← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96338

العثمانية

الجاحظ

Полный текст (277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ليعلمه النبي - صلى الله عليه - أن بحضرته ملائكة قد أرسلهم الله ليمنعوه من المشركين، ليسكن بذلك روعه، وتهدأ نفسه، وليثق بحضور النصر وتعجيل الدفع. وقد علمنا أن الله لم يجعل مع كل مؤمن ملكين يكتبان خيره وشره استذكارا، ولكن المؤمن إذا شعر بمكانهما كان أقطع له عن ركوب الأدناس وأدعى له إلى الاستحياء، وليعلم أن الأمر جد وليس بهزل. فكذلك إحضار الملائكة لأبي بكر، ليكون بشارة النبي - صلى الله عليه - له بذلك تسكينا لنفسه، وتعجيلا لبعض ما استحق بالاحتمال والمواساة والصبر، من الثواب المعجل دون المؤجل. ولقد بلغ من ظهور قصة أبي بكر وصحبته ومرافقته وكونه مع النبي - صلى الله عليه - في الغار، أن الروافض مع شدة الإقدام والجرأة على تكذيب الناقلين، لم تقدر على دفعه ورده، حتى قال منهم قائلون: إنما أخرجه النبي - صلى الله عليه - خوفا من أن يدل عليه ويسعى بأمره إلى أعدائه، لأنه كان حسن من النبي بالهجرة، وعرف ميقاته الذي عزم عليه. وكيف يجوز أن يخاطب الله الناس فيقول: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين﴾ والذي به كان النبي - صلى الله عليه - بائنا قد أبر على الأعداء وأربى على الكفار، لأن النفاق أعظم من التصريح.

стр. 107

وهذا ما لا يجوز في عقل، ولا يسنح في فكر، ولا يجوز في التعارف، ولا يليق بالبيان. وكيف والله يقول على اتصال اللفظ باللفظ والمعنى بالمعنى، وتركيب الآية الأخرى على الأولى: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾. ولا كافر أعظم كفرا، ولا أشد عنودا من ثانيه وصاحبه في الغار، ورفيقه في الطريق، والمعزي لشدة حزنه، إن كان الشأن على ما قالوا وكما وصفوا. وإنما المنافقة أن يكون الرجل معتقدا لجحد الرسول وعداوته، ولكن الرسول هو الغالب على داره القاطع لمن بادأه بالعداوة، وناوأه في الفضيلة، فإنما يستبقي نفسه بنفاقه، وبتزميل حقده، وإخفاء ضغنه. فأما رجل مقيم بمكة قليل مفرد، وذليل مطرد، وخائف مشرد، بين استخفاء يعدل الموت، أو هرب يقطع الأحشاء، والذي هرب معه مقهور مخذول، والغالب على داره عدوه، فكيف كان أبو بكر منافقا والحال على ما وصفنا؟ ولولا كثرة الفساد وما عم الناس من الغلط وفحش الخطأ ما كان لذكر هذا وشبهه معنى. والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والأشعار والأخبار، أن النبي - صلى الله عليه - قال لحسان: أما قلت في أبي بكر شيئا؟ فأنشأ يقول:

стр. 108

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا التالي الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العداة به إذ صعد الجبلا خير البرية أتقاها وأطهرها * إلا النبي وأوفاها بما حملا فجعله تاليا وثانيا وصاحبا. وقال أبو محجن: وسميت صديقا وكل مهاجر * سواك يسمى باسمه غير منكر سبقت إلى الإسلام والله شاهد * وكنت جليسا بالعريش المشهر وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا * وكنت رفيقا للنبي المطهر فجعله سابقا وصديقا وجليسا وصاحبا. وقال كعب بن مالك: سبقت أخا تيم إلى دين أحمد * وكنت لدى الغيران في الكهف صاحبا فجعله سابقا وجعله صاحبا. وقال النجاشي: غداة أتى بدرا وحر جلادهم * وكان جليسا بالعريش مؤازرا فلو لم تكن له مأثرة إلا ما دلت عليه هذه الآية، وإلا شرف هذه الصحبة، وموقع هذه الخاصة، ونبل هذه المرافقة، ومشاهده الثقة، لكان فوق الجميع في المكانة والفضيلة، وفي مرافقة النبي - صلى الله عليه -.

стр. 109

سمع أهل مكة الهاتف بالليل على قرن الجبل وهو رافع عقيرته، يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه * خليلي صفاء طردا كل مطرد هما نزلا في الصبح ثمت هجرا * وأفلح من أمسى رفيق محمد ليهنئ بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد وقال الحارث بن هشام: رفيقان في المحيا وفي الموت ضمنا * بأكرم مثوى منزل ومكان فهذا هذا. ثم الذي كان من قصة مسطح بن أثاثة وقضيته، وكان ربيبه وابن خالته وفي مؤونته وتحت جناحه، فلما قرفت عائشة بالذي قرفت به وبلغك، آلى أبو بكر ألا ينظر في وجهه، ولا ينفق عليه ولا يكفله ولا يمون عياله، فلما أنزل الله عذر عائشة وبراءتها، ولم يرض لها بالطهارة والعفة حتى جعلها غافلة، فضلا على أن يكون خطر ذلك على بالها فتنفيه، إيثارا للحلال على الحرام، وأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه - في آية يأمر أبا بكر بالصفح عن مسطح، والتجاوز عن ذنبه، وتغمد ما كان منه، وأن يعيده في كنفه وعياله. فقال: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾. فما ظنك بإمرئ يقول الله له وفيه هذا القول، ويصفه بهذه الصفة حتى يقول: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله

стр. 110

لكم والله غفور رحيم﴾ فتلاها رسول الله ﷺ على أبي بكر، فلما انتهى إلى قوله: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" قال أبو بكر: بلى يا رب! فعفا عنه، فوجبت له المغفرة، وأعاده إلى نعمته، وجعل عياله في حشاه وتحت ظله. فمن أعظم قدرا من رجل يفرد الله له الآي فيه معظما لشأنه، ذاكرا لفضله على لسان جبريل ومحمد ﵉. فهذا هذا. وقد أجمع أهل التأويل على أن الله عنى بقوله: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ أبا بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأمه. وكان أبو بكر وأهل بيته أهل بيت إسلام: كان هو مسلما، وامرأته مسلمة، وأبواه مسلمان، وبناته مسلمات. وليس في العشرة الذين قال لهم النبي - صلى الله عليه - إنهم في الجنة، ولا في قريش قاطبة رجل مؤمن مؤمن الأبوين غير أبي بكر الصديق، ولا في قريش خاصة والمهاجرين عامة صاحب ابن صاحب ابن صاحب غير عبد الله قتيل الطائف، ابن أبي بكر الصديق، ابن أبي قحافة المسلم يوم مكة، والقائل فيه رسول الله - صلى الله عليه - لأبي بكر: "فهلا تركت الشيخ في منزله فأتيناه". وله صحبة. واجتمع أهل التأويل على أن قوله: ﴿أفمن يمشى مكبا على وجهه

