبي - صلى الله عليه - إلى مثل هذا القول الشديد، وهذا الدعاء القاصم، ومن قوله ومذهبه غضب عليه، وعليه نص وإياه عنى. وإنما يقول هذا ويجوزه من لا علم له بقدر زيد عند النبي - صلى الله عليه -. أوما علمت أن زيدا أحد من روى الناس عنه ونقلوا أنه كان أقدم الناس إسلاما. وقد دللنا على فضيلة إسلامه على إسلام علي في صدر كتابنا، في كلام العثمانية. وقد بلغ من قدره عند النبي - صلى الله عليه - وتفضيله إياه أنه لم يكن في سرية قط إلا كان أميرها، ولا أقام ببلاد إلا وهو أميرها. ويدلك على ذلك أن النبي - صلى الله عليه - أمّره على جعفر الطيار، وعقد له يوم مؤنة، ثم عقد لابنه أسامة على كبار المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص. حتى قال رجال من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة -: يولي علينا هذا الغلام! فغضب عمر ورد

стр. 144

عليهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه - فقال: ألا أعجبك يا رسول الله من رجال يقولون كذا وكذا؟ فمشى النبي - صلى الله عليه - إلى المنبر في شكاته التي توفي فيها فقال: ما مقالة بلغتني عن بعضكم في أسامة وتأميره، ولئن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن ابنه لخليق لها، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وابنه لمن أحب الناس إلي. فهو الحِبّ وأبو الحب، وهكذا يقال بالمدينة: أسامة الحب. ولذلك قال عمر لابنه عبد الله حين زاد في فريضة أسامة على فريضته، فقال له عبد الله: لم فضلته علي ونحن سيان؟ فقال عمر: إن أباه كان أحب إلى النبي - صلى الله عليه - من أبيك، وكان هو أحب إلى النبي - صلى الله عليه - منك. وقالت عائشة عند وفاة النبي - صلى الله عليه -: لو كان زيد حيا لاستخلفه النبي - صلى الله عليه - عليكم. هذا وأبوها الخليفة والمجعول إليه الإمامة. ومما يدلك على فضيلة أبي بكر ومكانته وخاصته من النبي ﷺ وعظم شأنه عنده، أن النبي - صلى الله عليه -[لما] آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين حمزة، وإليه أوصى حمزة يوم أحد. وقد تعلمون أن حمزة استشهد وهو أجل الناس في صدور المؤمنين، وأعظم في أنفس المهاجرين. وإن امرأ يكون كفئا لحمزة في الإخاء، وحمزة على ما وصفنا، لعظيم الشأن، رفيع المكان.

стр. 145

ولو لم يعرف من قدره إلا أن ذكره الله باسمه في كتابه، كما ذكر لقمان، ولم يفعل هذا لغيره من هذه الأمة، لقد كان ذلك دليلا على المنزلة والقربة، فكيف يجوز أن يكون في الحديث: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه" وحال زيد وصفته على ما ذكرنا وفسرنا؟ مع أن اللفظ في الحديث لو كان: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه"، لم يكن فيه دلالة تضطر إلى إمامته، وحجة تقهر العقول وتحملها على معرفة خاصته، ولكنه لفظ يدل على الفضل والقدر، وليس بالتفضيل الذي لا بعده، والتقديم الذي لا فوقه. وإنما الكلام الذي لا بعده قول النبي - صلى الله عليه -: "ما أحد أمنّ علينا بصحبته من أبي بكر" وقوله: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" وقوله: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين". فإذا كان هذا الحديث مختلفا في أصله وفي صحة مخرجه، ومختلفا في تأويله وفرعه، والحجة في أصله متدافعة، والحجة في فرعه متكافئة، فكيف يكون جحد على إمامته واستحقاقه وفضيلته على نظرائه. ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه، ثم كان لفظه محتملا لضروب التأويل، ما كان للروافض فيه حجة تقطع الخصم وتظهر المباينة. ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه وكان لا يحتمل من التأويل إلا معنى واحدا، ما اختلفت في تأويله العلماء، ولا اضطربت فيه الفقهاء، ولكان ذلك ظاهرا لكل من صح لبه، وحسن بيانه،

стр. 146

ولا سيما إذا كان الحديث ليس مفصحا عن نفسه، ومعربا عن تأويله، إلا عن قصد الرسول وإرادته، لأن يكفيهم مؤونة الرواية والأسباب المشككة. فينبغي على هذا القياس أن يكون علماء العثمانية وفقهاء المرجئة تعرف من ذلك ما تعرف الروافض، ولكنها تجحد ما تعرف وتنكر ما تعلم. ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله ولكنه غامض التأويل، وعويص المعنى، لا يكاد يدركه إلا الراسخ في العلم، البارع في حسن الاستخراج، كان العذر في جهل إمامته وفضيلته على غيره واسعا مبسوطا لأكثر المسلمين، وجل الناقلين، ولكبراء المتكلمين. وإنما صارت الروافض إلى إكفار الأنصار والمهاجرين بزعمهم أن النبي - صلى الله عليه - نص على إمامته، ودل على فضيلته، فإنه لا بد للناس في كل عصر من إمام من ولده، لأن ذلك الموضع إذا كان مقنعا ومعلما كان أخف على الناس في المحنة، وأبعد من الخطأ والزلل، ولأن اختيار الله لهم لأنفسهم، لأنه لو كان ذلك لا يكون إلا بالنظر دون النص لم يصلوا إلى إقامته، لكثرة عدد الناس، ولكثرة عدد الفضل، ولما في ذلك من الاشكال عند الموازنة، والشغل عن العدو. فإذا كان السبب في الإمامة هو الذي قالوا: فلا بد من حديث لا يحتمل التأويل، ولا يمنع من معرفة صحة أصله وصدق مخرجه. فإن قالوا: فإنا سنأتيكم بمثل اللفظ الذي أتيتمونا به حتى لا يكون لفظ أدل على الغاية منه. من ذلك قول النبي - صلى الله عليه - عند طائر

стр. 147

أتي به فأراد أكله فأحب أن يشركه في أكله أحب الناس إلى الله فقال: "اللهم آتني بأحب عبادك إليك يأكل معي هذا الطائر" ثم قال لأنس: اخرج فانظر من ترى بالباب؟ فخرج فوجد عليا فلم يأذن له، ولم يُعلم النبي - صلى الله عليه - مكانه طمعا أن يكون أنصاريا، ففعل النبي - صلى الله عليه - ذلك ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، ثم أدخله، فلما طلع قال: "اللهم وال". قيل لهم: أما واحدة فإن هذا الحديث ساقط عند أهل الحديث، ولو كان صحيحا عندهم فلم يجئ إلا من قبل أنس فقط، وأنس وحده ليس بحجة، فلم يكن في ذلك مقال ولا متكلم. وثانية: إن أولى الناس ألا يحتج بخبر أنس لأنتم معشر الشيع، لأن أنسا عندكم كافر كذاب. ولقد بلغ من سوء قولكم فيه أنكم زعمتم أنه كذب على علي، كذبه وبهته بأمر، فدعا الله عليه ثم بصق في وجهه فبرص من قرنه إلى قدمه. وأنتم تكفرونه بعمله للحجاج، وتزعمون أنه ليس في الأرض أكفر بالله ولا أجحد لإمامة علي ولا أنقض لأمره ولا أقتل لشيعته من الحجاج ولا من ولاه، وأن من ولي لهما في طريقهما وحكمهما. وأخرى أنه إن كان هذا الحديث كما تقولون وقد صدقتم على أنس، فقد زعم أنس بزعمكم أنه كذب النبي - صلى الله عليه - في موقف واحد ثلاث مرات، وقد أمسك النبي - صلى الله عليه - عن الطعام وهو يشتهيه،