стр. 111

أهدى أم من يمشى سويا على صراط مستقيم﴾ نزلت في أبي بكر وأبي جهل. ألا ترى أن أبا جهل رأس الكفر، فلم يقرن به ولم يوضع بإزائه من المسلمين إلا رأس مثله. وقال الله: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ الآية، يعني أبا بكر في إنفاقه المال وعتقه الرقاب والمعذبين، وقوله: ﴿كذب وتولى﴾ يعني أبا جهل، وليس في الأرض صاحب تأويل خالف تأويلنا ولا رد قولنا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر. وأما قوله: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما﴾. فزعم ابن عباس أن القوم الذين ذكرهم بنو حنيفة، وأبو بكر استنفر إليهم العرب، وضمهم إلى المهاجرين والأنصار، حتى أظفر الله يده وأظهر حكمه. وأما غير ابن عباس فزعم أنهم فارس والروم. فإن كان [ذلك] كذلك فإن أبا بكر هو المستنفر إلى قتال الروم. وإن كان عمر هو المقاتل لكسرى فإن ذلك راجع إلى أبي بكر بتأسيسه لعمر واختياره له. وقد زعم جويبر عن الضحاك في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قال: أبو بكر وعمر.

стр. 112

وقد زعم وكيع عن الفضل بن دلهم عن الحسن في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال: هم والله أبو بكر وأصحابه. ومثل هذا كثير، ولم يجئ المجئ الذي يحتج به المنصف والمرشد. ولكن الحجة القاطعة في إجماع المفسرين في الآيات التي ذكرناها قبل في قصة الغار، والنصرة، وفي قصة مسطح، والعفو عنه والإنفاق عليه، وفي قصة عبد الرحمن بن أبي بكر وأبويه ودعائهما له إلى الإسلام ورده عليهما، وقصة أبي بكر وأبي جهل. وقالت العثمانية: فإن زعمت الرافضة أن الله أنزل في علي آيا كثيرا، فكان مما أنزل فيه وفي ولده قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. فأولي الأمر علي وولده. فلعمري لئن كان أصحاب الأخبار قد أطبقوا على أنها نزلت في علي وولده إن طاعتهم لواجبة، وإن كان هذا شيئا تقوله متقول، أو جاء من وجه ضعيف، فهو مع ضعفه شاذ. وليس في ذلك لكم حجة، لأن الحديث قد يحتمله الرجل الواحد الثقة عن مثله، فيكون شاذا، ما لم يكن مستفيضا شائعا قد نقل عن المستفيض الشائع. وقد يكون الحديث يحتمله الرجلان والثلاثة وهم ضعفاء عند أهل الأثر فيكون الحديث ضعيفا لضعف ناقليه، ولا يسمونه شاذا، إذا كان قد جاء من

стр. 113

ثلاثة أوجه، وإنما الحجة في المجئ الذي يمتنع فيه العمد والاتفاق. وهذا الجنس من الخبر هو الإجماع. وليس يكون الخبر إجماعا من قبل كثرة عدد الناقلين، ولا من قبل عدالة المحدثين، وإنما هو العدد الذي نعلم أنهم لم يتلاقوا ولم يتراسلوا ولا تتفق ألسنتهم على خبر موضوع، مع اختلاف عللهم وأسبابهم، ثم يكون معلوما عند سامع ذلك الخبر من ذلك العدد، أنهم قد نقلوه عن مثلهم في مثل أسبابهم وعللهم. فإذا كان معلوما أن فرعه كأصله كان ذلك موجبا لليقين ونافيا لعرو الشك واسترابة التقليد. وهو كنحو ما نقلوا من قصة الغار وقصة مسطح. فأما ما قالوا وادعوا أن الله عنى بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ عليا وولده دون جميع المهاجرين، فليس من شكل ما اشترطنا، ولا من فن ما بينا؛ لأن أصحاب التأويل زعموا أنها نزلت في عمال النبي ﷺ وولاته، وفي المسلمين، وفي أصحاب سراياه وأجنادهم كالعلاء بن الحضرمي وأبى موسى الأشعري وعتاب بن أسيد وخالد بن الوليد ومعاذ بن جبل، يأمر الناس بطاعة الأمراء والتسليم لولاة أمورهم. حديث عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن تأويل قول الله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فقلت: من أولو الامر؟ فقال: هم أصحاب محمد، قلت: إنهم يزعمون أنه علي، فقال: علي منهم.

стр. 114

وهذا من أثبت وأحسن ما يروون في تأويل هذه الآية، ومن أحرى ما جمع الفريقين على تقبله والرضا به، إذ قائله العالم المقبول عند الفريقين، والرئيس الذي لا أحد فوقه في عصره عند الروافض. وزعم محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، أن الله أنزلها في عبد الله بن حذافة السهمي. فإذا كان تأويلها مشهورا بما ذكرنا من الاختلاف، فليس فيها للمتشيع حجة. وزعموا أيضا أن الله أنزل في علي: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ يقول: في طاعة علي. والكلام في هذا كالكلام فيما قبله. لأن أصحاب الأخبار والتأويل لا يعرفون ذلك. والخبر المشهور عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وغيره أن الله أنزلها في ناس من مسلمي أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يقيمون السبت، ويعافون الذبيحة، لرسوخ العادة، وغلبة الألف، فأنزل الله فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ يقول: ادخلوا في جميع الشريعة، ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ وزينته لكم الحكم بألفكم له، ونشوكم كان فيه.

стр. 115

وزعموا أن الله أنزل: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. قيل لهم: أما ظاهر الكلام فيدل على ما قال أصحاب التأويل، كابن عباس وغيره، حين زعموا أنها نزلت في عبد الله بن سلام ورهط من مشركي أهل الكتاب، وذلك أنهم أتوا النبي - صلى الله عليه - عند الظهر فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا قاصية ولا نجد مسجدا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما صدقنا الله ورسوله عادونا وتركوا مخالطتنا، وأقسموا ألا يكلمونا. فبينما هم يشكون عداوة قومهم لهم إذ نزلت: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ فلما قرأها النبي - صلى الله عليه - قالوا: رضينا بولاية الله ورسوله والمؤمنين. وأذن بلال للصلاة، فخرج النبي ﷺ إلى المسجد وهم معه، والناس من بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فتلا النبي - صلى الله عليه -: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ الآية. فإن تكن هذه الآية كما قال ابن عباس ومجاهد، فليس لعلي فيها ذكر. وإن يكن الأمر ليس على ما قال ابن عباس فليس تأويل الرافضة بأقرب التأويل.

стр. 116

وقد عرفنا أن تأويل ظاهر هذا الكلام يشبه غير الذي قالوا، وليس لنا أن نجعله كما قالوا إلا بخبر عن النبي - صلى الله عليه -، أو بإجماع من أصحاب التأويل على تفسيره، وذلك أن قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ يدل على العدد الكبير، وأنتم تزعمون أنه عنى عليا وحده، وليس لأحد أن يجعل ﴿الذين﴾ لواحد إلا بخبر يجمع عليه. فإن لم يقدر على ذلك فليس له أن يحول معنى الكلام عن ظاهر لفظه، والذي عليه التعامل والتعارف. ولفظ الجميع معروف من لفظ المفرد. لأن الرافضة تزعم أن سائلا دخل المسجد فسأل الناس وعلي راكع، فلم يعط شيئا، فنزع علي خاتمه فأعطاه، فأنزل الله فيه: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. وأنت إذا سمعت بتأويل ابن عباس وتأويلهم علمت أن تأويلهم بعيد من لفظ التنزيل، قرب تأويل ابن عباس منه. ولو كان الأمر كما قالوا ما كان أحد أعلم به من ابن عباس ولا أشعر به منه. وأنتم تزعمون أن عليا كان أزهد من أن يحول عليه الحول وعنده مال راهن يجب عليه فيه الزكاة. ولو كان ذلك كذلك ما كان بلغ من قدر صنيع رجل في إعطاء درهم ودرهمين من زكاته الواجبة ما إن يبلغ به إلى هذا القدر الذي ليس فوقه قدر، أو يكون كان علي مشهورا بإعطاء الزكاة وهو يصلي.

стр. 117

ولو كان هذا هكذا لكان مشهورا مستفيضا. وكيف اتفق له ألا يزكي إلا وهو يصلي؟ وإن كان تطوع بإعطاء الخاتم على جهة الإيثار والمواساة فليس بمعروف في الكلام أن يكون الرجل إن تصدق بالدرهم والدرهمين متنفلا ومتطوعا أنه معط زكاة، لأن الزكاة عندنا ما وجب إخراجه وكان تطهيرا لسائر ماله، وسببا للنماء والبقاء. إلا أن يحمل الكلام على الشاذ، وعلى أبعد المجاز. وليس هكذا كلام الحكيم يريد أن يدل الأمة على إمامته، ويوجب عليهم طاعته. ولا بد في هذه الآية من أحد ضربين: إما أن يكون لفظها يدل على ما قالوا دون ما قال غيرهم، وإما أن تكون قد نزلت في قصة مشهورة لعلي كقصة الغار حين كانت لأبي بكر. فإن لم تجدوا إلى واحد من هذين سبيلا فلم يبق إلا أن تزعموا أن الرسول - صلى الله عليه - قال للناس: إن هذه في علي فاعرفوا له حقه وفضيلته. ولو كان ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي قال. قالت العثمانية: قد زعمت الروافض أن الله أنزل هذه الآية في علي فاعرفوا له حقه وفضيلته. ولو كان ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي قال. قالت العثمانية: وقد زعمت الروافض أن الله أنزل فيه: ﴿قل كفى

стр. 118

بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾. ولا يجوز أن يقول: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ وهو يعني عليا إلا وعلي قد كان أشهر من هناك بعلم الكتاب. وكيف يكون ذلك وقد توفي النبي - صلى الله عليه - وهو لم يجمع الكتاب بعد؟ وقد زعم الشعبي أنه لم يجمعه إلى أن مات. وكيف يكون من المشتهرين بعلم الكتاب وأنت إذا سألت أصحاب الأخبار والتأويل عن أسماء أصحاب التأويل ذكروا ابن عباس ومن دون ابن عباس بطبقات كالحسن البصري ومجاهد والضحاك وعكرمة، وفلان وفلان وفلان، ولا يذكرونه في هذا الصنف، كما لا يذكرون فيه أبا بكر وعمر وعثمان، لأنهم لم يكونوا بالمشتهرين بالتأويل وحفظ القرآن ومعرفة معانيه، لأن غير ذلك كان أغلب عليهم منه، وقد أخذوا منه بنصيب. ولم يكونوا كمن تجرد لمعرفة التأويل حتى غلب عليه كما غلب على زيد بن ثابت الفرائض، وكما غلب علم التأويل على ابن عباس، وكما غلب كثرة الأسانيد وعدد الآثار على ابن عمر وجابر وعائشة، وكما غلب على أبي وعلى عبد الله القراءات. ولو كان للناس أن يقولوا في هذه الآية على الظن وما هو أشبه لكان أولى الناس بها عبد الله بن عباس، لأنه كان أعلم الناس بالقرآن. ولو لم يكن عرفنا فضله فيه بالذي ظهر منه، لعرفنا فضله وإن بطن وغاب عن العيان لقول النبي - صلى الله عليه - فيه: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". فكيف وقد ظهر من علمه بمعانيه وغريبه، وإعرابه وقصصه

стр. 119

ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه، ما لم نجد عند أحد شطره ولا قريبا منه. وقالت العثمانية: إنه لا يعجز أحد أن يعمد إلى كل آية في القرآن فيدعي أنها في أبي بكر وعمر كما ادعيتم ذلك في علي، وإنما الشفاء والبيان في صحة الشهادة، وظهور الحجة. وزعمت العثمانية أن من الدليل على فضيلة أبي بكر على علي أن النبي - صلى الله عليه - سماه "الصديق" دونه، وليس بعد اسم النبي اسم أنبه من الصديق، حتى كان لا يقال قال أبو بكر وفعل أبو بكر إلا والصديق متصل به، وحتى ربما قالوا قال الصديق وفعل الصديق، استغناء عن اسمه وكنيته. ولقد قال النبي - صلى الله عليه -: "الزبير حواري وابن عمتي، وطلحة حواري" وقال: "عثمان ذو النورين" فلم يقل المسلمون: قال عثمان ذو النورين، وقال الزبير الحواري، وقال ذو النورين، استغناء عن أسمائهما وكناهما. فإن كان المسلمون أشاعوا اسم أبي بكر وتركوا أن يشيعوا اسم غير أبي بكر، لفضل رأوه في أبي بكر، فهو الذي قلنا وادعينا. وإن كان ذلك منهم لشئ رأوه في وجه رسول الله - صلى الله عليه - وفي صنيعه بأبي بكر، فلا شئ أدل على الفضيلة والمباينة منه. ولم يسمه النبي - صلى الله عليه - عليا باسم ينسبه به، لأن ذلك لو كان

стр. 120

لظهر كما ظهر اسم من ذكرنا. ولا سماه أحد من أصحاب رسول الله باسم بان به كما سمى أصحاب رسول الله أبا بكر خليفة رسول الله. ولأبي بكر اسمان يدلان على الفضيلة والمباينة: أحدهما لم يسم به قط إلا نبي أو من يتلوه، والآخر لم يسم به أحد من الناس. فأما الاسم الذي لم يسم به إلا نبي فقوله "الصديق" بإجماع من المسلمين على هذا الاسم أنه لأبي بكر دون غيره. وأما الاسم الذي لم يسم به مؤمن قط ولا بعده، فقول جميع الأمة: يا خليفة رسول الله. فإن كان الذي نقل إلينا أنه [كان] يكتب في دهر النبي - صلى الله عليه -: "من خليفة رسول الله" ويكتب إليه: "إلى خليفة رسول الله". وكما كان الحسن يحلف بالله أن النبي - صلى الله عليه - هو تولى استخلافه، فلا منزلة أعظم منها قدرا، ولا أرفع منها شأنا. وإن كان المسلمون أجمعوا له على ذلك لخاصة رأوها فيه، فكفى به شرفا وقدرا، ومزية وذكرا. وإن زعم قوم أن الأسماء التي ارتضاها الرسول - صلى الله عليه - وحبا بها أصحابه لا تدل على فضيلة ولا على خاصة كرامة، وجسروا على أن يقولوا إنه ليس في قول النبي - صلى الله عليه - لحمزة إنه: "أسد الله وأسد رسوله" فضيلة، وليس في قوله: "الزبير حواري" فضيلة - فليس عندنا في ذلك إلا مثل ما لهم في صدور أهل القبلة من الإسقاط والإهانة. فإن قالوا: إن اسم الصديق مولد موضوع محدث، أحدثته العثمانية والحشوية.