стр. 148

فأحب لشهوته له أن يشركه فيه أشبه الناس به، فدعا ربه، وأنه إذ دعا ربه ثلاث مرار كل ذلك يستجيب له، وكل ذلك يراه أنس ويكذب له ويصده عن حاجته، ويمنعه سرعة الاستجابة، وتعجيل قضاء الحاجة، وتسويغه أكل المشتهى من طعامه. كلما دعا دعوة: قال اخرج يا أنس فانظر من بالباب، ثقة منه بربه، واتكالا على الذي عنده له، ويرجع وقد كتمه وحجبه عنه، ومنعه سرور تعجيل الدعاء وأكل شهي الغذاء. فإن كان أنس كما تقولون فقد ركب أمرا عظيما، وذهب مذهبا قبيحا. وكيف يصدق على النبي - صلى الله عليه - من خلقه بهذا وكذبه في وجهه ثم لا تمنعه الأولى من الثانية، والثانية من الثالثة. هذا والوحي ينزل بأسرع من الطرف بلعن قوم ومدح آخرين. وإن امرأ احتملت نفسه وشاع في طبعه أن يواجه النبي - صلى الله عليه - بالكذب ثلاث مرات في أحب الناس وأوجبهم حقا عليه، لحري ألا يصدق عليه في معظم أمر الدين، مع أن الحديث نفسه هو أضعف حديث عند أصحاب الأثر من أن يحوجنا إلى الإطناب فيه والإخبار عنه. ومتى ادعينا ضعف حديث وفساده فاتهمتم رأينا وخفتم ميلنا أو غلطنا، فاعترضوا حمال الحديث وأصحاب الأثر، فإن عندهم الشفاء فيما تنازعنا فيه، والعلم بما التبس علينا منه.

стр. 149

ولقد أنصف كل الإنصاف من دعاكم إلى المقنع مع قرب داره وقلة جوره. وأصحاب الأثر من شأنهم رواية كل ما صح عندهم، عليهم كان أولهم، مع أن هذا الأمر ليس يعرف من قبل الحديث، وإنما يعرف من الوجه الذي به يقضي على جميع الدين. وإنما احتججنا عليكم في أنس بالذي سمعتم، لأنا وجدناكم تكفرونه حتى إذا جرى سبب يؤكد ما تقولون جعلتم كفره إيمانا، وكذبه تصديقا، وعداوته ولاية. ثم لم ترضوا بأن ألحقتموه بالأولياء وأخرجتموه من حدود الأعداء، حتى أقمتم خبره وحده مقام خبر من يكذب آيًا به، أو مقام خبر يمتنع الكذب في مجيئه لاختلاف علل أهله. فأما نحن فإنا نرى أنه رجل عظيم الحرمة واجب الحق، إذ كان قد خدم النبي - صلى الله عليه - صغيرا واعتصم به كبيرا، وكان من رهط صدق. وأما ما حكيتم من ولايته للحجاج فقد ولي للحجاج وصلى خلفه من كان يرى إكفاره فضلا عن من يرى تفسيقه، وفي البراءة منه وفي التقية سعة، وفي الخوف عذر. فأما الذي حكيتم من البياض الذي أصابه فإن المؤمن بعرض مصائب ما كان في دار الدنيا. وما كان الذي أصابه في جنب الذي كان فيه أيوب النبي - صلى الله عليه -؟ وقد كان شعيب مكفوفا! ولو كان على كما يقولون فأراد أنه كان إذا بصق على إنسان فأراد

стр. 150

أن يبرص برص، لما كان بينه وبين عيسى بن مريم - صلى الله عليه - فرق. والعجب إن كان كما تزعمون، كيف لم يبصق على أبي موسى فيجذمه، أو على جيش صفين فيهزمه؟ بل كان علي أظهر سلما وأرجح حلما وأشد ورعا وأكثر فقها وأبين فضلا من أن يدعي هذا وشبهه. وليس يمدح عليا بما لا يليق به إلا هازل أو جاهل. وأما قولكم إن النبي - صلى الله عليه - قال: "أنت مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" وأن النبي - صلى الله عليه - أراد بهذا أن يعلم الناس أن عليا وصيه وخليفته، فإنا سنقول في ذلك، وبالله وحده نستعين. نقول: إن خلافة الرجل لا تكون إلا في إحدى منزلتين: إما في حياة المستخلف وإما بعد موته. ولم يقل أحد إن النبي - صلى الله عليه - استخلف عليا في غزوة من غزواته، في كثرة ما غزا وكثرة ما ولّى. قالوا بأجمعهم: إن النبي - صلى الله عليه - خلفه في غزوة تبوك، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقال قوم: المستخلف ابن أم مكتوم. وهم إن اختلفوا فلم يختلفوا أن عليا كان مقيما بالمدينة والأمير غيره، والإمام سواه.

стр. 151

ولولا أن خلفاء النبي - صلى الله عليه - في غزواته يصاب عليهم بكل مكان، وفي كل سيرة، لقد كتبته لك في كتابي الذي رددت فيه على من صغر قدر الإمامة وزعم أنها غير واجبة، وأنها تصلح في العدد الكثير. وأما غير ذلك من كتبي فلم أنتحل فيه قولي، وجعلت الكتاب هو الذي عبر عن نفسه، وقمت مقام جميع الخصوم، وجعلت نفسي عدلا بينهم. ولو لم أكن على ثقة من ظهور الحق على الباطل لم أستحل كتمانه مع زوال التقية، وصلاح الدهر، وإنصاف القيم. ثم رجعنا إلى كلامنا الأول فقلنا: لا بد لخلافة الرجل من إحدى منزلتين: إما في الحياة أو بعد الموت: فأما في الحياة فلا يستطيع أحد أن يقول: إن النبي - صلى الله عليه - استخلف عليا في حياته. وليس يضع ذلك من علي، لأن أبا بكر وعمر الذين هما عندنا أولى بالأمر منه لم يستخلفهما النبي - صلى الله عليه - قط في حياته. أو تكون الخلافة بعد الموت، فلا يجوز أيضا أن يكون النبي - صلى الله عليه - عنى بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الخلافة لعلي بعده، والذي قد علم أن هارون قد مات قبل موسى: لأن هارون وموسى وأمهما ماتوا جميعا في شهر واحد، وكان موسى - صلى الله عليه - آخرهم موتا. ولذلك قالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلت هارون. فإن قالوا: ومن يقول: إن هارون مات قبل موسى؟ قيل لهم: إن شئتم فاعترضوا أصحاب التفسير والسيرة، والتمسوا علم