стр. 121

قيل لهم، فلعل قولهم: إن حمزة أسد الله وأسد رسوله، وإن جعفرا الطيار في الجنة، وإن الزبير حواري رسول الله، مولد موضوع صنعته الشيعة، وأحدثه أتباع الزبير يوم الجمل. لا فرق بين ذلك. وكيف يكون اسم الصديق مولدا محدثا، وأكثر من تكلم به ليسوا بذوي نحلة فيتقدروا له، ولا بذوي معرفة فيعرفوا فضله، ولا ذوي قرابة فيطلبوا السبق به، مع الذي نجده في الأشعار الصحيحة القديمة، وليس بين الأشعار والأخبار فرق إذا جاءت مجئ الحجج. وإنما ذكرنا الأشعار مع الأخبار ليعرفوا ظهور أمره، ووجوه دلائله وقهر أسبابه، وليكون آنس للقلوب، وأسكن للنفوس، وأقطع لشغب الخصم، ولجحد المنازع. فمما جاء من الأشعار في ذلك قول شريح بن هانئ الحارثي، وكان معمرا وكان شيعيا، وهو يرتجز في بعض حروبه: أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت الرسول المنذرا * وبعده صديقه وعمرا

стр. 122

ويوم مهران ويوم تسترا * وباجميراوات والمشقرا والجمع من صفينهم والنهرا * هيهات ما أطول هذا عمرا ألا ترى أن هذا شريح بن هانئ سمى أبا بكر صديقا على ما لم يزل يسمى به. وقال العجاج بن رؤبة، وهو أعرابي ليس بذي نحلة ولا صاحب خصومة، وقد أدرك الجاهلية: عَهْدَ نبي ما عفا وما دثر * وعهد عثمان وعهدًا من عمر وعَهدَ صديق رأى برا فبر * وعهد إخوان هم كانوا الوزر وقال الحارث بن هشام بن المغيرة، حين بلغه وهو بمكة أن الأنصار قد كانوا اجتمعوا وقالوا لقريش في سقيفة بني ساعدة: منا أمير ومنكم أمير: • قبض النبي وبويع الصديق * في قصيدة له طويلة، وهو التي يقول فيها: • وأراد أمرا دونه العيوق * وإنما أردنا منها المعنى. وقال أبو محجن في ذلك: سميت صديقا وكل مهاجر * سواك يسمى باسمه غير منكر

стр. 123

وقال طريف بن عدي بن حاتم: أبيدوا قريشا بالسيوف ليظهروا * معاهد دين الله بعد محمد وصديقه التالي المعين بماله * طوي البطن محمود الضريبة مذود وأول من صلى وصاحب حنكه * أصاخ لقول الصادق المتطرد وبعد قتيل الهرمزان، وباركت * يد الله في ذاك الأديم المقدد أقاموا طغاة حائرين عن الهدى * وليس يقوم الدين إلا بمهتد فلما تولوا طامن الحق جأشه * وثاب إليهم كل غاو مطرد أما قوله: "وثاب إليهم كل غاو مطرد"، فإن الغاوي مروان ابن الحكم، والمطرد أراد أباه الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله - صلى الله عليه -. وقال حسان بن ثابت في ذلك أيضا، وهو يهجو بعض الشعراء: لو كنت من هاشم أو من بني أسد * أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصِّيد أو في الذؤابة من تيم وقعت بهم * أو من بني جمح الخضر الجلاعيد أو من سرارة أقوام أولي حسب * لم تصبح اليوم نكسا مائل العود

стр. 124

لولا الرسول وروح القدس يحفظه * وأمر ربك حتم غير مردود وأنني أحفظ الصديق مجتهدا * وطلحة بن عبيد الله ذا الجود أتتكم خيلنا كاللوذ كالحة * تطوي السباسب بالشم المناجيد من كل خيفانة طال اللجام بها * وكل مختطف الأقراب كالسِّيد وقال طليحة الأسدي في ذلك: ندمت على ما كان من قتل ثابت * وعكاشة الغنمي يا أم معبد وأعظم من هذين عندي مصيبة * رجوعي عن الإسلام رأي المقيد وتركي بلادي والخطوب كثيرة * طريدا وقدما كنت غير مطرد فهل يقبل الصديق أني تائب * ومعط بما أحدثت من حدث يدي وقال البارقي في ذلك أيضا: بكر النعي بخير كندة كلها * بابن الأشج وخاله الصديق! هؤلاء الذين ذكرنا: شريح بن هانئ والعجاج بن رؤبة والحارث بن هشام بن المغيرة وطريف بن عدي بن حاتم وحسان بن ثابت وطليحة الأسدي، ومن أشبههم، ليسوا بأصحاب خصومات ولا نظر في الفاضل والمفضول.

стр. 125

وإنما قدموه وسموه صديقا على ما لم يزل يسمى به. وهذا أكثر من أن نأتي عليه في كتابنا ونستقصيه. والعجب من الروافض حين ترى ما قال رشيد الهجري والسيد الحميري ومنصور النمري حجة في أشعارها إذا كان ذلك القول في علي بن أبي طالب. وإذا قال حسان بن ثابت والعجاج والحارث بن هشام وأشباههم ممن ذكرنا في القدم والقدر في أبي بكر وعثمان وعمر وتقديمهم لم يكن حجة. وفي قول عبد الله بن عباس لعائشة بعد الجمل في دار بني خلف الخزاعي حين أرسله علي بن أبي طالب إليها: "لم تقولين إنه ليس في الأرض موضع أبغض إلي من موضع أنتم به، ونحن جعلنا أباك صديقا وجعلناك أم المؤمنين" حجة في أن تسميته بالصديق قد كان مستعملا في ذلك الدهر. وإذا أحببت أن تعلم قدر هذا الاسم الذي سمى به النبي - صلى الله عليه - أبا بكر فانظر في كتاب الله. قال الله جل ثناؤه: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا. ورفعناه مكانا عليا﴾ وقال: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا﴾ فذكر صديقيته قبل أن يذكر نبوته.