стр. 152

ذلك من قبل أصحاب ابن عباس، وإن شئتم فأهل الكتاب يهودهم ونصاراهم الذين ليس لهم في ذلك دفع مضرة ولا اجتلاب منفعة، ولو آثروا أن يجحدوا ما عرفوا، وأن يطبقوا على إنكار ما علموا، وكان ذلك ممكنا في القدرة، سائغا جائزا، لجحدوا أن بني إسرائيل أخذت موسى بقتل هارون تعنتا وبغيا، أو غلطا أو جهلا. وهذا مشهور عند أهل الكتاب وأهل التفسير. وليس أحد أحق بأن يصيب في الأمثال إذا ضربها، ولا أولى بحسن التشبيه إذا شبه، من خيرة الله وصفوته من رسله، فكيف يجوز أن يقول النبي - صلى الله عليه - لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وهو يريد الخلافة، وهارون لم يكن من موسى خليفة من بعد موته، ولم يكن على خليفة النبي - صلى الله عليه - في حياته. ففي أي المنزلتين وعلى أية الحالين يكون على خليفة إذ لم يكن استخلفه النبي أيام حياته. بل كيف يجعله من نفسه بمنزلة هارون من موسى وهو يريد الخلافة من بعده، وهارون لم يكن خليفة موسى بعده. ولا بد للحديث مع سوء تأويلكم واضطراب حجتكم من ضربين: إما أن يكون باطلا لم يتكلم به النبي - صلى الله عليه -. وإما أن يكون حقا ومعناه غير ما قلتم. وتفسيره غير ما ادعيتم. ولو أن النبي - صلى الله عليه - أراد أن يجعل عليا خليفة من بعده إذ لم يكن جعله خليفة أيام حياته، لقال: "أنت مني بمنزلة يوشع بن نون

стр. 153

إلا أنه لا نبي بعدي" لأن يوشع كان خليفة موسى في بني إسرائيل بعده، وكان نبيا قبل موت موسى وبعده. فإن قالوا: إن النبي - صلى الله عليه - لم يقصد إلى الخلافة ولم يرد الإمامة، ولكنه عنى الوزارة. قلنا: إن وزارة هارون من موسى لا بد فيها من أحد أمرين: إما أن يكون موسى هو جعل له ذلك وهو وزيره على جهة ما يتخذ الإمام وزيرا والملك وزيرا على معنى الاختيار والاستكفاء والثقة. أو يكون وزيره على جهة المؤازرة والمكاتفة والتعاون، على أن كل واحد منهما وزبر صاحبه ومعاونه ومكاتفه، إذا غاب عن قومه كان الآخر خليفته، لا على أن موسى الجاعل ذلك له. ولا منزلة لهارون من موسى إلا هاتين المنزلتين في جهة الخلافة والوزارة، لأن نبوة هارون لا تكون من قبل موسى، والنبوة لا تكون إلا من قبل الله. وليس يخلو قول موسى لهارون: ﴿اخلفني في قومي﴾ عن ضربين: إما أن يكون هو جعله خليفته على جهة الاختيار والاستكفاء والثقة به، وإما أن يكون خليفة على أن يكون كل واحد منهما إذا غاب عن قومه كان الآخر خليفته. فإن كانت وزارة هارون وخلافته لموسى إنما كانت منزلتين أنزله فيهما موسى، وليست لهارون من موسى منزلة غيرهما، فقال النبي - صلى الله عليه -: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" فكأنما قال: لك خلافتي

стр. 154

ووزارتي، فكيف يقول: إلا أنه لا نبي بعدي، والنبوة منزلة من الله لهارون وليست منزلة لهارون من موسى. فإذا كان ذلك كذلك فكيف يستثني الحكيم المرشد الشئ من [غير] شكله؟ وهل يكون بعض من غير كله؟ وكيف يقول: قد جعلتك خليفتي ووزيرا، إلا أني لم أجعلك نبيا مثلي، ومنزلة النبوة ليست إليه كما كانت منزلة الخلافة والوزارة إليه. وإنما قوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" يريد به: إن لك مني مثل الذي كان لهارون من موسى، وهو الخلافة والوزارة. فكيف يقول: "إلا أنه لا نبي بعدي" فيستثني ما لا يملكه ولا يجوز أن يملكه، مما قد ملكه ويجوز أن يملكه من هو دونه من خلفائه ومن خلفاء خلفائه. أو يكون هارون كان وزير موسى على جهة المؤازرة والمعاونة، وعلى أن يكون كل واحد منهما وزير صاحبه وخليفته عند الغيبة وحضور الآخر، ليس أنه قد كان خليفة ووزيرا، وإن كان ذلك كذلك فليست لهارون من موسى منزلة من الوزارة والخلافة إلا ولموسى من هارون مثلها. وإذا كان ذلك كذلك فقد صارت خلافتهما ووزارتهما كنبوتهما أو رسالتهما. وإذا كان ذلك كذلك فكيف يجوز أن يقول النبي - صلى الله عليه - لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وليست لهارون من موسى منزلة إلا ولموسى مثلها من هارون؟ وكيف يجوز أن يقول النبي - صلى الله عليه - ذلك لعلي ومنزلة هارون من موسى منزلة النبي من

стр. 155

النبي، والشكل من الشكل، والمثل من المثل، وهي منزلة من الله كما أن نبوة موسى منزلة من الله؟ وكيف يقول: "إلا أنه لا نبي بعدي"، وسبيل النبوة سبيل منزلة هارون من موسى على ما حكيناه من التعاون والتآزر؟ وإذا كان هذا الحديث لو صح في أصله وأول مخرجه، وسلم من الزيادة والنقصان وجاء مجئ الحجة، لم يقدر القوم على أن يجعلوه دليلا موجبا وشاهدا صادقا على خلافته وإمامته دون غيره، فما ظنك به إن كان قد دخله من الخلل والضعف والاحتمال في الفساد ما يوجب تكذيبه ورده. وأقل ما للعثمانية في هذا الحديث أن يساووكم في تأويلكم، وفي ذلك الخلاف بطلان حجتكم. وقد زعم ناس من العثمانية أن هذا الحديث باطل من أجل أنه لا يحتمل من التأويل إلا ما حكيت لك، وأن النبي - صلى الله عليه - لا يعلن ولا يظهر غير ما يضمر، ولا يتكلم بالفاسد، ولا يستكره المعاني، ولا يتكلم بالمتعقد، ولا يضرب مثلا ولا يشبه شيئا بشئ إلا وذلك الشئ وفق ما قال: لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. ووجه آخر: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن عامر بن سعد. فواحدة إن عامر بن سعد هذا لو كان بالفقه والحديث والفضل معروفا

стр. 156

وكان كأمثاله من بني الصحابة كعبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، ما كان ليكون وحده حجة في تأخير أبي بكر عن مقامه. فكيف وهو في غير سبيلهم وطريقهم. ولو سمعنا هذا الخبر من سعد وحده ما كان إلا حجة على نفسه، كالحجة على علي في روايته أن النبي - صلى الله عليه - قال في أبي بكر وعمر: "هذان سيدا كهول أهل الجنة". وكيف يروي هذا سعد مع قوله في الإمامة: "ما أنا بقميصي هذا أحق مني بها" وهو يدعو عليا إلى الشورى والمخايرة والمكاثرة بالمحاسن، ويقول: "أعيدوها شورى كما كانت". ويعيب عليا بالاستبداد، ويقول: "كنت سابع سبعة مع النبي - صلى الله عليه -، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ثم جاءني أعرابي يعلمني دين الله، ما أنا بقميصي هذا بأحق مني بها". وإنما فخر بأنه كان سابع سبعة على علي لأن عليا لم يكن فيهم عنده، وكان إما حدثا صغيرا وإما على أمر غير ذلك. وسعد من العشرة، ومن الستة، ومن السبعة، والمستجاب

стр. 157

الدعوة، وقال له النبي - صلى الله عليه -: "ارم فداك أبي وأمي". ومن كان لهذه الأمور مستحقا لم يجمع بين طلب مخايرة رجل ومكاثرته بالمحاسن وهو مقر أن النبي - صلى الله عليه - جعل خصمه منه بمنزلة هارون من موسى، إلا أن يكون تأويل الحديث عند سعد وعند من شهد سعدا على غير معناكم. وحديث عامر على غير ما يروون، وإنما قال: "أنت مني بمنزلة هارون بن موسى، إلا أنه ليس معي نبي" هكذا رووه عن عامر بن سعد على غير معناكم. وفي قول النبي - صلى الله عليه -: "هذا خالي أباهي به فليأت كل امرئ بخاله" تفضيل له على كل خال في الأرض، وقد كان علي خال جعدة بن هبيرة، ولم يستثن أحدا. فإن قالوا: الدليل على ما قلنا أن النبي - صلى الله عليه - لما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبينه، فلولا أنه كان أشبه الناس به هديا، وعلما وفضلا لم يجعله عدل نفسه دون غيره. قيل لهم: أنتم ليس لكم علم بالأثر ولا بالخبر. وكيف يعرف الآثار والأخبار من يكفر الأسلاف، ويبرأ من التابعين، ويجحد كل ما لم

стр. 158

يوافق هواه، ويدعي ما وافق هواه وإن كان باطلا، بل لا يرضى حتى يتقول الزور ويولد الباطل. وليس شئ أيسر من أن يقول قائل: إن النبي - صلى الله عليه - لما آخى بين أصحابه آخى بين نفسه وبين أبي بكر. ولكن الحق أحق ما خضع له واحتمل ما فيه. وهذه الفقهاء وأصحاب الآثار عرضة لكم، فإن لم يقولوا إن النبي - صلى الله عليه - لما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بين علي وسهل بن حنيف فنحن أولى بجحد المعروف منكم. وقد قال الله: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وأنتم لستم أصحاب آثار، فاسألوا أصحاب الآثار إن كنتم لا تعلمون، فإن ذلك أمر مشهور لا خفاء به، ولا دافع له، أعني المؤاخاة بين علي وسهل بن حنيف. ولثقة علي به استعمله على المدينة حين خرج عنها. ومن أجل سهل بن حنيف امتنع الزبير وطلحة أن يركبوا عثمان بن حنيف والي علي على البصرة بأكثر مما كانوا ركبوه به. ولذلك السبب صلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف بالناس في مسجد الرسول - صلى الله عليه - وعثمان محاصر، لرأي علي كان في ذلك، ولغلبته على الدار، وأنه كان يطاع بأكثر من طاعة الزبير وطلحة وسعد. وإنما آخى النبي - صلى الله عليه - بينه وبين سهل بن حنيف الأنصاري كما كان آخى بين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت. ولذلك قال

стр. 159

حسان يحامي دونه وينصره بالكلام والشعر، ويظهر الميل على علي حين قال: يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * ما كان شأن علي وابن عفانا لنسمعن وشيكا في دياركم * الله أكبر يا ثارات عثمانا ولذلك قال في كلام له وهو يعتمد رأي علي واختياره: ثكلت أم نزال حرب لقي ابن أبي طالب كفاحا، وسعدت أم نزال رأي لقي ابن أبي طالب سهوا. في كلام كثير، وشعر كثير. وكما آخى النبي - صلى الله عليه - بين أبى الدرداء وسلمان، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين حذيفة وعمار، وبين حمزة وزيد، وبين أبي بكر وعمر. فإن قالوا: فلعل النبي - صلى الله عليه - آخى بين علي وبين نفسه، وبين علي وبين سهل بن حنيف، وهذا ما لا يتدافع، كما كان يؤاخى بين الرجل المهاجري وبين الأنصاري، وقبل ذلك ما آخى بين المهاجرين بعضهم في بعض، فكان الرجل منهم تصير المؤاخاة بينه وبين اثنين: مهاجري وأنصاري. قلنا لهم: أما واحدة فإنا لم نجد لقولكم إن النبي - صلى الله عليه - آخى عليا إسنادا يثق به أصحاب الحديث، فضلا عن أن يكون جاء مجئ

стр. 160

الحديث. ولو كان النبي ﵇ حيث آخى بين المهاجرين ولم يرض لعلي إلا بنفسه لفضلِ علي على غيره وأنه أشبه الأمة به وأقربهم حالا من حاله، ثم آثر أن يؤاخي بينه وبين رجل من الأنصار كفعله بغيره من المهاجرين - كان ينبغي له أن يؤاخي بينه وبين أفضل الأنصار؛ إذ كان الذي يمنعه من أن يؤاخي بينه وبين بعض المهاجرين طلب أفضلهم، وكان ينبغي على هذا المذهب أن يؤاخي بينه وبين سعد بن معاذ. فإن قالوا: سهل بن حنيف أفضل من سعد ومن حمي الدبر ومن غسيل الملائكة ومن مكلم الذئب ومن غيره، لم يكن هذا منكرا من مكابرتهم وجهلهم. فإن قالوا: إنه جائز أن يؤاخى بين غير الأشكال في الفضل، وجائز ألا يؤاخى بين المتساوين والمتقاربين. قيل لهم: فلعل أيضا النبي - صلى الله عليه - لم يؤاخ بين نفسه وبين علي - إن كان آخاه كما زعمتم - من قبل تقارب الحال والمشاكلة في الأفعال. ولعل النبي - صلى الله عليه - لم يؤاخ عليا رأسا إذا أجاز ألا يؤاخى بين الأشكال، ولا يقارب بين الأمثال. وأدنى ما فيه أن يكون ذلك قد كان جائزا. فإن تركوا هذا أجمع وقالوا: كيف يجوز أن يكون أبو بكر هو الإمام وقد كان النبي - صلى الله عليه - جعله في جيش أسامة. وما زال يقول في شكاته: "أنفذوا جيش أسامة" يعيد ذلك ويكرره، إلى أن قبضه الله إلى جنته.

стр. 161

قيل لهم: إن في أمر النبي - صلى الله عليه - له أن يقوم مقامه في الصلاة بالمسلمين، وعائشة وحفصة قد اعتونتا ليصرفا ذلك إلى عمر، ويقولان: إن أبا بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقوم مقامك. وهو قد ودع المسلمين في حطبته التي خطبها في شكاته حين قال: "إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة فاحتار الآخرة". فبكى أبو بكر، فعجب الناس منه وقالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه -: "إن عبدا من عباد الله" قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه -. هكذا الخبر. ثم جاء جبريل في شكاته فقال: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على آدمي قبلك. قال: ائذن له. فأذن له جبريل حتى وقف بين يدي النبي - صلى الله عليه - ثم قال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك فيما أمرتني به، فإن أمرتني قبض نفسك قبضتها، وإن كرهت ذلك تركتها. قالوا: فسمع النبي - صلى الله عليه - يقول: "الرفيق الاعلى" فعلم أنه قد خير - صلى الله عليه -. ثم كان عند كل صلاة لا يجد عندها إفاقة يقول: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" ويقول: "أبى الله إلا أبا بكر" وفي قوله:" أبى الله أن يصلي إلا أبو بكر" دليل أن ذلك من قبل الوحي، مع قوله لعائشة وحفصة حين أرادتا صرف ذلك إلى عمر: "أنتن صواحبات يوسف، أبى الله ورسوله أن يصلي إلا أبو بكر" بالغلظ. فلو كان الخطب في ذلك صغيرا ما أغلظ النبي - صلى الله عليه - لهما ولا اشتد عليهما.