стр. 126

وقال في كتابه: ﴿ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسول وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾. ولكن انظر كيف نبين للروافض الحجج بالآيات والإجماع ثم انظر أنى يؤفكون، أي يسخرون بهذه الفضيلة له على علي. ثم الذي كان من تأمير النبي - صلى الله عليه - أبا بكر عليه حين ولاه الموسم وبعثه أميرا على الحاج سنة تسع، وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة. وكان أبو بكر الإمام وعلي المأموم، وكان أبو بكر الدافع بالموسم، ولم يكن لعلي أن يندفع حتى يدفع أبو بكر. ولا يستطيع خلق من الناس أن يزعم أن سنة تسع دفع بالناس غير أبو بكر، ولا يستطيع أحد أن يزعم أن سنة تسع لم يبعث النبي - صلى الله عليه - بصدر سورة براءة مع علي بن أبي طالب ليقرأه على الناس إذا فرغ أبو بكر. فإن قال قائل: ألا ترى أنه كان لعلي بن أبي طالب في ذلك الموقف من الفضل ما ليس له لخصلتين: إحداهما أن النبي - صلى الله عليه - بعث معه بصدر براءة، وقال: "لا يبلغ عني إلا رجل مني". والأخرى فرط الاحتمال وشدة الخطار الذي احتمله علي حين يقوم بالبراءة وقطع العهد وقد وافى الموسم من قبائل العرب ومن الموتورين والناقمين والحنقين، العدد الذي لا يحصى، والقوة التي لا تدفع، فشمر عن ساقيه وأبدى

стр. 127

صفحته، ففي هاتين الخصلتين دليل على أن له في ذلك ما ليس لأبي بكر، والمحنة عليه أشد. قيل له: إن كان الشأن في شدة الخطار والتغرير والتعرض على ما قلتم، فنصيب أبي بكر في ذلك أوفر، والأمر عليه أخوف، وهو إليه أسرع، لأن أبا بكر كان هو الأمير والوالي والمتبوع، وعلي هو المؤتم والرعية والسامع والمطيع. وبين التابع والمتبوع والآمر والمأمور فرق. وأما قولكم: إن النبي - صلى الله عليه - قال حين بعث بصدر سورة براءة مع علي بن أبي طالب: "إنه لا يبلغ عني إلا رجل مني" فإنما قال هذا وليس بحضرته أبو بكر ليكون علي قد قدم عليه، لأن النبي - صلى الله عليه - قد كان وجه أبا بكر قبل ذلك، ثم بعث عليا بعده فلحقه في الطريق. وقد زعم ناس من العثمانية أن النبي - صلى الله عليه - لم يقل ذلك لعلي تفضيلا منه له على غيره في الدين، ولكن النبي - صلى الله عليه - عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعرفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، فكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره، أو رجل من رهطه دنيا كأخ أو ابن أو عم أو ابن عم. فلذلك قال النبي - صلى الله عليه - ذلك القول. ثم الذي كان من تفضيله عليه وعلى الناس جميعا أيام شكاته، حيث أمره أن يؤم الناس ويقوم مقامه في صلاته وعلى منبره، حتى أن عائشة وحفصة أرادتا صرف ذلك عنه لعلل سنذكرها في

стр. 128

موضعها إن شاء الله، فقال النبي - صلى الله عليه -: "إليكن عني صواحب يوسف، أبى الله ورسوله إلا أن يصلي أبو بكر". ولم يستطع أحد من الناس أن يقول إنه صلى بالناس في تلك الأيام غيره، ولا استطاع أحد أن يقول إن المأمور بالصلاة كان غيره، حتى قالوا بأجمعهم: اختاره رسول الله لديننا فاخترناه لدنيانا. وحتى قالوا: ولاه رسول الله صلاتنا، وزكاتنا تبع لصلاتنا، وهما معظما أمر الدين. ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه لما تقدم أبو بكر بالناس ليصلي بهم والنبي - صلى الله عليه - مسجى قال له رجل واحد: وما لك تصلي بنا على غير عهد ولا سبب. ولا قال رجل من خلفه مثل ذلك، ولا قال رجل من الأنصار: منا مصل ومنكم مصل، كما قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فإن كان الناس مع كثرة الخير والشر فيهم تركوا مجاراته ومدافعته في قيامه في مقام رسول الله ﷺ لتبريزه كان عليهم عند أنفسهم، فكفى بذلك دليلا على الفضل وحجة على الاستحقاق. وإن كان رضاهم بذلك وتسليمهم للذي ثبت عندهم من أمر رسول الله - صلى الله عليه - وتقديمه إياه، فليس لأحد في ذلك متكلم، ولا لشاغب فيه متعلق، ولا لواقف فيه عذر، والقوم جميع، ومصلاهم واحد، وتقدمه ظاهر.

стр. 129

ولم تكن صلاة واحدة فيكون خلسة. والقوم كانوا أشد تقديما لذلك المقام من أن يدعوا رجلا لم يقهرهم بسيف، ولم يمتنع عليهم بعشيرة، ولم يفض فيهم الأموال، وليس معه فضل بائن، ولا سبب من من قرابة، ولا أمر من النبي - صلى الله عليه -. فإن صاروا إلى الاعتلال بالأحاديث وذكر الآثار قالوا: إنما نحتاج إلى المقابلة بين أفعال علي وأفعال غيره، لو كنا لا نجد له غير الأفعال. فإذا كنا قد وجدنا له من غير الأفعال ما هو أدل على الفضيلة من الأفعال، لم يكن لنا أن نتخطى الأفضل إلى الأنقص في دفع المتغلب وإقامة المستحق عند ظهوره وزوال التقية فيه. لا أنهم قابلوا بين جميع المهاجرين في القرب والبعد، ولا أنهم صنعوا العلم بفضله بعد موت النبي ﷺ . ولكنهم قوم قد كانوا من قبل ذلك بثلاث وعشرين سنة يرى بعضهم بعضا ويعرف بعضهم أمر بعض، يغزون معا ويقيمون معا، ويسمعون من النبي - صلى الله عليه - القول بعد القول، ويرون أحوال الرجال عند النبي - صلى الله عليه -، وفي المسلمين وفي أنفسهم، فعلموا بذلك فضل أبي بكر. فلما توفي النبي لم يحتاجوا مع علمهم الأول إلى أن يضعوا علما ثانيا. ولو أن رجلا منا شاهد النبي - صلى الله عليه - وأصحابه سنة واحدة ما خفي عليه من المقدم عنده وعند المسلمين، ومن أشبههم به هديا

стр. 130

وعملا، وطريقة وعزما. فما ظنك بالسلف الطيب، والخيار المنتخبين، وأس الإسلام ومرسى قواعده. وذلك أن أبا بكر لا يخلو حيث أسلم أن يكون أسلم قبل الناس، أو ثانيا، أو ثالثا. فإن كان إسلامه قبل الناس فقد تبين للثاني تقدمه، وللثالث تقدمهما عليه. فإذا كانوا ثلاثة لم يخف عليهم أيهم أفضل. ثم إن أسلم بعدهم نفر لم يخف أيضا قصة الثلاثة المتقدمين. وكلما أسلم قوم لم يخف عليهم حال الأفضل بالذي يرون عند من أسلم قبلهم. فكانوا كذلك ثلاثا وعشرين سنة. فقد أيقنا أن القوم لم يؤتوا في تقديم أبي بكر من الجهل بموضع الفضل، أطاعوا الله في إقامته أم عصوه. وكذلك لو كانوا قدموا غيره ما كانوا إلا متعمدين. وذلك أن الأفعال إنما تدل على ظاهر عدالة الرجل وفضيلته، ولا تدل على باطن طهارته وإخلاصه. وقول الرسول - صلى الله عليه - في الرجل ومديحه له وإخباره عن فضله ومنزلته، والوحي ينزل عليه صباح مساء، أدل على طهارته وإخلاصه. وإذا كان العبد كذلك كانت النفوس إليه أسكن، وكان من التبذل أبعد، مع السلامة من النفاق والدخل في الاعتقاد، لأن الغلط في خبر الرسول - صلى الله عليه - ونصه وتبيينه وإقراره للرجل