стр. 162

فإن قالوا: وما دعا عائشة إلى صرف هذا الأمر العظيم والمقام الشريف إلى عمر؟ قيل: فإنه ليس عندنا في ذلك إلا ما اعتذرت هي به لنفسها، فإنها قالت: إني والله ما أردت صرف ذلك على أني لم أعرف شرفه وخطره، ولكني خفت أن يتشاءم المسلمون به، وألا يحبوا رجلا قام مقامه أبدا. فأما حديث الربيع بين صبيح عن الحسن فإنه زعم أنها قالت: خفت ألا يطبق حمل الخلافة، وظننت أن الناس سيريدون منه مثل ما تعودوا من النبي ﷺ ، وعلمت أن أحدا لا يكون كالنبي. فإن كان النبي ﷺ جعله في جيش أسامة فقد استثناه حين اشتكى من جميع الجيش، إذا استخلفه في مقامه وأمره بالصلاة لأمته، لأن من صلى في مقام النبي ﷺ وفي مسجده ومصلاه، في أعياده وسائر أيامه، فقد صلى بجميع الأمة، وتأمر على جميع البرية. وإنما أدخلنا فيها صلاة الجمعة والعيدين لأن النبي ﷺ حين قال: "أبى الله ورسوله إلا أن يصلي أبو بكر" لم يستثن صلاة دون صلاة. فإذا كان الكلام عاما والنبي ﷺ على يقين من فراق الدنيا، والوحي ينزل عليه، فقد دخل في ذلك صلاة العيد والجمعة، لأن النبي يتكلم كلاما عاما.

стр. 163

وقد علم الله ورسوله أن الكلام العام يتخذه الناس حجة فيما يدل عليه العام. وقد علم الله أن أبا بكر سيصلي بالناس في أعيادهم وسائر صلاتهم، وأنه سيحتج في استحقاق أبي بكر بقول النبي ﷺ : "أبى الله ورسوله أن يصلي إلا أبو بكر" فكان ذلك دليلا على أن الله قد أراد ذلك وأوجبه، وعناه وأحبه. فهذا دليل على أن أبا بكر لم يخالف أمر الله بتخلفه عن جيش أسامة إن كان أبو بكر ممن كان في ذلك الجيش قبل شكاة النبي ﷺ وأمره له بالصلاة. ووجه آخر يدل على ما قلنا. وهو أنا لم نجد أحدا من المسلمين ولا من الأنصار والمهاجرين ذكروا عنه في ذلك الدهر حرفا واحدا من ذكر تخلف أبي بكر، لا عاتبا زاريا، ولا مستفهما مسترشدا، ولا متعجبا ناقما، ولا مصوبا عاذرا. ولم يذكر أحد حديثا - ضعف إسناده أم قوي - أن أحدا احتج لأبي بكر ولا عليه. ولا يكون رجل في مثل نباهة أبي بكر وقدره، وفي مثل نباهة ما صار إليه، لأنه لا موضع أولى بشدة الحسد وكثرة الطعن منه، وقد كان منه التخلف الذي لا يخفى موضعه، مع توكيد النبي ﷺ وشدته على ذلك، ثم لا يلجأ في تخلفه إلى حجة ولا أمر

стр. 164

من النبي ﷺ ، ثم يطبق جميع الخلق في ذلك على السكوت والرضا والاستحسان أكثر مما صاروا إليه. هذا وبنو عبد مناف شهود، وخالد بن سعيد قد ترك بيعته ستة أشهر، وقال: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي عليكم رجل من تيم؟ وقال أبو سفيان بن حرب مثل ذلك. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. وقد سمع أبو قحافة رجة وهو بمكة، وهو مكفوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات النبي ﷺ ، قال: فما صنع الناس؟ قالوا: أقاموا ابنك. قال: فرضيت بنو عبد مناف بذلك؟ قالوا: نعم، قال: وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: فلا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع. وفي إطباق الجميع على السكوت على التخلف بعينه، مع قول خالد وأبي سفيان، دليل على أنهم لو وجدوا غميزة أو خلافا أو معصية لم يدعوا الاحتجاج به، والخوض فيه. ولو كانت التقية قطعتهم عن ذلك لقطعتهم عن ذكر الطعن في إمامته، كما قطعتهم عن ذكر الطعن في تخلفه. وفي رضا أسامة وتسليمه وسكوته وقناعته حتى لا يحكى عنه في ذلك كلمة واحدة، دليل على ما قلنا. فإن قالوا: إن أسامة قد عرف صنيعه في تخلفه ولكنه كان في تقية منه، لأن أبا بكر لو لم يكن هو المطاع في العوام، والمقنع

стр. 165

في الدهماء، ما تقدم بني عبد مناف، وكان أسامة لا يستطيع أن يبدي في دهر عمر من ذلك شيئا، لشدة عمر في تعظيم أبي بكر، لأن الطعن في أبي بكر راجع على عمر، وأن رعية عمر هم رعية أبي بكر، وكذلك كان أسامة في دهر عثمان، لأنه نسق واحد وسبيل واحدة. قيل لهم: فما منعه أن يتكلم في دهر علي ومع علي يومئذ مائة ألف سيف يطيعه. وهل عندكم في أسامة أكثر من أن تدعوا على ضميره غير ما يدل عليه ظاهر عمله؟ وإن أولى الناس ألا يحتج بأسامة لأنتم، لأن أسامة هو الشاهد لطلحة على علي، حين قال علي: بايعتني ونكثت بيعتي؟ قال طلحة: "بايعتك واللج على قفي"، واستشهد أسامةَ. فقال أسامة: أما السيف على قفاه فلم أره ولكن بايع وهو كاره. في أمور كثيرة تدل على أن أسامة كان عمريا، ليس هذا موضع ذكرها. فهذا هذا. وفي إطباقهم جميعا يدعونه خليفة رسول الله من تلقاء أنفسهم، لا مكرهين ولا مقهورين، لم يرفع عليهم سوط ولا شهر سيف، ولا سمعوا وعيدا، ولا رأوا لذلك أثرا، ولا رأوا منه إمرة لبعض العشائر، فيخافون أن يتقوى بهم عليهم، مع كثرة العدد واختلاف الأنساب وتفرق الأهواء، و [في] الذي قبله، دليل على ما قلنا، وحجة على الذي ادعينا.