стр. 131

بالفضيلة والاستحقاق، أقل من الغلط فيما بين أقدار الناس، من الموازنة بين أفعالهم وعقولهم، وعلومهم وتجاربهم، وصلاح الناس عليهم، مع كثرة عدد الأفعال المتساوية والمتقاربة، ومع كثرة عدد المتساوين والمتقاربين من الرجال. فمما يدل على تفضيل النبي - صلى الله عليه - له قوله يوم غدير خم، وهو قابض على يده وقد أشخصه قائما لمن بحضرته: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه". وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي". وقوله: "اللهم آتني بأحب الناس إليك يأكل معي من هذا الطير" ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، طمعا أن يكون أنصاريا، فأبى الله إلا أن يجعله الآكل والآتي والأحب. ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه - حين آخى بين أصحابه فقرن بين الأشكال، وقرد بين الأمثال، جعله أخا من بين جميع أمته وعلية أصحابه. قيل لهم: إن الأخبار لا بد فيها من التصادق كما لا بد في درك العقول من التعارف، فإن في عدم التعارف في حجج العقول والتصادق في حجج السمع عدم الإنصاف وبطلان الكلام. وليس لكم أن ترفعوا خبرا له ضرب من الإسناد وتوجبون تصديق مثله. لأن كل واحد من الخصمين لا يعجزه دفع المستفيض بلسانه،

стр. 132

فضلا عن دفع الشاذ، وإن كان ناقله عدلا في ظاهره، فإذا كان ناقله ذلك كذلك فأولى الأمور بكم وبهم الصدق، وليس كل من أراد الصدق في مثل هذا قدر عليه إلا بالتقدم في كثرة السماع واتساع الرواية. وليس لأحد، وإن حسن عقله وصح فكره، أن يقول فيما لا يضاف علمه إلا من طريق الخبر، حتى يكون صاحب خبر وطالب أثر، فإذا صح عقله وكثر سماعه خفت مؤونته على نفسه وعلى خصمه. أوما علمتم أن خصومكم، وهم أكثر منكم عددا، وأكثر فقيها ومحدثا، يروون أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ليس أحد أمنّ علينا بصحبته وذات يده من أبي بكر، ولو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن ودا وإخاء إيمان". فإن كان هذا الحديث كما نقلوا لم يجز أن يكون النبي - صلى الله عليه - آخا أحد إلا أن يكون الأخ غير الخليل، ولا نعلم الخليل إلا أخص منزلة وأقرب مودة. مع أن قوله: "ولكن" دليل على أنه قد كان آخاه. وأعجب من هذا يروون أن النبي - صلى الله عليه - قال في شكاته وقبيل وفاته: "إنه لم يكن نبي قبلي فيموت حتى يتخذ من أمته خليلا، وإن خليلي منكم ابن أبي قحافة". ويروون أن النبي - صلى الله عليه - قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر".

стр. 133

وقد تعلمون أن إسناده عبد الملك، عن ربعي عن حذيفة، والآخر سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله. ويروون أن النبي - صلى الله عليه - نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين، فقال: "هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا الأنبياء والمرسلين، يا علي لا تخبرهما". فزعموا جميعا أن عليا قال: ولو كانا حيين ما حدثتكم. ويروون جميعا أن عليا قام في الناس خطيبا فقال: "ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت" فكنى عن ذكر عثمان. ويروون أن النبي - صلى الله عليه - لما أسس مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فسئل النبي - صلى الله عليه - عن ذلك فقال: "هؤلاء أمراء الخلافة من بعدي". وقالوا: لما قدم المدينة رسول الله - صلى الله عليه - خط لأهل قباء مسجدهم بعنزة فوضع النبي - صلى الله عليه - حجرا، ثم قال: يا أبا بكر ضع

стр. 134

حجرا إلى جنب حجري، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب عمر، ثم التفت إلى سائر الناس فقال: وضع رجل حجره حيث أحب. ويروون أن النبي - صلى الله عليه - قال يوم الحديبية: "مثل أبي بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثله في الأنبياء مثل إبراهيم، ومثل عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالسخط، وفي الأنبياء مثل موسى" والحديث طويل ولكني اختصرته. ويروى أن النبي - صلى الله عليه - وضع في كفة الميزان والأمة في الكفة الأخرى، فرجح بهم. ثم أخرج النبي - صلى الله عليه - ووضع أبو بكر مكانه فرجح بالأمة، ثم أخرج أبو بكر ووضع عمر مكانه فرجح بالأمة، ثم أخرج فرفع الميزان. وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه - قال: "أيها الناس، إن الله بعثني إليكم جميعا فقلتم: كذبت، وقال لي صاحبي: صدقت، فهل أنتم تاركي وصاحبي؟ ". ومما يؤكد هذا قول النبي - صلى الله عليه -: "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا وقد كان له تردد وكبوة، إلا ما كان من أبي بكر فإنه لم يتلعثم". وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه - قال: "إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له" في كلام طويل. فإن كان ما رويتم في فضيلة علي حقا، وما رووا في فضيلة أبي بكر حقا، فأبو بكر خير من علي، وعلي خير من أبي بكر. وهذا هو

стр. 135

التناقض، والحق لا يتناقض. وفي هذا دليل أن النبي ﷺ لم يتكلم بذلك ولا قاله، لأن الخبر إذا خرج مخرج العام في تفضيل أبي بكر، وكذلك في تفضيل علي، فليس له وجه إلا ما قلنا، إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه - قد قال أحد القولين وصحت به الشهادة، ولم يقل الآخر، وإنما ولدته الرجال وصنعته حملة السير. ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إذا كان الإسناد متساويا، وعند الرجال متقاربا. وليس في هذه الأحاديث كلها حديث يضطر خصمه إلى معرفة صحته، أو يكون النبي - صلى الله عليه - قد تكلم بكثير من هاتين الروايتين وكان معناه وقصده فيها معروفا عند من كان بحضرته، حتى كان الجميع يعرفون خاصه من عامه. ولكن الناقلين احتملوها عن السلف مجردة بغير تأويل معانيها، فأدوها على اللفظ العام، فصار السامع يتناقض عنده إذا قابل بعضها ببعض، لجهله بأصول مخارجها، وكيف كان موقعها. والذي فسرت لك مثل تعرف به سمت الحجة وقصد السبيل. وهو كما نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر" ولم يكن بالنبي - صلى الله عليه - إلى استثناء نفسه حاجة، لمعرفته باستغناء الناس عن ذلك. وقد عرفنا بوجه آخر أن حديث أبي ذر كان مخرجه مخرج العام وأنه خاص وإن لم تكن خصوصيته موجودة في لفظ الحديث، لأنك إذا سألت الشيع فقلت: أي الرجلين كان أصدق عند النبي - صلى الله عليه -:

стр. 136

أبو ذر أو علي؟ قالوا بأجمعهم: علي. وإنما ترك النبي - صلى الله عليه - لعلمه بمعرفة المسلم بذلك من رأيه. وكذلك لو سألت العثمانية فقلت: أي الرجلين كان أصدق عند النبي - صلى الله عليه -: أبو بكر أو أبو ذر؟ قالوا: أبو بكر، كقول الشيع في علي. فقد أجمع الصنفان جميعا أن غير أبي ذر أصدق من أبي ذر. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "منا خير فارس في العرب"، قالوا: من هو؟ قال: عكاشة بن محصن. وليس بين الأمة تنازع أن زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب الطيار والزبير خير من عكاشة. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "يأتيكم خير ذي يمن، [عليه] مسحة ملك". فأتاهم جرير بن عبد الله. فلو كان هذ اللفظ العام عاما في معناه، ولم يكن النبي - صلى الله عليه - اتكل فيه على معرفة القوم، فترك لذلك الاستثناء والتفسير، لكان واجبا أن يكون جرير خيرا من سعد بن معاذ، ومن حمي الدبر،

стр. 137

ومن غسيل الملائكة، ومكلم الذئب. وهذا ما لا يقوله مسلم. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه - لأبي سفيان بن الحارث: "أبو سفيان خير أهلي" وقد علمنا أن حمزة والعباس وعليا وجعفرا خير من أبي سفيان. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "خير أهل الله عمر بن الخطاب" وقد أجمع المسلمون أن غيره خير منه، لأن الناس إما عمري وإما علوي، فالعلوي يقدم عليا، والعمري يقدم أبا بكر. والجملة أنه لم يقل أحد قط: إن عمر خير الناس. فهذا باب قد فرغت [منه]، تعرف به أن النبي - صلى الله عليه - قد يتكلم بالكلام المعروف المعنى عند من حضره، فإذا نقلوا الكلام وتركوا المعنى التبس على العابرين وجه المعنى فيه. فمن ذلك ما يعرف، كالذي حكينا من حديث أبي ذر وعكاشة بن محصن وجرير، ومنه ما يجهل كحديث علي وأبي بكر. وقد نقلوا عن النبي - صلى الله عليه - في رجال كلاما وتفضيلا ما نقل مثله في أبي بكر وعلي اللذين فيهما التنازع.

стр. 138

من ذلك أنهم نقلوا عن النبي - صلى الله عليه - أنه قال: "كم من ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك". وهذا كلام عظيم إن كان حقا، وليس عندنا فيه إلا أن نرده إلى الله ورسوله. وقد قال النبي ﷺ في رجال كلاما لو كان قاله في أبي بكر وعلي لكان أصحابهما سيجعلونه في أول ما يحتجون به في الإمامة والتفضيل مثل قول النبي - صلى الله عليه -: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره". ومن ذلك قوله: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة". وقوله في طلحة يوم أحد، حين واتاه السهم فوقى النبي - صلى الله عليه - فقال حين أصابه السهم: حس! فقال النبي - صلى الله عليه -: "لو قال باسم الله لرفعته الملائكة". ومن ذلك دخول عثمان عليه وهو مكشوف الفخذ، فغطاها، فقيل له: يا رسول الله، لم تغطها من أبي بكر وعمر وغطيتها عند دخول عثمان. فقال: "كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة". وقال: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ".

стр. 139

فهذا أيضا باب يعرف به أن الرجل ليس يستحق التقديم بالرواية والحديث، إذ كان هؤلاء دون أبي بكر وعلي في الفضل، وقد جاء فيهم ما لم يجئ فيهما. ولقد رووا في رجل لم يهاجر، ولم يصحب، ولم يشهد المشاهد، ولم ينفق، ولم يتعرض، ولم يدع إلى الله ورسوله، إلا أنهم زعموا أنه كان يطلب الحنيفية قبل مبعث النبي - صلى الله عليه -، وهو زيد بن عمرو بن نفيل، فزعموا أن النبي قال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده". وأي شئ أدل على كل فضيلة من قول النبي - صلى الله عليه - لعمار: "لا تؤذوا عمارا فإنما عمار جلدة ما بين عيني". ما أعطت الرافضة الطاعة أبدا، ولا رضوا من الناس بالأنصاف! وقد علمنا أن حمزة وجعفرا وعليا كانوا أفضل من سعد بن معاذ، ولم يهتز لموتهم عرش الرحمن، وقتلوا شهداء، ولم تحم لحومهم الدبر، ولا غسلتها الملائكة. فالله أعلم بمعاني هذه الأحاديث. ولعل النبي - صلى الله عليه - قال في كل رجل قولا عدلا. وكان ذلك قولا معروفا مفهوما عند الحاضر، ولكنه أدى اللفظ وترك المعنى. فإذا كانت الأحاديث في أسلافنا وأئمتنا على ما حكيت لك لا تمنع من معرفة وتدافع ما وصل إلينا منه، كان واجبا أن يكون المفزع في أمرهم إلى الخبر الذي يجئ مجئ الحجة، وترك ما سوى ذلك مما لا يبرئ من

стр. 140

سقم ولا يبرد من حيرة. وإنما الخبر الصحيح الذي لا يعتمد بضعف الإسناد، ولا يترك لضعف الأصل، ولا يوقف فيه لكثرة المعارض والمناوئ، كنحو ما روينا من مآثرهم في مقاماتهم ومشاهدهم، وكصنيع على ومؤازرته ببدر، وككون أبي بكر في العريش. وهذا ما لا يتدافع ولا يتناقض، لأن قتل على الأقران ببدر ليس بناقض لكون أبي بكر في العريش، ولأن موقف على بأحد لا يدفع كون أبي بكر في الغار، ولأن صنيع على بخيبر لا يدفع إنفاق أبي بكر الأموال، وعتقه الرقاب. فهذا وما أشبهه مما لا تجد له رادا ودافعا، وليس هذا من شكل ما قالوا: أن النبي - صلى الله عليه - قال: "اقتدوا بالذين من بعدي بأبي بكر وعمر" ونقلهم أن النبي - صلى الله عليه - قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى". وكما نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - آخى بين نفسه وبين علي، وأن النبي قال: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" في أشباه لهذا قد حكيت لك في صدر الكتاب، لتعرف مجرى الكلام في السلف. فإن قالوا: فلعل النبي قال: "اقتدوا بالذين من بعدي" وقد كان معلوما في [ذلك] الوقت أن عليا كان مستثنى في هذا القول. قيل لهم: ولعله قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" [و] قد كان معلوما في ذلك الوقت أن أبا بكر كان مستثنى.