стр. 166

ومما يقرب من قولنا قول النبي - صلى الله عليه -: "أنفذوا جيش أسامة" فقد يعلم المستدل أن النبي - صلى الله عليه - إنما قصد بذلك الأمر في خاصته والمطاعين، لأن قوله: "أنفذوا" دليل أنه قد كان هناك من ينفذ أمره، وإليه قصد بالأمر مقنعين غير ساخطين. ولو كان الأمر إنما كان لأسامة وأصحابه كان اللفظ على غير هذا. فإذا كان ذلك كذلك، فمن أولى بأن يكون من المخاطبين المطاعين من أبي بكر وخليله وصفيه، على ما كتبت لك في كتابي هذا، مع أنا لم نبلغه ولم نستقصه، إما بالخوف منا والكراهة لإطالة الكتاب، وإما بالتقصير منا في معرفة جميع محاسنه. ووجه آخر: أنك لو جهدت أن تجد لحديث من زعم أن أبا بكر كان في جيش أسامة أصلا لم تجد، وإنما أتى عامة ذلك من قبل كون عمر في ذلك الجيش، لأن عمر وأبا عبيدة كانا من أول من انتدب في ذلك الجيش. ولما كان الناس كثيرا ما يرون عمر يجري مع أبي بكر غلطوا في ذلك في مواضع كثيرة، حتى جر ذلك على أبي بكر فرار عمر يوم أحد، فقال من لا علم له: وفر يوم أحد أبو بكر وعمر. وموقف أبي بكر والنفر من المهاجرين في يوم أحد أشهر من أن يطمس عليه جاحد. ومن ذلك أن عمر كان في جيش ذات السلاسل، فألحقوا به أبا بكر.

стр. 167

فإن أبوا إلا أن يكون قد كان في ذلك الجيش فالجواب على ما قلنا. فإن قالوا: قد سمعنا مقالتكم. ولكن ما الدليل على أن النبي - صلى الله عليه - أمر أبا بكر بالصلاة بالناس؟ قلنا لهم: إنه ليس لأنه كان مأمورا بالصلاة فقط، ولكنه صلى بالناس سبع عشرة صلاة إلى أن توفى النبي - صلى الله عليه -. وذلك أن النبي ﵇ بدئ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ويوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول. وهذا هو السبب عندهم. وزعم أصحاب السير والأخبار أن النبي - صلى الله عليه - كان يأمر بلالا بالأذان، فإذا وجد إفاقة خرج يصلي بالناس، وإن اشتد ما به قال: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" فكان النبي وأبو بكر يصليان على هذه الصفة. فإن أنكروا أن يكون النبي - صلى الله عليه - أمر أبا بكر أن يصلي و [ادّعوا] أن هذه الأخبار كلها باطل، وأن العلة في هذه الأيام كلها لم تمنع النبي - صلى الله عليه - من الصلاة حتى مات. قيل لهم: أرأيتم هذا الذي قلتموه وادعيتموه، أشئ استخرجتموه أو سمعتموه؟ فإن زعموا أنهم سمعوا قلنا لهم: فأتوا بفقيه واحد أو محدث يقول كما تقولون، ويحدث كما تزعمون. وجميع ما يدعى باطل.

стр. 168

وإن كان إذا اعترضوا المحدثين والناقلين لم يجدوا أحدا إلا وهو يخبر بما قلنا، فالحق أحق أن يتبع. ولا يجوز أن يقولوا: إنا استخرجنا معرفة هذا المعنى، لأن الاستخراج لا يكون إلا من عيان أو خبر. أوليس قد كان النبي موضوعا على سريره حين زاغت الشمس يوم الاثنين إلى حين زاغت من يوم الثلاثاء، يصلى الناس عليه وهو على شفير قبره وأبو بكر يصلي بالناس؟ فإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس في غير ذلك الوقت غير أبي بكر فالقول كما قالوا. وإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس غير أبي بكر أول صلاة صلاها المسلمون [حين] اختلفوا في تأمير الأمراء واستخلاف الخلفاء عليهم، كما قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فالقول كما قالوا. وهل يستطيعون أن يزعموا أنهم قالوا: منا مصل ومنكم مصل؟ والعجب كيف لم يقولوا: إن عليا لم يزل هو المصلي بالناس والمأمور بالصلاة، فغُصب حقه وظلم مقامه؟ وكيف يجوز أن يجئ رجل من أرضه وسمائه من غير نسب ولا سبب، حتى ينفذ من أشرف المقامات، بحضرة القرابة والعشيرة، من عم وابن عم، وقريب ونسيب، وجلة المهاجرين والأنصار، والعظماء وعلية قريش، ودهماء العرب، ثم لا يتكلم في ذلك رجل واحد؟ فإنما

стр. 169

يقول هذا من لا يعرف قدر ذلك المقام في الصدور، وكيف طبائع قريش وأنفة العرب. فإن قالوا: كيف يكون أبو بكر إماما ولم يجتمع المسلمون على إمامته والرضا به؟ وقد قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال سلمان: "كرداذ ونكرداذ". وقال خالد بن سعيد: أرضيتم معشر بني عبد مناف هذا. وقال أبو سفيان بن حرب مثل مقالته، وخرج الزبير بسيفه شادا، فلما رآه عمر قال: دونكم الكلب. وجلس علي [في] منزله واعتل بأنه آلى ألا يبرح حتى يجمع القرآن. قيل لهم: ليس الأمر على ما تقولون. ولو كان الأمر على ما تقولون ما كان خلاف هؤلاء ناقضا لأمره. لأن الرجل إذا كان أفضل الناس وأكمله وأنفعه للمسلمين وأرده عليهم، فعليهم إقامته والتسليم له والرضا به، لأن كل ما عددت لك من فضله هم كانوا أعلم به، إذ كانوا يسافرون معا ويقيمون معا، وكانوا أعنى بمعرفة الخير وأسرع إلى العلم به منا ومن أهل دهرنا. ولو كان أبو بكر تنتقض إمامته، وكان عليه اعتزال ذلك المقام، بخلاف رجل أو رجلين أو ثلاثة، كان أولى الناس بأن يكون له في الإمامة

стр. 170

سبب ولاحق ومتعلق علي بن أبي طالب، لأن سعد بن أبي وقاص كان أحد الشورى وأحد الأكفاء، وقد أباه وقال قولا أبين من قول خالد وأبي سفيان وسلمان، قال: "ما أنا بقميصي هذا أحق مني بها، أعيدوها شورى، أما بالسيف فلا أريدها" وقال لرسل علي حين أرادوه على بيعته: "ثكلت أم لم تلدني، لئن كنت سادس ستة مالنا طعام إلا ورق البشام، وقد جاءني أعراب الأوس تعلمني دين الله؟ " في كلام كثير. وخالفه طلحة والزبير وهما شريكاه، وأحدهما فارس النبي - صلى الله عليه -، والآخر وقايته، فقال علي: بايعتماني؟ قال الزبير: ما بايعتك قط، إن كنت على يقين أنك أولى بها فاجعلها شورى بيعة وحق دعواك من باطله. وقال طلحة: "بايعت واللج على قفي" حين رقى إليه العساكر وطعنت عليه عائشة واستحلت محاربته. ثم اجتمع على حربه أهل الشام قاطبة، فيهم عبد الله بن عمر [و] وكعب بن مرة البهزي وكان من فضلاء أصحاب النبي ﷺ ، وهو الذي قال حيث قال النبي - صلى الله عليه -: "ستكون فتنة هذا فيها يومئذ على الحق" وأومأ إلى رجل مقنع، فكشف عن رأسه فإذا هو عثمان، فلما قتل عثمان وهو يكف عن القتال استنصر، فكان يحدث هذا الحديث.