стр. 141

فإن قالوا: الفرق في ذلك أنكم لا تنكرون روايتنا في علي، ونحن ننكر روايتكم في أبي بكر. قيل لهم: إن العجز كل العجز أن تعيد على خصمك بشئ لا يعجزه. فإن أبوا إلا جحد الأخبار وتكذيب الآثار والإيجاب على الناس ما لا يوجبون لهم مثله فإن الذين نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لم ينقلوا معه في الحديث: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". وإنما سمعنا هذه الزيادة من الشيع، ولم نجد له أصلا في الحديث المحمول. روى الأعمش - وكان رافضيا - عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله عليه - عليا في سرية واستعمله عليهم، فلما جاء قال: كيف رأيتم صاحبكم؟ قال: فإما شكوته وإما شكاه غيري، وكنت رجلا مكبابا، فرفعت رأسي فإذا النبي - صلى الله عليه - قد احمر وجهه وهو يقول: "من كنت وليه فعلي وليه". فواحدة أن الذي روى هذا الأعمش، وهو ظنين في علي مضعف عند أهل الحجاز. وسعد بن عبيدة ليس هناك. وثانية أنه لم يقل من كنت مولاه، وقال: "من كنت وليه"

стр. 142

فإذا اختلفت الألفاظ دل ذلك على الوهن. ولم يقل: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه". ونحن نشهد أن من كان النبي - صلى الله عليه - وليه فسعد بن معاذ وليه. وعلى أنهم قد رووا في شكاية أقوام في تلك الغزاة لعلي كلاما قبيحا. ووجه آخر مما يدل في هذا الحديث على الاختلاف والوهن: أنهم نقلوا أن هذا القول في علي كان أن عليا جارى زيد بن حارثة في بعض الأمر، ولاحاه فيه، لأنه أغلظ له فرد عليه زيد مثل مقالته، فقال له علي: تقول هذا القول لمولاك؟ فقال زيد: إنما ولائي لرسول الله - صلى الله عليه -، ولست لي بمولى. فأتى على النبي - صلى الله عليه -، فشكا إليه زيدا، فقال النبي ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه". وصدق النبي - صلى الله عليه - أن عليا مولى زيد، إذ كان النبي - صلى الله عليه - مولاه، وكذلك العباس والفضل وعبد الله وقثم وتمام ومعبد. وإذا كانوا هؤلاء موالي زيد لأن النبي - صلى الله عليه - مولاه، فلعلم النبي - صلى الله عليه - من ذلك ما ليس لهم جميعا فإنما أراد النبي - صلى الله عليه - أن يعلم زيدا غلطه في ذلك القول، حين ظن أن ابن عم النبي - صلى الله عليه - ليس مولاه. فإذا كان أمر على وزيد مشهورا عند أصحاب الآثار، فإنما عنى

стр. 143

مولى النعمة، وليس في هذا إخبار عن فضل على في الدين. ولو كان النبي - صلى الله عليه - قال كما زعمت الروافض: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه" كان هذا القول يدل على أن زيدا قد أتى جرما عظيما، فلم يكن ليتخطى دعاء النبي - صلى الله عليه - على من عادى عليا إلى غيره إلا بعد وقوعه به. لأن زيدا هو المشتكى، ومن أجل صنيعه خرج النبي - صلى الله عليه - إلى مثل هذا القول الشديد، وهذا الدعاء القاصم، ومن قوله ومذهبه غضب عليه، وعليه نص وإياه عنى. وإنما يقول هذا ويجوزه من لا علم له بقدر زيد عند النبي - صلى الله عليه -. أوما علمت أن زيدا أحد من روى الناس عنه ونقلوا أنه كان أقدم الناس إسلاما. وقد دللنا على فضيلة إسلامه على إسلام علي في صدر كتابنا، في كلام العثمانية. وقد بلغ من قدره عند النبي - صلى الله عليه - وتفضيله إياه أنه لم يكن في سرية قط إلا كان أميرها، ولا أقام ببلاد إلا وهو أميرها. ويدلك على ذلك أن النبي - صلى الله عليه - أمّره على جعفر الطيار، وعقد له يوم مؤنة، ثم عقد لابنه أسامة على كبار المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص. حتى قال رجال من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة -: يولي علينا هذا الغلام! فغضب عمر ورد

стр. 144

عليهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه - فقال: ألا أعجبك يا رسول الله من رجال يقولون كذا وكذا؟ فمشى النبي - صلى الله عليه - إلى المنبر في شكاته التي توفي فيها فقال: ما مقالة بلغتني عن بعضكم في أسامة وتأميره، ولئن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن ابنه لخليق لها، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وابنه لمن أحب الناس إلي. فهو الحِبّ وأبو الحب، وهكذا يقال بالمدينة: أسامة الحب. ولذلك قال عمر لابنه عبد الله حين زاد في فريضة أسامة على فريضته، فقال له عبد الله: لم فضلته علي ونحن سيان؟ فقال عمر: إن أباه كان أحب إلى النبي - صلى الله عليه - من أبيك، وكان هو أحب إلى النبي - صلى الله عليه - منك. وقالت عائشة عند وفاة النبي - صلى الله عليه -: لو كان زيد حيا لاستخلفه النبي - صلى الله عليه - عليكم. هذا وأبوها الخليفة والمجعول إليه الإمامة. ومما يدلك على فضيلة أبي بكر ومكانته وخاصته من النبي ﷺ وعظم شأنه عنده، أن النبي - صلى الله عليه -[لما] آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين حمزة، وإليه أوصى حمزة يوم أحد. وقد تعلمون أن حمزة استشهد وهو أجل الناس في صدور المؤمنين، وأعظم في أنفس المهاجرين. وإن امرأ يكون كفئا لحمزة في الإخاء، وحمزة على ما وصفنا، لعظيم الشأن، رفيع المكان.

стр. 145

ولو لم يعرف من قدره إلا أن ذكره الله باسمه في كتابه، كما ذكر لقمان، ولم يفعل هذا لغيره من هذه الأمة، لقد كان ذلك دليلا على المنزلة والقربة، فكيف يجوز أن يكون في الحديث: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه" وحال زيد وصفته على ما ذكرنا وفسرنا؟ مع أن اللفظ في الحديث لو كان: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه"، لم يكن فيه دلالة تضطر إلى إمامته، وحجة تقهر العقول وتحملها على معرفة خاصته، ولكنه لفظ يدل على الفضل والقدر، وليس بالتفضيل الذي لا بعده، والتقديم الذي لا فوقه. وإنما الكلام الذي لا بعده قول النبي - صلى الله عليه -: "ما أحد أمنّ علينا بصحبته من أبي بكر" وقوله: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" وقوله: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين". فإذا كان هذا الحديث مختلفا في أصله وفي صحة مخرجه، ومختلفا في تأويله وفرعه، والحجة في أصله متدافعة، والحجة في فرعه متكافئة، فكيف يكون جحد على إمامته واستحقاقه وفضيلته على نظرائه. ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه، ثم كان لفظه محتملا لضروب التأويل، ما كان للروافض فيه حجة تقطع الخصم وتظهر المباينة. ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه وكان لا يحتمل من التأويل إلا معنى واحدا، ما اختلفت في تأويله العلماء، ولا اضطربت فيه الفقهاء، ولكان ذلك ظاهرا لكل من صح لبه، وحسن بيانه،
следующие страницы →