стр. 171

ومنهم واثلة بن الأسقع الليثي، وله صحبة ونسك، والنعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد، وحبيب بن مسلمة، وذو الكلاع، ومعاوية بن حديج. ومن التابعين أبو مسلم الخولاني، وشرحبيل بن السمط، وعمرو بن وافد الغامدي الذي قال [فيه] مكحول: كأنه قد مات ودخل النار وحوسب ثم رد إلى الدنيا، فمعه خوف المجرب. ثم خالف عليه خاصة إخوانه ونساك أصحابه وأهل البصائر من جنده وحمدت حتى أكفروه وخلعوا إمامته وولايته. وفيهم مع نسكهم وجدهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم فروة بن نوفل الأشجعي وحرقوص بن زهير، وفيهم من التابعين مثل رئيسهم عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصن الطائي. ولقد دعا محمد بن مسلمة إلى عونه، واعترض آخذا بسيفه، ثم كسره وقال: أضرب المسلمين بسيف ضربت به الكافرين؟

стр. 172

فدعا زيد بن ثابت إلى عونه فأبى وقال: أنت والله تعلم أن لو شحا أسد فاه لألقمته كفي دونك، فأما أن أضرب بسيفي لأؤكد لك ملكا فلا. ودعا عبد الله بن عمر فقال حين أراده على بيعته: إني لن أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة. وكذلك قال حين قيل له بعد ذلك: لو بايعت أخاك عبد الله بن الزبير. قال: إن أخي وضع يده في فرقة، وإني لن أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة. وطعن عليه سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعلى طلحة وقال: "فتنة عمياء يخبط أهلها". قال طلحة: ابن عمك كان أعلم بي وبك حين جعلني في الشورى وأخرجك منها. قال: إن ابن عمي خانك وأمنني. ودعا إلى بيعته وعونه أسامة بن زيد فقال: إني إذن لمفتون! وأسامة هو الذي كان طلحة استشهده على قوله: "قد بايعت واللج على قفي" فسئل أسامة عن ذلك. فكلمه طلحة بكلام غليظ. وقول صهيب أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش. كل هؤلاء السبعة [ما منهم] إلا من شهد بدرا. وزعم ابن سيرين والشعبي أنهما قالا: وقعت الفتنة بالمدينة وأصحاب النبي - صلى الله عليه - أكثر من عشرة آلاف، فقال: فما يعدون من خف فيها عشرين رجلا. فسميا حرب علي وطلحة والزبير وصفين فتنة.

стр. 173

وكما قال الشعبي: من حدثك أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة نفر فكذبه. كان علي وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية. وقد تعلمون أنه لم يكن في الأرض عثماني إلا تعلمون أنه منكر لإمامته، وهم أكثر عددا وأكثرهم فقيها ومحدثا. ولقد كان الرجل من أصحاب الآثار يظن به التشيع فيترك ويضعف ويتهم عند أهل العلم، حتى أنه كان يطويه ويستره أكثر مما يستر السوء يكون بجلده. فلو كان الفاضل الكامل تنتقض إمامته وتفسد عدالته من قبل خلاف أربعة أو خمسة، لما كان في الأرض أشد انتقاصا من إمامة علي. وأما قولكم: إن الأنصار قالت لقريش والمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير! فهذا إلى أن يكون حجة عليكم أقرب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله لو كان أقام عليا وجعله خليفة ووصيا ونص على ذلك بغدير خم، أو في بعض المغازي، ما كان بلغ من حربهم وعنودهم أن يقولوا هذا الكلام والإمام قائم الحجة معروف المكان. وكيف جاز أن يلغوا ذكره حتى لا يذكرونه في شئ من مخاطباتهم ومنازعاتهم إلا والقوم لم يكن عندهم فيه عهد ولا سبب. فهذه حجة قاطعة. وأخرى: الذي رأينا من قلة مبالاتهم من أقامه المهاجرون كائنا من كان، لأن قولهم: منا أمير ومنكم أمير، قول قوم كأنهم قالوا:

стр. 174

لا بد لنا معشر الأنصار من أمير على حال، وأنتم بعد أعلم بشأنكم فأمروا عليكم من بدا لكم. وليس في هذا طعن على خاصة أبي بكر، كما أنه ليس فيه تأكيد لإمامته دون غيره. وهذا قول كان من نفر من الأنصار في سقيفة بني ساعدة، قبل أن يقوم فيهم أبو بكر خطيبا وواعظا، ومبينا ومحتجا. فلا يستطيع أحد أن يقول: إن أحدا منهم رد على أبي بكر خاصة كلمة واحدة. فليس في قولهم: منا أمير ومنكم أمير، خلاف على أبي بكر، وإن كان خلافا فإنما هو على الجميع. وإن كان هذا الكلام منهم حجة ما كان إلا على من زعم أن الإمامة غير واجبة، أما على من زعم أنها لأبي بكر دون علي فإنها غير لازمة. ولعمري لو كان القوم حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير قالوا: ولا يكون أميركم إلا علي أو فلان أو فلان، أو قالوا: الرأي لكم أن تجعلوا أميركم عليا أو فلانا أو فلانا، كان في ذلك ما يتعلق به متعلق ويشغب به شاغب. وهذا ما لا يحتج به عالم، لأن الحجة فيها للرافضة ألزم، وعليها أوكد. أما قولهم أن سلمان قال ما قال، فإنما سلمان رجل من عرض المسلمين، لا يصلح أن يكون خليفة، ولا يجوز أن يكون في الشورى ومع الأكفاء، فتنتقض به مريرة أو تبرم به، لأسباب:

стр. 175

منها أنه ليس من المهاجرين، ولا ممن شهد بدرا ولا أحدا، ولا لقي في الله ما لقي نظراؤه عند الناس كبلال وصهيب وخباب وعمار، ولا كان من الذين آووا ونصروا، وذكروا في القرآن وقدموا. وكان حديث الإسلام قليل المشاهد، وإنما أسلم حين انحسرت الشدة وانكشف عنهم معظم الكربة، ولكنه كان من الصالحين ومن الفضلاء المخلصين، وكان عند النبي ﷺ وجيها، وعند خلفائه مقربا، وقد قال النبي فيه قولا حسنا، ولكنه ليس من الأكفاء في الإمامة وموضع الشورى والخلافة، فيكون قوله حجة تنتقض به الإمامة، وطعنه عليه يصرف الخلافة. ثم آخر: أنا قد وجدناه ولي لعمر بن الخطاب على المدائن، يقيم له الحدود ويجبي له الخراج، ويدعو له على المنبر، ويؤكد له خلافته، وينفذ أمره، مطيعا غير مكره، ومخلى غير مقصور، فولايته لعمر دليل على تصويب أبي بكر، ومطيع عمر أذعن لأبي بكر، ومعظم عمر أشد تعظيما لأبي بكر. ولقد كان يخرج آذن عمر والناس ببابه فيجعله في الفوج الأول. حتى روي عن أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ذلك كلام مشهور: من ذلك أنهم كانوا بباب عمر في جلة من قريش والعرب، مثل عيينة بن حصن وغيره، إذ خرج آذن عمر فقال: أين بلال؟ أين سلمان؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ ادخلوا. فتغيرت وجوههم واستبان الجزع فيهم، فأقبل عليهم سهيل بن عمرو واعظا ومعربا ومذكرا،

стр. 176

فقال: دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا [ولئن حسدتموهم] على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أعظم. فما في الأرض عاقل يظن أنه يأذن لسلمان قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو، ويوليه بلاد كسرى وآل كسرى، وسلمان عنده ظنين في بيعة أبي بكر وناقم عليه. وقد بارك عمر أبا بكر في خالد بن سعيد بن العاص، حين عقد له على أجناد الشام، لكلمته التي كانت في بيعة أبي بكر، حتى عزله. فكيف يحتمل لسلمان الطعن والخلاف ثم لا يرضى له إلا بالولاية على بلاد كسرى، وسلمان لا يجري عند عمر مجرى خالد ولا قريبا؟ ففي هذا دليل على أن سلمان لم يقل: "كرداذ ونكرداذ". وإن كانت هذه الكلمة حقا كانت ترجمتها بالعربية: صنعتم ولم تصنعوا، يقول: قد أقمتم فاضلا مجزيا ولو كان غيره كان أفضل منه. وأخرى فلو كان سلمان كان عنده أن النبي - صلى الله عليه - كان قد

стр. 177

استخلف عليا ونصبه إماما وجعله وصيا لم يقل: صنعتم ولم تصنعوا، إلا أن قوله: "صنعتم" تثبيت لإمامته، فكأنه قال: هو إمام، لو كان غيره كان خيرا لكم منه. وليس على هذا بني القول. ولو احتج بهذا القول الزيدية كان أشبه من أن يحتج به الطاعن في إمامة أبي بكر حين قال: ارتد الناس كلهم عن الإسلام بإنكارهم إمامة علي والتسليم لمن أنكر، ما خلا أربعة نفر: سلمان والمقداد وأبو ذر وبلال. ثم زعموا أن حذيفة وعمارا تابا بعد عمر. ولئن كان بلال كما قالوا من الطعن والخلاف على أبي بكر وعمر، لقد شاركهما حيث ولي لهما دمشق، لأن عمر كان ولى بلالا دمشق، فكان أنفذ لامره من أبي عبيدة. وكيف يكون بلال طاعنا على أبي بكر وعمر حتى قد شهر بذلك من بين الخلق وعمر يوليه، ويقربه ويدنيه، ويقدم إذنه، ويلحق عطاءه بعطاء عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد، ويقول: "بلال سيدنا ومولى سيدنا" ومرة يقول: "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا". ولا يجوز هذا القول من عمر من يجوز طعن بلال على أبي بكر، إلا جاهل بعمر، جاهل بأمر السلطان، وعز الخلافة. فأما ذكرهم المقداد، فما علمنا ولا علم أصحاب الآثار أنه نطق في خلافة أبي بكر وفي نقضها، وفي خلافة علي وتوكيدها، بحرف قط، ولا وقف في ذلك موقفا، ولا قام في إنكاره [أ] وتثبيته مقاما، وما ندري بأي سبب ادعوه، إلا أن يكونوا ذهبوا إلى أن عليا رحمة

стр. 178

الله عليه ربما كانت له الحاجة إلى النبي ﵇، فيكبر النبي - صلى الله عليه - ويعظمه عن مواجهته بها، فيكلف ذلك المقداد. من ذلك حديث هشام بن عروة عن أبيه في الرجل إذا دنا من المرأة فأمذى ولم يمسها، فاستحيا علي أن يسأل النبي - صلى الله عليه - عن هذا من أجل ابنته، فقدم المقداد فسأله، فقال النبي ﵇: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ". وغير ذلك. والأغلب علينا أن المقداد لم يزل متنكرا لعلي، لأن المقداد حين خطب ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب إلى النبي - صلى الله عليه -، بعث النبي إليها عليا بذلك يخبرها، وأنه قد رضيه لها، فكره علي ذلك، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه - وقال: رأيتها كارهة، فأرسل النبي إليها رسولا فقالت: أولم أخبر عليا أنني قد رضيت لنفسي بما رضي به النبي؟ فقام النبي - صلى الله عليه - خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا علي قم فانظر من عن يمينك وعن شمالك. واعلم أنه ليس لك فضل على أسودهم وأحمرهم إلا بالدين". فهذا قد روي. والله أعلم. ولم يرو عن المقداد الطعن على أبي بكر في خلافته ليؤكد بذلك لعلي شيئا. وأقل ما ينبغي للمتكلم أن يعرف فروق الأمور، فإنه إذا عرف ذلك لم يتعلق من الأسباب إلا بأمتنها. فأما تجريد الباطل وكثرة الدعوى بلا سبب، فهذا جهد العاجز.

стр. 179

ولربما تعلقوا بالسبب الضعيف، كالذي وجدوا لعمار بن ياسر من عداوة عثمان، وصنيع عثمان به، فلما كان عثمان عندهم في طريق عمر وأبي بكر وفي حيزهما جعلوا طعن عمار عليه طعنا عليهما، واحتجاج عمار لعلي احتجاجا عليهما. ولو اجتهدت أن تصيب لعمار موقفا واحدا أو كلمة طاعنة على أبي بكر وعمر وعثمان، فضلا عليهما قبل إحداثه وقبل أن يجرى بينهما ما جرى، ما قدرت عليه. وهل كان لعمر وال أنفذ لطاعته من عمار؟ ولقد رفع عليه جرير بن عبد الله، فجمع بينهما طمعا في ظهور حجته، والضرح عن نفسه، فلما لم يجد ذلك عنده قال: ما عندنا خير لك يا أبا اليقظان. ومن أجل ضعف عمار في الولاية وقوة المغيرة حين شكاهما أهل الكوفة قال عمر: "أعضل بي أهل الكوفة، إن وليت عليهم تقيا ضعفوه، وإن وليت عليهم قويا فجروه". فإذا كان عمار يخطب على منبر الكوفة بتوكيد إمامة عمر، ويأمر الناس بطاعته، ويقيم الحدود والأحكام بأمره، ويفتح الفتوح بتأميره، فيرى القتل والسبي وإحلال الفروج، غير مكره بوعيد ولا مقصور بإيقاع، فأي دليل أدل مما حكيناه. ولو أن طاعنا طعن في طاعة سهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري وأبي مسعود البدري، لعلي، هل كان عندكم

стр. 180

في دفع ذلك إلا مثل ما عندنا من الدفع عن طاعة سلمان وبلال وعمار وأقل منه. فأما أبو ذر فزعم أصحاب الآثار أنه كان يعظم عمر بن الخطاب تعظيما ما عظمه أحد قط. فمن ذلك أن عمر صافحه يوما فعصر يده وكان أيدا، فصاح: يا قفل الفتنة! ومسح من وجهه العرق بباطن راحته، وعمر موعوك وهو يقول: بأبي رحضاؤك لو قدمت صرنا هكذا - وشبك بين أصابعه - أوجعتني! فخلاه وقال: ما هذا؟ فقال سمعت النبي - صلى الله عليه - يقول: "لن تزالوا بخير ما كان هذا بين أظهركم". وقال عمر لشاب: غفر الله لك! فقام إليه أبو ذر فقال: استغفر لي! وهو حديث فيه أمور كثيرة. ولو لم يجئ عن أبي ذر من هذا قليل ولا كثير لكان حكمه الرضا والتسليم، إذ لم نر منه طعنا ولا رأينا له متوعدا. ولو اعترضتم مائة من أصحاب النبي - صلى الله عليه - فقلتم: إنهم كانوا طعانين على أبي بكر مؤكدين لخلافة علي، ما كان عندنا في أمرهم حديث قائم ولا خبر شاهد، أكثر من أن حكم الممسك عن الطعن والخلاف هو الرضا والتسليم. ولقد ينبغي لنا ولكم أن نتفكر في معنى كلمة سلمان فقد
следующие страницы →